Jun 22, 2009

ISSUE 431| Tom Hanks| Luis Bunuel 3| Bergman and the Nazi Past | Hollwyood & Race Relations

هذا العدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تستمر »ظلال وأشباح« في إتابع منهج الكتابة عن
المخرجين المرموقين. لجانب حلقة جديدة من سينمـا
لوي بونويل، تكتب ريما المسمار عن جانب من عالم
إنغمار برغمن يتعلّق بعقدة ذنبه حيال موقفه السابق
حيال النازية٠
لكن الإضافة المهمّة هي فتح حوار حول موضوع كثيراً
ما تطرّقنا إليه هو "سينما المؤلّف مبعثه تساؤلات الصديق عمر منجونة حول الموضوع. كذلك هناك المقابلة الموعودة مع توم هانكس وحديث حول موضوع العلاقات بين البيض والسود والأقليّات الأخرى في سينما هوليوود اليوم٠
What else is new?



حوار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعود الأخ عمر منجونة للكتابة حول ماهية
سينما المؤلف وأين مكمن المخرج من هذه
العملية الإبداعية طالما أن عناصر أخرى في
العمل ليست من نتاجه. المقال التالي فرصـة
أمام الراغبين في الإشتراك من خلال تجارب
شخصية او آراء خاصّة في الموضوع تعقيباً
او إضافة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فرنسوا تروفو
أعلم أنى أسئلتى تدور منذ فترة فى نفس الحلقة المغلقة ومحورها الأساسى هو - المخرج - لكن الأمر فقط يأخذ كل تفكيرى فى الوقت الحاضر والحاجة لمعرفة هذا الذى أتفاعل مع أنتاجه دون أن أعلم كيفية (خلق) هذا الكيان الفنى هذا الشخص يلقبونه بأسماء كثيره (منفذ، مشرف، مدير، مؤلف، صانع الفيلم، فنان السينما الأوحد ...) و أتصعب أنا لتسميته وحده (السينمائى) وهو فى كل الأحوال (المخرج). فأرجو أن تتحملنى فى هذا الموضوع الذى ربما يكون الحديث الأخير عنه ... ملحوظة : أستثنى من حديثى دور السيناريو فى خلق العمل فكلامى منصب على التكوين البصرى للعمل٠

عودة الى السينما الصافية
ان كان الخروج بسينما صافية هو نتيجة لاندماج العناصر الفردية. فهل يمكننا الحصول على سينمائى صافى يمتلك الاداة (أو الأدوات) لتحقيق رؤية شاملة خاصة به. فى كتابه المعنى بالواقعية فى السينما العربية يحيلنا الناقد السورى الراحل (سعيد مراد) الى مسألة ثقافة الصورة وهو يؤسس للعملية الابداعية فى السينما بـ "وجود مجموعة عمل يتشاركون هما ابداعيا واحداً يعبر عنهم كل بطريقته تحت قيادة المخرج". منطلقا من هذا الأساس يمكننى تلقى الفيلم من خلال مايعرف ب "نظرية صنّاع العمل" - فالمصور ومصمم الديكور والمونتير والموسيقى يبدعون، لكن المخرج هو القائد الذى يؤلف فيلما من هذه العناصر المختلفة، وفقا لهذا أيضا حدثتنا حضرتك عن لقطة من فيلم "الملائكة تطير فوق برلين" ووصفتها بأنها تكاد تكون مرسومة من قبل مدير التصوير (هنرى أليكان) لكنك وصفت نفس اللقطة بأنها مأخوذة من فيلم لفيم فيندرز - فهل هذا من قبيل أن صلاح الدين الأيوبى هو من حرر القدس (بوصفه القائد) لكن هذا لا ينفى مجهود الجنود . وفقا لهذا المنطلق فألكسندر سوخروف أو أليخاندوا أمينابار أو سيرغى أيزنشتاين أو روبيرتو رودريغز عندما يشاركون فى كتابة، تصوير، تأليف موسيقى أو مونتاج أفلامهم، يختلفون عن نفس الأسماء السابقة اذا ما أكتفوا بالاخراج وفى هذه الحالة يمكننا أفتراض عمل "الطاقم الفنى" بدون مخرج على أن يقوم المخرج المنفذ بالاشراف على جهودهم٠

نعود الى الأستاذ سعيد مراد فهو عندما يحاول افراد الأمثلة لتصوره عن ثقافة الصورة نجد أنه يتحدث عن انجازات تشابلن وغريفيث وويلز وواقعية جون فورد المستقاه من الأدب الأمريكى. وانجازات أوروبا (برجمان وسيجتروم وبونويل...الخ)- اذن هذه المدارس السينمائية تختلف باختلاف مخرجيها أم أن هؤلاء دون مديروا تصويرهم -مثلا- لم يكونوا ليصنعوا شيئا يذكر وأن تلك اللقطة من فيلم (فيم فيندرز) لم يكن ليصبح لها وجود اذا استبدل مدير التصوير بأخر. الأن اذا كان المخرج هو (المايسترو) وليس (مصدر الايقاع) فلماذا هو من يذكر (فى المقام الأول) ثم باقى الفريق. علما بأن من يقود عزف موسيقى بيتهوفين لن يلقى أبدا أهمية مؤلف (النص الأصلى)؟

أعتذر عن (الصداع) الذى سببته لحضرتك , لكن صدقنى - أستاذ محمد - الأمر يسبب لى نفس الصداع عندما أعجب بتصوير او مونتاج أو حتى ديكور فيلم ما فأجدنى أتساءل هل كان سيخرج بهذا الشكل لو اختلف منفذ عنصر واحد من هذه العناصر) - علما بأنى من المهتمين بالعلاقة بين المبدع والمتلقى على أساس الابداع الذاتى كما أن ما أقرأه فى كتب النقد يستمر فى التأرجح بتفكيرى بين من يسمى يسرى نصر الله بصاحب (أفلامه) - مع اضافة حرف اللام قبل الفيم فى العربية و (أبوستروف اس ) فى الانجليزية للدلالة على الملكية _ ومن يحدثنى عن سمير بهزان باعتباره (شريك) فى الخيال الابداعى والتنفيذ٠
أفرغت كل مافى جعبتى ولم يعد لدى الا الصمت
عمر منجونة

الاسئلة التي تطرحها يا أخ عمر هي الاسئلة التي طرحوها (في ألمانيا) من العام 1913 ثم (في ألمانيا وفرنسا) في العشرينات والثلاثينات ثم الخمسينات والستينات والى اليوم بعدما اتسعت دائرتها٠ وأخشى إذا سبرت غورها الوقوع في التكرار لما ذكرته بنفسي في هذا المجال من قبل وهو أن العناصر كلها تجتمع لدى المخرج وهو الذي تعود اليه قيمة إجمالية صاغها بدءاً من إختياراته من الموضوع الى كاتب السيناريو الى الممثلين الى مدير التصوير وصولاً الى باقي عناصر العمل٠
كذلك أخشى أن أجد نفسي في التاريخ الطويل لهذه الحركة ولو أن ذلك ضروري جداً وسأخصص له حلقة من سلسلة »النقد وفلسفة السينما«٠
موقفي الشخصي مما ذكرته ومن سينما المؤلّف يتضمّن بعض التناقض٠
على سبيل المثال
المخرج إبراهيم البطوط صاحب »إيتاكي« و»عين شمس« مخرج مؤلف بعرف المفهوم المحدد للكلمة. يكتب أفلامه. يصوّر او يتدخل في التصوير. يُمنتج او يتدخل في المونتاج. يختار ممثليه حسب وجهة نظر معيّنة. يختار مواضيعه لتناسب هموماً ذاتية. يفعل كل شيء من هذا المنطلق ويلبسه أسلوبه البصري والسمعي ويلصق الفيلم بشخصيّته الفنية٠
هذا مخرج مؤلف٠
لكن كذلك يفعل ستيفن سبيلبرغ: الا يختار مواضيعه؟ الا يوافق ويرفض السيناريو؟ الا يختار الممثلين تبعاً لـ..؟ الا يضع عينه على فتحة الكاميرا ليتأكد من اللقطة؟ الا يتدخل في المونتاج؟ ثم أليست أفلامه هي تعبير عن شخصيّته الفنية؟
طبعاً وهذا كاف لأن يهوي بنظرية المؤلّف او -على الأقل- يحوّلها الى صيغة ايديولوجية للتعارف بين هواة نوع وهواة نوع آخر٠
كذلك، انتخاب سينمائي معيّن لإطلاق صفة »مؤلّف« يدفع البعض الى ترجمة ذلك بأنه صاحب السينما الأفضل. فيلما الصديق البطّوط، وفيلم صبحي شفيق وأفلام الراحل يوسف فرنسيس وأفلام عاطف الطيّب وأفلام رضوان الكاشف، رحمهم الله، كلّها تتناغم في ذات الإتجاه. كذلك أفلام محمد خان وخيري بشارة وداوود عبد السيد كلها أفلام نابعة من الشخصية ترتدي أساليب صانعيها المختلف تماماً عن أساليب عز الدين ذو الفقار وحسن الإمام وعاطف سالم وسواهم الكثيرين٠ لكن في حين أن بعض نتائج أفلام المؤلف أفضل من سواها، فإن بعض نتائج أفلام المنهج السائد أفضل من سواها أيضاً. بكلمات أخرى: فيلم عاطف سالم »أم العروس« مثلاً أفضل من فيلم يوسف فرنسيس »زهور بريّة«٠
هذا واقع. كلاهما استخدم كلمات وصور وأساليب آخرين شاركوا في صناعة كلا الفيلمين، لكن اختلفا في الصياغة وكل هذا لم يشفع لفيلم يوسف فرنسيس فجاء الفيلم المبني على جهود عاطف سالم ومجموعته أفضل٠

هذه الجهود هي أيضاً ذاتها٠
على اعتبار أن المخرج لا يستطيع -حتى لو أراد- صنع كل شيء في الفيلم، فإن الديكوريست الذي سيصمم أثاث مكتب لفنان تشكيلي مثلاً له إسهامه في العملية التأليفية٠ عند المخرج المستقل، هذا الإسهام عليه أن يمر من فلتر المخرج لكن من قال أن هذا الإسهام لا يمر من فلتر المخرج الجماهيري (نعم هناك مخرجون لا يكترثون لكننا لا نتكلّم عنهم بل عن المخرج الجيّد انتمى الى سينما المؤلّف او لم ينتم)٠


اللقطة التي نشرتها من »الملائكة فوق برلين« (او »أجنحة الرغبة« كما في عنوانه الإنكليزي) تفيد ما يلي: صناعياً وعلى نحو غير قابل للتفسيرات الناتجة عن لافتات القضايا صغيرة او كبيرة او الأمنيات: المخرج فيم فندرز كتب مادّته بنفسه. رغب في مدير تصوير معيّن (هنري ألكان) ولأن فندرز ليس المموّل لابد عرض ذلك على شريكه في الإنتاج أناتول دومان. الحصول على الموافقة ليس شرطاً لكي يجلب مدير التصوير، لكنه واجب مهني٠ حصل عليه. هذا قرأ السيناريو. جلس مع المخرج جلسات طويلة. انطلق يبدع تصويراً. في كل مرّة كان لا يزال على فندرز معاينة اللقطة التي تتداخل فيها أيضاً فن الماكياج وفن الملابس وفن التمثيل (ولو وقوفاً بلا تعابير) وفن الموسيقا إذا ما صاحبتها موسيقا الخ٠٠٠ هذا وحده كاف لأن ينفي انفراد المخرج بالتأليف كما ينفي عن الفيلم انفراده بصفة الفيلم الصافي وبالتالي وجود سينما صافية. خالصة٠

على ذلك، فإن صياغة المشهد كما رأيناه وصياغة كل المشاهد في أي فيلم كان هي مسؤولية المخرج الفرد (كما هو مفترض واستثني الأفلام المصنوعة فقط بمقاييس الاستديوهات المسبقة على المخرج أن يطبّقها وينفّذها بلا حرية شخصية)٠
المرحلة التي تفصل بين قيام هنري ألكن بتصوير اللقطة وبين تلك التي تنضم فيها اللقطة وقد تم تصويرها الى الفيلم الخام الذي ينتظر التوليف هي المرحلة التي تصبح فيه موهبة ألكن ملك المخرج٠ لو فرضنا أن المخرج لم تعجبه اللقطة فطلب إعادتها ألغى جزءاً من صنعة مدير تصويره. كما الاستديو في الأفلام الأميركية يطلب من المخرج الإنصياع، من حق المخرج أن يطلب من مدير تصويره الإنصياع- كان الحق معه او لم يكن٠ إذا ما قام المخرج بحشر لقطة لحمامة تطير على مقربة من وقفة الممثل برونو غانز تلك تدخّل أيضاً في صنع وصياغة المشهد كما وضعه مدير التصوير٠
في كل الحالات، تلك التي ذكرت من بينها أيضاً، فإن المخرج هو الذي يقود. عليه يؤتمن الفيلم. لذلك لدينا سيل كبير من الأفلام المستقلّة والأفلام التابعة لسينما المؤلّف هي أقل بكثير مما تستحقّه من تقدير وأفلام كثيرة من تلك المنفّذة جيّداً إنما تبعاً للمفاهيم السائدة هي أفضل بكثير مما قيل فيها٠
هذا الخلط لم يأخذد بعين الإعتبار أن الحيثيات التقنية التي سار عليها فرنسوا تروفو حين أخرج أفلامه منتقداً تلك التي عند »سينما البابا« كما كان يسمّيها وقوامها الأفلام التي كان يخرجها سينمائيون »تقليديون«، هي ذاتها التي سار عليها المخرج التقليدي٠
الآن هناك فرق بين سينما مستقلة وسينما المؤلف قليلاً ما يؤخذ بعين الإعتبار: الأولى هي سينما -في الأساس- لم تنتجها شركة إنتاجية رئيسية ما يمنح المخرج الحق في تحقيق الفيلم الذي يريد والثانية هي التي قد تنتجها شركة إنتاجية رئيسية مانحة الحق للمخرج في تحقيق الفيلم الذي يريد (خذ فيسكونتي مثلاً)٠
هذا كله من جملة الأخطاء التي وقع فيها النقاد والسينمائيين العرب بينما كانت المسألة لا زالت، والى اليوم، مطروحة بلا نتائج محددة في الثقافة السينمائية الغربية٠
أعتقد ما يهمني الوصول اليه تقرير أن الجودة والرداءة لا تعرف هذا الإتجاه او ذاك. وعليه فإن التسمية ليست سوى تحديداً لمنهج المخرج٠ الا إذا كان هناك رأي آخر يري -بإقناع- أن هذا الرأي يخالفه الصواب٠ والقضية مفتوحة للمشاركين٠


مقابلة | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توم هانكس ينتقل عبر الأدوار ويحمي مستقبله بالإنتاج
لا أنظر لمهنتي على أساس أنها مراحل. وعاجلاً او آجلاً سينحسر نجاحي كممثل ٠


يحرص توم هانكس حين إجراء مقابلاته الصحافية على أن يبدو إنساناً عادياً قريباً من الغير ورافع الكلفة. هذه خصال ليست دائماً متواجدة مع سواه، بل غالباً غير متواجدة مع سواه. او هي تندرج عند غيره من التظاهر بالإعتيادية الى إيجاد مسافة بينه وبين الآخرين كما لو كان ذلك سينأى به عن الاسئلة الملحّة او الحرجة٠
المختلف في توم هانكس أن ظهوره هو أيضاً الظهور الذي يحب أن يلوّن شخصياته به. نعم هو ينتقل من شخصية الى أخرى ولا يلعب نمطاً او نمطين فقط، لكنه حريص أيضاً على أن يمارس مهنته ويلعب أدواره بذات الرغبة في التلقائية والإعتيادية. يريدك أن تصدّق إنه فورست غمب في الفيلم المعنون بإسمه والكابتن ميلر في فيلم »إنقاذ المجنّد رايان« والعالم الفضائي في »أبوللو 13« وساعي البريد المنبوذ فوق جزيرة نائية في المحيط الأطلسي في »المعزول« والتحري المصلح في »اقبض عليّ إذا استطعت« والشرير غير المأمون له الذي يهدد حياة إمرأة عجوز في »قاتلو السيدة«٠
وهو في اختبار صعب في فيلم »ترمينال« لاعباً دور رجل من وسط أوروبا مقطوع في مطار نيويورك ريثما يُبت بأمره، وسانتا كلوز في »بولار أكسبرس«، ثم عالم الرموز الدينية والتاريخية لانغدون في فيلمه الأخير »ملائكة وشياطين«، وهو بسبب هذا الفيلم يصل الى فندق فور سيزنز في لوس أنجيليس على الوقت تماماً ليس لتأكيد حرصه على مواعيده، بل لأن هذا اللقاء هو واحد من سلسلة لقاءات طوال يومين يعقدها مع صحافيين محليين وأجانب لترويج الفيلم٠
وهو اللقاء الثالث بيننا إذ تم الأول في أعقاب "انقاذ المجنّد رايان« سنة 1998 والثاني في أعقاب »أقبض عليّ إن استطعت« (2002) وكلاهما من إخراج ستيفن سبيلبرغ. أسأله عن علاقته مع ستيفن بعد سلسلة أفلامه معه التي انتهت مرحلياً بفيلم »ترمينال« فيجيب
كثيراً ما نتحادث حين لا يكون أحدنا مشغولاً، وهناك أفكاراً لكنها ليست نهائية. مجرد *
أفكار ... تعلم ما أقصد تتداول أفكاراً ثم تبتعد عنها والجيّد منها سيلاحقك. تكلمنا قبل دخوله
التصوير على فيلمه الجديد وقد يكون هناك عمل آخر بيننا في غضون سنتين٠

تنوّع الشخصيات
لكن توم هانكس، الذي سيحتفل بعيد ميلاده الثاني والخمسين في التاسع من الشهر المقبل، يبدو أكثر إنشغالاً من سبيلبرغ نفسه. نظرة سريعة على موقع
Imdb pro
توافينا بأن هناك ما لا يقل عن ستة عشر مشروعاً في مراحل مختلفة تمتد أمامه من هذا العام والى السنوات الثلاث المقبلة. معظم هذه الأفلام تشير الى أنه لا ينوي تمثيل سوى قليل منها. وهو يؤكد ذلك بقوله
طبعاً لا أتوقع من نفسي ولا يجب أن يتوقع أحد مني أن أمثل كل هذا العدد من *
الأفلام. لكن كبداية كثير منها غير مؤكد بعد. أفكار راودتني وشركائي او في بعض
الأحيان قرأناها كما فعلت أنت على »الوب« قبل أن نتأكّد من أننا نريد الدخول فيها
فعلاً. لكن نعم، معك في استنتاجك بأنني أميل الى اشغال نفسي في الإنتاج أكثر من
التمثيل عموماً. هناك مشاريع ترى نفسك فيها ممثلاً وأخرى تريد أن تحققها وعليّ أن
أقول أن هناك الكثير من السيناريوهات الجيّدة هذه الأيام٠


لكن لابد أن هناك مواصفات معيّنة تستحوذ على اهتمامك فتقرر أنك تريد تمثيل هذا -
الفيلم او الإكتفاء بإنتاجه. هذا إذا كنت تكترث له أساساً٠
صحيح. لكن سيكون صعباً عليّ وضع إطار حول نوعية معيّنة. عادة ما أميل الى إنتاج
أفلام صغيرة لكني أمثل في أفلام كبيرة (يضحك)٠

الشخصيات التي يؤديها من التنوّع وفي ذات الوقت لا يتركها تطغي على شخصيّته هو. هذا ما قسم النقاد من حوله: الناقد ديفيد تومسون (يراسل الأوبزرفر البريطانية وسواها) يعتبره مملاً في بعض الأفلام وغير ذا أثر في بعضها الآخر والناقد رتشارد شيكل (مجلة »تايم« الأميركية) يدافع عنه على طول الخط٠ لكن الحقيقة هي أن توم هانكس اشتغل على أساس أن يتذكّر المشاهد دائماً أن توم هانكس هو الماثل أمامه، لكنه وفي أحيان كثيرة أيضاً ارتدى الشخصيات التي مثّلها ونوّع بينها قدر الإمكان. يسمّون من هم مثله بالممثلين المشخّصين
Character Actors
لكنها صفة عادة ما تُطلق على ممثلين مساندين يجيدون اللعب في صرح الشخصيات التي تسند إليهم من دون حواجز واعية بينهم وبين تلك الشخصيات. أسأله إذا ما كان يوافق على هذا التفسير

إنها مسألة قائمة فعلاً على خط رفيع. كل ممثل، أعتقد، يريد أن يبقى سيد الدور *
الذي يقوم به سواء أكان دوراً صغيراً او كبيراً. وهناك وعي المشاهد أيضاً. أقصد
أنه أحياناً ما يطلب من الممثل أن يبقى الشخص الذي يعرفه وأن لا ينتقل تماماً الى
شخصية صعب تمييزها٠

حين لعبت شخصية سانتا كلوز كنت ...٠ -
ذلك مثال مختلف. لعبت في الفيلم أكثر من شخصية وبعضها عوّض البعض الآخر. لكن *
ما أريد قوله هو أن الممثل يستطيع أن يحافظ على علاقة المشاهد به ورغبته في أن يراه هو
على الشاشة لاعباً الشخصية التي يرغبها الممثل . هذا المشاهد كثيراً ما يساعد الممثل على
اتخاذ القرار في كيف سيجمع بين وضعه ممثلاً وبين الشخصية التي يلعبها٠


The Terminal

ثقة المشاهدين
قبل أيام اشتريت مجلة »فيلم كومنت« وحين اقتربت من الموظّفة لأدفع ثمنها قالت -
لي حين شاهدت صورتك على الغلاف: سأذهب الى أي فيلم من تمثيل توم هانكس. الى
ماذا تعدو هذه الثقة. هذا الإعجاب . أحد المواقع يعرّفك بقوله "أكثر النجوم نيلاً
للإعجاب"؟
لا أدري كيف أجيب على هذا السؤال لأن المسألة ليست خطّة من جانبي. او ربما إذا *
كانت فهي لم تكن مؤكّدة٠

في بداياتك، وبعد ظهورك على شاشة التلفزيون، سجّلت النجاح والثقة سريعاً. هل -
كانت كلّها عبارة عن مصادفات قدرية او عن حسن اختيار مشاريعك؟
الأصح أن أقول أنها كانت جمعاً بين الإثنين. حين مثلت »سبلاش« و»بيغ« و»الرجل *
ذو الحذاء الأحمر« و»حصار« لم يكن هناك أي شيء مؤكد٠ ولا تنسى أنه كانت هناك
أفلاماً لي تنل الإعجاب وسقطت رغم أنها بدت شبيهة بالأفلام التي نجحت من حيث
كونها كوميديات عاطفية وشبابية مناسبة٠ لا أعتقد أن هناك تفسيراً علمياً لنجاح او
عدم نجاح أفلام بعينها. قد تستطيع أن تعرف سبب نجاح »ستار وورز« لكن لماذا
قد يسقط فيلماً مشابهاً له مثلاً٠

تلك الفترة التي امتدت الى مطلع التسعينات أصبحت، تبعاً للنجاح اللاحق، تبلورت عن مرحلة جيّدة أسست لنجاحه وشملت ظهوره في شخصية الشاب الذي قد يقع معه أي شيء من دون أن يفقده توازنه: قد يغدو صبياً في جسد رجل كما الحال في »بيغ« او قد يلتقي بحورية البحر ويسبح معها، كما في »سبلاش« او يجد نفسه عرضة لمطاردة عصابة من الجواسيس كما في »الرجل ذو الحذاء الأحمر« (المأخوذ عن فيلم كوميدي فرنسي بذات العنوان من بطولة بيير ريشار) ٠
تبعت تلك المرحلة أخرى امتدت لمنتصف التسعينات وفيها شاهدناه فيها يحقق نجاحات متعاقبة لاعباً شخصيات صعبة (ولو نظرياً) كما الحال في »فورست غمب« مشخّصاً حالة شاب معاق يختصر في حالته بساطة متناهية مع حكمة غير متوقّعة. قبله مباشرة لعب بطولة »فيلادلفيا« مجسّداً شخصية شاب مصاب بالأيدز وذلك حين كان المرض لا يزال حدثاً عالمياص٠ وفي الفترة ذاتها لعب دور قائد فريق رياضي في »فريق لحسابهم« قبل أن يدلف الى إداء صوتي في »توي ستوري« سنة 1995
بدءاً من العام 1998 نستطيع أن نقول أن هانكس بدأ مرحلته الثالثة التي لا زالت مستمرة. مرحلة الأدوار الناضجة في أفلام كبيرة ستعتمد عليه اعتماداً كبيراً لكي تنجح وهو أوصلها الى ذلك النجاح٠

فيلم مشاكس
هل توافق على أن دورك في »انقاذ المجنّد رايان« هو الدور الذي بدأت -
عبره مرحلتك الجديدة٠
غريب لأني لا أنظر كثيراً لمهنتي على أساس مراحل متعددة. هي فقط بلورة *
منطقية تخضع لأحكام السن والنضج العام والتقدّم في العمل- او التأخر فيه
إذا ما حدث وأن أخفقت. لكني أوافقك بالنسبة لـ «إنقاذ المجنّد رايان» ربما يعود
الى أنه الأول في سلسلة أفلامي مع ستيفن سبيلبرغ وهو خصّ تعاوننا بعدد من
الأفلام الجيّدة. «إنقاذ المجنّد رايان» كان أيضاً مطلباً شعبياً من حيث أنه كان
أول فيلم أميركي عن الحرب العالمية الثانية منذ سنوات بعيدة٠

بالإضافة طبعاً الى حقيقة أنك وسبيلبرغ أسمين كبيرين٠ -
على مستوى النجاح التجاري معك حق. هذا كان له أثره

فيلمه الجديد »ملائكة وشياطين« من إخراج رون هوارد الذي كان أخرج من بطولة توم هانكس أحد نجاحاته الأولى وهو »سبلاش« ثم عاد فالتقى به أكثر من مرّة بينها فيلم «شيفرة دافنشي» الذي كان مدخل هذا الثنائي الى الكثير من المواقف المؤيدة وتلك المعارضة لسياسة هذا الفيلم تجاه الفاتيكان. وهذا بدوره ما تكرر حين انطلق »ملائكة وشياطين» في عروضه الحالية كون الفيلم يتبع السلسلة ذاتها٠

ماذا عن «ملائكة وشياطين»٠ -
نعم. أعتقدت أنك سوف لن تطرق الفيلم الذي من أجله تمّت هذه المقابلة (يضحك)٠ *

كل في وقته. هذا الفيلم مشاكس قبل كل شيء. أليس هذا صحيحاً؟ -
حسناً. الآن تسألني السؤال الذي داومت على سماعه طوال اليوم. هو بالفعل فيلم *
يؤدي الى إثارة بعد الآراء ضده. نعم. لكني لا أعتقد أنه صُنع وفي البال أن يثير
ضجّة من هذا النوع او أن يكون مشاكساً٠

لكن ما سيثيره من مشاكل كان معروفاً سلفاً من حين ما -
تم إنتاج »شيفرة دافنشي«٠
بالطبع. لكن أنت هنا في خيار. إما أن ترضى بأن يوصي عليك الآخرون كيف تصنع *
أفلامك وماذا فيها او لا. أعتقد أننا من الحريّة بحيث نستطيع أن نحقق ما نريد٠

هذا صحيح بالتأكيد لكن هل ترى فيه تعرّضاً للكنيسة الكاثوليكية؟ -
صراحة أقول القصّة تتعرّض لأحداث خيالية تماماً لا أساس لها للواقع تقع في الفاتيكان *
ولكونها خيالية فلك أن تصدّق او لا تصدّق. هذا هو أيضاً من الإختيارات الحرّة في هذا
البلد. الحقيقة هي أن كل فيلم يواجه ذات الإمتحان بصرف النظر عما يحمله. قد تشاهد
هذا الفيلم (يقصد «ملائكة وشياطين» وتردد لأصدقائك " شاهدت هذا الفيلم. إنه جيد. لقد
أعجبني" او تقول "هاي... لقد شاهدت هذا الفيلم »ملائكة وشياطين« ويا له من زبالة"٠
ولا أحد من صانعي الفيلم... لا أكترث أي فيلم ... يستطيع أن يفعل شيئاً٠

التمثيل كبزنس
هذا صحيح. موقف الغالبية من المشاهدين هو الذي يقرر ما إذا كان الفيلم، أي فيلم، سينجز مهامه التجارية ويحقق نجاحاً او لا. وبالنسبة لتوم هانكس هذا مهم إنما الأهم أنه قبل أن يترك الخيار للمشاهدين يضمن أن حصّته من الإيرادات كبيرة إذا ما حقق الفيلم رواجه٠
بالنسبة لفيلم »ملائكة وشياطين« تقاضى هانكس ثمانية عشر مليون دولار أجراً. لكنه حسب لنفسه حصّة تخوّله تقاضي نحو 30 مليون دولار وما فوق (حسب نسبة الإقبال على الفيلم) إذا ما حقق نجاحاً. بعض التقارير تقول أن ما سيدخله من الفيلم تبعاً لحسن إدائه في شبابيك التذاكر سوف لن يقل عن 45 مليون دولار٠

كثيراً ما كنت أطرح هذا السؤال في مقابلاتي الأولى في هوليوود ثم توقّفت٠ -
كم من عمل الممثل الناجح فن وكم منه بزنس؟

يضحك طويلاً ويسألني لماذا توقّفت. هل اعتبر أحد الممثلين أن ذلك تدخل في شؤونه؟ قبل أن أجيب قال

بالتأكيد هي مزيج لكنه مزيج طبيعي. إنها مهنتك. أنت ناقد او صحافي سينمائي وأنا ممثل وذاك طبيب والرابع طبّاخ. قد تحب مهنتك بحد ذاتها وقد أفعل أنا الشيء نفسه كذلك كل في مهنته. لكن لابد أن نتقاضى عليها أجراً ولا بأس مطلقاً في أن تصبح بزنس. بل هي بزنس٠ لكني أقول لك شيئاً : أنا لست في هذه المهنة بسبب المال أوّلاً، او على نحو رئيسي. أنا في هذه المهنة لأني أحب فني وأحب عملي وأحب السينما٠

The Davinci Code
هل هذا هو الدافع الذي يحركك دوماً الى الأمام؟ السبب في أن لديك ولو -
افتراضاً نحو ستة عشر فيلماً في مراحل مختلفة٠
ليس أني بحاجة للعمل. لكن للصراحة إذا لم أفعل ذلك وأصنع لنفسي وضعاً *
كهذا كيف سيكون مستقبلي؟ في حياتي منذ البداية توخّيت أن أحمي نفسي من
أخطاء وقع بها آخرون. لا أريد أن أجلس يوماً في البيت منتظراً أن يرن الهاتف
ويعرض أحدهم علي عملاً. يجب أن أكون هناك وأن ابتكر شيئاً. وعاجلاً او آجلا
سوف تنحسر شعبيّتي كممثل. لذلك أنا في الإنتاج لأني أستطيع البقاء أكثر ولو
عبر ابتكار أعمال يقوم ببطولتها غيري٠


سينما برغمان | ريما المسمار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذ تقترب ذكرى وفاة المخرج الفذ إنغمار برغمن، ستتناول
هذه المجلة مشاهد وجوانب مختلفة من أعماله. ويسرّها
أن تبدأ ذلك بمقالة الزميلة ريما المسمار التي نشرتها قبل
أسبوعين في صحيفة »المستقبل« اللبنانية. مقالة فيها عمق
الناقدة وأسلوبها المعرفي الشامل٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

برغمن شاباً
الموت في أعمال إنغمار برغمن السينمائية من منظور آخر
سينمائي القلق الوجودي كان مسكوناً أيضاً بذنب الفاشية
بضعة عناوين كبرى ظللت أفلام السينمائي السويدي إنغمار برغمن خلال مسيرته السينمائية التي انطلقت في أربعينات القرن الماضي، كرست اسلوبه في الخمسينيات، بلغت أقصى التطرف والإبداع في الستينات وحازت الاجماع النقدي والجماهيري في السبعينات.وفي حين اعتُبرت سينماه الاختزال الأسمى للقلق الوجودي، تجسد الأخير بتلك العناوين المتكررة والتي يمكن اختصارها بالعزلة والعلاقات الانسانية والعصرانية ومعنى الايمان والعلاقة مع الله. ولكن ثمة عنوان آخر لازم معظم أفلامه هو الموت. فكم من شخصية أساسية عبرت أفلام برغمن مسجاة على سرير الموت. وكم من شخصية كان الموت مصيرها اما انتحاراً أو جراء حادثة من دون إغفال الشخصيات التي كانت في حد ذاتها تجسيداً للموت وأشهرها على الإطلاق في ). الا ان الموت الذي وصف برغمن علاقته به بـ"المجنونة"، ارتبط دائماً في التحليلات النقدية بموضوع الدين
The Seventh Seal (1957) كما الحال في

على اعتبار الاخير المظلة الأوسع التي تضم موضوعات كالموت والايمان والذنب والخضوع والخوف التي اختبرها المخرج في البيت أولاً تحت تأثير تربية والده اللوثرية الصارمة٠
غير ان عودة أفلام برغمن الى دائرة الضوء بعيد وفاته في الثلاثين من تموز/يوليو فضلاً عن صدورها قبل ذلك بكثير على "دي.في.دي"، منحها ليس فقط التواصل مع جمهور جديد واكتشاف الجمهور القديم لمعاندتها الشرسة للشيخوخة، بل أيضاً أتاح التوقف عند تفاصيل ليس بهدف الإحاطة الشاملة بالسينمائي السويدي وانما برغبة تفكيك المؤثرات التي كونت سينماه. في كتابات ماريت كوسكينين المتخصص ببرغمن وأعماله نقرأ ان أعمال برغمن كانت انعكاساً لأزمة المجتمع السويدي بتحوله الى الشكل العلماني حيث لم يتمكن تماماً من استبدال العادات والتقاليد القديمة مما ولد قلقاً روحياً٠

في مجموعة من الكتابات والتحليلات التي ظهرت بعيد وفاته اشارات أكثر تفصيلية الى علاقة برغمن وأفلامه بموضوعة الموت انما من زاوية تربط الأخير بالحرب العالمية الثانية التي تزامنت نهايتها مع الانطلاقة السينمائية لبرغمن. تبني تلك الدراسات نقاشها على اعتبار ان سينمائياً من طراز برغمن كان دائماً سابقاً لزمنه في الطرح والمعالجة السينمائيين ما كان ممكناً أن يفوته حدث مثل الحرب تلك من دون ان يترك أثراً ما فيه. صحيح ان السويد كانت بلداً محايداً ولكن برغمن لم يكن منفصلاً عما كان يجري في العالم. فمن المعروف ان السينمائي أمضى صيفاً كاملاً في برلين في منتصف الثلاينيات كجزء من برنامج استبدال بين الطلاب مقيماً عند عائلة نازية وحاضراً لأحد خطابات هتلر. كذلك كان أخوه "داغ" أحد مؤسسي حزب العمال الاشتراكي الوطني النازي السويدي وان والده كان من داعميه والمصوتين له. وخلال حياته كان برغمن صريحاً في التعبير عن افتتانه المراهقي بالنازية: "لسنوات كثيرة، كنت الى جانب هتلر، سعيداً بانتصاراته وحزيناً لخساراته" كما يقول في مذكراته "المصباح السحري" الصادرة عام 1988

بالنسبة الى زوجته السابقة كابي لاريتي عازفة البيانو كان ذلك الجانب من حياة هتلر سلاحاً في يد من يهدف الى التقليل من شأنه. بالطبع ليس الهدف من هذه المقالة هنا التقليل من شأن برغمن وانما محاولة اكتشاف تاثيرات الحرب العالمية على أفلامه. تلك الحرب التي حصدت بين 5 و 6 بالمئة من مجموع شعوب ألمانيا وايطاليا والنمسا وهنغاريا واليابان والصين٠

الذنب واللوم
Honor and Conscience في كتابها "الشرف والضمير"
عن السويد خلال سنوات الحرب الصادر عام 1991
استعانت الكاتبة ماريا- بيا بوتيوس شهادة انغمار برغمن الذي كان في عشرينياته حين اندلعت
في كتابها "الشرف والضمير" العالمية الثانية، استعانت الكاتبة ماريا ـ بيا بوتيوس بشهادة انغمار الحرب العالمية الثانية. روى كيف انه وقف يتفرج بينما قام قطاع طرق برسم الصليب المعقوف شارة الحزب النازي على باب منزل صيفي كان يقطنه مخرج يهودي. ويعلق برغمن على تصرفه بالقول: "وأنا بكل جبن لم أنبس بكلمة." ولكنه عندما كتب »عذاب« [أخرجه ألف سيوبرغ سنة 1944]، قدم المعلم الظالم في هيئة نازي٠

في مذكراته، يكتب انه بعد الحرب العالمية الثانية رفض مثل كثيرين تصديق الهولوكوست "مثل غيري، اعتبرت الصور مفبركة وبروباغندا كاذبة". ولكنه ما لبث ان وقع ضحية اليأس وازدراء الذات معترفاً لاحقاً في ما يخص نظرته الى النازية وهتلر: "أدركت بعد وقت طويل انني كنت مذنباً من خلال مصادقتي... لقد أعماني السطح الملمّع فلم أرَ الظلامية في ما كان يحدث." في يقظة اكتشافاته، أقسم برغمن "سياسة ـ ليس بعد الآنّ"٠
لكن برغمن لم يحافظ على قسمه طويلاً إذ أنجز في العام 1950 فيلما بعنوان »لا يمكن لهذا
This Can't Happen here أن يحدث هنا

حول أوروبي شرقي يُختطف في ستوكهولم. الكاتبة لاريتي اللاجئة الاستونية أكّدت خجل برغمن من تسطيح معاناة الاستونيين في فيلم ثريللر هروبي عن الحرب الباردة ومنع عرضه الجماهيري. وتشير لاريتي الى مفارقة اعجاب الاستونيين بالفيلم وامتنانهم لبرغمن لطرح قضيتهم فيه٠

بيضة الأفعى
وجه برغمن سينماه الى اكتشاف أصول الحزب النازي في فيلمه
The Serpent's Egg

The Serpent's Egg

العام 1977 وكان مدهشاً في كيفية جر الموضوع الى عرينه الخاص ليلتقي مع أعماله الأكثر ذاتية. في ذلك الوقت، كانت صدمة الحرب قد خفت وطأتها وكان برغمن قد ذهب بسينماه الى اتجاه آخر يمزج بين موضوعات الموت والجنس والقسوة والاذلال. وتبقى تلك التجربة مميزة على أكثر من صعيد في مساره السينمائي. فالفيلم هو الأعلى كلفة الذي أنجزه في حياته وواحد من تجربتين فقط ناطقة بالانكليزية كما انه جاء في مرحلة مفصلية من حياة برغمن. فبعد خلافاته مع دائرة الضرائب في السويد لعدم دفع مستحقاته، خرج برغمن من السويد مقسماً الا ينجز فيها فيلماً بعد ذلك. استقر في ميونيخ حيث ألهمته السيرة التي كتبها يواكيم فيست عن هتلر والمنتج الايطالي الكبير دينو دي لورينتيس الذي أمضى عقداً في محاولة اقناعه بالتعاون معه. سيكون »بيضة الأفعى« تحفته السينمائية. انطلق من هناك ليصور نشأة النازية في المجمل، اقتنع برغمن متصوراً برلين مدينة كابوسية ملأى بالمتسولين والمشوهين والمقعدين المقموعين٠

تدور حكاية الفيلم حول آيبل (دايفيد كارادين) الفنان المدمن على الكحول الذي يكتشف انتحار أخيه "ماكس" ويبدأ مع زوجنه مانويلا (ليف ألمن) البحث عن أسباب ذلك. كلاهما يعمل في الملهى الليلي الذي يملكه الغامض هانز فيرغيروس الذي يتذكره آيبل باحثاً يمارس ساديته على الحيوانات والناس. على لسانه، تأتي خلاصة الفيلم التي هي بالنسبة الى برغمن اختزالاً للنازية: "عالمنا سينزلق في الدماء والنار. في غضون عشر سنوات لا أكثر، سيخلق هؤلاء الناس مجتمعاً جديداً لا نظير له في التاريخ." ينتهي الشريط بمشهد لهتلر معقود اليدين٠
يظهر دفتر ملاحظات برغمن حول الفيلم مدى هوسه بأصغر التفاصيل وتداخل عناوين الفيلم مع ذكريات طفولته. بالطبع سيكون من التبسيط ان ننسب الفيلم برمته الى شعور برغمن بضرورة التكفير عن مواقفه السلبية تجاه الفاشية قبل ثلاثين عاماً من الفيلم. ولكنه لا ينسى ان يصنع مشهداً يبدو فيه آيبل متغاضياً عن اجبار مجموعة فاشية لرجل مسن كنس الشارع واذلاله. أفليس المشهد تعبيراً عن موقفه من إذلال المخرج اليهودي أمام عينيه قبل أكثر من ثلاثين عاماً؟
على الرغم من ذلك، لا يسعنا الا ان نشعر بأن الذنب وربما الفضول المرضي هما ما دفعا ببرغمن الى العودة الى برلين العشرينات، راصداً موضوعاته الأثيرة انما ـ وبشكل يندر الوقوع عليه في افلامه عموماً ـ في اطار سياسي وتاريخي محدد. فأبطاله هنا ليسوا من الطبقة الوسطى السويدية بجترون معاناتهم تجاه قلقهم الوجودي انما هم شخصيات تناضل في سبيل العيش في عالم أسود. في الفيلم، يتعانق احساس برغمن بالخزي مع افتتانه التلصصي بالعنف والقسوة. ومن يعرف مدى ارتكاز برغمن في سينماه على حياته الخاصة وميله الى تعظيم الذنب واللوم سيعثر حتماً في أفلامه على آثار تلك المرحلة المبكرة التي أفلتت من تحليلانه لبعض الوقت


سينما لـ .... | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما وأفلام لوي بونويل
3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عمل لوي بونويل في الترجمة داخل شركة تجارية (هي فيلموفونو فيلمز) مكّنه من البقاء قريباً من العمل السينمائي. هناك أربعة أفلام ما بين 1935 و1936 تم إنتاجها لا تحمل أسمه مخرجاً لكن المعتقد أنه هو مخرجها (او شارك بإخراج إثنين منها على الأقل). بعض المؤرخين يعتبرون ما قام به أمر إعتيادي كونه كان بحاجة لأن يعمل محتجباً بسبب النقمة الحكومية عليه، وآخرين اعتبروا عمله ذلك اقتراباً من "فن تأمين" التقارب مع الذوق الجماهيري٠ في نهاية العام 1936 تم توقّف الشركة وحصدت السٌلطة الفاشية الحكم عملياً في أسبانيا ما جعل وضع بونويل صعباً. من مذكّراته: "وجدت نفسي خائفاَ" وهذا الخوف دفعه للموافقة على أن يعمل ملحقاً في السفارة الأسبانية في باريس حيث كانت مهمّته تأمين وتحضير مواد بروباغاندا٠
إذاً بعدما تخلّى بونويل عن سينماه السوريالية لصالح سينما تجارية عادية، تخلّى عن مواقفه الثورية لصالح الحكم الفاشي الأسباني٠
لا أدري إذا كنت ألومه او لا. وأنا لست أخلاقياً بهذا المعنى. هناك ظروفاً تحتّم على المرء أن يتصرّف وأحياناً التصرّف الأقرب للتطبيق هو القبول. ربما من باب المناورة. وبونويل حاول أن يناور حين دعته هوليوود من جديد للإشراف التاريخي والتقني على فيلم وثائقي كانت تود انتاجه عنوانه
Cargo of Innocents | حمولة أبرياء
وصل بونويل وزوجته وإبنه الى هوليوود من هنا وتم إلغاء المشروع من هناك. انقذته معرفته بمدير متحف الفن الحديث في نيويورك الذي أسند اليه مهمّة الإشراف على إعادة توليف فيلمين اعتبرا نازيين حينها هما
Triumph de Willns | إنتصار الإرادة
Gedzug in Polen | لليني ريفنتشتول و حملة في بولندا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العام 1942 حشره سلفادور دالي
في خانة اليك حين أصدر كتاب سيرته
وأعلن فيه أن بونويل هو ماركسي حرّف
محتويات فيلمهما »العصر الذهبي« ليتلاءم
مع منهجه الشيوعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الفيلم الثاني تعيده بعض المراجع الى مخرج بإسم هانز برترام لكن المرجّح أكثر أنه من إخراج فريتز هيبلر وكان أحد مخالب أفلام البروباغاندا النازية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (ومات قبل سبع سنوات فقط عن 92 سنة)٠
بعد ذلك (او بالأحرى خلاله) أخذ بونويل يشرف على إرسال مواد سينمائية معادية للنازية لحساب موزّعين سينمائيين في دول أميركية لاتينية٠ في العام 1942 حشره سلفادور دالي في خانة اليك حين أصدر كتاب سيرته وأعلن فيه أن بونويل هو ماركسي حرّف محتويات فيلمهما »العصر الذهبي« ليتلاءم مع منهجه الشيوعي. في نيويورك التقطت صحيفة »موشن بيكتشرز هيرالد« اليمينية الخبر واتخذته منصّة هجوم على بونويل الذي، رغم تمسّك المتحف به (الذي تعرّض لضغوط حكومية لإقالة بونويل) قرر الإستقالة. في هجرة ثالثة الى هوليوود نجده أخذ يعمل مترجماً لأفلام وورنر التي تريد توزيعها في أميركا اللاتينية وكاتب لفصل من مشاهد لفيلم روبرت فلوري »الوحش ذي الأصابع الخمسة« كما حاول تنفيذ عدة مشاريع لحسابه لكن أحداً لم يستجب لنداء الفنان فيه٠
نجده لاحقاً (في منتصف الأربعينات) في المكسيك مدعو لإخراج فيلم عن مسرحية غارسيا لوركا
La Casa de Bernarda Alba | هي "قضية برناردا ألبا"٠
لكن المشروع تهاوى كذلك تهاوت معه مشاريع عديدة طوال عشر سنوات قضاها في المكسيك بلا عمل٠
ليس معروفاً (ولا هو يذكر في كتابه) اسباباً معيّنة لذلك. لكن المؤكد أن بونويل وجد نفسه بعيداً عن الإخراج للعام الخامس عشر على التوالي من قبل أن يحدث التغيير الكبير المنتظر وهو في السابعة والأربعين من العمر حين عرض عليه أوسكار دانسيجر تحقيق فيلمه التجاري الأول
Gran Casino | الكازينو الكبير
سنة 1947


الحقبة المكسيكية
تحتوي هذه الحقبة على 21 فيلم كلها تجارية وبعضها أفضل من بعض مع وجود أفلام خاوية من بينها »الكازينو الكبير« نفسه: ميلودراما موسيقية يصفها بونويل نفسه بأنها لم تعن له الكثير: "كان لديّ إثنين من أهم مغنيي الأرجنتين والمكسيك وكان لابد لي أن أجعلهما يغنيان"٠
El Gran Calvera | التهوّر الكبير
المتوفر على اسطوانات تحت عنوانه الإنكليزي
The Great Madcap
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعتقد أن النجاح التجاري الذي حققه في »التهوّر
الكبير« جعله على ثقة من أنه يستطيع إنجاز
أعمال تجارية ذات قيمة فنيّة وأسلوب خاص. إذاً
نعم... كانت مناورة وكسبها٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا الفيلم الذي حققه سنة 1949 أفضل بقليل. كوميديا يقود بطولتها نجم السينما المكسيكية آنذاك فرناندو سولر المدمن على الخمر من بعد موت زوجته. حين تحاول عائلته (ممثّلة بأخيه) إنقاذه تدّعي الإفلاس بسببه ويصدّق لكن حين يكتشف الحقيقة يكون عرف معنى العيش فقيرا ويستهويه ذلك العيش٠
ما يمنحنا إياه بونويل في هذا الفيلم شخصية برجوازية تدعو للرثاء أوّلاً ثم للعطف بعد ذلك خصوصاً حين يجد أن العودة الى ثرائه لم يعد رغبته وأن الحياة مع بيئة فقيرة أكثر ثراءاً اجتماعياً ونفسياً من حياته السابقة٠ تأثير الأسلوب الهوليوودي التقليدي (حجم اللقطات. تنويعها تبعاً لتقليد سردي والمونتاج) واضح في هذا الفيلم كما في الأفلام المتوالية له٠

Los Olvidados | The Young and the Damned | الأحداث والملعونون
فيه من روح الواقعية الإيطالية مع عودة بونويلية الى شعائر سوريالية. المزيج ناجح يخلق فيلماً قيّماً ومختلفاً حتى بين العديد من أفلام الفترة. أعتقد أن النجاح التجاري الذي حققه في »التهوّر الكبير« جعله على ثقة من أنه يستطيع إنجاز أعمال تجارية ذات قيمة فنيّة وأسلوب خاص. إذاً نعم... كانت مناورة وكسبها٠

Los Olvidados

في مراجعتي لما كُتب عن هذا الفيلم طالعتني عبارة للناقد ج. هوبرمان تقول "لا يوجد فيلم أقل التباساً من هذا الفيلم بالنسبة لدلالاته أن الفقر أمر معيب"٠ لكن الفيلم لا يدعو للإلتباس مطلقاً. بونويل بالفعل لا يملك حسّاً عاطفياً هشّاً او ساذجاً للفقراء. لا يؤمن بأن الفقراء ودعاء وطيّبين. رسالته نقد الفقر من دون الكذب على الفقراء (او المشاهدين)٠ هنا قصّة فتى يهرب من الإصلاحية ويواصل ما كان بدأه قبل دخوله اليها من عنف منتقماً أولاً من الشاب الذي وشى به ثم من آخر شهده يقتل ذلك الشاب. نهاية الفيلم تزيل أي التباس: جثّة ذلك الفتى القاتل (بعدما أشبعها البوليس رصاصاً) تُنقل على عربة يجرّها بغل٠
رغبة بونويل في إحداث الصدمة كانت بدورها صادمة. الصحافة هاجمت الفيلم كذلك نقابات العمّال على أساس أن الفيلم يهين الطبقة الفقيرة. أحد كتّاب الفيلم رفع أسمه عن الفيلم بسبب قوّة المشهد الذي يقوم به الشرير بقتل الواشي (مشهد عنيف لا هروب منه او رجفة عين). النتيجة: النجاح التجاري الذي كان تنعّم به من قبل، تحوّل الى فشل ذريع٠


هوليوود | محمد رُضا
العلاقات العنصرية لا زالت بالأبيض والأسود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد تبدو الأمور مستتبة على صعيد العلاقات بين
الشعوب والعناصر البشرية. لكن الرماد لا يزال
ساخناً رغم المظاهر

Crossing Over

في أحد المشاهد الأولى من فيلم »جرّني الى الجحيم«، ذلك الفيلم الذي حاول أن يكون مرعباً وغاب عنه أن يكون جيّداً، نشاهد بطلة الفيلم آمي أدامز وراء مكتبها في أحد المصارف تنجز معاملة لزوجين شابّين: هي أميركية وهو ذي ملامح شرق أسيوية. قد يكون عربياً او هنديا. هذا لا يهم لأن المشهد مهتم بقول شيء آخر: الموظّفة تخدم عملاءاً أجانب سعداء بانفتاحها ومقبلون ناجحون على الحياة الزوجية. نعرف ذلك من خلال الإبتسامة العريضة على محيا كل من الزوجين ومع تطمينات الموظّفة بأن كل شيء سيكون على ما يرام٠
لكن هذا المشهد ديكوراتي لا ينعكس على حالات أخرى ولا حتى حقيقة أن الولايات المتحدة انتخبت أول رئيس جمهورية من أصول أفرو- أميركية. ليس أن هناك أفلاماً عنصرية كثيرة، لكن ما هو هناك قدر من الأفلام التي لم تحل بعد المسائل العنصرية في الجزء الخلفي من رؤوسها. تلك المسائل لا تزال تفقع كما »البوب كورن« الذي يبيعونه في الصالات قبل العرض٠

أحد آخر الأفلام التي نرى فيها حالات عنصرية نصف متوارية هو فيلم للمخرج ستيف شيل بعنوان
Obsessed
عن تلك السكرتيرة المؤقتة البيضاء (آلي لارتر) التي تنضم لمكتب رئيس إدارة أسود (ادريس إلبا) وتحوم حوله من اللحظة الأولى محيطة إياه باهتمام بالغ وبابتسامة مغرية ورغبة لا تحتاج الى الإعلان. لكن رئيس المكتب متزوّج من المرأة الأفرو أميركية أيضاً (بيونس نولز) وسعيد في حياته الزوجية. لكن هذا لن يكون سدّا منيعاً والأحداث تتوالى من خلق صراع اخلاقي بين المواقف والرغبات٠
من البداية يلعب الفيلم على واقع الأبيض والأسود. الأسرة سعيدة لكن هل هذا يمنع الأفرو- أميركي من التجاوب لتلك المرأة اللعوب؟ السؤال الثاني على الفور هو كنه تلك النتيجة السلبية التي ستحظى بها السكرتيرة في نهاية الفيلم، والتي هي بمثابة المفاد او الدرس الذي على المشاهد أن يستوعبه. المفاد هو أن العلاقة بين الأجناس خطأ وأن ذوي البشرة السوداء عليهم أن يرضوا ببعضهم البعض، والمرأة البيضاء التي قد يستهويها الرجل الأسود سوف تنتهي نادمة على خياراتها٠
ليس فقط أن هذه الرسالة لا تستند الى واقع فهو مليء والثقوب ما يجعل القاعدة السائدة عبارة عن استثناءات كثيرة، بل أيضاً هو خطاب في العنصرية قديم ومتآكل٠
هناك قراءة أخرى للفيلم: المرأة البيضاء هي خطر على حياة السود. لكن ما يعنيه ذلك لا يقل عنصرية انما من وجهة نظر أفرو-أميركية ومغزاه يؤدي الى ذات المفهوم الوارد في القراءة الأولى وهو أنه من الأولى أن يحافظ كل عنصر على لون بشرته عن طريق الزواج ممن هم من ذات اللون٠

قبل هذا الفيلم بأسابيع قليلة شاهدنا عملاً يحاول أن يطرح الموضوع بسواسية مثيرة للريب. إنه فيلم
Crossing Over
او »تجاوز« الذي أخرجه واين كرامر (أيضاً جديد في ركب المخرجين كما الحال مع ستيف شيل) ومحوره مثير للإهتمام: عدة قصص تدور حول الخليط الأميركي غير القابل للذوبان. فالمعروف أن عبارة
Mixing Pot
هي التي سادت لحين طويل في وصف المجتمع الأميركي القائم على تعدد العناصر والأعراق البشرية الموجودة فيه من عرب ومكسيكيين وآسيويين شرقيين وهنود وسود وبيض٠ لكن هذا الفيلم أراد القول أن الخلطة غير سليمة وأنه بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر لابد من إعادة النظر في القوانين التي تتيح للمهاجرين (وجلّهم حسب الفيلم لا يؤمَن لهم) الإختلاط بالمجتمع الأميركي طالما أنهم لا يزالوا محافظين على تقاليدهم »البالية« و»المتوارثة«٠
المثال الوارد في الفيلم عائلة من الإيرانيين- الأميركيين المنشقّة على نفسها: الفتاة متحررة. الشقيق والأب متزمّتان. لم لا يقتلانها غسلاً للعار؟ الأفدح من ذلك أن القتل تم بمعرفة شقيق ثان يعمل في البوليس لجانب بطل الفيلم (الأبيض) هاريسون فورد٠
عائلة مسلمة أخرى، هذه باكستانية او أفغانية، تكتشف أجهزة الأمن أن إبنتها الشابّة التي ترتدي رداء الرأس من الحجاب في المدرسة، لديها ملفّات على الكومبيوتر ومواقع تُعتبر خطراً على الأمن القومي. القرار لا بسجنها الى أن يتم اصدار حكم ما بشأنها فقط، بل أن ذلك الحكم ينضوي على إرسالها وأمها الى حيث جاءتا. هذا، في رسالة الفيلم، خير طريقة للحفاظ على الأمن من .... المسلمين!٠
وليست كل الحكايات عن مسلمين٠
في الفيلم نماذج أخرى أحدهما نموذج لعائلة كورية منقسمة أيضاً على نفسها إذ أن الإبن الأصغر قابع تحت ضغط العصابة الكورية وسوف يشترك بجريمة سرقة لمحل لكي يبرهن على أنه ليس الإبن المدلل الوجل والخائف من العائلة. خلال تلك العملية يعترضه تحر آخر من أصل آسيوي يحاول إنقاذه من القبض عليه بسبب سنّه وكون الجنحة هي الأولى، ولأن عائلته ستقسم يمين اللواء الى أميركا في اليوم التالي حين تستلم هويّاتها الأميركية التي حلمت بها. في تجنيبه المزالق فعل خير وحكمة من ناحية لكنه خروج عن القانون من ناحية أخرى٠

هذا الفيلم ما هو الا صدي لفيلم سابق أخرجه بول هاجيز بعنوان »صدام« سنة 2004 (غير فيلم اخر بنفس العنوان لا يعنينا هنا من إخراج ديفيد كروننبيرغ) وقام ذلك الفيلم على تعدد الحكايات في الفيلم الواحد كما على تعدد الأصول العرقية لمن فيه: هناك الزوجان الأفرو- أميركيّان اللذان يشهدان تجربة مرّة من الضابط العنصري (مات ديلون) الذي تحسس الزوجة من دون أن يتحرّك الزوج محتجاً. وهناك
المكسيكيين الآلين الى الجريمة والثنائي من السود الذين آلوا قبل ذلك الى الجريمة. ثم هناك صاحب المحل المسلم الذي لا تود شراء أي شيء من دكانه نظراً لطريقته المستهجنة في الحياة والتعامل ولريبته المسبقة في كل شيء »حضاري« او »مختلف«٠
الحقيقة أن المسألة العنصرية لم تُحل بعد لا في الحياة ولا في السينما، لكن إذا ما كانت السينما مرآة عاكسة فإن الرأي الذي يمارسه المخرج عبرها هو الذي عليه أن يجعلها مرآة ناطقة تهدف لتغيير السيء وتبديل الملامح السلبية للمجتمع بأخرى إيجابية٠ وسنرى أن أفلاماً قليلة جدّاً هي التي تفعل ذلك٠
أحد هذه الأفلام القليلة جدّاً هو »غران تورينو« لكلينت ايستوود٠
في شتّى أفلامه السابقة، لم ينس ايستوود التعامل مع الأقلّيات: في كل فيلم من سلسلة »هاري القذر« التي كانت من بين أولى نجاحاته الشعبية هناك مساعد له من الأقليات: أسود في فيلم، لاتيني في فيلم آخر وآسيوي في فيلم ثالث. وحين لم يعد هناك أقليّة يمكن الإستعانة بها وضع امرأة كمساعدة. في تلك الأفلام، ووصولاً الى »غران تورينو« (آخر أفلامه وعرض في مطلع هذا العام) نجد أنه ينتقد نفسه بنفسه٠ يقدّم صورة مثالية لمن يخاف الآخر او يخشاه لذلك يحاول وضع حاجز يبعده عنه لكنه يدرك مع ختامات الفيلم ان يكن لهذا الطرف الآخر تقديرا واجباً٠
في »غران تورينو« لخّص كل هذه الأمور في حكاية حول ذلك المواطن العجوز الذي شهد عبر السنين كيف تحوّل الحي الذي يسكنه من أبيض الى ملوّن. جيرانه اسيويين وقريباً منه مرتعاً لعصابات مكسيكية وأخرى أفرو- أميركية. لكن الفيلم ليس عن كيف سيواجه العصابات لأن الموقف من تلك العصابات محلول في الوعي الباطني لدى المشاهدين. ما يدور الفيلم عنه هو كيف سيواجه ذلك الرجل نفسه وسينتصر على تحفّظاته وعنصريته ويتعاطى، وللمرة الأولى، مع العنصر الآخر وبل سيضحّي بنفسه لأجل أن تعيش مطمئنة٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular