Aug 1, 2009

441 | الموت في البندقية | السينما الهندية | السينما المغربية | مقابلة مع المخرج الجزائري طارق طقية | الدائرة لنواف الجناحي


بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ5.8.09ـــــــ


في العام 2005 انتجت السينما الفرنسية فيلماً تشويقياً بعنوان "أنطوني زويمر"٠
أخرجه جيروم سال (والإسم قد يكون مؤنثاً أيضاً) وقام ببطولته سامي فراي، صوفي مارسو (الصورة) وإيفان عتال. الفيلم أعجب شركة »سبايغلاس« الهوليوودية من حينها وقبل نحو عام بدأت التحضير لتحقيقه أميركياً لكن العمل عليه تعثّر حين انسحب الممثل توم كروز منه لأسباب قيل أنها تتعلّق بانشغاله في أفلام أخرى. الآن يتم وضع المشروع على النار مجدداً بعدما وافقت تشارليز ثيرون على بطولته النسائية فيما البحث جار عن ممثل٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصطفي أبو علي


عرفت المرحوم مصطفى أبو علي في بيروت أيام كانت عاصمة النضال العربي . لم يحمل أي منا سلاحاً نارياً. بل حمل هو الكاميرا وحملت أن القلم٠
مارس مصطفى السينما كما عرفها بحب وبجهد وحقق أعماله الأولى من لا شيء إنتاجياً. الميزانيات كانت محدودة وهو وأتباعه، خلال الغارات الإسرائيلية على المخيّمات او على بيروت او الجنوب، كانوا يمارسون ما عُرف لاحقاً بـ
Gorilla Film Making
حيث الميزانيات المحدودة والخبرات التي يتم التقاطها بالتجارب وبالأخطاء معاً. لكنها كانت دائماً ما تعبّر لا عن وجدانه وحده فقط، بل عن وجدان الفلسطينيين واللبنانيين والعرب كلهم في الخندق الوطني الواحد الذي اختاروه ضد الصهيونية. أيام ما كان من الصعب كسر عود تلك القوّة االفاشية وليس كما اليوم، هذا متاح ولو بأثمان باهظة
أخرج من الستينات العديد من الأفلام الوثائقية عناوينها تعكس ما حوته من مواضيع ورسالات سياسية: لا للحل السلمي، الحق الفلسطيني، بالروح بالدم، العرقوب، عدوان صهيوني، ليس لهم وجود، تل الزعتر، فلسطين في العين وسواها. كما أخرج خمسة أعداد من الجريدة الفلسطينية وصوّر له الشهيد هاني جوهرية وسمير نمر وعمر مختار وقام بتوليف معظم أعماله (وربما معظم أعمال كل الأفلام الوثائقية الفلسطينية التي انتجت في بيروت آنذاك) فؤاد زنتوت٠
وبعض أفلامه (مثل" ليس لهم وجود"، "تل الزعتر") فاز بجوائز في مهرجانات عربية في قرطاج وفي بغداد. رحمه الله ورحم من ذكرت ورحم الله تلك الأيام التي كان للحياة فيها معنى أعمق مما تعنيه اليوم٠
أتذكّر جيداً ابتسامته وسجائره ومحاولته في بعض الأحيان أن يفهم كيف يمكن لي أن أحب السينما الفلسطينية والوطنية وأحب غيرها في الوقت ذاته. الفاتحة عن روحك يا حبيب٠



هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ









النقد وفلسفة الفيلم | لا يولد الناقد وهو خبير، لكنه قد يولد وهو قادر على أن يطوّر نفسه| محمد رُضا
--------------------------------------------------------------------------
تحقيقات
السينما الهندية حافظت على هويّتها الثقافية. نظرة على واقعها الإنتاجي اليوم | صلاح سرميني
جولة بين بضعة أفلام مغربية حديثة وما تطرحه هو الواقع وشؤونه | محمد رُضا
--------------------------------------------------------------------------
نقد
فيسكونتي نقل رواية توماس مان »الموت في البندقية« وأبدع في نقل أحاسيس بطلها الذي هو توماس مان متخفّياً | ميسر المسكي
فيلم نواف الجناحي »الدائرة« رسم خطوطاً من التحديات المفترضة على السينما الخليجية كما يرى الناقد خالد ربيع السيد
--------------------------------------------------------------------------
حوار
المخرج الجزائري الشاب طارق طقية في حديث حول البناء الفني لفيلميه المتميّزين »روما وأنتوما« و»غابلا« أجراه هوڤيك حبشيان٠

النقد وفلسفة الفيلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

تمهيد
حين بدأت هذه المقالات حول النقد السينمائي وشؤونه، لم أسع لقصد أحد بعينه، لكن البعض اعتبر نفسه معنياً وشكك في دوافع هذه الدراسة علماً بأنها لا تلزم، ولا تستطيع أن تلزم، أحداً باتباعها، لكنها ترحّب بالرأي الآخر طالما أنه علمي و في منهجه٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المسألة الأساسية يجب أن تنحصر في الهدف الذي يتوخّاه النقد من النقد. ليس الناقد من النقد وليس النقد من الناقد. ليس بعد. النقد من النقد. بعد ذلك يمكن التوسّع بالحديث عن موقع الناقد في هذا الإتجاه؟ من هو ولماذا هو مفيد (إذا كان مفيداً) وكيف يمكن أن يكون أكثر إفادة

النقد، كممارسة أدبية وثقافية، سبق بالطبع السينما وكان منتشرا منذ أن انتشرت الفنون الأولى. في بذرته هو وجهة نظر. في تطوّره لم يعد فقط وجهة نظر بل علم يستخدم وسيلة أدبية للوصول الى من يقرأ ليطرح الرؤية التي يتمتّع بها الكاتب حيال عمل ما. الناقد الراحل روجر مانڤل كان يرى أن الفلاسفة (أرسطوتيليس، كما في الكتابة اليونانية، بلاتو، وسقراط- معلم بلاتو) كانوا أول النقاد. وبالفعل إذا رجع المرء الى كتابات أرسطوتيليس تجد أن بعضها تضمّن نقداً لكتابات بلاتو. المعنى الذي أراد الناقد البريطاني الوصول إليه هو التالي: في زمن غابر كان النقد يؤمّه ناس من أهل المهنة المحددة. فيلسوف ينتقد فلسفة وفنان (مثل ليوناردو دي فينشي) ينتقد فنّا
الى حين خرجت السينما الى النور (السينما كما بداياتها القريبة أي من 121 سنة وليس من مفاهيمها البدائية حين كانت الصور تُرسم على جدران الكهوف) كان النقد انتقل من هؤلاء وحدهم الى مجموعة من الكتاب المتعاملين مع الآداب والفنون والثقافات المنتقدة. بات هناك نقاد روايات ونقاد شعر ونقاد مسرح ونقاد أوبرا ونقاد فنون تشكيلية وفنون راقصة وموسيقا الخ... ليسوا لا بكتاب الرواية ولا كتاب شعر ولا مخرجين مسرحيين ولا فنانين تشكيليين او موسيقيين الخ...٠

شيء طبيعي أن ينتج الوضع أناساً أفضل من إناس. بالتالي، نقاداً أفضل من نقاد. البعض من الطرفين نجح والبعض من الطرفين فشل. النجاح والفشل تبعاً لظروف لها علاقة بكيف مورس النقد ومتى وأين وفي أي ظروف٠
النقد السينمائي نشأ حين أضافت السينما نفسها الى باقي مجالات التعبير المنقودة سابقاً. لم يعد هناك حاجة لأن لا تدخل السينما الفنون على نحو مواز او (بالنسبة لمؤيديها) على نحو أهم من بعض الفنون الأخرى او من معظمها. وهو نشأ ما بين اكاديميات الدراسة ودور النشر والصحف واستمد عنفوانه في العشرينات من القرن الماضي وازداد قوّة قبل أن يُصاب بالترهّل وصولاً الى ما هو عليه اليوم من مضارب واتجاهات مختلفة. الفارق بين الأمس واليوم هو أن الفوارق في الماضي كانت ضمن الممارسة العلمية للنقد. البعض، على سبيل المثال، كان يؤمن بأن النقد هو وسيلة منفصلة عن الفيلم والبعض الآخر كان يراها ملتزمة بالفيلم وجانباً من جوانبه . البعض رأي النقد السينمائي غاية بحد ذاتها للجمهور تركها او القبول بها، والبعض الآخر اعتبرها وسيلة ثقافية. اليوم الإختلافات أصبحت بين أهل مهنة النقد واولئك الممارسين لها بقدرات أقل لم تكن مقبولة فيما مضى الا ضمن حالات استثنائية ومكشوفة٠

ما يتوخّاه النقد من النقد
ما سبق يساهم في تحديد الإجابة على هذا السؤال، وهي إجابة لا يمكن اختصارها بأحكام سريعة٠
الرسالة التي يبغي النقد الوصول اليها هو تجسيد العمل المنتقد من وجهات نظر غير تلك التي لمؤلّف الفيلم او مخرجه. يدخل في نطاق هذا التجسيد إعادة تقديم وجهة النظر التي وفّرها المخرج لفيلم (او سمّها رؤية او موقف الخ...). حتى يتمكّن ذلك هناك هوّة علينا الإعتراف بها
لا يمكن للنقد أن ينجح في غايته (او في غاياته) الا إذا كان الناقد يعرف السينما معرفة المخرج الجيّد لها. إذا لم يكن يعلم فهو نقد لا يجسّد بل يطلق رأياً مهما سبر غور الحديث في عموميات وأوجه وشؤون العملية السينمائية وذكر السيناريو والتصوير والتوليف والعناصر الأخرى
طبعاً لا يولد الناقد وهو خبير، لكنه قد يولد وهو قادر على أن يطوّر نفسه ليصبح خبيراً او خبيراً قدر الإمكان. حتى يفعل ذلك عليه أن يثقّف نفسه أساساً وقبل كل شيء، وهو لا يستطيع أن يفعل ذلك الا بطرق محددة: مشاهدة كل ما يتحرّك على الشاشة (بصرف النظر عن نوعه، تاريخه، جنسيّته، موضوعه وحتى أهمية مخرجه) وقراءة كل ما يصل إليه حول كل جانب من جوانب هذا الفن (تقنيات، صناعة، تجارة، فن، نظريات، تاريخ...الخ...) والبحث في الرسالة التي يود ايصالها الى الناس. هذه الرسالة، كما أوردت في كتابة سابقة، ليست أن هذا الفيلم جيّد لهذا السبب او رديء لهذا السبب، وليست لأنه يتوافق مع رؤية الناقد السياسية والفكرية، بل هي رسالة الإنسان صوب المجتمع وصوب الآخر. كل منا رسول (ولا أقول نبي) او عليه أن يكون كذلك. رسول الكلمة الصحيحة والصادقة والإنسانية والراغبة في بناء عالم أفضل حتى -وبل خصوصاً- حين في الأيام العصيبة حين ترتفع جحافل الظلام وينتشر الجهل وتسود الدكتاتورية الفكرية وتتراجع قيم الإنسانية على النحو الذي نشهده اليوم٠
إذاً، يتوخّى النقد من ذاته رسالة لكنها ليست رسالة إنشائية مليئة بالرغبات والخطابات، بل رسالة تلتزم بخصوصية المجال المنقود (الرسم، الأدب، الموسيقا، النحت وغيره) وحتى تفعل ذلك عليها، كما سبق القول، أن تأتي نتيجة دراسة وعلم وسعي للتميّز بالعلم والمعرفة٠
طبعاً الى جانب مشاهدة كل شيء (التي لا تلغي الرغبة اللاحقة بالتخصص في نوع او سينما معيّنة) وقراءة كل شيء، هناك وسيلة أن يدرس الناقد جوانب الفن السابع بنفسه. يدخل مدرسة للسينما ويتعلّم فيها كتابة السيناريو وتصوير الأفلام وتوليفها وبالطبع إخراجها. لكن إذا ما فعل الناقد هذا فلم لا يخرج أفلامه بنفسه

أقول ذلك بنصف دعابة، لكن الحقيقة التي برهنتها السينما عبر بعض أفضل اساتذتها أن كل ما يحتاجه المخرج لصنع فيلم جيد وكل ما يحتاجه الناقد لكتابة نقد جيّد هو المعرفة. كيف تحققها هو أمر يعود إليك٠


تحقيقات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السينما الهندية على صفحات »بوزيتيف« الفرنسية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يبدأ الزميل الناقد صلاح سرميني سلسلة مقالاته باستعراض هذه الدراسة حول السينما الهندية كما ُنشرت في مجلة »بوزيتيف« الفرنسية قبل أشهر قريبة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدّمة بقلم : صلاح سرميني

في شهر مارس الماضي، صدر العدد 577 من مجلة "بوزيتيف" الفرنسية ويتضمّن ملفاً مهماً عن السينما الهندية تحت عنوان "بوليوود، وهوامشها"٠
من بين صفحاته مقالة عن أشوتوش غواريكر، ممثلٌ سابقٌ تحوّل إلى مخرجٍ
Lagaan، Swades موهوب في
Jodhaa Akbar وبشكل خاص في (1)٠

فيلمٌ مدهشٌ يحكي بطريقةٍ فانتازية وجميلة جداً علاقة الحبّ الأسطورية بين جودا أميرة راجبوت الهندوسية، وأكبر الإمبراطور المغوليّ المُسلم وهذا دليلٌ على أن أعظم أفلام بوليوود وهي حالة
Jodhaa Akbar
لا تنسى التطرّق لواحدةٍ من أعمق المشاكل التي تواجه شبه القارة الهندية بكاملها
وأقتبسُ هنا بعض الجُمل الجميلة من مقالةٍ كتبها لورنزو كوديللي حول هذا الفيلم الذي يتمتع بعظمة الاستعراضات الكبيرة، والذي شُوهد في باريس نهاية شهر نوفمبر 2008، وفي نفس الفترة أيضاً تمّ إصداره في اسطوانةٍ رقمية، وأكمل عروضه الاستثنائية في باقي أنحاء فرنسا، وأوروبا: "جودا أكبر، هو قصيدةٌ عن التسامح الدينيّ، والمدنيّ، مُستوحى من فيلم تعصب للمخرج الأمريكي د.و جريفيث، وأفلام الفروسية، والسيف للمخرج الصيني زانغ إي مو. بالنسبة لـ غواريكر هو عودة إلى الطابع
Lagaan الملحمي، ولكن على نطاق أكبر مما كان عليه في
وأكثر إدهاشاً"٠
وفي فقرةٍ أخرى يكتب: "عندما يتبارز جودا، وأكبر بالسيف، يُلاحقان بعضهما من الأعلى إلى الأسفل عن طريق درجٍ من الرخام، عبر ألوانٍ زاهية، ومتنوعة، وبخفةٍ شديدة، فإننا نتعاطف مع كلٍّّ منهما، لقد أصبحا مخلوقاً واحداً،..)٠
وفي المُقابلة بين غواريكر، والناقد الفرنسي هوبير نيوغريه ، تُعلمنا بأن المخرج ما زال لديه الكثير جداً من القصص، ليحكيها، ويتوّجب عليّ تسريع إيقاع عملي٠

ومن المُفيد أيضاً قراءة مقال كريستيان فيفياني بعنوان الموسيقى، الصوت، الإيماءات، والممثلين، والتي تبدأ بهذه الفقرة القوية التي تنطبق على أفلام بوليوود: " فقط جهلٌ مُعاندٌ ما يزال يعتقد بأنّ الجانب الموسيقيّ من السينما الهندية هو مجرد كرزة تُزين قطعة الحلوى، ثقيلة، مثيرةٌ للاشمئزاز، وحتى عسيرة الهضم بالنسبة للبعض... الجانب الموسيقيّ ليس زخرفةً بسيطة، إنها المساحة التي تتجسّد فيها الهوية بشكلٍ أفضل. يهرب منها، عمداً، إلاّ الذين يدّعون الولاء للنموذج الغربي، على سبيل المثال، الأعمال الكلاسيكية لساتياجيت رايّ، بطبيعة الحال، ولكن أيضاً، تلك الأحدث لريتوبارنو غوش بنغاليّ مثل رايّ، أو ديبا ميهتا٠
ومن ثمّ، يحتوي الملف على مقالاتٍ، وحواراتٍ من الضروري قراءتها لإزالة الكثير من المفاهيم الخاطئة عن السينمات الهندية٠
ومنها مقال باسكال بينيتويّ حول تجسيد، وبناء العلاقة بين الزوجيّن في بوليوود، ومقابلة مع جواد أختارْ، شاعرٌ، سيناريست، كاتبٌ، ومؤلف أغاني، فنانٌ محترمٌ جداً في السينما الهندية، ومقالٌ آخر كتبته الهندية بريمندا معظومدار حول التأثير المُتصاعد لسينمات أقاليم جنوب الهند على بوليوود، بالإضافة لصفحتيّن تتضمنان ملاحظاتٍ كتبها هوبير نيوغريه حول السينما الهندية٠

بوليوود وهوامشها: اللغات، الملامح والمواضيع التي تشكل هوّيتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوبير نيوغريه

Lagaan

السينما الهندية، في حاضرها، وماضيها، هي أبعد ما يُمكن اعتبارها كتلةً واحدة
ـ تواجد هوياتٍ محلية قوية "لغوية، دينية، وثقافية
ـ استقلال الهند الذي حوّلها إلى دولٍ مُجتمعةً في إتحاد
ـ التقسيم الذي أدى إلى ابتعاد البنغال عن الهند التي أصبحت بنغلاديش
ـ تطوّر البناء الاتحاديّ: الحركات الانفصالية التي أدّت إلى تكاثر المُقاطعات، وفي بعض الأحيان تقتصر على مدينةٍ واحدة
ـ المُنافسات بين الشمال، والجنوب: اختلافاتٌ ثقافيةٌ مدعومة بفتنٍ سياسية، ودينية
ـ التفاوت التعليميّ: من اختفاء الأمية إلى أميةٍ مُتفشية بقوةٍ حسب المُقاطعات
ـ الفوارق الاجتماعية بالمُقارنة مع التطور الاقتصاديّ الشامل للهند
ـ تجاوزها لمُوقع البلد الناميّ إلى واحدةٍ من ثماني بلدانٍ هي الأقوى في المعمورة
تلك كانت بعض العناصر التي تؤثر مباشرةً على طبيعة السينما الهندية، ولهذا السبب، فإنه من الصعب اليوم الحديث عنها بصفة المُفرد٠

الهند، بدون شكّ، هي البلد الوحيد في العالم التي أدخلت في تطور صناعتها السينمائية أصالتها الثقافية، واللغوية: عملياً، تمتلك كلّ لغةٍ إنتاجها "الإقليميّ"٠
سينمات البلد الديمقراطيّ الأكثر تعداداً سكانياً في العالم (1.2 - 1.3 مليار- المُوازي تقريباً لعدد سكان الصين- أول بلدٍ غير ديمقراطي) تُكوّن أكبر إنتاج في العالم : يُقدر عدد الأفلام المُنتجة سنوياً مابين 900- 1100 فيلم" أكثر بكثيرٍ مما تُنتجه الصين "والذي لا يتجاوز ال500 فيلم على الرغم من قفزةٍ خارقة منذ عام واحد٠
اليوم، تعتبر السينما في الهند احتفالاً شعبياً قبل كلّ شيئ، يُعرض على أكثر من 13.000 شاشة، لم يستطع التلفزيون تقويض سيادتها٠
في داخل هذا المجموع، السينما المُتطورة في العاصمة الاقتصادية بومبايّ (مومبي حالياً) هي، ومنذ بداية السينما الناطقة سائدة من ناحية اللغة الهندية، واحدةٌ من لغتيّن وطنيتيّن مع اللغة الإنكليزية، سكان الحوض الذين يتكلمون الهندية "يتجاوز مقاطعة "ماهاراشترا"، وعاصمتها مومبي، القوة الاقتصادية لصناعةٍ يعيش منها حوالي 6 مليون نسمة في كلّ أنحاء الهند، هي متمركزة بشكلٍ واسع في مومبي، وهو موقعٌ دام حوالي خمسة عشرة عاماً، ولكن، منذ الاستقلال تأكد تطوّر الإتحاد، وبشكلٍ خاصّ من خلال صعود سينماته٠
السينمات الناطقة بلغة التلوغو "المُتمركزة في حيدر آباد، ولاية أندرا برادش"، التامول "المُتمركزة في"شينييّ (مادراس سابقاً)، ولاية تاميل نادو بشكلٍ خاصّ، ولكن أيضاً المالايالام في كيرالا، ولاية تريفامدروم ، كانت أقليّة في فترة الأربعينيّات، وبدءاً من الخمسينيّات- الستينيّات، سوف تزيد هذه المقاطعات الجنوبية من إنتاجها المحليّ بشكلٍ واضح، واليوم، يتجاوز الإنتاج فيها عن تلك المُنتجة في مومبي٠
في سنة 2007، كان الفيلم الأكثر نجاحاً في السينما الهندية من ناحية عوائد شباك التذاكر، هو
Sivaji، the Boss
للمخرج س.شانكار"مع راجينيكانت، النجم التاموليّ الأشهر، وسكان الشمال يعرفون بالكاد هذا الممثل، لأنّ الأفلام تتحرك قليلاً من مقاطعةٍ إلى أخرى بسبب العوائق اللغوية، والثقافية٠
وسكان الشمال لا تعنيهم أفلام الجنوب، وأهالي الجنوب يرفضون أفلام الشمال، هذا إن لم يعبّروا عن رفضهم عن طريق احتجاجاتٍ عنيفة٠
لا يتحدث المتفرجون الهنود اللغة البنغالية، ومعظمهم يعرف قليلاً ساتياجيت راي ، مع أنه كان مجدّد السينما الهندية عن طريق الاحترام الذي فرضه إزاء سينما شخصية، والإشعاع الدولي الذي جلبه لسينما مجهولة وقتذاك٠
ولكن، في داخل الإتحاد الهندي، الجدران بين سينما وأخرى ليست سميكة كما يمكن أن توحي دراسة سطحيّة، وذلك لأنّ التبادلات، والاستعارات، والقرصنة لم تتوقف أبداً عن العمل٠


في الماضي، كانت كالكوتا تنتج أفلاماً بلغاتٍ متعددة (بدايةً باللغة البنغالية، ولكن أيضاً باللغة الهندية، والتامولية، مثل النسخة الأولى من "ديفداس" المُقتبس عن راويةٍ بنغالية)، حتى الوقت الذي خسرت عاصمة البنغال سيطرتها الصناعية لصالح مومبي، والتي تنتج أفلامها باللغة الهندية، وحيدر آباد، وشيني، اللتان تنتجان أفلامهما بلغات الجنوب: تيلغو، تامول، مالايالام، كانادا٠

وهكذا، تختار مدن الجنوب أفلاماً هندية حققت نجاحاً تجارياً، وتُعيد تصويرها بلغاتها، وبالمُقابل، تنتقي بومبي أفلاماً تامولية حققت نجاحاتٍ جماهيرية، وتُعيد إنتاجها سواء عن طريق الدوبلاج، أو أفلاماً مُصوّرة من جديدٍ مع تغيير الممثلين، والديكورات، أفلاماً مُعلنة، أو مُقرصنة
ويجب الإشارة، بأنّ فنّ النسخ مُستوعبٌ في الثقافة المحلية، والسينمات الهندية خبيرةٌ باقتباس الأفلام الأجنبية أيضاً: الفرنة (كان
Beja Frye
لمُخرجه "سكار بيلارايّ" واحدٌ من النجاحات الهندية في عام 2007، وهو نسخة عن فيلم "عشاء المُغفلين")، والأمريكية، أو من بلدانٍ أخرى٠
يتمّ تبادل المُمثلين من إقليمٍ إلى آخر، ولم يعدّ التكريس بالنسبة لممثلٍ تاموليّ بأن يُستدعى إلى مومبي، ولكن، على العكس، أن يذهب ممثلٌ من مومبي ليُصور في شيني٠
و راجينيكانت النجم البوليووديّ الأكثر شهرةً لا تعود أصوله إلى ولاية تاميل نادو ، ولكن من كارناتاكا٠
والرقصات الجماعية، العلامة المُعترف بها دولياً للسينما المُسمّاة بوليوود، هي بدورها مُستوحاة مباشرةً من رقصات ولاية تاميل نادو. وفيما يتعلق بالموسيقى، والرقص، يمتلك الجنوب تقليداً تاريخياً أكثر أهميةُ بكثيرٍ من المناطق الهندية الأخرى٠
ومن المُفيد الإشارة، بأنّ المؤلف الموسيقيّ الأشهر، والعبقريّ أ.ر.رحمان، الذي يُعتبر اليوم في الهند والعالم أجمع بفضل اشتراكه في أفلام عالمية مثل
"Slumdog Millionaire"
لداني بويل، هو تاموليّ الأصل٠

تفكك الهوية الإقليمية هذا، نجده حتى في داخل المسيرة الاحترافية للسينمائيين، ويُعتبر ماني راتنام، و"رام غوبال فارما"، مثاليّن يتأرجحان بدون توقف بين الإنتاج باللغة التامولية بالنسبة للأول، والتلوغو بالنسبة للثاني، ومنذ موقعهم التجاري، قدما أفلاماً باللغة الهندية، وفي بعض الأحيان يُعيدا إنجاز أفلامهما الخاصّة بنسخ لغويةٍ مختلفة.
في داخل السينما الهندية نفسها أشوتوش غواريكر، والذي يعمل في إطارها الجماهيريّ (ميزانية، لغة، نجوم، حضور الأغاني، والرقصات) يحاول اليوم الابتعاد قليلاً عنها : لهجةٌ محليةٌ في
Lagaan
Swades نصف عدد الرقصات في

وفيلمٌ ملحميّ تمّ تصويره في أماكن خارجية من خلال نوعٍ قليل الإنتاجية في مومبي، والمقصود
Jodha Akbar
حيث الرقصات، والأغاني ليست كثيرة، وهي موزعة بطريقةٍ عضوية داخل البناء القصصيّ للفيلم٠
وبالتوازي، هناك سينمائيون شبان، ومنهم فرحان أختار،فيشال باردواج، أنوراج كاشياب، وأمير خان وهو النجم الأشهر في مومبي، يحاولون قصّ حكاياتٍ أكثر شخصيةً ضمن إطار مفروض، يحاولون إزاحة قيوده

فيما يخصّ المشهد العالميّ، تظلّ بوليوود (كي نستخدم من جديد مصطلحاً اختاره الغرب، ولكن، لم يعدّ له معنى) الجانب الأكثر انتشاراً من السينمات الهندية الأخرى، وبشكلّ خاصّ، بفضل شهرة نجومها، أميتاب باشان، شاروخ خان، أيشواريا راي، وغيرهم،.. ولكنّ الجدران المُحيطة بها، والمعتبرة تعريفاً للنوع السائد (الميلودراما، أو الكوميديا، مع الأغاني، والرقصات)، وطريقة تشغيل الصناعة، قد تقوضت إلى حدٍّ كبير.
من جهةٍ أخرى، هناك سينمائيون آخرون يعملون خارج نطاق بوليوود (مثل البنغالي الرائع ريتوبارغنو
Choker Bali , Raincoat, Antarmahal غوش
يبنون جسوراً بين الكيانات المُنفصلة سابقاً، ولكن، لهذا الموضوع قصةٌ أخرى٠

*ترجمة صلاح سرميني عن مجلة "بوزيتيف" الفرنسية، العدد577- مارس 2009(صفحة 88-89)٠

صلاح سرميني: ناقد سينمائي عربي يعيش ويعمل في باريس٠


شؤون وشجون السينما المغربية الجديدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

كل ما تطلبه لولا

ما حدث في العامين الماضيين مع فيلم »كل ما تطلبه لولا« يلخّص وضعاً خاصّاً للسينما المغربية من ناحية، ووضعاً مشابهاً لأي سينما عربية تريد أن تسبر الطريق نفسه من ناحية أخرى٠

نبيل عيّوش سينمائي مغربي نشط أخرج أربعة أفلام طويلة من العام 1992 وأنتج العديد من الأفلام المختلفة لمخرجين سواه. هو طموح من حيث أنه يريد أن يبني سينما ذات إنتاج خاص وأسماً لامعاً بين أترابه من المخرجين حول العالم٠
في سنة 1992 إذاً أخرج »مكتوب« الذي تناول، بأسلوب بوليسي، موضوع تعرّض إمرأة شابّة لحادثة إغتصاب وكيف أثر ذلك على حياتها الزوجية، قبل أن تنجح وزوجها في ردم تلك الحادثة وفتح صفحة جديدة. فيلم تشوبه الحركة والقليل من التعمّق في صلب الموضوع المطروح لكنه يعد بولادة مخرج جديد وهو فاز بالفعل بجائزة نجيب محفوظ في دورة مهرجان القاهرة السينمائي سنة 1997 كأفضل عمل أول او ثاني لمخرجه٠

فيلمه الثاني كان »علي زاوا« وهذا لمع أكثر من سابقه واستحق جوائز أكثر من مهرجان أميين الدولي الى كولونيا لسينما البحر المتوسط، ومن كيرالا الهندي (جائزة إتحاد نقاد السينما العالميين) الى مهرجان ماينهايم مرورا بجائزة من مونتريال. هذه المهرجانات، صغيرة وكبيرة، وتلك الجوائز، رئيسية وثانوية، دعمت فيلماً رغب في طرح وضع اجتماعي يخص اطفال الدار البيضاء المهملين المتكوّمين في عصابات طرق تعيش في قاع المدينة وعلى شواطئها ويدمنون شم الصمغ كما يصف الفيلم شخصياته وأحداثه٠
اللافت أن هذا الفيلم الذي أخرجه نبيل عيّوش سنة 2000 سبق بأسلوبه العام وموضوعه هذا فيلم البرازيلي فرناندو مايريليس المدوّي »مدينة الله« الذي تناول بدوره أطفال ريو دي جنيرو الذين يعيشون على الطرقات ويؤلّفون العصابات ويدمنون شم الصمغ٠
ثم جاء فيلم نبيل عيّوش الأخير »أي ما تطلبه لولا« المختلف تماماً عن الفيلمين المذكورين٠
كأحداث، انتقل الفيلم من نيويورك الى القاهرة ولم يطأ أرض المغرب مطلقاً٠
كإنتاج جمع تمويله وخدماته الإنتاجية من عدّة جهات. هناك ما هو مغربي، وما هو فرنسي، وما هو كندي وإسهام ما أميركي٠
الميزانية ارتفعت عدة أضعاف تلك الصغيرة في الفيلمين السابقين ووصلت الى ثمانية ملايين دولار والممثلون جاؤوا من بقاع مختلفة، فهناك الأميركية لورا رامزي والمصرية مريم فخر الدين ومن لبنان كارمن لبٌس ومن تونس هشام رستم وهذا فقط كمثال٠
لكن ما اختلف أيضاً هو السبب الذي من أجله حقق المخرج هذا الفيلم. طموحه المشروع نقله مرّة واحدة الى محاولة تقديم فيلم من ملامح ما بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر حيث النيّة لتلميع الصورة العربية تكمن كسبب، ولو قصي، من أسباب الفيلم٠ هذه الأميركية تعشق الرقص الشرقي. تحب شابّا مصرياً وتلحق به حين يغادر اميركا لتكتشف أنه كان يتخذها صديقة عابرة لا أكثر. كانت تستطيع العودة لكنها قررت البقاء وتعلم حرفة الرقص على يدي راقصة شرقي معتزلة كانت أشهر راقصات مصر أيامها (كارمن لبّس) ومن هنا تجد نفسها وقد أصبحت نجمة محبوبة٠

مكتوب

تدويل السينما
إذ سرد الفيلم كل ذلك برشاقة، حاول طرح قضاياه الشخصية من ناحية والإجتماعية من ناحية أخرى في قالب ترفيهي. المشكلة أن ذات القالب عكس اختيار المخرج في أن الوصول الى رأب الصدع بين الشرق والغرب يكمن في مثل هذه المواضيع في مواجهة محاولات مخرجين مغاربة آخرين رأبه عبر طرح مواضيع أكثر التصاقاً بالحياة المغربية ذاتها. مشروع نبيل عيّوش الكبير لوضع نفسه على خارطة دولية نتج عنه فيلما واجه صعوبة عرض حتى في مصر ذاتها لينتهي في مهرجان دبي أوّلاً (استقبله كفيلم افتتاح) ثم ليجول سينمائياً في أربع دول غربية هي فرنسا والنروج وكوريا الجنوبية وتايوان٠
محاولة نبيل عيّوش سجلت حضورها وتوقّفت٠

المحاولات المماثلة لتدويل سينما عربية ذات موضوع او شخصية أجنبية قليلة لكنها موجودة . في العام ذاته مثلاً، أقدم الإماراتي ماجد عبد الرزّاق على تحقيق فيلم (مكلف أيضاً) بعنوان »رمال عربية« تناول فيه رحلة المستكشف البريطاني ولفرد ثيسيغر في جنوبي شبه القارة العربية. ليس فقط أن المخرج قرر القيام بدور الرحالة الإنكليزي فقط، بل جاء إخراجه كاشفاً عن قلّة مداركه ومعلوماته وانتهى الفيلم من دون نتيجة ترقى الى مسببات تحقيقه٠
لكن المسألة في السينما المغربية تختلف وفيلم نبيل عيّوش لم يضع نقطة علي السطر بالنسبة إليها. السينما المغربية اليوم ثاني أكثر بلد منتج للأفلام من بعد مصر ولو أن لا مصر ولا الدول العربية الأخرى تشاهد ما تنتجه هذه السينما الا في المهرجانات العربية التي تستقطبها مثل مهرجاني دبي والقاهرة في هذه المنطقة من العالم العربي، ومهرجان قرطاج في الشمال الأفريقي٠
ذلك الإختلاف له علاقة طبيعية بأن هناك مخرجين كثر في المغرب لا يرون العالمية في إطار تحقيق أفلام تتناول قصص شخصيات غربية وما أنجزته او لم تنجزه حين حطّت رحاها في هذا البلد او ذاك، بل تنطلق لتسبر إما غور التاريخ وإما الوضع الحاضر بأشكاله وتداعياته المختلفة

قلوب محترقة

وبل هناك ما يوحي بالجمع بين الإثنين كما الحال في فيلم جميل عاد به المخرج أحمد المعنوني قبل عامين الى العمل السينمائي هو »القلوب المحترقة«: دراما نابعة من الذات الشفّافة التي يحملها المخرج بين أضلعه ومن مذكرات وذكريات أراد تجسيدها فيلماً لتخليص نفسه منها ولو الى حين. على الرغم أن الأحداث غالباً مأخوذة عن حياته، الا أن الفيلم لا يتّخذ شكل السيرة الذاتية وهو يسرد حكاية شاب عاد الى بلدته المغربية ليواجه خاله المريض وليصفّي حسابه معه. لقد أساء خاله معاملة بط الفيلم (محمد الدرهم) حين كان طفلاً صغيراً وإلى حد لا يُطاق. وكل ضربه وعنفه وحرمانه له من الدراسة وظلمه ترسّب داخل الصبي حتى كبر وجاء الآن ليقيم محاكمة. لكن الخال لا يستطيع الكلام والشاب ليس لديه سوى الإنتقال بين الحاضر والماضي (والحاضر يستوعب قصّة أخرى على جانب قصّة بطل الفيلم لا تقل أهمية). جهد رائع من المخرج مع تصوير أخّاذ بالأبيض والأسود (معظمه) من الفرنسي بيير بوفرتي. يستخدم المخرج نمراً غنائية لفترات قصيرة ومشاهد لفرق جوّالة تنقل الفولكلور المغربي المتنوّع ما يثري هذه التجربة تماماً. كل هذا وسواه يجعله واحداً من أفضل عشرة أفلام عربية وأحد أكثر الأفلام تميّزاً في العام الماضي٠

موقف ليبرالي
الى وضع راهن وشائك انتقل فيلم »ملائكة الشيطان« لأحمد بولان. إنه محاولة صادقة ولا تخلو من الجرأة لطرح موضوع الحرّيات وما إذا كان يمكن تجزئتها او لا. السيناريو مبني على أحداث حقيقية، لكن لا علم لنا كيف تدخّل المخرج سينمائيا لكي يعزز هذا الخط او ذاك فيها. وهل تدخّله كان لمساعدة فيلمه إنجاز رسالة معيّنة او لمجرد ضرورات السيناريو السينمائي٠
في هذا العقد الأول من القرن الجديد ظهرت آفة من آفات إجتماعية أخرى مستوردة، تمثّلت في حركة عبادة الشيطان. تم إلقاء القبض على خلايا لها في مصر وتم إكتشاف خلية أخرى في المغرب وأثارت كلا الحالتين العديد من التعليقات والتحليلات. ما يختاره المخرج بولان هنا هو سرد الحدث المغربي منتقلاً بين أسلوب التحقيقات الجنائية والموقف الضمني مع المتهمين. ليس أن الفيلم دعوة وتأييد لهم لكنه ينأى أساساً عن تأكيد او نفي وضعهم وبذلك يروّج لفكرة أنه بغياب أي إثبات فإن السطلة تعاملت معهم على أساس أنهم متّهمون لمجرد أنهم يرتدون ملابس مختلفة ويعزفون الهارد روك٠
لكن الموقف الليبرالي الذي يتّخذه المخرج هو ذاته ما يتيح المجال للنيل منه على أساس أن الدفاع عن مبدأ أن المتهم ليس مذنباً الى أن تثبت إدانته لا يجب أن يعني السكوت عن الحالة التي عرّضته لهذا الموقف. من بعد التمهيد والتعريف بالشخصيات الشابّة التي ستجد نفسها عرضة لمطاردة البوليس، يتحوّل الفيلم الى شريط تحقيقات. والمفاد من مشاهد التحقيق الذي يقوم به البوليس هو أن هؤلاء الشبّان ربما كانوا أقل خطراً من المحققين. وهناك تساؤل في الفيلم عن الجهة التي ربما أوعزت بإلقاء القبض عليهم والإتهام يتوجّه الى المتطرفين الإسلاميين. قبل ذلك هناك حديث عن "وداعاً للديمقراطية" ولاحقاً ما يتولّى الفيلم إبراز قول متطرّف من أن "الديمقراطية نظام شيطاني". مع هذا القدر من خلط الأوراق يصبح واضحاً أن المخرج حكم على أبطاله الشبّان بالبراءة حتى من قبل أن نعرف بالتأكيد ما إذا كانوا أبرياء فعلاً. سينمائياً، يحمل الفيلم قدراً من الإسراع في التنفيذ لكن لا مشاكل لديه سرد القصّة على نحو متلاحق و-الى حد ما- سلس٠ لكن الموضوع هو الذي يطغى على الشكل هنا جاعلاً الثاني تابعاً وغير معبّر فعلياً عن قدرات المخرج الفنية٠

فانتازيا في بلاد الموحّدين
والتعرّض لموضوع يخص طائفة من الناس، كهؤلاء الشبّان، جاوره التعرض لطائفة أخرى في فيلم حسن بن جلّون »فين ماشي يا موشي«٠
تقع أحداثه في العام 1963 حيث أخذت الهجرة اليهودية من المغرب تزداد قاضية على عقود من التعايش والألفة بين المسلمين واليهود. وللتعبير عن هذه التعايش يختار المخرج- الكاتب مشهد عناق بين مسلم ويهودي فرحين باستجابة الله لدعاء جموع الأهالي بأن ينقطع الجفاف وتمطر السماء٠ لكن هناك مشاكل في الأفق وسريعاً ما ندخلها: عائلة يهودية تقرر أن تلحق بالجاليات اليهودية التي تتسرّب ليلاً من البلدة للهجرة، وعائلة أخرى يرفض رب الأسرة ترك البلدة التي عاش فيها حياته. لديه محلاً يمتنع عن بيعه. في الوقت ذاته هناك أهالي مسلمون يريدونه أن يبقى بسبب الصداقة والعلاقات القائمة، وآخرون يودّون أن يرحل لكي يتسنّى لهم شراء أملاكه بسعر بخس. هذا اليهودي الذي آثر البقاء يصبح محور الفيلم ٠
المخرج حذر من الوقوع في شرك الدعاية لأي طرف ويختار أن يقدّم حكايته على خلفية واقعية بحتة (من دون أن يكون الفيلم نفسها واقعياً) لكنه في ذات الوقت يعكس قدراً من التعايش بين الفئتين وحسناته وكيف انتهى في قدر من النوستالجيا٠

عبدو في بلاد الموحدين

ومن الواقع، حقيقيا او صاحبه قدر من الخيال، الى الفانتازيا في فيلم »عبدو في بلاد الموحّدين« الذي حقق نجاحاً تجارياً كبيراً لمخرجه سعيد الناصري ربما يدفعه حالياً للتفكير في إنجاز فيلم يكون بمثابة جزء ثان. الفيلم بعنوان »عبدو في بلاد الموحّدين« قام الناصري بكتابته وإخراجه وتمثيل دور البطولة كما بإنتاجه. كوميديا تنطلق من حادثة يجد فيها بطله (الناصري) قد سقط في ذلك الفاصل الزمني غير المرئي بين الحاضر والماضي. خلال مطاردة البوليس له يمر من أمام فريق علمي يديره طبيب غربي يجري تجارب إشعاعية. لا يجد عبدو نفسه الا وقد أنتقل، هو ودراجته النارية ، الى العهد المذكور وسط استغراب الأمير وحاشيته واعتقادهم في باديء الأمر أنه جاسوس موفد من قبل أعضاء الإمارة٠
كل ما تنتظره من سيناريو قائم على إنسان من اليوم ينتقل الى بضع قرون سابقة يحدث هنا، من مغامرات عاطفية إلى مواقع عسكرية الى مواقف كوميدية. والفيلم يحاول أن يكون تعليمياً بعض الأحيان، مفيداً في قليل منها ومضحك في معظمها وينجح في القليل جداً من غاياته التعليمية وفي بعض أهدافه الكوميدية٠
يعلّق الفيلم، في منحاه التثقيفي، إذا أردت القول، على الحياة الأدبية والثقافية. شخصيات ذلك الزمن يعرفون جيّداً إبن الرشد وأرسطوطاليس (جمع إبن الرشد ما وصل إليه الفيلسوف الإغريقي في كتاب بعنوان "الجوامع") ويأتي على ذكر أبو إسحق وأبو جعفر الذهبي. وبل يأتي على فيلم "المصير" ليوسف شاهين عبر تساؤل عبدو إذا ما كان ما ورد في ذلك الفيلم حقيقياً أم لا٠

عجلة الإنتاج لا تتوقّف في المغرب وهناك عدّة أفلام حديثة غير تلك المذكورة وأخرى تم تصويرها او يتم تصويرها حالياً منها »الغريب« لليلى طريقي و»فاطمة« لرشيد همان و»»أولاد البلد« لمحمد اسماعيل كما يعود المخرج الجيد جيلالي فرحاتي في »غداً، الفجر« و»الفيلا الكبيرة« للطيف لحلو٠




نقد

الموت في ڤنيسيا
بين الأدب والسينما: توماس مان ولوتشينو فيسكونتي

قلق الإبداع واحتضار الروح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسر المسكي


الرواية
كتـَبَ توماس مان روايته، القصيرة نسبياً ، "الموت في البندقية" عام 1912. و هو زمن قلق كانت أوروبا فيه على شفا تبدلات جذرية ستغيّر وجه القارّة و العالم. عصر الآلة، و ما رافقه من تبدل عميق في مفهوم العلاقات الإقتصادية و الإجتماعية، أخَـذ يزعزع ما كان راسخاً في الفكر الأوروبي و واصلاً بتأثيره إلى مفهوم الفن والإبداع و الجمال. ففنّ العمارة مثلاً، مع ما وفرته له الآلة من مواد جديدة، كان يُشرف على بدء الصعود الشاقولي إرتفاعاً و الذي غيّر شكل المدينة و خطّ أفقها إلى الأبد. الرسم و النحت كانا يرهصان بالآتي عبر تفكيك الأشكال الكلاسيكية وإعادة تركيبها برؤية جديدة في مناخات سَيطرَ عليها القلق الوجودي. فتوحات سيغوند فرويد في التحليل النفسي كادت تحول كتبه إلى إنجيل العصر الجديد. الفكر القومي الصاعد بدأ يهزَ عروش الإمبراطوريات، و الصراع المتفاقم بين عواصم القوى الكولونيالية الكبرى في أوروبا سينفجر قريباً في مذبحة دامت أربعة سنوات و أسموها لاحقاً الحرب العظمى.
لم يكن كتـّاب تلك "الحقبة الجميلة"، كما دُعيت قبل إندلاع الحرب العالمية الأولى، غافلين عن إندفاع أوروبا بزخمها الإقتصادي و الإبداعي نحو المجهول. من هنا جاءت رواية توماس مان عن الموت في البندقية و كأنها نبؤة مفعمة بالقلق عن إنهيار مفاهيم حقبة كانت في طريقها لإن تختفي إلى الأبد٠
غوستاف آشنباخ، كاتب ألماني ذو حيثية إبداعية و إجتماعية رفيعة، يقرر السفر إلى الجنوب بحثاً عن تغيير يساعده على الخلاص من أزمة إبداعية تحدّ من قدرته على الكتابة، فيقصد مدينة فينيسيا الإيطالية التي على وشك أن يجتاحها وباء الكوليرا. في فندقه و على شاطيء الليدو الشهير يلتقي صبياً بولونياً آسر الحضور. آشنباخ يعتقد في البداية أن إنجذابه نحو الصبي إنما هو بدافع إبداعي، حيث أن الصبي يُمثل الكمال الجمالي بالمفهوم الكلاسيكي. لكن آشنباخ المـُسنّ يكتشف و بالتدريج ،و بهلع داخل روحه، أن ميوله نحو الصبي إنما تحمل معالم الحبّ و الهيام والشهوة٠
آشنباخ الذي طالما مارسَ طوال حياته السيطرة على عواطفه لصالح إبداعه الأدبي الذي قامَ على التوازن و القوة و الصراع ضدّ كل ما يمكن أن يلوث النقاء، يجد نفسه الآن غير قادر على ضبط عاطفته و لوعته و شهوته. هو أختارَ أن يبقى في البندقية رغم شيوع خبر الوباء في شوارعها. لا يستطيع أن يغادر، و كيف له أن يفعل و لوعته نحو الصبي تمعن في سحبه نحو الأسفل. بل هو حتى و رغم كل التحذيرات من تناول الأطعمة من الباعة الجوالين لا يمتنع عن تناول الفريز (الفراولة) من بائع ليطفيء عطشه فيما هو يطارد الصبي في أزقة المدينة. إنها الفاكهة المـُحرّمة التي لا يستطيع أن يمنع نفسه عنها في خضمّ إنفلات عواطفه و خروجها عن سيطرته، وإنزلاقه نحو العالم السفلي. هو الموت في مدينة تغرق و يعصف بها الوباء٠


الفيلم
يميل أغلب من قرأ رواية ما إلى تفضيلها عن النسخة السينمائية التي تُصوَّر عنها. و أغلب الظن أن ذلك يعود إلى أن القاريء قد بنى فيلمه الخاص به في مخيلته و هو يقرأ النصّ الأدبي. وحين لا يتطابق أو يتشابه الفيلم على الشاشة مع ذلك الخاص بالقاريء في مخيلته تقع خيبة الأمل. كما أن الإختلاف الكبير في أدوات السرد الروائي و السرد السينمائي تتيح للكاتب، الذي يعمل فردياً و دون أن يضغطه عامل الوقت و التكاليف، إلى الإسهاب في تكوين المناخات الروائية و الدرامية و النفسية للشخصيات كما للأحداث. أما السينمائي، الذي يعمل ضمن فريق و جدول إنتاجي و مواعيد صارمة و ميزانية تراقبها الجهة المـُنتجة، فلا يقف في صَفـّه إلاّ القول بإن الصورة تـُعَوّض عن ألف كلمة. لكن هذا القول لا يصحّ إلاّ نادراً ومع مخرجين من طينة لوتشينو فيسكونتي٠

فيسكونتي، الذي أشتركَ في كتابة السيناريو مع نيكولا بادولوتشيو، يتصرّف بالنص الأدبي لكن في حدود لا تهدر القيمة الرمزية و الفكرية ولا حتى الفلسفية لرواية توماس مان. لوتشينو فيسكونتي لا يُقصر جهده على تحويل السطور إلى صور، بل يخلق عملاً سينمائياً فريداً بقوته و تأثيره و قدرته على التعبير عن ذاته و مضمونه بأدوات سينمائية خاصة به بحيث أن من لم يقرأ الرواية لن يفقد قدرته على الولوج إلى رؤيا توماس مان عن إنهيار عالم من المفاهيم و القيم يجسّدها سقوط غوستاف آشنباخ. التغيير الأساسي الذي أدخله فيسكونتي هو تحويل آشنباخ من كاتب روائي يجد نفسه في أزمة إبداع إلى موسيقي لامع يسقط في عرضه الأخير أمام جمهور لا يخفي إمتعاضه. سبب هذا التغيير سنورده، مع بعض المقارنات الآُخرى، خلال الحديث عن الفيلم

فيما يبدأ توماس مان روايته بمشهد لغوستاف آشنباخ سائراً في ساحة تـَحفّ بها شواهد قبور حجرية معروضة للبيع وذلك في إرهاص عن الآتي، فإن فيسكونتي يبدأ فيلمه بلقطة واسعة لبحر هاديء و سماء مُلبدة. من عمق الكادر يلوح المركب إزميرالدا الذي يقلّ آشنباخ إلى البندقية. يقترب المركب و من ثمّ يخرج من يسار الكادر. تبقى الكاميرا ثابتة على مشهد البحر الواسع حتى تختفي آخر أمواج الماء الصغيرة التي أحدثها مرور المركب. وكأن فيسكونتي يريد أن يـُلمّح لنا أن قدوم آشنباخ إلى المدينة يحمل معنى الرحيل أكثر مما يوحي بالوصول٠
مع إقتراب المركب من البرّ نرى مجموعة من الجنود الإيطاليين يهرولون على إيقاع نوتة موسيقية عسكرية. هذا هو ربما التعبير البصري الذي أراده فيسكونتي لعبارة توماس مان عن الزمن الذي تدور فيه الأحداث حيث يحددها مان بقوله: "هي السنة التي بدا فيها أن خطراً عظيماً يُخيّم على السلام في أوروبا"٠

في ميناء الوصول يترجل آشنباخ من المركب ليصادف رجلاً عجوزاً يرتدي سترة و قبعة بيضاوان و يضع المساحيق الكثيفة على وجهه. يتقدم منه الرجل و يبدأ يثرثر بما لا طائل فيه فيما آشنباخ يبدي إمتعاضاً من منظر الرجل المـُنفر. هذا المشهد مهم لإن يتذكره المشاهد، لإنه عند نهاية الفيلم سنرى آشنباخ الرصين و في مسيرة إنزلاقه إلى الهاوية و قد أرتدى سترة بيضاء و طلى وجهه بالمساحيق و صَبَغَ شعره و ذلك في خروج مُذلّ عن منطق الزمن و القبول بآثاره على الجسد و الروح٠
مع إستقرار آشنباخ في فندقه الفاخر، يبدأ فيسكونتي بإستعمال الفلاش باك لوضعنا في المناخ النفسي و الفكري الذي قادَ آشنباخ إلى البندقية بعيداً عن مدينته ميونيخ٠

إختيار الكاتب توماس مان للبندقية مكاناً لسقوط آشنباخ ليس عبثياً. فالمدينة في وجودها تحمل معنى التناقض. فبناء المدينة داخل البحر هو تعبير لا جدال فيه عن إرادة القوة و الإصرار و الصلابة في مقاومة ما يعترض الإرادة البشرية في بلوغ مقصدها الإبداعي. لكن البندقية في الوقت نفسه تحمل معنى الموت المحتوم. فالمدينة ومنذ إنشائها، تغرق كل عام بضعة سنتيمترات في مياه البحر٠
كما أن البندقية هي واحدة من أهمّ رموز الثقافة الرومانية – المتوسطية العابقة بالشغف المحموم و العواطف المتفجرة و التلقائية و الفوضى. و هي في كل ذلك تأتي نقيضاً للثقافة الجرمانية القائمة على الإنضباط، الصرامة، القوة، النقاء، و الرصانة. لذلك حين يجد غوستاف آشنباخ الجرماني أنه غير قادر على السيطرة على عواطفه التي صارت تـُسيّره، يبدأ رحلة إنهياره المـُحزنة و ذلك في البندقية. توماس مان حين كـَتـَبَ روايته تأثرَ و لا شك بنظريات سيغموند فرويد الذي قالَ أن كبت العواطف لفترة طويلة يؤدي إلى تشوهات نفسية و أنه حين إنفجارها فهي ستنطلق متدفقة دون هوادة و قد تودي بالمرء إلى هلاكه٠

مَشاهِد مهمّة
في ردهة الفندق يجد آشنباخ نفسه مُحاطاً بخليط من اللغات و الجنسيات. لكن عيناه تقعان فجأة على صبي أشقر مع والدته، أخواته، ومربيته. و يدرك آشنباخ من نتف الحوار الواصلة إليه أن العائلة بولونية. شيء ما يتحرك داخل آشنباخ فيبقى محدقاً بالصبي و كأن شيئاً قد أستثاره. و من خلال الحوار الذي دارَ بين آشنباخ و صديقه في الماضي عن ماهية الجمال و الخلق الإبداعي، و يستحضره فيسكونتي نـُدرك ما الذي حَرّكَ مشاعر آشنباخ٠
الحوار يأتي من خارج الكادر فيما الكاميرا تقطع بالتناوب على وجه الصبي أو وجه آشنباخ. الأخير يؤمن أن الجمال هو نتيجة جهد و عمل الفنان الذي يخلق الجمال، فيما يُصرّ صديقه على أن الجمال هو:
"تلقائي بوجوده، وغافل عن أي جهد أو إفتراضات."
عند هذه العبارة بالذات تقطع الكاميرا على وجه الصبي٠

حاولت أن اُركـّز على هذا المشهد لإنه يُمثل، بطريقة تقطيع الصور و الحوار ، بداية الشك الذي ينتاب آشنباخ بمفاهيمه السابقة و بداية إنفلات شغفه بالصبي٠
في مشهد فلاش – باك لاحق نرى هنا حواراً آخر بين آشنباخ و صديقه يُلخص جوهر الفيلم و عذابات آشنباخ في رحلة سقوطه. حيث آشنباخ يرى أن الجمال و النقاء هما عمل روحي مستقلّ عن الأحاسيس التي لا يمكن عبرها بلوغ الروح. و أن الحكمة والحقيقة و الكرامة الإنسانية يمكن الوصول إليهم فقط عبر السيطرة الكاملة على الأحاسيس و المشاعر. وأن الفنّ ليس له أن يكون غامضاً. أما صديقه فيأتي من عالم آخر حين يؤكد أن الإثم هو ضرورة للفنان و هو غذاء العبقرية. و على الفنان أن يدع نفسه لإن "تلوثه" الحياة. و أن الغموض هو جوهر الفن. و الموسيقى هي أكثر الفنون غموضاً
في كلّ ما سيأتي يبدو آشنباخ يتخلى و بالتدريج عن ما كانَ يدافع عنه لصالح عواطفه التي إنطلقت من عقالها بعد كبت طويل و قادته مُلتاعاً في شوارع البندقية يُطارد صبياً هو الجمال و الحياة و... الموت. لا الحكمة و لا الكرامة الإنسانية حصنتاه من لوعة شغف دفينة أندفعت من دواخل روحه و تركته مرمياً، مسترخياً في مدينة متوسطية تُلهب الخيال و تلتهب بداء الكوليرا. لقد ترَكَ الحياة تلوثه وأنسَاقَ يطاردها حتى...الموت٠

في الكثير من مشاهد الفيلم نرى آشنباخ مسترخياً في كرسيه يراقب الناس حوله في خمول. و يأتي هذا تعبيراً بصرياً بليغاً عن التحول في شخصية آشنباخ الجرمانية المُتقدة للعمل و النشاط. كما أن تعابير آشنباخ تبدو حيادية من كلّ ما يجري حوله و لا تشتعل إلاّ حين يظهر الصبي البولوني تادزيو.
بقي فيسكونتي أميناً لإرادة الكاتب توماس مان بأن لا يتبادل آشنباخ و الصبي أي حوار أو يتلامسان. فالفكرة هي ليست في خلق علاقة جنسية مثلية. بل الفكرة هي بالتأمل في مفهوم الجمال و الفنّ و الخلق الإبداعي من خلال المواجهة بين مفاهيم مختلفة تـُعبّر عنها حوارات أشنباخ و صديقه. فهل الجمال ينتمي للأحاسيس البشرية بتنوعها بين الفاضل و الآثم؟ و هل الفنّ رمزاً للقوة و الإنضباط، أم هو إندفاع الروح الحرّة؟ هل على الفنّ أن يحمل غموض الإثم أم صراحة النقاء؟
الإيحاء بالعلاقة الجنسية المثلية هدفه هنا هو وضع الشخصية الأساسية (غوستاف آشنباخ) في حال تـُمثل أقصى النقيض لكل ما كان يؤمن به و عمل له. هي العلاقة التي ستطلق سراح عواطفه المكبوتة سنوات. كما أنها الحالة التي ستشي بالقادم الدموي من تاريخ أوروبا المعاصر حين ستندلع الحرب العالمية الأولى بعد سنتين فقط من صدور الرواية. و هي الحرب التي سقطت فيها أربعة إمبراطوريات و تـَغـَيـَرَ وجه أوروبا السياسي و الإجتماعي و الفكري . حيث إنهارت منظومة القيم السابقة لصالح اُخرى جديدة أدخلت أوروبا في مرحلة من القلق و التوتر والبحث المحموم عن الخلاص.
في الرواية يبقى الصبي غافلاً عن ملاحقات آشنباخ له لفترة طويلة. لكن فيسكونتي لا يملك وقتاً لهذا، لذا نجد أن الصبي تادزيو يلاحظ نظرات آشنباخ منذ اللقاء الأول و يبدأ بإغوائه ببراءة تحمل في طياتها قسوة المراهقين التي تترك آشنباخ محطماً على حدود الوصل الذي ما كان له أن يكون٠

تزييف حقيقته
غوستاف آشنباخ يحاول في البداية أن يحافظ و لو على مظهر الكرامة الإنسانية لموسيقار شهير مثله، لكن حين تغلبه عواطفه و أحاسيسه ينجرف إلى أفعال تزيد من شعوره بالذلّ. ففي ماخور المدينة يحاول مع مومس تدعى إزميرالدا (نفس أسم المركب الذي أقلّهُ إلى فينيسيا) و يفشل. فشله هو صدى للعقم الإبداعي الذي بلغـَهُ ولعقم طبقته البورجوازية في مواجهة التحولات الكبيرة التي كانت تحيط بمجتمعاتها وقيمها ووجودها٠
وحين يهمس الحلاق الإيطالي لآشنباخ أن عُمر الإنسان لا يُحسَب بسنيّ حياته، بل بإحساسه. فإذا كان لا يزال يشعر بالشباب فعندها يصبح الشعر الأبيض أبعد ما يكون عن الحقيقة. يقبل آشنباخ الفكرة فيصبغ شعره و يوافق على أن يطلي الحلاق وجهه بطبقة سميكة من مساحيق التجميل لإخفاء عمره. رغم الحكمة التي أمتلكها آشنباخ، ها هو يوافق على تزييف حقيقته. و هي حقيقة الفن و الإبداع التي طالما نادى ببقائها نقية من أي تشويه أو زيف. فيسكونتي هنا يختار لنا أن نشاهد ببعض التفصيل عملية التحول هذه من خلال مشاهد المُزيّن و هو يصبغ شعر آشنباخ، ثم وضع المساحيق بألوان مختلفة. و حين ينتهي الأمر فنحن نرى وجه آشنباخ معكوساً في المرآة. وجه مهرّج. وجه يبدو مماثلاً لذلك الرجل الذي رآه آشنباخ و نَفَرَ منه أول نزوله بَرّ البندقية٠
في مشهد أخير بديع نرى آشنباخ وحيداً على شاطيء هجره الرواد الهاربين من الوباء الذي عَصَفَ بالمدينة، يجلس منهكاً على كرسي، يتصبب عرقاً بحيث ينساب خط أسود من صباغ الشعر على جبهته. على بعد أمتار قليلة الصبي تادزيو في لباس البحر يتجه نحو مشهد البحر الواسع. الصبي يبدو لآشنباخ بعيداً كحلم ما كانَ له أن يتحقق. على يمين الكادر كاميرا تصوير فوتوغرافي قديمة، مهجورة، ترصد المدى الواسع للبحر حيث ترحل روح آشنباخ، كما ترصد إكتمال دورة السقوط الأخير لحقبة لم تجد فيها أوروبا وسيلة للخروج من أزماتها المادية و الروحية إلاّ بإنفلات دوافع الجشع و الشرّ التي تفجرت عام 1914 في حرب حصدت أرواح أثنا عشر مليون شخص


كـَتـَبَ توماس مان "الموت في البندقية" مُستنداً إلى تجربة شخصية عاصرها في البندقية التي أجتاحتها الكوليرا عام 1905. كما أن ميول توماس مان الجنسية المثلية لم تكن خافية على محيطه، رغم زواجه و إنجابه ستة أطفال. و قد روى في يومياته التي نـُشرَت بعد وفاته جانباً من تجاربه الشخصية تلك. كما أنه بعد وفاة الكاتب الألماني نـَشَرَ نبيل بولوني كتاباً يؤكد فيه أنه الشخص المعني بشخصية الصبي تادزيو. حيث يتذكر أنه حين كان صبياً أمضى صيفاً في شاطيء الليدو في البندقية و أنه يذكر أن رجلاً مُسناً طارده لفترة طويلة على الشاطيء وفي أزقة المدينة، و أنه أنتظرَ وفاة الكاتب حتى يعلن عن نفسه٠
المخرج لوتشينو فيسكونتي بَدّلَ الشخصية الأساسية من كاتب إلى موسيقي لإنه أرادَ أن يصنع الفيلم من وحي صديقه الموسيقار الكلاسيكي غوستاف ماهلر الذي كونت سيمفونيتيه الثالثة و الخامسة موسيقى الفيلم. كما أن السبب الآخر يكمن في أن الموسيقى تـُعَبّر عن جوهر التنازع في العمل الإبداعي بين و الإلتزام و الصرامة وبين التلقائية و تدفق العاطفة. و من هنا نعيد تذكر الحوار بين آشنباخ و صديقه أول الفيلم حيث يرى الأول أن الفن عليه الإبتعاد عن الغموض فيما يرى الثاني أن الغموض هو جوهر الفنّ و الموسيقى هي أكثره غموضاً٠

ميسر المسكي: ناقد سينمائي من سوريا *


الدائرة: صوب سينما خليجية رصينة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خالد ربيع السيد

تُحيل مشاهدة فيلم "الدائرة" للمخرج الإماراتي الشاب نواف الجناحي الى التفاؤل بإرتقاء صناعة السينما في الخليج بشكل عام. والمرجح أن يثير الفيلم حفيظة و(غيرة) صانعي الأفلام في دول الخليج الأخرى، وربما دفعهم الى تقصي حرفية مماثلة للتي تم بها تنفيذ "الدائرة"، وأيضاً من يدري ربما حرضهم نجاح الفيلم على عدم الإستسهال في إنتاج أفلامهم، وحدا بهم الى توخي إنتهاج الأسس الفنية والعلمية والتخصصية في تنفيذ أعمالهم السينمائية القادمة، لا سيما وأن الفيلم يشكل تجربة عربية بمقاييس عالمية تعد رائدة في المنطقة بما يكفل لها التحفيز لخوض تجارب لاحقة من شأنها تأسيس ثقافة سينمائية بملامح خليجية خاصة٠

الفيلم أدار إنتاجه بمزيج من الدقة والإحترافية المنتج عبدالله بوشهري، وكما يتضح لمن شاهده تم إشتغاله بمهنية رفيعة المستوى، بل أن هناك إمعان في تجويد أبسط تفاصيل العمل، خاصةً وأن الجناحي قد عكف طويلاً مع المعالج الفني للسيناريو السينمائي مسعود أمرالله، على تحريّ الحبكة الدرامية في كتابة مشاهده، وتوثيق المفردات الفنية في تنفيذها ومراجعتها عبر تنقيح مسودات السيناريو، فانعكس ذلك على لغته السينمائية الضافية، بما فيها من مكونات الصورة وإختيار أماكن وزاويا إلتقاطها والتي إجتهد في تحديدها المصور خليفة الحداد، ومن ثم تدعيمها بمؤثرات صوتية وموسيقية ألفها طه العجمي بحساسية بالغة .. أيضاً بما شمله الفيلم من حوار مدروس وإضاءة متلائمة ومكياج وملابس متناسبين مع بيئة وزمن الأحداث في الفيلم٠

كل ذلك يأتى وفق منهجية تقصي الدقة وضبط العناصر الفلمية وفي التحضير والتأكد من معيارية جميع العناصر المكونة للفيلم، فبدءً من قصته التي وضعها نواف الجناحي وتدور حول إبراهيم (عبدالمحسن النمر) بصفته كاتب صحفي نزيه ورجل أعمال شريف مصاب بمرض خبيث يهدد حياته بالموت، ومن ثم خلافه مع شريكه بدر (علاء النعيمي) الذي يسيّر أعمال الشركة بطرق غير نظامية، ليصبح شاغل إبراهيم فض الشراكة وأخذ حقوقه المادية حتى يؤمن بها مستقبل زوجته إيمان (الممثلة شوق) بعد وفاته٠

خلال سرد الفيلم، يلتقي إبراهيم المثقف بشهاب اللص (علي الجابري)، الذي يعمل ضمن عصابة تضم عنصرين آخرين عادل ورضا (نواف الجناحي وشهاب حمزة) وقد أجبره رئيسها على السرقة والقتل، فيما بعد، . . تشاء إرادة القصة أن يلتقي البطلان لحظة قيام شهاب بسرقة بيت جار إبراهيم، فيعيقه ويلقي القبض عليه، ومن ثم يدور حوار على قدر وافر من المنطقية المواجهة بالمنطق المضاد، وفي حصيلة تثري من حبكة الفيلم وتُدخل المشاهد الى إحساسه بواقعية الأحداث وبسحر السينما الآخاذ٠

وهكذا فقد إنكتب الحوار بمعيارية الجدل المنطقي من وجهة نظر كلا البطلين، وقام الممثلان (النمر) و(الجابري) بأداء دوريهما بتكثيف وإتقان محكم، وابتعدا عن التصنع وتخليا تماماً عن الإرتباك والركاكة، وبدا متعايشين مع شخصيتي الدورين وكأنهما شخصيتين حقيقتين تم إقتصاصهما من الواقع ليعززا من مصداقية الفيلم على نحو بالغ التأثير، وليضعا المتفرج في حالة من الإنجذاب الكامل والتسليم الكلي للشاشة وما يدور عليها بمحسوبية زمن ماهرة مكنت من توجيه أفكار المتفرجين وخلق تداعى المعانى فى أذهانهم٠

على هذا النحو رسم السيناريست شخصية شهاب كشخصية مأزومة ومتأرجحة بين ضمير إنساني يقظ، وبين واجب تحتمه ظروف أخته الصغرى وتدفعه للإلتحاق بعصابة، وفي ذات الوقت يجبره الدَين الذي يتوجب عليه دفعه لرئيسها (إبراهيم سالم) أن يلتزم بتعليمات الزعيم، فيتفق مع رفيقيه على أن يقوموا بآخر عملية سرقة لسداد ما عليه للرئيس والخروج من العصابة٠

لكن مجريات المفارقة في الفيلم تضع إبراهيم وشهاب أمام إتفاقية تحقق مصلحتهما معاً، فإبراهيم يريد إسترداد أمواله، وشهاب يريد تسديد ديونه، لذلك يتفقان على سرقة خزانة الشريك، وبالفعل تتم السرقة بنجاح، لكن رئيس العصابة يأمر شهاب بقتل إبراهيم فهو الشاهد عليه، ويهدده إن لم يقتله فسوف تتم تصفيته، وفي مشهد مثير يصوب شهاب بندقيته نحو رأس إبراهيم ويرديه قتيلاً٠

ينتهي الفيلم متميزاً بعنصر التشويق غير المتكلف، فلا مشاهد للإثارة العابرة، ولا تلاعب بأعصاب المشاهد، ولا تثوير إنفعالي غريب عن بيئة الأمكنة التي تجري فيه القصة .. كل تلك الأساليب لا يقع فيها المخرج، ويعتمد على حبكة ومنطقية تسلسل الأحداث الواقعة في ليلة واحدة، وأيضاً على مهارة المونتير الذي حافظ على إيقاع متوالي كإنفجارات متلاحقة لتضع المتفرج في بؤرة واقع محموم، وتجعل من الفرجة متعة ممزوجة بحميمية الشعور الإنساني، تلك التي أكدها أداء الممثلون وفي مقدمتهم عبدالمحسن النمر، فمنذ لحظات الفيلم الأولى يظهر مهموماً ومسكوناً بمشاعر القلق والتوتر والغضب، وأيضاً محتاراً بين قناعاته بأنه رجل شريف وبين رغبته في إنتشال حقه من يد شريك خائن، كل تلك المشاعر إستثمرها المخرج ليخلق منها حالة التشويق الحادة التي بثها الفيلم، وأيضاً لم ينسى من تموضعات ذكية للمقطوعات الموسيقية الثرية في لونيتها النغمية، لتساهم في تأجيج اللحظة النفسية للمشاهد، خصوصاً تلك اللقطات المقرّبة التي تصور تعابير وجهي إبراهيم وشهاب المترقبة للمجازفة والمصير المنتظر وقد إنطلقت بهما السيارة بعدما إتفقا على تنفيذ صفقة السرقة، في تلك الأثناء إنداحت الموسيقى هادئة حالمة متوترة، لتفجر مشاعر القلق والرهبة التي تعتريهما ومن ثم تتسرب الى المتابع .. يقول إبراهيم لشهاب: تعرف ياشهاب هذه أغرب ليلة مرت عليّ في حياتي٠

كذلك لم يغب عن المخرج ترصيع الفيلم بلقطات سريعة تنساب الى ذهنية المشاهد لتوحي له ببنورامية شاملة للمدينة التي تدور فيها المجريات (دبي وأبوظبي) .. لقطات خاطفة تفعل فعلها الخفي والمؤثر في المتلقي ..ينزل إبراهيم من السيارة، لقطة لزوجته إيمان وهي قلقة يجافيها النوم، ثم لقطة للبحر، ولقطة لقارب صغير بالبحر، ثم فوهة البندقية، عينا إبراهيم تنظران في لوعة وحنق وتساؤل الى عين القنّاص الغادر شهاب، ثوان قليلة، لحظة إطلاق الرصاصة. إيمان تفزع من نومها على فراشها، مياه الخليج تلونها حُمرة دماء إبراهيم، صوت طيور البحر والنوارس وطشيش الموج يسمع في الخلفية، ثمة حسرة على قتل رجل عفيف دارت
عليه "الدائرة"، بحكم القدر والموت والمنطق

خالد ربيع السيد : ناقد سينمائي من السعودية *



حوار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما طارق طقية:
توتر دائم نتيجة عدم معرفة مصدر الخطر
السينما وسيلة التصدّي للحركة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان



منذ أولى لقطات فيلميه "روما ولا أنتوما" و"غابلا"، يتملّكنا شعور بأننا أمام سينمائي من قماشة "اخرى" لا ينتمي الى "التراث" السينمائي العربي، بل يدفع باحتمالات الصورة والصوت الى ذروتهما التعبيرية، كي لا تبقى اللغة الشفهية الوسيلة الوحيدة السائدة لنقل المعلومات. هكذا يعمل الجزائري طارق طقية، ويبدو ان الحال لن تتغير في سينماه قريباً، حيث في أسلوبه التأملي الفلسفي يعثر على هوية خاصة به، هوية مكتسبة. فهذا الذي يصعب على الصحافة العربية أن تكتب اسمه من دون ارتكاب الأخطاء نظراً الى غرابته، مرشح لأن يرث شعلة السينما الكبيرة التي، من أنطونيوني الى كيارستمي، صنعت بهجة رواد السينما حول العالم. تزعج طقية الاسئلة عن البدايات وعن انتقاله من الصورة الجامدة الى المتحركة. كذلك لا يحبذ كثيراً أن يسأل عن نوع جواز السفر الذي يحمله في جيبه لأنه يصنّف نفسه منتمياً الى هذا العالم الواسع، الذي ينفتح أمامه تدريجاً بعد دخوله أولى سنوات الأربعين. وعليه، فقد استطاع طقية، بفيلمين، أن يقترح مقاربة مختلفة للواقع الجزائري، قاطعاً حبل السرة مع مواطنَيه القديرين مرزاك علواش ومحمد لخضر حمينا، وذلك من خلال طرح قديم – جديد يحمل في داخله هوس الشكل وكيفية تطابقه مع الخطاب. بجمالية جد معقدة، وكتابة بصرية مرهفة، يرد طقية الاعتبار الى عنصر الزمن كأب لكل فيلم. في الحوار الذي أجريناه مع ط. ط. على مرحلتين، واحدة في البندقية غداة تقديم "غابلا" وثانية في بيروت، تركناه يغوص في اسرار عمله ورؤيته للسينما والهوية والارهاب الذي ضرب بلاده، علماً أنه كثيراً ما كان يجري تفسير اللغز السينمائي بلغز أكبر. وربما في هذا ايضاً تكمن روعة سينما لا يمكن محاصرتها٠

لاحظنا انك تحب تصوير البؤس
ـــ ليس في الضرورة. في "روما ولا انتوما"، الأحياء تبدو مجعلكة وهذا ليس بؤساً. يلزمك المال لتشييد منزل من بضع طبقات. في المقابل، ما يهمني هو اللامكان حيث نجد اثاراً لشيء. ذوقي هذا صيغ ربما من خلال ميولي وتفضيلاتي الفوتوغرافية. اعني من خلال حبي لتصوير المساحات المدينية القاحلة٠

هناك دائماً شخص أو اثنان في كادرك، وأحياناً أقل من ذلك٠
ـــ لم يكن عندي إمكانات للاتيان بأكثر من هذا العدد (ضحك). بالنسبة اليَّ كل فيلم هو تعبير عن قيود تمويلية. وأيضاً تعبير عن الحرية التي آخذها حيال هذه القيود. ليس لي القدرة على الاتيان بعشرات الكومبارس ولا بالفريق التقني الذي يفترض أن يواكب هذه الشخصيات، ولا رغبة لي اصلاً في هذا النوع من السينما. اذاً، أي فيلم هو، عندي، عبارة عن تصادم بين القيود الاقتصادية المفروضة عليّ والقدرة على تجاوزها. وفي خضمه، ينبثق هاجس كيف يجب عليّ كمخرج أن أفعل كي لا يبدو الفيلم رخيصاً. فالمؤكد انني لن انجز فيلماً تدور حوادثه خلال الامبراطورية الرومانية. لا يهمني ذلك. ولا امكانات عندي لتحقيقه، ثم لا اريد أن أمنح الانطباع بأنني اجيد صناعة شيء ما بينما في الحقيقة لا أجيده
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم أرد تصوير الحرب للأسباب التي ذكرتها، لكن
هناك مناخ من القلق السائد. ثمة توتر دائم
نتيجة عدم معرفتك من أين قد يأتي الخطر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في فيلميك لدينا الانطباع بأنك تأتي كمخرج متسلحاً 
بنظرتك، الى هذه الأرض او الساحة بعد أن يكون قد
اشتعل فيها ما أشتعل: الكارثة أو الحرب أو انفجار
قنبلة نووية...
ـــ خلافاً لما حصل في بيروت خلال الحرب الاهلية، لم يكن في حربنا أي خط تماس. لم يكن هناك منطقة صراع مفتوحة حيث يتصدى الجنود بعضهم للبعض، مما جعل مكاناً مثل بيروت على سبيل المثال مدينة أشباح في مرحلة ما من وجودها، نتيجة مغادرة اهاليها لها. ما اصوره في "غابلا" هم السكان، وهؤلاء بقوا في منازلهم في اثناء الحرب في الجزائر. اذاً، لم يكن عندنا خط نار مباشر انما مساحات شبحية. فلا آثار رصاص على الجدران مثلاً. في حين ارى من هذا المكان الذي أجلس فيه الآن آثاراً للرصاص على جدران المبنى المقابل. شيء آخر: هنا مساحات غير محدودة ومترابطة وهي كانت مسرحاً للعديد من المجازر. من جملة الابادات التي حصلت، بعضها في ضواحي الجزائر العاصمة. ليس حيث صوّرت أنا تحديداً، انما على مقربة منه، على مقربة "قريبة" (ضحك). هناك مجزرة ذهب ضحيتها من 400 الى 700 شخص. لا أتذكر العدد الدقيق. ليلة بأكملها من القتل ارتكبها فريق من الاسلاميين في حق نساء وأطفال في احدى البلدات بعدما جرى محاصرتها. ليست هذه بلدات بعيدة عن العاصمة انما بلدات تقطنها البورجوازية الجزائرية الصغيرة. هذا ما كنت اريد تصويره. لكني اطلب من المشاهد كمية من المعرفة والاطلاع على القضية الجزائرية. وأعتقد ان هذا الشيء ينسحب على كل الافلام. فاذا ذهبنا، انت وأنا، لمشاهدة فيلم ياباني، فثمة أشياء لا نتداركها، لأننا لا نملك المفاتيح اليها. لكن لا بأس بذلك. يمكنك مشاهدة الفيلم من دون هذا الجانب منه. اذاً، لم أرد تصوير الحرب للأسباب التي ذكرتها، لكن هناك مناخ من القلق السائد. ثمة توتر دائم نتيجة عدم معرفتك من أين قد يأتي الخطر. أنتَ تواصل حياتك العادية، وكل شيء يكون على ما يرام تقريباً، ثم تقع الحادثة العنيفة وغير المنطقية. ولا تعرف كيف ولماذا. هذا ما اردت اظهاره. لم ارد تبيان العنف بل تأثيراته. لم ارد أن نرى الجثث، وأصلاً هناك القليل منها في الفيلم. وأحياناً لا نراها بل نتكهن بوجودها. هذا شيء انا دوماً حذر منه؛ لا أجيد تصوير الدماء والسلاح والموتى٠


ليست الحركة من اهتماماتك. حتى عندما نشعر
ان من الممكن أن  تحصل حبكة حركية في لحظة
ما، نراك تسارع الى عزلها
ـــ هذا صحيح، غالباً ما أضع حداً لها. في مشهد إشهار المسدس في آخر "غابلا"، كنت اعتقد انه أقوى تأثيراً اذا رأينا عنفاً يندلع فجأة. في هذه اللحظة حيث لا أحد يتخيل ان رجلين سيصلان ويشهران سلاحهما، لأن المسألة تحصل بسرعة كبيرة. لكن، هكذا قُتل الكثير من الناس. لم ار حادثة كهذه بأم عينيّ، لكن اصدقاء من منطقتي عاشوا ذلك عن كثب: مقتل شرطي في زي مدني أو صحافي في ساعة مبكرة من صباح ما في أوائل الصيف في محطة الباص، وهما في طريقهما الى مركز عملهما. تخيل أن تنظر من حيث أنت الآن الى الخارج، فترى مسلحاً وراء رجل وهو يشهر المسدس ليضعه على صدغ الرجل الواقف في محطة الباص، ثم نرى جسداً ضخماً ينهار ويفترش الارض. هكذا نموت: بأتفه طريقة ممكنة. ثم سيكون هناك صراخ طبعاً، لكن سيكون للجسد متسع من الوقت ليقع، قبل أن يلاحظ الناس ما حصل٠

أنت من السينمائيين الذين يهتمون بالمناخ
الذي تموضعه  تباعا، وهو مناخ جد مقلق
وضاغط. فهل ترغب من خلال هذه التقنية
أن تضع المشاهد في حالة مشابهة لحالة
الشخصيات؟
ـــ نعم، بالتأكيد. هناك مشاهد للسيارات تجول في المنطقة الصحراوية. وهي طويلة وضاغطة. قد يشعر المشاهد بالانزعاج امامها، وبنوع من الألم أمام هذا الدوران المستحيل للسيارات. نحن اصحاب رغبات سينمائية مزمنة واعتباطية: نريد من المشاهد أن يضحك أمام مشهد هزلي وأن يخاف أمام مشهد رعب، ولا ننتبه أن من المشروع له ولنا أن نشعر بالارتباك والانزعاج. دعونا نحاول هذا الخيار ايضاً. الأهم أنني اريد ان اصل الى هذا الهدف بإمكانات شحيحة، اذ ليس من موسيقى ولا مؤثرات خاصة بأفلام الرعب، بل على العكس من ذلك هناك الكثير من الصمت والاقتصاد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحشمة تمنعني من تصوير العنف، وهي نفسها
تجعلني اتغاضى عن اظهار الوجوه عن كثب. أياً
يكن، فأنا لا احب الاصرار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حلم الرحيل يطارد شخصياتك. هذا الحلم بالعبور
الى الجانب  الآخر. هل راودك هذا الحلم شخصياً
قبل أن تجيّره الى شخصياتك؟
ـــ جيد أن تقول هذا: الانتقال الى الناحية الأخرى. ذلك أني لا اعرف الى أي ناحية نعبر، ولا سيما في "غابلا". نعم هناك هذه الرغبة في الهرب وعدم امتلاك هوية. سواء هوية ان تكون جزائرياً، ذكراً أو عربياً. انه رفض لأخلاقيات الحالة المدنية. ونعم كانت هذه حالتي على الصعيد الشخصي، ولا تزال. في هذا الشأن لا نستطيع أن نتكلم بصيغة الماضي لأن الحالة المشار اليها لا تزال قائمة في حاضري الآني: رفض الانتماء. يجب أن نعيد خلق أو انتاج ما نحن عليه باستمرار. لا أؤمن بهوية نهائية منغلقة على ثوابت، ولا اعرف ما كانت عليه حالتي عندما كنت في العشرين من عمري. تبدل الهوية يعني اننا أحياء أزليون٠

تصور شخصياتك من مسافة قريبة. وليس في
فيلميك لقطات "كلوز أب" قريبة أيضاً
ـــ هذا صحيح. أنا دائماً ابقى على مسافة من الشخصيات. مع ان وجوها تحتل الشاشة في "روما ولا انتوما". هناك وجه البطلة التي تلتفت الينا ونرى حتى فمها المفتوح. فهل هذا خيار متعمد؟ لا ادري. الحشمة تمنعني من تصوير العنف، وهي نفسها تجعلني اتغاضى عن اظهار الوجوه عن كثب. أياً يكن، فأنا لا احب الاصرار عليها، اذ افضل التركيز على المسافة الزمنية بدلاً من الصور الصادمة. هذا لا يعني انني أحب الهرب. على كل حال، الهرب لا يمثل عندي شيئاً سلبياً. فلا أحد يلوم العبد اذا أراد أن يهرب. حالتي مشابهة بهذا العبد. فشجاعته كامنة في رغبة الهرب. ما أدعو اليه هو النظر "من خلال" الأشياء. احاول أن أزيح الكادر من حيث يجب أن يكون. فالشخصيات عندي اذا لاحظت، تكون أحياناً على طرف الكادر وكأنها تريد الخروج منه والاختفاء. أفعل هذا ايضاً للتذكير بأن الكادر يحبس. لذا، على الشخصيات أن تهرب من هذا الكادر٠

أنت انشغلت بالتصوير الفوتوغرافي قبل ان
تذهب الى  السينما، أليس كذلك؟
ـــ (بنوع من تململ). في المهرجانات وأينما حللت، يسألونني عن مساري الفني. عملت في التصوير واستعملته كمنظر. ولكن أيضاً عملت قليلاً كمصور للصحافة الجزائرية. عملت كذلك مساعداً. على رغم هذا كله لا أحسب نفسي مصوراً. لكن لنقل أنني بدأت من هذا المكان الذي هو الصورة٠

لكن السينما تتيح لك اللعب بعنصر الزمن فيما
يصبح  الأمر شبه مستحيل في الفنّ الفوتوغرافي
ـــ استعادة لنظرية غودار التي باتت شهيرة من فرط استخدامها، أقول: الصورة الفوتوغرافية هي الحقيقة، اما السينما فهي 24 مرة الحقيقة في الثانية الواحدة. لا اعرف اذا كانتا الحقيقتين أو الكذبتين. لا اعرف. الصورة لحظة، وفيها ايضاً امكان أن نرى الزمن. طبعاً، لا اعني الزمن السينمائي مع الحركة. علماً ان الصورة نستطيع مشاهدتها لساعات طويلة أما الفيلم... دخولي السينما لا أعتقد انه ردّ فعل حيال عدم قدرتي على الحصول على الزمن في الصورة الفوتوغرافية. عندي صعوبة في الردّ على سؤالك، لأنني لم اقارب الاشياء من هذا المنظور، ولم أسأل نفسي قط لماذا انتقلت من هذا الفنّ الى ذاك. ربما لأنني كنت أريد اصطحاب الصورة مع الصوت، ما كان يتعذر عليه فعله في الصورة الجامدة٠

هذه حجة زائفة، لأن ما تقوم به الآن
هو نزع الصوت عن الصورة.
ـــ لا (بصوت عال). اذا انتزعته، فذلك للتشديد على إسماعه. أحب ما ينجم عن الكونتراست. لو بقي الشريط الصوتي على المستوى عينه من الرتابة، فصدّقني لا نعود نستمع اليه. في رأيي، الأفلام مزدحمة بالموسيقى وأيضاً بطبقات صوتية متراصة، بحيث باتت شيئاً لا يحتمل٠

عندما نحذف الصوت من الصورة، يصبح
الصوت أكثر حضوراً
ـــ بالتأكيد. علماً أن هناك دائماً شيئاً صغيراً يجعلك تحس بوجود صوت. نسيم عليل والى ما هنالك. لكن غالباً ما يعتقد الناس أن خللا ما يحول دون أن يكون هناك صوت في الصورة. لا أحد شاهد أفلام بول موريسي الذي انجزه مع اندي وارهول في السبعينات. كان هناك الغاء كامل للصوت، مما يتيح لك ان تشاهد الصورة عشرة الآف مرة أكثر مما لو كان الصوت موجوداً. هل تتذكر في "غابلا" مشهد القطار الذي على سكته في الطريق الى الجنوب؟ هناك مئات الحوادث والتفاصيل الصغيرة تحدث على جانبي الكادر؛ سيارات تمرّ وأولاد يصرخون، وأنا شخصياً لا أكف عن مشاهدة هذه الاشياء الصغيرة على رغم أنني أعرفها عن ظهر قلب. أما في "روما ولا انتوما" فالنيات كانت مختلفة. للتذكير، عندما تقطع تنفسك، تسمع جسدك بطريقة مختلفة. بدلاً من أن امضي خلف أشياء لن أجيد صنعها، مثل المعالجة البسيكولوجية للشخصيات، أفضل الاستماع الى ايقاعات بيولوجية. في "روما ولا أنتوما" كان يتجلى هذا الشيء بقلب ينبض أو بحضور القلق طوال الفيلم. هناك دائماً نوع من الانتظار يسود الكادر عندي. والصمت يخدم الانتظار. الجزائر العاصمة، كما تعلم، مدينة خاوية ليلاً. لا نسمع فيها ضوضاء٠

هناك مساحات شاسعة في فيلميك، لكن هذا
لا يمنعنا من أن نحس  بالانغلاق
ـــ هذا هو التناقض في عينه. صحيح ان هناك مساحة حول الشخصيات، لكنها مساحة مغلقة، وليست باعثة آمال، لأنها رمادية اللون ومصنوعة من باطون. انها مساحات اسمنتية. هنالك الكثير من الجدران. ما صوّرته على نحو اساسي في فيلمي هو الجدران. لا نستطيع أن نغفل عن تصوير الجدران عندما نصور فيلماً في الجزائر. لأن الامر يتعلق بمجتمع، شئت أو ابيت، اقفل على نفسه في مرحلة من المراحل. والناس راحت تضيف جدراناً على نفسها، على رغم انها اساساً تعيش بين الجدران. حول الجدران التي تحيط بجدران أخرى وضعتُ اسلاكاً شائكة. هذا كله كان نتيجة الارهاب. كانت هناك اسباب أخرى ايضاً. فنحن في نهاية المطاف نتكلم عن مجتمع اسلامي حيث البيت منغلق على نفسه. لا اعرف ما اذا كان الواقع في بيروت ومنطقتكم مشابهاً لواقعنا، لكن في قصبات الجزائر ليس من نوافذ تطل على الخارج، بل هي فقط على باحة داخلية. كل شيء مرتبط بـ"الفاميليا"، من صالونات الشاي الى الشواطئ الخاصة بالعائلات. في الجزائر، لدينا مشكلة حقيقية مع المساحات العامة التي لا تُشعر من يأتي اليها بالكرم والضيافة. هذه نظرتي الى المساحات العامة في الجزائر: هناك الكثير من العدوانية في الشارع، والعلاقة بالشرطة متوترة على الدوام. لسوء الحظّ الوضع ليس دائماً لطيفاً٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض الممثلات اللواتي أتين الى الكاستينغ
لم يكن يهمني طريقة عملهن التلفزيوني المبالغ
فيه. كنت ابحث عن أداء ضمني داخلي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف تجد ممثليك عادة وهم من غير المحترفين؟
هل تُخضعهم  لعملية كاستينغ؟
ـــ لا، لا أخضعهم لكاستينغ. بطل "غابلا" كنت قد قابلته من أجل فيلم سابق حيث نراه في اطلالة خاطفة. لم يكن مفترضاً أن يضطلع بدور مالك في "غابلا"، لأنني كنت أريد شخصاً آخر رفض التمثيل في اللحظة الأخيرة، واضطررت أن أجد في أيام قليلة بديلاً منه. ففكرت فيه، لكنه بدا محرجاً مما اثار خشيتي. الآن أجده رائعاً وصاحب نعمة استثنائية. الآخرون عثرتُ عليهم بسهولة في الشارع. أما بالنسبة الى الفتيات، فهذا اصعب. لا نستطيع أن نجري عملية كاستينغ "غير مهذبة" فنذهب الى فتاة في الشارع ونقول لها "أريدك في فيلمي". لذا وجدت نفسي مرغماً على اجراء كاستينغ. طلبنا الى المكتبة السينمائية الجزائرية تقديم صالة لنا لذلك الهدف. وطلبنا مجيء ممثلات شابات. جاء عدد قليل منهن. السبب ربما انني لست محسوباً على جهة تلفزيونية ولست من الوسط. في اسبوع واحد عاينت خمسة عشر او عشرين فتاة. هذا لا شيء. بعضهم يعاين 20 فتاة في ساعة واحدة! هناك القليل من الممثلات في الجزائر، علماً ان زملاء لي اجروا عمليات كاستينغ وجاءهم الكثير وحصلوا على ما يريدون. فربما لا أعرف أصول اللعبة. أما بعض الممثلات اللواتي أتين فلم يكن يهمني طريقة عملهن التلفزيوني المبالغ فيه. كنت ابحث عن أداء ضمني داخلي. وحتى عندما طلبتُ اليهن الاقتصاد في الامكانات المستخدمة، كان يصعب عليهن فعل ذلك، لأنه صارت لديهن "طعجة" في ادائهن. أمام هذا الواقع، لم أكن اعرف ماذا عليّ فعله! فجأة رأيتُ فتاة تمرّ أمامي في طريقها الى المكتبة السينمائية الجزائرية، متسلّقة السلالم الى احدى الصالات. فقلت لمساعدتي ناديا: "هل يمكنك ان تسألي الفتاة اذا كانت تريد ان تمثل في فيلمي؟". عندما سألناها قالت انها لا تستطيع لأنها تعمل على تشغيل آلة العرض في السينماتيك، لكن في امكانها ان ترسل الينا بنات عمتها. وعندما ارسلت بنات العم"، تبين انهن لسن ما اريده. ثم دخلن مرحلة إصرار دامت خمسة عشر يوماً، اختفت فيها عن الانظار ثم التقيناها مجدداً، قبل أن تقتنع وتقبل بعرضنا. انها فتاة غير مألوفة بالنسبة الى سائر الجزائريات. يتبين ذلك من طريقة كلامها والايقاع المستخدم للتعبير. لديها جانب حسيّ لا شأن له بالجاذبية الجنسية. لديها ايضاً سلوك خاص بها. من أجل هذا كله اخترتها. فأنا اطلب من ممثليّ أن يكونوا أنفسهم كثيراً، وهذا شيء صعب جداً لأن وجود الكاميرا يتيح للممثل اكتساب قواعد خاطئة ويثير مخاوفه٠

ما مدى الارتجال في "غابلا"؟ وهل كان
كل شيء مكتوباً سلفاً في  أدق تفاصيله؟
ـــ في السيناريو كل شيء كان مكتوباً ومترجماً الى العربية كوني أكتب بالفرنسية في الاصل. بالنسبة الى الممثلين، هناك طريقتان في العمل: إما اللجوء الى النص بحرفيته، وإما تعديله اذا كان يتيح لهم أن يكونوا اكثر ارتياحاً في قول حواراتهم. اسمح لهم بذلك ما داموا يحترمون الاصل والمعنى المقصود من خلاله. لكن أفرض عليهم اداء واحداً، ولا اقبل بشيء جديد مع كل لقطة، لأنني اريد أن يكون المونتاج جيداً. اذاً، اترك لهم خيار أن يعيدوا تبني جمل معينة اذا ارادوا ذلك. ولكن في الاجمال يقول ممثليّ ما كُتب. اذاً، لم يرتجلوا كثيراً، خلافاً لطريقة عملي كمخرج، بحيث كنت احضر أحياناً الى البلاتو من دون أن أعرف مسبقاً أين يجب أن أضع الكاميرا. المجازفة التي كانت تهمني فعلاً، أن أتساءل ماذا يجب أن أجد كدليل ينقل وضعاً معيناً. لم أكن أريد فقط أداة تصور الكلام، بل أن تفضي الوحدة التصويرية والكادر والزمن السينمائي والمونتاج الى معنى ما. اعني استخدام أدوات السينما للحصول على معنى، وقول ما لا يقوله الكلام أو السرد أو الأدب. كان هدفي اللجوء الى الصورة. تحامل عليّ بعضهم وقال ان ما أنجزته هو محض فيلم استيتيكي. لا شك أن هؤلاء يمزحون! الصورة ليست هنا لتغازل نفسها وتقول "انظروا كم أنا جميلة!". البعض الآخر وجد مشاهدي جميلة وقال انها "جميلة بذاتها ولقد صورتها من أجل أن توفّر لي المتعة". أحاول أن أبقى أقرب ما يمكن من كادر يكون له معنى 8بالنسبة الى لعبة الفيلم. أن تغلق على ذاتك وتصور طوال دقائق في سيارة، فهذا معنى مطابق لخطاب الفيلم. للمناسبة، الخطاب والشكل لا ينفصلان. ما أردت أن ابرزه في اخراجي، هو هذا العالم الكلوستروفوبي الذي يكاد يكون سجناً. اقول للمشاهدين هذا ما حصلتم عليه؛ لم تحصلوا عليه من خلال خطاب انما من خلال وقائع٠

لم تأتِ من خلفية سينيفيلية، فكيف تعلمت ان تنجز  فيلماً؟
ـــ لديّ أصدقاء سينيفيليون يعيدون مشاهدة الفيلم الواحد عشرات المرات. اما أنا فكنت سينيفيلياً في مرحلة ما من حياتي اثناء الدراسة. لكني شاهدت الكثير من الصور المتحركة والثابتة. (بعد تفكير) لكن ليس بالعدد الكافي، لديَّ ثغر كثيرة في هذا الشأن. أنا متأكد أنك شاهدت أكثر مني بكثير. أنا متأكد من ذلك. لكني لا أستطيع أن أكذب واقول أن كل ما أنجزته الى الآن هو نتيجة فرديتي وشعوري الانطوائي وأنني ساذج وجاهل ولم أشاهد ما يكفيني لأكون مخرجاً. طبعاً هناك ينابيع شربت منها وتأثيرات قد لا تكون في الضرورة تلك التي تُنسب اليّ ...). لا تستطيع حتى ان تقول انني صاحب ثقافة عالية. ( بورخيس كان كاتباً مطلعاً ومثقفاً. وكان يسلّيه واقع انه كان قد صنع ثقافته من خلال موسوعة "بريتانيكا". كان يبحث عن المعلومة ويذهب اليها حيث هي٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular