Jun 19, 2009

ISSUE 430 | عودة مهرجان باريس | السينما الجزائرية | اختطاف بلهام | ماري أنطوانيت

هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصديق محمد العسكري بعث لي مشكوراً بموقع استطيع من خلاله مشاهدة فيلم لوي بونويل
Land Without Bread
ما تطلّب تأخير حلقة هذا الأسبوع لكي تشمل تعليقاً على الفيلم الذي -كما ذكرت في العدد الماضي- لم أشاهده بعد. هذا يفسّر سبب غياب بونويل اليوم٠
لكن العدد لا يزال ثرياً٠ نديم جرجورة يكتب عن »اختطاف بلهام 123« وميسر المسكي يعود بنا الى فيلم لم ينل حقّه من الإهتمام حين عُرض عالمياً سنة 2006. أنا أدلي بدلوي في موضوع السينما الجزائرية مستوحياً مادّته من بعض (وليس كل) ما شاهدته مؤخراً من أفلام. ومن أخبار هوليوود الفيلم الجديد الذي يرتدي فيه الممثل روبرت داوني جونيور ثياب التحري شرلوك هولمز. لم أشاهد الفيلم بعد لكن فيه ما يبعث على الريب في أن ثياب الشخصية جرى توضيبها لتناسب سينما الأكشن ما ينسف عالم هولمز نسفاً٠

أصداء | ملاحظات وتعليقات حول سينما اليوم وتياراتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفاجأة سارّة ... أخيراً: عودة مهرجان السينما العربية في باريس بعد غياب ملموس٠
...................................................................................


استقبلت بسعادة غامرة النبأ الذي زفّه الناقد الصديق صلاح سرميني لي يوم أمس (وهو يوم ذهبت فيه الى طبيب الأسنان ولم يتح لي مطالعته الا لليوم) ولعدد كبير من المعارف والمهتمّين بشؤون الفن السابع والذي جاء فيه خبر إنشاء "جمعية السينما العربية- الأوروبية " التي ستعرف لاتينياً بإسم
ACEA
وتهدف الجمعية التي تأسست في باريس حديثاً الى الإنتاج السمعي البصري بين الدول العربية والإتحاد الأوروبي من جهة وبين البلدان العربية فيما بينها من جهة أخرى. كما تسعى لنشر معرفة أفضل بالآخر من خال إقامة عروض منتظمة وتظاهرات دورية للأعمال الفنية في مجال الفن السابع، "أكان ذلك من شمال او جنوب المتوسّط، كما ستتيح نشاطات الجمعية تكوين جمهور جديد تشد اهتماماته بأعمال سينمائية عربية وأوروبية قليلة التوزيع" كما ورد في الإعلان المرفق٠
لا يقل أهمية عن كل ذلك، التحضير لمهرجان سنوي مخصص للسينما العربية في باريس، وذلك بعد توقف البينالي الذي كان المعهد العربي يشرف عليه منذ عامين0 الدورة الأولى من المهرجان سيقام في العام المقبل ٠
ويوجز البيان الأهداف على النحو التالي

ـ التحضير العمليّ لمهرجانٍ سنويّ في باريس مخصص للسينما العربية
ـ الدفع بالقطاع السينمائيّ, والسمعيّ/البصريّ المُتوسطيّ, والعربيّ, والأوروبي إلى الأمام, من خلال التعاون بين العاملين في المُؤسّسات الحكومية, والخاصة٠
ـ تشجيع نقل التكنولوجيا, والخبرات الفنية, والتقنية بين ضفتيّ البحر المُتوسط
ـ تسهيل تدريب أجيالٍ جديدة من مُبدعي الأفلام, والفيديو عن طريق تنظيم ورشاتٍ عملٍ تدريبية لمُختلف المهن المُتعلقة بالسينما, والوسائل السمعية/البصرية, والوسائط المُتعددة٠
ـ تشجيع التعاون بين المُنتجين, والمُوزعين على المُستوى الأوروبيّ/المُتوسطيّ, والأوروبيّ/العربيّ
ـ الحفاظ علي التراث السينمائي, والسمعيّ/البصريّ للمنطقة، والدعوة إلى إنشاء أرشيف عربي
ـ تنظيم العروض, وانتقال أفلام المجموعة الأوروبية, والشركاء من البلدان المُتوسطية, والعربية من خلال تنظيم الأسابيع, والتظاهرات, واللقاءات الاحترافية في مدنٍ مختلفة للمنطقة ٠
ولتحقيق هذه الأهداف...٠
يدعو مجلس إدارة جمعية السينما العربية الأوروبية (ACEA) كلّ الفاعلين في المجال السينمائيّ, ومهما كانت تخصصاتهم العملية، أو النظرية بأن تتكاتف جهودهم، وخبراتهم، ومعارفهم، وتتضافر من أجل تكوين شبكةٍ من السينمائيين، والنقاد، ومحبي السينما
كما تُرحب بكل الأفكار، والاقتراحات، ومشاريع التعاونٍ بين الجمعية، والمهرجانات، والمُؤسّسات الخاصّة، والعامة، والجمعيات السينمائية العربية، والأوروبية٠

وتطمح الجمعية بأن يكون موقعها الإلكترونيّ
www.cinemaeuroarabe.com
نافذةً لتبادل الأخبار، والمعلومات، ونشر، وتطوير الثقافة السينمائية (الموقع بصدد التحرير، غير ظاهر للجميع حالياً)٠
ويُرحب مجلس الإدارة بكلّ المُساهمات, والكتابات الخبرية، والنقدية التي تتوافق مع أهداف الجمعية، ولا تُمانع حالياً من إعادة نشر أخبار، ومقالاتٍ منشورة في منابر صحفية، وإعلامية أخرى٠
وذلك حسب ما ورد في البيان نفسه٠

خطوة رائعة بلا ريب تقودها ماجدة واصف. سيّدة ذات خبرة ودراية وناقدة مارست العمل السينمائي منذ عقود ثم ترأست مهرجان السينما العربية لسنواته المديدة وكان أفضل مهرجان سينمائي عربي يعقد وراء الحدود العربية الى اليوم٠ كل المحاولات التي سبقت توقّفه او تبعته جداول صغيرة قياساً بتاريخه وبما أنجزه والصيت الجيّد الذي أحدثه وتجاه الخبر التي يتمتّع بها٠
لجانب الزملاء صلاح سرميني ووماري كلود بهنا وهدى إبراهيم وزينة توتنجي وهؤلاء من أعرفهم معرفة تخؤلني الثقة بخبراتهم٠
مبروك وبإنتظار بدء النشاطات الي أعتقد ستكون بوزن القائمين عليه٠

فيلم | نديم جرجورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Taking of Pedham 123
تنطلق العروض العربية لفيلم توني سكوت الجديد "إختطاف
بلهام 123" ، وهذا تقييم الزميل له مشيداً بخلفية مخرجه
.......................................................................................


أخرج توني سكوت عدداً لا بأس به من الأفلام المميزة شكلاً ومضموناً خصوصاً على مستوى التشويق والعنف المرتكزين، الى حد ما، على قراءة درامية معمّقة للحالة الإنسانية المرتبطة بهما. فهو باتّخاذه جانباً مشابهاً للنمط السينمائي الذي اعتمده شقيقه المخرج ريدلي سكوت، حاول أن يصنع لنفسه مكانة خاصّة به، بسعيه إلى ابتكار سلوك إبداعي جمع قوّة الحركة (مطاردات بوليسية، أعمال أمنية واستخباراتية، عالم الجريمة وتورّط العصابات بأعمال عنف قاسية، إلخ.) بملامح انفعالية وعشق إنساني جميل. وهو، بتنوّع نتاجه داخل إطار واحد عنوانه «التشويق السينمائي»، حقّق معادلة البُعدين الدرامي والجمالي والنسق التجاري إلى حدّ معقول وجماهيري٠

فيلم »خطف بلهام 123» إذ يعتمد على قصّة عادية للغاية لا تخلو من نقد واضح لأنماط العيش في مدينة نيويورك بلغة غاضبة، يبرهن مجدّداً على البراعة الفنية لتوني سكوت في جعل التشويق أحدّ وأجمل في تعبيره عن منطق الصراع بين الخير والشرّ، إذا أراد المشاهد إيراد هذه الثنائية في تفسيره الحياة وتفاصيلها. فعلى الرغم من أن رايدر (جون ترافولتا) يتفوّه، غالباً، بعبارات موحية بلغة دينية مسيحية (كاثوليكية تحديداً)، فإن غريمه والتر غاربر (دنزل واشنطن) يوازن خطابه بالتزامه اللاديني (إذا صحّ التعبير)، بل الأخلاقي المبطّن. ذلك أن الأول متمرّد على غدر السلطات المحلية له (يُمكن ( الاسترسال إلى أبعد من هذا، بالقول إنه متمرّد على إيمان وتقوى اختبرهما ذات مرّة في حياته)، باستيلائه على قطار وبأسره أبرياء (هل هناك أبرياء في هذا العالم المعجون بالعنف والأخطاء الآيلة إلى ارتكاب معاصّ وخطايا؟) للمطالبة بفدية مالية لها مردود مالي أكبر بكثير من المتوقّع. والثاني محاصر بوظيفة (مراقب في إدارة القطارات) أصغر من سابقتها (مندوب لشراء قطارات)، إثر إشاعة قاسية حول تقاضيه رشوة لقاء توصيته بشراء قطارات يابانية. لكن العلاقة التصدامية بينهما لم تكن مقصودة: اتصل الأول بإدارة القطارات، فردّ عليه الثاني. صدفة بحتة انفتحت على تشريح قاس لجوانب العيش في هذه البقعة الجغرافية، وعلى تحليل عميق للبنى الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والمالية المتحكّمة بالناس. وهذا كلّه في إطار حبكة درامية عادية للغاية، لكنها مشغولة بحرفية واضحة في جعل التشويق متماسكاً، والنصّ مفتوحاً على العوالم الإنسانية والسلوك الأخلاقي والتفاصيل الحياتية٠
إذا أبدع توني سكوت في إمساكه خيوط اللعبة التشويقية منذ جينيريك البداية، فإن الأداء المتنوّع لممثلين مختلفي الأنماط (هناك، إلى جانب واشنطن وترافولتا، جون تورتورو وجيمس غاندولفيني وآخرين) حافظ على نسق قريب من النفسيات المتناقضة للشخصيات. ولعلّ جون ترافولتا أكثرهم غضباً وتوتراً وحنقاً، لأن رايدر مغبون وضائعٌ في متاهة العيش وسط كمّ هائل من الفوضى والفساد والتسلّط، من دون التغاضي عن مبالغة ظهرت واضحة، أحياناً، في أكثر من حالة أو مشهد؛ على النقيض التام لدانزل واشنطن، إذ إن والتر غاربر أكثر انزواء وبساطة (في الشكل على الأقلّ) بسبب الاتهام المبطّن وغير المثبت، من دون تناسي إمكانية أن يعتمل الغضب في ذاته بقوّة أكبر من رايدر، فآثر الرجل، المتزوّج والساعي إلى إدخال ابنه إلى جامعة محترمة، أن يضبط غضبه ويتّخذ شكلاً هادئاً أمام الجيمع. أما تورتورو، فأدّى دور المحقّق كامونيتّي المتخصّص بالمفاوضات مع محتجزي الرهائن، فظلّ عادياً للغاية، تماماً كعمدة المدينة غاندولوفيني.
من الناحية التقنية، بدا الفيلم متماسكاً بشدّة، ومثيراً لحالة من الضغط النفسي، قد تجذب مهووسين بهذا النمط من التشويق. لكنها حالة غير مبتكرة، وإن حافظت على أدواتها وجمالياتها؛ وصورة غير جديدة عن نفسيات وعقليات متناقضة ومتصادمة، وإن رُسمت بحرفية متينة. بهذا، استعاد سكوت أدواته القديمة، شكلاً ومضموناً: تشويق مغلّف بأسئلة وجودية وأخلاقية وإنسانية وحياتية لا تزال معلّقة، أقلّه بالنسبة إلى كثيرين

فيلم | ميسر المسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Marie Antoinette

يجد الزميل ميسر المسكي فيلم صوفيا كوبولا "ماري
أنطوانيت" كإطلالة المخرج الخاصّة على ملكة فرنسـا
وليس على تاريخ الثورة٠
......................................................................


ماذا لو قصدتَ صالة السينما لتشاهد فيلما عن "ماري أنطوانيت" ،كما يقول عنوان الفيلم، لتكتشف بعد ذلك أن الفيلم ليس عن ماري أنطوانيت. على الأقل ليس ماري أنطوانيت التي طالما قرأتَ عنها في كتب التاريخ. لذلك لا تعتمد على هذا الفيلم للإجابة على سؤال عن أسباب الثورة الفرنسية لو كان لديك إمتحان مادة التاريخ في الثانوية العامة في اليوم التالي٠
كوبولا هنا تـُطلّ برؤيا خاصة على سيرة الأميرة النمساوية اليافعة التي وجدت نفسها يوما زوجة لوليّ العهد الفرنسي و من ثمّ ملكة فرنسا التي أنتهت على مقصلة الثورة٠
الفيلم، بصريا ، يتأرجح ما بين "دانتيلا" تذوب نعومة و تشي بروح ٍ سريعة الإنكسار، و ما بين "بروكار" مُترف و مزهو بقسوة خيوط الذهب التي تطرّزه. و في الحالتين تحيك صوفيا كوبولا، التي حازت ترخيصا كامل الحرية للتصوير في قصر فرساي، فيلما جمال الصورة فيه يحبس أنفاسك. عين بالغة الحساسية للون والتكوين بحيث يصبحان جزءا لازما لرواية مناخات البلاط الفرنسي المترفة و القاسية في آن. و عبرهما نكتشف مزاج الشخصيات في إنكسارها كما في زهوها٠
حفنة من الوقائع التاريخية تـُلبسها كوبولا إكسسوارا معاصرا من خلال موسيقى "البوب" و حوارات يقولها الممثلين بلهجة إنكليزية تبدو طالعة من شوارع نيو يورك اليوم! كوبولا لا تريدنا أن نندمج في سيرة تاريخية توثيقية، بل فيلمها هو إطلالة معاصرة على محنة إمرأة أعتقد الناس يوما أنها أمتلكت الدنيا٠

في نهايات القرن الثامن عشر توصلت فيينا و باريس لتحالف بينهما لمواجهة روسيا و بروسيا (ألمانيا حاليا )٠
جزء من صفقة هذا التحالف كان تزويج الأميرة النمساوية اليافعة (أربعة عشر عاما ) من ولي عهد فرنسا لترسيخ هذا التحالف و لتأمين إنجاب ولي عهد ٍ جديد للبيت الملكي الفرنسي٠
فجأة وجدت هذه الأميرة الصغيرة السنّ نفسها في خيمة ملكية على الحدود بين النمسا و فرنسا حيث تمّت إجراءات تسَلم و إستلام "الشحنة" الملكية عبر الفحص المـُذلّ لـ ماري أنطوانيت للتأكد من عذريتها، و حيث يتمّ سلبها كلبها النمساوي الصغير لإن "عليها نسيان كل ما هو نمساوي". و هي على كل حال سيكون بإمكانها لاحقا "الحصول على قدر ما تريد من كلاب ...فرنسية" عبارة ترهص بالآتي من الحياة في البلاط الفرنسي٠
منذ ذلك اليوم و إلى يوم صعودها منصّة المقصلة بعد حفنة من السنين حيث تلقى حتفها، لم تمتلك ماري أنطوانيت الكلمة الأخيرة في إدارة حياتها كما لم تستطع أن تراوغ مصيرها البائس. هي كانت أسيرة محيطها الهاذي في بذخه الماجن والقاسي في وحدته و خواء روحه و إنفصاله السوريالي عن ما يحيط به من حياة "حقيقية"٠
يوم وصولها الأول إلى قصر فرساي، تترجل ماري أنطوانيت من عربتها لتصعد سلالم القصر العريضة حيث أصطف ّ على الجانبين النبلاء بلباسهم المـُبالغ في ترفه و وجوههم (نساء و رجال على عادة ذلك الزمن) المتوارية خلف مكياج ثقيل من خلاله تلمع عيونهم متفحصة القادمة الجديدة إلى عالمهم المـُغلق على ذاته.نظرات فيها من هذا المناخ المـُفعم بالنميمة المـُطرزة بالدانتيل و الحرير الفاخر و الإبتسامات المراوغة سرعان ما سيخطف الأميرة من براءة مراهقتها فتستسلم له، بل و ستتمرغ في مجونه حتى الثمالة... أم نقول حتى المقصلة؟
وحين لا يجد ولي العهد الفرنسي، المولع بصنع الأقفال و المفاتيح، مفتاحا لإستكمال واجبه الزوجي بهدف إنجاب ولي للعهد، يصبح الأمر مقلقا في البلاط و طريفا لنا كمشاهدين حيث تحضر حاشية القصر كل يوم لتفتح ستارة السرير الفاره على أمل الخبر السعيد بإن الزواج قد تمّ فعليا . لكنهم لا يجدون إلا ّ الأميرة اليافعة وحيدة وعلى وجهها إبتسامة تراوح بين الحرج و البراءة.
إعراض زوجها عن إتمام واجبه الزوجي و بالتالي عدم إنجابها، و مكائد قصر فرساي تبدأ بإرهاق الأميرة التي تزداد وحدتها... ومجونها. و في مشهد جميل (سنعود لنشاهد مثيله خلال الفيلم) تودع ماري أنطوانيت زوجها الذاهب في رحلة صيد و تتوسله أن يألف فراش الزوجية حين يعود. يعدُها بذلك و يغادر. ماري أنطوانيت تبقى ترمقه من الرواق السابح في عتمة ٍ هي على تناقض مع ضوء النهار الساطع في الخارج


مع وفاة لويس الخامس عشر و صعود ولي العهد للعرش ليصبح لويس السادس عشر، تـُصبح قضية عذرية الملكة ماري أنطوانيت مسألة يلوكها نبلاء فرساي، بل و تشارف على أن تصبح أزمة سياسية بين باريس و فيينا.
من سيرة التاريخ نعرف أن لويس السادس عشر قد وجَدَ أخيرا مفتاحه إلى إخصاب زوجته ثلاث مرات و أن أحد أولادهما قد توفي في سني عمره الأولى. و من سيرة التاريخ أيضا نعرف أن الإنفاق الهاذي ببذخه في بلاط فرساي و المساعدات الباهظة للثوار الأميركيين في ثورة إستقلالهم ضد الإمبراطورية البريطانية وضعا مزيدا من الضرائب على كاهل الشعب الفرنسي المـُعدم أصلا .فلم يكن الأمر إلاّ مسألة وقت قبل إنفجار... الثورة.
عَابَ العديد من النقاد على فيلم كوبولا أنه لم يُظهر السياق التاريخي لتطور الأحداث التي قادت لخلع أسياد فرساي. بل أن الثورة لا نراها بل نسمع بها عبر تواتر الأخبار إلى القصر. في مشهد واحد فقط و عند نهاية الفيلم تقريبا نرى الجموع تحت شرفة القصر تهتف بسقوط الملكية.
بعدها نرى ماري أنطوانيت تودع حاشيتها التي تفرّ من القصر و تبقى هي وحيدة في الردهة التي تضيئها الشموع٠

كما قلنا منذ البداية تريدنا صوفيا كوبولا أن ندخل إلى إطلالتها الخاصة على ماري أنطوانيت، فهي قد أغلقت قصر فرساي على ذاته و في داخله ذلك الرهط من النبلاء اللذين أختاروا أن يغمضوا أعينهم عن مصيرهم المـُتربص بهم خارج أبوابه.
القصر بحدّ ذاته يصبح تعريفا للمرحلة و للنبلاء اللذين يرتادونه. هيبته، ضخامته، جدرانه الحجرية القاسية ترسم إيحاءات البروتوكول القاسي. و برودة ردهاته الواسعة أسبغت برودتها على أرواح قاطنيه و مرتاديه فما عادوا مكترثين بعذابات الناس خارجه. فرساي هنا ليس مكانا تدور فيه الأحداث بل هو جزءا منها و فيها. فهذا المكان المتباهي بعجرفة فخامته كما بعجرفة رواده قد أغلق على الناس في الخارج رؤية مجون و مكائد قاطنيه، لكنه أيضا قد أغلق على قاطنيه رؤية حال البؤس المزرية لمن أعتبروا فرساي فيما بعد رمزا للفساد٠
لقد أستخدمت كوبولا القصر بشكل رائع في التعبير عن حالة شخصياتها. فحين تعود ماري أنطوانيت مكسورة من مغامرة عاطفية قصيرة (غير مؤكدة تاريخيا ) مع فارس سويدي، نراها تصعد سلالم القصر الهائلة الإتساع، فيما تتراجع الكاميرا قليلا لنرى القصر الطاغي بإتساعه، فـ ندرك وحدة ماري أنطوانيت القاسية٠
و في مشهد سابق نرى الأميرة في أول أيام وصولها إلى فرساي تخرج إلى إحدى شرفاته. تتراجع الكاميرا ببطء لنشاهد عمودين حجريين ضخمين يؤطران الكادر و واجهة حجرية ضخمة تتسع و تستمر خارج الكادر فيما ماري أنطوانيت لا تزيد عن تفصيل بشري صغير في إطار ٍ حجري مهيب... وبارد. و نعلم من حينها أن الأميرة النمساوية القادمة إلى البلاط الفرنسي لن يمكنها أن تغير شيء فيه بل ربما سترضخ لكل شروطه التي ستوصلها إلى هتاف رعاع الثورة ضد "الجاسوسة" النمساوية فيما المقصلة تفصل رأسها عن جسدها٠

مشهد الإعدام أبقته صوفيا كوبولا خارج الفيلم كما تلك القضية الشهيرة (قضية العقد..و هذه الفضيحة هي موضوع فيلم آخر تلعب فيه هيلاري سوانك دور البطولة) التي شوهت جزءا كبيرا من سيرة ماري أنطوانيت٠
فالمخرجة أفترضت (و أعتقد أنها على حق) أن الناس تعرف ماذا حَلّ بماري أنطوانيت كما أن الناس لديهم فكرة عن الخلفية التي قادت الفرنسيين لإسقاط الملكية. هذا بالإضافة إلى أنها لا تصنع هنا فيلما تاريخيا ، لذلك نرى أنها لا تترك فرصة لإضافة عنصر من القرن العشرين على قصة من القرن الثامن عشر. موسيقى بعبارة: "ليس فيه شيء حقيقي." كما أن أحد الأحذية النسائية في الفيلم يحمل ماركة شهيرة معاصرة. و منذ البداية تريدنا كوبولا أن لا نتواطأ مع الفيلم كعمل تاريخي- توثيقي، فلقطة البداية هي لـ كريستن دنست (التي تلعب دور ماري أنطوانيت) مستلقية على كرسي طويل، تلتفت كريستن إلى الكاميرا، تبتسم على بعض الغواية، ثم تعود إلى إسترخائها. و كأنها تقول لنا أنها تعلم بوجودنا و أن الحكاية كلها....حكاية!لو أنك تعرف القليل أو الكثير، أو لا تعرف شيئا أبدا عن ماري أنطوانيت يبقى فيلم صوفيا كوبولا بهجة للنظر و ممتعا بمناخاته و بعدم أخذ نفسه جديا على أنه فيلم تاريخي. بعض المشاهد في فيلم كوبولا تبدو و كأنها خارجة من كتاب مرجعي للرسم الكلاسيكي مع بعضا من روح الإنطباعية الحديثة٠
لم يلق الفيلم ترحيب الجمهور الفرنسي و لا النقاد الفرنسيين حين أطـَلّ عليهم في عرضه العالمي الأول في مهرجان كان العام 2006

تحقيق | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين واقع السينما الجزائرية وطموحاتها البعيدة
نتائج فنية وسياسية مختلفة حققتها الأفلام الجزائرية مؤخراً في محاولة منها للعودة رغم المعيقات المحيطة بها٠
...................................................................................



أثارت عودة المخرج الجزائري أحمد الراشدي الى السينما اهتماماً كبيراً على أكثر من صعيد. ففي نهاية العام الماضي، قدّم المخرج المخرج فيلم عودته الى العمل في حقل السينما الجزائرية، وهذا بحد ذاته -ونسبة لكونه من بين مؤسسي السينما الجزائرية في مطلع الستّينات، كان حَدَثاً مهمّاً على ساحة تلك السينما. لكن أيضاً هناك الموضوع الذي اختاره والإنتاج المكلف، قياساً بالإنتاجات المحلية، الذي تكبّده الفيلم وحقيقة أنه مشروع وافق عليه رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بوتفليقة ورعته الحكومة. وإذا لم يكن كل ذلك كافياً، فإن الموضوع بحد ذاته يدور حول أحد مجاهدي الثورة الجزائرية أيام حرب الإستقلال في الخمسينات٠
عنوان الفيلم هو إسم بطله»مصطفى بن بولعيد« ويروي مراحل نضاله في قرابة ثلاث ساعات مرصوفة على ذات البناء الهادف لتشييد حالة إعلامية بخصوص الشخصية الرئيسية والفترة التي قضاها في خنادق القتال ومجابهاته مع الفرنسيين التي أدّت الى اعتقاله بعد سنين طويلة من الحرب وهربه ومواصلة كفاحه صوب الحريّة٠

السينما الجزائرية كانت طلّقت مثل هذه المشاريع منذ أن طرأت التغييرات المعاصرة على المجتمع الجزائري فأطاحت بجملة من المفاهيم التقليدية والطموحات الثقافية فتم تحويل السينماتيك الجزائري، وكان الأبرز والأكثر شهرة وبل، ربما الوحيد المتوفّر، الى مجرد مخزن قديم والتوقّف عن دعم السينما الجزائرية عن طريق المعونات والمنح التمويلية وفي العام 1998 أصدرت الحكومة الجزائرية قرارات ثلاث أغلقت على أثرها ثلاث مراكز صناعية طالما كان لها دورها في الثقافة السينمائية هي المؤسسة الوطنية الجزائرية للإنتاج السمع-بصري، والمركز الجزائرية للصناعة والفنون التصويرية والوكالة الوطنية للأحداث المصوّرة٠

لم يكن ذلك سوى تمهيداً، كما ذُكر آنذاك، لنقلة جديدة في السينما الجزائرية يتم على أساسها أعادة ترتيب أوضاع والإنطلاق في مسيرة جديدة للسينما الجزائرية، لكن سرعان ما تبدّى، وللأسف من بعد إغلاق المراكز الثلاث وليس قبلها، أن الإتجاه الحكومي لدعم السينما ماديّاً ضمن معطيات السوق ومعادلاته لن تعود على الجهة المموّلة بأي أرباح٠

المفهوم الحكومي للدعم الذي مورس في بعض الدول العربية خلال الستينات والسبعينات، ومن بينها الجزائر، كما كان مورس في دول أوروبية (غربية وشرقية) وأميركية لاتينية، هو أن الحكومة لا تنتظر أرباحاً. أي هي ليست في هذا الركب لتكون منتجاً تجارياً. رغم ذلك، فإن قراراً ضمنياً تم تفعيله وهو أن لا تبادر الدولة الى تمويل المشاريع السينمائية٠
في هذا، رأي عدد من النقاد والمثقّفين الجزائريين، التقاءاً غير محسوب ولا مخطط له، مع التطرّف الإسلامي في البلاد الذي ينظر الى السينما كبدعة وضلالة. لقد خدمها القرار ولم يبق سوى استكمال حركة كانت بدأت قبل ذلك بسنوات حيث تقلّص عدد دور العرض في العاصمة الجزائرية (ونسبة لظروف كثيرة بعضه لا علاقة له بأي قرار) الى ما لا يزيد عن ثلاثين صالة في شتّى أنحاء البلاد وهي شاسعة٠

جماليات محسوبة
فيلم أحمد الراشدي بدا لمشاهديه الترجمة الوحيدة للسبب الذي من أجله قد تقدم الحكومة في بلد ما توقّف عن تدبير حلول لأزمة الفن السابع على إنتاج فيلم معيّن وهو أن يعود الفيلم ببعض الوهج القديم لمسيرة الثورة الجزائرية لعله يصب في خانة الوضع الراهن إنما من وجهة نظر رسمية٠
الفيلم بحد ذاته ليس سيئاً والمخرج عمل طويلاً في الأفلام أيام ما كان الإستقلال لا زال حديثاً وكانت السينما تعمل بجد على التعامل مع الثورة وحرب الإستقلال ورجالاتها. من مطلع الستينات أخرج »فجر الملعونين« و»الأفيون والعصا« ولاحقاً »في في بلاد العجائب. وهو من جيل محمد لخضر حامينا وعمّار العسكري ومحمد بوعماري٠
ويبرز المخرج جماليات المكان (المناطق الجبلية العالية) ويسترجع الفترة الزمانية على نحو جيّد معيداً، عبر الأحداث، المرحلة التي كانت فيها السينما الجزائرية تتوخى، عبر الحديث عن الإستقلال والتضحيات التي بذلت فيه، الكشف عن مشاكل الثورة من الداخل. في فيلمه هذا نجد بعضها على صعيد تعاون البعض مع العدو، والتجاذب التي أحدثه غياب بن بولعيد خلال الفترة التي قضاها في السجن، ما نتج عنه تناحر فئات واقتتالها رغبة في تولّي كل فئة صدارة النضال ولأسباب لا علاقة لها بالنضال أساساً٠
على أن الفراغ الثقافي والإنتاجي الذي تعاني منه السينما الجزائرية لم يبدأ مع التغيُّرات التي تمّت قبل نحو عشر سنوات، بل هو أشبه بمنطقة كانت خضراء ثم انحبس المطر عنها فتجرّدت٠ لذلك فإن الباقين في العمل السينمائي يفعلون ذلك من دون معين يُذكر وأفضل ما يستطيعون القيام به هو البحث عن التمويل المناسب من الجهة الفرنسية شأنهم في ذلك شأن العديد من الأفلام العربية في كل من لبنان وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا وفلسطين ما يبعث دائماً على التساؤل عما كان الحال عليه لو أن المؤسسات الإنتاجية الفرنسية، رسمية او خاصّة، لم تكن بوارد تشجيع الفن والفنانين ناهيك عن تشجيع الفن والفنانين غير الفرنسيين٠

البيت الأصفر

بركات

ضمن هذه الظروف - وربما بسببها فقط- استطاع عدد من السينمائيين الجزائريين تحقيق أفلامهم في الآونة الأخيرة٠
المخرجة جميلة صحراوي حققت فيلماً جيّداً بعنوان »بركات« رغم مشاكل في السيناريو دار حول بحث إمرأة جزائرية عن زوجها المخطوف من قبل جماعات متطرّفة، وخلال بحثها استعرضت المخرجة بنجاح وضع المرأة ووضع المجتمع والثورة التي في داخل النفس البشرية عن تردّي الأوضاع على هذين الصعيدين٠
جميلة لديها الآن سيناريو فيلم جديد أعادت كتابته أكثر من مرّة، لكن آخر المعلومات تفيد بأنها لم تجد بعد التمويل المناسب٠
من ناحيته، أنجز عمر حكّار فيلمه الذي نجح في جذب اهتمام ثقافي متعدد وعروضاً مهرجاناتية من دبي الى باريس وأنحاء عربية وأوروبية أخرى. الفيلم هو »البيت الأصفر« الذي هو عودة الى صياغة الفيلم المنطلق من موقف بسيط صوب غايات مكثّفة: البطل هنا مزارع عادي يأتيه، عبر سلسلة أخّاذة من اللقطات التمهيدية، نبأ موت إبنه الشرطي فيقرر الإنتقال من الريف الى المدينة لاسترجاع الجثّة. والوسيلة الوحيدة لفعل ذلك هي جرّاره الزراعي٠
بعض مفارقات هذه الرحلة وما بعدها أضعف من المعالجة ككل، لكن الفيلم جيّد في إيصال فكرته وتنفيذها فنيّاً٠

أطلبوا العلم ولو ٠٠٠٠
والنجاحات الفنية لا تتوقّف عند صعيد السينما الروائية بل شاهدنا في العام الماضي عدداً كبيراً من الأفلام الوثائقية التي تناولت جوانب شتّى من الحياة الجزائرية الحالية٠ في المقدّمة لابد أن يأتي فيلم »الصين لا تزال بعيدة« لمالك بن سماعيل حول التعليم والبيئة الإجتماعية في قرية صغيرة أسمها أغستار تكمن في بعض تلك الجبال التي شهدت إنطلاقة الثورة الجزائرية قبل نحو خمسين سنة. الكاميرا هنا تجول في أركان الحياة ليس للسياحة بل للتعرّف على هويّتها البيئية والإجتماعية اليوم من منظور أبنائها ومن خلال ذكرياتهم عن الثورة. هذا في الوقت الذي ينصب فيه الهتمام المخرج بن سماعيل على طلاب مدرسة القرية ومعلّميها الجادّين في مسألة تنشئة الجيل القادم رغم الآفاق العملية المغلقة بحد ذاتها٠

الصين لا تزال بعيدة

في هذا الشأن يتجاوز »الصين لا زالت بعيدة« ما حققه المخرج الفرنسي لوران كانتيه في فيلمه الروائي- المصنوع كتسجيلي حول طلاب صف في واحدة من مدارس ضواحي باريس من حيث أن الفيلم الجزائري يشرك المجتمع المحيط أكثر بما يحدث داخل الصف ويتساوى مع الفيلم الفرنسي على الأقل في معالجة الكيفية التي يتم فيها تصوير الطلاب تصويراً نابضاً بالمعايشة، ففي حين أن فيلم كانتيه، رابح سعفة كان الذهبية في العام الماضي، تسيطر عليه فرصة الإيقاع السريع ويعكس توتّراً مقصوداً في عملية المونتاج لخلق حالته، نرى فيلم بن سماعيل مرتاح من هم الإيقاع واثق من ضرورة انصرافه لمتابعة القضية بمناخ أكثر شمولية٠

وفي الصعيد الوثائقي نفسه نلحظ »صُنع في الجزائر« لسليم عقّار الذي يتعامل مع السينما الجزائرية، او بالأحرى مع غيابها، من خلال خمسة حكايات وراء خمسة أفلام ومدى الجهد الذي بذل لتحقيقها متسائلاً في طيّات ذلك عن الواقع ومسبباته٠
يبدأ الفيلم استعراضه بالحديث عن الفيلم الروائي »خريف أكتوبر« لمالك لخضر حامينا. هذا فيلم تم إنجازه في مطلع التسعينات والمخرج ليس سوى أحد أولاد محمد لخضر حامينا الذي كان تولّى تحقيق أفلام جزائرية كبيرة الإنتاج أحدها، »مفكرة سنوات الجمر« نال السعفة الذهبية في مهرجان »كان« السينمائي الدولي. بل هو الفيلم العربي الوحيد في تاريخ أي مهرجان سينمائي بحجم كان الذي ينال الجائزة الأولى فيه
بعده، ينتقل المخرج الى فيلم آخر في السينما الجزائرية شهد متاعب مماثلة هو »مشاهو« (العنوان باللغة الأمازيغية في منطقة القبائل). مخرج ذلك الفيلم بلقاسم حجّاج يتحدّث عن المصاعب التي خاضها للتصوير في منطقة غير آمنة وكيف تعرّضت حافلة تضم بعض ممثلي الفيلم الى الإيقاف ٠
ويأتي »صُنع في الجزائر« على ذكر فيلم بعنوان »جبل باية« لعز الدين بدّور قضى خلال التصوير بسبب إنفجار أتى على حياة 14 تقنياً وممثلاً٠
بعد ذلك ينتقل المخرج عقّار الى فيلم آخر عنوانه »رشيدة« وهو الفيلم الذي أخرجته قبل سنوات ليست بالبعيدة يمينة بشير شويخ وكيف استقبل الفيلم عالمياً بالترحاب كون مخرجته تحدّثت عن التضحيات التي تخوضها المرأة الجزائرية اليوم أزاء وضع صعب وهي التي كانت اعتقدت أن تضحياتها في سبيل إستقلال الجزائر هي آخر المطافات٠
الفيلم الأخير هو »دوار النسا« لمحمد شويخ الذي صُوّر في منطقة الغابات المطلّة على العاصمة وكيف شاركت المرأة في رد الإعتداءات المتطرّفة٠
ثم لا يكتفي الفيلم بهذا القدر من الحكايات الخلفية للإنتاجات السينمائية في الجزائر بل يخلص الى تقديم سجل من السينمائيين الذين قضوا بسبب الإعتداءات على حياتهم٠

نجاحات وإخفاقات
في محاولة للإلتفاف على الوضع السينمائي الحاصل في البلاد توخّت بعض الأفلام الحديثة تقديم أعمال تُقرأ كأفلام جماهيرية، في ذات الوقت تمتنع عن الهبوط في فخ التنازلات التجارية٠
الفيلم- المثال في هذا الإتجاه »موريتوري« للمخرج ميلود خطيب. فيلم يحمل لكنة بوليسية حول الحياة المطبّقة على كتفي رجل بوليس. في ذلك قد لا يختلف تأسيس المعطيات والشخصيات عن مثيلاتها حتى في أفلام أميركية: التحري الشريف الذي لا ينتمي الى الطبقة "الراقية" المذنبة لكونها اختارت الإنفصال عن المجتمع حولها. الرئيس الذي لا يطيقه لأن هذا التحرّي أشرف منه. والمساعدَين الموضوعين تحت أمرة هذا التحري اللذان لا يتأخّران عن القيام بما يُطلب منهما على أفضل وجه. بل أيضاً المطاردات والشخصيات الثانوي والتحقيق (أحد الأعيان يطلب من التحري البحث عن إبنته المخطوفة) . هذا التحقيق يأخذ البطل الى زيارات لمنازل بعض أثرى الناس ٠ أكثر خطوط التشابه بروزاً هو الخط الجامع بين شخصية التحري الجادّة والحاملة لمتاعب الدنيا على ظهرها والمخلصة في عملها (يسمّيه أحدهم "أشرف" رجل بوليس). المنبوذ من مجتمع لا يقدّره او يهابه فيحاربه ٠

وفي حين نجح المخرج الجزائري الذي يعمل ويعيش في فرنسا رشيد بوشارب في تقديم رؤيته للتضحية التي قام بها المتطوّعون الجزائريون والمغاربة بشكل عام خلال الحرب العالمية الثانية في فيلمه المعروف »أيام المجد«، أخفق زميله مهدي شارف في تحميل فيلمه الأخير »صيف 42« معطيات إيجابية مماثلة، مكتفياً بقصّة بلاستيكية التصوير والحس حول صبي جزائري في ذلك العام الذي شهدت فيه الجزائر استقلالها. الأحداث تقع أشهراً قليلة قبل الإستقلال والصبي يعتقد أن والده غائب في رحلة عمل لكنه يكتشف أنه في الواقع محارب مع المجاهدين الجزائريين. هذا لا يوقفه عن اللعب كما هو متوقّع من مثل من هم في سنّه. لكن المشكلة التي تتبدّى له هي أنه إذا ما نالت الجزائر استقلالها فإن الفرنسيين فيها سيعودون الى بلادهم مما يحرمه من اللعب مع صديقه الفرنسي٠ التمثيل رديء جداً هنا، لكن هذا يأتي بالتجانس مع عمل يخلو من عاطفة تجاه الموضوع او حس حقيقي به. إنه مجرد رصف لمشاهد مبرمجة تحاول أن تبدو بريئة٠


هوليوود ‮| محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرلوك هولمز يعود في شخص روبرت داوني

شرلوك هولمز جديد من نوعه بعد عشرات الأفلام المخلصة
لصورته البريطانية الكلاسيكية. هل يفي هذا التطوير بحق الشخصية الشهيرة؟
..................................................................................


انتهى الممثل روبرت داوني جونيور من تمثيل دوره في فيلم يحمل إسم »شرلوك هولمز« ويدور حوله من إخراج غاي ريتشي، المعروف بأنه كان زوج مادونا وبأنه أخرج عدداً من الأفلام البريطانية من منتصف التسعينات حملت حركة من دون عمق وتشكيلات بصرية من دون أسلوب فني كما الحال في »لوك، ستوك ومسدّسين بدخّان« المثير للفضول و»معزولة« الذي كان من بطولة زوجته مادونا ولم ينفع أسمها في جذب حجم كاف من الجمهور لإنجاحه. وهذا كان مصير فيلمه الأخير »روك أند رولر« (2008) الذي عاد فيه الى أفلامه البوليسية الأولى إنما من دون أي تأثير فني او تجاري٠

شرلوك هولمز الملاكم
والمشاهد القليلة المتوفّرة في بعض مواقع الإنترنت تفيد فيلماً يخرج عن إطار كل فيلم شرلوك هولمز عرفته الشاشة، وهي عرفت أكثر من مئة فيلم من بطولة هذه الشخصية الكلاسيكية الشهيرة٠
بداية، فإن اختيار الممثل روبرت داوني جونيور في دور التحري الأشهر يبدو غريباً من حيث أن الصورة المحفوظة عن ظهر قلب لشخصية التحري كما كتبها آرثر كونان دويل وكما مثّلها عدد كبير من الممثلين السابقين، في مقدّمتهم حسب صلاحيتهم البريطاني الراحل باسيل راثبون، هي صورة رجل في منتصف الأربعينات، طويل القامة، نحيف البنية، تميّزه ملامح وجهه الدقيقة كما ملابسه المحافظة وقبّعته الصغيرة ومظلّته الطويلة التي لها وظائف أخرى غير صد رذاذ المطر٠
أما روبرت داوني فهو قصير القامة، معتدل البنية ولا يملك تلك الخصائص المميّزة في الملامح التي أصبحت أقرب الى شرط نجاح لتقمّص تلك الشخصية. والغريب أيضاً هو اختيار جود لو لشخصية الدكتور واتسن، فهذه الشخصية أيضاً تختلف في الرواية وفي الأفلام الأولى عن تلك التي يستطيع الممثل لو توفيرها. ففي الأصل هي لشخص أكبر من شرلوك هولمز سنّاً، أقل منه لياقة بدنية وأكثر منه بدانة٠
هذه المشاهد المبثوثة كمقدّمة لما سنشاهد حين يحط الفيلم مع نهاية هذا العام، تفيد أن الطبيب واتسن لم يعد المصاحب الأمين وكاتب المذكّرات الحريص بل هو شريك في المغامرة الى حد بعيد. أما شرلوك هولمز نفسه فيتعرّى ليمارس الحب ويدخل حلبة ملاكمة عنيفة. وهو، والدكتور واتسن، يشبهان كثيراً ستارسكي أند هاتش في بعض المشاهد من حيث نوعية الأحداث التي يتعرّضان لها مثل المطاردات والقفز من المباني الشاهقة الى نهر التايمز وتبادل إطلاق النار على أفراد المنظّمة التي تسعى لتدمير مدينة لندن٠
المفهوم المترسّب بعد متابعة دقائق يسيرة من المشاهد تعكس ما في الفيلم من متغيّرات تمس كل ما هو نمطي وتقليدي في أفلام هولمز وشخصيته، هو أن المخرج وهوليوود حوّلا التحري المعروف بدقّة ملاحظاته وذكائه غير العادي، الى انديانا جونز جديد مزوّد بكل ما يحتاجه الفيلم هذه الأيام من مشاهد خارقة للعادة ومعالجة عصرية قد ترضي فريقاً من المشاهدين لكنها بالتأكيد تنبذ القسم الغالب منهم٠

مقارنة
شرلوك هولمز كما حفرت الروايات والأفلام القديمة صورته في البال جاء مبنيّاً على مرجعية أدبية حاولت السينما في معظم الأحيان نقلها بأمانة كونها مهمّة لنجاح عملية النقل هذه. المؤلّف، آرثر كونان دويل وضع 56 رواية طويلة و4 قصص قصيرة من بطولة شخصيّته هذه، وذلك ما بين سنة 1887 ومنتصف العقد الأول من القرن العشرين٠

ولد المؤلف سنة 1859 ومات سنة 1930 وانتمت اعماله الى تلك الحقبة الكلاسيكية الأولى من روايات التحري، تلك التي شاركه مقامها كل من أغايا كريستي (1890-1976) وإيرل در بيغرز (1884- 1933) ٠
ووضع آرثر كونان دويل 56 رواية طويلة وأربع قصص قصيرة من بطولة شخصيّته هذه، وذلك ما بين سنة 1887 ومنتصف العقد الأول من القرن العشرين والسينما تناولت العديد منها منذ عهدها الصامت والى اليوم. لكن تلك الأفلام الأربعة عشر التي مثّل دور هولمز فيها الممثل البريطاني باسيل راثبورن ما بين العام 1938 والعام 1946 هي الأكثر طلباً للمشاهدة اليوم بين كل ما هو قديم حتى من بعد تلك الفترة٠
راثبورن، الذي مات عن 75 سنة في العام 1967 كان ممثلاً مسرحياً في العشرينات وانتقل الى الشاشة الكبيرة وظهر في نحو ثمانين فيلم لاعباً أدواراً على جانبي خط القانون. هو مجرم او شرير في أفلام عدّة مثل »مغامرات روبن هود« و»علامة زورو« وشخصية إيجابية رائدة كما الحال في أفلام شرلوك هولمز جميعاً٠
في الفيلم الجديد سنشاهد إذاً شرلوك هولمز في صورة جديدة يجيد فيها استخدام فنون القتال الشرقية. في الرواية الأصلية كان يجيد بعضها بالفعل، لكن ليس على الطريقة التي يمارسها روبرت داوني في الفيلم المستخلصة من دوره السابق واللاحق في سلسلة »آيرون مان«


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular