Aug 7, 2009

Year 3. Issue 443 | Kubrick's 2001: Space Odyssey | Antonioni's Zabriskie's Point | الزمن المتبقّي لإيليا سليمان

بين الأفلام | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ12.08.09ــــــــــ
ساراييفو بعد الموت

Snow | Dir: Aida Begich (Bosnia/ Germany ...)

قبل يومين بدأ مهرجان ساراييفو دورته الخامسة عشر بعرض فيلم من رومانيا بعنوان »حكايات من العصر الذهبي« مؤلف من أفلام قصيرة تتحدّث جميعها عن فترة الرئيس المخلوع (ثم الراحل) شاوشيسكو من باب النقد طبعاً٠
المهرجان يؤمه اليوم جمهور يصل عدده الى مئة ألف شخص، كما يتوقّع مصدر من المهرجان الذي يعرض هذه السنة أفلاماً من شتّى أنحاء أوروبا وبعض الأفلام الأميركية (دون أن يتهافت على هوليوود كما تفعل المهرجانات الكبيرة)٠
أتمنّى أن أحضره في العام المقبل إن لم يكن لشيء فتحيّة لمؤسسيه الذين رأوا أن السينما أفضل من يرأب الصدع بين الناس وأنها الفاصل بين الموت متمثّلاً في حرب بغيضة مزقت المقاطعة البوسنية وقتلت قرابة تسعين الف ضحية في ثلاث سنوات، وبين الحياة التي تترعرع الآن ولو أن الذاكرة لا يمكن أن تخبو سريعاً. هناك أفلام عديدة تم إنتاجها في الدول الثلاث: بوسنيا، كرواتيا وصربيا تدور حول الحرب الطاحنة التي مزّقت العائلات والأوطان (من 1992 الى 1995) وبما أن نحو ثلاثين بالمئة بالمئة من الضحايا كن من النساء لا عجب أن السينما البوسنية تناولت هذا الجانب أكثر من سواه الى الآن٠
في العام الماضي عرض المهرجان فيلما بوسنيا/ المانيا// ايرانيا/ فرنسيا مشتركاً بعنوان »ثلج« (الصورة) حول قرية كل من فيها من النساء: أمهات او زوجات او شقيقات او بنات... الرجال ماتوا٠


أنا وسلفستر ستالون وايلي سماحة


وأحد المواقع الأجنبية يتحدّث عن أن الممثل سلفستر ستالون سوف يُمنح جائزة شرفية من مهرجان فانيسيا المقبل. هل هذا صحيح؟ هل يستحق رامبو جائزة؟ لم لا يستحقّها مثلاً روبرت ردفورد او وورن بايتي او عمر الشريف او محمد بكري؟ ماذا قدّم ستالون في عمق الإداء وعمق الوجدان ما لم يقدّمه سواه؟
وعلى ذكره، التقيت مرّتين بالممثل ستالون، مرّة في حوار مع شلّة من أعضاء جمعية المراسلين الأجانب في هوليوود وكان لطيفا ووديعاً للغاية وصاحب نكتة ( "قلت لأرنولد شوارتزنيغر تعال نمثّل معاً في فيلم واحد قبل أن نشيخ" ولحمنا يترهّل")٠
المرّة الثانية حين سألني الصديق يوسف شريف رزق الله إذا ما كان يمكن لي الإتصال بسلفستر ستالون لكي تتم دعوته الى مهرجان القاهرة وكان ذلك قبل نحو خمس سنين. كان ستالوني حينها يعمل مع المنتج اللبناني إيلي سماحة، فاتصلت بايلي فأعطاني موعداً وذهبت الي بيته ولم أجده. لم أجد أحداً على الإطلاق. لكن البوّابة التي تتقدّم الفيلا كانت مفتوحة، والباب الداخلي للفيلا كان مفتوحاً وأول ما تدخل من الباب يصدح الموسيقا تلقائياً٠ فضلت البقاء في السيارة منتظراً وبعد ربع ساعة وصل وبدا كما لو أنه فوجيء بي. ذكّرته سبب زيارتي: "أنت تعرف ستالون وتستطيع أن تتحدّث معه بحرية. هل يقبل دعوة مهرجان القاهرة له. نعم او لا"٠
اتصل ايلي بستالون فعلاً وجلست استمع الى حوار من طرف واحد بعدها قال لي
يريد طائرة خاصّة تنقلنا من لوس أنجيليس الى القاهرة٠
تنقلكم؟
نعم. أريد أن أذهب أيضاً ولم لا تأتي معنا؟
ستالوني كان الوحيد الذي لا يزال يعتبر نفسه أنه يستطيع الحصول على طائرة خاصّة من لوس أنجيليس الى القاهرة... ربما ايلي لا يزال يعتبره كذلك أيضاً. لقد أنتج له فيلماً رديئاً بعنوان
Get Carter
إعادة صنع لفيلم أفضل من بطولة مايكل كاين في السبعينات٠
اتصلت بالقاهرة وتحدّثت مع الصديق يوسف فوعدني بالرد عليّ خلال أيام. وبعد يومين جاءني الرد: يستطيع المهرجان إرسال طائرة خاصّة الى لندن، أما لوس أنجيليس- لندن ولندن- لوس أنجيليس فسيرسل تذاكر درجة أولى لستالون وللمنتج سماحة٠
أخبرت ايلي على الفور (هاتفياً هذه المرّة) وايلي اتصل بي في اليوم التالي وأخبرني أن ستالون مصر على موقفه. قلت له
مُصر؟ لا توجد طائرة خاصّة يستطيع المهرجان توفيرها تطير حول الكرة الأرضية. هذا ليس قراراً. هذا واقعاً٠
الى أن أخبرت المهرجان بالحديث كان الرأي هناك تغيّر. لم تعد هناك الرغبة في استقباله. أما أنا فلزمت السؤال: إذا كان ستالون يريد معاملة ملكية بعدما هوى نجمه، ما كان الحال عليه لو أنه كان لا يزال في قمّة نجوميّته؟

لديك بريد

بعض الرسائل المتراكمة. سمر على العنوان البريدي كتبت تسأل عما إذا كنت أنا من يكتب أيضاً في موقع »رابطة أدباء الشام« وقد بعثت برابط ما أن فتحته حتى طالعني إسمي على موضوع ليس لي٠ لكني يا أخت سمر لست أنا الكاتب الذي يحمل الإسم نفسه والموجود في ذلك الموقع. ولا أعتقد أن أحداً يستعير إسمي بل يخلق من الأسماء الملايين٠

والأخ أحمد لطيف كتب يقول

قرأت تحليلك النقدي الجميل لفيلم أنطونيوني الذي كنت اشتريته على ديسك قبل عدة أشهر لكني لم أشاهده من باب الكسل رغم إعجابي الكبير بالمخرجين الأوروبيين عموما، وحالما انتهيت من قراءة النقد الوارد في مجلتك الإلكترونية التي تزداد إبداعاً عدداً وراء عدد سارعت وشاهدت الفيلم ولا أستطيع أن أعبر عن مدى سعادتي خاصة وأنك فسّرت بسهولة فريدة بعض الغموض بالنسبة للشخصيات وتصرفاتها. وبالمناسبة أشكرك وفريق العمل على كل تلك النوافذ التي تفتحونها للنوستالجيا وافلام الأمس. أنا رجل فاتني سن الشباب ولا زلت متمسّكا بالقديم. لكن القديم ليس له معنى اليوم الا إذا تم تقديمه كما تقدّمه أنت والأخ ميسر المسكي والأخ ابراهيم العريس والأخ جلال نعيم

جواب | لا شكر على عمل أقوم به عن حب. أعتقد أن مهرجانات السينما العربية عليها أن تفعل شيئاً حيال هذا النقص فتستعيد أفلاماً لأنطونيوني وبيترو جيرمي وغودار وآرثر بن وروبرت ألتمن وانغمار برغمن وكل العمالقة التي أحببنا السينما بسببهم. ولا تنسى المثل المصري الحكيم: من فات قديمه تاه٠

ومجهول كتب يقول

كل الإحترام لما ينشر حول الأفلام من نقد ايجابي وبنّاء ومن إعجاب شديد فإني لا أرى سبباً لهذا كله وذلك لسبب بسيط جدا: نحن محرومون من هذه الأفلام. وأنت بنفسك ذكرت في مقالاتك أن الناقد عليه أن يتواصل تواصلا جيدا مع جمهوره لكن الا ترى أن هذا التواصل لا يمكن ان يتم اذر لم يكن الجمهور قادر على مشاهدة الفيلم؟ طبعا أتحدث ٠

جواب | الناقد عليه أن يتواصل مع جمهوره سواء كتب عن فيلم لستيفن سبيلبرغ او لياسيجيرو أوزو، أي سواء أكان هناك أمل في أن يجد الفيلم طريقه الى العروض العربية او لا. بالنسبة للكتابة عن فيلم لا يستطيع المشاهد العربي مشاهدته، فأعتقد، وربما القراء معي في ذلك، أن الكتابة عن الفيلم تثبته في الوجدان والمعرفة وتحاول أن تعوّض النقص الحاصل. لنبقى متفائلين ونقول: يوماً ما سيشمّر أحد المستثمرين عن ساعديه ويفعل الشيء الصحيح فيؤسس شركة توزيع للأفلام البديلة والفنية. يوماً ما سيقرر مهرجان سينمائي عربي حفر خندق لكل سينما الأمس وأسماءه الكبيرة. الى ذلك الحين، نحن هنا سنواصل الكتابة عنها٠

والى الأخ عبد الله العيبان الذي كتب يقول معلّقا -أوّلا- على ما ورد هنا حول الممثل توم سايزمور
توم سايزمور، هذا غريب لكن أرجوك أن تكتب المزيد عن تلك اللحظات الخاصة في حياتك. مقال ابراهيم العريس كالعادة ممل. بلا رسالة كما لو كان يريد أن يملأ الصفحة٠

وينتقل الأخ عبد الله الى مجلة »فيلم ريدر« ويكتب
مقالة لطيفة عن رأفت الميهي. رائعة كما لو كنت أشاهد الفيلم نفسه. لكن ماذا عن الأخوين هيوز٠

جواب | لا أوافقك الرأي بالنسبة لكتابات الأخ ابراهيم العريس مطلقاً. هي بالطبع لها رسالة وفيها رأي لكن الأسلوب يختلف من ناقد الى آخر. بالنسبة لمقالتي عن »للحب قصّة أخيرة« أشكرك على ما ذكرته. أما الأخوين هيوز، هناك الأخوين فارلي مثلاً والأخوين وايتز وزوكر ...و هل لاحظت أنه عربياً لا يوجد أخوين عملا معاً كمخرجين الا الأخوين لاما في العشرينات؟ غريب. أليس كذلك؟

أريد أن ألفت نظرك الى أمر ما طلبته. الرجاء أن تبعث لي بعنوانك البريدي من جديد لأن لدي ما أكتبه اليك. تحياتي

والصديق عبد الرحمن عيتاني عاود الكتابة بعد انقطاع معلّقاً على موضوع العنصرية الذي نشرته هنا يوم أمس. يقول

والله يا عمّي متل العادة. حطيت إيدك على الجرح النازف في سلوكيات إبن العرب. العنصرية (الموضوع أدناه) داء ونحن اللبنانيين، كما قلت، خبرناه ولا نزال. جرّبناه على غيرنا وغيرنا جرّبه علينا. شكرا لهذا المقال الأكثر من جيد

جواب | والله يا عمّي كان يمكن أن أقول أكثر من ذلك، خصوصاً وأن اولئك الذين يمارسونه من السينمائيين والصحافيين منتشرين وهم مثل من يصب الزيت على النار. منتهى عدم الحضارة٠


بين الأفلام | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 13.08.09 ــــــــــ
ملامح أفلام المهرجانات الخليجية الرئيسية الثلاث بدأت تتشكّل
3
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السينما الخليجية حقيقة موجودة .... حالها في ذلك حال كل السينمات الأخرى

من فيلم فيصل العتيبي الوثائقي "الحصن" (السعودية)٠

ذات مرّة، قبل نحو ثلاث سنوات، استوقفتني عبارة، على شكل سؤال، قالها لي زميل في المهنة: "هل تعتقد فعلاً أن أبناء الصحاري يستطيعون تحقيق سينما او حتى إقامة مهرجان؟ مهرجاناتهم هذه ما هي الا استعراضات للإبهار"٠

هذه العبارة كانت مدخلاً لحديث طويل تبعه بعد ذلك تحوّل محدود في موقفه غير عائد لجوابي على تساؤله ذاك (واستهجاني له في الأساس) بل لما رآه وتابعه من نتائج حققها أحد المهرجانات الخليجية وكيف أنه (المهرجان وليس الزميل) تبلور الى ما هو أكثر وأعمق من واجهة استعراضية٠

المشكلة التي يواجهها البعض منّا ربما نجد لها مماثلاً فرويدياً حيث أن الإنسان إنما يحاول طمر ما لا يرغب في مواجهته او التخلّص منه. وإنه حين يرتكب أثماً يحاول غسله. حين ينام مع عشيقته في أول خيانة لزوجته فإنه يستغل أوّل فرصة للإتصال بها (بعيداً بالطبع عن سمع عشيقته) ليقول لها أنه يحبّها. بذلك ردم الذنب بإتصال يبدو من الطرف الآخر بريئاً. لذلك، أيضاً، فإن مشهد جانيت لي في فيلم ألفرد هيتشكوك »سايكو« مشهد فرويدي بإمتياز. إنه المشهد الذي تدخل فيه ماريون (لي) الحمّام وتقف تحت الرذّاذ (او الدوش) لتغتسل. تغتسل من ماذا؟ من الإثم الذي ارتكبته متمثّلاً بسرقة مال مديرها والهرب به. لكن هنا، خلال غسل الذنب، يدخل عليها القاتل نورمان متخفّيا في زي أمّه (ولو أننا لا نعرف آنذاك إنه متخف) وينهال عليها طعنا. لقطة الى أرض الحمّام والدم (الفيلم بالأبيض والأسود) يتسارع نحو البالوعة. البالوعة بدورها (كذلك المرحاض في أفلام أخرى) رمز لوسيلة التخلّص من النفايات النفسية

من ناحيتها، وأنا لا أدّعي إنني عالماً نفسياً لكني أقرأ، فإن عملية التعميم قد تنتمي الى محاولة المعمّم أن يتخلّص من أشياء كثيرة عوض مجابهتها. في الحالة المذكورة أعلاه فإن التعميم يرضي القائم به من حيث هو استناد الى مفهوم عام لا يريد الغوص فيه لأنه لا يملك مقوّماته. لم يشاهد الأفلام الخليجية التي خرجت للعرض في السنوات العشر الأخيرة. لديه قناعة لا يستطيع الدفاع عنها جيّداً وهو لم يحضر مهرجاناً خليجياً (لنقل مهرجان السينما العربية الذي أقامه بسّام الذوادي في البحرين في نهاية التسعينات وتوقّف للأسف) ليقف على الجهد المبذول والنيّة الصادقة لإنجاحه. ولا مهرجان دبي الذي ليس أقل بذخاً من مهرجانات عربية وغير عربية أخرى، لكنه يتلقّى النقد على هذا البساط كما لو أنه ليس أكثر من حفلات وولائم وبضع ممثلين وكاميرات٠

من هذه الزاوية إذا ما كان من الخطأ تعميم الحديث عن السينما البرتغالية والسينما الأرجنتينية والسينمات الإسكندنافية، كيف يمكن تعميم الحديث عن السينما الخليجية؟ لماذا الممنوع هناك ممكن هنا؟
وشعب الصحراء؟ أليست الصحراء جزءاً من مكوّنات الثقافة في المغرب والجزائر وموريتانيا؟ ما علاقة ذلك بالإبداع؟ اليس الشعر العربي إبداعاً؟ أليس أسلوب الحياة الجاف الذي يولّد فهماً مختلفاً وعميقاً وموحياً للصحراء وللطبيعة ويفرز لُحمة الإنسان مع البيئة كما لو كان الشجر النابت فيها هو أيضاً نوعاً من الإبداع؟

بالتالي، قيام المخرجين بالوقوف وراء الكاميرا هو إبداع بقدر ما هو، بالنسبة لعديدين، تقليد. العين التي تقف وراء الكاميرا في السويد هي ليست ذاتها التي تقف وراء الكاميرا في السعودية او الكويت او في أي بلد خليجي آخر. كل عين مرتبطة عضوياً بأسلوب حياة وشبكة من المفاهيم وكنز من السلوكيات. الإختلاف جذري أيضاً من حيث أنه لا توجد جنّة على الأرض في أي مكان وبالتالي لا يوجد مكان أفضل من مكان الا بقدر ما يستطيع المرء إنجازه في مكانه. ما يمنع عن قسم كبير من المخرجين العرب، في أي بلد ناطق بالعربية او مشتقّاتها، من الإنتاج هو أمر منفصل عما يمنعه من الإبداع رغم أن كليهما متّصل بالآخر عبر شريان أو أكثر
العملية الإنتاجية تستند الى استعداد المنتج (فرداً، مجموعة أفراد، مؤسسة الخ...) الإيمان بفعل الإستثمار في هذا الشيء الذي أسمه سينما٠
العملية الإبداعية تستند الى إستعداد الكاتب والمخرج (معاً او في شخص واحد) ممارسة دوره في المعرفة أساساً والتعبير بعد ذلك عما يود الوصول اليه من خلال الصورة. وهو لا يستطيع فعل ذلك بمنأى عن الظروف التي تسمح او لا تسمح بعملية الإنتاج

السينما الخليجية موجودة واستخدام كلمة سينما ليس خطأ دون أن يعني ذلك أن وجودها هو وجود للصناعة ذاتها. ليست هناك صناعة بل هناك سينما تبحث عن ترتيب البيت الإنتاجي والصناعي لكنها لم تستطع كبح جماح رغبتها في الإنتقال من المتلقّي (لابداعات الغير) الى المورد لها. بالنتيجة الحتمية، وكما هو الحال من الهند الى بريطانيا ومن جنوب أفريقيا الى الصين، لا يمكن أن تكون كل الإنتاجات متساوية، وبل لا يمكن أن تكون متناصفة بين الجيد والرديء منها. أكثر من ذلك، معظم الإنتاج لابد أن يكون رديئاً او ضعيفا وما فوق وصولاً الى مستوى الوسط حيث ناحية او أكثر تعكس ما يستدعي الثناء وناحية او أكثر تستدعي الإنتقاد
هذا مطبّق في المغرب وفي مصر وفي لبنان وفي أذربيجان على حد سواء. في الدنمارك وفي فرنسا وفي الولايات المتحدة كما في البرازيل واستراليا وكل ما بين أي من هذه الدول. لمَ التعامل مع السينما الخليجية على أساس التعميم ثم لم التعامل معها على أساس التشويه؟

طبعاً هناك قدر من العنصرية ونحن العرب، ليس تعميماً ولكن على مستوى غالب، عنصريون (ولو أن العنصرية منبوذة دينياً، أسلامياً ومسيحيا) . هناك عنصرية تجاه المصريين وهناك عنصرية تجاه الخليجيين (وبينهم هناك تمايز قد يصل الى العنصرية) كما هناك عنصرية في كل بلد على حدة لا في العالم العربي بل في العالم بأسره. ولن أدخل في مفهوم العنصرية حتى ولو كان فهمها ضرورياً لمعرفة المسببات التي تدفع البعض لأن يكون سواء أكان سائق تاكسي ،مخرج او ناقد سينمائي، جزّار او حتى معلّم مدرسة. لكنها موجودة وفي أحيان كثيرة مدفوعة من الخلف لغايات سياسية هي ذات الغايات التي تريدنا أن نبقى متفرّقين: المصري غير السوري واللبناني غير الفلسطيني والجزائري غير التونسي والكويتي غير السعودي وهكذا دواليك. أكبر من ذلك: كل منطقة هي غير المنطقة الأخرى وأصغر من ذلك كل بلد يحتوي في داخله أقليّة تمارس ضرباً من ضروب العنصرية عليها (وهذه الأقلية قد تدافع عن نفسها بعنصرية مماثلة)٠
جئت من بلد خاض الحرب بمسميات مختلفة، لكن العنصرية هي القاسم المشترك: الطائفية، المذهبية، العنصر البشري، الأصول الوطنية. هذا مسلم وذاك مسيحي والآخر درزي ثم هذا سُنّى وذاك شيعي . وهل رأيت ذلك الكردي؟ والله الأرمن رأسهم ناشف وعنيد. او هؤلاء المارونيين... ينقلبون عليك في أي لحظة. البيروتي مغفّل والسوري متخلّف والجبلي غليظ والجردي جاهل ... وهل سمعت النكتة عن ذلك الحمصي، او ذلك اليهودي، او ذلك الخليجي او ذلك المصري (وفي مصر عن ذلك الصعيدي) وهل سمعت تلك النكتة عن أبو العبد البيروتي؟
في كل حرف منطوق تنضوي نمطيات يستخدمها المتحدّث معممّاً خصالاً سلبية ليمنح نفسه مستوى مميّزا وليباعد بين ما هو عليه (عنصراً، ديناً، جنساً الخ...) عن الآخر. بذلك يشعر لا بتفوّقه فقط (وهو تفوّق واهم)، بل ليدخل شرنقته التي اعتاد عليها والتي يأمن لها لأنها ما نما عليها وتآلف معها وأصبحت من خصاله وهي شرنقة محطّة نقد الآخرين من ذات الزوايا

من الروائي القصير »القنّاص« لداوود شعيل (الكويت)٠

ولادة ثانية
أعتقد ما سبق هو جزء من الجواب حول السينما الخليجية من حيث أن معارضتها عليها، إذاً، أن تستند الى مفاهيم واقعية لا علاقة لها بالنظرات المُسيّسة عنصريا. وأسوأ ما قد يعتقده البعض أنني أذ تحدّثت في هذا الموضوع، نصبت نفسي مدافعاً. فلا يوجد فريق بحاجة لدفاع فريق اخر الا إذا كان مستضعفاً ولا أخال أن هذا هو الوضع هنا. كل ما في الأمر أنني حاولت التمييز بين نظرة سائدة من الخارج تمهيداً للإنتقال الى الداخل الذي عشته من خلال ترددي على المنطقة وعملي في مهرجان دبي لثلاث سنوات ومشاهدتي أرطالاً من الأفلام التي تم إنتاجها في السنوات العشر الأخيرة

ما كان ينقص السينما الخليجية هو الشاشة
الأفلام التي تم إنتاجها سابقاً في الكويت والبحرين والإمارات لم تخطو نحو درب مفتوح ولا هي كانت المقدّمة لأفلام تمشي وراءها. لم تفتح ولم تغلق بابا لأنه لم يكن هناك باب. بل شغف في البال لدى عدد من المخرجين الذين رادوهم الحلم فعملوا عليه وعانوا في سبيله ثم حققوه٠ حققوه من فراغ ولا يمكن لفيلم واحد أن يخلق سينما. السينما الفرنسية وُلدت بفعل سينمائيين وكل سينمائي بعدة أفلام في وقت واحد وفي ظرف مشترك لم يكن من الممكن إغفاله. الجمهور العريض طلبه

وولادة السينما الخليجية اليوم هي أقرب الى تلك الولادات المثالية: عملية جماعية هذه المرّة في ظرف تقني مُتاح وانتاجي مُشجّع وبسبب أن الشاشة أصبحت موجودة. هذه الشاشة أسسها واحد بإسم مسعود أمر الله آل علي عمل مخرجاً بدوره وكتب في السينما وقرر أن مهرجاناً للأفلام الإماراتية لا يمكن الا أن يولد الكهرباء في جسد المخلوق. مسعود هو الدكتور فرانكنستاين لكن المخلوق ليس الوحش المعروف. ويمكن مراجعة المعلومات حول القفزات العريضة التي خطتها السينما الإماراتية ومن ثم الخليجية بعدما أوجد مسعود تلك الشاشة. الساعة عندي الواحدة والدقيقة الحادية عشر ولا أشعر بأني أريد أن أقوم بهذه المهمّة التي ستأخذ وقتاً، لكن يمكن فتح موقع أفلام من الإمارات وإحصاء عدد الأفلام التي اشتركت في الدورة الأولى من ذلك المهرجان وعددها في الدورة الثانية ثم الثالثة وملاحظة الإرتفاع الذي حصل

بكل تأكيد الأفلام غير متساوية. وأستطيع تقسيمها الى فئات

أفلام جيّدة
أفلام غالب ما تعرضه جيّد
أفلام متوسّطة
أفلام غالب ما تعرضه ضعيف
أفلام رديئة
الفارق بين فئة وأخرى يكمن، أساساً، في المخرج وفريقه وقدرة الأول على تحقيق ما يقوم بتصويره وبأي نسبة
هذه القدرة لها علاقة بما تلخّصه كلمة »موهبة« من عناصر معظمها كامن في نفس توّاقة الى ممارسة الإختلاف الذي تعيشه داخلياً. ليس هناك مخرج جيّد في العالم جاء من السواد الكاسح من الناس. هو دائما المختلف بقدر او بآخر او أحياناً بكل المقاييس

وبكل تأكيد هناك سوء استخدام في العديد من الأفلام للموسيقا او سوء كتابة او سوء تنفيذ او تمثيل رديء او تصوير لا يلتقي والمضمون أساساً. لكن هكذا كان حال التجارب الأولى في كل مكان مع فارق أن العصر الحالي -للأسف- نقل الناس الى الدجيتال مباشرة من دون المرور على أبداعات الكاميرا السينمائية. طبعاً لا يمكن اللوم هنا والا لما تمكّن معظم من قدّم أفلاماً (جيدة او رديئة) من تحقيق ما أنجزه٠

الدورة الأخيرة -مثلاً- من مهرجان أفلام الخليج، التي يرأسها مسعود أمر الله بعدما ترك مهرجان أفلام من الإمارات، عرفت حشداً كبيراً من الأفلام الجيّدة في مجالات الفيلم القصير والفيلم الطويل، وثائقيا او روائياً ومن كل دول المنطقة: نتاجات بديعة وأحياناً غير منظورة او متوقّعة من الكويت وقطر والعراق والسعودية والبحرين وعُمان والإمارات بالطبع. هل هذه خيالات؟ سراب؟ بالطبع لا بل وقائع وحقائق٠
لا يمكن إغفال »الحصن« السعودي ولا »الدائرة« الإماراتي ولا »ذكريات وجذور« العراقي ولا »شروق/ غروب« السعودي، ولا »عندما تكلّم الشعب« الكويتي، ولا »القنّاص« الكويتي. لا يمكن إغفال »النافذة« ولا »نصف قلب« ولا »همس النخيل« ولا »ياسين« ولا »الإنتقام« ذلك الفيلم السعودي الذي تم إنتاجه وسأستخدم تعبيراً أجنبياً بـ»ميزانية حذاء« ونقلنا الى تلك التجارب الواقعية الرائعة التي لم تعرفها سينما تلك المنطقة على نحو كاف من قبل٠

أكثر من ذلك، الأفلام الأخرى التي لا مستويات إجادة فيها، هي البطانية التي على الأفلام الجيّدة ان تصعد عليها. هل علمت بسينما ما في العالم ليست مؤسسة على الصعيد الجماهيري وبأفلام معظمها استهلاكي ترفيهي فيه عيوب وأخطاء مع قلّة من الأفلام الجيّدة؟ لم هي مقبولة عندهم ومرفوضة عندنا؟

بقي القول أن لا سينما تستطيع أن تخلف سينما أخرى. لا الخليجية بديل للسينما اللبنانية ولا اللبنانية بديل للسينما المصرية ولا هذه بديل للمغربية. وحقيقة أن السينما المصرية هي الأكثر إنتشاراً والأقدم تاريخاً والأكثر تجربة ليست محط عملية هجوم من الغير ولا السينما المصرية في تاريخها قصدت منع الغير من ان ينتج أفلامه، بل ساعدتها في لبنان وساعدتها في الجزائر وساعدتها في البحرين وساعدتها في سوريا وفي العراق وفي تونس٠
أنها مسألة تآلف وتجانس وابتعاد عن التعصّب والعنصرية٠
في الغرب يشعر المخرج تجاه المخرج الآخر بالإحترام. هو زميل حتى ولو لم يكن يعرفه او التقى به. لم من الصعب تطبيق هذا المبدأ هنا؟

سيتم إعادة نشر الحلقات الثلاث من هذه اليوميات في العدد
الأسبوعي يوم السبت الخامس عشر من هذا الشهر٠

هذا العدد

شاهد عيان | يبحر الزميل إبراهيم العريس في فضاء السينما بمناسبة هبوط أول إنسان على سطح القمر ويجد في فيلم ستانلي كوبريك "اوديسا الفضاء" ذكريات حميمة




نقد | نديم جرجورة يكتب عن فيلم إيليا سليمان "الزمن المتبقّي" ويجده عملاً كسر النمط التقليدي بابتعاده عن الثرثرة الكلامية والبصرية






نقد | محمد رُضا عن فيلم أنطونيوني الرائع والمجهول (الى حد بعيد) "نقطة زابريسكي". يجد أنطونيوني في السُلطة الموقف الذي يجعل الحب مستحيلاً بين البشر






ـــــــــ بين الأفلام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خبرة بلاد برّة

مخرج شاب من احدى العواصم الخليجية بعث يسألني عن أي من مهرجانات الفيلم القصير العالمية يمكن أن أقترح عليه لكي يرسل فيلمه الجديد؟
وقد حدث أن أتيحت لي مشاهدة فيلمه هذا ما جعلني أعاين بعض المهرجانات التي يمكن لهذا الفيلم أن يذهب اليها. لكن قبل الكتابة إليه فكّرت في أن الفيلم الذي أخرجه إذ يمتاز بتنفيذ تقني جيّد من تصميم وإدارة كاميرا الى فهم المونتاج وخصوصيّته بالنسبة لنوع الفيلم الذي حققه، الا أن يحتاج الى سبب. للإيضاح، فإن الفيلم الذي أخرجه، والذي لا أستطيع ذكره او ذكر إسم صاحبه لأني لم آخذ الإذن بذلك، يبدو كما لو كان مشهداً محبكاً يرد ضمن فيلم طويل. حيث البداية في مشاهد سابقة والنهاية في مشاهد لاحقة، كذلك ما يُعرف بـ "المفاد" او "الرسالة" او ما يتوخّى الفيلم قوله. أي فيلم، حتى ولو كان أبسط فكرة وتنفيذاً وسواء إذا كان من دقيقة او ثلاث ساعات يجب أن يحمل السبب. سواء أكان مشهدا متخيّلاً او فيلماً عن واقعة بالغة الأهمية (لنقل حادثة إغتيال فراند فرديناند التي فجّرت الحرب العالمية الأولى) على المخرج أن يجد دافعاً ومبرراً لما يتولّى قوله، وفيلم الصديق الشاب لا يحمل السبب بل يحمل الشروط التقنية الصحيحة والجيّدة٠
كنت ذكرت هذا الموضوع في رسالة سابقة، لذلك ما عليّ الآن الا أن أكتب له بضعة عناوين لمهرجانات ربما يهمّها الفيلم وتكون أقل تدقيقاً فيما سبق أن ذكرته٠
هذا يستدعي الى البال، مخرجاً آخر كان درس في الإمارات وعاد الآن الى سوريا وكتب إليّ يقول أنه سيصل الى لوس أنجيليس بعدما استطاع الحصول على منحة محدودة. وذكر في رسالته معنى محدودة: هناك جهة تدفع النصف لكن النصف لا يكفي وعليه أن يجد عملاً وتمويلاً يؤمنان انتقاله الى هنا للدراسة
وأنا آمل له أن ينجح في محاولته هذه فالأفلام التي شاهدتها له هي أكثر من جيّدة. أحدها (أوّلها) رائع. لكن المشكلة ليست في طموحه ولو أنها في ضيق الإمكانيات. المشكلة هي أن السبب الذي يفكر مخرج ما باستكمال دراسته السينمائية في الغرب هو أن العالم العربي لا يوفّر ذات القدرات والإمكانيات، وحسب بعض الذين درسوا فيه، يعلّم النظريات وبعض التطبيق لكنه لا يمنح المخرج الكثير من المعرفة للأدوات التي يستخدمها السينمائي العالمي لترجمة السيناريو الى فيلم مصقول جيّداً٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مأساة ممثل

توم سايزمور الى يسار توم هانكس في
Saving Private Ryan

قبل أيام طالعني فيلم أميركي مستقل على شاشة محطة تعرض هذه النوعية من الأفلام بل تنطلق بإسمها
Independent Film Channel
The Florentine الفيلم بعنوان
صُنع 1999 وقام بإخراجه نك ستاليانو (الذي لا زال آخر فيلم له) ويدور حول مجموعة من الشخصيات التي وُلدت خاسرة لكنها تحاول، على أي حال، تجاوز هذا الوضع وتحقيق شيء ما في بلدة أميركية صغيرة. اللافت هو المجموعة المستعان بها لتأدية الأدوار صغيرة وكبيرة. جّل الممثلين مواهب جيّدة لم تحقق، بدورها، الشهرة ذاتها التي حققها آخرون، موهوبون او غير موهوبين. وإن فعلوا فلفترة مثل الفلاش يلمع ويختفي قبل أن تتعرّف عليه عن كثب. من بينهم مثلاً ماري ستيوارت ماسترسن، فرجينا مادسن، مايكل مادسن، جيمس بيلوشي، كريس بن (شقيق شون بن الذي مات قبل عامين والذي قام بإنتاج هذا الفيلم أيضاً). من بينهم أيضاً الممثل توم سايزمور الذي قرأت لتوي خبر إلقاء القبض عليه في لوس أنجيليس بسبب حادثة عنف يبدو أنه كان المعتدي فيها (البوليس لم يذكر التفاصيل) وهو الان في الزنزانة الى أن يدفع غرامة قدرها عشرين ألف دولار لا تعفيه لاحقاً من تقديمه الى المحكمة٠

توم لم يعش على الشاشة طويلاً لكي يصير نجماً او حتى ممثلاً معروفاً، لكن من شاهد »إنقاذ المجنّد رايان« ومن شاهد "حرارة" و»المسافر 27" و"عدو الدولة" وكلها أفلام تجارية، لابد أنه يذكره إذا ما لمح صورته المنشورة هنا. لكن توم، كغيره من الممثلين مثل كريس بن نفسه ومثل روبرت داوني جونيور، سقط في الإدمان على المخدّرات وانتهى عملياً وهو لا يزال في ركب العمل الناجح آنذاك. دخل السجن وخرج منه ثم دخله من جديد وكل ذلك لأنه غير قادر على الإقلاع عن الإدمان ومعالجة الأسباب النفسية التي أدّت به الى ذلك المنحدر٠
ولاحظ أعماله قبل سقوطه في العام 2002 وما بعد ذلك السقوط. من العمل في أفلام رئيسية بأدوار مساندة أولى الى الظهور في أدوار صغيرة كلّما كان ذلك متاحاً٠

في العام 2003 وجدت نفسي مدعوّا لمقابلته في شقّة تم استئجارها في لندن من قبل شركة إنتاج على أمل أن يدور الحديث حول فيلم أخير له آنذاك. وهناك سبب وجيه أنني لا أذكر الآن ذلك السبب. دخلت الشقة وكان معي صحافية بريطانية من مجلة "هالو" وجلسنا أمام ذلك الرجل الذي كان يريد الحديث في كل شيء عدا الفيلم. وبعد قليل تخلّى عن كل شيء وأصبح الآن راغباً في الحديث عن مطبّات حياته العاطفية، وهذا الحديث ما لبث أن أدّى، وعلى نحو مفاجيء، الى بكائه. شعرت بالأسف له لكني، والزميلة، لم نستطع أن نقول شيئاً. سألته هي بضعة أسئلة عن الفيلم لعلّها تستطيع إخراجه من الحالة التي هو عليها، لكننا أدركنا أن المقابلة انتهت. إنسحبنا ومن ناحيتي لم أكترث للمقابلة ولا للفيلم٠
كريس بن نفسه مات سنة 2006 متأثّراً بالمخدرات وجون بالوتشي، شقيق جيمس بالوتشي، مات طبعاً نتيجة إدمانه. وهوليوود مليئة بالمدمنين من شتّى الأصناف (كتّاب ومخرجين ومنتجين وممثلين) لكن الأنظار تتوجّه الى الممثل قبل سواه لأن هناك آلة إعلامية عليها أن تشتغل وتكسب على حساب الأفراح و-الأفضل- الأطراح٠


ـــــــــ مهرجانات ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روتردام العربي

أحد التطوّرات المطروحة حالياً على بساط البحث يتعلّق بما حدث في مهرجان روتردام العربي ما استوجب قيام رئيسه خالد شوكات بطرد مديره الفني انتشال التميمي وعدد من الإداريين الآخرين، وعمّا إذا كان ذلك مدعاة لتجديد المهرجان كما في نيّة رئيسه او تمهيداً لإيقافه كما يقول مديره الفني السابق٠
في مقال نشره الزميل هوڤيك حبشيان يوم الخميس الماضي في صحيفة »النهار« اللبنانية حكى انتشال التميمي عن تجاوزات مالية لو كانت صحيحة فهي خطيرة جدّاً وما كان يجب السكوت عنها من حينها. فالكشف عن أن الجوائز المالية لم تكن تصل أصحابها (الا متأخراً جدا وأحياناً لا تصل مطلقاً) أمر خطير وكان من الخطأ السكوت
كان ضرورياً فعل شيء حيال ذلك حتى لا يُقال لاحقاً أن هذه المسألة، او سواها، لم تُكشف الا حين أصبح كشفها مرتبطاً بالإقالة. لكن هذا لا يقلل من قيمة الكشف والغالب أن مدير المهرجان الذي تخصص لتسع سنوات في عرض الأفلام العربية سيجد نفسه ملزماً بالرد وعلى هذا الرد يتوقّف الكثير٠
مهما كان الأمر فإن المستقبل أمام هذا المهرجان يبدو مهتزّاً خصوصاً وأن هناك أنباءاً عن متاعب إضافية تحيط به. أما الأخ إنتشال فقد انضم الى مهرجان ذي صبغة أكبر هو مهرجان "الشرق الأوسط في أبوظبي" كأحد مبرمجيه وهو بنى لنفسه خلال تلك السنوات التسعة قاعدة جيّدة من الإتصالات تمكّنه من تأمين النجاح العربي للمهرجان المذكور٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومحمد مخلوف في الدوحة

وبينما انضم انتشال التميمي عملياً للمهرجان الإماراتي المذكور، تم اختيار المخرج محمد مخلوف للبرمجة العربية لمهرجان "الدوحة- ترايبيكا" الذي ينطلق في التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول/ أكتوبر. ليس مبرمجاً فقط، كما علمنا، بل مستشاراً أقليمياً. مبروك٠



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما المؤلف في ڤنيسيا

من "نساء بلا رجال" للمخرجة شيرين نزهت

يمكن النظر الى برمجة افلام المسابقة التي أعدّها مدير مهرجان ڤنيسيا السينمائي الدولي للدورة المقبلة عما قريب على النحو التالي: هناك أفلام لكل من لديه سبب للحضور. هناك أفلام لمن يطلب الأفلام ذات الصبغة الدولية، وأخري لتلك التي تحمل طروحات سياسية وثالثة
للجمهور الباحث عن الترفيه وهناك أفلاماً تنتمي الى سينما المؤلف وهكذا٠
أفلام من العالم
لجانب فيلم أحمد ماهر »المسافر« الذي يمثّل مصر في المسابقة (كما يمثّل العالم العربي كونه الفيلم العربي الوحيد في المسابقة) هناك فيلم للمخرجة الإيرانية شيرين نزهت التي عادة ما تحقق أفلاماً قصيرة ووثائقية لكن فيلمها المعروض في المسابقة وعنوانه "نساء بلا رجال" هو أول فيلم روائي طويل لها. وهي مقيمة في نيويورك وتحقق أفلامها الفنية هناك، لكن هذا الفيلم من تمويل ألماني ويشترك بإسم ألمانيا. ومن سيريلانكا مخرج كان فاز بالكاميرا الذهبية قبل بضعة أعوام من مهرجان لندن هو فيموختي جاياسوندارا
أفلام سينما المؤلف
هذا الجانب جرى تأمينه باستقبال أعمال جديدة من الفرنسي الكبير جاك ريڤيت (ربما أقل مخرجي الموجة الفرنسية الجديدة التي انطلقت في الخمسينات شهرة- لكنه من أكثر المعبّرين عنها). ريفيت يقدّم فيلمه 36 Vues du pic Saint Loup
عن حياة ريمون روسيل الذي عاش من 1877 الى 1933 وكان روائياً وموسيقاراً وكاتب مسرحيات، وشاعراً ومدمن شطرن ويقود بطولة الفيلم كل من سيرجيو كاستليتّو وأندريه ماركو وجين بيركن. وهو الفيلم رقم الثاني والثلاثين بين أفلام المخرج المخضرم البالغ من العمر حالياً 81 سنة٠
كذلك هناك الفرنسية كلير دنيس التي تقدم فيلمها الجديد »مادة بيضاء« والتركي فاتح أكين (يحقق أفلامه ألمانياً حيث تربّى وعاش) الذي يوفر للمهرجان فيلمه الجديد "مطبخ أصلي". من الأميركي تود سولندز، وهو أحد أقل المخرجين المستقلين الجدد شهرة، هناك "الحياة في زمن الحرب"« مع شياران هيندز و(بعد غياب) آلي شيدي وبول روبنز من بين آخرين٠
مقال موسّع عن الإشتراكات ثم ملاحقة يومية لأعمال المهرجان في الطريق إلى هذه المجلة٠

ـــــــــ لديك بريد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسئلة وتعليقات وردود

الأخت زينب بغدادي من الكويت كتبت

أسمح لي التعبير عن مدى فرحتي حين وجدت موقعيك وعذراً لأني لم أتعرّف عليهما ولا على كتاباتك السابقة. تستطيع أن تقول أني أحب السينما كثيراً وكانت رغبتي قبل عشرين سنة حين كنت لا أزال شابة أن أمثل وأكتب وأن أخرج أيضاً. لكن لم أجرأ على الخروج عن التقاليد واكتفيت بالقراءة والمتابعة. وهناك قليلون جدّا من النقاد الذين أتابعهم والقاسم ٠المشترك بينهم هو هدوءهم وتقديرهم للفن السابع كمهارة وإبداع إنسانيين
لقد لاحظت مؤخراً أسماء جديدة انضمّت اليك . بالتحديد ميسر المسكي من سوريا وجلال نعيم من الولايات المتحدة ونديم جرجورة من لبنان. لكن باستثناء نديم لم أتوصل لقراءة أي مواضيع أخرى للأستاذين الآخرين (نعم أنا من هذا النوع النهم) هل لك أن تذكر أين يكتبون خارج إطار موقعك هذا؟
أخيراً، شكراً لك على كل هذا الجهد الذي لابد أن يكون صعباً ومضنيا

جواب | شكراً لرسالتك وتحيّتك. الحياة أقصر من أن يمضيها المرء فيما لا ينفع ونحاول هنا، زملائي المشاركين وأنا، أن نمضي حياتنا فيما نحب وفيما هو نافع- او هكذا نأمل٠
بالنسبة للأسماء الجديدة فالصديق ميسر المسكي من النقاد الذين صمتوا طويلاً. لم أقابله في حياتي ولا مرّة لكننا تبادلنا الرسائل والإتصالات الهاتفية منذ أواخر الستينات (تصوّري) والى اليوم لا يزال متابعاً جيّداً لما يُنشر في العالم العربي من نقد او ما يمر تحت مياهه بإسم النقد. المهم قرر ذات اليوم الكتابة الى هذا الموقع وعكس من البداية إلمامه وحسن اختياره لزوايا ما يكتب فيه، وهو يكتب مقالاته خصيصاً لـ "ظلال وأشباح" بالتالي هي غير منشورة في أي مكان آخر٠ لكنه يكتب هنا منذ نحو خمسة أشهر وهو بذلك ليس آخر المنضمّين٠
بفخر أعلنت قبل أسابيع قليلة انضمام الناقد جلال نعيم الى هذا الموقع الذي يكتب مقالاته خصّيصاً له. والأخ جلال من مواليد بغداد دارس للأدبين العربي والأسباني في جامعة بغداد ولديه مجموعتين من القصص القصيرة منشورتان هما "دار الواح«، سنة 1968 والثانية »بينما يحدث في بغداد الآن" في العام الماضي، وكلاهما من أصدار مؤسسة أسبانية. جلال درس السيناريو ولجأ سنة 1999 الى الولايات المتحدة حيث يعيش ويعمل اليوم في لوس أنجيليس٠
أما الأستاذ نديم جرجورة فهو تابع هذه المجلة منذ نحو سنة لذلك ليس جديداً بالفعل، وهو ناقد سينمائي لبناني من أظرف الشخصيات التي قد يلتقي بها الواحد ويحمل أفقاً واسعاً. وهو حط في الصحيفة اللبنانية »السفير« بعد أن مر عليها بعض أهم زملاء المهنة مثل ابراهيم العريس ومحمد سويد والمخرج يسري نصر الله٠


ـــــــــ نقد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ZABRISKIE POINT (1970) ****
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ـــــــــــــــــــــــــــــ

ورد هذا الفيلم، "نقطة زابريسكي" كثاني فيلم للمخرج الإيطالي مايكلأنجلو أنطونيوني بالإنكليزية. ذلك بعد
Blow-Up فيلمه البريطاني
سنة 1966. بينهما أربع سنوات ثم بعد »نقطة زابريسكي" بخمس سنوات حقق أنطونيوني فيلمه الناطق بالإنكليزية الثالث وهو »الراكب« (او "المسافر" او كما عنوانه الآخر: "المهنة: مراسل"). الفيلم الوحيد الذي أنجزه بالإيطالية (والوحيد الذي حققه بين "نقطة زابريسكي« و»الراكب" هو الفيلم الوثائقي :تشونغ كيو- الصين" الذي صوّره في الأماكن التي سُمح له التصوير فيها في الصين٠
مثل برغمَن إذاً، تعامل أنطونيوني مع السينما الناطقة بالإنكليزية بغية الوصول الى قدر أكبر من الجمهور. لكن في حين أن برغمَن تغرّب عن موطنه فاهتزت قيمة بعض الأفلام التي حققها بالإنكليزية، حافظ أنطونيوني على وحدة أعماله أسلوبياً ولم يضطر لأن يُغيّر من عمله. بكلمات أخرى، برغمَن بإعترافه، لم يكن سعيداً بأنه اضطر لتحقيق أفلام خارج السويد (في ألمانيا بالإنكليزية) وأرجع نصيباً من إخفاقاته (في أفلام مثل »بيضة الأفعى«) الى خلل أصاب منهجه بمجرّد أنه اضطر للتعامل مع المدينة الكبيرة وشخصياتها وهو ما لم يستسغه (كما تقدّم ذكر ذلك في العدد 441 على نحو او آخر)٠

بالنسبة لأنطونيوني فإن هذا الخلل لم يصبه إذ اختار من المشاريع ما لا يُعد اغتراباً عن سياق مجمل أعماله السابقة، وفي »نقطة زابريسكي« تحديداً أبرز العامل الإقتصادي وتأثيره على اختيارات الناس جاعلاً من فيلمه الأميركي الوحيد هجوماً على النظام الرأسمالي بلا اعتذارات او خطوط رجعة

مطلع الفيلم مغبّش. لقطة بخلفية غير واضحة كما لو أن هناك أشياء مستبعدة او أن المجموعة من شبّان الجامعة الذين يتناقشون حول مسائل حسموها داعين الى المقاومة (حتى المسلّحة) في مواجهة الحكومة. طلاّب من البيض والسود كلهم حماس ورغبة في التغيير بأي وسيلة. لكن مارك (مارك فريشيت) ينهض من بينهم ومع أنه يقول أنه مستعد للموت في سبيل القضيّة، لكن ماهية هذه القضيّة غير محددة وهو بعد كلمته القصيرة تلك يترك الإجتماع ويبتعد، بذا يكشف عن نزعته الإنفرادية٠
لعل مارك لم يفصح عن أي قضيّة يتحدّث. لعل تلك اللقطة الأولى لخلفية مغبّشة غير واضحة هي ذاتها التي في بال مارك وباقي الشبّان المتحمّسين. هذا ليس مجتمعاً يعرف داءه فيقدم عليه، بل مجتمع يريد أن يجرّب كل الحلول قبل أن يتبنّى واحداً: المقاومة المسلّحة، كما قيل، المخدّرات، الجنس الأباحي، الهيبية الخ...٠
بعد قليل يتعرّف مارك على داريا (داريا هالبرن) . هيبية بدورها لكنها تعمل سكرتيرة لدى "مستر ألن" (رود تايلور) أحد رجال الصناعة الأثرياء الذي ينوي بناء مجامع سكنية في الصحراء. في الصحراء؟ قد تسأل ومستر ألن لديه سبب يعتبره وجيها: على المجتمعات السكنية لكاليفورنيا ان تترك المدن وتبدأ بالإنتشار في مجمّعات سكنية ومعيشية في الصحراء

غاية مستر ألن تبدو سليمة بالنسبة لمن يعتقد أن تعمير الصحارى أمر مفيد للمجتمعات، وهو بالتأكيد مفيد له لأنه لا ينوي أن يهب هذه المجمّعات بل بيعها للقاطنين. لكن مجرد التفكير في إعمار صحراء وزرع سكّان فيها يحمل في طيّاته مفهوم الزريبة البشرية. ليس بعيداً في هذا المفهوم عن تلك الزريبة البشرية التي رأيناها في العام الماضي عبر فيلم الأنيماشن "وول إ" حيث الآدميين يعاملون كقطعان ماشية في استراحة فضائية تحوّلهم الى أشخاص متشابهين في كل شيء: حجماً ووزناً وفراغ عاطفة ومأكلاً ولهواً. النيّة هي انتزاع الفردية من البشر وهذا ممكن في مناطق بعيدة عن المدن٠
الى ذات الصحراء ينطلق مارك هارباً من البوليس والنظام والمدينة خاطفاً طائرة مع داريا وفي مشهد يشكّل مادّة بحث قائم بحد ذاته ضمن الفيلم، نشاهدهما يمارسان الحب على رمال الكثبان .... ليس هما فقط، بل -وفي استخدام رمزي وعلى نحو يبدو متخيّلاً ) عشرات مارك وداريا يمارسون الحب متوزّعين متقاربين فوق تلك الرمال٠
داريا هي العقل في معادلة لها طرفين. الطرف الأول مارك الذي يجد في النظام عداءاً لجيل كامل من الشبّان الباحثين عن مجتمع يطفو فيه الحب وتعلوه المساواة ويسوده السلام، والثاني مستر ألن الذي يؤمن بالرأسمالية منهجاً ويعتبر العداء للنظام القائم منافي للحياة الإجتماعية الأميركية بأسرها. بوجود داريا، التي تتفهم وجهتا النظر، فإن انطونيوني ينتقد موقف كل من الرجلين. ليس إدانة كاملة فهو مبتعد عن التنميط الثورجي والرجعي معاً (كلاهما سريع لإدانة كاملة وشاملة). هاهي داريا تكاد تتحدّث لغته وتعبّر عنه حين تقول لمارك: "العالم ليس مؤلّفاً من أبطال وأشرار فقط، بل هناك ألوف الجوانب"٠

شخصية غير مرئية
على ذلك، »نقطة زابريسكي« ليس فيلم تمنّيات يقترح نقاط لقاء توفيقية ممكنة. إنه لا زال فيلماً يجد في السُلطة الموقف الذي يجعل الحب مستحيلاً بين البشر. ينزع هذه الطاقة من الناس ويحوّلها الى سعير لاهث خالقاً ثلاث مجموعات: البوليس، المتمرّدون والغالبية الصامتة. مشاهد الحب التي في الفيلم هي في ذات الوقت جسدية وقتية ظرفية وماديّة جنسية، وروحية. حب مطلوب لذاته بطريقتين: لتخليد النفس ولإمتاع الجسد٠ لكن هذا الحب لم يكن ليتم في المدينة، ولا حتى في القرية، بل كان عليه أن يقع في الصحراء بعيداً عن المجتمع لأن المجتمع مُسيطر عليه بأيدي النظام المتوغّلة٠
والنظام هو الذي يدفع للعنف: مارك يشتري سلاحاً بغية قتل أحد رجال البوليس وكنا شاهدناه في مركز للشرطة وهو يقاوم رجال البوليس بعدما تم القبض عليه وعلى عدد من رفاقه خلال مظاهرة معارضة. في ذلك تعبير عن أن عنف التمرّد ناتج عن عنف النظام الذي كان يمكن أن يؤمّن مجتمعاً أفضل لو أراد لكنه لم يكترث او لم يرغب او لم يعرف كيف٠
كون الصحراء هي الملاذ من المدينة ومن يتولاّها يفرض، شكلياً، على المخرج تصويرها كما لو كانت أيضاً ملاذاً جميلاً. عنوان الفيلم يرمز الى نقطة في الصحراء يُقال أنها واحد من أخفض مناطق الأرض موجودة في تلك الصحراء الواقعة في ولاية كاليفورنيا والمعروفة بـ "وادي الموت" لأن لا أحد، حسب ما انتشر في أفلام سابقة عن تلك الصحراء، يدخلها ويخرج حيّا٠
رغم ذلك، بطلا هذا الفيلم يدخلانها للحياة وليس للموت٠ يدخلانها بحثاً عن معنى للحياة لكنهما لن يجدا هذا المعنى. مارك من جهته ملبّد الرؤية يقود نفسه الى التهلكة. لا يستطيع أن يعرف كيف يستطيع أن يحقق ما يريد تحقيقه وفي ذات الوقت يحافظ فيه على سلامته. كيف يتحرر وهو مقيّد؟
هناك شخصية لا نراها في الفيلم ويدور حولها الحديث أكثر من مرّة. شخصية أسمها جيمس باترسون. في أسلوب انطونيوني المليء رسالات رمزية لا يوجد ما هو مؤكد تماماً بخصوص هذه الشخصية ، فهي طرح يستدعي التفكير من دون أن يكون هناك خط يؤدي اليه. هناك فقط فكرة (والفيلم بلا حبكة ما يجعله أيضاً فكرة ولو كبيرة) وأحد محاولات التفسير تقود الى اعتبارها الشخصية الثانية التي يود مارك التحوّل إليها كحل وسط ينجيه من نفسه وممن يُعارض في ذات الوقت. يؤيد هذا التفسير حقيقة أن أنطونيوني حقق هذا الطرح طول وعرض فيلمه اللاحق "الراكب" حين جعل بطله جاك نيكولسون يتقمّص شخصية رجل آخر ليتحرر من الرجل الذي هو٠

المرأة تميد بالرجال
أنطونيوني يتلاعب بالمكان. المشاهد من الجمال والتصوير بتلك اللقطات البعيدة المتمهّلة التي اشتهر بها يحققان الغاية من تحويل هذه الصحراء الرملية ذات الكثبان العالية الى جنة. قبل الوصول اليها لابد من ملاحظة أن مارك سرق طائرة ليتّجه صوبها، بينما داريا كانت سرقت سيارة للوصول اليها. وهناك مشهد يرى فيه مارك داريا في سيّارتها فيحوم بالطائرة فوق السيارة في مرح ومداعبة وذلك قبل أن يتعرّفا فعلياً على بعضهما البعض. حتى السبيل الى السعادة قد لا يمكن أن يتم -بالنسبة لمثل هذين النموذجين على الأقل- الا بالخروج عن القانون أصلاً (فعل السرقة)٠
الأكثر من ذلك، هذه السرقة تبدو محللّة (من حلال) في الفيلم فالرؤيا الجامعة التي تنتاب الفيلم بينما يطليه يمارسان الحب فوق الرمال هو تلك المجموعات من الشبّان والبنات يمارسون الحب بذات الرغبة. أنطونيوني يفرش هنا الرمال الساخنة لتكون مشروع حياة لكن ليس مشروع حياة كما في بال الرأسمالي ألن. وهو (أي انطونيوني) يزيّنه باختلاق عاصفة تنشر رمالها فوق الجميع ربما لحمايتهم من الشمس ... او "من العين"٠
داريا التي أحب جعلته غير قادر على معرفة كيف يتّجه بعد ذلك. سيطير بالطائرة عائداً الى لوس أنجيليس وهو يعلم أن البوليس يبحث عنه. لماذا؟ لا يوفّر الفيلم جواباً حاسماً او حتى جواباً يمكن الإنطلاق منه في تحليل ما. لكن ذلك لا يمنع من معرفة أن جزءاً من هذه الخطوة تلتقي والإندفاع نحو الهلاك الذي تحدّثت عنه قبل قليل. الهلاك الناتج عن تدمير نفسه أولاً لأنه يعلم أنه يحارب قضيّة خاسرة (وخاسرة أكثر لأنه وحيد في حربه بعدما انفصل عن أصحابه) وثانياً لأن المرأة في أفلام انطونيوني تميد برجاله٠


وبالفعل، أول وصول مارك الى المطار -وقد اختار مكاناً نائياً من المطار على أساس الهبوط من الطائرة والهرب- أول وصوله يطلق عليه البوليس الرصاص ويقتله٠
وجدت في ملاحظاتي الأولى عن الفيلم سنة 1971 قبولي بمنطقية هذا الفعل ربما لأنه منطقيّته منتمية الى ما على الشخصية أن تنساق اليه. لكن اليوم، وبعد مشاهدة ثانية قريبة، لم أستطع الا أن أتساءل عمّا إذا كانت مفروضة عوض أن تكون طبيعية او منطقية٠ مفروضة لكي تؤدي الغاية منها، لأن مارك إذا استطاع الهرب والعيش فإن جزءاً كبيراً من رسالة الفيلم حول الكيانات الإجتماعية المتصادمة سوف يضمحل متهاوياً. لذلك في ذات الوقت عليّ، كما أعتقد، القبول بها كما هي

رمز الإنفجار
موته يوصل داريا الى نقطة نهائية بدورها. تسمع الخبر في راديو السيّارة وهي في طريقها الى البيت الكبير الذي يعيش فيه ألن (وهو، كما أدّاه رود تايلور شخصية تُحب وليست نمطية). تدخل البيت وتأثير الخبر غير واضح، لكنه غير واضح لأن عماد التمثيل عند أنطونيوني هو أن تبتلع الشخصيات ردود أفعالها تحت السطح فلا تتحرّك مباشرة تبعاً لها ولا تعبّر بملامحها عن موقفها منها. داريا تجول في البيت ملاحظة الأثاث والديكور المكلف. شيء ما في بالها. الشيء نكتشفه بعد قليل حين تترك المنزل وتقود سيّارتها بعيداً فينفجر المنزل. تنزل من السيارة وتقف لتتفرّج عليه بعد إنفجاره٠
أنفجار غضب؟ إنفجار في البال لا حدوث له في الواقع؟ إنفجار حقيقي؟ إنفجار يرمي لرسالة معادية للرأسمالية؟
نعم لكل سؤال: هو إنفجار غضب. انفجار قد لا يكون حقيقياً وقد يكون وإنفجار يرمي لرسالة معادية لنظام ارتفعت الرأسمالية فيه كسوط مسلّط على أحلام الجيل٠
لتصويره وزّع المخرج كاميرات عدّة وفي غرفة المونتاج عمد الى تكرار لحظته من زوايا مختلفة. وفي كل مرّة هناك ترداد لسبب مختلف. الأرضية المشتركة لتلك الأسباب هو إدراك داريا بأنها اخفقت في تجنيب حبيبها نهايته، وأن نهاية مارك متّصلة بقضيّته التي يمثّلها -على الطرف الآخر- مستر ألن ومنزله ومشاريعه والعناصر الإجتماعية المتعاونة معه: الطبقة الإقتصادية، البوليس، الدين الخ...٠
بين كل أفلام أنطونيوني لن نجد نهاية دامغة كهذه النهاية، ولن نجد نهاية غاضبة لأن غضب داريا هو غضبه. لقد ذهب الى أميركا ليحقق هذا الفيلم (لحساب هوليوود ممثلة بشركة مترو غولدوين ماير) وكل ما كان يفكّر به هو كيف يدعوها (أي أميركا) الى تجنّب نهاية كتلك التي صوّرها٠

الزمن الباقي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نديم جرجورة ـــــــــــــ


كل مشهد فيلم


إنه ثالث أفلامه الروائية الطويلة، التي أنجزها في خمسة عشر عاماً. إنه واحدٌ من أفلامه السينمائية المتفرّقة، التي صاغ فيها مشروعاً سينمائياً مرتكزاً على التجديد البصري في مقاربة الحكاية الذاتية، المفتوحة على المشهد العام، ومشغولاً بجعل الصورة اللغة الأهمّ في قراءة اللحظة واستعادة الذاكرة. إنه جزءٌ من المشهد السينمائي الفلسطيني في فرنسا حالياً، إلى جانب فيلمي «عيد ميلاد ليلى» لرشيد مشهراوي تمثيل محمد بكري) و«أمريكا» لشيرين دعبس( تمثيل هيام عبّاس ونسرين فاعور)، على الرغم من ( التفاوت الدرامي والجمالي والفني والإنساني والثقافي الكبير بينها كلّها. إنه «الزمن الباقي» للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان.
تجديد اللغة
كسر إيليا سليمان النمط التقليدي في مقاربة الحكاية الفلسطينية، بابتعاده المطلق عن الثرثرة، الكلامية والبصرية على حدّ سواء، المنتشرة بقوّة في الغالبية الساحقة من إنتاجات الصناعة السينمائية العربية؛ وبتحرير نتاجه الإبداعي من سطوة الحوار، مفرداً مساحة كبيرة جداً للتعبير البصري الصامت، المنسحب على حركة الوجه والجسد والعين والنظرة والتخاطر الساكت بين الشخصيات كلّها، وعلى قدرة الصورة على نقل الأحاسيس والحالات والمخفيّ في النظرات الهائمة في اللامكان أو اللاشيء، على الرغم من تبديل أساسي طرأ على جزء كبير من فيلمه الأخير هذا، إذ أفرد جانباً مهمّاً للكلام والحوارات، قبل أن يغوص مجدداً في المتتاليات البصرية الأحبّ إلى قلبه ومشروعه ولغته السينمائية. وشكّل حالة خاصّة في النتاج السينمائي الفلسطيني، مازجاً فيه ثقافة بصرية واسعة، اكتسبها من سنيّ إقامته المديدة بين الغربين الأوروبي (فرنسا تحديداً) والأميركي (الولايات المتحدّة)، بالحكاية الفردية القادرة على اختزال تاريخ ومجتمع وبيئة وسلوك، من دون إقامة حدود واضحة بين الطرفين (الفرد والجماعة)، ومن دون أن يتخبّط نصّه السينمائي في تبجّح أعمى بالذات أو في جلد حاد للجماعة. وأدرك كيفية مواجهة التقليد الفلسطيني السائد في النوعين السينمائيين الروائي والوثائقي، جاعلاً الأول مرايا حقيقية وشفّافة وقاسية للواقع المحلي الخاصّ وتفاصيله (المجتمع الفلسطيني في دولة إسرائيل أولاً، والبيئة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتيّ ثانياً)، وصانعاً من الثاني (على الرغم من قلّة عدده قياساً لأفلامه الروائية الطويلة والقصيرة) أمثولة في صوغ الهوامش كأنها المتن، وفي دفع المتن إلى تخوم متساوية والجوانب المكمّلة له داخل الحبكة.
لهذا كلّه، تمكّن المخرج المولود في الناصرة قبل تسعة وأربعين عاماً من إبراز براعته الفائقة في التأسيس الجذري لسينما فلسطينية متجدّدة، من دون تناسي المحاولات المتواضعة التي قام بها ميشال خليفي سابقاً، مع «عرس الجليل» (1997 ) تحديداً، أو تلك التي خاضها آخرون لاحقاً، وإن بحالات أقلّ صدماً، كنزار حسن وعزّة الحسن ورائد أنضوني وعبد السلام شحادة (في الجانب الوثائقي، مع التنبّه إلى التفاوت الإبداعي الكبير بين أفلامهم ) ورشيد مشهراوي (في أفلام قليلة جداً، خصوصاً »حتى إشعار آخر« - 1994)، وهاني أبو أسعد
في بعض أفلامه الروائية القصيرة أولاً، ومع «الجنّة الآن» في العام 2005 )

الحماقة الوحيدة
غير أن القراءة النقدية المتعلّقة بالنتاج السينمائي الفلسطيني المنطلق منذ مطلع الثمانينيات الفائتة، تكشف عمق الهوّة التي لا تزال قائمة في صناعة الإبداع البصري الفلسطيني بأشكاله المتفرّقة، بين قلّة من الأفلام المتحرّرة من النمط الخطابي والبكائيات، وغلبة كبيرة لأعمال لا تزال خاضعة لمنطق الندب والارتماء في بؤس الضحية ورفض التعمّق في البنى الاجتماعية والإنسانية والتربوية الفلسطينية بحثاً في/ عن المآزق والأزمات والأسئلة المعلّقة. في هذا الجانب، أقام إيليا سليمان وميشال خليفي قبله بأعوام: باختصار شديد، أقول إن الأفلام الروائية الطويلة الثلاثة التي حقّقها سليمان، "سجل الإختفاء" (1996) و"يد إلهية" (2002 ) و"الزمن الباقي" (2009) حفرت عميقاً في التركيبة الفلسطينية، انطلاقاً من السيرة الذاتية. والحفر عميقاً في تلك التركيبة الاجتماعية والإنسانية والتربوية أفضى إلى قراءة سينمائية جميلة للاهتراء الداخلي، من دون تعذيب الذات وجلدها؛ وأعاد رسم الصورة الواقعية لهذا البناء الاجتماعي، من دون التغاضي عن «براعة» الاحتلال الإسرائيلي في إضافة جرعات قاتلة من التعذيب والتنكيل والقضم. وهذا كلّه نابعٌ من صميم اللغة السينمائية، المعتمدة على متتاليات بصرية صامتة غالباً، وعلى تصوير دقيق للحالات الإنسانية، وعلى مواكبة درامية وجمالية للمسار الحكائيّ العام

قوّة السخرية
في تعليقه النقدي على «الزمن الباقي»، شبّه الناقد الفرنسي أنطوان ثيريون (المجلة الفرنسية المتخصّصة «دفاتر السينما»، تموز/ آب - 2009) إيليا سليمان بتاكيشي كيتانو (علماً بأن إيليا سليمان أقرب إلى جاك تاتي وباستر كيتون)، إذ رأى أن الكوميديا عندهما مرتكزة على أسلوب مماثل: فنّ الإثارة الهزلية، في المشهد كما في اللمسة، مشيراً إلى «أنهما مقيمان بعمق في السخرية نفسها»، ومضيفاً أنه «سواء كان عسكرياً وإسرائيلياً أو اجتماعياً وتلفزيونياً، فإن النظام هو الحماقة الوحيدة التي لا تستطيع الكوميديا أن تتخيّل ابتكاره»، في حين أن توماس بوري كتب، في "ستديو سيني لايف" (صيف 2009 )، أنه «يكفي التوقّف عند الإخراج، الذي جعل كل مشهد فيلماً قائماً بحدّ ذاته، لمقاربة صيف أهمية وارث تاتي و(تشارلي) شابلن وكيتون هذا» أما زميلته صوفي بينامون، فبعد أن سألت، في مقالتها المنشورة في العدد نفسه من المجلة نفسها، عن الجديد بعد سبعة أعوام من «يد إلهية»، أجابت: «لا شيء»، معتبرة أنها انتظرت الأفضل من إيليا سليمان، انطلاقاً من «الافتتان بفكرة المشاركة في حياة عائلة فلسطينية، هي عائلة المخرج»، ومشيرةً إلى أن الفيلم عبارة عن «ثرثرة عبر متتاليات من «سَيْنت» (كوميديا إسبانية) ممسرحة ومؤدّاة بطريقة رتيبة ومملّة». لكن أخطر ما في مقالتها الصغيرة، كامنٌ في قولها إنها تحسّرت على الطريقة المانوية (مذهب ماني الفارسي، صاحب عقيدة الصراع بين النور والظلام) المستخدَمة في الفيلم، الذي «اتّهمته» بأنه قدّم «فلسطينيين لطفاء وإسرائيليين أشراراً»، وهذا خطأ بالكامل، لأن «الزمن الباقي» أعاد رسم التاريخ المأسوي للفلسطينيين بسبب الاحتلال الإسرائيلي، من خلال سيرة الوالد المناضل قبل العام 1948، مروراً بقيام دولة إسرائيل وبقاء فلسطينيين فيها، وصولاً إلى اللحظة الراهنة. يظهر الإسرائيليون «أشراراً» (كما يظهر الجنود الأميركيون أو النازيون أو اليابانيون مثلاً في الأفلام الحربية، عند غزوهم دولاً ومجتمعات ليست لهم)، لأنهم احتلّوا بلداً وفتكوا بناسه. لكن الفيلم مبني على تلك السخرية اللاذعة ليس فقط من إسرائيل والإسرائيليين (التي ظهرت بوضوح وجمالية أكبر في فيلمه الأول تحديداً، من دون تناسي حضورها اللاذع في فيلميه اللاحقين)، بل أيضاً من نماذج وحالات فلسطينية متفرّقة٠


فيلم جميل وصادم
إنطلاقاً من سيرة عائلته المقيمة في فلسطين عشيه قيام دولة اسرائيل على أرض فلسطين في العام 1948, رسم إيليا سليمان في "الزمن الباقي" لوحة بديعة عن بلد وناس وحكايات متفرّقة
يصعب أحياناً اختزالها بفقرة أو مقالة، لانشغال المخرج بالصورة السينمائية الجامعة نتفاً مبعثرة من يوميات ورسائل وقصص شفهية، أعاد سليمان صوغها في فيلم عكس مزيداً من الجمال الإبداعي في قول جزء من الحكاية الفلسطينية. من المنزل العائلي عندما كان والد المخرج (صالح بكري) شاباً مندفعاً لمقاتلة اليهود، إلى سيرة الأب وعائلته وانشغالاته المتفرّقة بهامش يومي من المفارقات المليئة بالسخرية المتفوّقة في سوداويتها اللاذعة؛ ومن حضور رائع لعلاقة إنسانية جميلة بين المخرج ووالدته في شيخوختها في قلب الناصرة، إلى الهزء البارع من الإسرائيليين المرتبكين دائماً أمام أمور يومية بسيطة (مشهد الشاب الفلسطيني الذي يتحدّث على هاتفه الخلوي ومدفع دبابة إسرائيلية يلاحقه في تحرّكاته كلّها، مثلاً)؛ ومن مقدّمة انتقادية ساخرة وعبثية وقاسية (سائق سيارة الأجرة الإسرائيلي التائه وسط شوارع «بلده») إلى خاتمة «ثلاثية الأبعاد» (موت الأم، نظرات الابن الأخيرة الى بلد وناسه، جيل الشباب الجامع كوفيته المعتادة بمناخ الـ راب»)، أنجز إيليا سليمان واحداً من أجمل الأفلام الفلسطينية والعربية في الأعوام الأخيرة، مع أن الأهمّ من هذا كلّه كامنٌ في أنه أنجز فيلماً « جميلاً وصادماً، كعادته في صنع لوحاته البصرية. وهذا ما دفع نقّادا وصحافيين سينمائيين غربيين عديدين ليتساءلوا عن سبب «إبعاد» الفيلم
ومخرجه عن أي جائزة من جوائز المسابقة الرسمية للدورة الثانية والستين لمهرجان "كان" السينمائي


نديم جرجورة: ناقد صحيفة "السفير" اللبنانية٠



ـــــــ شاهد عيان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وغزا الإنسان الفضاء في السينما قبل الواقع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إبراهيم العريس ـــــــــــــــ



يستعيد الناقد الزميل ابراهيم العريس فيلم ستانلي كوبريك " 2001: أوديسا الفضاء" ومسرحية تــم تقديمها سنة 1969 على مسرح باخوس، في مدينة بعلبك٠
فلنضع جانباً هنا فيلم جورج ميلياس الرائد «رحلة الى القمر» (1902) المقتبس، كأول فيلم من نوع الخيال العلمي، عن رواية جول فيرن، ولنستعرض كل الأفلام التي كان الكوكب المجاور للأرض ميداناً لها أو موضوعاً. ولنفكر! أي من هذه الأفلام كان الأجمل والأبقى؟ أي من هذه الأفلام كان الأكثر حملاً للوعود، حتى إذا خابت الوعود بقي الفيلم. الجواب لن يستغرق وقتاً: »أوديسة الفضاء: 2001« تحفة ستانلي كوبريك المأخوذة، بتصرف عن نص لآرثر سي كلارك. و «بتصرف» هذه تحتمل تأويلات كثيرة، حسمها المؤلف يومها حين لُفت نظره الى ابتعاد الفيلم عن قصته، فقال: هو، في نهاية الأمر فيلم لكوبريك". أشاهده بمتعة، بفرح، بعمق من دون أن أسأل نفسي عما إذا كان قريباً أو بعيداً من نص كتبته وقرئ، وانتهى أمره
، ليعتبر من حينه واحداً من أعظم الأفلام في تاريخ السينما، و «فيلم الخيال 1968 أوديسة الفضاء» حقق وعرض عام 2001فيلم « العلمي» الأشهر والأروع من دون منازع٠


ويقيناً أن هذا التصنيف لا علاقة له إطلاقاً بكون الفيلم ظهر وسط الزمن الذي كان يسمى الزمن الفضائي: حين كان السوفيات والأميركيون يتنافسون على الوصول الى الفضاء.. ومع هذا حين قصدت بعلبك لحضور واحد من عروضها في ليلة صافية رائعة، لم يكن بد من أن يكون فيلم ستانلي كوبريك في البال. والسبب منطقي: فالعرض الذي كان يُقدم ذلك المساء في معبد باخوس، كان عرضاً فضائياً: استعراض لفرقة آلفن نيكولاييس، مستلهم من عصر الفضاء. واحد من تلك العروض التي كانت تكثر في برودواي وخارجه في ذلك الحين وتستقطب ألوف المتفرجين. وآلفن نيكولاييس وفرقته كانا، خلال تلك السنوات الذهبية، من أشهر علامات الرقص الحديث. من هنا ما كان تقديم في هذا المجال ممكناً من دون دنو من الفضاء. وبالنسبة الى السينمائي والناقد المبتدئ الذي كنته في ذلك الحين، ما كان يمكن مشاهدة عرض لباليه فضائي وسط حجارة بعلبك، من دون التفكير، وفي كل لحظة، بفيلم كوبريك. لاحقاً... أي بعد قليل كان عليّ أن أكتشف أنني في غمرة اهتمامي بالعرض الراقص، والفيلم الممتع، أي بالفن، نسيت - كعادتي في ذلك الحين، وربما كعادتي دائماً - ما هو الى جانب الفن: الحياة نفسها. لكن النسيان لم يطل.

* * *

لم يكن اختيار معبد باخوس لتقديم عرض آلفن نيكولاييس عليه، اختياراً غريباً أو مفاجئاً... لكن العرض نفسه كان غريباً ومفاجئاً. ما أذكره منه الآن يضعه، في ذاكرتي، الى جانب فيلم ستانلي كوبريك تماماً. كان، بالنسبة الى فن الرقص الحديث، في مستوى ما كانه - ولا يزاله - «أوديسة الفضاء» بالنسبة الى سينما الخيال العلمي. كان فناً كبيراً، ندر أن عرفته عروض مهرجان بعلبك، على رغم أن تلك العروض كانت دائماً مميزة، على صعيد العالم كله. غير أن العرض الحقيقي كان بعد قليل، بعد دقائق من بدء العرض. ولكأن حركة الطبيعة شاءت لحظتها، أن تمهد المزاج والجو لما حدث، بدا المشهد فوق المسرح، وتحديداً من المكان الذي كنت أجلس فيه مع بعض الأصدقاء ومنهم السينمائية الراحلة جوزفين صباغ وابنتها - الراقصة التي درست الرقص الحديث في لندن وفيينا لاحقاً ثم اختفت تماماً -.

فمن ذلك المكان كان المشهد مبهراً منذ البداية: الراقصون يدورون ويؤدون رقصتهم الفضائية بألبسة بدت طالعة مباشرة من فيلم «موديستي بليز» لجوزف لوزاي. والعمود النصفي الحجري يتوسط ساحة المسرح كعادته دائماً مشكلاً نقطة مركزية، لا شك في أن آلفن نيكولاييس استخدمها في شكل جيد كنقطة استقطاب للاستعراض كله. والغريب أن القمر، الذي كان في تلك الليلة بدراً، كان يقترب في حركته من وسط المسرح، حتى حدث له في لحظة معينة، أن اعتلى أعلى العمود تماماً، على الأقل من حيث كنت جالساً. فبدا مثل حرف تعجّب مقلوب مع العمود. طبعاً أدهشني الوضع تماماً، وأصرّ فيلم «أوديسة الفضاء» على الاستحواذ على تفكيري كلياً. والتفتّ الى السيدة صباغ لألفت نظرها، فإذا بها دامعة العينين مندهشة تصلب يدها على وجهها، وربما للمرة الأولى منذ عرفتها. وقبل أن أتساءل بيني وبين نفسي، عن سبب ذلك التصرف الديني - العاطفي من قبلها، صمتت موسيقى العرض فجأة، في تلك اللحظة بالذات. وجمد الراقصون في أماكنهم، وارتفع صوت مذيع يقول بالإنكليزية وصوته يتهدج: سيداتي سادتي. أرجو أن تمنحوني دقيقة من وقتكم. سنستأنف العرض بعد ثوان. أما الآن فأود أن أنقل إليكم خبراً يهم البشرية جمعاء خبراً عما يحدث الآن، في هذه اللحظة بالذات على سطح هذا الكوكب الذي ترونه من جلستكم وكأنه جزء من ديكور العرض. في هذه اللحظة بالذات، أعلن مسؤولو وكالة الفضاء الأميركية، أن رواد الفضاء الثلاثة وفي مقدمهم أرمسترونغ، قد هبطوا على سطح القمر وخطوا على تربته أول خطوات بشرية في أي مكان خارج كوكب الأرض.

* * *

وإذ صمت المذيع... حل صمت في المدرج، خيل إلينا أنه طال ساعات، مع أنه في الحقيقة لم يدم أكثر من جزء من الثانية، ليرتفع بعده الصراخ والتصفيق، مختلطاً بموسيقى العرض، التي استؤنفت تماماً، من دون أي تعديل، أو إضافة. وهي في الحقيقة ما كانت في حاجة إليهما. وبدا المشهد في الدقائق التالية مدهشاً، حيث واصل البدر توجهه في كبد السماء من يسار المسرح الى يمينه، متخلياً، بالنسبة الى كل متفرج على حدة، عن ارتقائه أعلى العمود النصفي. ولا شك في أن كل واحد من المتفرجين في تلك الساعة، شغّل خياله ليجعل من الرجال الثلاثة السائرين فوق أرض القمر، جزءاً مفترضاً من المشهد. أما بالنسبة إليّ، فقد بقي المشهد برمّته، مع مقدماته، ومع ما تختزنه الذاكرة من مشاهد فيلم ستانلي كوبريك، ومن رقص فرقة آلفن نيكولاييس الفضائي، ليس فقط جزءاً من الذاكرة، بل إلحاحاً دائماً للذاكرة. لكنني كنت أفترض أن المشهد لا يزال في حاجة الى نهاية. الى استكمال، وأكاد أعتقد الآن أن هذا الاستكمال حلّ بعد ذلك بثلث قرن أو أكثر قليلاً. وتحديداً في مراكش. إذ خلال واحدة من أولى دورات مهرجان هذه المدينة السينمائي، حدث أن أعلن عن عرض فيلم «أوديسة الفضاء» عرضاً في الهواء الطلق في ساحة الفنا. ومنذ ما قبل العرض، بدت لي الشاشة البيضاء العملاقة المنتصبة وسط الساحة، أشبه بذلك النصب الأسود المرتفع الذي يصاحب أقسام الفيلم، منذ فجر التاريخ حتى بدايات الألفية الثالثة، والذي يرمز - مبدئياً - الى السؤال المجهول الذي لا يتوقف الإنسان عن طرحه على نفسه، ومنذ كان قرداً - بحسب نظرية داروين، وكذلك بحسب المشهد الأول من الفيلم، حيث يجابه النصب الأسود القردة حين تكتشف العنف للمرة الأولى -. وبعد ساعة حين بدأ عرض الفيلم يومها، أمام عشرات من المتفرجين الذين تجمعوا مدهوشين في ليلة صاحية، بدت بالنسبة إليّ شبيهة جداً بالليلة البعلبكية القديمة، التفت جانباً وكنت واقفاً بين الحضور أتذكر الفيلم وآلفن نيكولاييس وأفكر بالعمر الذي يمضي سريعاً، وبالبدر الذي لم يطرأ عليه أي تغيير خلال ثلث قرن، التفت لأجد ثلاثة من قردة ساحة الفنا، ينظرون بدهشة الى اخوتهم على الشاشة، ثم يطرقون بأيديهم بعنف كما يفعل أولئك.

والغريب الغريب في هذا كله، هو أن استعادة المشهد في ذهني، بما في ذلك مشهد القردة والنصب والقمر والفيلم والاستعراض الراقص، لم يدفع الى ذاكرتي أي شيء يتعلق بآرمسترونغ ورفاقه أو بالخطوة الأولى للبشرية. وكأن كل ما حدث بين بداية استعراض آلفن نيكولاييس، وتلك اللحظة المراكشية كان جزءاً من نسيان طويل، لم يفق إلا منذ أيام...

ناقد صحيفة "الحياة" في بيروت٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular