Aug 28, 2009

Year 3. Iss. 449 | خليك عالخط: محمد رُضا يكتب من فنيسيا خلال ساعات

Align Right

أوراق فنيسيا
| محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تساءلت وأنا أقرأ مقالة نشرتها صحيفة لبنانية تشكك في عملية اختيار فيلم »المسافر« لمسابقة مهرجان »فنيسيا« المقبل بعد أيام، ما إذا كان ذلك مهمّاً بالفعل أم لا. أقصد أن الناقد لا يجب أن يهتم كيف وصل فيلم ما الى مهرجان ما. بل، في حسباني المتواضع، عليه أن يحكم على الفيلم حين يراه وإذا كان جيّداً قال ذلك وإذا لم يكن قال ذلك وانتهى دوره عند هذا الحد.
ولا أدري إذا كانت تلك هي المقالة الوحيدة المنشورة هذه الأيام، لكن صاحبها يهاجم الضجّة الإعلامية التي تصاحب إختيار ثلاثة أفلام مصرية في المهرجان وعدد أقل من الأفلام العربية ويعتبره حماساً مبكراً قد ينجلي عن أعمال لم يكن معظمها يستحق أن يُعرض، حسب مفهوم كتابته٠

عمر الشريف: المسافر

لكن ليس هناك ما يمنع أن يتحمّس البعض لمثل هذا الموضوع. وسواء وقفت الواسطة، كما يقول، وراء دخول فيلم أحمد ماهر عرين الأسود (بما أن المسابقة تمنح أسوداً ذهبية وفضيّة وبرونزية) او لم تقف. هذا ليس شأن الناقد بل شأن الصحافي والفارق كبير٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وعلى ذكر الأسود، لن يخطر على بال أحد أن ينال الفيلم الفائز في مهرجان فنيسيا هذا العام أسد حقيقي. الفائز بالجائزة الأولى هو جوزيبي تورناتوري (مثلاً) ... ويقفز هذا من مكانه لاستلام الجائزة ويصعد المنصّة سعيداً وإذا بإيطالية حسناء تخرج من وراء الستارة وهي تمسك بسلسلة حديدية في نهايتها أسد يحاول أن يقرر من سيتناوله للعشاء ممن هم على المنصّة، المخرج او الحسناء او رئيس لجنة التحكيم (أنغ لي)٠
لكن هناك مهرجاناً يقدّم حيواناً حيّاً كجائزة بالفعل٠
هذا المهرجان انعقد في نهاية شهر تموز/ يوليو في معسكر لاجئي دخيلة على الحدود الجزائرية مع موريتانيا والمغرب وأسمه بالفعل مهرجان الصحراء الدولي ويُقام منذ ست سنوات على ما أعتقد. كنت قرأت عنه مقالة في نيويورك تايمز وتقول أنه حين صعد المخرج الأميركي ستيفن سودربيرغ الى المنصّة لاستلام جائزته خرج من وراء الستارة رجل عربي يتقدّم جملاً أبيض حقيقياً. أليست هذه فكرة مبتكرة؟
طبعاً حين صعد مخرج »تشي« (الفيلم الذي عرضه هناك) الطائرة في طريق عودته، لم يصعد الجمل معه بل تم استبداله برمز له هو الذي حمله المخرج الى داره في هوليوود ووضعه في مكتبه كذكرى
المهرجان، حسب مسؤوليه وغالباً عن حق، هو المهرجان السينمائي الوحيد في العالم الذي يُقام في معسكر للاجئين. وهذا المعسكر يضم نحو 180 الف إنسان نساهم العرب من حلولهم وهمومهم موجودين على أرض متنازع على مستقبلها بين الدول الثلاث في منطق يشبه "المهم أنني آكل وأشرب وليذهب الآخرون الى الجحيم"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كُنت أدعى في الثمانينات ومطلع التسعينات الى مهرجان فنيسيا على حساب المهرجان أما الآن فالتمويل من البطاقات المصرفية الخاصّة التي تنأى أساساً بما عليها من ديون. أحياناً (وهذه الأحيان تتباعد منذ سنوات) تتدخل الصحف التي تقرر أنها تريد هذه السنة تغطية او لا تريد فتشارك بنسبة معينة او تغطّي كاملا تكاليف الحضور. هذا العام مثلاً قررت صحيفة "الشرق الأوسط" التي كنت أكتب فيها الصفحة السينمائية منذ أيامها الأولى والى حين استلم مكاني الزميل قصي صالح الدرويش، أنني من سيمثّلها في هذا المهرجان وعليه فإني مُغطّى والحمد لله٠
في مطلع التسعينات تمت دعوتي من قبل المهرجان لكن خطأ من مركز الإستضافات نتج عنه إعطاء غرفتي لشخص آخر. وصلت الى الفندق قبل الظهر مع حقيبتي قادماً من لندن وإذا بالإستقبال يقول لي أن غرفتي تم اعطاؤها لشخص آخر حل مكاني (لا أعرفه)٠ "لكني أنا صاحب الغرفة" قلت بصوت عال فأجاب الموظف: "هذا الخطأ من المهرجان هو الذي طلب منا هذا الاستبدال"٠

حملت حقيبتي الى تاكسي وقادني المسافة القصيرة الى المهرجان. دخلت المكتب الصحفي أوّلاً فأخبرتني المسؤولة أن إسمي بين المدعوّين لديها وأنه لابد أن هناك خطأ إدارياً: "الوقت ظهر ولا أعتقد أن أحداً موجوداً في الإدارة. هل تستطيع أن تعود اليّ بعد الظهر؟"٠
شكرتها وتوجّهت بنفسي الى مكتب الإدارة. دخلته جارّاً حقيبتي. ألقيت التحية على إمرأتين جالستين تعملان٠ قلت سبب زيارتي فردّت عليّ واحدة: "إذا ما كان هناك خطأ فأنا متأسّفة لكن الفنادق كلها محجوزة" قلت لها وأنا أعاين كرسيّاً في آخر القاعة. سأجلس على ذلك الكرسي حتى تؤمنون لي تذكرة السفر (التي كانت على حسابي) لأني جئت بناءاً على دعوتكم او حتى تجدون لي فندقاً أنزل فيه٠
حاولت السكرتيرتان التملّص لكني أصريت وبصوت هاديء لكنه هدوء أشرار السينما: "لن أتحرّك من مكاني حتى حل الإشكال. هذه ليست مسؤوليّتي"٠
بعد ثلث ساعة دخل رئيس هذا المكتب المسؤول عن الضيوف. نظر اليّ والى حقيبتي في طريقه الى مكتبه الخاص ونادى إحدى سكرتيرتيه. أدركت إنه يريد أن يسألها لماذا يجلس هذا الرجل وإذا ما كنت أنوى النوم في المكتب بعد الدوام. حين خرجت السكرتيرة من عنده نقلت اعتذاره عن الخطأ غير المقصود وهي تبتسم وأخبرتني ان الموضوع تم حلّه٠
الفندق الذي تم الحجز فيه أساساً كان »هلفتسيا« (او الهلافيت كما لقّبه ذات مرّة الزميل المحب سمير فريد) وكان يومها من نجمتين (الآن من ثلاثة). الفندق البديل الذي انزلوني فيه؟ الأكسلسيور من خمسة نجوم وحياتك ولو لثمانية أيام فقط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من بين ما هو معروض في تظاهرة »آفاق« التي هي ثاني أهم أقسام المهرجان بعد المسابقة الرئيسية فيلم روسي جديد بعنوان »انسحاق« وهو مؤلف من خمسة حكايات من خمسة مخرجين يعبّرون عن السينما الروسية الجديدة، حسب تقرير من موقع روسي. وبالفعل فإن المخرجين المشتركين كلّهم من جيل لاحق لما بعد انهيار النظام السابق ومنهم أليكسي جرمان الإبن الذي كان نال الفضيّة في العام الماضي عن فيلمه »جندي من ورق«. سينمائي آخر معروف الى حد هو إيفان فيريبيوف وكان فيلمه شارك في مسابقة العام 2006. أما باقي المخرجين الذين يؤلّفون هذه الخماسية في ساعتين فهم بيوتر بوسلوف، كيريل سيرابينيوكوف وبوريس خليبنكوف٠
فيلمان آخران في العروض لكن أيضاً خارج المسابقة٠




سينما المرأة الإيرانية وحلم الحرية
نظرة على أفلام محسن مخملباف ومخرجات مدرسته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة نقدية| خالد ربيع السيد

قندهار

يلجأ السينمائي الإيراني إلى الرمز والإيحاء والإشارة الخاطفة .. ، هذا ما يمكن إلتقاطه بسهولة من خلال تتبع الأفلام الإيرانية ذات الصبغة الإحترافية العالمية، فهو يوظف "الرمز البصري"، للدلالة على معان قد تكون عميقة أو بسيطة، لكنها ثرية في كل حال، مثلاً يستخدم البالون الأبيض المنطلق في السماء للتعبير عن الرغبة في الحرية كما في فيلم (البالون الأبيض) لجعفر بناهي، وقد يستخدم "الرمز الدرامي" كالذي وظفه عباس كياروستمي في فيلمه (طعم الكرز) الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان 1997م، حيث يتناول الفيلم لحظات تأزم في حياة مثقف إيراني يريد الانتحار وتكمن مشكلته في أنه يظل يبحث طوال الفيلم عن شخص يدفنه، ثم يلتقي بعامل حديقة بسيط، ويعرض عليه أمر دفنه بعد إنتحاره، فيحاوره ببساطة وتلقائية موغلة في الفلسفة والحكمة ويستطيع بمنطقه المقنع أن يثنيه عن رغبته في الإنتحار .. مع هذا الجنايني يجتهد في الشرح للبطل المثقف بأن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش لأن أحدهم صعد الى شجرة كرز ليربط حبلاً يخنق به رقبته وأثناء تعلقه بالجذع أخذ حبة كرز وأكلها، فوجد فيها حلاوة الحياة وتراجع عن عزمه .. بكل تأكيد الفيلم يمثّل إدانة وصفعة للمجتمع والنظام الإيراني الذي يدفع الفرد إلى الجنون لدرجة الرغبة في الانتحار، ولكن في ذات اللحظة يمجد الحياة وينتصر للإنسانية

محسن مخملباف
هناك أيضاً "الرمز الديني" العابر أو المكثّف، نجده حاضراً في كثير من مشاهد فيلم (ألوان الجنة) للمخرج مجيد مجيدي، وكذلك في بعض المشاهد في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" للمخرج بهمن غوبادي
غير أن "الرمز الذكوري" يشخص واضحاً في فيلم (باران) لمجيد مجيدي، وفي فيلم (أسامة) للمخرج صديق باراماك، الذي بدأه بمقوله نيلسون مانديلا: ” لا أستطيع النسيان لكن أستطيع الغفران ” إذ يقودنا الفيلم الى عدم نسيان أفعال حزب طالبان وإدانة حكمهم وفكرهم ،وهو يتحدث فيه عن امرأة خسرت عملها بعد ان اغلق نظام طالبان المستشفى الذي تعمل به ، وبسبب القانون الذي يحرم ظهور المرأة من دون محرم , اظطرت هذه المرأة للبقاء في المنزل بسبب وفاة زوجها واخوها , ومع ازدياد الفقر والجوع لجئت هذه المرأة لتنكير إبنتها على شكل ولد حتى تستطيع الظهور معه وكأنه محرم ، وأطلقت على هذا الولد إسم "أسامة"، وتبدأ رحلة الخوف والقلق من الانكشاف، لكن يتمّ ضبطها وينكشف أمرها، ولصيانتها يحكم الشيخ الطالبانيّ بتزويجها قسراً لرجلٍ مُسنٍّ يُضيفها إلى "حريمه" المحبوسات في داره!. الفيلم تجريم للذكورة الطالبانية بكل أبعادها الإجتماعية الضاربة في التخلف والتعسف. الفيلم حاز على ثلاثة جوائز في مهرجان كان 2003م، وعلى جائزة الغولدن غلوب كأفضل فيلم أجنبي ، وحاز الجائزة الاولى لمهرجان الافلام والاساليب الجديدة بمونتريال 2003، والفيلم رغم أفغانيته نستطيع إدراجه في قبيلة السينما الإيرانية لتأثر المخرج صديق باراماك بأساليب السينما الإيرانية، لا سيما وأن جل الطاقم افني للفيلم من الإيرانيين .. ٠

هناك كذلك "الرمز الموسيقي" الموحي بالتنفيس والتوق الى الخلاص من الضيق والتأزم كما في موسيقى حسين عليزاده في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" الآنف الذكر .
لكن في مقروئية عابرة، نجد أن بعض هذه الرموز لا يمكن فهمها بسهولة من قبل المتفرج البعيد عن الثقافة الإيرانية، ففي فيلم (العشاء الأخير) الذي حصل على إحدى الجوائز في مهرجان القاهرة السينمائي 2002 ، يتعمد المخرج إنتقاء أسماء لها رمزية خاصة. فهو يقدم الزوج "محسن" بما يحمل هذا الإسم من دلالة دينية تكنوقراطية في إيران اليوم! ، ويقدمه كشخصية سلبية رئيسية في دور موظف كبير بوزارة العدل، شخصية محافظة دينياً ومتزمتة سياسيًا؛ بما يتناسب بهذه الوزارة التي تعد معقلا للسياسيين المحافظين، بينما كانت كل الشخصيات الإيجابية الأخرى في الفيلم، سواء الأم أو الشاب زميل ابنتها وزوجها فيما بعد، أو أبوه أو أخته تحمل أسماء فارسية أصيلة تنتصر لقيم الإنسان الإيراني بموروثاته العرقية والثقافية والأنثوجيوغرافية العامة .

هذه الرمزية لها جذورها في التراث الفارسي، سواء في قصص الحيوانات (وكلنا يتذكر عبد الله بن المقفع مترجم "كليلة ودمنة") أو في "شاه نامة الفردوسي"، ، ولا يغيب أن الرمزية في الثقافة الفارسية تستمد دعماً رئيساً من فكرة "التقية" عند الشيعة، والتي تمثل المأثور الشعبي الإيراني الديني، الذي ظل يستدعيها في روايات "التعزية" أو قصص مصارع شهداء آل البيت،والتي كان يؤديها الرجال فقط، تمشياً مع مبدأ التقية، للدرجة التي تؤدى فيها الأدوار النسائية بشخوص الرجال.
وبتسليط الضوء على تصريحات المخرج الإيراني محسن مخملباف صاحب ""كان يا ما كان سينما" ،"سلام ياسينما" ،"الصمت" ،"جنس وفلسفة" ، "قندهار" و طعم الكرز" ـ في حواره مع جيزيل خوري في قناة العربية (شهر يونيه 2009) عن عودته للتفاعل المباشر مع شؤون السياسة بعد ابتعاده عنها مدة ثلاثين سنة، وربطه لهذه العودة بدماء الشهيدة "ندا" التي قتلت على يد الشرطة الإيرانية ..نلمس التلميح في خطابه، وهو تلميح يشابه ذلك الذي يقدمه في أفلامه، إلى أنه كان هاجراً للشأن السياسي و مبتعداً عن همه، لكن من يتابع أعمال هذا المخرج المثقف يدرك تماماً بأن الرجل كان غارقاً طوال سني حياته في عمق السياسة بشقيها الإجتماعي والأيديولوجي، وأنه لم ينفصل عن نبض شعبه لحظة واحدة، وربما عرفت عائلة مخملباف بأنها الاكثر تميزاً بسببه، فقد أسس مدرسة في بيته يدرس فيها الفلسفة والسينما ليمنح العالم ثلاث مخرجات، إبنته سميرا مخملباف ، ومرضية الزوجة الثانية له، وهانا أو هناء إبنته الصغرى التي أخرجت فيلما بعنوان "فرقة الجنون" سنة 2002٠
أفلام آل مخملباف (مرضية وسميرا وهانا- او هناء) الأولى. جائت متماهية مع صورة إيران المحافظة التي كرّسها الوالي الفقيه والإمام السياسي، تلك الصورة الرصينة المبتعده عن مظاهر التحرر والحداثة، والنائية عن الأفكار التثويرية والتحريضية، فهي ملتزمة بعدم ظهور الممثلات وهن (متبرجات)، بإعتبار السفور وزينة المرأة مسألة مرفوضة جوهرياً في الثقافة الإيران الإمامية، لكنها رغم ذلك كانت أفلامهم مشحونة بلغة إيحائية معارضة تهمس في خفوت شديد وتأثير بالغ وتندد في صمت صارخ، ورغم ذلك يمكن الوقوف على أفلام مخملباف اللاحقة التي صنعها بعد إستقراره في أوروبا، وطرحه لموضوعات مناهضة للصورة النمطية المعروفة عن السينما الإيرانية المحافظة، لذلك إذا تأملنا جميع الأفلام التي كتبها أو أخرجها مخملباف لوجدنا أنها تحمل بذور الرفض والمناهضة في داخلها حتى وإن ظهرت محافظة شكلياً


هذا التحول في مستوى حرية الإشتغال السينمائي عند مخملباف، يكشف أنه كان مسكوناً بالسياسة في جميع أفلامه حتى لو لم يعلنها صراحة، بل أنه كان ضد مظاهر المحافظة التي رضخ لها حيناً بسبب ضغوط الرقابة الحكومية الدينية، فعندما تهيأت له الفرصة في قول ما يريد، قال، وأنتج فناً رفيع المستوى مثل أفلامه: (الجنس والفلسفة) وَ(صرخة النمل)، الأمر الذي يؤكد أن التزامه السابق كان شكلياً فقط، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة مشاركة المرأة في سينماه التي ينبغي أن يظهرها في لباس محتشم وحوارات لا تتطرق للمشاعر العاطفية أو التلميح الجنسي أو الحب، وكذلك الإبتعاد كلياً عن لغة الجسد من رقص أو تصوير مفاتن وجمايات الجسد الأنثوي، ناهيك عن لمس يد المرأة أو ملامسة المرأة لأي جزء من جسد الرجل ، أو حتى مجرد النظر بغنج أو دلال .. وما إلى ذلك من قائمة طويلة من الشروط الرقابية الصارمة٠
في فيلم "جنس وفلسفة" وهو ممول فرنسياً، وأخرجه مخملباف في طاجكستان، يتجاوز فيه "التابو" المحرم في السينما الإيرانية السائدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وليس معنى هذا أن الفيلم يصور العلاقات الجنسية أو يظهر المشاهد عارية، بل المقصود أنه يتناول فيه موضوعا يعد من المحرمات في السينما الإيرانية الحديثة وهو موضوع العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة٠
فهو يقدم منظوره الشخصي من جهة تأملاته الفلسفية التي ترتبط برجل تجاوز ما يسمى "منتصف العمر" وصار لزاما عليه أن يبدأ في طرح التساؤلات حول الجنس وعلاقته بالحب، وهل هناك حقا حب يدوم إلى الأبد أم أنه وهم، وبما يرتبط الوقوع في الحب، وغير ذلك من التساؤلات. غير ذلك فالفيلم يستند إلى بناء موسيقي يستخدم فيه الرقص التعبيري أي التعبير بالجسد الأنثوي في تكوينات موحية خلابة، وهو ما تسبب في منع عرض الفيلم رقابياً وشعبياً منذ أن أنجز عام 2003..
يفتتح الفيلم بطلنا هذا يقود سيارة في شارع فسيح مصفوف بالأشجار الكثيفة، وقد أشعل 40 شمعة وضعها أمامه في مقدمة السيارة، فهو يحتفل ببلوغه الأربعين. ونحن لا نرى البطل في البداية بل نرى الشموع والطريق من خلال زجاج السيارة الأمامي، ونسمع صوته عبر الهاتف المحمول وهو يتصل بالنساء الأربع اللاتي ارتبط بهن عاطفيا في حياته يطلب من كل واحدة - دون معرفة الأخريات- التوجه للقائه في مدرسة الرقص التعبيري التي يفترض أنه يشرف عليها. ويقدم مخملباف أربعة فصول مع كل واحدة من النساء الأربع، داخل مدرسة الرقص ولكن دون أن يكرر نفسه أبدا، من خلال مشاهد الرقص التي تشترك فيها - إلى جانب البطل والمرأة- مجموعة من الفتيات.

من: اليوم الذي أصبحتُ فيه امرأة

ويختلط الماضي بالحاضر من خلال العودة إلى لحظة الوقوع في الحب التي يصر بطلنا طوال الفيلم على أنه نتيجة "أمر تافه الشأن"٠
وحسب ما يوضح مع الحبيبة الثالثة "لولا أنني أصبت بإسهال وذهبت إلى المستشفى الذي كنت تعملين به لما كان الحب"! أما الحبيبة الرابعة فتفاجئه عندما تدعو ثلاثة رجال للاحتفال بعيد ميلاده وتعترف أمام الجميع بأنها كانت تتخذ الأربعة عشاقا في وقت واحد حيث كانت تبحث عن الحب في كل منهم، وهي نفس فلسفة بطلنا في البحث عن السعادة.
يطرح مخملباف رؤيته من خلال طرح التساؤلات حول مغزى الحب: كيف ينتقل من مستوى إلى آخر، من الحب الرومانسي المطلق إلى الغيرة والرغبة في السيطرة إلى إعلاء الجنس على قيمة الحب إلى محاولة إعادة خلق الحب٠
ويذهب أكثر من ذلك عندما يجعل بطله المتشكك في مفهوم السعادة عن طريق الحب يستخدم ساعة يمكن التحكم فيها لقياس لحظات السعادة في لحظات الحب٠
وفي مشهد من الفيلم تحسب له الحبيبة الأولى لحظات سعادته حسب منطقه فتقول إنها لا تزيد عن 40 ساعة، أي بمعدل ساعة واحدة كل سنة من عمره!
هناك بالتأكيد رغبة في اعتبار الحب بمفهوم مخملباف متعارضا - على نحو ما - مع الجنس- حسب مفهومه الشخصي النابع من ثقافته، وانعكاس هذا على الفيلم باستبعاد كل احتمال لمشاهدة لقطات حميمية بين الرجل والمرأة، إلا أنه ترك المجال متاحا في مشاهد أخرى عديدة للتفسير والتأويل من خلال إشارات عديدة كامنة٠
ويستخدم مخملباف تناول العشاق للخمر كمعادل للمتعة، والرقص التعبيري كمعادل للجنس، والموسيقى والشعر كمعادل للوجود من خلال الآخر.
وفي المشهد النهائي من الفيلم نرى البطل وقد أصبح أكثر إحساسا بالوحدة عما كان، وهو يعود فيلتقي مجددا بالمغني الأعمى وزوجته وينتهي الفيلم بالغناء٠
قد يكون فيلم "جنس وفلسفة" من أكثر أفلام مخملباف تحررا وجرأة في السرد والشكل الفني. هنا لا يتميز الفيلم بما يميز عادة أفلام مخملباف أي المزج بين الطابع التسجيلي والطابع القصصي بل هناك تداعيات حرة تدور حول الفكرة التي تتركز حول الذات٠
وللذكر، فإن من أهم المخرجات الايرانيات اللواتي تأثرن بمحسن مخملباف، و يزاولن عملهن بمثابرة ورؤية واضحة تصب في خانة إثراء الوعي بقضايا الإنسان والمرأة في إيران : المخرجة راخشان بني إعتماد 50 عاما ، قدمت فيلم "نرجس" ، في تناول شفيف عن علاقة الرجل بالمرأة، وكذلك المخرجة تامينية ميلائي المولودة في تبريز 1960 ، وهي درست العمارة ثم اتجهت للسينما، تعرضت للسجن، لجرأتها في طرح إشكاليات إجتماعية وثقافية وسياسية، تدخل خاتمي لاطلاق سراحها، وأهم افلامها "النصف الخفي" 2001، وفيلم "ماذا أيضا جديد" 1993 وفيلم "أطفال الطلاق" إضافة إلى فيلم "سجن النساء" الذي يعد من أفلامها الضافية٠
في فيلمه (قندهار) يطرح مخملباف معاناة المرأة في بيئة ذكورية متسلطة، وفي فيلم إبنته هانا (بوذا انفجر خجلا) إنتحاء الى العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة، وفي فيلم (اليوم الذي أصبحتُ فيه امرأة) وهو من كتابته، وإخراج زوجته مرضية، نعي أليم للحالة التي وصلت إليها المرأة الإيرانية، فمن خلال ثلاثة قصص منفصلة متصلة تبث مرضية صورة سينمائية واعية، عن قصة إنسانية شديدة العذوبة وكالعادة شديدة البساطة، لتضع المشاهد عند الشعور بذلك اليوم الذي أصبحت فيه تلك الطفلة(حواء) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه تلك الشابة(آهون) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه العجوز(حورا) امرأة ٠
إنه يوم واحد وثلاث أجيال، ثلاثة أعمار مختلفة، ثلاثة من النسوة يجابهن فيه يوم مفصلي في حياتهن، يخضنه باسلوبهن وفيه تشعر كل واحدة أن هذا اليوم هو اليوم الذي أصبحت فيه امرأة، بكل ما تحمله هذه الصفة من تبعات كينونة لم تختارها، وبكل الألم المنسرب لحظة إكتشاف كل واحدة أنها أصبحت امرأة في بيئة تحملها أوزاراً لم ترتكبها بعد باعتبارها منبع الفساد والرذيلة٠

القصة الأولى : طفلة في التاسعة من العمر، فجأة تتحول حياتها من لهو ومرح الطفولة إلى أعباء المرأة وتحمل المسئوليات . . فاليوم عيد ميلادها التاسع وتفرض عليها أمها وجدتها أن تغطي شعرها وتستر جسدها بعباءة طويلة ، وأن تنتهي من اللهو واللعب من (حسن ابن الجيران) – وأن تلتزم بيتها ، وهي لا تفهم ما الذي حدث ما بين الأمس واليوم ، ثم تتذكر أمها أن الطفلة كانت قد ولدت في الثانية عشر ظهراً ، بينما الساعة الآن الحادية عشرة، إذاً فأمامها ساعة تستطيع أن تلهو فيها قبل أن تصبح امرأة ويفرض عليها كل هذا٠

القصة الثانية : شابة في ريعان الصبا تشترك مع أقرانها في سباق للدراجات ويلاحقها زوجها محاولا منعها من هذا السباق وإعادتها للبيت، ولكنها تصر على الاستمرار ، فيهددها بالطلاق فلا تأبه .. يجمع رجال القرية ، ثم شيوخها كبراءها لينذرونها ويهددونها ولكنها تصر على الانطلاق والاستمرار.الفيلم عبارة عن حركة واحدة: فتيات ينطلقن على دراجات ..ثيمة واحدة وإفصاح ثري ٠

القصة الثالثة : عجوز ترث ميراثاً كبيراً في آخر أيامها، فتذهب الى سوق كبير لشراء كل ما كانت تتمنى وتحلم به طوال سنوات عمرها، منذ طفولتها، وحتى صباها وشبابها، وتقوم بفرش كل هذا المتاع على الشاطئ وتحت الشمس ، مستعرضة في لوحة فانتازية كل إقتنته، لكنها تراجع أحلامها وكل ما اشترت لتجد أن هناك ما نسيته، فتتذكر بعضه والبعض الآخر تنساه بالمرة.
كل هذا يشير للدور السياسي الذي لعبته سينما آل مخملباف (وغيرهم) في بث الوعي في عقول الشباب الإيراني وإشعال رغبة الثورة ضد وصاية رجال الدين والأولياء في حكومة "الثورة الإسلامية" المجحفة
و إذا أضفنا إلى ذلك أفلاماً مثل "الدائرة" وَ"حالة تسلل" لجعفر بناهي و فيلم "لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية" للمخرج بهمن غوبادي، لوجدنا أن حالة الرفض للوضع السياسي القائم تكاد تكون عامة بين سينمائيي إيران.، و لن نبالغ إذا قلنا بأن السينما الإيرانية احتضنت بذور الثورة، بل نكون محقين إذا تنبهنا لذلك، لا سيما وأنها ساهمت في إنمائها في السنوات العشر الماضية ولم تغيب عن ميدان السياسة أبداً، وكان صوتها عالياً في بعض الأعمال، مرتهناً دائماً للفني والجمالي.
وبذكر الأصوات العالية وأشدها صخباً نجد فيلم "السحلية" الذي نجح تجارياً سنة2004 حتى أصبح الفيلم الأكثر رواجاً في السينما الإيرانية. وهو يقدم بشكل ساخر قصة لص محترف في تسلق الجدران والأسوار، ويدخل السجن بسبب سرقاته، ولكن تتهيأ له فرصة الهرب من السجن بعد تخفيه وإرتدائه لعمامة الأولياء، كان وجدها في مستشفى السجن أثناء إدعاءه المرض، وما أن يرتدى العمامة حتى يتمكن من الهرب بسهولة، ويصبح واعظاً مهيباً، له أتباع ومريدون يقدسون كلمته اتلتي يقولها، في رسالة واضحة مفادها الاعتراض على المكانة الاجتماعية التي يحظى بها الإمام والوالي لمجرد ارتدائه العمامة٠
يقول محسن مخملباف لجيزيل خوري "كنت تلميذاً لخامنئي وشاركت في المظاهرات ضد نظام الشاه والآن أعود لنفس النقطة وأقف مع الشعب ضد الديكتاتورية والتسلط" واضعاً تصوراً لإيران التي يحلم بها والتي لا تبتعد كثيراً عن صورتها في عهد الشاه بهلوي الذي ثار ضده في نهاية السبعينيات٠

ويعقب ، كانت إيران حينذاك أشبه بأوروبا تكفل حرية الفرد وحرية الفنان والإنسان بشكل عام، رجلاً كان أم امرأة، وكانت المطربة غوغوش رمزاً لهذه الحرية، وهي أشهر فنانات عهد الشاه، فقد غنّت ورقصت ومثلت في السينما بكل حرية حتى أصبحت نجمة عالمية، ثم تحولت إلى رمز صارخ لتلك الحقبة، إنها حلم جميل يداعب مخيلة مخملباف وبقية الإيرانيين الحداثيين، فكلما تأملوا واقعهم المؤسف الذي صنعته أوهام رجال الثورة الإمامية في بناء يوتوبيا مستحيلة .

من فيلم: الجنس والفلسفة
وربما لا ندرك نحن غير الإيرانيين هذه الإسقاطات والرموز لكونها خارجة عن نطاق معرفتنا وثقافتنا أو لكوننا ـ أحيانا ـ لا نريد أن نرى السينما الإيرانية إلا في إطار رومانسي أيديولوجي لا يرى فيها إلا نموذج لما يظنه سينما إسلامية تنجح وتصل للعالمية . . هذه العبارة قالها بكثير المنطق الإستشرافي الواعي ٠

ويواصل حديثه، أذكر أنني قابلت مخرجا إيرانيا اسمه فروج كريم في مهرجان مانهايم السينمائي بألمانيا سنة 1991م وكان يعرض فيلمه الأول "الفصل الأخير" وتناقشنا حول السينما الإيرانية وأبديت إعجابي بفيلم "الغريب والضباب" لبهرام بيضائي بوصفه فيلما يتنبأ بالثورة وبقدوم الإمام الخميني، وهنا ضحك قائلا إن هذا الفيلم بهائي ومليء بالرموز البهائية، و"الغريب" رمز للبهاء وليس للخميني وكل الإيرانيين قد فهموا هذا بسهولة.! ٠
مثال آخر على هذا، فيلم "ذات الحجاب الأزرق" للمخرجة راخشان بني اعتماد، الفيلم ينتهج أسلوب الواقعية الطبيعية ويقدم علاقة رجل أعمال غني، بفتاة عاملة متمردة، بعد موت زوجته وعلاقة بناته به بعد زواجه من الفتاة، وكان الرمز الأساسي في الفيلم هو "الحجاب الأزرق" أو بالأحرى اللون الأزرق الذي هو في الثقافة الإيرانية لون العثمانيين السنة وهم الأعداء التقليديين للشيعة بلونهم الأسود المعروف! والتمرد عند الفتاة يتحول إلى تمرد عام ورفض سياسي من خلال هذه الجزئية الصغيرة. هذه الجزئيات والرموز والتحايلات لا تمر على الرقيب الإيراني أو المسئولين، لذلك أحيانا ترفض الأفلام وأحيانا أخرى يتم تهميشها وتوضع في دور عرض صغيرة وهكذا. ولكن حاليا هناك انفتاح كبير خاصة بعد انتخاب الرئيس خاتمي والذي أيده كل السينمائيين، وتعرف هذه السينما باسم سينما الثاني من خرداد (مايو) أي سينما ما بعد انتخاب "خاتمي"٠

ثم لا ننسى المخرجة سوزان تسليمي (54 عاما)، وهي من القبيلة المخملبافية (إن جاز التعبير) حيث لا يفوت عملها الممتع ”كل الجحيم مراوغ “، فسوزان خرجت من معطف الانثروبولوجيا وانتقلت للسينما لتقدم "الطلاق على الطريقة الايرانية" وفيلم "انك تتحدث الانجليزية جيدا" وهو يتحدث عن الشباب الايراني المغترب في لندن. واخيراً المخرجة المتفردة مريم شهريار التي درست في اميركا وكان فيلمها الاول”بنات الشمس “ عام 1999 والذي تناول فيه اشكالية الهوية، الفيلم يحكي قصة فتاة ايرانية تعيل اسرتها ولكي تعمل في وسط ذكوري تحلق رأسها لتبدو رجلا تغازلها احدى العاملات وتطلب منها الزواج، تعاني كثيراً من تسلط صاحب المصنع وسلوكه الذكوري، وكيف يتفنن في اساءة معاملتها، الفيلم منع داخل ايران لكنه فاز بجائزة احسن فيلم في مهرجان مونتريال الدولي، متفوقا على 65 فيلما ويرسل الى نحو اربعين مهرجانا سينمائيا تقول شهريار: سئلت عن كثرة الرموز في الفيلم وهذا صحيح لان ما يهمني فقدان الشخصية الرئيسة في الفيلم لانوثتها من خلال حلق الشعر-رمز الانوثة ٠
إن سينما المرأة في ايران تتميز بوعي المخرجات الحاد لكينونة ذواتهن في إطار ماهو نسائي محلي خاص وإنساني عام بعيدا عن تسلط وقهر ونظرة الاخر المختلف٠


بدل فاقد
بداية بليغة أضاعتها مراهقة الإخراج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد | أحمد يوسف




رشا مهدي وأحمد عز : بدل فاقد

أصارح القارئ أننى ـ على عكس الشائع بين معظم نقادنا الآن ـ لست ضد فكرة الاقتباس"، وفى اللغة العربية تعنى هذه الكلمة أن تأخذ من النار قبسا أو جزءا من" اللهب لكى تصنع منه النار الخاصة بك لكى تستضيء بها، وهكذا يستمر الضوء فى رحلته من فرد إلى آخر، وجيلا بعد جيل، بل عبر الحضارات والثقافات أيضا. تأمل على سبيل المثال كيف رحلت قصة "الطوفان" واتخذت أشكالا ومضامين مختلفة فى العديد من الأديان، البدائية منها والسماوية، وتأمل أيضا كيف قام الدكتور لويس عوض فى كتابه "أسطورة أوريست والملاحم العربية" بتتبع الأفكار، والتيمات والموتيفات، وانتقالها من ملحمة الأوريستيا إلى ملحمة الزير سالم وانتهت عند "هاملت" شكسبير. بل إن أعمال شكسبير ذاته مأخوذة جميعها من مصادر أخرى، كان من أهمها كتابات بلوتارك التاريخية، وقصص بوكاشيو، ومع ذلك فإن مسرحيات شكسبير هى بلا شك تتسم "بالأصالة"٠
بل إننى أعتقد أن إحدى مشكلاتنا الراهنة فى الإبداع الفنى أننا قد توقفنا عن الاقتباس بمعناه الحقيقى، ولم نعد نأخذ ونعطى، إما أن نأخذ فقط فيصبح العمل الفنى ظلا باهتا للأصل، أو نكتفى بإعادة تدوير كل ما فى فنوننا من تقاليد بالية، أو نفعل الأمرين معا كما حدث فى فيلم "بدل فاقد". ولعلى لا أبتعد كثيرا عن الحقيقة إذا قلت إن سر الحيوية فى الفنون الغربية يكمن فى الاقتباس، أو قل تقديم تنويعات مختلفة على تيمة واحدة، فكم لوحة يمكن أن تجدها (على سبيل المثال) لتيمة صلب المسيح، وكل منها يعبر عن عصرها والرؤية الخاصة للفنان الذى رسمها؟ إن الأمر ينطبق أيضا على الموسيقى والأدب والدراما والسينما، وأستطيع أن أعدّ لك عشرات الأفلام التى اقتبستها هوليوود من السينما الأوروبية أو الآسيوية أو الأمريكية اللاتينية، دون أن تكون هناك أية اتهامات بالسرقة كما يحدث عندنا، فالمهم هو ما تصنعه من تنويع فنى خاص بك. وهكذا يصبح الفن المتسم بالحيوية والحياة قائما على التراكم والتطور والتوليد، فنا يعتمد على التأثر الإيجابى من أجل أن يصبح أكثر قدرة بدوره على التأثير. لكن فنوننا المعاصرة، خاصة فى مصر التى أصبحت بإرادتها السلبية منعزلة ثقافيا، أصبحت تقع فى مأزق الاقتباس بمعنى سرقة الأفكار، ثم تهجينها ببعض التقاليد الفنية الشائعة، خاصة الميلودراما الفاقعة الفاجعة، فيتولد عن ذلك فن هجين" يفتقد الحد الأدنى من الأصالة التى تؤهل العمل الفنى لكى يترك أثرا باقيا " فى العقل والوجدان٠

بدأ فيلم "بدل فاقد" بداية واعدة بالنسبة لى، مما جعلنى أتوقع من مخرجه الشاب أحمد علاء الديب أن يقدم ـ فى أول أفلامه الروائية الطويلة ـ نموذجا على الوعى الجمالى دون الوقوع فى مراهقة التجربة الأولي. وحتى بدون العنوان المكتوب فى بداية "، فإنه يمكنك أن تدرك أن المشهد الافتتاحى يدور فى 1976الفيلم: "القاهرة الماضى، بفضل اختيار صبغة لونية تذكرك بأفلام السبعينات. نحن فى ملجأ أطفال يتامى، وهناك ضابط صغير وزوجته (أحمد فؤاد سليم وسوسن بدر، فى ماكياج يوحى بأنهما فى مرحلة الشباب)، وقد جاءا لتبنى أحد الأطفال. تستطيع بسهولة فى هذا المشهد أن تجد بلاغة سينمائية رصينة، فاللقطات متأملة، والموسيقى حزينة، والأطفال يقفون وراء قضبان النوافذ تعبيرا عن سجنهم المعنوي. ترى المرأة طفلا يبكى فتقرر اختياره لتتبناه، إنه اختيار بمحض الصدفة، فقد كان من الممكن اختيار طفل آخر ويبقى هذا الطفل ينتظر مصيرا مختلفا. ومن خلال لقطات "الفوتومونتاج" شديد النعومة نشهد مراحل نمو الطفل إلى صبى ثم شاب فى مقتبل العمر ثم طالب فى كلية الشرطة ليصبح مثل "أبيه"، مع اهتمام خاص بقطع الإكسسوار التى توحى فى كل لقطة بتطور الزمن دون كلمة واحدة٠

أعترف أن هذه البلاغة أسرتنى، وكادت أن تذكرنى بالتجربة الوحيدة والفريدة للمخرج عاطف حتاتة في فيلمه "الأبواب المغلقة" (2001)، والذى لم يجد بعده، ومنذ ثمانية أعوام، فرصة أخرى رغم نضجه السينمائي والفكري أو ربما بسبب هذا النضج المتناقض تماما مع السياق السينمائى المتردى الذى نعيش فيه. لكن فجأة تبخرت أمنياتى فى "بدل فاقد" مع مشهد مطاردة هو على النقيض تماما من المشهد الافتتاحى، ودون أن يكون لهذا التناقض أية دلالة، سوى أن معظم مخرجينا الشبان يتصورون أنهم يحصلون على شهادة ميلادهم الفنية بمثل هذه المشاهد حتى إن لم تكن لها ضرورة درامية. (مرة أخرى نؤكد أنه فى صناعات السينما الراسخة يكون تنفيذ هذه المشاهد من مسئوليات مخرج "الوحدة الثانية"، بينما تكون هناك مسئوليات أكثر أهمية أمام المخرج). إن فيلم "بدل فاقد" ـ الذى كتبه محمد دياب ـ يريد أن يقول لك إن الطفل اليتيم أصبح ضابطا بارعا وقاسيا على المجرمين، وكان يكفى أن نراه فى المشهد اللاحق يضغط بكل الوسائل النفسية والبدنية على المجرم الصغير لكى يشهد على "زعيم العصابة"، وبذلك فإنه يمكنك أن تحذف مشهد المطاردة، لكن هل يصح ذلك بينما هناك "النجم" (بين قوسين) أحمد عز، الذى يريد أن يصنع فيلمه" (بين قوسين أيضا) مثل "نجوم" السينما المصريين الآخرين، مثل أحمد " السقا وكريم عبدالعزيز وشريف شعبان وشريف رمضان(!)، فيجرى فى سباقات الحوارى والأزقة، ويدخل البيوت من النوافذ والشرفات، ويقفز فوق أسطح البيوت؟! المشكلة الدائمة فى مثل هذه المشاهد أيها السادة المخرجون أنكم تحشرون فيها فوضى بصرية وسمعية هائلة، والأهم أنكم تتعجلونها فنراها قبل أن نتعرف على بطل الفيلم ونتوحد معه، حتى إن المتفرج يتساءل أحيانا: من الذى يطارد من؟ ولماذا؟!



علي حسنين وأحمد عز في : بدل فاقد

حان الآن، وبعد فوات الأوان، أن نلقى نظرة على شخصية هذا البطل، إنه الضابط فارس (أحمد عز طبعا) الذى تبناه الزوجان فى أول الفيلم، وهاهو قد تزوج من الجميلة الهادئة حبيبة (رشا مهدي)، وبرغم الحب الذى يرفرف بأجنحته حولهما فإن هناك أيضا حالة من التوتر، فهو مشغول عنها بعمله الخطر إلى درجة أنها تخشى أن تنجب منه طفلا مما يزيد من حدة العلاقة بينهما. وبعد المشهد "الإجباري" للمطاردة الذى تفرضه "التقاليد" الجديدة للسينما المصرية، سوف تتوالى فوق رؤوسنا مجموعة هائلة من تقاليدها القديمة (جدا) والتى تعتمد على الحد الأقصى من الصور النمطية والمفاجآت والمصادفات الميلودرامية، إليك بعضها، فلن أستطيع إحصاءها: زعيم العصابة هو رجل الأعمال عزت (على حسنين) الذى يخفى وراء وجاهته الاجتماعية تجارته السرية فى المخدرات، وساعده الأيمن هو المجرم الذى يمزج القسوة بخفة الظل ويدعى خدّاش (محمد لطفي)، وعليك أن تتوقع أيضا أن لرجل الأعمال وتاجر المخدرات ابنة شابة هى مى (منة شلبي) التى لابد (لا أدرى لماذا؟) أن تكون مدمنة للمخدرات التى يتاجر فيها أبوها، أما المفاجأة الميلودرامية الصاعقة، وأرجو أن تصدقنى فهذا هو ما يقوله الفيلم، فهى أن مى على علاقة عاطفية وجنسية مع شاب مدمن آخر هو نبيل، وحتى تدرك أن الدنيا ضيقة فعلا وأن "مصير الحى يتلاقي" كما تقول التعبيرات المصرية، فهذا الـ"نبيل" ليس إلا الشقيق التوأم شديد التطابق فى شكله مع فارس، الفارق الشكلى الوحيد هو أن الضابط فارس يمشط شعره "على جنب"، بينما يضع نبيل سلسلة وقلادة حول عنقه، (ويقول "ولا مؤاخذة" عندما يخبط بكتفه شخصا، وأنا أتحدث جادا لأن الفيلم جعل هذه العبارة دليلا على شخصيته وكأن أحدا آخر لا يقولها!!)، أما الفارق الموضوعى فهو أن فارس قد أتيحت له الفرصة للتربية فى بيت ضابط شرطة، لكن نبيل تربى فى بيت راقصة (عايدة رياض) قامت بتبنيه، وأتركك لتتخيل كيف سوف تصل السينما المصرية إلى النتائج، بينما الواقع الحقيقى قد يصل إلى نتائج مختلفة تماما٠



إلى أين يؤدى هذا الاصطناع فى الحبكة؟! سوف "يضحك" عليك الفيلم بأن له مضمونا جادا من خلال جملة واحدة، ففى مشهد لاحق سوف يتواجه التوأمان، حيث يضرب الضابط فارس توأمه المدمن نبيل، فيقول هذا الأخير فى ذلة ومسكنة: "لو كانت الرقاصة هى اللى أخدتك من الملجأ كنت أنا اللى باأضربك دلوقت"! وهكذا استطرد بعض النقاد (وكأنهم يبحثون عن إبرة فى كوم من القش) فى الحديث عن الظروف التى جعلت من الضابط ضابط ضابطا، ومن المجرم مجرما، وبصرف النظر عن هذا التبسيط المخل الذى يقسم المجتمع إلى "عسكر وحرامية" فإن هذا لم يكن موضوع أو مضمون الفيلم على الإطلاق، فقد تحول تماما إلى "لعبة" استبدال نبيل بفارس، وفارس بنبيل، الضابط يدخل العصابة، والمدمن يدخل الشرطة، لعبة استمرت طوال الفيلم على نحو سقيم، ليس فيه أدنى درجة من التوتر الدرامى . فبالإضافة إلى الأثقال الميلودرامية العجيبة والغريبة،" هناك حالة من اللهاث التى يطلقون عليها ظلما تعبير "الأكشن"، الذى يفقد معناه إن لم يتراوح الإيقاع بين التمهل والسرعة، وترك لحظات لتأمل المتفرج تسمح له بأن يتوحد مع الشخصيات. هل تتخيل مثلا أنه لا توجد فى الفيلم لحظة واحدة تخلو من موسيقى زاعقة حتى إنه لا يصبح لوجودها أية دلالة؟ كما بدا افتتان المخرج بتقنيات المونتاج الكومبيوترية، فأخذ "يلعب" بها كأنها إحدى ألعاب الفيديو، يسرع الحركة ويبطئها داخل نفس اللقطة، أو يوقف الحركة ليسطع وميض خاطف، وبالطبع فإنه ليس هناك ما يمنع على الإطلاق من استخدام هذه التقنيات، ولكن أى تقنية ليست حيلة من حيل الهواة أو الحواة، بل إن لاستخدامها هدفا جماليا محددا، إنها تقول شيئا للمتفرج، لكنها فى فيلم "بدل فاقد" بدت كأن شخصا لا يتوقف عن فتح فمه وإغلاقه دون أن ينطق كلمة واحدة! ٠

بقدر ما عشمت نفسى فى بداية الفيلم، شعرت بالحسرة مع تقدم مشاهده، التى أخذت تسير فى دروب ملتوية أشبه بالمتاهة التى لا تؤدى إلى أى مكان، إنها تدور حول نفسها بلا نهاية، وليس مهماً أن يصرخ أحمد عز بجمل حواره، أو أن تبكى منة شلبى وتلطم على خدودها، فليس هذا من "التمثيل" بمعناه الحقيقى فى شيء، إنه شيء أشبه بالتمثيل، كما أن هذا الفيلم يشبه الأفلام دون أن يكون فيلما حقيقيا، ولا أدرى إن كان ذلك بسبب فقدان الجيل الجديد من السينمائيين المصريين لبعض أبجديات الفن، أى فن، أم بسبب حصار يشعرون به ويرغمهم على صنع سينما شديدة التواضع فى أهدافها الفنية، لأن عيونهم لا تتوجه للعمل الفنى بقدر ما هى مشغولة بمغازلة المنتج و"النجم"، اللذين يتصوران بدورهما أن "الجمهور عاوز كده"، مع أننى رأيت أفراد هذا الجمهور بعينى وسمعتهم بأذنى وقد خرجوا من الفيلم وهم يخبطون كفا على كف وهم يتساءلون: "هو مين اللى مات؟!". إن هذا يعنى أن "بدل فاقد" لم يحقق حتى هدفه المتواضع مع الجمهور، وهو ما يحتاج من المخرج، لكى يثبت أنه جدير باللحظات القليلة من البلاغة السينمائية التى ظهرت فى المشهد الافتتاحى، أن يصنع فيلما آخر "بدل فاقد"، أو بالأحرى "بدل تالف"! ٠

تم نشر هذه المقالة للزميل أحمد يوسف في صحيفة "العربي" في القاهرة


الخراب أرضاً للتجريب والمجاز
جولة بين أفلام مهرجان "نما في بيروت« للسينما اللبنانية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجعة | بيار أبي صعب


رفيق علي أحمد في: على الأرض السما

جمع «مهرجان الأفلام اللبنانيّة»، في دورته الثامنة، باقة من الأعمال التجريبيّة والوثائقيّة والروائيّة والفيديو كليب (غير التجاري) وأفلام التحريك... واستقطب جيل الفيديو، ونجح في تسليط الضوء على حركة إنتاج غزيرة تضيق بها شبكات التوزيع التقليديّة. دانيال عربيد تستأنف شغبها في فيلم تسجيلي بعنوان «أحاديث نسوان ـــــ الجزء الثاني». وتواصل رسم لوحات نقديّة للمجتمع البورجوازي المسيحي، من خلال كاميرتها الثابتة المحايدة، التي تلتقط بكثير من الرقّة أحاديث القهوة في صالون أمّها. فيها يعبر كلّ شيء: من العلاقة الخاصة بالدين، إلى عمليّات التجميل، مروراً بالخدم والجنس والعنصريّة...٠

من شريط اليان الراهب «هيدا لبنان»في سياق آخر، لكن من موقع نقد الذات (الجماعيّة) أيضاً، تختار إليان الراهب في «هيدا لبنان»، نقد الطائفة المارونيّة التي تنحدر منها، بكثير من الجرأة والنزاهة. تأخذنا (برفقة زينة صفير) إلى فضاءات المواجهة مع رموز تلك الطائفة وخطابها السياسي، وتصل إلى حدّ التصادم المباشر مع عائلتها. هذا التمرين يمكن أن يفتح الباب أمام مشاريع أركيولوجيّة في رحاب مختلف الجماعات اللبنانيّة. لكنّ المادة الشائكة التي تشتغل عليها المخرجة، حالت ربّما دون أن تحكم السيطرة، فنيّاً، على موضوعها٠

وتجاورت ضمن برنامج المهرجان، ثلاثة أعمال منشغلة باستعادة الماضي (2000 ـــــ 2007) ومراجعة الذاكرة. الأوّل «خيام» » لخليل جريج وجوانا حاجي توما يقدّم وثيقة نادرة عن معتقل الخيام، صوّره الثنائي على مرحلتين (قبيل التحرير وبعد عدوان تمّوز) مع ستة أسرى محررّين، بينهم سهى بشارة، يتحدثون في لقطات طويلة ثابتة، على خلفيّة محايدة، عن تجربة الأسر بأبعادها المختلفة. والثاني لمحمّد سويد بعنوان «ما هتفت لغيرها» يعود فيه إلى سنوات النضال الفتحاوي وأوهام السبعينيات. بأسلوبه المعهود الذي يتلاعب على المستويات السرديّة والشخصيات والأمكنة والحالات الفنية، مازجاً بين الروائي والتسجيلي، يسلّط على الراهن نظرة شك نقديّة، تستبدل دبي بسايغون. وأخيراً قدّم الثنائي لقمان سليم ومونيكا بورغمان عملهما الجديد، في سياق مشروعهما مع «أمم» المنشغل بالحفر في ذاكرة الحرب الأهلية. «أوّلها نجوى... وآخرها» الذي يريده لقمان مسوّدة فيلم قيد التطوّر، يتألف من أربع مواجهات، مقاتليَن من «أمل» مطموسَي الوجه، وإلياس عطا الله المسؤول العسكري السابق في الحزب الشيوعي، وأسعد الشفتري القواتي السابق وصاحب المبادرة الأبرز والأشهر للاعتذار عن ممارساته في الحرب الأهليّة٠

أسماء كثيرة من الجيل الجديد يمكن التوقّف عندها في «مهرجان الأفلام اللبنانيّة». من طلال خوري الذي قدّم في »الأربعاء» عملاً روائيّاً قصيراً لافتاً، بعبثيّته ونفسه الكوميدي وممثليه وموسيقاه... إلى سيرين فتّوح في «إعادة» حيث الممثل يقدّم أربع إجابات/ مونولوغات مختلفة في الإطار نفسه، عن سؤال ماذا خسرت وماذا ربحت في حياتك؟

ولا بدّ من وقفة خاصة عند فيلمي غيث الأمين «ذات مرّة على الرصيف»، وشيرين أبو شقرا «لحظة أيّها المجد». هناك قاسم مشترك بين الشريطين ذوَي النفس التجريبي الخصب: استعمال الموسيقى عنصراً سردياً ودرامياً أساسي في العمل. غيث الأمين يروي ما يستعصي على السرد، من خلال مشاهد متكررة، ترصد الذاتي والحميم وحركة الزمن. يكتب غيث بالفيديو فيلمه المصمّم مثل كوريغرافيا مؤسلبة، يبطّئ الحركة، يعيدها، يلعب على الانعكاسات والأطياف والكلمات العابرة، ليختزل وجعاً وجوديّاً شفيفاً، لا تتسع له القوالب السائدة. أما شيرين أبو شقرا، فقد قدمت تحفة صغيرة، لعلّها من مفاجآت المهرجان، عن حياة المغنيّة وداد. لم تذهب إلى اللغة التسجيليّة، بل خلقت عالمها الممسرح (مع منال خضر وأخريات)، واعتمدت الرسم والتحريك بالاشتراك مع فيدز). نسمع صوت وداد في أيّامها الأخيرة تروي وتغنّي، ( نراها قليلاً، نسمع أصواتاً أخرى تتداخل وتغنّي (ابنتها ريما)... ونستعيد الأعمال الطربيّة المنسيّة لوداد، فيما تعبر أمامنا حياة استثنائيّة، مرّت بمحاذاة المجد ولم تصبه.

اختتام المهرجان، كنا على موعد مع شادي زين الدين مخرج «على الأرض السماء». هذا الفيلم الروائي التجريبي الذي يختزن رؤى مدهشة، ومناخات فنيّة مشغولة بمهارة، يمكن تصنيفه أيضاً في مشروع «أركيولوجيا الحرب». المخرج الشاب يزور الحرب الأهليّة التي لم يعشها من خلال شخصيّة يوسف (رفيق علي أحمد) الذي هرب من صوت الانفجاز فانزوى عن العالم، وراح يعيش مع صور من الزمن السعيد. الزمن الواقعي يترك مكانه هنا لأزمنة افتراضيّة، طالعة من الذاكرة وتهويماتها، ولتداعيات بصريّة وحلميّة، وقصص مجهضة يتقاطع فيها الموت والرغبة والخوف والحنين إلى الزمن الضائع... فيلم ميتافيزيقي بامتياز، وحالات سرياليّة تؤطّرها مشاهد منمّقة وجميلة، بين خرائب هي مسرح الرؤيا وأرض المجاز٠

بيار أبي صعب رئيس القسم الثقافي في
صحيفة "الأخبار" اللبنانية


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular