Jul 14, 2009

ISSUE 437 | بين الأفلام | دكان شحاتة مرّة أخرى | محور العدد: النقد السينمائي وشجونه | اسماعيل يس

17.7.09

بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع الملك



حفصية حرزي لديها بطولة جديدة في فيلم فرنسي بالكامل أخرجه ألان غويرودي بعنوان
Le Roi de L'éasion | ملك المراوغة
الممثلة العربية التي لفتت الأنظار ونالت الجوائز عن دورها في فيلم عبد اللطيف كشيش »كُسكس بالسمك" ظهرت بعده في الإنتاج الفرنسي/ العراقي »فجر العالم« للمخرج عبّاس فاضل. »ملك المراوغة« الذي يشاركها بطولته لودفيغ بورتيو، بوشر بعرضه من الخامس عشر من هذا الشهر (ثمانية من أصل إحدى عشر ناقداً فرنسيا منحه ثلاث نجوم وما فوق)، بينما »فجر العالم« مازال يعرض في صالة واحدة من صالات باريس٠


زوبعة في فنجان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا أدري من أين أبدأ: بشكر الأعزاء الذين تدخّلوا، او عرضوا التدخل، لتسوية الموضوع الذي طغى على يوم أمس، او القراء الذين بعثوا على الموقع كما على البريد ينتقدون وينصحون٠
الرأي الجامع، بإستثناء رسالتين، كان تحاشي الرد مهما بلغ الأمر، وأن ما أثير ضدي لم يكن له لزوم خصوصاً وإن كتاباتي السابقة كانت دائماً تسدي الطرف الآخر الإعجاب في كتاباته واحترام مواقفه. ولا أريد الدخول في الموضوع من جديد، لكني أريد فقط القول أن التكتيك الفاشي والصدامي لا ينفع في الحوار وأنه إذا ما كان هناك تعليق على الكتابة بروح النقد المحترف فأهلا وسهلاً به. جُل من لا يخطيء او ينسى ولا تحكّم لي، ولا لأي إنسان، على ما يتذكّره او ينساه٠

الأخ محمد حمّود يسأل إذا ما كنت سأتوقّف عن »تاريخ كتاب السينما« وأقول له لا داعي لأن أتوقّف فلا حجر على رأي أحد لكني سأكون أكثر حذراً في ذكر أي إسم لأني بت أعرف أن الحساسية مرتفعة هذه الأيام ومن الأفضل أن لا أنام وسط القبور حتى لا أرى الكوابيس٠

الأخت إيمان من بيروت بعثت بأبيات شعرية للمتنبّي. أشكرها واعتذر عن نشرها رغم صوابها٠

الشكر أيضاً لأول من بادر بإرسال رأيه وهو الأخ معاذ الذي تستطيعون قراءة ما كتب في رسائل العدد٠ رأيك ورأي القراء مهم جدّاً وكنت ميّالاً الى التوقّف او عدم تكبير حجم الموضوع لكن رسالتك هي التي جعلتني أقرر ذلك فعلاً٠

الصديق عبد الرحمن عيتاني، أتبع رسالته باتصال هاتفي لكي يتأكد، حسب قوله، من أنني بخير وعرض أن يعيدني على حسابه الى لندن "حتى ما تبقى وحدك"٠ أشكرك جدّاً يا عبد الرحمن لكني أفضل الإنتظار حتى تأتي الفرصة المناسبة (وستأتي) وسأعود الى وطني حينها

نقلب الصفحة وأعود غداً الى جملة من رسائل القراء التي لا علاقة لها، أولها رسالة الزميل محمد موسى وأخرى من محمد العسكري وثالثة من الأخ (أول مرّة) تامر عبد الخالق ٠

تحياتي لكل من كتب ومن لم يكتب لكني أعرف موقع القلب من الهوى أحياناً٠


16.7.09

بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Creation

أعلن مهرجان تورنتو على أن افتتاح الدورة المقبلة (الرابعة والثلاثين) من هذا المهرجان الكبير سيكون من نصيب الفيلم البريطاني »خلق« لجون أمييل الذي يسرد سيرة حياة العالم المعروف تشارلز داروين٠ وهو من إنتاج جيرمي توماس عن سيناريو شارك في كتابته راندال كاينس الذي تستطيع أن تقول أنه تخصص في أعمال حول تشارلز داروين منذ بضع سنوات، فهو كتب الفيلم التلفزيوني »إبنة داروين« (قامت بها أنابيل أبسيون) وكان مستشاراً لفيلم وثائقي بعنوان »تشارلز داروين وشجرة الحياة« الذي أخرجه المقدّم التلفزيوني ديفيد أتنبوروه. ٠
البطولة في »خلق« لبول بيتاني في دور داروين، مع جنيفر كونلي وجيريمي نورثام٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مزيد من أخبار ڤانيسيا

على حلقتين سابقتين قدّمت بعض ما هو مؤكد وشبه مؤكد من أفلام أميركية وآسيوية وفرنسية موجودة على شاشة ماركو مولر، رئيس مهرجان فانيسيا، واليوم وصلتني عناوين أخرى أحيلها إليكم. الفيلم النمساوي
Lourdes
لجسيكا هاوزنر الذي أعتقد أن مهرجان تورنتو اختاره أيضاً للعرض في رحابه (وينطلق خلال الأيام الأخيرة من أعمال فانيسيا)- من كندا، بما أننا نوصل الغرب البعيد بالقريب، وفّر المخرج الكندي أتوم إيغويان نسخة من فيلمه الجديد »كليو« من بطولة ليام نيسون (الصورة) والتي ربما آلت الى المسابقة أيضاً٠ كذلك فيلم من المخرجة الجديدة رايشل وورد بعنوان »استراليا: كايت الجميلة« او كما يكتبها العنوان على هذا النحو
Australia: BeautifulKate

Triage والفيلم الجديد للبوسني دنيش تانوفيتش
تم إرساله الى مولر للمعاينة وكذلك فيلم أول من ستيفن بولياكوف عنوانه
Glorious 39
سمعت أنه يتعاطى وموضوعاً يقع قبيل نشوب الحرب العالمية الثانية٠ وهناك فيبلم بريطاني لأوليفر باركر بعنوان »دوريان غراي« وكان تم تصوير الرواية أكثر من مرّة سابقاً يقوم ببطولتها هذه المرّة بن بارنز٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلما تقدّمنا تأخرنا

وهناك أسباباً موجبة لمثل هذا اليقين. فالتقدّم الذي نقوم به ليس التقدّم السليم. نحن لا نتقدّم ثقافياً ولا نتقدم مهنياً ولا حضارياً او إنسانياً. نحن نتقدّم تكنولوجيا٠
والتكنولوجيا ملُك رجال الأعمال والصناعة وهم يستفيدون من إقبالنا عليها. لكنهم لا يكترثون ما إذا تقدّم المجتمع في النواحي المذكورة الأخرى٠
ولا بأس من الصناعة والتجارة والأعمال إذا لم تستحوذ على الضروريات الأخرى وهي تفعل اليوم في سرعة متزايدة٠
ولعل التلفزيون هو المثال النموذجي لهذا الوضع. لقد انتشر بفضائياته واستولى على الحياة الإجتماعية٠ قلت في العواصم العربية، كما الغربية، الزيارات على أشكالها، فلا زيارات بين الأسر ولا زيارات بين الأصدقاء ولا زيارات للمكتبات حيث الثقافة مطروحة بين دفف الكتب ولا أحد يريد أن يقرأ٠
في هذا الحين، تزداد البرامج التلفزيونية تنوّعاً وتفننا من دون أن يكون من بينها (الا فيما ندر) ما يعود بالفائدة على المجتمع الذي تبث له٠

وفي شطحة قلم وعودة الى الوراء لنحو من عشرين سنة مضت، يستطيع المرء أن يرى ان الفارق بين تلفزيونات هذه الأيام، هو بدوره تقني ليس الا٠ التلفزيونات حينها كانت تخصص تنوّعاً مفيداً. وكانت أقل تشنّجاً وتوتراً مما كانت عليه اليوم. أكثر قناعة بما لديها من جمهور وليست في حاجة لأن ترقص وتغني أربع وعشرين ساعة في اليوم لكي تستقطب النظّارة٠
كانت تعرض البرامج الأجنبية من دون أن تجعلها محورها ومن دون أن تسهم، بألف طريقة وطريقة، في تفتيت الثقافة الوطنية او المحلية واستبدالها بالثقافة الأجنبية٠
لم تكن البرامج المحلّية نسخة من تلك الغربية، ولا كان العمل التلفزيوني عبارة عن سمسرة كما هو الواقع اليوم. كان لا يزال هناك من يؤمن بالبرنامج الذي يتم إنتاجه محليّاً عوض شراء البرامج مصنوعة وبثّّها كما هي٠
كانت الحوارات راقية وكانت اللغة العربية محفوظة تتداولها كل القنوات. كان مذيع النشرة يؤكد أنه ضيف عندك عوض التصرّف، كما الحال اليوم، كما لو كنت من أتباعه. كان المفهوم بأسره مختلف٠
نعم تقدّمنا في التكنولوجيا وتأخرنا في كل شيء آخر



هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • متابعات | الزميل ميسر المسكي دخل دكان شحاته ووجده فارغاً من المحتويات
  • محور العدد | النقد وفلسفة الفيلم تمتد لتشمل شؤوناً نقدية ونظريات مختلفة و لماذا الفيلم نوار مهم للناقد | محمد رضا
  • شخصيات | قريباً ينطلق مسلسل عن حياة الكوميدي الراحل اسماعيل يس. ريما المسمار تقدم تحية خاصة له وللونه الكوميدي

متابعات | ميسر المسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دكان شحاته...الفارغ!٠


منذ أسابيع و المخرج خالد يوسف ينتقل بين أستوديو فضائي و آخر مُقدماً فيلمه الأخير "دكان شحاته". وغالباً ما رافقه في هذه اللقاءات عدد غير قليل من مُمثلي العمل الذين أشادَ بهم المخرج وبحرفيتهم، وهم في المقابل ردّوا له التحيّة بأحسن منها وأفاضوا بالحيث عن حُسن إدارته لهم وللعمل. بل وحتى البعض رددَ أكثر من مرّة الحديث عن "عبقرية" خالد يوسف. والعبقرية كلمة يرددها مؤخراً الكثير من الفنانين العرب بشكل عام بإستخفاف و إستسهال لافت للنظر٠
المهم، من كل هذه اللقاءات فهمنا أن المخرج خالد يوسف يؤمن أن الشخصية المصرية (لاحظ التخصيص و ليس الإنسانية بشكل عام) مفطورة على الطيبة. لكن ما تعرضت له هذه الشخصية على أمتداد العقود الماضية ولا زالت من قهر و قمع و فقر و جهل و تهميش قد يودي بها إلى فقدان هذه الطيبة، التي هي بحسب المخرج، إحدى أهمّ ميزاتها. لذلك يضيف السيد يوسف أن فيلمه ليس عن اليوم، لكنه عما يمكن أن تؤول إليه الحال بعد سنوات لو لم يتدارك المجتمع، ناس وسلطة، هذا الإنهيار في تركيبة الشخصية الإجتماعية والفردية المصرية
حسناً، كلام يحتمل الجدل لكنه معقول، لكن الأهم هو كيف يتجلى هذا الكلام في شريط سينمائي بإعتبار خالد يوسف واحد من أهم من عملوا مع الراحل يوسف شاهين في سنواته الأخيرة٠

يريد »دكان شحاته" أن يناقش الظلم، الفقر، الكبت، الجنس، العنف، التطرف، الفساد، الإنتخابات المغشوشة، إنهيار القيم، و مواضيع عديدة اُخرى في فيلم واحد! قد يبدو هذا مفهوماً لمخرج حَصَلَ على تمويل لفيلمه الأول، ولإنه غير ضامن أن يحقق فيلماً آخر فإنه يقوم بحشر كل مشاكل مجتمعه في فيلم واحد. أما بالنسبة لخالد يوسف الذي أصبح له حَيّز لا جدال فيه في السينما المصرية فإن هذه الخلطة الغريبة تبدو غير مفهومة و لا مُبررة٠
قد يقول قائل أن المواضيع السابقة الذكر هي أصلاً متداخلة في الحياة و لايمكن فصلها بالكامل. نعم، لكن كل عمل سينمائي ذو قيمة له عمود فقري يستند إليه. أو سياق يقوده (ويقود معه المـُشاهد) إلى الحصيلة النهائية لفكرة الفيلم و ذلك بغض النظر عن الأسلوب السردي للفيلم إن كان تقليدياً، مُجدداً، أو طليعياً٠

عبر سيرة شحاته (عمرو سعد) الذي فـَضّله و الده (محمود حميدة) عن بقية أخوته فنالَ حقدهم و تآمرهم ضده بعد وفاة الوالد، يتناول الفيلم قضايا الظلم و الفساد السياسي و الإجتماعي و التي تؤدي إلى إنهيار منظومة القيم الإجتماعية و التي من أهمها الطيبة مُمثلة هنا بشحاته الذي لا يكف عن البحث عن حضن شقيقيه الدافيء رغم كل الظلم الذي انزلاه به٠
هنا يبدو فيلم خالد يوسف و كأنه الفهرس الذي يسبق الكتاب. حيث في الفهرس تجد العناوين الرئيسية للمواضيع التي سيتم سردها و تحليلها في الكتاب. "دكان شحاته" لم يتجاوز الفهرسة. فمن كل قضية تهزّ أركان المجتمع المصري (و العربي لتشابه الحال) تناولَ عنواناً و هَروَلَ إلى القضية التالية قبل أن تنتهي ساعتيّ الفيلم. و على هذا المنوال نمضي من مشهد إلى آخر حتى نصل إلى نهاية قد لا تكون محتومة لكن يمكن التنبؤ بها لإن الكاتب والمخرج قد أوصلا الأمور إلى عقدة لا مخرج منها إلاّ بتراجيديا شكسبيرية بنكهة محلية عالية النحيب٠
أكثر ما يزعجك في "دكان شحاته" هو هذا الصخب و الصراخ والعويل الذي يدفعك بعد حين إلى أن تتمنى لو أن الجميع يسكت. لو أن مشهد يمرّ دون أن يرهقك سمعياً. لو أن تلك الأغاني المُـرافقة (والتي من المـُفترض أنها تساهم في التعبير عن الوقف وحال الشخصيات) تصمت عن الإنتحاب. شريط صوتي مزعج و لا يفوقه إزعاجاً إلا مشاهد الصفعات التي لا تنتهي و التي يتبادلها الممثلون في الفيلم في كل مناسبة يلتقون بها، بحيث أنك تكاد تعتقد أن إجتماع أي ممثلين في لقطة هو ذريعة لموجة جديدة من اللطم و والصفع. أما مشاهد العنف المجاني في الشارع فتبدو مهزوزة التنفيذ و رديئة٠
وكالعادة، جاء أداء الممثلين على نبرة عالية و مبالغ بها على قدر الصراخ و الصخب في الفيلم. ربما يقف عمرو سعد على بعض التميز. أما هيفاء وهبي فلم يكن من المتوقع منها أكثر مما أعطت. أداء باهت، دون روح و ببعد واحد. لكنها في هذا ليست أسوأ بكثير من العديد من العاملات اليوم في الإنتاج القاهري٠
لايُخفي خالد يوسف ميوله السياسية خلال الفيلم إما بدلالات صارخة أو مخفية في ثنايا بعض اللقطات. الناصريون سيصفقون بحرارة، أما الساداتيون، و بعض من لهم زمام الأمر اليوم، فلن يغفروا. لكن الطرفان لا يهمهما هنا إلاّ الرسالة السياسية. لكن القيمة الأساسية لأي فيلم هي في أدوات تعبيره البصرية و تمكنه منها. هنا يبدو دكان شحاته لمن يقصده خالي الرفوف و .... فارغاً!٠

ميسر المسكي ناقد وباحث سينمائي سوري يكتب خصيصا *
لـ 'ظلال وأشباح"٠


محور العدد | النقد للسينما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بدءاً من هذا العدد، وعلى نحو شبه منتظم، سيتم تخصيص جزء المنتصف من العدد لتسليط الضوء على شخصية او على تيار او على نوع او تاريخ، او ربما على فيلم واحد من عدّة زوايا٠ يمكن تسميته بالملف إذا شئت، لكن مع مراعاة أن الملف لا يشمل كل ما يمكن أن يُقال وأن تجزئة موضوع كبير (لنقل "الرقابة على الأفلام" او "سينما روسيا خلال الفترة السوڤييتية") الى ملفّات صغيرة أكثر تحديداً أمر وارد٠
المحتويات | هل يستطيع الناقد أن يفيد المخرج؟ | كيف بدأ "كتاب السينما" خطواته الأولى؟ | خمس مصطلحات نقدية موجزة | لماذا لا غنى عن الفيلم نوار للناقد والمشاهد؟

الناقد وفلسفة الفيلم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف يستطيع الناقد أن يُفيد المخرج ولم لا يفعل؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يكتب معظم نقاد السينما في كل مكان وفي بالهم القاريء المواظب على قراءة النقد٠
على قلّة هذا القاريء النسبية في الغرب، وقلّتها الأكبر في بلادنا، الا أنه قاريء مثقّف في العموم، يحب السينما ويحب أن يعرف عنها ويقارن ما كوّنه من رأي مع ما كوّنه الناقد من رأي. أين يلتقيان وأين يختلفان٠
إذاً يكتب الناقد وفي البال القاريء لكن هذا لا يعني أن القاريء هو الذي يوجّهه الا في حالة واحدة: حالة إذا ما كانت الصحيفة تطلب من الناقد الإهتمام بأفلام معيّنة هي ذاتها الأفلام التجارية التي سيقبل عليها معظم النقاد٠
تصوّر أن هناك فيلما فرنسياً جديداً للطليعي جاك ريفيت وفيلما أميركياً جديداً لمايكل باي٠ في معظم الصحف الغربية صار معتاداً أن ترى الناقد وقد خصص فيلم مايكل باي بالمساحة الأكبر وفيلم جاك ريفيت بالمساحة الأصغر. ربما لو كان الأمر من إختياره لعكس الآية٠

لكن لم لا يكتب الناقد للمخرج أيضاَ؟
لا أريد أن أتوسّع جغرافياً لأتحدّث عن النقد الغربي (او الآسيوي او اللاتيني او الأميركي الخ...) بل سأحصر -قدر المستطاع- حديثي بالنقد السينمائي في العالم العربي رغم أن الكثير مما سأذكره هنا متداول خارج إطار العالم العربي أيضا٠

بإيجاز تضطره الرغبة في الجواب على السؤال ذاته عوض التمهيد له، فإن السبب الذي يكتب فيه الناقد وفي باله الجمهور وليس المخرج بسيط: المخرج لا يقرأ النقد او هو يقرأه ولا يجاهر بقراءته الا في حالات محدودة٠
لأن كثيرين من المخرجين ينفون أنهم يكرهون النقد، فإن الناقد عليه -وهو لا يستطيع إثبات ما يقومون بنفيه على وجه او على آخر- أن يقبل احتمال أنهم لا يقرأوون صدّق ذلك ضمنيا او لم يصدّق. لذلك يلغي في معظم الأحيان المخرج من باله حين يكتب ويفضل التوجّه للجمهور الذي هو في موقع وسطي بين الناقد وبين المخرج. بين النقد وبين الفيلم٠

عليّ أن أفتح قوسين وأقول هنا أنني استخدم هنا تعبير المخرج وأقصد به المخرج المحترف، ذلك لأن المخرجين الذين لا زالوا في مطلع الطريق خصوصاً في دول الخليج برهنوا خلال الأعوام الثلاث الأخيرة على أنهم يريدون التعلّم والمعرفة ويقرأون النقد ليروا فعلاً أين أخطأوا وأين أصابوا. طبعاً هذا في الغالب إذ أن الإستثناءات موجودة في كل ظرف وحال٠

هناك حفنة أسباب تدفع المخرج لأن لا يقرأ النقد٠
هو فعلاً لا يقرأ النقد لأنه لا يكترث له -
هو لا يقرأ النقد (أو هكذا يدّعي) لأنه لا يعتبر ان النقاد يفهمون في السينما ولا يعرفون خطواتها -
وتقنياتها٠
هو لا يقرأ النقد (أو هكذا يدّعي) لأنه يعتبر نفسه فوق النقد -

في الحالة الأولى هذا شأنه ولا علاقة لهذا القرار بجودة او رداءة أفلامه٠
في الحالة الثانية فإن المخرج الذي لا يكترث لأنه لا يعتبر أن نقاد السينما يعرفون في الخطوات والتقنيات والأمور الفنية لم يبحث كفاية ليتأكد. لكن معه حق: معظم النقاد الذين يكتبون ( نحو 80 بالمئة) ليست لديهم الثقافة التقنية والفنية الضرورية لكي يكتبوا نقداً سينمائياً- لذلك تراهم يكتبون نقداً سياسياً او روائياً او يطرحون قضايا يستخلصونها مما يثيره الفيلم٠

في الحالة الثانية كما ليس هناك فيلما فوق او تحت النقد، ليس هناك مخرجاً فوق او تحت النقد٠

أعتقد أن نصف النسبة التي ذكرت عن النقاد الذين يكتبون من دون معرفة كافية او كاملة يستطيعون تطوير ملكيّتهم ومعلوماتهم لو شاؤوا٠ لكن الآن، وبوجود هذه النسبة المرتفعة فإن المخرج لديه عذر محدود لجهله بالعشرين بالمئة الباقية٠

طبعاً هناك الغاية من وراء قراءة النقد
الجمهور، كما ذكرت، يقرأ النقد ليعرف وليقارن -إذا ما شاهد الفيلم- ولأنه يهتم بالسينما كوضع ثقافي٠ لكن المخرج لديه، إذا ما قرأ النقد، سبب مختلف: غالباً يريد معرفة ما قيل في فيلمه الأخير. وهو سيسعد من نقد ايجابي وسيتجاهل نقداً سلبياً٠
لنقل أن النقد الإيجابي الذي قرأه عن فيلم له كان يعكس دراية بالفيلم، ولنقل أن النقد السلبي الذي لم يعجب المخرج كان أيضاً، وبذات المستوى، يعكس دراية بالفيلم نفسه فإن المختلف إذاً هو قراءة كل ناقد للفيلم حسب معطيات معيّنة٠

ما يتدخّل في وسط العملية هو الكبرياء الخاص بالمخرج إذاً٠ لأنه إذا ما كان الكاتبان مصيبان، كل من ناحيته، فإن اعجابه بالمقالة المادحة بالفيلم ليس قائماً على بحث من جانبه حول عمق المسببات التي دفعت بالناقد الآخر لعدم الإعجاب٠
ولكن هل يستطيع أن يكون هناك ناقدين مصيبين لكنهما على طرفي النقيض؟
في الحالات النموذجية فإن الذي يحدث هو أن ما يُعجب الناقد الذي كتب مقالة مؤيدة للفيلم هو ما يراه أهم من المسائل التي يمكن اعتبارها ثغرات. بالنسبة للناقد الذي كتب مقالة معارضة للفيلم فإن تلك المسائل التي اعتبرها الأول ثغرات قد تكون هي ذاتها التي يراها هو بالغة الأهمية٠

التالي مثالاً محدداً
الممثل محمود عبد العزيز قاد بطولة فيلم داوود عبد السيد »كيت كات« سنة 1991
الآن هذا ما يحدث
الناقد المعجب بالفيلم: قد يعتبر أن تمثيل محمود عبد العزيز جيّد لانصهاره بدور الأعمى وتجسيده الحركة والإيماءة الى درجة كبيرة٠
الناقد المعجب بالفيلم قد يعتبر أن تمثيل محمود عبد العزيز كان مقبولاً وليس جيّداً، لكن هذه الناحية لم تؤثر على مستوى الفيلم٠

الآن الطرف الثاني
الناقد المعارض للفيلم قد يعتبر أن تمثيل محمود عبد العزيز كان ضعيفاً للغاية ولديه هنا وجهتان، أما سيجد أن هناك خطأ أكبر من هذا الخطأ في الفيلم، فيحجّم هذا الى حد، او سيرى أن الممثل الأول (أي محمود عبد العزيز في هذا المثل) لم يستطع حمل الفيلم على كتفيه كما هو مفروض او أنه كان أكبر او أصغر سنّا او أن تشخيصه كان استعراضياً وليس عميقاً وسيرى أن هذه المسائل (او اي منها) مسائل أساسية يمكن رفض معظم الفيلم على أساسها لأن الفيلم يتمحور حول الشخصية الواحدة٠

الذي يحدد من هو الناقد (من بين هذين الناقدين) الذي على حق، هو متابعة الفيلم من كلا وجهتي النظر في الممثل للتأكد من الحقيقة، وكي يفعل الناقد ذاته او ناقداً ثالثاً فإن عليه أن يكون ملمّاً بالعمل السينمائي ومعنى إدارة الممثل واللغز الذي يفصل بين التمثيل للكاميرا والتمثيل للحياة بأسرها أمام الكاميرا

هناك فريقاً كبيراً جدّاً من المخرجين لا يقرأون للنقاد. حين يتحدّث مايكل باي في مؤتمر له قائلاً: "معظم النقاد كره فيلمي هذا (يقصد »ترانسفورمرز: انتقام الساقطين") لكني لا أهتم فالجمهور معي" فإنه على الغالب ينظر الى نسبة النقد الي هاجم الفيلم وهناك مواقع الكترونية تحصي النقد وتبني نسباً محددة حيال كل فيلم. فتجد أن الإعجاب بفيلم مايكل باي بين النقاد الذي شملهم الإحصاء لا يتعدّى الإثنين والخمسين بالمئة٠
هو لم يقرأ المئة مقالة (ربما قرأ -إذا ما قرأ- ثلاثة او خمسة) لكنه نظر الى الرقم وسخر منه لكنه لم يكن سيفعل لو أن معظم النقد كان إيجابياً حيال فيلمه٠
ما أريد الوصول اليه هنا هو هذا الموقف يُلغي مسألة مهمة وهي: أهمية النقد السينمائي لدى المخرج بصرف النظر عن موقف النقد من الفيلم الأخير للمخرج٠
ما يقودني وإياكم الى السؤال حول كيف يستطيع أن يكون الناقد مفيداً للمخرج؟
يستطيع الناقد أن يكون مفيداً للمخرج إذا ما سمح المخرج لنفسه بأن يستفيد. حتى يفعل ذلك، عليه أن يبحث عن الناقد الجيّد الذي يستطيع الوثوق بكلماته٠
واعترف بأن هذا البحث ليس سهلاً لأن الميدان مليء بأصحاب المواقف والآراء وبالقليل من النقاد الفعليين٠ على أن سهولة او صعوبة البحث عليها أن تبقى مسألة ثانوية في هذا المضمار والمسألة الرئيسية هي تلك النابعة من داخل المخرج ورغبته في المزيد من المعرفة عبر القراءة٠

المطلوب ليس أن يختلف المخرج تماماً في فيلمه التالي، او أن يصنع الفيلم الذي لا يستطيع المخرج صنعه لمجرد أن النقاد قالوا له هذا. يكفي أن يُدوزن عمله او أن ينتبه أن ما اعتقد أن التصوير بالكاميرا المحمولة -مثلاً- سيؤمنه من وقع واقعي، لم يفعل وبناءاً عليه فإن الخطوة التي عليه القيام بها عن قناعة هي البحث عن السبب الذي غالباً ما هو مرتبط بسياسة التصوير بينه وبين مدير تصويره٠ إذا ما وردت هذه الملاحظة لدى ناقد وقرأها المخرج وبحث فيه او اقتنع، فإن رسالة الناقد صوب السينما ارتقت. صار لها وظيفة إضافية فوق وظيفته الأولى وهي أن يكون صريحاً وصادقاً ومفيداً للقاريء غير المحترف أساساً٠

تاريخ كتاب السينما

حبّاً بالسينما وحبّاً بالنقد ثم حبّاً بالتوثيق وضعت سلسلة من الكتب التي سمّيتها "كتاب السينما: الدليل السنوي المصوّر للسينما العربية والعالمية" الذي صدر منه سبعة أعداد لكنه كُتب إحدى عشر مرّة٠ التالي تاريخ هذا الكتاب وظروفه من العدد الأول الى اليوم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

راودتني الفكرة في يوم ما من أيام لندن 1983
وراودتني معها على الفور أن أقوم بنشر الكتاب بنفسي. ليس لأني كنت يوماً ثرياً، بل لأني نظرت الى ما يصدر من كتب عربية في السينما ولم أر شبيهاً لما أقصد القيام به٠
نعم في مصر صدرت أكثر من سلسلة تؤرخ للأفلام كل سنة، لكن للأفلام المعروضة في داخل مصر. في بريطانيا كان هناك (ولا يزال) كتاب يصدر بالإنكليزية لتوثيق الأفلام كل سنة، لكنها الأفلام المعروضة داخل بريطانيا. في فرنسا، في روما، في الولايات المتحدة وربما في زمبابوي.... لكن دائماً ما يوزّع ويعرض فقط داخل الدولة التي ينتمي اليها المؤلّف٠
قلت في نفسي: لكن هذا الكتاب بانورامي لكل ما أشاهده في أي مكان. وفي صالات السينما كما في المهرجانات. وهناك ما لا يقل عن 350 فيلم أشاهدها في كل سنة (معدّل قد يرتفع قليلاً في سنة او يهبط قليلاً في سنة أخرى) لم لا تكون نواة كتابي؟

من أين لي المال؟ حسناً. سألجأ الى المنتجين والموزّعين وأطلب منهم نشر إعلانات في الكتاب. كان هذا المنوال لا يزال جديداً. الإعلان عادة ينشر في المجلات - لكن في الكتب؟ رددت على هذا التساؤل بالقول: لكنه كتاب سنوي. مرجع. موسوعة. يحتفظ به القاريء طوال حياته٠
هذا ما رددته لكثيرين من الذين طلبت منهم إعلانات. المفاجأة الكبرى أن معظم من تقدّمت اليهم وافق اي نحو خمسة من سبعة او من ثمانية... وصدر الكتاب سنة 1984 وعليه صورة أنطوني كوين ملتحفاً بالثياب الليبية الوطنية في لقطة من فيلم المرحوم مصطفى العقاد »عمر المختار« (المعروف أيضاً بعنوان عالمي هو »أسد الصحراء«)٠

وضعت خطّة للكتاب: أفضل عشرة أفلام في فصل أول. ثم أفلام أخرى مهمة، في الثاني، وبانوراما في الثالث. ثم فصل عن السينمائيين يبدأ ايضاً بأكثرهم تأثيراً، ثم بانوراما وسجل للراحلين منهم٠

توجّهت الى زميلين للبحث معهما إمكانية الإسهام٠
لا أتذكر من منهما توجّهت اليه قبل الآخر، لكني أعتقد صلاح هاشم كان الأول (تعرّفت عليه خلال رئاستي مجلة »الفيديو العربي« من العدد 2 الى العدد 12 وهو أكمل رئاسة تحريرها بعدما استقلّيت من العدد 13 الى عدد او عددين بعد ذلك حين قرر صاحبها إيقافها)٠
تحمّس الزميل كثيراً، وهو دائم الحماس لما يراه سينما مستقلّة معتبراً أن الكتاب بحد ذاته تعبير عن هذه السينما طالما أن المؤلف هو الذي سينشره على حسابه٠
لكن هذا الإعتبار هو الذي جعلني أوقن أننا نتحدّث لغتين مختلفتين: أحب السينما الجادة بلا ريب، وأحب المستقلّة (إذا كانت جيّدة) وأحب سينما الزعل والنقد والتجريب (إذا كانت فنيّاً على مستوى) لكني أحب كل السينما أيضاً٠ لا يمكن أن أحصر نفسي او كتابي الى تمجيد او رفع شأن سينما معيّنة مهما كانت٠ الفيلم الجيّد هو الرابح عندي٠
حين أيقنت ذلك انسحبت بمشروعي لأني لم أرد له أن ينجرف في نواحي أخرى٠
قبل الإنسحاب بقليل (أذكّر التوقيت ربما كان غير دقيق هنا) اتصلت بالزميل أمير العمري الذي كان انتقل من مصر الى الجزائر (كان طبيباً) ثم الى لندن٠ ومجلة »الفيديو العربي« هي التي استقطبتنا أيضاً. على ما أذكر كانت المرّة الأولى التي التقيته فيها حين جاء المكتب (أعتقد بعد مراسلات) يؤكد لي أنه من فرط حبّه للسينما سيترك الطب ويريد أن ينشر في »الفيديو العربي« بأي وسيلة كانت. وبالطبع توقّف ذلك على ما سيكتب ومدى جودته٠ أنا وهو وصلاح من أعمار متقاربة لكن الظرف وضعنى رئيس تحرير حتى قبل التعرّف اليهما والفضل لإداري أسمه ماهر توفيق (مصري أيضاً) طلب منه الناشر الكويتي رئاسة تحرير المجلة (التي كان من المفترض بها أن تكون لأفلام الفيديو التي كانت في ذلك الزمن صرعة عربية وعالمية) فلجأ اليّ وهو لا يعرفني وعرض عليّ أن أرأس تحريرها. تعجّبت (رغم أنني رأست تحرير مجلة »فيلم« حين كنت لا زلت طالباً في الثانوية) لكني وافقت٠

أمير العمري كتب وأعجبني ما كتبه ونشرت له في »الفيديو العربي« وتوجّهت اليه لكي يكتب في »كتاب السينما« ووافق واشتريت منه مقالات (واحدة فقط لم أنشرها لأنها حوت قصّة الفيلم على معظم صفحاتها)٠

ذهبت الى بيروت مع موادي (نسبة 95 بالمئة) ومواد غيري واتصلت بمصمم فني (أسمه نزيه كركي وسكن بعد ذلك في بناية تبعد ثلاثين مترا عن مسكن أهلي لكني قابلته مرّة واحدة بعد ذلك) الذي وضع تصميم الكتاب الذي جاء في نحو أربعمئة صفحة. أخذته الى دار توزيع كانت أكبر دور التوزيع في العالم العربي وأسمها »الشركة العربية« وهذه وافقت على توزيعه٠

وصدر الكتاب وتم نشره وكان أول كتاب سينمائي، كما قيل لي، يدخل المملكة العربية السعودية. وشركة الأهرام الصحافية العتيدة قامت بتوزيعه في القاهرة والنسخ كما عرفت بعد حين كانت تنفذ وكانت الأهرام تعيد طرحه مرّة بعد أخرى٠

هناك سبب جوهري واسمحوا لي أن أقول أنه سبب ذكي، وراء اتجاهي الى شركة توزيع توزّع الصحف والمجلات، وليس الى دار توزيع كتب: السبب هو أنه سيكون بمتناول القراء. فمعظم المشترين يشترون من أكشاك الصحف على قارعة الطريق ومن المكتبات التي تبيع مجلات وجرائد، بينما المتخصصون غالباً هم من يشترون الكتب من المكتبات التقليدية٠

بعد أقل من سنة حين ذهبت الى بيروت ثانية وطالبت بحصّتي من الإيرادات أعطوني كشف حساب يعرف الله وحده كم كان دقيقاً وسليماً وحسبوا فوق المبيع أجور الشحن والباقي بلغ نحو 400 ليرة لبنانية او ما كان يوازي قرابة 150 دولار. كنت سعيداً٠ أنا في البزنس٠

لكن كنت في البزنس حين جلبت له إعلاناته أيضاً. كل ما حدث هو أن دفع المبلغ جعلني أشعر بأني أنجزت عملاً ناجحاً ونلت عليه الجانب المادي من ثماره مهما كان ضئيلاً٠
في الحقيقة لم أخسر في أي من الأعداد التي قمت بتأليفها ونشرها على حسابي. دائماً ما كنت أوفي الكلفة (والكلفة كانت قليلة بالمقارنة مع اليوم) وكنت أوفّر بعض المال من بيع الإعلانات٠

بذلك »النجاح« رصدت خطواتي للعدد المقبل٠

يتبع٠٠٠٠٠


خمس مصطلحات نظرية: قاموس يدوي سريع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيلم حقيقة ووهم
في الواقع الفن الوحيد الذي يقدر أن يضم الزمن على هذا النحو. الفيلم حقيقة من حيث أن المشهد الماثل أمامك، في لحظات اندماجك فيه وموافقتك اللا شعورية على قبول ما يعرضه، يمثّل لك حقيقة . هذه الحقيقة هي بذاتها وهم إذ أنه حالما تخرج من اندماجك خلال العرض تتذكّر أن لا شيء يقع فيه هو حقيقي٠ خلال هذا الفارق بين مشهد/ فيلم منفّذ جيّداً ومشهد/ فيلم غير منفّذ جيّداً يبرز كعنصر فاصل بين الحقيقة والوهم٠

الحضور مقابل الغياب
الفيلم تم تصويره قبل حين ومن قام بتصويره (كل من عمل فيه) هو الآن في زمن آخر ومكان آخر٠ توهيم المشاهد بأن الفيلم حقيقة أنتهى في جزء منه حال انتهى العمل. لكن ما لا ينتهي أمران: إعادة هذا التوهيم حين عرض الفيلم وحضور الغائب فيه. هذا الحضور يأتينا من الغياب ذاته. في الواقع ما نشاهده الان على الشاشة يحضر بينما من فيه مات او اعتزل او لا يزال يعمل في مكان آخر او فيلم آخر٠ أيضاً المشاهد غائب عن هذا الواقع إذا ما نجح الفيلم في تقديم الحالة تقديما جيّداً مقترحاً واقعاً محدداً، فإن المشاهد ليس طرفاً عينياً فيه. كيف يكون هذا الواقع حاضراً (او واقعاً) إذا لم يكن المشاهد فيه. هنا يتدخل طرح كان طبّقه فرويد على شكل علاقة الواحد منّا بالمرآة: يقول أنه حين تحملنا أمّهاتنا آطفالاً الى المرآة وتشير لنا أن نرى أنفسنا في المرآة، فإن الشعور آنذاك بأننا في واقع الأم. حضورنا معاً دائم٠ بعد سنين حين ننظر الى المرآة من دون الأم فحضورنا السابق هو الغائب. الأم غائبة ما يولّد فينا تقدير الماضي حين كانت الأم في الصورة. في مرحلة ثالثة من المعرفة تبدأ عملية النظر الى المرآة كحالة وجودية والمرآة تصبح رمزاً لانعكاسات متداخلة تتجاوز انعكاسات الناظر اليها، تماماً كما الشاشة٠

الغموض / المعنى مزدوجاً
تأسيس المشهد (وبالتالي الفيلم الجيّد) على النحوين السابقين يقترح حالة ثالثة في بعض الأحيان حين يطلب المشهد من المشاهد أن يعايش حالة مزدوجة من التفسير: هل هذه الشخصية بريئة فعلاً؟ هل سيكتشف احدهم اختباء الشخصية المعيّنة في الخزنة؟ ما المعنى المقصود بذلك اللوح الهائل في فيلم ستانلي كوبريك »أوديسا الفضاء« الخ٠٠٠ هذا السؤال من المفترض به أن يعيدك الى عملية التفكير. الى قدر من الخروج من الفيلم (ولو من دون انقطاعك عن اندماجك) لتطرح على نفسك السؤال- بل أن هذا هو ما يودّ المخرج منك أن تفعله. لماذا تشعر بتوتر مسبق في تلك المشاهد التي تسبق قيام انطوني بيركنز مرتدياً ثياب أمّه باقتحام حمّام جانيت لي وقتلها بإسم الأم؟ لا يمكن أن تعرف. لاحقاً ما يمكن أن تحلل اللقطة والمونتاج والحوار وتتبدّى لك كيف بنى المخرج هذا التوتّر. لكنه توتّر يؤدي الى معاني مزدوجة خلال عرضه مستمدّة من الشخصية التي دخلت علي الخط (بيركنز) مع ما سبق تأسيسه حول شخصية جانيت لي٠

الإستعارة المجازية
اللوح الأسود في فيلم ستانلي كوبريك هو إستعارة مجازية. العموض في مشهد هيتشكوك ليس رمزياً او مجازياً٠ الإستعارة المجازية تقوم على مبدأ قيام المخرج بطرح موضوع عيني (اي قابل للرؤية) للحديث عن موضوع لا يمكن تصويره مثل الإدراك، العقل، الموت الخ... كذلك هو مطروح أحياناً عبر ما يمثّله الفيلم بأسره . مثلاً هناك ما يستدعي تذكّر حرب فييتنام من خلال فيلم عن مذابح للهنود الحمر مثل فيلم لامونت جونسون »الجندي الأزرق«٠ كون المجاز ليس غموضاً مفتعلاً يعني أن عليه أن يُطرح في سياق. هذا السياق قد يأخذ شكل أي عمل من فيلم غير قابل للتصنيف نوعياً (كأفلام جان-لوك غودار) الى افلام فيلليني وبرغمان وصولاً الى أفلام هوليوودية معيّنة٠

الحداثة وما بعد الحداثة
السجال دائر كذلك محاولات تفسير تلك العلاقة بين الإثنين. متى تنتهي الحداثة ومتى تبدأ ما بعد الحداثة وما هو مفهوم كل من الإثنين خصوصاً الثانية [هل هي استمرارية للأولى؟ نقلة نوعية؟ استحداث ما ورائي؟ او تمرّد على؟ الخ...). سبب السجال أن التعريف الأساسي غير متّفق عليه لكلا المفهومين كما للتنوّع الشديد في القراءات وعلاقة كل منهما بالسينما أسلوبياً او طرحاً ذهنياً. الزمن المتفاعل أيضاً من تلك الأمور التي تجعل نقطة النهاية لما هو حدثي ونقطة البداية لما هو بعد حدثي نقطة غير متّفق عليها. الحديث هنا شاسع جدّاً وفي العملية السينمائية ذاتها، من حيث فلسفة الفيلم وتلقّيه لا يزال يخضع لذلك الإختلاف في قراءته. كعنصر فني لا قيمة للحداثة او ما بعدها في صيرورة الفيلم الفعلية. الحداثة وما بعد الحداثة يقترحان لدى المشاهد قراءة إضافية إذا ما تطوّع لذلك (والكثيرون يفعلون) لكنه لم يشكّل ركنا او أساساً في الطرح النقدي الى اليوم٠


لماذا لا غنى عن الفيلم نوار لدراسة السينما٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يختزن الفيلم نوار عناصر فنية متعددة تلتقي وحالات في النفس والتشخيص والدراما والأسلوب التعبيري على نحو فريد لا يمكن تجاهله لأي ناقد سينمائي او لأي هاو فعلي للسينما. »الفيلم نوار« ليس مجرّد معرفة بفصيل من الفيلم البوليسي والكثير منا لا يعتبره أكثر من ذلك، بل معايشة أكيدة لجوهره كحالة في السينما وكحالة سينمائية في ذات الوقت٠
صحيح إنه ليس نوعاً كما الفيلم البوليسي (بصوره العامّة) او كما الفيلم الوسترن او الكوميدي الخ... لكنه نوع من الأفلام البوليسية التي استبدلت ما كان سائداً من أفلام الجريمة المتطرّقة الى ارتكاب الجريمة كلغز او كسؤال محيّر فيمن ارتكبها ومن تراه يستفيد منها وكيف سيتم كشفه او كيف ستكون نهايته، بأفلام الجريمة فيها ما عادت محكّا اخلاقياً من نبرة واحدة ولون معيّن٠ الفيلم نوار الجيّد هو تعليق نفسي وفردي واجتماعي وحديث في هموم المدينة (في معظم الأحوال) من حيث التطرّق الى هموم أبطالها. وهؤلاء الأبطال هامشيون وليسوا »سوبرهيرو«٠ قد يكون أحدهم على هذا الجانب من القانون او ذاك، لكنهم ينبرون كضحايا تدرك مقدّراتها وتنقاد إليها دافعت عن نفسها جيّداً وتحاشت النهاية او لم تستطع٠
بالنسبة للمُشاهد العام، ناقداً كان او لم يكن، فإن الفيلم نوار أيضاً تكثيف لعوامل في التصوير والإخراج والموسيقا والمونتاج لا يمكن التغاضي عنه٠ عدم الإعجاب بالفيلم البوليسي بين أوساط كثيرة من المثقّفين العرب يعود الى اعتبارهم أن الفيلم البوليسي أقل مستوى من سواه. حسب هذا الإعتقاد »الشيطان الصغير« لكمال الشيخ أقل قيمة من »حدوتة مصرية« ليوسف شاهين، او »قبلني موتاً« لروبرت ألدريتش أقل قيمة من »زد« لكوستا-غافراس٠ وهذا خطأ فادح في قراءة الفيلم والسينما بشكل عام٠

حقيقة أن بعض المسائل، مثل الذاكرة الخاصّة بالمخرج في »حدوتة مصرية« او مثل الكشف عن فساد السُلطة في »زد« او مثل العداء للعربي في »علاء الدين« حسب ديزني، هي قضايا مكشوفة لا تتطلّب الكثير من التمحيص لاتخاذ الموقف وبل تساعد العديد من الكتّاب في السينما بلورة مواضيع تطرح القضايا المثارة او تستغل الأفلام لطرحها بصفة المفكّر او المثقّف او صاحب الرأي، تواجهها حقيقة أهم وهي أن المواضيع ذاتها قد تكون مطروحة في أفلام لا تتخّذ صفات الإعلان ومصاغة أسلوبياً بما لا يقل فنّاً وتفنناً من أي فيلم يحمل قضيّته او يكشف عن موضوعه المطروح على باطن يده٠
شخصياً، أفضّل الموضوع المبطّن على ذلك الظاهر، والفيلم نوار نموذجي في طرح الأمور المبطّنة، تلك التي عليك أن تتعب قليلاً لفضّها ومعرفتها، لأنها مؤلّفة -صياغة وسرداً- من عناصر ملتحمة. الحرفة الصناعية للفيلم بشتى أشكالها عليها أن تمتزج مع الطروحات المختلفة التي تأتي في القصّة المسردة سواء أكانت تلك الطروحات إجتماعية، فردية او -كما في معظم الحالات- فردياً/ اجتماعياً في آن معاً٠

DOUBLE IDEMNITY | تأمين مزدوج

OUT OF THE PAST | من الماضي

إذا كان »البلوز« هو أغاني الأحزان بين كل أنواع الغناء الأميركي (جاز، فولك، كانتري، بوب الخ...) فإن الفيلم نوار هو البلوز بين الأفلام٠
الفترة التي خرجت فيها أفلام النوار، مع مطلع الأربعينات، تعكس الإختلاف البيّن الأول للمفاهيم الإجتماعية في الحياة الأميركية. البلاد خرجت من وضع الفترة الإقتصادية الصعبة وباركت هوليوود ذلك الخروج بتيارات من السينما المتفائلة، سواء أكانت قصص حب، او وسترن، او كوميديا او ميوزيكال٠
موقف الفيلم نوار من كل ذلك هو السير عكس التيّار: النظرة الساخرة من المحيط، المنتقدة للتقاليد والمتشائمة من التغيير المنشود٠ بكلمة واحدة: هي أفلام سوداوية لكن لكي تكون ناجحة وفاعلة وسوداوية كان عليها أن تطرح ما هو مخالف لقصص النهايات السعيدة٠
إحدى النهايات المثالية للفترة هو أن بطل فيلم »قبّلني موتاً« لروبرت ألدريتش يفشل في منع التلوّث النووي وينهي المخرج الفيلم بإنفجار كبير لا مهرب منه٠

البطل في الفيلم نوار، كما أسلفت، لم يكن بطلاً خالصاً. هو بطل بموضعه كقائد للحدث. لم يكن من النوع الذي يسقط على قدميه واقفاً بعد كل محنة. بل ما يجذبنا اليه كونه قابل للكسر وللعطب. في فيلم بيلي وايلدر »تأمين مزدوج« البطل (فرد مكموري) يسقط في فخ إمرأة (باربرا ستانويك) تستخدمه للوصول الى مبتغاها وهو قتل زوجها وقبض قيمة تأمين عالية٠ يساعدها من دون أن يدري أنه جزء من المؤامرة وليس شريكاً مناصفاً فيها٠ روبرت ميتشوم في »من الماضي« [جاك تورنور- 1947] نأى بنفسه عن ماضيه وعن المدينة في العيش والعمل في بلدة صغيرة، لكن حين يأتي الماضي اليه، يعيدانه الى المدينة حيث بؤرة الجريمة، كما الى المرأة التي خدعته وخدعت المجرم الأول (كيرك دوغلاس) والآن ستحاول أن تخدعه من جديد٠
في كلا هذين المثلين، وفي معظم افلام النوار الأخرى، شرط من شروط هذه السينما أن لا تكون النهاية سعيدة: لذلك فرد مكموري يموت بعد اعترافه، روبرت ميتشوم يموت وهو يقود المرأة الشريرة الى حتفها٠
والمرأة الشريرة ذات الحضور الأنثوي الطاغي في عشرات الأفلام من هذا النوع وسببها أنه في الأربعينات أخذ تخرج عن نطاق التقليد السابق من الحياة٠ عرفت قدراً أكبر من الإستقلالية. وجدها الرجل خطراً او كانت، في كل الأحوال، تمثل الخروج عن ما كان متداولاً بالنسبة لدورها كما بالنسبة للرجل المعتاد على تلك التقاليد٠
هناك الكثير جداً مما يجب قوله في هذا النوع، ولابد من العودة اليه في عدد خاص عنه. لكن ما بدأت به أعود إليه: هذا لون من ألوان السينما الذي يختزن في كل مشاهده كثافة في المعطيات على كل صعيد، وفي المضمون كما في الشكل والسياق والأسلوب. عدم اكتراث النقاد العرب به خطأ مارسوه جيلاً وراء جيل٠


شخصيات | ريما المسمار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكوميديا الصافية والشخصية المبتكرة والشعبية المطلقة لاسماعيل ياسين٠


تلقي الناقدة ريما المسمار نظرة فاحصة على شخصية
الممثل الكوميدي الراحل اسماعيل ياسين بمناسبة قرب
عرض مسلسل سيتناول مسيرة الممثل خلال شهر رمضان
المقبل٠

عندما دخل اسماعيل ياسين عالم السينما، كانت تلك الصناعة لا تزال في طورها الأول في مصر، لا سيما ما يخص الكوميديا التي استندت أفلامها الأولى الى المسرح الشعبي مع أقطاب من أمثال أمين عطاالله ونجيب الريحاني وفوزي الجزايرلي وعلي الكسار. وذلك تماماً ما قامت به الأفلام الغنائية الأولى لبهيجة حافظ ومنيرة المهدية وابراهيم حمود، مستلهمة تراث المسرح الغنائي. من هنا، اعتمدت بدايات الكوميديا السينمائية السائدة على العديد من تقاليد المسرح الشعبي وما علق به من تأثير فنون الفرجة والموالد. ومن تلك أن يقوم الممثل بمخاطبة المشاهد أولاً الجالس في الصالة وثانياً من خلال الكاميرا السينمائية التي نظر إليها علي الكسار ومن بعده اسماعيل ياسين مخاطباً المشاهد. كذلك، ارتكزت تلك الأفلام على الشخصيات الشعبية كالعمدة والعسكري والخواجة والزوجة والحماة وبينها البطل الشعبي غير البعيد من شخصية "جحا". فالبطل في تلك الأفلام الكوميدية الأولى كما في المسرح الشعبي كان يصطنع البلاهة ليتمكن من السخرية من دون قيود. وكان في الغالب فقيراً، يمتلك القدرة على اختراق مظاهر الطبقة الثرية وكشف حقيقة شخصياتها كأنه ينتقم بذلك لنفسه ولشريحة كاملة من الفقراء٠

قدّم اسماعيل ياسين هذا النموذج منذ فيلمه الأول "خلف الحبايب" للمخرج فؤاد الجزايرلي في دور مساعد لفوزي الجزايرلي (في شخصية "المعلم بحبح") ومن ثم مع علي الكسار في فيلم "علي بابا والأربعين حرامي« ) لتوجو مزراحي (1942). لعب ياسين الشخصية الشعبية الساخرة "السنيدة" لنحو عقد من الزمن قبل أن تأتيه
البطولة الأولى في فيلم »الناصح« (1949) لسيف الدين شوكت، الذي يرجع الفضل اليه أيضاً في تقديم الممثل شكوكو بأول دور بطولة في »شمشون ولبلب« سنة 1952

في "الناصح"، لعب ياسين شخصية البطل الأبله الذي لا يكف عن الوقوع في الورطة تلو الأخرى لكن الحظ يكون حليفه في النهاية. وهو أيضاً الإطار الذي قدم فيه "البطل" لحلمي رفلة في العام التالي و"المليونير" لرفلة أيضاً. رسخت تلك الأفلام انتماء ياسين الى الطبقة الفقيرة، ليس في دفاع خبيث عن الفقر وإنما في محاولة للبحث عن القيم الاجتماعية المصرية في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي شهدت بروز طبقة جديدة من أغنياء الحرب ومحترفي السياسة الانتهازية. كذلك حملت تلك الأفلام نوعاً من البحث عن هوية مصرية في الشكل والمضمون بما لا يخلو من السذاجة والبراءة، ضارباً جذوره في فنون الفرجة الشعبية التي كان ياسين يمتلك أدواتها بامتياز٠

من فيلم الى آخر، اكتسب اسماعيل ياسين مكانة شعبية تليق بإمكاناته الفنية وملامحه الجسمانية ذلك أنه شكّل نموذج البطل للطبقات الفقيرة التي كانت السينما وسيلة الترفيه الوحيدة المتاحة لها. وجدت تلك الطبقة في ياسين بطلاً من نوع جديد يشبهها، ويختلف عن البطل المصقول الذي قدمه عماد حمدي مجسداً أحلام الطبقة الوسطى وآلامها. وليس غريباً بهذا المعنى أن يسهم ابتعاد اسماعيل ياسين من الوسامة في تقريبه أكثر من الجمهور مشتهراً بلقب "بقّو" (أي فمه باللهجة المصرية) في إشارة الى فمه الكبير الذي تفنن في تحريكه واستغلاله كاريكاتورياً. حتى أن شكله الخارجي كان في أكثر من فيلم عنواناً محورياً يُشار إليه علناً مثلما هي الحال في "أوعي تفكر" (1954) حيث تغني شادية له "عاجباني وحاشته " او
في »المليونير الفقير« (1959) الذي تتغزل فيه فايزة أحمد بشكله ساخرة منشدة »يا حلاوتك يا جمالك

لم تتأخر السينما المصرية، على جري عادة أي سينما تجارية، عن استغلال شهرة ياسين في أدوار مكررة ومتشابهة، متواضعة المستوى في الغالب. لعبت على شخصية البطل سيء الحظ الذي يُجيد السخرية من كل ما هو زائف. وفي لحظة الذروة الجماهيرية والنجومية تطابق النجم والشخصية فصار يظهر في أفلامه بإسم اسماعيل او سمعة بدءاً بفيلم "حرام عليك« لعيسى كرامة (1953) قبل أن تحمل الأفلام أسمه الحقيقي الكامل على غرار »مغامرات اسماعيل يس« (1954) ليوسف معلوف و»عفريتة اسماعيل يس« (1954) لحسن الصيفي و»اسماعيل يس يقابل ريا وسكينة« لحمادة عبد الوهاب (1954) وسلسلة طويلة من الأفلام التي كانت عناوينها تبدأ بـ »اسماعيل يس في ...."٠
اسماعيل يس مع الممثل رياض القصبجي في واحد من أفلام كثيرة مشتركة بينهما٠

في جانبها السياسي، حفلت أفلام الخمسينات التي قدّمها اسماعيل ياسين بتمجيد ثورة 1952
بشكل مباشر أو مبطن. وبعض تلك الأفلام كان جاهزاً للعرض قبل الثورة، ولكن مع قيام الأخيرة أضيفت إليه مونولوغات من واقع الحال كماحدث مع فيلم "كلمة حق" (1953) لحمادة عبدالوهاب الذي أضيف إليه مونولغ "المصري أفندي بين عهدين" "عشرين مليون" متغنياً بمحمد نجيب ورفاقه
وفيلم »اللص الشريف« لحمادة عبد الوهاب (1953) الذي حُشر فيه مونولوغ »عشرين مليون« متغنياً بمحمد نجيب ورفاقه٠
بخلاف تلك اللمسات المضافة كان فيلم »كيلو 99« الذي حمل توقيعي ابراهيم حلمي وعبد العزيز جاد سنة 1956 تملّقاً مباشراً للعهد الجديد. ولم تخل الأفلام التي وقّعها فطين عبد الواهاب لمغامرات اسماعيل ياسين في »الجيش« ، 1955، و»الأسطول« (1957) و»الطيران« (1959) من محاولة إزالة الحاجز بين الشعب والسلطة العسكرية في ظل مناخ إجتماعي وسياسي جديد٠

خلال الخمسينات وحدها، حقق اسماعيل ياسين ما يوازي نصف عدد الأفلام التي صنعها خلال مسيرته الكاملة التي امتدت على أربعة وثلاثين عاماً، مكرراً خلال تلك المرحلة شخصياته وأدواره في أكثر من عمل سينمائي. في محاولة مختلفة لاستثمار إمكانياته الفنية، قدّمه فطين عبد الوهاب في تجربة مغايرة من خلال "الآنسة حنفي" ، 1954. صحيح أن الفيلم الأخير يقوم على أحد اسكتشات ياسين المعروفة حيث يقوم على دور إمرأة، إلا أن الفيلم ذهب بالفكرة أبعد من خلال قصة الرجل الشرقي الذي يتحول على أثر عملية جراحية الى امرأة ويبدأ باختبار الظلم والتمييز الواقع على المرأة. الى النزعة النقدية للمجتمع والرجل الشرقيين، حمل الفيلم ملامح تجديدية لجهة تناوله موضوع التحول الجنسي وأزمة الهوية الجنسية وإن بأسلوب كوميدي ساخر. ولا تزال مشاهد الغرام بين "حنفي" المرأة و"أبو سريع" الجزار (رياض القصبجي) تحمل عناصر الكوميديا الخالصة بمحاكاتها لمشهديات كلاسيكية من روميو وجولييت وغيرها٠

مرة ثانية لعب ياسين دور رجل يتحول الى إمرأة في سالست نواعم« 1958 ليوسف معلوف من دون أن يضيف شيئاً الى الشخصية السابقة بل على العكس حيث وقع الفيلم في غلاظة المبالغة في تناوله شخصية المرأة الدميمة المفرطة في الاهتمام بزينتها ودلالها.
بعيداً من الأدوار المكررة، قدم النجم الكوميدي خلال الخمسينات فيلمين بارزين هما "المفتش العام" لحلمي رفلة (1956) و»العتبة الخضراء« للفطين عبدالوهاب (1959). ومصدر تميّز الفيلمين هو حملهما شخصية ياسين السينمائية التقليدية 1959و"العتبة الخضراء" ( للرجل البسيط لتكون محور المفارقة الكوميدية. ففي الأول، يعتقد أهالي القرية بسبب سوء فهم، أن الحكومة قد أرسلت المفتش العام" للكشف عن فسادهم. وفي الثاني، يقع الريفي الساذج القادم الى القاهرة للمرة الأولى ضحية نصّاب " محترف يبيعه "العتبة الخضراء".

بعيداً من التقويم النقدي لأفلام ياسين وتلك المرحلة الذهبية في مسيرته، حقق الممثل بموازاة الجماهيرية والشهرة ما هو أساسي في فن الكوميديا وتجددي قياساً بالمرحلة. فبعد عدد قليل من الأفلام التي لعب بطولتها المطلقة، بل ربما منذ أدوار السنيد" التي أداها في الأربعينات، استطاع اسماعيل ياسين أن يبتكر شخصية خاصة به، ذاب فيها الممثل والإنسان " والشخصية. وكانت تلك الشخصية السينمائية مزيجاً من الحضور الجسدي والسلوك والإحساس والحركة. فأول ما يميّز حضور ياسين على الشاشة تلك الهشاشة التي تظهر جسمانياً قبل أن تشع من الداخل. فهو في كافة أدواره سريع التأثر بما يحيط به. يجفّله الصوت العالي وتخيفه حركة الأجساد من حوله. إنه دائم التيقظ والخوف من أن يصيبه أذى ما. فلا ينفك يحمي نفسه بيديه المرتجفتين، مشيحاً بوجهه دائماً عن مصدر الخطر الذي يستشعره. إن تلك المكونات التي تنم عن الضعف والحس المرهف والهشاشة الداخلية والخوف وربما قلة الثقة بالنفس، ليست من المكونات التقليدية للممثل الكوميدي لا في زمن ياسين ولا في هذا الزمن. ولعل ذلك الموقع الهش الذي يمكن البحث عن جذوره في حياته الشخصية، وضعه على تماس مع المتفرج البسيط الذي لا يملك ما يدافع به عن نفسه سوى الضحك والسخرية والنكات٠
في تكامل وانسجام مع تلك الهشاشة الرقيقة، تأتي المواصفات الانسانية النبيلة التي وسمت شخصياته السينمائية. ثمة ما هو انساني عميق ونبيل في حضوره على الشاشة وفي تجسيد لشخصياته التي مهما تنوعت واختلفت ظروفها، تتمسك بانسانيتها في مواجهة كل ذلك الزيف المحيط بها. وعلى الرغم من الارث المسرحي الثقيل الذي يحمله ومجايليه من الكوميديين، الا انه قد يكون من قلائل الممثلين الذين نجحوا في الفصل بين المسرح والسينما في ادائهم، خارجا من عباءة المسرح الشعبي سريعا ومتخذا من كوميديين عالميين مراجع، تظهر تأثيراتها فيه كما هي الحال مع تأثره بالممثل الكوميدي جيري لويس ومثلما نلمح طيف تشارلي تشابلن في بعض شخصياته وحركاته٠
الى جانب ذلك الجهد الشخصي، افاد ياسين من ثنائياتها التمثيلية لتعزيز شهرته فكان الثنائي الذي لعبه مع رياض القصبجي على الشاشة ـ الاخير في دور الشاويش عطية ـ من انجح تلك الثنائيات التي قامت على كيمياء محببة بين الممثلين، تجمع التناقض والتشابه بينهما. على الرغم من وقوفه امام ابرز ممثلات السينما في ذلك الوقت من امثال شادية وهند رستم وزهرة العلا وتحية كاريوكا وسواهن، الا ان حضوره ذاك لم يتحول يوما كاريكاتوري او بمعنى آخر متجاوزا لمقوماته. غني عن القول انه لم يلعب دور الدونجوان يوما او ساحر النساء. فاما ان تقع البطلة الجميلة في غرامه بسبب ما يتمتع به من نبل وانسانية وطيبة وامام ان تتركه كسير القلب انما راض كأنه يدرك سلفا انه ليس فتى الاحلام بالمعنى السائد للكلمة٠

خلال الستينات وحتى وفاته في العام 1972، قدم اسماعيل ياسين ثلاثة عشر فيلماً في مرحلة اتسمت بانحسار الأضواء عنه. حقيقة ترجمتها عودته الى مشاركة نجوم آخرين البطولة كما في فيلمي فطين عبد الوهاب »حلاق السيدات«، 1960 و»الفرسان الثلاثة«، 1962 قبل أن ينتهي الى أدوار مساعدة او هامشية وينهي مسيرته بفيلم »الرغبة والضياع« عام 1972 وهو فيلم
للمخرج احمد ضياء الدين. ولكن المفارقة ان بعض افلام هذه المرحلة كان على درجة عالية من
النضج والحرفية ، وإن لم يكن يحمل بصمة اسماعيل ياسين التقليدية ومنها فيلم »العقل والمال«،
المنسي الذي يحتاج الى قراءة ثانية اليوم لما حمله من بذور الفانتازيا التي لم تكن سائدة في السينما العربية وقتذاك، فضلاً عن نقده السياسي الذكي لتلك المرحلة من تاريخ مصر ومعالجته فكرة العلاقة بين السلطة والشعب٠
لا شك في ان تمسك اسماعيل ياسين ومن خلفه المنتجون والكتاب والمخرجون بالعدة الجاهزة للممثل التي عرف بها منذ دخوله السينما، اسهمت بشكل اساسي في حصر نجوميته بالخمسينات. وتلك مرحلة كانت السينما المصرية خلالها ماتزال في طور البحث عن صياغة ناضجة شكلية ومضمونية، ناهلة من معين الفنون الشعبية التقليدية. وعلى صعيد العلاقة بالجمهور، كانت السينما وقتذاك امتدادا للفولكلور المتمثل بالحكايات الشعبية والمسرح الشعبي. وما ترداد الناس لنوادر اسماعيل ياسين وحكاياته في افلامه سوى تأكيد على ذلك الامتداد الذي شاركه فيه نجوم آخرون من طينة شرفنطح (محمد كمال المصري) وبشارة واكيم وحسن فايق وعبد الفتاح القصري وماري منيب وزينات صدقي وسواهم. لقد كان هؤلاء النجوم بمثابة عالم كامل من الخيال الفني المستوحى من الواقع الملموس والمضيف اليه في الوقت عينه. وذلك الواقع تجسد ببساطته في السينما قبل ان يصبح ذلك الواقع اكثر تعقيدا وتركيبا مع المتغيرت والانعطافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. افضت تلك التغيرات الى اشكال سينمائية اكثر تعقيدا، انحسرت معها موجة الكوميديا الشعبية والميلدراما الساذجة ليحل في مكانها افلام تتسم بقدر اكبر من الواقعية والجدية في التعاطي مع الواقع. ورافق تلك الفورة السينمائية تحول في صورة البطل الذي اضحى منتميا الى الطبقة الوسطى

بهذا المعنى، لم يكن مستغربا انحسار لاضواء عند نهاية عقد الخمسينات عن اسماعيل ياسين بقدر انحسارها عن عماد حمدي. هذان البطلان النقيضان - الشبيهان جسّدا بطل الخمسينات الذي تعامل مع الحياة اما ببراءة او بفروسية ونبل. لم يخبُ النموذج الذي قدمه اسماعيل ياسين تماما. فذلك الانسان "الغلبان" الذي يصطنع البلاهة في مواجهة المنطق المقلوب و"يتمسكن حتى يتمكن" عندئذ يبدأ بالانتقام لنفسه ولجمهوره من كل سنوات البؤس... هذا النموذج قريب جدا مما قدمه عادل امام في السبعينات والثمانينات مع فارق السياق الزماني والاطار السياسي والاجتماعي، وهو ما يجعل عادل امام ابن عصر التشاؤم والكابوس والسخرية المُرة والعنف في مقابل ياسين ابن مرحلة الحلم والتفاؤل والبراءة والسخرية غير المُرة... وهي مواصفات مازالت تجد صداها اليوم بين جمهوركبير لاسيما في مصر حيث السخرية والنكتة هما التعويض عن الفعل والوسيلة لاجتراح القدرة على البقاء في واقع شديد القسوة٠

ريما المسمار ناقدة سينمائية لصحيفة »المستقبل« اللبنانية٠

حكمة أبو العلاء المعرّي

ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً
تجاهلت حتى ظُن أني جاهل

فواعجباً كم يدّعي الفضل ناقصٌ
وواسفا كم يُظهر النقص فاضل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular