Jun 26, 2009

Issue 433 | السينما الإيرانية خاص: مخرجون إيرانيون في المعمعة | خمسة أفلام إيرانية

Cover | Story

سميرة مخملباف

هذا العدد خاص بالسينما الإيرانية٠ ليس ملفّاً (يا ليت هناك سعة وقت) ولا يتناول جوانب أخرى غير تلك التي تعبّر عنها الأفلام المنتقاة٠ لكنه نوع من تحية واجبة للسينما الإيرانية خصوصاً وهي تجد نفسه في ماء ساخن كما يقولون٠
الصورة أعلاه للمخرجة سميرة مخملباف التي بدأت الإخراج وهي في الثامنة عشر من عمرها، والتي تتّجه بعد أيام الى مهرجان ميونخ لعرض فيلمها الجديد »حصان بساقين«٠

مخرجون إيرانيون في المعمعة٠ الى أين تتجه السفينة بالمخرجين الذين أصبحوا خارج البلاد؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمّد رُضا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محسن مخملباف

الوضع الإيراني والسينما
لكن طبعاً الشأن الإيراني الداخلي كان لابد أن ينفجر تحت ضغط الدين والدولة المتعاونتان ولابد أن ينبري مخرجون ايرانيون دائماً ما كانوا على يسار السُلطة الإيرانية (على اعتبارها نوع من اليمين) للوقوف الى جانب التظاهرات وحركات التأييد للمدعو مير حسين موسوي٠

فمحسن مخملباف تم تعيينه حسب خبر ورد من »الحملة الدولية لحقوق الإنسان في إيران« ناطقاً رسمياً للمرشح الموسوي، وهو كان وصرّح أن الحكومة الإيرانية كانت اتصلت بموسوي وأخبرته إنه فاز بالإنتخابات قبل أن تظهر النتائج يوم الإثنين السابق عكس ذلك٠
لا أعرف كيف يمكن أن تعلن الحكومة موقفاً كهذا قبل أن تتأكد من النتائج، ولكن ربما هذا ما سمعه مخملباف من موسوي الذي ربما كان كاذبا وربما لم يكن (لنضع الأمور بالأبيض والأسود ولو لحين)٠ وكنت اعتقدت أنه بذلك الموقف قضى على ما بقي لديه من حريّة لكني اكتشفت أنه يعيش (ويعمل؟) في باريس حالياً وهو يستطيع من هناك أن يعارض كيفما يشاء٠

وصدرت في غضون الأسبوع الغريب الماضي عريضة وقّعها 113 سينمائي وثائقي يرفضون فيها الحجر على المعلومات والأخبار ويعارضون الممارسات التي تؤدي الى »تفريغ الناس من التواصل السلمي القائم على الإحترام« التي من شأنها »دفع الأمور الى ردات فعل عنيفة تهدد سلامة المجتمع«٠
كلام مسؤول وفي مكانه، ولو أنني قرأت سريعاً نحو نصف الأسماء الموقعة على العريضة ولم ألحظ إسماً أعرفه وربما السبب هو أننا نحن نقاد السينما غير الإيرانيين نرى ما يُتاح لنا أن نراه في المهرجانات الدولية، وهي قليلاً ما تحصل على أفلام وثائقية وهي سبق لها أن عرضت »خمسة« و»عشرة« وكلاهما وثائقيان لعبّاس كياروستامي٠
والأخبار حول المخرجين الإيرانيين الذين حققوا شهرة عالمية في السنوات الأخيرة مثل مخلمباف نفسه وإبنته سميرة ومثل المخرج عبّاس كياروستامي والمخرج بهمان غوبادي متواترة. عباس كياروستامي بدوره خارج البلاد يتابع عمليات ما بعد تصوير »شيرين« مع غولشفته فرحاني (التي لعبت دوراً رئيسياً في فيلم الناصر خمير »بابا عزيز«) وجولييت بينوش وذلك تمهيداً لعرضه المفترض في مهرجاني أدنبره وميونخ. ومهرجان ميونخ سيعرض، مفترضاً، فيلم سميرة مخملباف «حصان بساقين» وفيلم ايراني ثالث هو »اهدأ وعد للسبعة« لرمتين لافافيبور٠

أحداث الأسبوع الماضي

غوبادي كما قرأت قبل أسابيع أصبح خارج ايران (وهناك عديدون مستعدّون لمساعدته إكمال مهنته السينمائية في الخارج- عفارم عليه)٠ لا أخبار عن ماجد مجيدي او جعفر باناهي او سواهما٠
في غضون ذلك، المخرج الأميركي جيمس لونغلي الذي سبق له وأن أخرج فيلما وثائقياً صوّره في العراق تحت عنوان »العراق في شظايا« »حدث« وأن كان في إيران وأخذ يصوّر انتفاضتها ليفاجأ بالبوليس بالثياب المدنية يعترضه ويحطم الكاميرا وحين حاول المترجم التدخل نال علقة٠
طبعاً المسألة يمكن أن تكون تورّطاً إذا ما كان صحيحاً أن الإنتخابات لم تكن مزوّرة. بعض وسائل الإعلام الأميركية تنقل عن مراسلين لها أنه لا يوجد أي دليل على أنها كانت مزوّرة رغم وجود نحو 3000 صوت خطأ او نحو هذا الرقم٠ ما يعني أن من تورّط في موقفه من المخرجين الإيرانيين مخملباف الأب وبهمان غوبادي على الأقل فعل ذلك على حسابه. في كل الأحوال توجيه البوليس لضرب المتظاهرين خطأ كبير٠
أعتقد أن ما أريد قوله في النهاية أنه وضع لا يبدو أن فيه شيئاً صحيحاً كيفما قلبته ومن أي زاوية نظرت منها اليه٠

خمسة أفلام إيرانية | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الأفلام ليست مختارة لشهرتها (ولو أن إثنين منها
معروفين) بل لأنها تمنح القاريء مشاهد مختلفة من المواضيع
التي صوّرتهاالسينما الإيرانية في السنوات
القريبة ولماذا٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ABJAD ***
إخراج: أبو الفضل جليلي
تمثيل: مهدي مرادي، مينا مولانيا، عبد الرضا أكبري٠
إيران/ فرنسان- 2003
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رسالة إيجابية حول علاقة الإسلام بالأديان الأخرى يسربها هذا الفيلم الى مشاهديه الغربيين منتقداً في الوقت ذاته الذين وضعوا الإسلام في أطر ضيّقة وأوصوا بعدم تجاوزها. الأحداث في مجملها مأخوذة مما وقع للمخرج نفسه حين كان فتى في عمر بطل الفيلم وأسمه إمكان (مرادي) وروح التمرد لا تزال ناشبة في ذات المخرج الذي بعث بالفيلم الى مهرجان فانيسيا من دون إذن السُلطة٠
اذا لم يكن المخرج يُعالي في تصويره لواقعه وهو فتى في السادسة عشر من عمره، فإن حياته كانت عبارة عن سلسلة من المواجهات الحادة مع المحيط العائلي والمدرسي ثم المؤسسة الدينية ذاتها. كل هذه، حسبما يرينا المخرج، حاولت الحد من حريته وأراادت تطويع مفاهيمه لنحوها المتزمّت من التفكير والمنطق والممارسة٠

والده (أكبري) يحظر عليه لعب آلة الكمان التي بدأ إمكان بهواها معبرا عن ملكية فنية. في المدرسة يُحظر عليه التفيكر في دور للإسلام يخالف الوجهة التقليديةو الكلاسيكية ويُعاقب عندما يبدي فهماً مختلفاً للدين٠ ثم يطرد من المسجد الذي كان بدأ يعمل فيه حالما يكتشف الإمام أنه يهوى الفن ايضاً.
المسألة التي يثيرها الفيلم هي أن الشاب متدين، يحب الإسلام ويمارس فروضه برغبة صادقة، لكنه أيضاً لا يرى تناقضاً بين الدين وبين الفن ولا يرى ما يمنعه من أن يكون مسلماً ومتواصلاً مع الأديان الأخرى ايضاً. وما تلبث القصّة أن تضع هذا التواصل في امتحان إرادة عندما يبدأ العمل عند صاحب سينما يهودي كرسّام للملصقات فيتعرّف على إبنته ماسون (مولانيا) ويشغف بها٠
لكن الثورة الإيرانية تفرض على اليهود الهجرة من المدينة (والوقائع هنا تمر من دون تدقيق او جدال) حيث يتم تجميعهم فوق جزيرة. إمكان من الحب بحيث يبحر وراء فتاته معرّضاً نفسه لمتاعب جمّة مع السلطات المحلية ثم لاعتداء شقيقيها عليه بالضرب. هذا قبل أن تلقي الشرطة القبض عليه مرة أخرى في وقائع من المحتمل أنها تجمع بين الخيال والواقع لكنها تثير حفيظة الرقيب (او هي فعلت ذلك بدليل عدم رضاها عن عرض الفيلم عالمياً)٠
أراد المخرج الذي علّم نفسه الإخراج من دون مدرسة وحقق أفلاما تسجيلية قصيرة من العام 1975، الحديث عن مسائل كثيرة ووقائع عايشها من دون أن يؤمن بضرورة التصنيف والإختيار. هذا ما خلق تكراراً في المواقف والرسالات في الجزء السابق لقيام بطله بالرحلة وراء محبوبته. وحقيقة أن المخرج اختار توليف الفيلم بنفسه لم يساعده لأن القرار في النهاية بقي منفرداً وليس ملائماً دائما لاحتياجات الفيلم الفنية٠ الجزء الأول من »أبجد« يعاني من تلاطم سريع للمواقف من دون تلك الفسحة التي من شأنها تعميق ما يدور في البال وبعث القدر الكافي من التأملات. في نهايته، يُقدر الفيلم لموضوعه وجرأة مخرجه أكثر مما يقدر لإبداع فني محدد٠



DASTAN NATAMAM **
قصّة غير منتهية
إخراج: حسّان يكتبانه
تمثيل: مصداق طيبي، مهدي باخايان٠
إيران - 2004
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل عامين من هذا الفيلم أخرج حسّان‮ ‬يكتبانه فيلمه الأول‮ »‬جمعة‮«: ‬قصة فتى من أفغانستان‮ ‬يعمل وقريبه،‮ ‬الأكبر سنا بقليل،‮ ‬لدى بائع حليب إيراني‮ ‬في‮ ‬بعض القرى‮. ‬كل‮ ‬يوم‮ ‬يبدأ العمل صباحاً‮ ‬بجمع الحليب من أصحاب البقر ووضعه في‮ ‬الشاحنة الصغيرة التي‮ ‬تطوف بالحليب وبالشاب معاً‮ ‬الى القرى والبيوت القريبة لبيعه‮. ‬في‮ ‬دكان في‮ ‬القرية تتطلع عيناه الى فتاة هي‮ ‬إبنة صاحب الدكان الإيراني،‮ ‬ويتطلع قلبه الى حب ممنوع عليه لكونه عاملاً‮ ‬مهاجراً‮ ‬حتى ولو كان مسلماً‮. ‬وفي‮ ‬النهاية عليه الاستسلام الى هذا المصير ومتابعة حياته من دون حبه‮. »‬جمعة‮« ‬كان فيلماً‮ ‬جيداً‮ ‬كتوظيف لمحنة عاطفية وكحديث عن بعض متاعب المهاجرين الأفغان في‮ ‬إيران ولو إنه تغاضى عن عمق المشكلة التي‮ ‬يقوم عليها‮ ‬التباعد القائم على كل صعيد‭ ‬‮(‬هو سني‮ ‬هي‮ ‬شيعية،‮ ‬هو مهاجر هي‮ ‬مواطنة،‮ ‬هو عامل هي‮ ‬إبنة صاحب دكان‮) ‬لكن أفضل ما فيه إنه كان مبنياً‮ ‬كقصة سينمائية كاملة بغض النظر عن هفوات في‮ ‬التنفيذ‮. ‬وما‮ ‬يؤخذ على فيلم‮ ‬يكتبانه الجديد هو إن المخرج استدار بعيداً‮ ‬عن تلك المعالجة السينمائية الصحيحة الى أسلوب متأثر‮ (‬كما واضح بعد نهاية الفيلم عندما تمر العناوين لتعلمنا أن عبّاس كياروستامي‮ ‬من بين العاملين خلف الكاميرا‮) ‬بسينما تقع ما بين التسجيل والدراما من دون أن‮ ‬يأخذ التسجيل ولا الدراما حقهما الممطلوب‮. ‬
فيلمه التالي »قصة غير منتهية«، ‮ يبدأ بمنتج تلفزيوني‮ ‬ومدير تصويره‮ ‬ينتظران على طريق ممتد بين الجبال القريبة‮. ‬يسمعان صوت سيارة قادمة‮. ‬ينظران الى الأمام‮. ‬لكن الطريق وراءهما‮!. ‬تتغاضى عن ذلك وتنتظر‮. ‬بعد قليل‮ ‬يسمعان محرك سيارة أخرى‮ ‬ينظران الى الجهة الصحيحة هذه المرة،‮ ‬ثم‮ ‬يهرعان طلباً‮ ‬لها‮. ‬إنها حافلة ركاب ومن فيها جميعاً‮ ‬يرتدون أقنعة تخفي‮ ‬وجوههم‮. ‬الإتفاق بين المنتج والمسؤول عن الحافلة هو أن‮ ‬يقوم الأول بتصوير الركّاب لأنهم مجموعة متباينة من الإيرانيين وبعض‮ ‬غير الإيرانيين الذين‮ ‬ينوون الهرب عبر الحدود الى ايطاليا او فرنسا‮. ‬إذاً،‮ ‬نحن في‮ ‬فيلم آخر من ذلك الذي‮ ‬يستولي‮ ‬على فكرة واقعية ذات موضوع مهم ويعالجها كما لو أنه‮ ‬يود التأكيد على أنها بنت لحظتها‮. ‬لا تمثيل فيها‮. ‬لا إعداد‮. ‬لا تأليف‮. ‬علماً‮ ‬بأنها مُحضرة سلفاً‮ ‬ومكتوبة ومعدّة‮ ‬هي‮ ‬وكل من‮ ‬يمثل في‮ ‬الفيلم محترفاً‮ ‬كان ام‮ ‬غير محترف‮. ‬المرء في‮ ‬مثل هذه الأعمال الإيرانية عليه أن‮ ‬يسأل عن الهدف المُحقق فنياً‮ ‬من خلال كل هذا‮. ‬وسبب سؤاله بدهي‮ ‬إذ هو‮ ‬غير واضح على الشاشة ولا في‮ ‬طيّات العمل ولا الفيلم‮ ‬يعكسه على نحو ما‮.‬

يٌطرد المنتج ومصوّره من الحافلة بعدما كشف أحد الركّاب عن قناعه وتحدّث صبي‮ ‬صغير لم‮ ‬يكن مسؤول العملية‮ ‬يريد له الحديث‮. ‬لكن المنتج ومدير تصويره‮ ‬يقرران المضي‮ ‬قدماً‮ ‬في‮ ‬تحقيق هذا التقرير التلفزيوني‮ (‬والا لن‮ ‬يكون لدينا فيلما نشاهده‮) ‬رغم مصاعب الطريق وتواجد بوليس الحدود المكثّف‮. ‬بعد أن أقلهما رجل أراد سرقتهما‮ ‬ينجحان في‮ ‬الوصول الى ركاب الحافلة من جديد‮. ‬هولاء كانوا تركوا السيارة وأخذوا‮ ‬يمشون صوب الحدود مجتازين جبالا وودياناً‮ ‬في‮ ‬طريق وعرة خوفاً‮ ‬من إنكشاف أمرهم‮. ‬حين‮ ‬يقترب المنتج ومدير تصويره من جديد مصممين على استئناف الرحلة مع المجموعة استكمالا للتحقيق،‮ ‬تقع مشادة جديدة ويكاد البعض‮ ‬يقتلهما،‮ ‬هذا قبل أن‮ ‬يظهر البوليس فجأة ويحيطون بالمجموعة كاملة‮. ‬لكن المنتج تخطر له فكرة فيوهم الضابط‮ (‬الذي‮ ‬حدث أنه من‮ ‬نفس البلدة التي‮ ‬ولد فيها‮) ‬بإنه‮ ‬يصوّر فيلماً‮ ‬وأن هؤلاء ممثلين‮ (‬مرة أخرى الجمع بين ما هو تمثيلي‮ ‬وما هو تسجيلي‮ ‬في‮ ‬فيلم داخل فيلم‮). ‬بناءاً‮ ‬على ذلك‮ ‬يصدّق الضابط ما‮ ‬يسمعه ويسمح للجميع المضي‮ ‬في‮ ‬العمل،‮ ‬وبل‮ ‬يشترك في‮ ‬تأدية أحد المشاهد‮!. ‬عمل الجميع الآن إجتياز الحدود التي‮ ‬باتت قريبة‮. ‬بعد متابعة مليئة بالمواقف‮ ‬غير المبتكرة،‮ ‬يداهم بوليس الحدود معظم الهاربين‮. ‬بعضهم‮ ‬يفلت‮. ‬بعضهم‮ ‬يُلقى القبض عليه والمصوّر ربما من بين الذين ماتوا إذ تنقلب الكاميرا بين‮ ‬يديه وتجمد صورتها‮.‬
المفاد هنا موجود على أكثر من صعيد‮. ‬هناك لمس لموضوع إجتماعي‮ ‬حول مطلب بعض الإيرانيين الهرب من البلاد‮. ‬لتمرير الفكرة كان على الفيلم ضمّهم الى‮ ‬غير إيرانيين أيضا‮ (‬في‮ ‬الإطار أفغاني‮ ‬وزوجته‮) ‬والمخرج لا‮ ‬يريد أن‮ ‬يبدو منتقداً‮ ‬او كاشفاً‮ ‬لحجم المشكلة لكن‮ ‬يكفيه،‮ ‬ربما،‮ ‬أنه‮ ‬يطرحها‮. ‬هناك العلاقة‮ (‬التي‮ ‬يحب البعض تسميتها بالجدلية بينما هي‮ ‬في‮ ‬معظم الأحيان من طرف واحد‮) ‬بين السينما والتلفزيون وبينهما وبين المادة المروية‮. ‬كم من هذه القصة حقيقية وكم من الفيلم‮- ‬الريبورتاج صادق وكم منه اضطر للتزييف لكي‮ ‬يحقق‮ ‬غايته‮. ‬ثم هناك النهاية التي‮ ‬تعكس الحلم بأرض جديدة ومستقبل آخر لكنها لا تستطيع لا أن تدين ذلك الحلم ولا أن تحميه وتحبيذه‮. ‬
على أن هذا الموضوع المهم،‮ ‬رغم الحذر الذي‮ ‬يحف به،‮ ‬يحتوي‮ ‬أيضا على نقد مبيّت للدوافع التي‮ ‬تحدوا ببعض الإيرانيين للهرب،‮ ‬لكن حاجة المخرج‮ ‬لنهاية مأسوية تتدخل ضد هذا نقد‮. ‬في‮ ‬أحد المشاهد نرى مسؤول العملية‮ (‬التي‮ ‬تم تقديمه كرجل متعناً‮ ‬وغليظا‮) ‬يوزع على‮ ‬النساء‮ »‬باركات‮« ‬شعر مستعار بألوان أجنبية‮ (‬شقراء وحمراء‮) ‬لكي‮ ‬يبدون‮ -‬من بعيد على الأقل‮- ‬أجنبيات ولتسهيل مرورهن عبر الحدود وقبولهن في‮ ‬الجانب الآخر‮. ‬لكن عوض أن‮ ‬يعكس المشهد وضعاً‮ ‬ساخراً‮ ‬من المسألة ككل،‮ ‬يدفع بالمشاهد لضحكة ساخرة وحدها‮. ‬الفارق أن موضع السخرية أختلف منتقلاً‮ ‬الى قرار النساء وضع الباروكة فوق‮ ‬غطاء الرأس وليس تحته عوض أن‮ ‬يسع المفارقة والمفهوم بكامليهما‮. ‬في‮ ‬ذلك إخفاق لغايات الفيلم عن طريق حشد نقده من دون تحليل او تعميق او حتى حالات صحيحة‮. ‬ولكن إذ تمضي‮ ‬هذه الأفكار التي‮ ‬كان من الممكن أن تثير الإهتمام لو أن التنفيذ جيّد،‮ ‬فإن الفيلم لا‮ ‬يبقى منه سوى ذكر العناء الذي‮ ‬لابد للممثلين أن خاضوه فعلياً‮ ‬وهم سائرون فوق الجبال وفي‮ ‬الوديان في‮ ‬الحر والبرد‮.‬


PANJ E ASR ***
ساعة العصر
إخراج: سميرة مخملباف
تمثيل: أغيلة رضائي، ابو الغنى بو سفرازي٠
إيران - 2003
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك مشهد يقع في نهاية الفيلم يرثي فيه العجوز مدينة كابول: " لقد انتقلت من الإيمان الى الفكر". يقول وهو يمسك بحجر يحفر أرضاً صحراوية وعرة. وراءه رجل يبغي الوصول الى قندهار وضل الطريق لأنه ما عادت بين كابول وقندهار قرى يسترشد بها٠ وعلى مقربة من العجوز، حفيده الطفل الرضيع الذي جاع وعطش حتى مات. لكن لا مصير الرجل الضائع ولا جثة الطفل الميّت أهم لديه من رثاء المدينة. ليس لأنها انتقلت الي عصر التلفزيون او الهاتف الجوّال، بل كل ما فعلته أنها الآن تسمح للبنات بدخول المدارس وتغض النظر عنهن إذا ما رغبن في خلع النقاب٠
مرحبا بكم في كابول بعد طالبان٠
سميرة كعادتها من الحذر الشديد في تعاملها مع شخصيات فيلمها الجديد الذي يتعامل كليّاً مع موضوع أفغاني وصور في تلك البلاد، بحيث لا تريد وصم ذلك العجوز. إنه ليس رجلاً أنانياً تسبب في شتات عائلته، ولا هو سياسي يرثي زمن طالبان. بل هو ضحية للوضع بأسره وللتمادي في تشتيت الدين بعيدا عن منحاه السماوي والروحي. كل ما يهمه هو أن يجد مأوى بعيدا عن الخلق خوفاً من أن يدخل النار إذا ما اصطدمت عينيه بإمرأة سافرة الوجه او جاوره جار يحب سماع الموسيقا٠
إنه الفيلم الطويل الثالث للمخرجة التي أصبحت مقصداً للنقاد من فيلمها الأول »تفاحة« سنة 1998 وهي قفزت كل الحواجز والمسافات سريعا لتصبح معروفة عالميا بفضل اختياراتها من المواضيع التي ترصدها. أفلامها هي استلهامات من الواقع تمارسها على شكل تحقيقات مصوّرة. »التفاحة« وقد أنجزته حينما كانت لا تزال في الثامنة عشر من عمرها، كان تناولاً لقصة فتاتين صغيرتين تجهلان الكتابة والقراءة وتتصرفان على نحو ذهني متخلّف نتيجة حجر والدهما طوالا لوقت في البيت المعتم الى أن اكتشفت وجودهما مريبة اجتماعية وأطلقت سراحهما. جرجنا الى الحياة كاسرتين الحاجز العازل الى الأبد (بفضل الفيلم أيضاً)٠
في العام 2000 قدّمت سميرة فيلمها الثاني »الألواح السوداء« الذي اختارت له المناطق الجبلية الكردية الوعرة على الحدود الإيرانية - العراقية: قصة آساتذة متعلمين يجوبون قرى الحدود عارضين خدماتهم لقاء الأكل والنوم فقط على عزّل أكراد يعيشون فوق الجبال القاحلة على الحدود بين العراق وإيران٠

لكن »ساعة العصر« يختلف عن سابقيه وهو أفضل أعمالها. بطلة الفيلم نقرة (رضائي) إمرأة شابة واعية ولا تعاني من تخلف عقلي او نفسي، الا أنها عاشت حياتها تحت كنف أبيها المتزمّت. وحين نتعرّف عليها نشاهدها تدخل مدرسة القرآن كما يرغب، لكنها تنتظر إنصرافه لكي تدخل مدرسة تعليم البنات القريبة لتتعلم فيها ما تريد٠
وهي تحمل رغبة أن تصبح رئيسة جمهورية أفغانستان. وتطرح الرغبة على بعض المحيطين بها وبينهم شاب مهاجر من قرية أخرى يلاحقها فتصدّه. لكنها تدرك في النهاية أن الأعباء التي ترضخ وأبيها ووطنها ومفاهيم المجتمع تحتها زثقل من أن تستطيع إزاحتها وتحقيق أي من غاياتها الإنسانية الطموحة والمحقّة. هناك أيضاً زوجة أخيها الذي مات بلغم مزروع التي تدرك أنها الآن كتب عليها أن تصبح وطفلها عالة. وهناك الأب العجوز المسجون من الداخل والحصان الكهل. حياة عائلية لا تجدها في أي سينما أخرى تنبع من صميم الموضوع الإجتماعي وتبقى فيه بلا تغرّب بفضل حفنة ممثلين تلقائيين٠

لكن هذه النواح التي يمكن وضعها في خانة الحسنات، بالإضافة الى رقة معالجة المخرجة للموضوع النسائي وطراوته، لا يعني أن الفيلم بلا مشاكل كبيرة. هناك مشاهد لا لزوم لها وأخرى مزروعة في توقيت سيء٠ الأولى صوّرته مخملباف بناءاً على سيناريو غير فعّال والثانية نتيجة مونتاج من أسوأ ما طُبع على فيلم إيراني في السنوات الأخيرة. الى ذلك، ممثلوها يبدون في العديد من المشاهد وهم ينتظرون دورهم في الكلام الأسوأ ينتظرون إشارة المخرج للبدء بالكلام. ليس فقط أنها مشكلة توليفية بل هي أساسا مشكلة إدارية ٠
على صعيد آخر توجه مخملباف ووالدها من قبل (عبر فيلمه الأفغاني الموضوع »قندهار« - 2001) لتناول مواضيع أفغانية يبدو شطارة تجارية- إعلامية أكثر من اهتماماً جذرياً٠

من ناحية أخرى فإن »الخامسة عصرا« من ناحية جهد مثير للإهتمام جيد في نواحي عقدة. ومن ناحية أخرى مصنوع لعيون المشاهدين الغربيين واستمرار لنجاح ظاهرة آل مخملباف العالمية٠


OFFSIDE **
‮»‬أوفسايد‮«‬
إخراج‮: ‬جعفر باناهي
تمثيل‮: ‬سيما موباراكشاي،‮ ‬سافر ساماندر،‮ ‬شياييته إيراني،‮ ‬محمد
ايران 2006
‮ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على حافلة عمومية مجموعة كبيرة من الشبّان تغني‮ ‬وتنشد وتلوّح بالأعلام و-أحياناً‮- ‬تتشاجر فيما بينها‮. ‬الكاميرا بينهم تلتقط الوجوه والأيدي‮ ‬والنظرات‮. ‬متحمّسون ومندفعون‮ ‬يقصدون ملعب الكرة لحضور المباراة الحاسمة بين الفريق الإيراني‮ ‬والفريق البحريني‮. ‬كلهم في‮ ‬صخب باستثناء واحد منهم جلس منزوياً‮. ‬السبب في‮ ‬أن هذا الواحد لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يشارك الباقين صخبهم هو أنه،‮ ‬تحت القبعة والملابس الرجالية،‮ ‬هو فتاة شابة متنكرة في‮ ‬زي‮ ‬صبي‮. ‬غايتها حضور المباراة المحظورة على الفتيات‮. ‬بوصول الحافلة الى باحة الملعب منضمة الى عشرات الحافلات الأخرى تحاول الفتاة دخول الملعب حذرة من مغبّة إكتشافها‮. ‬لكنها تُكتشف وتُقاد الى حيث تم تخصيص مكان في‮ ‬ساحة خلف الملعب‮ (‬نسمع الهتافات والصخب ولا نرى ما‮ ‬يدور‮). ‬هناك تلتقي‮ ‬بفتيات أخرى محجوزات لأنهن أيضاً‮ ‬حاولن مخالفة القانون‮. ‬هناك أيضاً،‮ ‬وبعد نحو ثلث ساعة من الفيلم،‮ ‬يتم تحويل الإهتمام من تلك الفتاة وحدها الى المجموعة بأسرهن،‮ ‬كما الى مجموعة المجنّدين‮ (‬أربعة‮) ‬المطلوب منهم حراسة هؤلاء الفتيات الى أن‮ ‬يتم وصول الضابط وإرسالهن،‮ ‬رغم تضرّع بعضهن،‮ ‬الى المخفر‮. ‬على الرغم من أن الضابط لا‮ ‬يعرف عددهن الا أن رئيس المجموعة المكّلفة بالحماية‮ ‬يواصل التحذير من أنه لا‮ ‬يستطيع إخلاء سبيلهن خوفاً‮ ‬من رئيسه‮. ‬كما‮ ‬يتحدّث عن رغبته في‮ ‬ترك الخدمة والعودة الى القرية لأن المدينة لا تعجبه‮. ‬ينجح الفيلم في‮ ‬ربط واقع الإناث والمجنّدين على حد سواء‮. ‬لا البنات ضحايا وحدهن ولا المجنّدين شريرين خالي‮ ‬الشفقة‮. ‬بعد المباراة‮ ‬يتم نقلهن في‮ ‬الحافلة،‮ ‬لكن مع إحتفالات هزيمة الفريق البحريني‮ ‬يتم فتح باب حافلة البوليس و-من دون تدخل البوليس المشارك في‮ ‬الفرحة الكبرى‮- ‬يدخل البعض ويفك قيود الفتيات ويخلي‮ ‬سراحهن على موسيقى النشيد الوطني‮ ‬الإيراني‮. ‬لجانب موضوع مهم وذي‮ ‬رسالة تدعو لتحرير المرأة من مثل هذه القيود،‮ ‬لا‮ ‬يوجد الكثير من الحسنات الأخرى‮. ‬أسلوبياً،‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬على عكس‮ »‬الدائرة‮« ‬و»ذهب داكن‮«‬،‮ ‬فيلما باناهي‮ ‬الجيدين السابقين،‮ ‬المعتمد على الكاميرا المحمولة،‮ ‬خال من التصميم السينمائي‮ ‬المسبق للمشهد‮. ‬ذي‮ ‬إيقاع واحد والموضوع المطروح،‮ ‬مع القليل من الأحداث هو الشيء الوحيد الذي‮ ‬يجر الإهتمام من مشهد لآخر‮.‬



TAHRAN SAATE HAFTE SOBH ***
طهران السابعة صباحاً‮ ‬
إخراج: أمير شهاب رازفيان
تمثيل‮: ‬بهناز جعفري،‮ ‬حسن مؤذني،‮ ‬رضا خمسة،‮ ‬بارفيز لاريجاني،‮
إيران‮/ ‬ألمانيا- 2004
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليس هناك ما هو‮ ‬غير عادي‮ ‬لا في‮ ‬الشخصيات ولا في‮ ‬الأحداث التي‮ ‬ترد في‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬وربما‮ ‬هذا هو المقصود إذ لدى المخرج‮ ‬بضع قصص‮ ‬يرويها ثم‮ ‬يعيد جمع بعضها مع البعض الآخر‮. ‬بعض هذه القصص والمواقف‮ ‬يصلح لأن‮ ‬يُكتب قصصاً‮ ‬قصيرة في‮ ‬مجلات أسبوعية،‮ ‬لكن واحدة منها‮ (‬الأخيرة‮) ‬تعكس معالجة شفّافة ومشاعر إنسانية أقوى من الفيلم ذاته‮. ‬ينتقل الفيلم من قصة تقع أحداثها في‮ ‬الساعة السابعة صباحاً‮ ‬عندما‮ ‬يترك شرطي‮ ‬سير مكانه قرب تقاطع المشاة ويمشي‮ ‬مبتعداً‮ ‬مع‮ ‬إمرأة تقدّمت منه حسب موعد مسبق‮. ‬في‮ ‬الحديقة العامة‮ ‬يتحاوران حول حبه لها ثم تتركه وتمضي‮ ‬وذيول موقفها منه‮ ‬يعود إلينا في‮ ‬جزء لاحق‮. ‬القصة الثانية تقع في‮ ‬مستوصف فحص البول حيث الفوضى وسوء المعاملة‮ ‬يخلقان مشاهد مسرحية كوميدية نهايتها ظهور محقق سري‮ ‬يأمر بإغلاق المكان ويعد بإجراءات‮. ‬

الثالثة حول راكب دراجة نارية‮ ‬يستخدمها كتاكسي‮ (‬تأثير فيلم‮ »‬عشرة‮« ‬لعبّاس كياروستامي‮ (‬المخرج رازفيان‮ ‬يشكره وجعفر باناهي‮ ‬وتأثيرهما واضح على معالجته العامة‮) ‬ويتبادل طول الوقت الحديث الى زبائنه‮. ‬آخرهم‮ ‬يموت مستنداً‮ ‬الى شجرة‮. ‬القصة الرابعة‮ ‬بطليها مهاجر أفغاني‮ ‬يعمل وَحده في‮ ‬بناية جديدة وفتاة نراها هاربة من رجل‮ ‬يلحقها‮. ‬الرجل‮ ‬يدعي‮ ‬إنها سرقته‮. ‬هي‮ ‬تدعي‮ ‬إنه‮ ‬يريد سرقتها‮. ‬تدخل البناية التي‮ ‬لا تزال قيد التعمير وتختبيء‮. ‬الأفغاني‮ ‬لا‮ ‬يريد المشاكل لكنه إذ‮ ‬يتحدّث والفتاة تدرك بأنه إنسان حرمته الظروف من‮ ‬الإستقرار ومن الوقوع في‮ ‬الحب‮. ‬
هناك لقطات جيدة التكوين له‮ ‬يصعد تلك الصواري‮ ‬الحديدية المركّبة وهو لا‮ ‬يتوقف عن الحديث‮. ‬المخرج‮ ‬يعرف أين‮ ‬يضع عينه في‮ ‬تلك المشاهد وما‮ ‬يريد أن‮ ‬يعكس فيها‮. ‬هنا فقط‮ ‬يشتغل سينما بعدما كان عمد،‮ ‬في‮ ‬القصص الثلاث السابقة الى شغل تلفزيوني‮ ‬التركيب والأسلوب والطموحات‮. ‬نهايات القصص كلها فيها قدر كبير من الإجتهاد في‮ ‬سبيل إبراز معنى ما،‮ ‬لكن نهاية القصة الرابعة فقط هي‮ ‬التي‮ ‬تنجح في‮ ‬محاولتها‮.‬



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular