Jul 30, 2009

#440 | سينما وأفلام إنغمار برغمن | قراءة أولى لأفلام مهرجان ڤنيسيا

هذا العدد
قبل عامين توفي المخرج إنغمار برغمن ما أوعزني بتخصيص هذا المحور الجديد عنه متناولاً سينماه وعرضاً نقدياً لثمانية عشر فيلماً من أعماله. هذا الموضوع بالإضافة الى مستجدّات مهرجان »فانيسيا« حيث تم إعلان الأفلام المشاركة في هذه الدورة الضخمة أجّلا مواضيع أخرى كانت مبرمجة وكتابات من الأصدقاء والزملاء حتى العدد المقبل بإذن الله٠


ثلاثة أفلام مصرية وآخر تونسي في دورة فانيسيا
الجديدة
فيلم إسرائيلي جديد عن حرب 1982 في لبنان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

The Road (US)

قراءة مسبقة لأفلام الدورة 66 من مهرجان فانيسيا السينمائي بعد اعلان كافّة الأفلام المشتركة صباح يوم أمس. في هذه الحلقة من حلقتين تركيز على الإشتراكات المصرية (ثلاثة) وتقديم للفيلم الإسرائيلي »لبنان« كما في الأفلام الأميركية المشاركة٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما لم تصب دورة مهرجان "كان" الماضية بعوارض مرض الأزمة الإقتصادية، فإن دورة مهرجان فانيسيا التي تحمل الرقم 66 تخلو أيضاً من تلك العوارض ولو أن هناك فيلمين -على الأقل- يتحدّثان عن الواقع الإقتصادي الأميركي الذي ربما عانى أكثر مما عانته الدول الأوروبية الغربية الى اليوم٠

Capitalism : A Love Story

الفيلم الأول هو »الرأسمالية: قصة حب« وهو الفيلم الوثائقي الجديد للمخرج مايكل مور. الثاني هو الروائي الجديد لستيفن سودربيرغ وعنوانه »المخبر«. في »الرأسمالية....« يدق المخرج المعروف إسفينا جديداً في سياسة الرئيس السابق جورج و. بوش وكيف آلت التركة الإقتصادية الصعبة الى عهد أوباما. سنرى مور لا يزال يحاول التسلل الى عرين المؤسسات الإقتصادية الضخمة وسنرى الأمن يرفضه، لكنه لا يستطيع أن يلجم رأي مور بما قامت به تلك المؤسسات فيطلق على ما قامت به من تحويل بلايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الى مؤسسات اقتصادية خاصّة عبارة: "أكبر سرقة في تاريخ الولايات المتحدة"٠

فيلم سودربيرغ يختلف، ليس لأنه فيلم روائي بل لأنه يمنح الأزمة طابعاً كوميدياً متحدّثاً عن الموظّف ويتماكر الذي يتاح له الإطلاع على خفايا المؤسسة الإقتصادية الكبيرة التي يعمل بها وكشف تلاعباتها بأموال المودعين فيتبرّع بمعلوماته للأف بي آي ويرضى أن يكون مخبرهم داخل المؤسسة، لكن حينما تتعقّد الأمور سنرى ويتماكر (كما يؤديه مات دامون) يفقد توازنه وتحالفاته تبدو غير واثقة وبنتيجة ذلك يبدأ الخلط بين ما هو واقعي وما هو خيالي في العمليات التي يرصدها٠

فيلم مور آيل الى مهرجان تورنتو بلا ريب، لكن من غير المؤكد بعد إذا ما كان فيلم سودربيرغ سيحذو حذوه. في الحالتين هما في عرض عالمي أوّل في فانيسيا في حشد أميركي كبير نجح رئيس المهرجان ماركو موللر في استقطابه ومترجم عبر سبعة عشر فيلماً مختلفاً٠
في المسابقة الرسمية ستة أفلام أميركية، اي بزيادة فيلم عن السنة الماضية. بعدها تأتي فرنسا وايطاليا بأربعة أفلام لكل منهما ثم المانيا والصين بفيلمين لكل منهما٠ ثم فيلم من كل من مصر والنمسا وسري لانكا واليابان واسرائيل مع فيلم غير معلن عنه الآن وسيكون »مفاجأة المهرجان« كما أعلن مولر
ولا وجود لفيلم بريطاني في هذه المسابقة هذه السنة (ولم يكن هناك فيلم بريطاني في مسابقة العام الماضي أيضاً) لكن أيضاً لا وجود لأفلام أسبانية، برتغالية، هولندية او اسكندنافية (نروج، سويد، دنمارك، فنلندا)٠
لكن هناك مخرجون من هويات أخرى يقدّمون أفلامهم بهويات مختلفة. ذكرت هنا قبل أيام قليلة أن فيلما
Mr. Nobody جديداً للمخرج البلجيكي جاكو فان دورمل بعنوان
لابد آيل الى مهرجان رئيسي في هذا النصف الثاني من العام، وهو بالفعل آل الى رزمة فانيسيا داخل المسابقة، لكن ليس بإسم بلجيكا بل بإسم فرنسا علماً بأن جزءاً من التمويل جاء من بلجيكا وكندا- على الأقل، لابد لي من الملاحظة، أفضل ذكر إسم بلد كمصدر عوض ما يفعله "كان" من لفلفة لا معنى لها٠
والمخرج الألماني ڤرنر هرتزوغ يعرض فيلمه الجديد »ملازم سيء: مرفأ نيو أورليانز« تحت علم أميركي وذلك لأن الإنتاج من شركة ادوارد ر. برسمان الأميركية ٠ هذا الفيلم تم الإعلان عنه في "كان" السنة الماضية وهو ذاته الفيلم الذي قام المخرج آبل فيريرا بتحقيق قبل سبعة عشر سنة مع هارڤي كايتل في البطولة لاعباً شخصية ليوتاننت في شرطة نيويورك يقوم بكل الموبقات والمخالفات٠ آمل أن يكون الفيلم أفضل قليلاً من نسخة فيريرا علماً بأن السيناريو جديد علي أي حال وربما الأحداث، حسب العنوان، تنتقل من نيويورك الى نيو أورليانز

A Single Man الأفلام الأميركية الأخرى هي »عازب«٠
إخراج أول مرّة من ممثل ظهر في فيلم واحد من قبل لاعباً دور خيّاط في فيلم »كم العزاء« لمارك فورستر (آخر بوند) أسمه توم فورد ويعرض هنا دراما حول بروفسور (كولين فيرث) يحاول مواصلة طريقه في الحياة بعدما خسر المرأة التي أحب. في الفيلم البديعة جوليان مور أيضا٠
الفيلم الأميركي الثالث في المسابقة هو »الطريق« لجون هيلكوت وهذا من بطولة تشارليز ثيرون وفيغو مورتنسن وغاي بيرس وروبرت دوڤال وهو فيلم مستقبلي، إنما بنبرة قد تكون درامية أكثر منها خيال علمية، حول عائلة تحاول البقاء على قيد الحياة بعد دمار العالم٠
أيضاً »الحياة خلال زمن الحرب« كوميديا للمخرج المستقل تود سولونتز عن وضع العالم وحروبه المتتعددة مطروحاً في الأحاديث التي تتبادلها شخصيات الفيلم مع سياران هيتد، آلي شيدي وشارلوت رامبلينغ من بين آخرين٠

المخرج أحمد ماهر
الأفلام المصرية
هذه المرّة هناك ثلاثة أفلام مصرية واحد في المسابقة والآخران خارجها. إنها مفاجأة طيّبة ولابد أنها ستترك أثراً إيجابياً على تلك الرغبات المدفونة حالياً تحت غبار التجاهل، رغبات السينمائيين في مصر في نبذ ما استطاع من أفلام لا تتقدم بمسيرة الإنسان وتشجيع السينما المشغولة بطموحات وتبعاً لآفاق تتجاوز الحدود٠
طبعاً فيلم المسابقة هو »المسافر« لأحمد ماهر. فيلم عبر ثلاثة أزمنة (1948, 1973 و2001) وثلاثة أماكن (بورسعيد، الإسكندرية والقاهرة) ولا يخفي اختيار المخرج لتلك الأماكن ولا -أساساً- لتلك السنوات: النكبة الفلسطينية وحرب اكتوبر ثم العملية الإرهابية في نيويورك وما آلت إليه. وهو الإنتاج الأول لوزارة الثقافة لكن الفضل في لفت النظر اليه، كما يقول المخرج في حديث له في »الشروق" المصرية يعود الى الناقد ورئيس الرقابة علي أبو شادي الذي قرأ السيناريو وأعجب به٠
الفيلم الثاني هو »أحكي يا شهرزاد« للمخرج يسري نصر الله وهو الفيلم الذي وجد آراءاً متناقضة حوله، ثم هناك »»واحد صفر« لكاملة أبو ذكرى المخرجة التي تصر، من حسن الحظ، على أنجاز أفلام مختلفة آمل أن يكون هذا واحداً منها٠
هناك فيلم تونسي بعنوان »اسرار مدفونة« لرجا عماري وهو، مثل فيلم كاملة أبو ذكرى معروض في قسم »آفاق« المائل الى الشبابية٠
لا شيء من لبنان، لكن هناك فيلم اسرائيلي يحمل إسم لبنان سبق لهذه المجلة أن ذكرته في تقرير عن الأفلام الاسرائيلية التي يتم تصويرها، وكان مفترضاً به دخول مهرجان برلين في مطلع هذه السنة: هل عرضه المخرج سامويل مواز على برلين ورفضه؟ على كان ورفضه وقبل به فانيسيا؟ أم أن الإنتاج تأخر ولم يلحق لا ببرلين ولا بكان ؟

Lebanon

مهما يكن فإن اختيار الفيلم لمسابقة فانيسيا هو فوز مشهود لمخرجه كونه أول فيلم يحققه. مثل فيلمين اسرائيليين خرجا على التوالي هما »بيوفورت« (2007) و»الرقص مع بشير« (2008) هذا فيلم ثالث عن الحرب اللبنانية- الإسرائيلية. الأول بقي على الحدود والثاني تمحور حول مذبحة صبرا وشاتيلا أما هذا الفيلم فيدور حول التوغّل الإسرائيلي في لبنان في العام 1982 (زمن »الرقص مع بشير«) من خلال قصّة أربعة جنود اسرائيليين في دبّابتهم التي تتعرّض للهجوم وكيف أن الكتائب اللبنانية (هي ذاتها التي يقف خطيبها في البرلمان ليقول إنه لا يمانع مصافحة اسرائيل) تهب لنجدتها. الفيلم يتحدّث عن جنود الدبّابة كضحايا الحرب لكن لا علم لي الآن ما إذا كان الفيلم ضد تلك الحرب او يتحدّث عن البطولة والواجب كما فعل قبله »بيوفورت«.. مثل آري فولمان، مخرج »الرقص مع بشير« خدم المخرج مواز في الجيش الإسرائيلي وكان من جنود احتلال بيروت حينها٠

المحوَر
صور وأحلام وذكريات معذّبة في سينما إنغمار برمغَن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا



حين سمعت بإنغمار برغمَن لأول مرة جاء الإسم مقروناً‮ ‬بكلمتين‮: ‬فنان صعب‮٠ ‬والفيلم الأول الذي‮ ‬شاهدته له،‮ ‬وهو‮ »‬عاطفة آنا‮« (1968) ‬مع الأربعة الذين شكّل برغمَن جزءاً من تاريخهم عبر الإستعانة بهم مرارا وتكراراً: ليڤ أولمن وبيبي أندرسن وإرلاند جوزفسون وماكس ڤون سيدو.‮ ‬لم أفهم ما‮ ‬ كان يدور وقتها جيّداً‮. لكن الفيلم كان غامضاً لي آنذاك وما ‬ توصّلت إليه من رأي لم‮ ‬يكن مقنعاً‮. ‬ ولم تكن الإجابات متوفّرة عندي حيال المواضيع المطروحة ولا حيال الوسائل المطروحة عبرها٠
لاحقاً ما يتعلّم المرء استخدام مفتاحه الخاص لفك افلام برغمن، خصوصاً الأولى. ليس لأنها لغزية ومستعصية، بل لأن الناظر إليها (للمرّة الأولى) سيواجه بسرد منفرد في نوعه ومختلف تماماً عن أي سرد آخر. ولأن الإنتقال الدائم بين عوالمه المختلفة (أماكن وأزمنة كما حالات وأوضاع ذهنية) لا يتم بتنازلات من أي نوع، بل يتطلّب أن تمعن وتفسّر مستنتجاً من قوّة الصورة واسلوب التواصل المفروض عليك مشاهداً٠

في‮ ‬تقسيم أفلامه الى ما هو سينمائي‮ ‬وما هو تلفزيوني‮ (‬ثم بين ما هو روائي‮ ‬وبين ما هو وثائقي‮ ‬او‮ ‬غير روائي‮) ‬تتبدّى‮ ‬أعمال برغمَن مثل جزر صغيرة داخل بحر بعيد‮. ‬إنها منفصلة من حيث النوع،‮ ‬متّصلة من حيث تلك النفسُ‮ ‬التي‮ ‬أخرجتها ومنحتها الفكر والرؤى‮. ‬آخر فيلم سينمائي‮ ‬قام بتحقيقه‮ (‬أي‮ ‬خصيصاً‮ ‬للسينما‮) ‬كان‮ »‬فاني‮ ‬وألكسندرا‮« ‬سنة‮ ‬1982
قمت بإحصاء‮ ‬غير معتمد على مسلّمات الإنترنت ووجدت أن برغمَن أخرج تحديداً‮ ‬37‮ ‬فيلماً‮ ‬سينمائياً‮ ‬بدءاً‮ ‬من‮ »‬أزمة‮« ‬سنة‮ ‬1946 ‮ ‬وإثنا عشر فيلماً‮ ‬للتلفزيون بدءاً‮ ‬من العام‮ ‬1957‮ ‬حين أخرج عملاً‮ ‬عنوانه‮ »‬السيد سليمان آت‮«‬
Mr. Sleeman is Coming
وحقق إحدى عشر فيلماً‮ ‬وثائقياً‮ ‬أوّلها‮ »‬وثيقة فارو‮« ‬سنة‮ ‬1969‮ ‬وأخرج فيلمين وثائقيين قصيرين أوّلهما‮ »‬وجه كارين‮« ‬وكارين هو أسم والدته وذلك سنة‮ ‬1984‮ ‬أي‮ ‬بعد تسع سنوات على رائعة‮ ‬أندريه تاركوفسكي‮ »‬المرآة‮« ‬التي‮ ‬تذكّر فيها وجه أمّه أيضاً‮٠ ‬كذلك كان له اشتراك مع نحو عشرة مخرجين آخرين في‮ ‬فيلم‮ ‬
Stimulantia
سنة‮ ‬1967 ‮ ‬ومن بين الذين أخرجوا الأجزاء الأخرى‮ ‬يورن دونر،‮ ‬وهو سينمائي‮ ‬متأثر ببرغمن،‮ ‬وأرلاند جوزفسون،‮ ‬وهو ممثل في‮ ‬العديد من أفلامه وفيغوت سيومان الذي‮ ‬قام بعد ذلك بتحقيق فيلم وثائقي‮ ‬عن برغمَن وهو فيلم نيّر‮ (‬ووحيد من نوعه‮) ‬يعمد الى تسجيل قيام مراحل عمل برغمن على أفلامه من الكتابة الى المونتاج وعنوانه
‮»‬إنغمار برغمن‮ ‬يصنع فيلما‮«. ‬وعدد الأفلام التي‮ ‬مثّلها ثلاثة عشر فيلماً‮ ‬اما تلك التي‮ ‬كتبها‮ (‬لغيره او لسواه‮) ‬فتبلغ‮ ‬68‮ ‬فيلماً‮٠‬
مثّل المخرج الراحل إنغمار برغمن الجنوح للأقصى في عملية البحث عن القضايا النفسية المغلقة في باطن شخصياته. ولم يكن ذلك بعمليات تصويرية معقّدة. لم يكن لديه رغبة في تحويل الكاميرا الى شكل قائم بذاته يعيق حركة الشخصيات ويقطع دابر التواصل بين المشاهد وبين ما يقع على الشاشة. بل جعلها عيناً راصدة، متابعة، متأمّلة ما زاد صعوبة استيعاب المعنى الماثل من وراء حركتها المحسوبة، ناهيك عن الصعوبة في تفسير التداعيات الفكرية وقد حوّلها المخرج الى بصريات تنتقل ما بين الخيال والواقع واليوم والأمس من دون حواجز او تمهيدات
الوسيلة كانت بسيطة. اللقطات واضحة. لكن الربط بين ما يقع في هذه اللحظة وبين ما يقع في اللحظة التالية لم يكن بالسهولة والبساطة ذاتها في تلك الأيام، ولا زالت تحدّياً بالنسبة لمن لم يشاهد أعماله بعد. واحد من الأمثلة في هذا المجال نراه في فيلمه الرائع »برسونا« (1966) من حيث ما يقع في تلك اللحظة واللحظة التي داخلها: بيبي أندرسون تتحدّث عن حكاية بدت ممتعة صالحة للترفيه حول ذكرياتها الشابّة على شاطيء البحر، لكن فجأة ما نجد أنفسنا نتّجه معها الى شكل الإعتراف، والى تحوّل الخفّة وانضوائها الى غموض وألم الذاكرة. الكاميرا هنا تترك بيبي أندرسن تتكلّم وتتعلّق بوجه مستمعتها ليڤ أولمان التي تتابع الإعترافات بصمت مطبق٠ لماذا؟ ما الذي في عمق تلك الذكرى/ النفس ما ينقل صاحبتها من حال الى آخر؟
في فيلمه الأسبق »الصمت« (1963) الحكاية مختلفة. النتائج متشابهة: شقيقتان سويديّتان أكبرهما سناً هي إيستر (إنغريد ثولين) الأخرى أسمها آنا (غونل لندبلوم) التي تصحب معها إبنها الصغير٠ يصل الثلاثة الى بلد غير محدد. لا يفهمان لغته (لكنه بلد أوروبي). تلازم ايستر حجرة العائلة في ذلك الفندق شبه المهجور، بينما تذهب آنا الى السينما وحين تعود، بعد مشاهدة شاب وفتاة يمارسان الحب في قاعة السينما، تجلب معها رجلاً لتمارس الحب معه. عمل يثير امتعاض شقيقتها إيستر... لكن ليس مطلقاً من زاوية أخلاقية. إيستر تحب آنا حباً مثلياً مكبوتاً٠
سيجد الباحث أن كلا الفيلمين المذكورين يتعاملان وقدر من العلاقات العاطفية بين إناثهما. في الأول، هي تلك اللقطات الصامتة لتقارب مزدوج المعنى. في »الصمت« يذهب التعامل الى حد الصراحة اللفظية٠ لكن ما يستوجب التوقّف عنده قبل الإسترسال وإلقاء الأسئلة أمر بالغ الأهمية قد يقلب المتوقّع من المفاهيم رأساً على عقب (وهذا المتوقّع هو الذي ساد في تفسير معظم النقاد الذين أدلوا بدلوهم في عملية فهم برغمن وأعماله)٠


نوع من الحلم

أعمال برغمن المختلفة التي أنجزها للسينما قلّما دارت عن مجموعة كبيرة من النساء. غالباً ما هناك إمرأتين أساسّيتين في الفيلم: الأمر كذلك في »الصمت« وفي »برسونا« وفي »وجه لوجه« و»سوناتا الخريف« و»الفريز البري« و»ساعة الذئب« و»العار« و»عاطفة آنا« و»اللمسة« الخ...
الإستثناء الكبير كان »صرخات وهمسات« (1972) حيث اقتبس المخرج الفيلم من مسرحية (كتبها لارس أو كارلبيرغ) واحتوت على أربعة شخصيات نسائية أساسية (قمن بها هاريت أندرسون، كاري سيلفن، إنغريد ثولين وليڤ أولمان) و»فاني ألكسندر« (1982) مع عدد كبير من الممثلات (والممثلين)، لكن حينها، كان برغمن قد بدأ يوسّع من إطار حكاياته خارجاً عن النطاق المحدود من الشخصيات التي كان يعمل عليها سابقاً وحتى خلال العقد الذي قدّم فيه »صرخات وهمسات«٠
حقيقة أن العديد من أفلامه تحمل ممثلتين رئيسيّتين تحتلان الشاشة متساويين وتتبادلان مواجهات نفسية وعاطفية عميقة يدفع بالناقد الممعن للتشكيك في أن الرغبة هي فعلاً الحديث عن قصّة فيها إمرأتين. لم لا يكون الأمر أن المخرج إنما يسرد قصّة فيها إمرأة واحدة وشخصيّتها الأخرى٠
هناك أكثر من إيحاء في فيلم »برسونا« على أن ألما الممرّضة (بيبي أندرسون) هي الإمتداد النفسي للممثلة إليزابث (ليڤ أولمان) التي فجأة ما آثرت الصمت وتطلّب الأمر الى توجههما الى منزل منعزل على البحر لفترة استجمام على أمل أن يحسّن ذلك من صحّة اليزابث النفسية٠ ما تسرده الممرضة دائماً ما يبدو كما لو أنه يحدث صدى في ذات المرأة الصامتة. وبل نرى في أحد المشاهد كلاهما وقد أصبحا شخصاً واحداً في نوع من الحلم. حتى حينما تعودان من المنتجع الى المستشفى... ليس هناك أي تأكيد أنهما خرجا من ذلك المستشفى على أي حال. ربما كل شيء هو في عقل اليزابث الباطني٠
كذلك يمكن النظر الى آنا وايستر... واحدة منطلقة في علاقات متحررة والأخرى كابتة عواطفها الى حد بعيد. كل منهما تواجه الأخرى من موقف مضاد. الحوار بينهما (في بلد لا يفهمان لغته) يؤكد هذا التضاد من جهة ويرسم صورة، ولو كلامية تتحوّل فيما بعد الى تعبيرية، لإمرأة تتبادل الحديث ونفسها٠

شريط

لقد عُرف عن برغمن إنه كان يمضي وقتاً طويلاً وهو يفكّر في عمله المقبل (أسابيع وأشهر او حتى سنوات وكثيرا ما كتب وهجر ما كتب ثم عاد إليه) وهو اتبع بعد ذلك الطريق الذي يتّبعه كل من يريد التأكد من أن ما في باله هو الذي سيصل الى الشاشة بطريقته هو. وأوّل خطوة في هذا الصدد هو أن يكتب السيناريو بنفسه. وهو كان في البداية شديد الحرص على إيصال رؤيته الى حد أن كل التفاصيل التي في باله عليها أن تُنفّذ كما يريد بما في ذلك الطريقة التي على الممثل او الممثلة نطق الكلمة وتحريك اليد او نوع النظرة٠ لكن لاحقاً ما أخذ يمنح ممثليه حريّة أكبر٠ إنها الفترة التي سبقت بأعوام قليلة الفترة التي بدأ فيها يفكّر بالتنوّع: الفيلم الملوّن، عوض الأبيض والأسود. الفيلم ذي اللغة الإنكليزية مع ممثلين أميركيين (ولو أنه كان أوّل المنتقدين لها)، الفيلم الأكبر إنتاجاً والأوسع دائرة أحداث مما كان يقدم عليه سابقاً. هذه كانت بمثابة خطوات إضافية قسّمت معجبيه بين من وجدها ضرورية ونوع من التطوير وبين من وجدها ابتعاد عن صرح أعماله السابقة٠
لكن بعض تلك المفاتيح الخاصّة التي في أفلامه السابقة إذا ما شوهدت اليوم لا تحمل ذات الغموض، على كثرة ما شاهدناه من أعماله، لكنها لا زالت بارعة٠
هناك ذلك المشهد في فيلم »الفريز البرّي« (1957) حيث بطل الفيلم د. اسحاق (قام به ڤكتور سيوستورم الذي كان بدوره مخرجاً) رجلاً ودّع سنوات الشباب وقرر العودة الى البيت الذي ترعرع فيه. وحيداً، نراه يقترب من أشجار الفريز (الفراولة) ويرى الفتاة التي كان يحبّها وهي تجمع الثمار في سلّة. يرى الشاب الذي كان يحبّها وقد اقترب منها ليساعدها (وفي الأساس لكي يستغل الفرصة ويصاحبها). بعد ذلك، د. اسحاق جالس حيث كانت هي وشريط الذكريات لا يزال يتواصل ولاحقاً ما نراه، شاباً، داخل المنزل ذاته٠
حين مشاهدة الفيلم اليوم، من السهل إدراك أن الشاب الذي كان يغازل الفتاة هو إسحاق نفسه وأن العجوز إنما يتذكّر ونحن نشاهد ما في باله. لكن آنذاك، كان الوقع غريباً. ليس أن المشاهدين لم يتبيّنوا ما نتبيّنه اليوم، لكنهم كانوا أقل استعداداً لمشاهدة تركيب بسيط في التقنية وعميق في الدلالة في فيلم دخل من تلك التي اعتبرت أنها وُلدت كبيرة حينذاك وبقيت على هذا الوضع الى اليوم

حسب مذكراته الشخصية المنشورة سنة 1988 تحت عنوان معبّر هو »المصباح السحري« وقع إنغمَر برغمَن في حب الفن منذ أن دخل المسرح لأول مرّة حين كان في الخامسة من عمره. كتب: "من حينه، عشت عالماً خياليا من صنعي لازمني ولم أحد عنه او أفكر في صدّه"٠

وُلد في 1918 في مدينة أوسالا، في السويد. والده كان راعي أبرشيه لوثرنية قبل أن يُصبح قسيساً للعائلة الملكية. الصبي برغمن نشأ في بيت محافظ ومتشدد فيما يتعلّق بالمناهج والتعاليم الدينية- لا عجب أن أفلام المخرج طرحت مفاهيم دينية مناوئة تكشف عن قدر ملحوظ من التمرّد على المسلّمات. الى الدين والأخلاقيات (أين الصواب وأين الخطأ في السكوك الإنساني؟) طرحت أفلام المخرج قضايا شائكة تتعلّق بدواخل النفس البشرية وما يدور فيها وبالسير على حافة ضيّقة بين الحياة والموت. لجانب معالجتها قضايا وحدة الفرد في أعماقه هرباً من المواجهة او خوفاً من كشف مستور أخفته لكنها لا تستطيع أن تنساه
تخرّج برغمَن من الجامعة في ستوكهولم سنة 1940 وبعد عام واحد عمل كمخرج مساعد في مسارح المدينة، ثم أخذ يعمل مستشاراً للسيناريوهات. في العام 1944 كتب: عذاب
Hets/Torment
Alf Sjoberg الذي أخرجه ألف سيوبيرغ
وكان أحد مشاهير السينما السويدية الى الستينات او نحوها. بعد عامين أخرج برغمَن : أزمة
Kris/ Crisis
‬وكان ذلك تمهيداً لعدّة أفلام كتابة أحياناً وإخراجاً وكتابة أحياناً أخرى، لكن لا شيء كان مميّزا من بينها لحين تحقيقه
fängelse/ The Devil's Wanton/ خليع الشيطان
وفيه حكي قصّة مخرج سينمائي بأزمة وجودية مع بعض أصدقائه إثر إنتحار صديقته العاهرة، تقترح ما كان أستاذ الحساب قاله له من قبل وهو أن الأرض هي الجحيم فعلاً.
في الخسمينات تبلورت المعالم الأولى لأسلوب برغمَن البصري والتنفيذي العام. كانت أفلامه آنذاك في خوض التجريب واستبدال بعض ما يُطرح في واحد من أفلامه بآخر ولو في حدود التفاصيل. هذه الأفلام كانت »الصيف مع مونيكا« و»ثلاثة قصص غريبة« و»نشارة الخشب والبهرجة«.
رغم أن بعض هذه الأفلام عُرض خارج السويد، الا أن برغمَن كان على موعد مع شروق شمسه في النصف الثاني من الخمسينات عندما أكمل ضبط شؤون وتفاصيل عالمه وأطلق »الختم السابع« و»الفريز البري« وكلاهما سنة ١٩٥٧
وما أن حلّت الستينات حتى كان إنغمَار برغمَن سطا على إهتمام المجتمع السينمائي الدولي بأسره عبر سلسلة لا تٌنسى من الأفلام مثل »الصمت« و»برسونا« و»ساعة الذئب« و»عار« الخ
في السبعينات استمرّت أفلامه تؤكد خامته الذكية وموهبته الفذّة في التعامل مع الذات البشرية: »اللمسة«، »صرخات وهمسات«، »وجهاً لوجه«، »سوناتا الخريف« وسواها
في الثمانينات خف زخمه السينمائي في مقابل إنشغاله المسرحي والتلفزيوني. لكن ذلك لم يمنعه من إنجاز »فاني وإلكسندرا« (١٩٨٢) كواحد من أفضل أعماله قاطبة. في التسعينات خف الزخم أكثر والواحد يجب أن يذكر أنه بوجود جيل جديد من النقاد واختلاف الحياة الثقافية عما كانت عليه من قبل فإن إنجاز برغمَن (نحو ٠٥ فيلم ) حتى ولو كان لافتا وجيّداً لم يستقبل في النصف الثاني من الثمانينات وما بعد، بنفس الحرارة والحفاوة السابقتين. في العام ٢٠٠٣ أنجز لحساب التلفزيون فيلماً رائعاً عُرض سينمائيا أيضاً إنما بنسخة مختصرة هو »ساراباند«، لكنه أستقبل من النقاد الغربيية بفتور عام، مع استثناءات، علماً بأن ما حاكه المخرج فيه أسلوبياً وكمشاغل فكرية، هو ذاته الذي حاك به أفضل أعماله السابقة

أفلام

أول فيلم شاهدته لبرغمَن كان »عاطفة آنا« في بيروت سنة 1970 والثاني كان »صرخات وهمسات« بعد عامين والثالث »اللمسة« الذي سبق »صرخات وهمسات« بعام لكني لا أذكر لماذا شوهد لاحقاً. »عاطفة آنا« و»صرخات وهمسات« شوهدا أكثر من مرّة (الأول مرّتين الثاني ثلاث مرات). أما »اللمسة« فلم تتح لي مشاهدته مرّة ثانية مطلقاً ولا أعتقد إنه متوفّر على أسطوانات، لكن ملاحظاتي عنه ومقالتي المنشورة في صحيفة »المحرر« آنذاك تفي استخلاص الرأي فيه بعد كل هذه السنوات. هذا على عكس »وجه لوجه« الذي لم أجد مقالتي عنه ولم تفدني كثيراً تلك الأسطر القليلة التي وضعتها بعض تي له ما منعني من العودة اليه هنا فاستبعدته من هذا السجل٠
أفلام أخرى ليست مذكورة هنا وبعضها بالغ الأهمية بالنسبة لدارسي برغمن. لم أشاهد مثلاً »من خلال منظار داكن« ولا »الساحر« من قبله او »حافّة الحياة« سنة 1958 رغم أني شاهدت أفلاماً سابقة لذلك الفيلم بفضل عروض »معهد الفيلم البريطاني« وموسم لأفلامه على شاشة صالة متخصصة لا علم لي إذا ما كانت لا تزال موجودة تكمن ناحية ترافيلغر سكواير٠
معظم أفلام برغمن من العام 1962 شوهدت وإن لم يكن حسب تعاقب انتاجها (فيلمه البديع »فريز بري« شاهدته قبل ثلاثة أشهر لأول مرّة)٠
تتألّف هذه البانوراما من ثمانية عشر فيلماً أكثر من كافية لتقديم برغمَن لمن يرغب علماً بأن أفضل تقديم هو سعي القاريء لمشاهدة أي منها٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1955: Smiles of a Summer Night *** | إبتسامات ليلة صيف

ملخص: فردريك (غونار بيورنشتراند) محام ناجح يصطحب زوجته الشابّة آن (أولا جاكوبسون) الى مسرحية تقوم ببطولتها عشيقته السابقة (ايڤا دولبك). فردريك كان تزوّج من آن مباشرة بعد وفاة زوجته، لكنه الى الآن لم يقم علاقة معها كما سيكشف الفيلم، لكنه مستعد لإعادة مجرى العلاقة مع عشيقته لولا أن الأمور ليست على سابق عهدها٠

تقييم: يسبر برغمن غور شخصياته متّخذاً إياها سبيله للتعليق الإجتماعي الناقد وللسخرية الكوميدية (في بعض المشاهد) من شخصياته: إنها لا يمكن أن تكون سويّة (خصوصاً تلك الرجالية) حين تكيل بمعيارين لتسمح لنفسها ما تمنعه عن الآخرين. والممثلة تريده (ما يدفعك للتساؤل عن السبب في رغبتها هذه، وهو سبب يتركه المخرج غير معلوم) لنفسها لكن ليس من قبل مصارحته بما كان يجهله حين افترقا٠ مفهوم الحب والخيانة وكشف الماضي من خلال تلك المواقف الصدامية تشكّل معالجة المخرج المفضّلة هنا وفي أعماله السابقة. إدارة شبه مسرحية للمشاهد (بالأبيض والأسود) واتكال شديد على الحوار. رغم أن الحوار هنا ليس ثرثرة الا أنه يقحم الفيلم في زاوية تاريخية تبدو عتيقة اليوم٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1957: The Seventh Seal *** | الختم السابع


ملخص: يعود المحارب أنطونيوس (ماكس ڤون سيدو) الى بلدته السويدية بعد تمضيته عشر سنوات مشتركا في الحملة الصليبية مع خادمه (غونار بيورنشتراند). إنه ينشد الحياة التي ألفها سابقاً ليكتشف أنها تبدّلت: التطرّف الديني سائد والطاعون يبيد البشر. إيمان المحارب بربّه يتعرّض للشك وحين يظهر له ملك الموت يمستمهله عارضاً عليه لعبة شطرنج قبل أن يرحل يقررا التجوال في البلاد للإجابة على تساؤلات انطونيوس٠

تقييم: اقتبس برغمن الفيلم من مسرحية كان كتبها وقدّمها قبل سنوات. هذه المرّة لا يحمل الفيلم جذوراً من الفن الآخر الا بمقدار ما هو تلقائي الحدوث. الحوار المكثّف المختزن للكثير من الرمزيات بالغ الأهمية والمواقف كذلك وطريقة تصويرها (مدير التصوير غونار فيشر الذي تعاون مع برغمن قبل أن ينتقل المخرج بأفلامه الى سڤن نكڤست) إنها مواجهة بين الحياة والموت وبين بطل الفيلم ونفسه المتسائلة عن معنى الوجود إذا ما كان الألم ملازم للحياة٠ إنه ليس فيلماً تاريخياً بل دراما وجودية ميتافيزيقية كاسرة للتقليد في قالب من الأفلام التي تستثمر رحلة طريق لطرح اسئلة بعضها يبقى بلا إجابات ولعرض مجموعة من الإكتشافات الذاتية لدى القائمين بتلك الرحلة٠الفيلم معروف عنه أنه معاد لفكرة وجود الله (سبحانه وتعالى) لكن برغمَن لم يندفع في تبن ذلك من عدمه (هناك شخصية مؤمنة غير متطرّفة يعرضها المخرج علينا بإضاءة إيجابية). الفيلم مناسب بالأبيض والأسود لموضوعه القاتم ولتاريخ أحداثه (لكن برغمَن صوّر أفلاماً حديثة بالأبيض والأسود أيضاً وكانت جميلة). وهناك إيحاء بمعاداة الحرب عبر وضع الأحداث في الفترة الصليبية بالتوازي مع كتابة الفيلم وإنتاجه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1957: Wild Strawberry **** | فريز (فراولة) بريّة


ملخص: بورغ (ڤكتور سيوستروم) طبيب يحتفي بمنحه الدكتوراه الشرفية في يوم افتتاح أحداث الفيلم. إنه اليوم الذي يقرر فيه ترك المدينة الى بيت ريفي نشأ فيه. تتبرّع زوجة إبنه ماريان (إنغريد ثولين) بقيادته الى هناك. حين الوصول، بعد محطّات، تتداخل الأزمنة في بال بورغ ويستعيد بعض ماضيه صوراً وحواراً٠

تقييم: لا يزال الفيلم أحد أرق الأفلام التي أخرجها برغمن الى اليوم وناضح بكل الأفكار التي عرفتها سينماه منذ تلك الفترة والى نهاية عصره الذهبي مع مطلع السبعينات. الطريقة التي يدلف بها بطله العجوز من اليوم الى الأمس رائعة. فلاشباك من دون التمهيد والتقطيع التقليديين. بورغ يجلس في حرش قريب من البيت الذي يقصده وينظر بعيداً. تطلع له حبيبته الأولى. لقطة إليه، بورغ في شبابه. المشهد يفصح هنا عن بعض ما يقلق بال بورغ لذلك يتذكّره. ومنه يلج بورغ الى باقي ذكرياته وما تحمله، مرّة أخرى، من إرهاق نتيجة الشعور بالذنب حيال اختياراته تاركاً حبيبته تختار شقيقه عوضاً عنه. بعض مشاهد الفيلم هي أحلام رآها المخرج في مناماته وأغربها ساعة بلا عقارب كما لو أنها تعبير عن حياة فارغة تنتظر نهاية تماثلها. بعضها الاخر تداعيات من أحلام اليقظة، وأخرى هي مجرد ذكريات. كل ذلك بالإضافة الى الحدث الآني يتجانس في حياكة بارعة تحمل مستويات من العرض والتحليل كلها ممتعة وتؤدي، مثل غرف مفتوحة الأبواب، على بعضها البعض. الفيلم مميّز بسلاسته وأشكاله التعبيرية وعذوبة أداء بورغ مسنّا من قِبل ڤكتور سيوستروم، الذي سبق بيرغمَن للإخراج وأسس، لحد بعيد، السينما السويدية ذاتها. برغمَن سيكتب عن سيوستروم في كتابه اللاحق "حياتي في الأفلام" المنشور سنة
1994

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1962: Winter Light ***1/2 | ضوء شتوي

ملخص: الراهب (غونار بيورنشتراند) في الكنيسة الصغيرة في بلدة ما أمام حضور قليل لا يتجاوز خمسة أشخاص بينهم صيّاد (ماكس ڤون سيدو) وزوجته الحامل (غونل لندبلوم). عقب الصلاة يتقدّم الصيّاد الى الراهب يشكو له مخاوفه من الحرب النووية. لا يعرف الراهب كيف يجيب على ذلك والصياد ينتحر بعد قليل ما يشعل المزيد من الريبة التي كنّا تعرّفنا عليها في ذات الراهب والمتّصلة، بشدّة، حول إيمانه. الراهب في النهاية وحيد في عالم قليل الإيمان وصلاته في آخر الفيلم مسكونة بهواجسه وازدواجيّة اعتقاداته (بين الإيمان وعدمه) ويحضرها سكير ومعاق وعشيقة الراهب غير المؤمنة أصلاً٠

تقييم: يجمّد برغمن المشاهد أمام صوره ذات البساطة والقوّة. تصوير سڤن نكڤست الطبيعي (مقابل ما عُرف عن تصوير فيشر من صنعة) يمد الفيلم بوابل من الأبعاد البصرية الملائمة للمكان (بلدة صغيرة تبدو بلا حياة) والفترة الزمنية (شتاء قاس تنهمر فيه الثلوج) وللأبعاد (شكوك الراهب ودواخله المترددة). في ذلك كله صدى لفيلمه الأسبق »الختم السابع« (كلاهما يتناولان الدين والعنوان السويدي مستوحيان من الإنجيل) وكلاهما يضعان هذا المؤمن/ اللامؤمن بطل الفيلم أمام خطر كوارثي مطروح وواقعي (الطاعون في الفيلم الأول والخطر النووي في الثاني). إنه كما لو كانت الكوارث في شكل اوبئة او حروب هي مفتاح المخرج لطرح اسئلته الوجودية كونها تتعلّق بالموت والموت دائماً حاضر في كل فيلم من أفلام المخرج. الدارسون لسينما برغمن اعتبروا هذا الفيلم الثاني في ثلاثية الطرح الإيماني في سينما برغمن على أساس أن الأول هو »من خلال منظر سوداوي« (1961) والثالث هو »الصمت«، لكن حقيقة أن الموضوع طُرح سابقاً في »الختم السابع« يجعل القضية مفتوحة للنقاش. كالعادة الكثير مما يمكن قوله في علاقة الرجل والمرأة هنا، خصوصاً الراهب وعشيقته. هنا هي أقوى منه وأصلب ولو عبر عدم إيمانها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1963: The Silence *** | الصمت

ملخص: شقيقتان هما آنا (غونل لنبدبلوم) واستر (إنغريد ثولين) يقومان برحلة بالقطار ويصلان الى مدينة في بلد غير مُسمّى ومعهما إبن الأولى. ينزلان في فندق خال من الزبائن تقريباً. آنا إمرأة حسيّة تبحث عن الحب وشقيقتها مفكّرة ومثقّفة مُثلية ومريضة بداء صعب. في تلك الليلة تخرج آنا للبار القريب وتبقى إستر مع الصبي يوهان وذكرياتها وسعالها وزجاجة الخمر. اليوم التالي ترحل آنا وإبنها وتبقى إستر في تلك البلدة وبجانبها خادم يعمل في الفندق٠

تقييم: في مذكّراته كتب برغمن أنه سنوات قبل هذا الفيلم كتب سيناريو فيلم لم يتم تنفيذه دار حول لاعبي أكروبات يتعارفان بعدما خسر كل شريكه في السيرك. لكن ميتافيزيقية المدينة الغريبة التي قد تكون موجودة وقد لا تكون، مستوحاة من حلم: "كنت كثيراً ما أحلم بأني في مدينة غريبة متوجّهاً الى حي وضيع منها حيث كل شيء يمكن أن يحدث وكل شيء يحدث بالفعل. المزعج هو أنني في أحلامي لم أصل مرّة الى تلك المدينة. كان الحلم ينتهي وما زلت في طريقي اليها، او بدخولي حلماً آخر". الفيلم غريب بين كيانات المخرج الى حد بعيد. التعبير عن أزمة فردية وأخرى اجتماعية ربما ليس جديداً في أفلامه، لكن ما هو حسّي وموضوعي في المقدّمة (حكاية الشقيقين) مرمي على خلفية مدينة تشهد حركة عسكرية ما (كان المخرج في زيارة لأستونيا قبل كتابة هذا الفيلم لكن ربما برلين خلال الحرب كانت في البال أيضاً). الصمت، مرّة أخرى، مقصود به ما يفسّره المخرج بصمت الله عما يحدث. لكن المشكلة التي يواجهها هذا الإعتقاد في هذا الفيلم هو أن ما يحدث مشوّه في الأساس. ربما لو أن الفجيعة مجسّدة، دراميا وبصرياً، على نحو أكثر تماسّاً مع هموم المشاهد والزمن، لكان المغزى معبّراً ولو من وجهة نظر المخرج أكثر من سواه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1966: Persona ***** | برسونا


ملخص: الممثلة اليزابث (ليف أولمَن) تنهار خلال عرض مسرحي (لـ "أوديب ملكاً") وتلجأ الى صمت مطبق. يتم نقلها الى مستشفى للعلاج وتقترح ممرّضة أسمها ألما (بيبي أندرسن) أن ترعاها بصفة شخصية في بيتها على شاطيء خارج المدينة. هناك تمضي ألما الوقت في سرد ذكرياتها (وأوجاعها المستعادة) والكشف عن شخصيّتها المركّبة والعميقة ما ينتج عنه تنافر على مستوى نفسي وعاطفي٠

تقييم: التنافر الحاصل بين المرأتين ليس ذاته الذي قد نراه في دراما أخرى. ذلك لأن ما يفرزه تواجد اليزابث وألما في ذلك المنعزل الجميل على الشاطيء (الفيلم بالألوان هذه المرّة والتصوير لا يزال لنكڤست) ليس مجرد كشف الثانية عن تاريخها واستماع الأولى له واهتمامها به، بل شرائح من الإقتراحات تؤدي الى اسئلة لغزية لا إجابات محدّدة لها لأنه لو أجاب برغمَن عنها لانحسر سحر الفيلم وتقوقعت حكايته في معالجة حدثية. من جماليات الفيلم الفلسفية هو التداخل المقصود بين الواقع والخيال، وبين الشخصيّتين أيضاً ما يقترح أنهما واحد، وأن اليزابث -بعدما تم نقلها الى المستشفى- إنما تبتكر شخصية ألما لتعايشها كما لو كانت نصفها المخفي. حين يأتي الحديث على الجماليات البصرية نجد الفيلم يحلّق عالياً كواحد من أفضل أعمال برغمَن كشفاً عن مهارته في استخدام الكادر ومتى ينتقل من شخصية الى أخرى (ليس على غرار من يتحدّث ولا على غرار لقطة مقابل لقطة) كما عن مهارة نكڤست الرائعة في التصوير الشفافي وتوظيفه الإضاءة (طبيعية وداخلية) لتجسيد ما يورده الفيلم من طروحات٠ سبق لي أن نشرت في هذه المجلة، ثم في مجلة »فيلم ريدر« تحليلاً طويلاً عنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1968: Hour of the Wolf *** | ساعة الذئب

ملخص: يوهان (ماكس ڤون سيدو) متزوّج من ألما (ليڤ أولمن) ويعيشان في بيت صغير فوق جزيرة مهجورة. يوهان فنان يعاني من جنوحه صوب الجنون. إنه يفقد القدرة على ضبط خيالاته المخيفة الكاشفة عن شروره التي تعتمل في صدره. لا يستطيع كبح »الشيطان الصغير« في نفسه ويبدأ بالإعتقاد بأن أوهامه والوحوش التي تتراءى له إنما حقيقية

تقييم: اعتبره نقاد عديدون فيلم رعب أكثر منه دراما نفسية، وهو بالتأكيد له جذوراً في النوعين٠ في الباطن هو نوع من السرد لمرحلة تساؤلات جديدة طرحها برغمن على نفسه: حول زيجاته المتعاقبة وأولاده الذين لا يعرفهم جيّداً ونوعية فنّه وما يود قوله للناس. بعد »برسونا« أراد برغمن البحث عن مادّة جديدة وكان هذا الفيلم المناقض للفيلم السابق من حيث أن الصراع هنا ليس بين إمرأتين (حتى ولو كانتا تشكّلان إمرأة واحدة مقسومة الى إثنين) بل داخل شخص واحد. هذا ما يؤكّد أن برغمَن انتقل هنا الى البحث في ذاته: كلاهما (هو وبطله) فنان، كلاهما يعاني من أزمة وجدانية (او بالأحرى أزمات) وكلاهما يرى نفسه غير قادر على أن يسيطر على مقدّرات حياته جالباً لعلاقاته تبعات عاطفية وآلاماً. لكن في حين أن بطله ينتهي الى جنون كامل سيطر المخرج على جنوحه والا لما استطاع تحقيق هذا الفيلم، او أي فيلم لاحق. يلفت أيضاً أنه يوصم البرجوازية السويدية بملاحظاته السلبية. ينتقدها وثراءها ويحوّل القصر الذي تعيش فيه (في امتداد للقصّة المسردة هناك صاحب أراض يقيم حفلة يدعو اليها يوهان وزوجته وتتحوّل الى منبع شر مع شخصيات دراكولية وذئاب بشرية) الى إدانة لمجتمع أكبر٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1968: Shame *** | عار

ملخص: السيد والسيدة روزنبرغ (ڤان سيدو وأولمَن) يعيشان فوق جزيرة. عازفان موسيقيان يرعيان حقلاً صغيراً ملحقاً بمنزلهما . الحياة هادئة والسعادة متوفّرة ولو نسبية. هناك حرب قائمة والحرب تصل الى الجزيرة ويُلقى القبض عليهما ويُساقان الى التحقيق. قائد قوّات المقاومة، وأسمه جاكوبي (غونار بيورنشتراند) يطلب من الزوجة ممارسة الحب معه لكي يخلي سبيلهما. بعد إطلاق سراحهما يعلم الزوج بخيانة زوجته وحين تلقي القوّات الغازية القبض عليهما تطلب منه قتل جاكوبي لقاء تخلية سبيلهما فيفعل. مواجهة رزينة بين الإثنين تقودهما الى قرار مغادرة الجزيرة في قارب٠

تقييم: اختيار المخرج إسم روزنبرغ أسم عائلة بطليه قد يُفسّر، مبدئياً، على نحو محاولة المخرج (الذي مثل شخصياته الأخرى محمّل بالشعور بالذنب) للتبرّع بموقف متعاطف مع اليهود (رغم أن الفيلم لا يصفهما مباشرة هكذا) بعدما كانت انتباته، خلال أواخر الثلاثينات ومطلع الحرب العالمية الثانية، مشاعر تأييد للنازية. لكن حتى ولو كان ذلك صحيحاً، فإن حقيقة اختياره إسم جاكوبي لشخصية لا يمكن الشعور بالتعاطف معها، وحقيقة أن رسالة الفيلم المعادية للحرب هي الأطغى، يمنح المشاهد القدرة على تجاوز هذا الوضع إذا ما كان حقيقياً. إنه فيلم قوي في نبرته السياسية المعادية للحرب حتى من دون مشاهد حربية تاركاً للمشاهد تكوين رأيه وتحت تأثير المضمون المتراءى له. على أن الفيلم له وجهين: الوجه الأول حول ما يقع لآل روزنبرغ من محنة، والثاني لما يقع لهما بعد انحسار الحرب. المحنة الأولى تدهمهما وهما على قناعة بأن اللا-موقف من الحرب هو الموقف الصحيح (وهذا داء بشري منتشر في أركان العالم الأربعة اليوم أكثر مما مضى) لذلك بعض ما يقع لهما يبدو كما لو كان رغبة المخرج في إدانتهما (وسواهما في الصالة) لهذه اللامبالاة. المحنة الثانية تقع حين يعودان الى حياتهما »الطبيعية« فإذا بها لم تعد طبيعية على الإطلاق. ينفجر الوضع بعد مشهد نراهما فيه يعملان في الحقل صامتين. كل محمّل بتبعات ما قام به (الخيانة، القتل)٠ الحرب الفييتنامية كانت دائرة حين أنجز هذا الفيلم لكن برغمن لم يسمّها ولم يعرّفنا بأي من المتحاربين لكي يضمن شمولية الرسالة. في مذكراته يُبدي إعجاباً أقل بالمحنة الأولى (الحرب الأكبر) وإعجاباً أكبر بالمحنة الثانية (الحرب الصامتة بين الزوجين) وهذا مفهوم بسبب تفضيله العمل على الثيَم الصغيرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1968: Passion of Anna **** | عاطفة آنا


ملخص: أربع شخصيات فوق جزيرة (جزيرة فارو التي كان للمخرج فيها منزلاً) يعيشون حالات عاطفية متباينة. أحد هذه الشخصيات هو أندرياس (سيدو) الذي تركته زوجته وجارته التي تعرج آنا (أولمن) آنا التي تدّعي أن زوجها تركها، ثم إليس (إرلاند جوزفسون) وزوجته إيفا (بيبي أندرسن). كلما تشابكت العلاقات كلّما تفتحت عن خلفيات ومفاجآت من بينها سبب عرج آنا والماضي الذي تحاول أن تخفيه حول زوجها٠

تقييم: »عاطفة آنا« هو ما أراد برغمن تنفيذه في »العار« ولم يستطع: الحرب المدمّرة داخل شخصياته عوض التعامل مع حربين كبيرين٠ أبطاله هنا، كأبطاله جميعاً، مثل بركان لا تشعر بوجوده في مطلع الأمر لكنك بعد قليل تدرك أنه هناك وتتوقّع له أن ينفجر. وإنفجاره يترك شروخاً على الشخصيات. تلك الجروح الداخلية تخرج الى العلن. لكن هناك متوازيات أخرى بين الفيلمين استرعت انتباهي حين شاهدتهما مؤخراً بهدف الكتابة عنهما: الملامح التصميمية للمكان ولمعالجة المكان هي ذاتها. الجزيرة التي يعيش عليها أبطاله في كلا الفيلمين تصبح الكيان المصغّر لعالم هو المنعزل وليس أبطاله فقط. ما يقع في هذا العالم المصغّر لا يستدعي إنتباه أحد، لكنه بذاته عيّنة مما يقع بعيداً عنه. بذلك المشهد الأخير للفيلم السابق حيث سيدو وأولمن يمضيان في المركب تاركين الجزيرة يبدو مشهدا تائهاً بين نهايات أفلام برغمن من حيث أن شخصياته مهتزّة وستحاول أن تجد راحتها خارج المكان الذي اعتبرته سابقاً بمثابة جنّة صغيرة. هنا كيان الجزيرة يحتمل بعداً آخر هو ذاته كيان الجزيرة التي في »ساعة الذئب« مثلاً: إنها المكان المثالي للموت. شخصيات يهدر ما في داخلها ثم ينفجر وحين ينفجر تموت (ميتافيزيقيا) بالطبع. لا شيء على ما هو عليه فيما بعد. الفيلم ملوّن وهو ليس أوّل فيلم يخرجه برغمن بالألوان، لكن برغمن اعتبره أول فيلم ملوّن لعبت فيه الألوان دوراً أساسياً أخرجه٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1971: The Touch ** | اللمسة

ملخّص: ثلاث شخصيات (الرابعة تنضم لاحقاً) في علاقة ثلاثية الأطراف: كارين (بيبي أندرسن) متزوّجة من أندرياس (ڤون سيدو) من خمسة عشر سنة ولديها طفلين وسعيدة بحياتها. فجأة يحط ديفيد (إليوت غولد) ويقلب هذه السعادة من دون أن تدري، فهي اكتشفت بوجوده أن سعادتها لم تكن متكاملة كونها لم تفهم نفسها من قبل. إذ ترتبط بعلاقة معه تكون هذه العلاقة مدخلاً لاستكشافه هو أيضاً٠

تقييم: بعد كل أفلام برغمن التي استوعبت مثل هذه الحالات النفسية/ العاطفية يأتي »اللمسة« برغبة متجددة لكن القليل منها مبرر كونها رغبات سبق للمخرج أن تعامل معها وعلى نحو أفضل. جزء كبير من المشكلة يكمن في السيناريو، كما أعتقد. لأن الفيلم في فترة تأسيسه للشخصيات وللأحداث الطارئة لا يبتعد عما ابدعه المخرج من قبل في هذا المجال. الإقتراب الراصد الذي يعد بأن الأمور ليست كما تبدو من الخارج. لكن حين يصبح على السيناريو أن يتطوّر لنقلة أخرى، يفقد ضرورته بسبب كم النتائج التي تفرزها تلك العلاقة: فديفيد يعاني من الذاكرة (قتل النازيون كل عائلته باستثنائه وشقيقته) وكارين واقعة في حبّه لدرجة اللحاق به الى لندن لتصارحه، كما في أي فيلم أقل مستوى من أفلام برغمن، بأنها حامل، ثم لتكتشف أنها لا تستطيع أن تعيل على ديفيد لأنه ليس شخصاً متّزناً بل ربما كان جانحاً صوب الجنون. هذا كله من بعد أن نسمح لأنفسنا قبول مبدأ أن حبها له كان من الكبر بحيث تلقّت معاملته الخشنة لها بكل رضى. الفيلم الأول لبرغمن بالإنكليزية وربما هناك ظروفاً دفعت لهذه الفوضى المركّبة. تمثيل أندرسن يعلو فوق كل الإداءات الأخرى. برغمَن يعترف أن النتيجة الفنية هي أقل مما طمح إليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1972 : Cries and Whispers **** | صرخات وهمسات


ملخص: ثلاث شقيقات يجتمعن في المنزل الكبير لإحداهن التي تعاني المرض وعلى حافّة الموت. وضعها لا يساعد الشقيقتين على إعادة النظر في سلوكياتهما الخالية من الحنان لا تجاهها فقط، بل تجاه بعضهما البعض، كما أن موتها، بعد طول صراع، سوف لن يغيّر من وضعيهما شيئاً٠

تقييم: خطوة مختلفة على أكثر من صعيد وفي ذات الوقت هذا هو إنغمار برغمَن كما عهدناه. هنا يعود الى مطلع القرن الثامن عشر والى منزل لعائلة ثرية لكنه يجلب الى الواجهة ثلاث شقيقات ويطلب منهن أن يعرّين أنفسهن، مجازياً، أمام الكاميرا. المناسبة هي الموت المرتقب لآغنس (هارييت أندرسن) أطيبهن وأفضلهن لأن كارين (إنغريد ثولين) المكبوتة عاطفياً والمتزوّجة من رجل لا تحبّه بينما ماريا (ليڤ أولمن) لا زالت غير قادرة على النضج (رغم عمرها) والعالم بالنسبة اليها يتألّف منها أساساً. متزوّجة أيضاً لكنها ليست راضية. كما في »برسونا« حيث تتواجه إمرأتين وكما في »الصمت« حيث تتواجه شقيقتان، هناك مواجهات تعكس أزمات او تنتج عنها. برودة الشقيقتين كارين وماريا حيال شقيقتيهما تقابلها عاطفة أمومية تمنحها الخادمة الآتية من عائلة مزارعين فقيرة آنا (كاري سيلفن) التي تكشف عن ثديها وتضع رأس أغنس على صدرها لتشعرها بالألفة والحنان المفقودين. ليس شذوذاً ولا حتى إيحاءاً بذلك، بل عطف مغدق هو الراحة الأخيرة لأغنس قبل موتها٠ الفيلم من تصوير نكڤست كالعادة، لكن هذه المرّة الصورة غارقة في اللون الأحمر الذي يعبّر، حسب المخرج، عن الروح المتحفّزة أكثر من سواه. اللون الثاني الطاغي هو الأبيض. نسائه (حتى الخادمة في ذلك المشهد الذي يتمشيّن فيه في الحديقة الكبيرة) يرتدين الأبيض الذي كما هو لون ملائكي بالنسبة لبعض هذه الشخصيات، هو لون خادع بالنسبة للبعض الآخر. لكن المشهد الآنف الذكر له مدلول آخر: سرداً يقع المشهد بعد أن تلفظ كارين نفسها فعلاً، لكن في الوقت ذاته، هي لم تغادر المكان. ميّتة لكنها موجودة وتطلب من شقيقتيها حناناً، لكن شقيقتيها مشلولتان. ليس لديهما ما يمنحانه. بذلك يعمد المخرج الى الدخول والخروج بين الموت وبين الحياة ليمنح المشهد، كما الفيلم بأسره، وضعاً خاصّاً لا يُنسى٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1973: Scenes From A Marriage ***1/2 | مشاهد من زواج

ملخص: بروفسور يوهان (ارلاند جوزفسون) متزوّج من المحامية ماريان (ليڤ أولمان) وكل شيء يبدو على ما يرام في الوهلة الأولى الى أن يتورط الأول بعلاقة مع إمرأة أخرى خلال رحلة عمل. يحاول أن يواصل حياته كما كانت لكن الحادثة تترك تأثيرها. في ذات الوقت هناك صديقان متزوّجان أيضاً (يان مالمسيو وبيبي أندرسن) والعلاقة متوتّرة بينهما أيضاً

تقييم: قام المخرج بتوليف هذا الفيلم من حلقات تلفزيونية بلغت ست ساعات من دون أن يبدو أي أثر للأصل على العمل. بعض ذلك يعود -طبعاً- الى أن المخرج يمارس الفن الواحد في كلا عمليه بما يحمله ذاك من تصاميم اللقطات واللغة البصرية. بين كل أفلامه، هذا العمل هو النموذجي على صعيد ما طرحه من علاقات بين الأزواج وكيف أن السائد ليس بالضرورة ما يتفاعل تحت السطح وأن الحب ربما كان نتيجة قسوة النفس على صاحبها والمشاعر المكبوتة هي كذلك لأن الخوف من المواجهة أبدي. لكن المواجهة تقع والأحاسيس العميقة تتجلّى أمام المتابع على نحو يذيب ما هو سويدي ليحل محله ما هو إنساني. فيلم برغمَن هذا هو أكثر أفلامه القديمة وضوحاً من حيث سلاسة عرضه من دون أن يتخلّى عن العمق والبعد . والتمثيل رئيسي هنا كما في كل فيلم آخر وجزء من التكوين الصوري الذي لا غنى عنه كما لو أن الإداء والحركة نابعان من الحياة المصوّرة ذاتها وليس من تشخيص لطرف يؤدي ويمضي. بعد ثلاثين سنة عاد المخرج الى هذا الفيلم في إطار آخر أعماله »ساراباند« ليتابع الحديث عن ماريان ويوهان بعدما تجاوزا منتصف العمر ولو أن المعضلات النفسية لا زالت تتفاعل في ذاتيهما٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1978: The Serpent's Egg ** | بيضة الأفعى

ملخص: برلين سنة 1923. آبل روزنبرغ (ديفيد كارادين) فقد شقيقه الذي انتحر والبوليس يرتاب في أنه تسبب في مقتله كما في جرائم تقع في الحي الذي يعيش فيه. آبل يرتبط بعلاقة غرامية مع عاهرة ومغنية أسمها مانويلا (ليڤ أولمَن) وخلال أسبوع يكتشف أن النادي الليلي الذي تغنّي فيه هو وكر للنازيين الذين حوّلوا غرفاً سريّة فيه الى خلية علمية تستخدم البشر في عملها ما يكشف جرائم القتل٠

تقييم: هناك الكثير من الأخطاء التي وقع فيها برغمَن هذه المرّة وكلها تجمّعت في أنه اضطر للتخلّي عن مملكته السويدية ليحقق فيلمه الأول خارج بلاده. من المفترض أن لا يكون ذلك عاملاً مؤثراً، لكن العمل مع هوليوود من ناحية والمرور بأزمة ماديّة سببها مطاردة مصلحة الضرائب له من ناحية أخرى، أثّرا على اختياراته. فما يبدو لهذا الناقد من بعيد (إذ لم يقرأ شيئاً يُذكر عن المرحلة والظروف التي سادت صنع هذا الفيلم) هو أن الحاجة لنقلة عالمية من ناحية والحاجة للحفاظ على المزايا البرغمانية من ناحية أخري عطّلا العملية بأسرها. أحد المشاكل هي أن الفيلم أراد تسجيل ما دار في العشرينات (ألمانيا خرجت من الحرب الأولى، المد النازي بدأ الخ... ) من وجهة نظر يهودي هو ذاته في خطر. لكن الفيلم يخفق، بسبب سعته وكثرة مفارقاته على الأرجح، في توفير بطله كشاهد عيان وتبنّي وجهة نظره. شيء من الرغبة في سرد خارج إطار الأزمات النفسية المعبّر عنها بأقل قدر من الأحداث الكبيرة، عرقل الرغبة الأسبق في تقديم الحكاية من وجهة نظر ضحيّتها. النتيجة أن الفيلم، المشغول جيّداً كتصوير وكتصميم إنتاجي وفني، لا يملك الناصية الدرامية الصحيحة ويضيع في توهان بطله عوض أن يوظّفه لبلوغ غاية. الفيلم يحتج إنما على نحو مباشر وأحيانا زاعق والأفدح أن المخرج كان يعلم أن أفضل تعابير الغضب والإحتجاج هي تلك التي تتم في صمت. لقد جرّب ذلك طوال حياته ونجح. حين كتبت عن الفيلم لأول مرّة لمجلة عربية كانت تصدر من لندن آنذاك، وجدته تحيّة للضحية اليهودية، لكن مشاهدته مرّة ثانية بيّنت لي أن هذه التحية، وإن وجدت، الا أنها ممزّقة، مثل رسالة ثناء كتبها صاحبها ولم يبعثها٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1978: Autumn Sonata ** | سوناتا الخريف

ملخص: فنانة كانت هاجرت الى أميركا (انغريد برغمَن) تعود الى وطنها الأوّل حيث كانت هجرت أولادها وتلتقي بإبنتها إيفا (ليف أولمَن). في البداية يأتي اللقاء حارّاً عاكساً رغبة كل منهما في اللقاء وتجاوز الماضي، لكن الإبنة لا تستطيع أن تنسى ما سببته أمها من معاناة حين هجرتها٠

تقييم: فيلم خروج برغمَن من ورطته السابقة هو ثاني فيلم له خارج بلاده، لكن خارجها الى بلد قريب هو النروج حيث تعود الفنانة شارلوت (انغريد برغمن تحمل اسم العائلة نفسها لكنها ليست قريبة المخرج وهذا كان فيلمها ما قبل الأخير قبل وفاتها) لتزور إبنتها. الفكرة مناسبة أخرى من برغمَن لمواجهة صادمة بين شخصين واحدة تحمل في داخلها الشعور بالذنب (الأم) والثانية تحمل في داخلها الشعور بفقدانها الحنان حين كانت تحتاجه. من البداية تعرف الى أين سيتّجه الفيلم نظراً لأن برغمن لا يضيف جديداً على هذا الصدام الآيل للحدوث. إنه عالمه السابق حول تلك المرايا التي ينظر فيها أبطاله ليكتشفوا أنفسهم. المشكلة هي أن هذه المرآة تبدو شاحبة وقديمة. التمثيل من المرأتين يبقى حادّاً لكن لا شيء آخر في الفيلم كذلك٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1980: From the Life of the Marionettes **1/2 | من حياة الماريونيت

ملخص: يرتكب رجل الأعمال الثري بيتر (روربت أتزورن) جريمة قتل مومس (ريتا روزيك) ويحاول، مطلع الأمر التبرأ من التهمة خلال التحقيقات التي تشمل أيضاً زوجته وطبيبه النفسي٠

تقييم: برغمَن في فيلم نموذجي له باحثاً عن الدوافع النفسية وراء قيام شاب، ورد من طبقة مثقفة وثرية، بقتل عاهرة لا يعرفها. القصة مأخوذة عن واقعة حقيقية، لكن برغمَن لا يرويها ـ لحكايتها ـ بل يستند إلى نفس طريقته في سبر غور النفسيات التي يعالجها وتركهم يتحدثون عن ماضيهم وأحاسيسهم الداخلية في قليل من الثقة. حقق المخرج هذا الفيلم لحساب التلفزيون الألماني الذي باع حقوقه السينمائية ما أدّى لعرضه عالمياً مستنداً الي الإسم الكبير الذي يحتلّه المخرج بين هواة السينما والمثقّفين عموماً. لكن، وكما الحال في الفيلم السابق »بيضة الأفعى« تختفي طينة برغمَن التقليدية وتفقد لمستها وبعض سحرها. الشخصيات التي نطالعها مدفونة في فيلمه السابق »مشاهد من زواج« ذلك لأن المعضلة القائمة ليست بين بيتر والعاهرة، بل بين بيتر وزوجته والعاهرة هي ضحيتها المفاجئة. عانى الفيلم من حذر المموّلين. لا المموّل الألماني لفيلم برغمَن السابق »بيضة الأفعى« رغب في إعادة التجربة معه، ولا الممول الأميركي لفيلم برغمَن الآخر »اللمسة« تحمّس للمشروع. لكن على الرغم من أن الإنتاج تلفزيوني ألماني بحت الا أن في الفيلم ما يكفي لنقل الشخصيات من طبيعتها الألمانية الى السويدية لأن برغمن كاتباً لم يكن في وارد التخصص في "ألمانية" العمل لمجرد أنه يحقق فيلماً بالألمانية وهذه تُحسب له بكل تأكيد٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1982: Fanny and Alexander *** | فاني وألكسندر


ملخّص: عيد ميلاد في بلدة سويدية سنة 1907. ألكسندر وشقيقته فاني يترعرعان في كنف عائلة كبيرة . يموت والدهما وتتزوّج أمهما من رجل آخر أكثر شدّة. في بحثهما عن ملجأ آخر يتّجهان الى صديق العائلة اليهودي قبل أن يعود ألكسندر وشقيقته الى كنف العائلة وقد ازدادا معرفة٠

تقييم: سابقاً ما صرّح برغمَن بأن هذا الفيلم ليس سيرة ذاتية، لكن صرّح أيضاً بأن الفيلم مستوحى من مرحلته صبيّاً. في شتّى الأحوال، الفيلم أشبه بالسيرة الذاتية كون المخرج يلاحق بطليه (التركيز على الصبي ألكسندر) بكثير من التعاطف والرقّة مصوّراً ردّات أفعالهما على المحيط الأسروي. عالم الكبار المسيحي هنا على تقلّباته بين زوج أم صارم (هذا من خلفيات برغمَن نفسه) وأم لا تستطيع تأمين سعادة ولديها خشية زوجها القسيس وتاجر الأنتيكات اليهودي (كما لعبه أرلاند جوزفسون) هو شيء من الحلم والفانتازيا كونه يمارس بعض السحر في بيته الصغير. سحر يجذب الولدين الى عالم الخيال بعيداً عن الواقع. الفيلم أكبر حجماً من معظم أعماله (اي باستثناء »صرخات وهمسات« و»بيضة الأفعى« من حيث مساحة الحدث ونوعية الإنتاج) لكنه لا يزال يحوي كل تلك البرغمانيات الخاصّة من مشاهد تعكس أزمات الى أخرى تتسلل الى عمق الشخصيات، ومن مشاهد تكشف عن الماضي وشعور الذنب الى أخرى يبدو فيها ألكسندر يتحدّث فيها مناجيا ذاته . في مرحلة لاحقة يتدخّل الخيال في الحكاية محتلاً مساحة أكبر من تلك المؤلفة من السيرة او ما يشابهها. فألكسندر هنا يتمنّى موت زوج أمّه وفي نفس الليلة يقع قنديلاً في غرفة شقيقة الأسقف المقعدة وتنتشر النار في كل البيت. والدة الطفلين كانت تستطيع إيقاظ زوجها في الوقت المناسب لكنها لا تفعل. من ناحية أخرى، فإن مشاغل برغمَن القديمة الأخرى تعاود الإطلال من جديد: شكوكه في الخالق سبحانه وشعوره بالذنب كونه كان تحمّس للنازية في الثلاثينات، تعلّقه بفن العرائس والمسرح فيما بعد. وكل ذلك في الرونق الأنيق للفيلم البرغماني من حيث التفاصيل وتعامله مع الفترة حدثيا كما تعبيرياً والإنتباه الى دقائق الأمور وعناصر الإنتاج وعناصر الصورة (تصميم المناظر والألوان الخ...). بذا يستعيد برغمن هنا ما كان خسره مؤخراً من تلك الخصائص حين أم »بيضة الأفعى« مثلاً. ما يُثير إشكالاً هو تصدّيه للدين على أساس أنه ثورة غامرة في ذات ألكسندر معبّر عنه إثر تساؤل قلق يطرحه. لكن بحكم سنّ ألكسندر فإن القبول بتبنّي الفيلم هذا التعبير يبدو مريباً. كان يمكن مثلاً إبقاء تلك الشكوك مطروحة من دون تبنّيها او تصوير ألكسندر كما لو كان في ذلك السن الصغير أدرك موقعه المناقض للدين. كذلك فإن قيمة الطرح الديني المعادي لفكرة وجود الخالق (بناءاً على شخصية القسيس المتشدد وحدها) تتعرّض للإهتزاز حال تقديم برغمَن لشخصية اليهودي وشقيقه إسماعيل لأن الرفض المطلق الذي يدّعيه الفيلم لا يشمل رفض الديانة اليهودية أيضاً فهي، في الفيلم، تبقى مقبولة وخشبة خلاص للروح المعذّبة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1984: After The Rehearsal **1/2 | بعد التمارين

ملخص: ثلاث شخصيات تتحدّث فيما بينها عن المسرحية التي يقدّمونها وعن خلفياتهم الحياتية وذكرياتهم الصغيرة منها والمهمة٠

تقييم: عودة الى عالم برغمن الصغير والمبسّط: مخرج بعد انتهاء التمارين يجلس على المنصّة وسط الديكور وكل شيء حوله يذكّره بشيء من قبل واليه تنضم ممثلة شابّة ثم ممثلة أخرى أكبر وما يتبادله الثلاثة هو الدواخل النفسية والعاطفية التي في كل ذات من ذواتهم. هذا انتاج تلفزيوني (بعدما كان المخرج أعلن أن »فاني وألكسندر« هو آخر فيلم سينمائي له) وُزّع سينمائياً حول العالم لكنه لم يلق ذات الصدى لأفلام المخرج السويدي السابقة. على ذلك، الفيلم شريحة من برغمَن كما كل من أفلامه وأسلوبه في تناول الحكايات واللعب بين ما يخرج من الذات وما يدخلها مُمارس بيد خبيرة رغم خلوّه من الجديد٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2003: Saraband **** | ساراباند


ملخّص: تقرر ماريان (ليف أولمن) زيارة زوجها السابق يوهان (إرلاند جوزفسون) لتجد نفسها تواصل رحلة كانت بدأت بينهما وفي ذات الوقت وسط مشكلة قائمة بين الأب وإبنه (الثاني يتّهم الأول بافتقاره الى الحنان ما أدّى بالإبن الى حياة غير مستقرّة عاطفيا) ولاحقاً بين الإبن وزوجته٠

تقييم: العودة مرّة أخرى الى شخصيات »مشاهد من عرس« تفرز شخصيات هذا الفيلم المثيرة للإهتمام وتمنح هذا آخر عمل عُرض لبرغمن سينمائياً (وهو بدوره إنتاج تلفزيوني) كل الخصائص التي تذكّر بأفضل أعماله السابقة. كل ما تشكّلت من اللقطة في أفلام برغمن الكلاسيكية وما أوحت به وسبرته من دواخل نفسية متوفّر هنا لجانب التمثيل الرائع من كل ممثليه. المناجاة التي في هذا الفيلم تأخذ أشكالاً متعددة من بينها النظر الى الكاميرا في شكل اعترافات، ومن بينها تأليف سبل دخول مشاهد من الفيلم عبر جعل الصورة الفوتوغرافية التي بحوزة ماريان تفتح الباب أمام المزيد من الذكريات/ الحكايات. موهبة المخرج الرائعة في الإستفادة من اللقطة والمسافة التي تفصلها عن الوجوه وتشكيلها الفني تمنحها العمق وتساعد على ولوج شخصياته في اهتمام يتزايد من مشهد الى آخر لأن ما يفتحه المخرج، كما في أفضل أعماله السابقة، يؤدي الى مساحات جديدة عليه المضي فيها. حين خرج الفيلم (العرض العالمي الأول في مهرجان "كان" خارج المسابقة) تحاشاه عدد كبير من النقاد الغربيين كون معظمهم جدد يعتبرون السينما التي ينتمي اليها برغمَن، وبل برغمَن نفسه، انتهيا. لكن الفيلم بعد سنوات قليلة من إنتاجه يتبلور أكثر كعمل ذهني وبصري من الصف الأول. هناك قدر من الإعتماد الكلّي على التصوير الداخلي لكن المخرج كان بلغ من العمر عتيّاً ما يمكن معه السماح له بذلك٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular