Jul 22, 2009

439 | مقالات لخالد ربيع السيد/ نديم جرجورة/ ميسر المسكي/ جلال نعيم/ هوفيك حبشيان/ محمد رضا

بين الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ30.7.09ـــــ
Blood Simple


شركة صوني (تملك شركة كولمبيا الأميركية) أبرمت مع المخرج الصيني زانغ ييمو عقداً ينص على إقتباس على اقتباس فيلم »دم بسيط«، فيلم الأخوين كووَن الأول (1984) الى فيلم صيني مع استبدال المناخات التكساسية التي في الفيلم الأول الى أخرى صينية. مثلاً، عوض الحانة التي تشكّل موقعاً مهماً في الفيلم الأميركي سنرى مطعما للوجبات الصينية الحارة (نودلز وأوز وأرانب) وقصّة بوليسية أتساءل في أي زمن ستقع وإذا ما كانت، وقد حاد المخرج الصيني عن مسيرته التي بدأها، ستحتوي على فنون قتال صينية يؤديها جت لي أم لا٠
الصورة: دان هدايا (من مواليد سوريا) في لقطة من نسخة الأخوين كووَن٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجانات تقف على الحافّة

المزيد من المهرجانات العربية في المنطقة والمزيد من المهرجانات العربية في أوروبا لكن النسبة ذاتها من الإنتاجات التي تتراوح ما بين 100 فيلم روائي طويل و50 فيلم وثائقي. في بعض السنوات يرتفع هذا المعدّل قليلاً او ينخفض قليلاً٠
طبعاً ليس كل الأفلام جيّدة تستحق المهرجانات او تناسبها. نصف هذا العدد ربما يستحق الترشيح. ربعه يستحق التسابق وهكذا٠
بإنضمام مهرجان الدوحة الى جملة المهرجانات المقامة في المنطقة، وبتجديد مهرجان أبو ظبي عدّته وتجهيزه فإن المنافسة بينهما ستكون قوية، ومنافستهما لمهرجان دبي كذلك٠
في البداية أشيع أن مهرجان الدوحة في قطر سوف لن يكون سوى نسخة من مهرجان ترايبيكا الذي تديره مؤسسة ترايبيكا التي من بين رؤساها روبرت دينيرو، لكن هل هذا صحيح؟ أهل المهرجان هناك يتكتّمون حول الموضوع ولهم الحق. المنطقة تستطيع أن تربح او تخسر تبعاً لخبر قد يبقى طي الكتمان او يتسرّب فينكشف٠
مهرجان أبو ظبي استبدل طاقمه القديم وجاء بجدد. رئيس مهرجان ترايبيكا النيويوركي استقال والان هو رئيس مهرجان الشرق الأوسط وهو ليس هاوياً بل من أهل الخبرة والمنافسة مع المهرجانات الأخرى ستنبع من أن عضد مهرجان الشرق الأوسط اشتد به٠
لكن ما العمل إذا ما كانت الأفلام العربية الصالحة (وكل مهرجان سيحاول استحواذ أفضلها، كذلك مهرجانات دمشق والقاهرة ومراكش) محدودة؟ كيف سيؤمن كل مهرجان أفلاماً ينفرد بها و-بالتالي- يتميّز بها عن سواه؟ وما الذي سيحدث لو أنه في عام او عامين على التوالي انخفضت نسبة الأفلام الجيّدة؟

وما يحدث في هذه البقعة من العالم مطروح للحدوث خارجه٠
حالياً في فرنسا وأوروبا أكثر من مهرجان للسينما العربية مقام او يتم التحضير له (في باريس وحدها هناك خمسة جهات تعمل على خمس مهرجانات!!)، هل تساءل مهرجان ما كيف سيؤمّن؟
هناك حلولاً لكن أهل الإختصاص والمعرفة عادة ما يتم تحييدهم فالأمور عربياً لا تتم حسب الخبرة والتجربة، بل حسب اقتراب او ابتعاد الهوى الشخصي٠
لكن المسألة برمّتها لا أعتقد إنها تقلق المخرجين العرب ذلك إنه إذا تم رفض فيلمه هنا، توجّه به هناك. وإذا كان فيلماً متميّزاً فالجميع يريده. بذلك يعتقد المخرج إنه هو الرابح في كل الأحوال وهذا خطر آخر يمكن اضافته فوق المخاطر الأخرى المذكورة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحياة السينمائية

حسب موقع »إيلاف« المتجدد فإن عدداً جديداً زاخراً صدر من مجلة »الحياة السينمائية« السورية التي أعتقد أن عمرها الآن جاوز الثلاثين سنة (العدد - اوبالأحرى العددين في عدد 65 و 66) يحتويان على العديد من المقالات الوافدة من نقاد وكتّاب من المغرب ومصر والأردن بالإضافة الى عدد كبير من الكتّاب السوريين، وهذا كلّه أمر جيّد لكن متى سيتم العمل على توزيع المجلّة توزيعاً يمكن غير الدمشقيين قراءتها؟ طبعاً هذا إن حدث فلابد أنه يتطلّب تطويرا صحافياً بالدرجة الأولى يربط المواضيع بمناسباتها وإن لم يفعل جرى تبويبها على نحو يلغي المعالجة التقليدية للمواضيع التي تبدو الآن، كما بدت سابقاً، رصفاً وتراكماً للمواضيع٠
لا غُبار على أهمية المجلة (وكل مجلة ذات شأن ثقافي جاد) و»الحياة السينمائية« صارت بعد كل هذه السنوات راسخة القدمين في الثقافة السينمائية ولو على النطاق المختار لها الى الآن. سيكون جميلاً معالجة موضوع الإنتشار وموضوع التبويب بما يجددها ويجعلها أكثر حتمية من العام المقبل وصاعداً- وياليت تصدر شهرياً طالما أن الإمكانيات متوفّرة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إعلان لجنة تحكيم فانيسيا الرسمية

تم الإعلان عن لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للدورة الجديدة (2 أيلول/ سبتمبر الى الثاني عشر) منه وتحتوي على المخرجة الإيطالية المخضرمة ليليانا كافاني التي كان فيلمها الأول »فرنسيس الأسيسي« شارك في دورة سنة 1966 من المهرجان، والمخرج الأميركي جو دانتي وكاتب السيناريو الهندي أنوراغ كاشياب والمغني لوسيانو ليغابو (الذي له إسهام سينمائي شبابي واحد سنة 1998) وهناك الفرنسية ساندرين بونير التي اقتنصت جائزة أفضل تمثيل نسائي سنة 1995 عن دورها في فيلم »حكم ثابت« لكلود شابرول وأول اشتراك لها في فانيسيا يعود الى عشر سنوات قبل ذلك حين تقدّمت المخرجة أغنيس فاردا بشريطها »متشرّدة« واستحقّت عليه جائزة الأسد الذهبي حينها٠
والقيادة للأميركي أنغ لي كما ذكرت سابقاً- لكن هل هي لجنة تحكيم جيّدة بالفعل؟ ألم ينجح مهرجان القاهرة في بعض سنواته من جذب لجان أفضل؟ ألا ينجح مهرجان دبي في كل سنة من احتواء لجان بأسماء أفضل؟
تبقى هذه اللجنة المقبلة لفانيسيا أفضل من تلك التي أقامها مهرجان "كان" هذه السنة التي ضمّت خمس ممثلات علماً بأن الممثل الجيّد ليس بالضرورة محكماً فنياً ملمّاً وحين يكون لديك خمس ممثلات تمنح لجنة التحكيم هوية هي أساساً منحازة لآراء قد لا تكون بالضرورة فنيّة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ودوحة ترايبيكا تعلن إدارتها

اماندا بالمر، التي ترأس ما يُعرف بقسم »الترفيه« في في تلفزيون الجزيرة الإنكليزي استلمت منصب المدير التنفيذي لمهرجان دوحة ترايبيكا حيث ستعمل عن كثب تحت إدارة رئيسه جف غيلمور الآتي بخبرته من سندانس التي عمل له لسنوات تحت إدارة روبرت ردفورد
أيضاً في المناصب الأولى الزميل محمد مخلوف واسكندر قبطي اللذان سيتقاسمان مسؤوليات تتعلّق ببرمجة المهرجان الجديد الذي يُضاف الى مهرجانات المنطقة والذي سينطلق في التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل وحتى الأول من الشهر التالي (فقط؟)٠
يشرف على المهرجان إداريا وتمويليا "متحف الفن الإسلامي« الذي أنشأ حديثاً بمهام حضارية متعددة من بينها هذا المهرجان الذي سينضم الى المهرجانين الكبيرين المتنافسين حالياً في المنطقة دبي وأبو ظبي٠



بين الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ29.7.09ـــــ
Metropia

اللقطة من فيلم سويدي جديد بعنوان »متروبيا« تظهر رجلاً خائفاً مما يراه وما يراه بطل الفيلم هو نهاية اوروبا كما نعرفها حيث يكاد الغاز الطبيعي أن ينعدم الفوضى أن تسود واشتد عضد الحركات المناهضة للمجتمعات وروجر يحاول أن يبقى بعيداً وآمناً عن كل ذلك، لولا أنه يكتشف أن كل حياته مرهونة، وكل حركاته مراقبة٠
الفيلم من إخراج طارق صالح، وهو مصري يعيش في السويد بدأ حياته الفنية رسّام جدران (غرافيتي) والآن يحقق فيلمه (الأول كما أعتقد) مع ممثلين من أمثال فنسنت غالو، جولييت لويس، ستيلان سكارسغارد وأودو كير٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آخر خمسة أفلام شاهدها الناقد


علامة + تعني أن الفيلم شوهد سابقا

Cheri | Stephen Frears (2009) ***
+Miller's Crossing | Joal & Ethan Coen (1990) ***
+ Another Man, Another Woman | Claude Lelouch (1973) **1/2
Those Awful Hats | D. W. Griffith (1909) **1/2
The Redman's View | D. W. Griffith (1909) ***1/2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماذا حدث لسام مندس؟

عشر سنوات فقط هي كل ما احتاجه سام مندس لكي يصعد ويهبط القمّة٠
من »جمال أميركي« سنة 1999 الذي سحب من تحت أقدام المنافسين خمسة أوسكارات وستة جوائز بافتا وثلاثة غولدن غلوبس، الى
Away We Go | بعيدا نذهب
الذي انطلق الى العروض قبل نحو شهر فمرّ مثل قطار في الأفق قد تسمع صفيره إذا لم تكن لديك أصوات أخرى أقرب تتناهى اليك وتشغلك

فشل الأفلام أمر يقع بوتيرة أعلى من نجاحها، حتى حين لا نشعر بذلك في مواسم الصيف حيث كل معظم الأفلام تأتي مضخّمة، استحقّت ذلك أو لم تستحق. »بعيداً نذهب« قصّة أميركية مئة بالمئة حول زوجين شابّين ينتقلان من مدينة أميركية الى أخرى بحثاً عن المدينة الأنسب للعيش. على الطريق يكتشفان المزيد عن نفسيهما وعن الآخرين، كما حال أفلام الطرق الأخرى ولو أن الإنتقال هنا كان يحدث بالطائرة في بعض الأحيان٠
إذ مرّ الفيلم من دون أن يثير انتباه أحد (مؤشر النقاد على أكثر من موقع منحه من ستين الى ثمان وستين درجة استحسان من قِبل النقاد الأميركيين) وذلك بعد أقل من عام على مرور فيلمه الآخر
Revolutionary Road | طريق ريفوليوشنري
مروراً شبه عابر بدوره، يتبدّى أن الهالة التي أحاطت به قبل عشر سنوات مع نجاح »جمال أميركي«، والتي استحقها على أي حال، قد تبخّرت سريعاً. بعد ذلك الفيلم قدّم »الطريق الى برديشن« (مثل »طريق ريفوليوشنري« يستخدم العنوان إسماً ذا معنى يطلقه على علم) الذي حمل -لجانب جودته- ملامح عالم من العنف كتعليق على وضع فردي/ اجتماعي، كذلك الحال في فيلمه اللاحق »جارهيد« الذي علّق فيه على خوض الولايات المتحدة الحرب في العراق خلال ما يوصف بـ »حرب الخليج الأولى«. ثم أنتج بضعة أفلام من بينها »عدّاء الطائرة الورقية« قبل أن يخرج فيلميه المذكورين »طريق ريفوليوشنري« و»بعيداً نذهب«٠
كل هذه الأفلام كانت تحتوي على تعليق للحياة الأميركية ولو أن أحداث »جارهيد« ليست أميركية. وهذا التعليق استكمالا لما وفّره في »جمال أميركي« في الأساس٠ مندس يدمج التعريض الذي يقدّمه للفرد بخلفية اجتماعية شاملة كما كان يفعل بعض مخرجي هوليوود في الأربعينات والخمسينات مثل دوغلاس سيرك وفرانك كابرا٠
مشكلة »بعيداً نمضي« أكثر من سواه بين أفلامه السابقة أنه يختار أن يكون »صغيراً«. طبعاً المشكلة ليست في الحجم طالما أن المفعول والتأثير جيّدان٠ لكن هذا الفيلم يختار، أكثر من سواه من أفلام المخرج، أن يتّخذ شكلاً بلا نتوءات يمكن لأحد أن يعتبرها دلالات ويطرحها لنقاش طويل. لا حدّة له لكي يُثير وضعاً حتى بين الذين ينظرون الى الفن وحده في السينما٠
على الأقل »طريق ريفوليوشنري« فيه شخصيات تصرخ وتتلوّى. تحلم وتهوى وتمر في أطر من الأفعال وردّات الأفعال المتوالية. »بعيداً نذهب« مثل عنوانه .... بعيداً يذهب ولا أحد شاهده يأتي فلم يكترث إذا ما ذهب؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انغمار برغمَن والنقد

بعد وفاة المخرج إنغمار برغمَن كتب الناقد الأميركي الشائع جوناثان روزنبلوم مقالة نعي سمّاها »مشاهد
من مهنة مبالغ في تقديرها" او بالإنكليزية
Scenes from An Overrated Career
وذلك نسبة لعنوان فيلم برغمَن
Scenes from a Marriage
وفيه تحدّث الناقد عن كيف أن إنغمار برغمَن لم يكن بذلك المخرج الذي يستحق كل ما ناله من مدح وتقدير وبرر رأيه بأن أفلام برغمَن لم تعش مع الزمن وأن "نجمه اضمحل"، علماً بأن الناقد كتب قبل ذلك أنه إذا ما استعنت بغوغل ليبحث لك عن ما كُتب حول المخرج السويدي لخرجت لك ملايين النتائج التي تقرن إسم برغمن بكلمة "عظيم"٠ كيف إذاً يكون نجمه اضمحل؟
بعض أفلامه اليوم ما عادت جديدة الوقع كما كانت عليه، لكن ذلك فقط إذا ما كانت نظرتنا الى الأفلام إنطباعية، ذلك أن الناقد عليه أن يرى الفيلم لأول مرّة في كل مرّة دون أن يلغي مكتسبات المرّات السابقة بحيث يستطيع أن يضع نفسه في الزمن ذاته عوض أن يجرّب الفيلم على مقاسه هو في هذه الأيام٠
كلمة روزنبلوم لم تمر من دون حساب إذ كتب منتقداً رأيه كل من أدريان مارتن وكنت سميث وروجر إيبرت ولاري غروس وكلّهم من النقاد المعروفين٠
وردّ روزنبلوم على منتقديه غير مقتنع بوجهة نظرهم ولبضعة أيام وقع سجال امتد من الصحف المكتوبة، بما فيها مجلة »فيلم كومنت« الرزينة الى مواقع الإنترنت. لكن أحداً لم يفقد صوابه ويتعامل مع الجدال على أساس أنه معركة شخصية يجب أن يربحها. حتى حين كتب كنت سميث في مجلة »فيلم كومنت« مقالته منهياً إياها بالكلمات التالية: "إنغمار برغمَن ليس العدو، بل التعميم السائد والحكم المستعجل من قِبل ثقافة الفيلم الحالية الواقعة تحت تأثير الإعلان على نحو لم يكن سائداً أيام برغمن. إنه كما وأن روزنبلوم أفضل من ديفيد تومسون كناقد، فإن برغمن سيبقى دائما برجاً شامخاً "٠
تساءلت ما الذي حشر ديفيد تومسون في الدق، ثم تابعت الصحف التي يكتب فيها ديفيد تومسون (ومن بينها »فيلم كومنت« ذاتها) لأرى إذا ما كان سيرد على رأي يضعه تحت مستوى ناقد آخر من قِبل ناقد ثالث. لكن الرجل لم يكترث٠
هذا كله جعلني أعيب على نفسي حقيقة أنني منذ رحيل توم مايل ورتشارد راود ورايموند دارنت وفيليب ستريك وتوقف آخرين من نجوم النقد في السبعينات او ربما ماتوا أيضاً، لم أعد أكترث قراءة النقد بنفس الإهتمام والكثرة التي كنت أقرأ بها سابقاً. نقادي المفضّلون، الباقون من تلك الفترة، قلائل وقلّما يكتبون (تحديداً جوزف مكارثي، روبين وود ورتشارد كومز) ومعظم من يكتب اليوم لا يفي الجانب التحليلي حقّه على الإطلاق٠
لكن هناك سبباً مهماً لابتعادي عن قراءة النقد عموماً وهو أن الأيام الحالية ليست أيام برغمَن وكن راسل وانطونيوني وآرثر بن وأورسن ولز وبونويل وأوزو وكوزنتسيف وتاركوفسكي. كما مات معظم من ذكرت، مات معظم النقاد الذين صاحبوا أعمالهم وماتت مع الفريقين فترة ثقافية غنية بالمعرفة ومليئة بالإنجازات في كل أنواع الفنون في كل مكان٠

لقد كتبت ذات مرّة أن التاريخ توقّف في مطلع الثمانينات. نحن الآن نتنفّس فقط حتى لا نموت. لكن الأكسجين الحقيقي كان في ذلك التاريخ الثري من الثقافات المتنوّعة والفنون المختلفة. طبعاً لا زال هناك أشجار ترفض أن تموت، لكن سامحوني: بين الأخوين كووَن والأخوين تافياني هناك فرق شاسع، وبين لارس فون تراير (أعظم مخرج في العالم حسب قوله) وجان-لوك غودار سنوات ضوئية شاسعة. وقس علي ذلك ضروب الثقافة والفن الأخرى وهذا ليس فقط من منظوري وحدي، بل من منظور كل من عايش الجيلين ويدرك الفروقات المختلفة بينهما٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ميكلوش يانشكو والجوائز

إذاً فاز ميكلوش يانشكو بجائزة الإخراج في دورة من دورات فانيسيا عن فيلمه »موسم الوحوش«... او لم يفز؟
حين قرأت هذا القرار تساءلت، ثم تحدّثت مع زميل ترك المهنة من سنوات لكنه لا يزال متابعاً جيداً. يشاهد كناقد، يتحدّث كناقد، لكنه لا يكتب نقداً لأن النقد لا يطعم خبزاً وهو بحاجة الى الخبز. قال لي: هناك خطأ ما في هذا القول الا تعتقد؟ . سألته ما يقصد فقال: يقيني أن يانشكو لم يفز بأي جائزة من أي من المهرجانات الثلاث الأولى برلين وكان وفانيسيا٠
ارتبت في كلامه. قلت له: أمتأكد؟ أسم كبير مثله ... ربما لم يفز بجائزة من فانيسيا لكن ألم يفز بجائزة من برلين او سان سابستيان مثلاً؟
قال: تأكد بنفسك٠
IMDb Pro والحال هذه لابد من اللجوء الى مصدر موثوق- وشامل. مصدر مثل
فتحت على يانشكو وجوائزه. بالفعل الرجل رّشح هنا وهناك لكن أكبر مهرجان فاز منه بجائزة عن فيلم هو مونتريال سنة 1992 عن »رقصة الدانوب الأزرق« ونال عنه جائزة أفضل مخرج. أما باقي المهرجانات الكبيرة التي عرض فيها (برلين وكان وفانيسيا) فقد خرج صفر اليدين. حتى من كارلوفي فاري خرج صفر اليدين. معظم جوائزه من مهرجان الفيلم المجري، وهو مهرجان رائع لكنه محلي٠ لعل ذلك عائد الى أن يانشكو لم يشترك كثيراً في المهرجانات الدولية: مرة برلين، مرّة فانيسيا، مرّتين كان ٠
ولم أكن بحاجة الى ذلك المصدر الضخم والموثوق من المعلومات لأتأكد أن يانشكو لم يفز بجائزة أفضل مخرج سنة 1987 عن »موسم الوحوش« لكني كنت نسيت، وقد حضرت تلك الدورة بالفعل، من فاز بها فعلاً. مرّة أخرى ذلك الموقع حل محل الذاكرة. إنه العام الذي فاز فيه لوي مال بالجائزة الذهبية عن »وداعا يا أطفال« والعام الذي فاز فيه فيلم"لتحيا السيّدة« للإيطالي أورمانو أولمي (الفيلم الذي لم استطع مشاهدته الى الآن) وفيلم جيمس ايفوري »موريس« بالجائزة الفضية على نحو تناصفي٠
من الذي فاز بجائزة أفضل مخرج؟ لا عجب أنني لم أتذكر لأن فانيسيا لم يمنح هذه الجائزة في ذلك العام، ولا في العام الذي قبله ولا في العام الذي بعده ولا أدري في أي سنة منحها - إذا منحها- او في أي سنة حجبها لأن ذلك يتطلّب مراجعة تستغرق وقتاً لا أملكه

نعم خرج يانشكو عن فيلمه ذاك بشيء من فانيسيا أسمه
Honorable Mention ذِكر شرفي او
فقط للتاريخ٠



26.07.09

لديك بريد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الأخت عبير من مكّة المكرّمة تسأل
ليش ما ترجع للتلفزيون يا أستاذ محمد. أنا ما كنت أطالع الا الأفلام التي تنقذها أنت بأسلوبك الساخر٠

جواب | شكراً جزيلاً يا أخت عبير على سؤالك . السبب هو أن معظم المحطّات التلفزيونية لم يعد يرضيها برنامج سينمائي موزون ورزين. يريدونه خفيفاً مثل محارم الورق ولا أستطيع والحالة هذه أن أستجيب واشترك في أحد هذه البرامج بالطريقة المطلوبة٠ آخر محاولاتي أنتهت قبل عشرة أشهر تحديداً٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة بإسم سهران من جدّة تقول

مبروك التحقيفات الجديدة والترتيب الجديد للعدد. ومع أني أصبحت الآن أمضى وقتا أطول لأقرأ كل شيء في هذا الموقع لكنن أعرف الآن عن السينما والأفلام أكثر من شهرين او ثلاثة أشهر حين بدأت بقراءة الموقع لكن أستاذ محمد عندي طلب: هل لك أن تكتب فعلاً عن ستيفن سبيلبرغ سبيلبرغ كما وعدت؟

جواب | عزيزي سهران شكراً للثناء وشكراً للتذكير. سبيلبرغ في غضون أسبوعين الى ثلاثة، لأني مشغول بمخرج آخر هذه الأيام ولسبب مهم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهناك رسالتان حول موضوع واحد بدأ التطرّق اليه تعليقاً على موضوع مخرجي السبعينات في هوليوود المغيّبين حالياً والمنشور في العدد 438
الأولى، حسب ترتيب الوصول كانت من الأخ عمر منجونة الذي كتب

بالنسبة لمخرجى هوليوود , أريد أعرف رأى حضرتك عن علاقة (ستانلى كوبريك) بشركات الانتاج وهى التى تبدو علاقة شاذة من نوعها وتصب فى صالح الطرف الأول. ترى ما الذى ميز كوبريك لهذا الحد رغم فشل أعماله الطويلة الاولى تجاريا. ولماذا حظى بهذا الاهتمام الكبير من الشركات الضخمة رغم إقامته بعيداً في لندن، ولماذا لا ينفرد سكورسيزي مثلاً بتجربة مماثلة بحكم الشهرة التي وصل إليها؟
الشهرة التى وصل اليها ؟

الرسالة الثانية هي من الأخ محمد العسكري الذي يقول
عندي سؤال على موضوع هوليوود والمخرجين. يا ترى من ضمن أسباب عدم التعامل استخدام عدد أيام أكبر في التصوير واستخلاك خام أكثر، زي مثلا ديفيد فينشر بيعيد اللقطة الواحدة 20 مرّة؟

جواب | شد كيرك دوغلاس، الذي كان نافذ الكلمة في الستينات، من أزر ستانلي كوبريك حين تمنّعت يونيفرسال عن الموافقة على بعض شروطه خلال تصويره »سبارتاكوس«. رغم ذلك، أدرك كوبريك منذ ذلك الحين إنه سوف لن ينصاع الى طلب شركة إنتاج في حياته٠حقق فيلمين لمترو غولدوين ماير واحد سنة 1962 هو »لوليتا« والثاني سنة 1968 هو »أوديسا الفضاء« وبينهما »دكتور سترانجلاف« لحساب كولمبيا، ثم التزم من العام 1971 بشركة وورنر حين أخرج لها »كلوكوورك أورانج«٠
أعتقد أنه مثال على أن المرء يُعامل كما يرغب من الآخرين معاملته وكوبريك أراد أن يعامله الآخرون على النحو الذي نجح في فرضه عليهم: حرّية كاملة، استقلال انتاجي وفني شامل وسيادة خلال التصوير وبعده حيث لا يستطيع أي من كبار وورنر زيارة موقع التصوير من دون دعوة كوبريك وكوبريك لم يكن يدع أحداً٠
لو أن كوبريك تنازل مبكراً لتنازل دائماً لأنه من الصعب تصحيح إعوجاج حدث٠ لكن أيضاً هناك استعداد وورنر من جانبها٠
على غير سواها من الاستديوهات الكبيرة تلتزم وورنر بطاقمها القديم من السينمائيين. المثال الحاضر كلينت ايستوود إذ لا يزال ينتج أفلامه من تمويلها٠ وهي التي رضيت أن تعتبر كوبريك فنّاناً مختلفاً الى حد المطلق وتعامله بالإستجابة الى متطلّباته وبصرف النظر عن طيلة فترة التصوير٠
باقي المخرجين، مارتن سكورسيزي بينهم، يشعرون دائماً بالضغط: فيلمان متتابعان يسقطان كافيان لأن يجعلا المخرج من هؤلاء يتساءل عما إذا كان سيجد التمويل المناسب لفيلم ثالث٠



25.07.09
بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Mr. Nobody


أحد الأفلام التي تعلّق عليه السينما البلجيكية آمالاً كبيرة ضمن الدورات المتتالية للمهرجانات السينمائية في هذه الفترة من العام الفيلم الجديد للمخرج جاكو فان دورميال »السيد لا أحد« عن رجل بلغ المئة والعشرين سنة من العمر في عالم ما عاد يموت فيه البشر. في الدور الرئيسي الأميركي يارد ليتو والألمانية ديان كروغر (كلاهما في الصورة) لجانب البريطاني ريز إيفانز٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آخر خمسة أفلام شاهدها الناقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Bullets or Ballots | William Keighley (1936) ***
L'Atlandite | Jacques Feyder (1921)
****1/2
The Ugly Truth | Robert Luketic (2009)
*1/2
< G- Force | Hoyt Yeatman (2009)
**
Double Indemnity | Billy Wilder (1944) ****

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد الإنترنت

كل شهر أنتقل من البلدة التي أعيش فيها (توسون، أريزونا) الى هوليوود (ساعة بالطائرة) وأمكث أسبوعاً أحضر فيه مناقشات جمعية المراسلين الأجانب وعروضها السينمائية وبعض تلك اللقاءات التي تتم بيننا وبين السينمائيين المختلفين٠
هذا الأسبوع كانت هناك زيارة لموقع تصوير »الخطة البديلة« او
The Back-Up Plan
الذي تقوم ببطولته جنيفر لوبيز التي بدت في الحياة جميلة كما في السينما٠ وكنت في السيارة استمعت الى حديث مع عالم اجتماعيات حول موضوع الثقة من النظرة الأولى إذا ما كانت ممكنة او لا. وتساءلت: ماذا عن السينما؟ لم نمنح ثقتنا الى ممثلين ونحجبها عن آخرين بصرف النظر عن موقعهم من القصة. كان الوضع أكثر سهولة فيما مضى وحسب وصف كتاب: البطل بالقبّعة البيضاء والشرير بالقبّعة السوداء، والشرير هو الذي يبصق على الكلب بينما البطل هو من يربّته. طبعا المسألة تعقدت أكثر منذ أن عمد صلا أبوسيف وألفرد هيتشكوك الى تعيين ممثلين ضد النمط....٠
أيضا عروض لأفلام
The Ugly Truth, True Blood, Cold Souls
G Force وفيلم الأنيماشن
في اجتماعنا تناولنا موضوعاً لم يكن مطروحاً حتى لعامين مضت
(رغم وجوده من قبل ذلك): ماذا ستفعل الجمعية إزاء اختفاء الصحف المطبوعة، او اختفاء نقاد السينما وصحافييها من تلك الصحف (بدعوة شد الحزام) ولجوئهم الى الإنترنت٠
نظامنا ، كونه وُضع في الثلاثينات حين كانت هذه الجمعية عبارة عن بضع صحافيين ونقاد يلتقون في أحد المقاهي كلّما طرأ عليهم إجتماع ما، لم يعترف بالإنترنت، وفي السنوات القريبة أصدر تحريماً على الأعضاء بيع أي مقابلات يحصلون عليها او يقومون بها لأي إنترنت أميركي
(غير أميركي لا بأس). كذلك فإن عملية إثبات أنك لا زلت ناقدا او صحافيا ممارساً تتطلب الى اليوم (مرة كل عام) إبراز أربع مقالات مطبوعة وليس مقالات مكتوبة على الشاشة٠
هذه المرّة بدأنا نتحدّث عن موضوع الإنترنت على أساس أنه لم يعد هناك اي سبب لتجاهله وتركت الإجتماع والإدارة تخطط لإصدار قانون جديد يتيح استيعاب نقاد آنترنت من خارج أميركا
(كونها جمعية مراسلين أجانب) من بعض المواقع ذات السمعة الطيّبة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهرجان فانيسيا يُعلن لجان تحكيمه

ثلاث مسابقات تتطلّب ثلاث مجموعات من المحلّفين في الدورة المقبلة من المهرجان الإيطالي العتيد.
في قسم »آفاق« يترأس المخرج الأسباني بير بورتابيللا فريقه المؤلف من الفنان بادي مينك
(لوكسمبرغ)، والمخرجة جينا كيم (كوريا الجنوبية) والمخرج جيانفرانكو روزي (ايطاليا) والمخرج غارين نوغرو (اندونيسيا)٠
في مسابقة الأعمال الأولى فإن القيادة منحت للمخرج الأفرو- أميركي المستقل هايلي جيريما الذي كان نال جائزة الأسد الفضي في العام الماضي عن فيلمه »تيزا«٠ تحت قيادته يتوزّع كل منه المخرج الأميركي، من أصل إيراني، رامين بحراني الذي منحه "أتحاد النقاد الدوليين" في العام الفائت جائزتها عن فيلمه »غودباي صولو«٠ أيضاً جياني دي غريغوريو الذي قدّم في الدورة الماضية فيلمه
Pranzo Di Ferragosto

الذي منح بالإنكليزية عنواناً مختلفاً يعني »غداء منتصف شهر أوغست« وفاز بجائزة الجمهور. أيضا في نفس هذه اللجنة
(الصعبة) المخرج الأميركي (أيضاً أفرو-أميركي) أنطونيو فوكوا ("يوم التدريب") والمخرج البريطاني تايلور وود٠
للأفلام القصيرة لجنة مؤلفه من الأميركي ستيوارت غوردون والروسية أوليفا سيتورا المسؤولة عن البرمجة
UCLA عن مهرجان كينوتور، كما ستيف ريكي مسؤول الأرشيف في جامعة

وكان المهرجان أعلن قبل أشهر عن أن المخرج أنغ لي
(الذي قدّم فيلمه الأخير »أخذ وودستوك« في مهرجان كان الأخير من دون إثارة تُذكر) سيقود لجنة تحكيم المسابقة الرسمية٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعقيب | المحلّية ليست الطريق الى العالمية بالضرورة

لا يزال القول سائداً في بعض الأوساط السينمائية العربية بأن الفيلم المحلي هو الطريق الى العالمية٠
هذا قول قديم تردد في الستينات وربما من قبل وكان يحمل نصيباً كبيراً من الصحّة حينها. أيام ما كان العالم لا يزال متباعداً بحدود من كل نوع ولون ما جعل التبادل والعروض العالمية للأفلام غير الأميركية أمراً ممكناً، فكنت ترى في نيويورك ولوس أنجيليس او في ريو دي جنيرو او أثينا او باريس او سيدني، في استراليا، فيلم الياباني ياسيجيرو أوزو الغارق في المحلية »الربيع الباكر« وبجانبه في ذات العواصم او سواها فيلم فيتوريو دي سيكا »سائق الدراجة« كما العشرات وبل المئات من الأفلام المتنوّعة القادمة من كل تلك السينمات التي ليس لديها آلية توزيع شاسعة ودُولية مثل السينمتين الأميركية والهندية٠
بيروت ذاتها كانت تشاهد أفلاما برازيلية وتركية وسويدية وفرنسية وأميركية ومصرية واسبانية وهندية وايطالية وسواها على حد سواء وفي صالات على مسافات قريبة٠

كان العالم مختلفاً حين كان يجهل بعضه بعضاً ويريد أن يتعرف. تثيره المسائل من نواحيها الثقافية والفنية كما العلمية وجزء كبير منه تراه مقبلاً على الأفلام التي تتحدّث عن الإنسان مصرياً كان او تونسيا او سويدياً لأنه مختلف عن القابع في البلد الآخر ولدى جمهور ذلك البلد فضول شديد٠

حينها كانت أفلام صلاح أبوسيف وتوفيق صالح وسواهما المحلّية تزيّن صالات وعروض ومهرجانات دولية- بقدر ما استطاعت هي أن تعلن عن نفسها. وأفلام هذين المخرجين- المثلين كانت محليّة في كل شيء
(على عكس أفلام يوسف شاهين التي تحدّثت مصري وفكّرت أوروبي منذ البداية)٠

القصد هنا هو القول أن مفهوم أن الفيلم بقدر ما يكون محلياً بقدر ما يكون عالمياً كان صحيحاً في الستينات ولنهاية السبعينات فقط. حال أخذ العالم يتوحّد ضمن مفاهيم اقتصادية وتقنية وعلمية ومناخية واحدة، وتقدّمت وسائل التواصل وصار الخبر الحاصل في دالاس يصل الى طنطا في غضون دقائق، والعكس صحيح، بات الآخر يعرف عن »المحلي« والمحلي يعرف عن »الآخر« أكثر مما يعرف كل منهما عن نفسه ولم يعد هناك حاجة
(نظرياً على الأقل) لمعرفة ذلك الآخر عبر الأفلام. بالتالي، المحلية ليست مطلقاً شرطاً للعالمية


هذا العدد
  • أزمتان بلغتين: "أمريكا" الفلسطيني و"عيون مفتوحة " الإسرائيلي | نديم جرجورة
  • فيلم "البشارة": الغياب والفقد وهوية الإنسان البحريني | خالد ربيع السيد
  • نجما موسيلليني بين الدكتاتورية والثورة في فيلم »دماء جامح« | ميسر المسكي
  • العالم الغريب والشقاء المرعب للكاتب والمخرج تشارلي كوفمَن | جلال نعيم
  • انطونيو بانديراس يتحدّث عن هوليوود والسينما الأوروبية ومستقبله | هوڤيك حبشيان
  • أين أختفى الممثل الحي في أفلام هوليوود هذا الصيف ؟ | محمد رُضا
مقالات نقدية


أزمتان بلغتين: "أمريكا" لدعبس و"عيون مفتوحة على اتساعها" لتبكمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة

أميركا
------------------------------------------
يسلط نديم جرجورة الضوء على فيلمين ، فلسطيني
واسرائيلي، بعد تحريرهما من النيات والأحكام
المسبقة٠
------------------------------------------
في الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي، التي أقيمت بين الثالث عشر والرابع والعشرين من أيار الفائت، عُرض فيلمان روائيان طويلان هما الأولان لمخرجيهما: «أمريكا» للفلسطينية شيرين دعبس المقيمة في الولايات المتحدّة الأميركية (برنامج «نصف شهر المخرجين»)، و«عيون مفتوحة على اتّساعها» للإسرائيلي حاييم تَبَكمان المقيم في إسرائيل (برنامج نظرة ما»)٠«
إن المقارنة النقدية بينهما متحرّرة من النيات السياسية والأحكام المسبقة، لأنها مهمومة بتبيان أسلوب العمل السينمائي وكيفية التعاطي مع المسائل العامّة من خلال النماذج الفردية. والأهمّ أنها لا تأبه بالجغرافيا والتاريخ والنضال إذا كانت هذه كلّها مشغولة على حساب الفن والإبداع، على الرغم من الأهمية القصوى للجغرافيا والتاريخ والنضال، لكن ليس على حساب الفن والإبداع بل بالتكامل معهما شكلاً ومضموناً، علماً بأن السينما الفلسطينية أنتجت أفلاماً مهمّة لقيت اعترافاً عالمياً، كأفلام إيليا سليمان وميشال خليفي وهاني أبو أسعد وآن ماري جاسر وغيرهم، يجمعها موضوع واحد، تقريباً، هو صراع الشعب الفلسطيني في سبيل هويته وثقافته وشخصيته. ومن المؤكّد أن المستوى الفني أساسيّ في الدفاع عن فلسطين القضية والشعب، وأن هبوطه ليس لصالح لا السينما ولا القضية٠
هذه المقارنة هي بين أسلوبين في التعامل مع المجتمع ومعاناة ناسه، ولا تعني إطلاقاً أي مساواة في النظر بين المسألتين، فالانحياز بديهي وبلا شروط إلى الحقّ الفلسطيني. وليست المقارنة إلاّ لتعميق رؤية هذا الحقّ٠
هذان الفيلمان هما الروائيان الطويلان الأولان لمخرجَيْهِما، وقراءتان مختلفتان للواقعين الفلسطيني والإسرائيلي، على الرغم من تناقضهما في مقاربة الموضوعين، إذ بدا الأول متزلّفاً، إلى درجة ما، للغرب؛ في حين بدا الثاني تشريحاً قاسياً للبيئة الإسرائيلية المتزمّتة، أو مرآة شفّافة عكست واقع الحال، على الأقلّ. إنهما متشابهان على مستوى الإنتاج المتواضع، مع أنهما مختلفان كلّياً على مستوى آلية المعالجة، إذ سقط الأول في فخّ الخطابية والتسرّع في تقديم المادّة والمعالجة الفنية والدرامية، بينما حافظ الثاني على سوية إبداعية متواضعة. والمقارنة بينهما «قد» تجعل البعض يقسو على مقالة تهدف إلى القول إن هناك مشكلة إبداعية خطرة في النتاج الفني العربي، وإن بعض أسباب هذه المشكلة مرتبطٌ بانغلاق متنوّع الأشكال والمستويات، يحول دون إعمال العقل وتحرير المخيلة، علماً بأن أفلاماً إسرائيلية مُنتجة في الأعوام القليلة الفائتة على الأقلّ بدت أجمل درامياً وأهمّ فنياً وأقسى سجالياً من أفلام عربية كثيرة. ثم إن اختيارهما معاً في هذه القراءة النقدية نابعٌ من رغبة شخصية في تبيان نموذج فني عربي في التعاطي مع المسائل العربية، منسحب أيضاً على نماذج كثيرة، تغرق في الخطابية والندب وتحميل الآخر مسؤولية الهزيمة الذاتية؛ في حين أن النموذج الإسرائيلي يقسو كثيراً، أحياناً، في نقد الذات والبحث في خللها، وفي مواجهة إحدى أقسى المؤسّسات اليهودية في إسرائيل: المؤسّسة الدينية المحافظة والرجعية؛ علماً بأن هذا النموذج يُقابل خطاباً سينمائياً إيديولوجياً إسرائيلياً مناقضاً له تماماً، لأنه يزوّر حقائق ووقائع عربية، تاريخية وجغرافية وإنسانية، ويتجاهل الواقع الإسرائيلي بتغطيته بنِفَاق خطابي تجميلي٠

لقطة أخرى من فيلم "أمريكا" إخراج: لشيرين دعبس

واقع حيّ
أرادت شيرين دعبس أن تجعل «أمريكا» مرآة لواقع فلسطيني في البيئة المجتمعية الأميركية؛ وسعى حاييم تَبَكمان إلى تشريح البنية الداخلية للمجتمع اليهوديّ (وليس الإسرائيلي فقط) المحافِظ والمتزمّت. قدّمت الأولى صورة عن المواجهة الأميركية للفلسطيني المهاجر أو المنفي، خصوصاً بعد جريمة الحادي عشر من أيلول 2001؛ ورسم الثاني لوحة لثقافة منغلقة على ذاتها ورافضة الخروج من تقوقعها الديني والاجتماعي والثقافي والحياتي من دون أن يغرق الفيلم في تحليل سوسيولوجي أو نفسي مسطّح؛ مستنداً، في الوقت نفسه، إلى أدوات سينمائية بسيطة، على غرار استناد دعبس إلى مثل هذه الأدوات نفسها، وإن بدت النتيجتان متناقضتين، إذ ظلّ «أمريكا» خطابياً ووطنياً، بالمفهوم الساذج للخطابية والوطنية معاً، بينما تحرّر الثاني من وطأة السجال النقدي المباشر، لأنه غاص في التشعّبات المختلفة لهذه البيئة، من خلال نماذج فردية معينة. حاولت المخرجة الفلسطينية أن تُشرِّح العلاقة الصدامية بين الطرفين (الفلسطينيين والأميركيين تحديداً، من دون أن تتغاضى عن العلاقة الصدامية والعنفية القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين)، لكنها لم تشيّد عمارة سينمائية جدّية، لأنها مالت إلى مقاربة عادية لا تخلو من سرد حكائي مبسّط لأحداث مهمّة، علماً بأن الفيلم واقعٌ في مشكلات عدّة، أبرزها ضعف السيناريو وغياب الإدارة الفنية للممثلين تحديداً؛ بينما اختار المخرج الإسرائيلي البساطة الفنية أساساً للتوغّل في العالم المتديّن والصارم لمجموعة من الأرثوذكسيين المتشدّدين، من خلال علاقة حبّ عاصف بين رجلين متديّنين٠
لم تشذّ دعبس عن الجانب الفردي في فيلمها هذا، إذ تناولت أفراداً ينتمون إلى عائلة واحدة، يجتمعون في الولاية الأميركية إلينوي، لأسباب عدّة: الأم منى (نسرين فاور) أرادت إنقاذ ابنها الوحيد فادي (ميلكار معلّم) من الجحيم الإسرائيلي، فوافقت على السفر إلى شقيقتها رغدة (هيام عبّاس) المتزوّجة بطبيب يُدعى نبيل (يوسف أبو وردة)، علماً بأن الزوجين رغدة ونبيل جاءا الولاية نفسها قبل أعوام عدّة بهدف العمل وتحقيق الذات والبحث عن فرص حقيقية للعيش، قبل أن تكتشف رغدة أن الوطن أهمّ، على الرغم من كل شيء. غير أن التأقلم مع الواقع دونه صعوبات، في ظلّ تنامي الحقد الأميركي على العرب والمسلمين في مؤسّسات المجتمع المدني؛ والنزاع الذاتيّ بين البقاء والعودة مردّه العزلة التي تنامت حول العائلة الفلسطينية. انتبهت المخرجة إلى أن هناك أفراداً أميركيين غير ملتزمين سياسة هذه المؤسّسات، فجعلت أبرز شخصية أميركية إيجابية في تعاطيها مع هذه العائلة الوافدة حديثاً إلى «أرض الأحلام» رجلاً يهوديّاً من أصل بولنديّ، نجا من المحرقة النازية على نقيض أهله وأقاربه وأصدقائه هذا موقف خاصّ بالمخرجة، لكنه واضح النيات الإنتاجية والتسويقية). انتبهت إلى أن النهاية السعيدة ناشئة من قدرة الجميع على استعادة تأقلم ( ما، وإن ظلّ التأقلم معلّقاً في فراغ الأسئلة الأخلاقية والإنسانية العامّة٠

عينان مفتوحتان بإتساع

سلاسة المعالجة
من جهته، أبدى تَبَكمان سلاسة بصرية متواضعة في مقاربته إحدى أخطر المسائل الأخلاقية بالنسبة إلى الدين والمتدينين: المثلية الجنسية. يزداد الأمر خطورة، إذا أُدخل سؤال المثلية الجنسية إلى قلب المؤسّسة الدينية المتزمّتة والمنغلقة على نفسها. بدا اختراق المخرج هذا العالم، المحاصَر بالتقاليد المجمَّدة في الكتب القديمة والعادات الصارمة، بسيطاً وهادئاً، كأنه حريصٌ على عدم إشعال فتيل الغضب منذ اللحظة الأولى. فهو روى فصولاً من سيرة بيئة وأناس، من خلال اللحّام آرون (زوهار شتراوس)، المحترَم في بيئته الأرثوذكسية المحافظة في قلب أورشليم القدس، والمتزوّج من ريفكا (تينكربال)، التي أنجب منها أربعة أولاد، قبل لقائه الشاب إيزري (ران دانكر)، الخارج من صدمة عاطفية حادة أوقعه فيها تخلّي عشيقه السابق عنه (وهما أرثوذكسيان متديّنان أيضاً)، فإذا بأحوال الجميع تتبدّل: العائلة والحيّ والبيئة، والحبيبين أيضاً. وهذا كلّه مُصَوَّر بشفافية أقرب إلى سرد شعريّ يلتقط نبض العشق والتفكّك الأسري والعائلي والبيئي في آن واحد، ويصنع من المواجهات اليومية بين أطراف متناقضة وقوداً للاشتعال المؤجَّل. لا ينسى تَبَكمان إظهار التناقضات في ذات آرون، كاختزال سينمائي لتناقضات مشابهة لها يعيشها متعصّبون آخرون: فآرون يمارس عنفاً كلامياً ضد شاب مغرم بابنة الجيران، لأن والدها لا يريده لها؛ في حين أنه يمارس الممنوع (بالنسبة إلى المؤسّسة المنتمي إليها) في الخفاء. أي إنه ينضوي في الجماعة عندما لا يتعلّق الأمر به، ويخرج على الجماعة في المسائل الشخصية. ازدواجية أم خداع أم تحايل؟ الأهمّ من هذا، أن التفكّك ينخر جسد البيئة الضيّقة والمتشدّدة هذه، لكنه لا يقوّض أسسها، ربما بسبب مناعتها، بل ينسحب على أفراد رافضين لها، كآرون نفسه، وكابنة الجيران التي ترضخ لمشيئة الجماعة٠
إذا أخفقت شيرين دعبس في إدارة ممثليها (حافظت هيام عبّاس على أناقتها المعهودة في تقديم الشخصية وأداء الدور، من دون أن يعني هذا غياب التمثيل الاحترافي عند الآخرين، الذين لم يبلغوا مرتبة الإبهار، وإن التزموا تقنية عادية في التمثيل)، المنشغلة شخصياتهم السينمائية بالخطابية الوطنية على حساب الفن؛ فإن ممثلي حاييم تَبَكمان برعوا في جعل الشخصيات أقرب إلى الواقع الإنساني ومآزقه الأخلاقية والدينية والاجتماعية. وإذا أصيب سيناريو «أمريكا» وحواراته بشيء من الخلل والارتباك، فإن النصّ السينمائي لـ«عيون مفتوحة على اتّساعها» قدّم مادته ببساطة تملك عمقاً إبداعياً في مقاربة المسائل ومعالجتها درامياً وجمالياً٠

نديم جرجورة: ناقد صحيفة "السفير" اللبنانية *


فيلم »البشارة» ... الزوال وأدبية التراث البحريني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خالد ربيع السيد


------------------------------------------
الناقد السعودي خالد ربيع السيد يجد في فيلم محمد
بو راشد "البشارة" أكثر من سبب للإحتفاء به وبسينما
خليجية تتطوّر٠
------------------------------------------

في الغياب والفقد، وما يتولد عنهما من هواجس وبوح مكتوم وخلجات إلتياع مؤرقة، وبما يقودان اليه من هذيان الألم ومكابدة حرقة الفراق وتغييب الموت للأحباء، وأيضاً في ما تستوجبه الحياة العصرية من هجر المكان .. الأرض والمنشأ، الموطن بكل حمولاته الحميمية، والإنتقال الى مدن الخرسانة العصرية بكل ترسانتها الإصطناعية، وكذلك في دقائق التراث الموغلة في هوية الإنسان البحريني.. في كل ذلك يغوص المخرج محمد راشد بو علي بلغة سينمائية هادئة ليستخلص من قصة الروائي فريد رمضان معانٍ إنسانية عميقة، وليخلق من السيناريو رؤية بصرية زاخرة بالصورة المليئة بالتفاصيل الجمالية، ليقدم منهما فيلمه الأخير
The Good Omen | البشارة
عرضته شاشة مهرجان الخليج السينمائي في دبي مطلع هذه السنة، بإنتاج متميز أداره محمد عبدالخالق لشركة البحرين للإنتاج السينمائي ، ناجحاً في إستنطاق أحدوثة الوجع الشعبي المتوارث والضاربة في قسوة الزوال: موت الإنسان وإندثار المكان٠

إذن هو الموت بتأثيره النفسي الغائر، يتطرق إليه بو علي، سواء في فيلمه هذا أوفي فيلمه السابق "الغياب" ، حيث يتناوله في كلا العملين بأدبية رفيعة تجيّش المشاعر للتداخل مع خلجاته اللانهائية، بإعتباره أرقاً عرفه البحارة والصيادون والناس عامة في الخليج العربي، ربما بسبب إرتباطهم بحياة البحر المليئة بالمغامرة والسعادة والجحيم في آن واحد. أو بسبب ثورة البترول التي عصفت بالمنطقة فاجتاحت الإنسان وغيرت المعالم ..هو ألم لا يذبل مع مرور الزمن ويبقى جاثماً على الصدور كما صوره بوعلي برهافة حسية بالغة في 26 دقيقة٠

يصدح حسين بورقبة بمواله:٠
نيران قدر الدهر توقد في قلبي بحر
وعليّ سِلَّتْ سيوف الماضيات وبحر
الناس في ظلهم وربعي بشمس وبحر
يسرد الفيلم منطلقاً من الموال الفصل الأخير في حياة جاسم، أبومحمد (عبدالله ملك)، الذي يواجه حالة فقد مركّبة، تَفتُق حنينه أولاً للحبيبة الغائبة، زوجته أم محمد (مريم زيمان)، التي رحلت وفي قلبها جمرة فقدان إبنها البكر. وثانياً إشتعال مواجعه على المكان الآخذ في الإندثار، المتمثل في حارته/الجزيرة وأصدقائه وناسه القدامى ..آخرهم صديقه حسين (أحمد عيسى). ذلك الحنين يعصف به ويضعه في مأزق الحياة العديمة الروح، وهوالذي عاش حياة الحارة العتيقة بكل زهوها، وعاقر القيم الأصيلة وعرف معنى الألفة والمحبة الخالصة. لكنه يفيق بعد تبدل الأحوال فلا يجد في راهنه سوى الإنتظار والشرود بذهنه الى ماضيه المفعم بالطمأنينة وراحة البال٠

هذه الشخصية المأزومة جسّدها الممثل عبدالله ملك بتعايشٍ عميق إنعكس على لغة جسده وتعابير وجهه، وأسهم في الإحساس بذلك مكياج ياسر سيف مُظهره في سن متقدمة، في مقابل لقطات الإرتجاع بالزمن (فلاش باك) التي برزت فيها مريم زيمان بأدائها التلقائي ، لاسيما وأن طريقة أدائها تسعى الى الوصول لأقصى درجات الطبيعية. تظهر أم محمد في لقطات ضبابية وهي باسمة، كما تبتسم الأمهات اللائي تركن أحبائهن وهن راضيات . مشبعة بألق الدعة، مرتدية ثوب المكورر الزاهي ، تتهادى بين الواقع والخيال في تكامل سحري سينمائي يبديه بوعلي وقد إتضحت سمات حرفته الإخراجية في نهج الواقعية الأدبية، خاصة وأن موضوع وقصة الفيلم يتطرقان الى الواقع من زاوية نستولوجية توطد مفاهيم الأصالة وتماحك صراعها مع الحداثة٠

لكن هذا الواقع بهوته الواسعة الرابضة بين جيل جاسم وجيل حفيده، جيل الإنترنت والعلاقات الإلكترونية التخيلية، كما صورها مشهد إنشغال الحفيد بالتخاصب عبر المسنجر .. ذلك الواقع الإفتراضي والتواصل الوهمي لا يمت لعالم جاسم بصله أورابط مادي حقيقي، لذا يجد نفسه غريباً وحيداً فقد زمنه وكينونته، بعد أن ناطحت سنوات عمره العقد السابع. ومع إشتداد إحساسه بالغربة والخوف من خواء الآتي، يعرض عليه إبنه محمد(جمال الغيلان) الخروج والإنتقال من منزله القديم الى منطقة سكنية حديثة. يرفض العرض بشدة، وتبدأ روحه في التمزق، لتكتمل عقدة الفيلم، ويلتمع بداخله سؤال : كيف سيترك الحيّ الشعبي الذي عاش فيه أجمل أيام حياته مع زوجته وأهل حارته الطيبين؟

تَحمى وتيرة الصراع الداخلي عند جاسم، فلا يجد أمامه سوى الإنتصار لجوانيته الحزينة بأن يظل مترقباً للأمل وللبشرى القادمة مع عودة زوجته (عمرك ما تعرف إن اللي يحب ما يترك محبوبه وبشارة جيتها بتشوفها معلقة على سطح البيت) ٠
يأخذ ثوبها النشل المطرز بخيوط الذهب، كانت ترتديه في مناسبات الأعياد والأفراح، ثم يصعد الى صارية البيت ليعلقه كعلم بحسب العادة المتوارثة، للكناية عن البشارة بقرب عودة الغائب المنتظر. لكن البشارة لم تكن بعودة أم محمد بل بدنوأجله وموته المحتوم

على هذه المحاور رسم فريد رمضان سيناريو الفيلم، متخذاً من الأحياء الشعبية في الجزيرة القديمة مواقعاً للتصوير بما يتلائم مع أجواء القصة وزمنها السردي والإسترجاعي ، متخلصاً ـ السيناريست ـ من كثرة الإكسسوارات البصرية التي لا تخدم الفيلم القصير، فلا مظاهر زائدة تبرهن على العصر، لا حاجة لظهور سيارات وأجهزة ومبان شاهقة ومظاهر مدنية كبيرة ..فقط يركز السيناريوعلى يملأ مخيلة المشاهد بزمن جاسم المفقود، ناهيك عن لقطات غنية بالمكونات البيئة المنسجمة مع موضوع الفيلم لجهة التأكيد على أصالة الحياة البحرينية القديمة والتي تبرق بلونية جمالية آخّاذة أبرزتها حرفية مهندس الإضاءة خالد العميري، خاصة في المشاهد التي تصور تفاصيل البيت من الداخل: اللحظة التي ينفتح فيها الباب قبل دخول أم محمد المتخيل ،يشع الضوء ممتداً على أرضية المجلس، وتشكل ثنائية الضوء والظلال حُلمية المشهد. وفي اللقطة التي تصور ثوب النشل وقد رفرف على الصارية يصعد النور ليبدد الظل عن أزقة الحارة/ الجزيرة، وأثر الشمس يلوح والرياح العاتية تنعكس على ملامح الشخوص، كل هذا يأتي في تكامل بصري مع الديكورات المدروسة من قبل راشد كويتان وفاضل علي٠


لم يغيب عن المخرج تضمين الفيلم بلفتات رمزية بالغة الأهمية : دلة القهوة وملة التمر، البخور، أدوات الشاي، الملابس، المقهى، فرحة الصيد، أصوات السيارات التي تعبر جسر المحرق/البحرين دون أن يراها المشاهد . . في إحدى اللقطات بينما جاسم وصديقه حسين يتبادلان الحوار على ظهر قارب الصيد، يظهر في خلفية الأفق البعيد العلم البحريني في دلالة تومئ ،ربما، الى البشارة بالمستقبل الواعد الذي ينتظر البلاد، تلك الرسالة التبشيرية بالمستقبل بثها الفيلم من ضمن عشرات الرسائل التي عكسها محمد راشد بوعلي بفنية تبتعد عن المباشرة وتترك للصورة حرية التعبير الكاملة بحسب إجتهاد مدير الكاميرا حمد الماجد في إلتقاطها، لتكمل الخفي وغير المفصوح عنه في الحوار الجزيل الذي كتبه فريد رمضان برهافة الشعر وجمالية الأدب :٠
أم محمد: كان لازم آييك.. أنت نَفَسْ البيت، ما يصير أخليك تتعب أكثر.. ولهانه عليك مثل ما أنت ولهان عليّ. اللحين بيغرد ثوب النشل، وبيسمعه كل أهل الفريج.
بدلا من يذهب الأحياء للموتى ، تأتي هي (كان لازم آييك) ، لأنها عرفت الحياة هنا، ولم تعرفها في الزوال ٠
يضع بوعلي بصمته في الحوار بما يكون ركيزة الفيلم الإضافية:٠
جاسم: البيت وآحشني وايد
أم محمد: أنت في البيت
جاسم: أنتي البيت، تعالي، خليني أحط على جروحك دوا، تراني أدري فقدان الضنى صعب، موسهل، تعالي يا سدرة البيت جلسي يمي٠

يترنم بورقبة :٠
من حيث أهل الوفا ما عاد فيهم وصل
وانقص حبل الرجا منهم فلا له وصل
لوكان بالسِّيفْ قطعت الاعادي وصل ٠

خالد ربيع السيد: ناقد وباحث سينمائي من المملكة العربية السعودية *


Sangue Pazzo الدم الجامح والطموح المخذول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسر المسكي



------------------------------------------
يفتح الناقد ميسر المسكي النافذة اليوم على فيلم إيطالي
يتعامل ونجمين من الأربعينات وُجداً مذنبين بتهمة القبول
بماسوليني فاشياً٠
------------------------------------------

نحن في الثلاثين من نيسان 1945. منذ خمسة أيام فقط سقطت الدولة الفاشية في إيطاليا التي أستسلمت للحلفاء٠
ولدان مُشردان في أنقاض مدينة ميلانويعثران على شريط سينمائي وبجانبه جثتان لرجل وأمرأة ولوحة صغيرة كـُتبَ عليها: "لقد تم إعدام أوزفالدوفالنتي ولويزا فيريدا"٠

لكن من هما فالنتي وفيريدا؟ للإجابة، علينا بنظرة سريعة إلى تلك الأيام ليكون القاريء الراغب بمشاهدة الفيلم في مناخ الأحداث٠
عام 1943 نَزَلت جيوش الحلفاء على البرّ الإيطالي وأنهارت الحكومة الفاشية في روما وتمّ إعتقال الديكتاتور وسيّد روما السابق بنيتو موسوليني. لكن أدولف هتلر أرسَلَ خيرة وحداته الألمانية الخاصة التي حررت موسوليني من أسره وأعاده إلى شمال إيطاليا حيث ترأسَ جمهورية فاشية صغيرة عاصمتها بلدة سالو الصغيرة. هذه الجمهورية كانت بتمويل الألمان وحمايتهم وحين غادروا شمال إيطاليا بعد عام ونصف أنهارت هذه الجمهورية المسخ وألقي القبض على موسوليني واُعدم مع صديقته وبعض أعوانه٠
جمهورية سالو هذه هي التي أستعارَ بيير باولو بازوليني أسمها لفيلمه المعنون "سالو" المفعم بالعنف السادي الذي أراده بازوليني رمزاً للفاشية. والفيلم أستعاده الناقد هوفيك حبشيان على صفحات هذه المجلة منذ أسابيع٠

حين فرّ الفاشيون إلى جموريتهم في الشمال، رافقهم بعض من خشي من نقمة الثوار وبعض من لم يكن قد أختـَبَرَ العيش إلاّ في ظلّ الفاشيين الذي دامَ حكمهم واحد وعشرين عاماً. من أولئك كان الممثل الشهير وقتها في إيطاليا أوزفالدو فالنتي وصديقته الممثلة والنجمة لويزا فيريدا. فالنتي وفيريدا أرتبَطَ أسمهما بالنظام الفاشي لصداقتهما مع بعض أهمّ رموز ذلك النظام أيام عزّه كما أيام إحتضاره٠

أليسو بوني ومونيكا بيلوشي

يلقي المخرج ماركو توليو جيوردانا في فيلمه "الدم الجامح" نظرة على سيرة الممثلين ونهايتهما المأساوية محاولاً فكّ الإرتباط بين فيريدا وفالنتي وبين النظام الفاشي. جوردانا يحاول ذلك عبرَ تقديم تفسيرات درامية لبعض الأحداث. فما اُشيعَ عن أن فالنتي قد سَاهَمَ في تعذيب المعتقلين الشيوعيين في سجون سالو، يقدّمه جيوردانا هنا على أنه سهرة صاخبة جمعت فالنتي وفيريدا مع ضابط أمن فاشي وحاشيته وقد خرجت السهرة عن السيطرة حين طلبَ فالنتي أن يلقي نظرة على المـُعتقلين في أقبية التعذيب ليصورهم بكاميراه، وهوالذي كان يوثـّق أغلب مراحل حياته على أشرطة سينمائية. كما أن جيوردانا لا يترك فرصة إلاّ ليُظهر سخرية فالنتي من رأس النظام الفاشي، موسوليني. أما فيريدا فقد ربطها جيوردانا بعلاقة ملتبسة مع كونت مثلي جنسياً وعاشق للسينما وكاره للفاشية. شخصية يقول من يعرف سيرة النجمة لويزا فيريدا أنها درامية صرف ولم يكن لها وجود على الواقع٠
الفيلم يبدأ خمسة أيام قبل إستسلام إيطاليا وينتهي أربعة أيام بعدها. تسعة أيام لرواية الهروب الأخير والمستحيل لممثلان نجمان أصطدمت أفلام المغامرات الوهمية التي قدماها على الشاشة بالواقع الدامي لبلد مزقته الديكتاتورية كما الثورة٠
يلجأ جيوردانا إلى الفلاش باك لإستكمال بانوراما سيرة فيريدا وفالنتي منذ صعودهما إلى الشهرة إلى يوم حتفهما برصاص الثوار في خرائب ميلانو الثائرة. لكن المشكلة هي أن الفيلم يفقد زخمه بعد فترة ولا ينفع الفلاش باك الغزير ولا بعض التشويق الذي أضافه المخرج إلى رحلة هروب المـُمثليَن ولا سحر مونيكا بيللوتشي ولابعض الدلالات البصرية اللافتة ولا مَشاهد الجنس الرمزية في دفعه إلى التحرك إلى الأمام.
ورغم أن المادة الروائية الدسمة تسمح بالإنفتاح على إحتمالات كثيرة بصرياً وفكرياً، لكن النصّ المكتوب وفقر الخيال والمعالجة أطاحا بفيلم كان يمكن أن يكون بديعاً في سرد تماهي وإلتباس السينما (الخيال) مع السياسة (الواقع). هذا الإلتباس الذي يودي بنجمين إلى نهاية شكسبيرية في عالم كان يهذي بالعنف٠
يملك الفيلم بعض لحظات البريق من حيث التنفيذ كما الدلالة. فحين يهرع فالنتي للهرب في يومه الأخير يكون عليه الإختيار بين علبة المجوهرات وبين علبة معدنية تحتوي شريط واحد من أفلامه، فيختار الأخير. كما أننا طوال الفيلم نرى فالنتي يحمل علب أفلامه (إرثه البصري) التي تتناثر على درب الهروب وتنتهي إلى علبة واحدة إلى جانب جثته حيث يـَلمّ الشريط السينمائي المهدور طفلان مُشردان٠
عُرضَ الفيلم في مهرجان كان عام 2008 دون أن يحظى بالكثير من الترحيب. لكن في إيطاليا كان له وقع آخر خصوصاً مع صعود اليمين إلى سدّة الحكم هناك٠

لمحة عن لويزا فيريدا وأوزفالدو فالنتي
ولدت لويزا فيريدا (وأسمها الأصلي لويجيا مانفريني) عام 1914. بدأت حياتها المهنية كممثلة مسرح في أدوار ثانوية، ثمّ أنتقلت إلى السينما حيث لعبت أدواراً مساعدة قبل أن يتيح لها جمالها وموهبتها أن تحوزأدواراً أولى كثيرة كان أهمها عام 1936 في فيلم "الصمت الكبير". صعود فيريدا إلى النجومية ترافق زمنياً مع توطيد الفاشيين لسيطرتهم على السينما كما على إيطاليا كلها.
عام 1939 وفيما كانت فيريدا تصّور فيلمها "مغامرة سلفاتوري روزا" ألتقت بأوزفالدو فالنتي (1906 – 1945) والذي كان قد سبقها إلى الشهرة وتطورت علاقتهما وأنجبا ولداً (فيلم الدم الجامح يتصرف في هذه التفصيلة حيث يتم إجهاض الطفل)٠
في الأربعينيات تحولَ كلٌ من فيريدا وفالنتي إلى رمزين لإزدهار الحقبة الفاشية في السينما الإيطالية وتوالت أدوارهما بحيث لعبَ فالنتي في أكثر من ستة وخمسين فيلماً، فيما قامت فيريدا ببطولة سبع وثلاثين فيلماً ونالت جائزة أفضل ممثلة إيطالية في أول الأربعينيات٠
علاقة فالنتي القوية مع رموز السلطة الفاشية وضعته، ومعه فيريدا على لائحة إنتقام الثوار والشيوعيين. في الثامن والعشرين من نيسان 1945 أعتقلَ الشيوعيون موسوليني وصديقته وأعدموهما، وبعد ذلك بيومين وفي الثلاثين من نيسان عام حظي الثوار في مدينة ميلانوبفيريدا وفالنتي، وتمّ إعدامهما فوراً في أحد شوارع المدينة دون أي محاكمة. لويزا فيريدا كانت في الواحد والثلاثين من عمرها وحامل في شهرها الثالث حين أرداها رصاص الثوار٠

ميسر المسكي ناقد سينمائي سوري يكتب مقالاته خصيصاً لهذا الموقع *


Synecdoche, New York
العالم الغريب والشقاء الروحي المرعب لتشارلي كوفمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلال نعيم

فيليب سايمور هوفمان في البطولة

------------------------------------------
ترحب مجلة "ظلال وأشباح" بقلم جديد
ينضم إليها ويكتب خصيصاً. الزميل جلال
نعيم يكتب من لوس أنجيليس عن فيلم تشارلي
كوفمان الجديد الباحث في النفس والذاكرة والمتألّم
حسرة على وجود لا يتوقّف عن التغيّر٠
------------------------------------------

منذ فيلمه الأول
Being John Malkovich (1999) | أن تكون جون مالكوفيتش
وتشارلي كوفمان لا يكف عن محاولة اختراق الحصن، الحصن الذي عجزت كاميرات السينما عن اختراقه، الا باستثناءات نادرة: الا وهو ذهن الإنسان! ولعل أدواته، ككاتب، قد شحذت جيدا عبر افلامه
Human Nature (2001) | " طبيعة بشرية
Confession of a Dangerous Mind (2002) | اعترافات عقل خطير
Adaptation | (2002) اقتباس
Eternal Sunshine of the Spotless Mind (إشراقة أبدية لعقل نظيف | (2004

ولعل هذه التحصيلة العميقة من الأفلام وضوحا، أكثر عمقا، وأعنف حضورا في الذاكرة! هو ما قاده الى صنع فيلم جديد أكثر توجهاً هو
Synecdoche, New York

حكى "اقتباس" قصّة كاتب سيناريو يريد ان يؤلف فيلما عن الزهور وأمام رفض شركات الانتاج لهكذا موضوع في هوليوود يلجأ الى أخيه المغرم بأفلام القتل والمطاردات ليضيف له من عندياته ويخضب فيلمه بالدم. وقد أوهم كوفمان حينها الجميع، بمن فيهم أعضاء أكاديمية الأوسكار بشخصية أخيه التوأم المختلقة من عندياته، وللعب بتجاريات هوليوود ربما وضع اسم اخيه المختلق ككاتب مساعد وكمشارك في كتابة السيناريو وحصل كليهما على ترشيح للأوسكار وكأنه شخصية فعلية٠
يستعير هذا الاسم الغريب واقعية لها وجودها الحقيقي، وهو شيء له دلالته، فهو في هذا الفيلم
Synecdoche
والذي يعني باليونانية "الفهم المتوازي او المزدوج" ، او ما يعطي معنيين مختلفين في الوقت نفسه! ووضعها في مقدمة الفيلم وكأنها توطئة لكشف حالة التوازي. بان لا يغيب عن بالنا بان ذلك يأتي بعد سرد التكامل ما بين الواقع والخيال.. ولكن يجب على الحقيقة المرة أن تحتفظ بانفصالها، ومن ثم تداخلها مع نسيج الفيلم، والتي جاءت على وفيها شكل فيلم قصير مصور بطريقة الابعاد الثلاثة يروي واقعة غزو بيروت عام 1982 يعبر عن المفارقة الكبيرة في أنه كلما أراد استعادة ذاكرته وجد نفسه يبحث عن أناس لا يمكن نسيانهم.. وهو ما يمكن قراءته بان الواقع يضغط على الذاكرة حتى يسحب منها فتيل المخيلة وبالتالي تبقى الاشياء والكائنات المفروضة عليها.. ولعل هذا ما يفسر القسوة والحزن الذي يحيك خيوط هذه القصة/الفيلم!٠

من هو "كادن كوتارد"؟
هو رجل بلا ذاكرة، كما تقترح المقدمة. مخرج مسرحي ناجح، وكثمرة لنجاحه يحصل على المسرح الضخم في مدينة المعاني المزدوجة الذي لا يريد تقديم ليس حلم حياته فيها، ربما لأنه بلا ذاكرة وبلا مخيلة، وإنما يرغب في وضع اسقاطاته فيها، او الكائنات التي تضغط عليه، والتي لا يمكن نسيانها، لذا يسطر جيشا يتنامى من الممثلين، "ليس فيهم كومبارسا واحدا" كما يعلن دائما، لأن كل منهم يؤدي دورا اثر فيه، وله كيانه الخاص به. فالعالم فيه مليارات من البشر / الأبطال وليس فيهم كومبارس واحد٠
هو عالمه اذاً، نعم لأنه فرض عليه.. هكذا يعرف شخصياته، او ترتسم أمامه، تتوسل اليه بأن يكون كما كان أكثر من عشرين عاما مضت. يرسم شخصيات لأنه يخرج مسرحية في مسرح بلا جدران عبر زمن يتسلل الى رأسه وحياته حيث تهجره زوجته الى حبيبة لها في المانيا بعد ان تقيم معرضا هناك لصور حياتهما والناس المحيطين بهما ولكن على شكل صور صغيرة لاترى الا بعدسات مكبرة. وتأخذ معها ابنته الصغيرة التي يظل يتصور بأنها لم تغادر الرابعة حتى بعد ان يراها وقد تحولت الى عارضة وشم على جسدها العاري. يراها من وراء زجاج العرض، يصرخ فيها ولكن لاتبالي او لا تسمع، حتى يأتي أمن المترجم المعرض ليسحلوه خارجا.. ثم تموت بعد سنوات، يراها وهي تحتضر، يتحادثان عبر الآلي ويعرف بانها تحتضر لأن زهور الوشم (التاتو) على جسدها بدأت تذبل.. ينتحب أكثر من مرة ولكن بصمت٠

ممارسة الجنس مع اية امرأة وخاصة عشيقته تستدر دموعه. شقاء روحي مرعب. وأناس يدفنون، بينما مسرحيته تنمو وتتشعب، الشخوص التي خلقها، والتي فرضت نفسها اصلا بحكم الواقع المفروض، أشدد، وليس الذاكرة، يتنامون ويخلقون شخوصا أخرى تشبههم، وتؤدي أدوارهم، تناسل من نوع غريب لا يشبهه غير الرحيل المتكرر لأبيه وأمه ومن ثم عشيقته.. الزمن يجري ولا يسرطن غير أمراضه وكوارثه الداخلية العميقة.. نسيج غريب، الشيخ الذي كان يراقبه على مدى عشرين وكأنك تفرش أعماقك في الشارع مثل غسيل.. سامي عاما كظل او كشبح يدخل الحلبة، حلبة المسرح الذي تنمو فيه الشخصيات مثل أعشاب ضارة يلقي بنفسه من أعلى المخازن الكبيرة ثم سرعان ما يتطوع بدله بديل آخر.. ثم يحدث ما هو أخطر: فعندما تنفرط من أصابعه شخوص مسرحيته التي لم يؤلفها أصلا، وينشغل هو باستمتاع بتنظيف شقة زوجته التي عادت من المانيا بعد أعوام، وحال عثوره على عنوانها يذهب اليها وبينما هو يطرق الباب تتقدم منه عجوز تسأله ان كان الأن وتعطيه مفتاح شقة زوجته التي يدخلها بقدسية نادرة يقلب اشياءها ويعثر على رسالة قصيرة منها لألن توجهه في الذي يستمتع به كثيرا، فتنخلق عنده شخصية مرادفة لشخصية عثر رآها عملية التنظيف في احدى صور زوجته السابقة، فتأخذ الدور العجوز بالملامح الصينية، وبعد وفاة عشيقته، التي قضت حياتها محاطة بحريق لا ينتهي ولا يخمد في بيتها، فتتقدم العجوز الصينية لتأدية دورها الذي تقرأه بغرابة وعمق، ثم تبدأ بالاستيلاء على ادارة المسرحية مكانه، وتعطيه لاقطا صوتيا ليردد ما يريد قوله ويستسلم لها طائعا لأنه تعب من تأليف دوره وراح يستسلم لقدره الغائب والذي يحيط به من كل شخصياته التي لا ارادة له الآن على رفضها أو تغييرها او زوجته التي باتت متهالكة وقديمة يسمع تحويل مساراتها وبينما هو مستسلم لقدره في شقة أصوات انفجارات وحربا اخرى ترج الأرض، يهبط بعدها على مهله بينما العجوز الصينية تقرأ في أذنه تداعياته وكأنها هو او وكأنه هي، لم يعد هنالك فرق.. يدور بين الخراب والحرائق والجثث.. يسأل المرأة الوحيدة المتبقية ان كان يعرفها فتدله على دورها.. يجلسان على اريكة ويخبرها بانه قد أوغل بالشيخوخة ولم يذكر شيئا، تلقنه العجوز ذات الملامح الصينية بأن يطلب منها ان يضع رأسه على كتفها فيفعل.. ترتفع حدة البياض في المشهد ونسمع العجوز الصينية تأمره بأن يموت!٠

إيما تومسون
يموت "كادن كوتارد" ويترك لنا سؤالا كبيرا عن من هو "كادن كوتارد" ثم سرعان ما ينحرف ذيل السؤال لتجد نفسك تسأل " من أنا؟
يقول ناقد سينمائي أمريكي بانه شاهد الفيلم أول مرة في مهرجان كان، ولأول مرة في حياته وجد نفسه يتسلل وحيدا الى بار.. ويشرب الوسكي حتى الصباح!

لعلها الطريقة الوحيدة لمشاهدة هذا الفيلم، لأنه عندها، أو بعدها، سيصبح فيلمك الخاص الذي لن يشاهده أحد غيرك!٠

أنه "شارلي كوفمان" الذي حضر في فلمنا هذا مؤلفا ومخرجا ومساهما في وضع الموسيقى ليلغي الحواجز ما بين السينما والمسرح والمخيلة والذاكرة ورؤوسنا وأذهاننا.. وتمكن من الوصول الى ما يصعب علينا التكهن بوجوده!٠


جلال نعيم: ناقد سينمائي من العراق يعيش في لوس أنجيليس٠


مقابلات

أنطونيو بانديراس يتحدث عن نظرته الى هوليوود وطموحاته الضائعة بين قارّتين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان



-----------------------------------
خلال تواجد الزميل هوڤيك حبشيان في مهرجان كارلوڤي
ڤاري، التقى بالممثل الأسباني أنطونيو بانديراس الذي
الذي تحدّث عن كل شيء من تشي غيفارا الى فيلمه المقبل
والسوق الأسبانية المحدودة رغم أربعمئة مليون ناطق
باللاتينية حول العالم٠
-----------------------------------

يُعتبر الممثل الأسباني انطونيو بانديراس (مواليد ملقة، 1960) أحد نجوم السينما الهوليوودية المنتشرة بوفرة والتي تنهش الأخضر واليابس في أرجاء المعمورة. مع ذلك، هناك في عقل هذا الممثل اللاتيني، رمز الاغراء والذكورية اللاتينية، طموح يتخطى التربع العابر على عرش شبّاك التذاكر. فأوروبيته الصارخة والكاملة، كانت لا بد ان تسود على هويته المكتسبة في هوليوود، عاجلاً أو آجلاً، وسط هذا الكمّ من النجوم الاميركيين الذين يمضون اعمارهم امام الكاميرا من دون أن يفكروا، ولو لمرة، ان يمروا خلفها. لكن عند هذه الطينة من الممثلين كثيراً ما يغلب الطبع على التطبع. لذا، كان طبيعياً أن تظهر عنده رغبة متنامية، منذ سنوات، لإنجاز سينما تعبّر عن هواجسه بعيداً من خدمة مصنع "الانترتنمنت" الذي ذاع صيته من خلاله. واذا بدا نجاحه نسبياً في باكورته٠ فالآفاق تتوسع أمامه مع قيامه بإخراج »طريق الإنكليز« الذي يعود به الى أيام الصباً في الأندلس زمن فرانكو. وهو ثالث فيلم من إخراجه بعد »كرايزي في ألاباما« (1999 ) و»مطر صيفي« (2006- وحققه في اسبانيا ايضاً)٠

هذه النجومية كلها نشأت مع دور صغير عند بيدرو ألمادوفار قبل 27 عاماً في فيلم متاهات الشغف" لكن »فيتشية« المخرج الأسباني وتعلقه المعروف بممثليه، إضافة الى موهبة الشاب أنطونيو، جعلت التعاون يمتد على خمسة أفلام، ويتبلور تصاعدياً حتى البطولة المطلقة في أفلام مثل ماتادور" و"اربطني" و"نساء على حافة الانهيار العصبي"٠
واذا " كان تأثير المودوفار فيه مهنياً وانسانياً، في اعوام البدايات تلك، فآخرون ايضاً ساهموا في خروج بانديراس الى الضوء، بعدما كان يحلم ان يكون لاعب كرة قدم، ومنهم كارلوس ساورا وخوسيه لويس غارثيا سانشيز٠

في منتصف الثمانينات، انهالت العروض على بانديراس. وبين عامي 1986 و1990 أفلام أسبانية كثيرة له معظمها لم يُصنع ليبقى. أما تبني السينما الأميركية له فجاء من طريق المصادفة. خلال حملة دعائية في أميركا لأحد أفلام المودوفار في أواخر الثمانينات. وبدأت حكايته معها، من خلال فيلم »مامبو كينغز« لأرنولد غليمشر (1991)، ثم كرّت سبحة مجموعة أعمال فيها الطالح والصالح٠
في تلك المرحلة لم يكن يتكلم الانكليزية بعد، فتعلم نصوصه سمعياً، وصار ينتقل من فيلم أوروبي الى أميركي فأسباني. منذ البداية، صنّفته هوليوود "عشيقاً لاتينياً" امتداداً لتراث قديم يعود الفضل في تأسيسه الى الراحل الكبير رودولف فالانتينو، منذ عهد السينما الصامتة). في البداية وظّف هذا الاتيكيت لمصلحته من اجل الشهرة، ثم استطاع ان يعطّل هذا التنميط نسبياً مذ تعاون مع سينمائيين اكثر جدية أمثال جوناثان ديمي، نايل جوردان وبيل أوغست. وفي حين اطلقه "ديسبيرادو" لرفيقه روبرتو رودريغيز و"مجرمون" لريتشارد دونر، الى جمهور اوسع وأقل تطلباً، كان نصيبه ان يتعرف الى ابنة الممثلة تيبي هادرين، أي ميلاني غريفيث، في موقع تصوير احد الأفلام، فتزوجا، الأمر الذي حتّم عليه البقاء في "وطنه" الجديد، تحديداً في لوس أنجلس، حيث تُبرَم العقود وتناقَش السينما في تجلياتها كلها٠
نتيجة هذا الاغتراب، بات انتاجه محصوراً في الأفلام الهوليوودية الضخمة، فبلغ الذروة مع ميوزيكال ألان باركر افيتا" وفيلم محض تجاري لمارتن كامبل، "قناع زورو". عملان " وضعاه على عرش اكثر الرجال اثارة جنسية في العالم. لكن مع بلوغه الأربعين بدأ قلب بانديراس يهتف لشيء آخر هو الاخراج، فكان "كرايزي في الاباما"، حيث أدار زوجته ميلاني غريفيث في واحد من اهم ادوارها.
في الألفية الجديدة، غرق بانديراس في معمعة الأفلام التجارية، مع بعض القفزات النادرة الى المسرح ("تسعة" على خشبة برودواي) الذي صنعه في بداياته ممثلاً جاداً. طبعاً لم يبق هو النجم الذي كانه في اواسط التسعينات، بعدما اكلته هوليوود لحماً ورمته عظاماً، ولأن العمر، هو الآخر، لم يعد يسعفه لأدوار الـ"جون برومييه". واليوم، "طريق الانكليز" محاولة للملمة الأشياء الخاصة، بعدما أدرك صاحبه ان الشهرة لا تدوم، وخصوصاً في هوليوود حيث كل شيء قابل للتصنيف، للبيع والشراء. ، 44في مهرجان كارلوفي فاري، الذي اختتمت قبل ايام دورته الـ أتيحت لـ"النهار" الفرصة لمقابلة بانديراس، في توقيت حاسم من مساره؛ زمن التغيير والنضج والعودة الى الينبوع...٠

مع كاثرين زيتا جونز في "علامة زورو"٠

 ليست هذه المرة الاولى تزور فيها كارلوفي فاري، أليس كذلك؟
ـــ نعم، سبق ان كنت هنا. لا احد يتذكر ذلك (ضحك). كان ذلك عام 1992. كنا نصوّر مسلسلاً تلفزيونياً من انتاج ايطالي والماني مع مشاركة لإحدى القنوات الاسبانية. كان المسلسل يروي فصولاً من حياة موسوليني شاباً. ما كان يهمّني فيه أن موسوليني كان اشتراكياً قبل أن يكون فاشياً. لم أكن اعرف ذلك، واعتقد ان كثيرين مثلي لا يعرفونه ايضاً. لذا كان الفيلم يضيء على هذا الجانب. آنذاك بقيت في جمهورية تشيكيا فترة غير قليلة: امضيت نحو سبعة اشهر في براغ، واسبوعين هنا، وكنا ايضاً في امكنة مجاورة، منها تيوسن، بهدف التصوير. كانت تجربة غنية، احببتها كثيراً. آنذاك ذكّرتني البلاد، في طريقة ما، بما عشته قبل سنوات في اسبانيا، أي 1975 ، عندما مات فرنكو، وسلكت بلادنا درب التغيير. شاهدت حالة مشابهة لحالتنا في منتصف السبعينات. كان مرّ على سقوط الجدار ثلاث سنوات، حين جئت الى هنا، ولكن رأيت هذه الديناميكية غير المسبوقة، وهي كانت شيئا ألفناه نحن الاسبان. الآن اشعر برضا كبير لعودتي الى هنا بعد 17عاماً، واعادة اكتشاف البلاد ومعرفة أن أحلاما كثيرة من التي كان التشيكيون يداعبونها قد حققت. تبقى أشياء كثيرة للتغيير، وهذه حال العالم أجمع، لكن على الاقل هناك حراك، وتوجه نحو الأفضل٠

 لكن أنت تعرف جيداً هذه المنطقة (اوروبا
الوسطى)، لقد صوّرت فيها قبل سنوات "لا تتكلم
أبداً مع الغرباء" (بيتر هال - 1995 )، أليس كذلك؟
ـــ لا، بل صوّر هذا الفيلم في تورونتو. أي في مكان بعيد جداً عن بودابست (ضحك). صدّقني كان هناك! لكن سبق أن ذهبت الى بودابست، واتذكر انني قلت لزوجتي إنها شبيهة ببراغ لكن حجمها أكبر. كنا نشعر ان ثمة ثقافة تنهض عليها المدينتان. هي لا شك ثقافة أوروبا الوسطى التي نتلمسها في هذه البلدان. شعرت بها ايضاً عندما كنت العام الماضي في صوفيا بلغاريا)، للمشاركة في فيلم جديد مع مورغان فريمان ("الرمز"،( من إخراج ميمي ليدر). لديّ صديق منتج، كان سبق أن عمل على انتاج "افيتا"، اليوم ترك هوليوود للاستقرار في بودابست حيث ينتج أفلاما من السلسلة باء ٠

 ما دمنا نتحدث عن "افيتا"، ما رأيك بشخصية
تشي غيفارا التي لعبها بينيتشيو ديل تورو في
فيلم ستيفن سادربرغ، كونك جسدتها انت ايضاً
في فيلم باركر؟
ـــ على النحو الذي انجز فيه "افيتا"، كان من الطبيعي أن تعتبر الشخصية التي ألعبها مستلهمة من تشي غيفارا. لكني اتذكر الحديث الاول الذي دار بيني وبين باركر قبل البدء بالتصوير، اذ قال لي: "إنسَ امر تشي غيفارا. انت فقط تشي". كان يريدني ان اتخيله ممثلاً في المسرح الروماني يوجه الحضور الى حيث يريد من دون ان يمنحهم المفاتيح. وقال لي ايضاً: "انت تجسد الناس". كان يريدني أن أكون "وجهة النظر النقدية" في الفيلم. وعندما تغنّي افيتا "أرجنتينا، لا تبكي من أجلي"، نراه يوزع المحارم على الناس قائلاً لهم: "لا تبالغوا في البكاء، فلا حاجة الى ذلك، وسأريكم وجهاً آخر عنها لا تعرفونه". لكن الجانب المناضل من تشي وضعناه على حدة. اتذكر عندما حضرت الى الاستوديو في لندن في اول يوم تصوير، كنت وضعت لحية اصطناعية (ضحك). اقترحت عليهم أن اضع قبعة (بيريه) وأكون كما يكون الممثلون على خشبة المسرح. قال لي باركر: "اياك أن تفعل ذلك. فلا يتناسب مع رؤيتي. المسرح شيء والسينما شيء آخر. انهما نوعان مختلفان من الفنون. وما يصلح للخشبة لا يصلح للكاميرا. في السينما نحاول ان نكون أكثر واقعية. لكن، مما لا شك فيه ان شخصية غيفارا سينمائية بامتياز. وهو آخر الابطال في مجتمعاتنا الحديثة. كعمل تمثيلي، احدث بينيتشيو، وهو صديقي، انجازاً رائعاً. لكن لم ترضني الحبكة. كما انه كان مبالغاً في طوله وفي الاعجاب الذي يكنّه لشخصية غيفارا. ارى ان هناك لحظات مفقودة. لو كنت مخرجاً لكنت ركّزت على الوقائع٠

 في إخراجك الجديد، "طريق الانكليز"، تعود الى
الجذور الاسبانية من خلال مجموعة شبان اسبان
في سبعينات القرن الفائت، علماً انك من ملقة
والقصة التي تحكيها تدور حوادثها في
الاندلس. ما مدى اهمية ان تعود الى هذا النطاق
الضيق (والواسع ايضاً لم لا؟) بالنسبة الى فنان
حقق ما حققه خلف الاطلسي؟
ـــ اهميته نسبية. ربما لا تكون هذه العودة مهمة بالنسبة الى غيري لكنها مهمة لي. انجزت الفيلم بهذه العقلية. انه عمل شبه تجريبي. قلت لنفسي: "أوكي، عليك يا انطونيو أن تجد شخصيتك ونفسك كمخرج". من اجل أن ابلغ تلك الغاية، كان عليَّ أن احطم بعض القواعد، واخطو خطوة الى منطقة مجهولة. لذا، وقع اختياري على هذه الرواية التي كتبها صديق مقرّب لي، تشاركت وإياه هذه الفترة من حياتنا، وهي حافلة ومملوءة بالعنف والمعارك والحزن، ولا تزال في ذاكرتينا نحن الاثنين، هذا ما يجب أن يكون عليه كل فيلم. في النهاية، انه فيلم عن الذكريات. تلك التي صنعتني وصنعت الكاتب وصنعت كثيرين. انطلق فيه من الاحاسيس، وليس من معطيات موثوق بها ونهائية. كل ما اريه قد يكون محل جدال أو أخذ وردّ. لا انطلق من قاعدة "هذا ما حصل"، الى حدّ انك تستطيع اعتباره فيلماً "مفتوحاً" او غير منتهٍ. لا ادّعي ذلك، وليست تلك السينما التي اريدها. فهذا الحديث الذي أجريه معك الآن هنا، قد اتذكره بعد فترة طويلة، لكن لن أتذكر ما قلته، ولن اتذكر ان هناك هذه الكأس، أو كيف كانت خامة صوتك. لذا حاولت العودة الى مكان حيث المادة ملتبسة. عملي كمخرج هو الدخول في تلك المعمعة والخروج منها بأسئلة سوية. انا، كسينمائي، حاولت البحث عن أجوبة تماماً مثلما الشخصيات تبحث عنها، ولكن ايضاً بالطريقة نفسها التي تبحث بها عنها. اذاً، كان فيلمي هذا بمنزلة امتحان. وهو شيء ما كان في امكاني انجازه في هوليوود (يقولها بحسرة). ولو اقترحتُ عليهم مثل هذا المشروع التجريبي، لكانوا رموني من نافذة مكتب احد المنتجين، بعد أن أكون تلقيت ركلة على مؤخرتي (ضحك). حالياً، الكثير من السينمائيين يأتون من الفيديو كليب. افلامهم سريعة التقطيع وعدوانية. أما أنا فأردت أن تكون لفيلمي نغمة. استطيع أن اقول اني بحثت من خلاله عن ذاتي مخرجاً. وأيضاً عن لغتي السينمائية التي تتضمن بحثاً عن العدسات والألوان وكل ما يشبه ذلك. آمل ان اصل الى تطوير هذه التجربة، علماً ان الفيلم المقبل سيكون أكثر "انفتاحاً" على الجمهور ولن يكون على هذا القدر من القسوة.

 ما الذي افتقدته من السينما الأسبانية خلال
وجودك في الولايات المتحدة؟
ـــ لا افتقد شيئاً (...). مرّت فترة في حياتي اعتُبرت فيها ممثلاً مستقلاً. لكن مهنتنا تخدم وظائف عدة. الانغلاق خطأ. يمكنك التمرد على القيود المفروضة عليك، لكن ليس في وسعك أن تفعل ذلك الاّ لفترة وجيزة. مع المودوفار، كنا ننجز أفلاماً تنتمي الى سينما الاندرغراوند ونحرص على عدم مراعاة الأصول. كنا نشارك في المهرجانات ونصبح مادة للمناقشة. منهم من يؤيد ومنهم من يعارض. ترى الناس ينقسمون حول فيلم. هذا يقول عنه جيد، وآخر يرى العكس، وتدور المناقشة والجدال. ثم قفزت الى اميركا ودخلت المصنع الكبير وعالم الانترتنمنت الذي أقل ما نستطيع القول فيه انه مختلف. المشكلة هناك انهم يصنّفونك. هذا هو النمط الاميركي في التعامل مع الاشياء. اذا صنّفوك في خانة ما، فعليك ان تكون ما صنّفوك به. قال لي انني "عشيق لاتيني". وهذا ما يعوق تحرك الممثل والقفز من نوع الى آخر. فكيف يمكنك أن تكون بطلاً في فيلم اكشن وانت من المفترض ان تكون عاشقاً رومنطيقياً. فما بالك اذا اردت ان تكون ممثلاً تنمّ خياراته عن ثقافة ما. الكثير من الممثلين يعانون ازمات جراء هذه المسألة. لكن لحسن الحظ، استطعت على رغم ذلك أن أكسر الأغلال وانوّع خياراتي: لي أفلام رعب وحركة وميوزيكال وسياسة او اجتماع مثل "فيلاديلفيا". خضت كذلك مجال التحريك واخرجت فيلمي الاول ثم الثاني، وهذا لم يمنعني من أداء دور مسرحي في برودواي! الى هذا كله، أسست شركة انتاج في جنوب اسبانيا نمول من خلالها افلام تحريك وندعم سينمائيين جدداً في تجاربهم الاولى. هذا نشاط يسرّني فعلاً، اذ تغمرني السعادة حين اعطي غيري ما كنت في حاجة اليه في شبابي ولم املكه. في الوقت نفسه اسعى الى انجاز افلامي الخاصة. لكنه مشروع على مدى طويل وصعب، وخصوصاً الآن مع ظهور هذه الازمة الاقتصادية التي جاءتنا على حين غرة، ولا نعرف الى أين تقودنا. اليوم، بات من المستحيل أن تحصل على فلس واحد من مصرف. حتى لو ذهبت اليهم حاملاً ورقة من وزارة الثقافة تدعمك بـ 250 ألف أورو، فالجواب قاطع: "لا نأبه. لن نعطيك المال". لذا، نستطيع وصف وضعنا بالمزري الآن. على رغم ذلك، نبدأ في تشرين الثاني تصوير فيلم لمخرج جديد تدور حوادثه في بلدان عربية، وهذا الفيلم يجب انجازه مع العرب. ذهبت الى قطر والسعودية والامارات وطرقت باب الملكة نور. فأنا أحتاج الى كل من يستطيع مساندتي في هذا المشروع عربياً. أملي كبير٠

Once upon A Time In Mexico

نمطك التمثيلي ليس اوروبياً وليس "اكتورز
استوديو". لديك  طريقة ما في التعبير عن
الشخصية. لكن هل يمكن القول انك وجدت
اسلوبك الخاص؟
ـــ في الواقع، تابعت دروس معهد الفن التمثيلي الوطني في ملقة. ثم تمرست بالعمل التطبيقي في افلام كثيرة. اليوم، لا اعتقد ان من الممكن البقاء على منهجية واحدة. لسبب بسيط ان عليك العمل مع انواع مختلفة من المخرجين، وكلٌّ منهم يأخذك في اتجاه خاص برؤياه وتطلعه. الامر يتعلق ايضاً بالممثلين الذين تتشارك واياهم الفيلم. أحياناً تحاول ان تمشي على خطى المعلمين من الـ"أكتورز استوديو"، ولكن سرعان ما تجد ان المسألة لا تلائمك وعليك في أسرع طريقة العودة الى الرؤية الخاصة بك، قبل ان تتحول المسألة الى مضيعة للوقت. لذا، عليك ان تتأقلم مع الوسط المهني بطريقة او بأخرى، وأيضاً ان تستجيب ما يُطلب منك. احياناً ترى انك اضطلعت بدور ما جيداً، لأنك كنت تملك متسعا من الوقت ولأن التعامل بينك وبين المخرج كان ايجابياً. لذا، تحاول أن تجعل الامور تتلاقى لا أن تتصادم. في مرحلة سابقة من حياتي، واكلمك عن زمن بعيد، كان عليّ أن استعين بهذه الالاعيب كافة، واستعين بمدارس تمثيلية مختلفة. ثم قفزت الى عالم مختلف تماماً له قواعده. اليوم، اشعر ان عليَّ الذهاب في اتجاه آخر، وما قمت به في "طريق الانكليز" هو ترجمة لهذه الرغبة. ما اريده الآن هو ايجاد جسر بين عالمين: اوروبا واميركا. ويجب الا نخطئ في التقويم: فهناك ما يُصنع في هوليوود وما يُصنع على هامش هوليوود. كل واحد مختلف عن الآخر. هناك سينما مستقلة جديرة بالاحترام، وتخاطب تقريباً ما نخاطبه نحن الاوروبيين في سينمانا، لكن مع فرق واحد، ان هذه الافلام لا تستعين بأموال عامة. أموال السينما الاميركية المستقلة مصادرها مختلفة وعالمية. قد تأتي من اسرائيل مثلما قد تأتي من اليابان. هذا كله يأتي الى هوليوود، لأنها اشبه بماركة. ولا يهم من اين يأتي، طالما انه يأتي. فالفيلم الذي تشاركت بطولته مع مورغان فريمان هو من تمويل اسرائيلي. الشركة هي "ميلينيوم" وصاحبها المعروف جداً أفي لرنر تترجح انتاجاته بين المستقل وافلام الـ"مايجرز". اعمل ايضاً على فيلم تمويله محض اسباني لكن فريق العمل انتقل من أجله الى هوليوود. اذاً، هوليوود تنام على شبكة احتمالات تمويلية تبدأ ولا تنتهي. أما العمل في نظام الاستوديوات، فهذه حكاية أخرى. هؤلاء لهم بنيتهم الخاصة. "زورو" و"افيتا" وكل الافلام التي مثلت فيها هي افلام استوديوات، ولها اطر خاصة لا تزيح عنها، كما عندها الكثير من المال لإنفاقه يميناً وشمالاً، بحيث ان نصف موازنته، نحو خمسين مليون دولار، تنفق أحياناً على الحملة نحو الدعائية. اليوم، اسمع الكثير من الممثلين يقولون انهم يريدون ان يكونوا اكثر عالمية. في الامس قابلت جون مالكوفيتش الذي، بحسب ما قال لي، لا يعرف اذا كان من الممكن اعتباره ممثلاً أميركياً. وقال: اعيش في باريس، واعمل في ايطاليا أحياناً واذهب الى اسبانيا واصعد على خشبة المسرح في المكسيك. وازور انحاء العالم. فهذه هي العولمة في السينما (ضحك)٠

 بين كل هذه القبعات التي تضعها على رأسك، أي
واحدة منها تليق اكثر بتطلعاتك؟
ـــ المكان الذي ارى نفسي فيه هو المكان حيث أجد مادة تثيرني. قد تكون مادة للاخراج او للتمثيل او للانتاج. وقد تكون هذه المادة المسرح. لكن لا استطيع ان اقول لك شيئاً محدداً. لو سألتني أين تفضل الاقامة؟"، أو "أين تحب أن تنوجد جسدياً؟"، فسأقول " لك "أسبانيا". لكن هذه ليست القضية. ربما الافضل ان أجيبك قائلاً ان المكان الافضل لي هو حيث أُمنَح امكان أن افعل ما يلائم ذوقي وحاجتي الفنية. أيضاً؛ لا مانع عندي أن ارد على سؤالك قائلاً: "المكان الأكثر راحة لي أن اقبض راتباً قدره عشرة ملايين دولار للتمثيل في فيلم استوديو، وارى صوري على ملصقات موزعة في كل انحاء العالم. لا مانع عندي ان اقول لك مثل هذا الكلام، لأن من الممكن أن يكون هذا المكان مكاني أيضاً. لأكن صريحاً معك: فيلم مثل "زورو" مثلاً، لا يمكنك الاّ ان تقدمه كفيلم ينتمي الى السلسلة باء. انه فيلم مغامرات مشغول على نحو جيد ويليق بكل افراد العائلة، خلف المشروع شخص اسمه ستيفن سبيلبرغ، وايضاً تتلقى عليه ردود افعال جيدة، لكن الامر ينتهي عند هذا الحدّ. في المقابل، يكون هناك فيلم لألمودوفار، وأنا احب الاثنين. ولي مكان مريح في كليهما. لذا، التخصص والبقاء في حالة جامدة ليس ممكناً. في النهاية، هذه هي فلسفة مهنتنا: التغيير والتحول والذهاب من نقطة الى أخرى. وأنا اريد ان أبقى في منتصف هذا الطريق٠

Femme Fatale

ماذا عن تعاونك الجديد مع المودوفار الذي سيجمعك
مع * بينيلوبي كروز للمرة الاولى في فيلم عن طبيب
جراح ينتقم من مغتصب ابنته بخطفه وتحويله امرأة؟
ـــ لا اعرف. أود ذلك. لن ارفع السماعة وأقول لأيّ كان "أريد ان أكون في هذا الفيلم". اذا ارادني يجدني. ما استطيع قوله إن علاقتي به جيدة جداً، وفي السنة الماضية تسلمت جائزة تكريمية من يده في مهرجان سان سيباستيان. هو اصر على اعطائي الجائزة بنفسه. نحن نعرف أحدنا الآخر منذ سنوات طويلة، منذ بداية الثمانينات، مسارنا التقى ثم افترق. تحدثنا قليلاً حين التقينا، وكنا متحمسين، لكن ينبغي ان يكون في حوزته مادة يعتبرها تليق بي. حينذاك نرى.

 كيف تأثرتم اليوم بالأزمة العالمية الحاصلة؟
ـــ في الحقيقة، الطبقة الكادحة هي التي تأثرت. تذهب الى الميسورين الذين يعيشون في شقق فخمة في مانهاتن او سانترال بارك، فتجد انهم لا يشعرون بفرق كبير. كان لأحدهم خمسين مليون دولار. اليوم لديه 25 مليونا. حسناً! (ضحك). أما الاستوديوات الكبيرة، فنعم، هي في معاناة وقلق، لكن ذلك نسبي ومعقول مقارنة بالمشكلة التي تواجه السينما الأوروبية. هنا المشكلة كبيرة. اولاً لأننا لا نملك سوقا واحدة؛ من موسكو الى مدريد نحن نتكلم ستة عشر لغة مختلفة. نحن في أوروبا نشكل 300 مليون مشاهد، أي عدد سكان الولايات المتحدة، لكن متفرقين، لذا لا نستطيع منافستهم. تخيل أن عدد الذين يتكلمون اللغة الأسبانية 450 مليون مواطن. اذاً، هناك سوق محتملة في العالم لهم. لكن لا أحد استثمرها بعد على ما يبدو. لدينا الكثير لنتعلمه من نظام الاستوديوات في اميركا، واذا كان نظامهم هو الحل الامثل لسينما يمكن ان تخاطب هذا الكم ّمن الناطقين بالاسبانية، فليكن! وليكن مكان استوديوهاتنا في هوليوود. مصدره هوليوود لكن الهوية اسبانية. لا اقول ان المسألة سهلة. عليك أولاً ان تجمع كل التلفزيونات الناطقة بالاسبانية، ولكن سرعان ما ستقع في مشكلة العثور على موزعين، وكما تعلم فهؤلاء كلهم متعاقدون مع الاستوديوات الهوليوودية الكبرى. الا اذا أسسنا شركات توزيع خاصة بنا. طبعاً هذا مشروع كبير وعلى قدر كبير من المجازفة. لكن حتى الآن لم أجد مغامراً يقول: "هيا بنا، وَلْنَرَ اين نصل". اذا تبنى احدهم المشروع فأنا أضمن انه سيكون ناجحاً (ضحك)٠

الناقد هوڤيك حبشيان يكتب المادة النقدية لصحيفة "النهار" اللبنانية *

تحقيقات
وداعاً للممثل البشر ٠٠٠
نجوم السينما الجدد: بايبي دوينوصورات و عمالقة من حديد
٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

Transformers 2
-----------------------------------
نظرة على ما راج من أفلام أميركية في الأسابيع
القليلة الماضية تكشف هوَس تلك السينما وجمهورها
بالكرتون والكوميكس وكل شيء غير بشري٠
-----------------------------------

معارك موسم الصيف لا زالت مستمرّة وهي تشبه صراع العمالقة وآخر فصولها ما حدث في مطلع هذا الأسبوع حين حط على الشاشات فيلم كرتوني جديد أسمه »عصر الجليد: فجر الدينوصورات« مسلّح بنظام الأبعاد الثلاثة وبشخصيات من المخلوقات ذات الملامح النافرة، وحاول احتلال المركز الأول٠
أبطاله هم دينوصورات صغيرة وحيوانات من الثديّات التي كنا نرى صورها في الموسوعات فقط٠

تلك المحاولة نجحت في اليوم الأول والثاني من الأسبوع، ما جعل الفيلم الذي كان احتل المقدّمة في الأسبوع الماضي ، وهو »ترانسفورمرز 2« يتراجع للثاني. لكن الغريب هو أن المخلوقات التي في هذا الفيلم، وهي من صلب وحديد وإلكترونيات عزّ أن تخسر المجابهة أمام الحيوانات التي في الفيلم الكرتوني فإذا بها مع نهاية اليوم الثالث تستعيد مكانها ولو بفارق ألوف قليلة من الدولارات٠

إذ يراقب المرء ما يحدث من عراك حول المركز الأول، يكتشف سريعاً أن الضحايا ليسوا أحد الطرفين، المخلوقات الحيوانية او الآلات العملاقة، بل الممثلين وقصصهم وشخصياتهم البشرية٠
وفي حين أن مثل هذه المعارك عادة ما ترى النور في كل موسم إذ تبقى الغلبة للأقوى في سوق العروض، الا أن الخسائر الناجمة عن النجاح لأفلام غير بشرية، بنفس الحجم الكبير لتلك الأفلام الكومبيو- صناعية٠ وبل ربما هي مضاعفة بالنظر الي حقيقة أن الأفلام التي لا زالت تتحدّث عن بشر عاديين، ولو بظروف استثنائية، حوت- في الغالب- ممثلين متدرّجين بين المعروفين جدا والنجوم. في العموم هي أسماء لامعة اعتادت أن تثبت قدرتها على جذب الجمهور في أي وقت من اوقات السنة
ول فارل في »أرض المفقودين«، ايدي مورفي في »تخيّل ذلك«، دنزل واشنطن وجون ترافولتا في الفيلم التشويقي »اختطاف بلهم« وجاك بلاك في »العام واحد«، جوني دب وكرشتيان بايل في »أعداء الشعب«. جميعاً واجهوا جمهوراً جذبته الآلات التي لا أسماء آدمية لها، وخسروا المواجهة، ما يطرح جملة اسئلة تنضم الى ملاحظات سابقة في هذا الشأن حين واجه نيكول كيدمان وجوليا روبرتس وكلايف أوون وول سميث وروبرت داوني جونيور مصائر متشابهة خلال الأشهر القليلة الماضية: عروض الجمهور عن الممثل الحي لصالح الممثل المصمم إلكترونيا او المرسوم كرتونياً٠

أجور باهظة
الفيلم الوحيد الذي يحتوي تمثيلاً بشرياً والقليل جداً من المؤثرات (تكاد لا تكون موجودة) ونجح في هذه الفترة هو الكوميديا المسمّاة بـ »آثار السهرة«. هذه أنجزت للآن نحو 200 مليون دولار- لكن المفارقة أن قوامها ممثلين لم يحقق أي منهم نجاحاً سينمائياً من قبل. أسماء جديدة او جديدة نوعاً مثل زاك غاليفياناكيس، جوستين براثا، اد هلمز وبراد كوبر. أما هيذر غراهام المعروفة فدورها محدود جداً٠
وهو مبلغ طائل لأن الفيلم تكلّف نحو 35 مليون دولار، في حين أن أقل ميزانية لأي من أفلام النجوم المذكورين تجاوزت الخمس وسبعين مليون دولار، وفي حالات متعددة جاورت المئة والثلاثين مليون دولار٠

The Hangeover

أما تلك الناجحة، فإن الممثلين الذين وجدوا أنفسهم في أوضاع تحتّم عليهم التمثيل فرادى في مواجهة فراغات داخل الاستديو سيتم ملؤها لاحقاً بالشخصيات المصنوعة كومبيوترياً، فإن أدوارهم نوع من الكماليات. فالجمهور لم يقبل بغزارة لمشاهدة شاي لابوف في بطولة »ترانسفورمرز 2« ولا لمشاهدة بطلة الفيلم الفاتنة ميغان فوكس. كذلك فإن أحداً لم يشاهد فيلم »فوق« لكي يسمع صوت ممثله إد أزنر- ربما باستثناء إد أزنر نفسه٠
ومجموعة أبطال »ستار ترك« كان يمكن لهم أن يكونوا أي مجموعة أخرى تم استئجارها لإداء تلك الأدوار. الأسماء ليست مهمّة. المهم المغامرة الفضائية ومشاهد المعارك المستقبلية فوق الكواكب٠

كل هذا يعزز السؤال الجاهز: هل هناك حاجة لدفع كل هذه الأجور الى ممثلي الصف الأول؟
هذا السؤال طرح حين ضرب إعصار من التجاهل فيلم »استراليا« مع هيو جاكمن ونيكول كيدمن. الفيلم الذي تكلّف أكثر من 200 مليون دولار أنجز أقل من نصف ذلك أميركياً علماً بأن كل من هذين الممثلين حصل على خمسة عشر مليون دولار نظير دوره٠
جوليا روبرتس حصلت على خمسة عشر مليون دولار عن دورها في »ازدواجية« (ومصادر تقول ثمانية عشر مليوناً) الذي اكتفى بأربعين مليون دولار من الإيرادات علماً بأن ميزانيّته بلغت مئة مليون دولار من دون تكاليف الدعاية والترويج. وحتى ولو أضفنا ايرادات الفيلم العالمية (75 مليون دولار) فإنها لا تزال أقل مما تكبّده انتاج هذا الفيلم٠

Star Trek

جمهور جديد
ذلك كله يثبت أن الإقبال على الأفلام يدخل مرحلة تغيير جديدة. للمرّة الثانية في غضون عشر سنوات او نحوها٠ التغيير السابق حدث حينما بات واضحاً في مطلع هذا العقد أن المؤثرات التقنية فصلت بين الإهتمامات: الجمهور الشاب يريدها والجمهور الناضج والمتقدّم في السن يريد تلك الأفلام التي لا زالت تعتمد على الممثل الحقيقي. ومع أن الكفّة رجحت للفئة الأولى، الا أن تلك التي اختارت الممثل عوض الآلة كان لها انجازاتها طوال تلك السنين وهي التي صانت نجومية العديد من الممثلين المعروفين حال تخطّوا سن الأربعين مثل توم هانكس وتوم كروز وايدي مورفي وول سميث وسواهم٠

التغيير الحاصل اليوم هو أبعد من ذلك: أفلام هؤلاء حتى إذا ما كانت من المغامرات الفانتازية وتم تزويدها بمؤثرات خاصّة ليست محصّنة ضد الفشل والفشل الذريع أيضاً٠
ما يجلبه ذلك الى الواقع اليوم هو حالة جديدة يتم فيها تغيير الحافز على مشاهدة الفيلم، فعوض العبارة التقليدية: هذا فيلم لجورج كلوني او فيلم لنيكول كيدمن يستدعي المشاهدة لهذا السبب وحده، صارت العبارة المتداولة: هذا فيلم الآلة التي تتحوّل الى سيارة عملاقة او الى وحش على شكل عنكبوت من الصلب او-في أفضل الأحوال: هذا هو الجزء الثاني من الفيلم الذي أبادت مخلوقات الفضاء مدن الأرض٠
وضمن هذا التغيير الحاصل، فإن اساليب المعرفة بالأفلام صارت تعمل ضد نجاح تلك التي لديها قصّة ذات قيمة تريد طرحها٠
جمهور اليوم الذي يجلس وراء الكومبيوتر ويمضي الوقت في مطالعة الفايسبوك والتواصل مع الآخرين على الشاشات الصغيرة بات على اطلاع مسبق بكل تفاصيل الفيلم بفضل المواقع التي تتسابق في الكشف عن مضامينه وأجوائه وتفاصيله وهي بالمئات. الجمهور الجديد يكتفي بذلك من دون أن يقيم وزناً لمن يقوم بالبطولة٠ هو يعرف مسبقاً »ترميناتور 4« وما يرويه والكثير عن مخلوقاته الحديدية وما ستفعله في هذا المشهد او في ذاك، وهذا ما يبني عليه قراره بمشاهدة الفيلم من عدمه٠ وليس أن أرنولد شوارتزنيغر لديه مشهداً من بضع ثوان، او حتى أن كرشتيان بايل الذي يؤدي بطولة أفلام »باتمان« الناجحة، هو من عليه التصدّي للوحوش الفضائية٠
لقد بات واضحاً أن معظم الممثلين الرئيسيين صاروا يدركون أن عليهم الإرتباط بشخصية خرافية لأجل البقاء في المناصب الأولى. كرشتيان بايل تبوّأ الصدارة بسلسلة "باتمان". توبي ماغواير سجّل كل انتصاراته التجارية في سلسلة أفلام »سبايدر مان«. روبرت داوني هجم على فرصة توليه بطولة »ايرون مان« واد نورتون ضمن لنفسه مكاناً بين كل هؤلاء عبر »الرجل العملاق«٠
وكل واحد من هؤلاء ممثل جيّد موهوب بدرجة فاعلة وعلى قدر كبير من القدرات الإدائية التي برهن عليها في أفلام ذات معالجات إنسانية او قضايا اجتماعية او حتى قصصاً درامية لا دخل لها بالآليات المستوردة من تصاميم فنيي الرسوم والمؤثرات



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular