Jun 16, 2009

ISSUE 429 | Bunuel 2 | دكان شحاتة| النقد وفلسفة الفيلم

هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزميل زياد عبد الله يكتب عن »دكان شحاتة« فيلم خالد يوسف الجديد ويجده مثقلاً بما يُريد قوله. وهذه عادة عدد من المخرجين الحاليين الذين عوض التركيز على موضوع رئيسي وملحقاته، يضعون نصب أعينهم عدة قضايا ومواضيع فيزدحم العرض ويتشتت. لكني لا أستطيع بالطبع الحكم ولو أنني أثق بكلام الزملاء الذي أنشر لهم٠
حلقة اليوم من »النقد وفلسفة الفيلم تتناول الخصائص المشتركة بين فن السينما وباقي الفنون وكيف أن انصهاراً مثالياً الجميل فيه أنه استوعب كل أنواع الأفلام وغاياتها. مثالان على ذلك واحد لإنغمار برغمن والثاني لستيفن سبيلبرغ
حلقة جديدة من الدراسة الخاصّة بسينما لوي بونويل وأفلامه. هذه المرّة نقضي الوقت في الفترة التي تبعت فيلميه الأولين مباشرة واحتوت على فيلمه التسجيلي الذي أثار عليه الحكومة، كما على تلك الأشهر القليلة التي قضاها في هوليوود٠
وأخيراً، وعلى عكس الحقب السابقة حين كانت سيدات الشاشة يسطين على الشاشة طوال أيام السنة، هذا موسم يزداد فيه غياب الممثلات كالعادة٠
في عدد قريب لاحق سأنشر مقابلتي مع توم هانكس التي أجريتها منتصف الأسبوع الماضي ونشرتها في صحيفة »الجريدة« هذا الأسبوع. أعتقد أنها تكشف المزيد عن ممثل يعتبرونه وعن حق أحد أكثر ممثلي هوليوود اليوم موهبة٠
الصورة: من فاني وألكسندرا

فيلم | زياد عبد الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دكان شحاتة


تلميذ يوسف شاهين يحن الى زمن عبد الناصر
ويرثي الخراب الروحي والأخلاقي الذي فتك
بمصر. حسبما يرى الناقد زياد عبد الله٠


رجال الدين والأزهر ناشدوا الرئيس حسني مبارك التدخّل لمنع عرض «دكان شحاتة» الذي ترافق مع جدل كبير وغيره مما تعوّدنا أن تثيره أفلام خالد يوسف... وجاء ردّ المخرج ليضيف الى الضجّة واللغط حول فيلمه٠
لكن ماذا عن السينما؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من أن نضع جانباً كل أصداء النقاش الدائر. صحيح أن الفيلم جاء محمّلاً بكل ما يُغضب حراس الأخلاق الأشاوس. هؤلاء لن يروا في العمل سوى سيقان هيفا وهبي، التي شتّتت المتصوّفة عن الذكر، ولن يتوقفوا ... ٠

يسعى خالد يوسف إلى تقديم ملحمة شعبية، بملامح شبه أسطورية، تستدعي قصة يوسف وإخوته، مع مقولات سياسية، وجردة حساب للمتغيّرات الاجتماعية التي طرأت على مصر بعد عبد الناصر... كل ذلك يجعلنا نجد أنفسنا أمام شريط يترنح تحت ثقل خطابه وما يود تقديمه٠
العمل يبدأ من لحظة خروج شحاتة (عمرو سعد) من السجن، ومشاهدته فقراء يقطعون الطريق على قطار، ويسطون على حمولته. ثم تطفو على الشاشة قصاصات صحف، وصور وثائقية، تستعرض أحداثاً مفصلية في تاريخ مصر والعالم العربي مثل اغتيال السادات، غرق العبّارة، حذاء منتظر الزيدي... ثم يمضي الفيلم في «فلاش باك» طويل مطعّم بالأحداث السياسية٠
قصة شحاتة ودكاّنه، تبدأ مع والده (محمود حميدة) الذي يعمل بستانياً لدى أرستقراطي ذي ميول يسارية (عبد العزيز مخيون)، ويهبه الأخير دكاناً وقطعة أرض صغيرة حول الفيلا التي يسكنها... ليصير «دكان شحاتة». ويسعى يوسف إلى بناء ملحمته الشعبية حول علاقة الوالد بشحاتة، وتفضيله إياه على إخوته. ومع موت الأب، يستفرس هؤلاء الإخوة عليه. أمّا شحاتة، فهو مثال للإنسان الطيب، وإن بدا أحياناً أقوى رجل على وجه الأرض، جاهز للتعامل مع كل أنواع البلطجة. لكن الطيبة تمنعه من الانتقام من إخوته الأشرار الذين يزجّون به في السجن، ويبيعون الدكان بعدما تحوّلت الفيلا إلى سفارة... إسرائيلية!٠
إلى جانب ذلك، هناك قصة حبّ بين شحاتة وخطيبته بيسة (هيفا وهبي) مصيرها الفشل أولاً بسبب أخ بيسة (عمرو عبد الجليل)، ثم حبس شحاتة و«سطو» أحد إخوته عليها!٠
تتكوّن شخصية شحاتة من ثلاثة مستويات رمزي وواقعيّ وملحميّ. لكن السيناريو لا يدعك تركن إلى واحد منها، رغم أن طموحه يتمثل في تقديم أسطورة الإنسان المصري الطيب. وسط هذا الاضطراب، يأتي حبّ البطل لبيسة حاملاً تلك القيم التي كانت هيفا ذات قدرة استثنائية على القضاء عليها، عبر أدائها الجامد والمحايد، وتقديمها على أنّها نموذج المرأة الشعبية الطيبة التي تنضح بالغواية. لكنّ الغواية تنتصر ويستسلم خالد يوسف لهذه الحقيقة، ويستثمرها في لقطات تهبط علينا من حيث لا ندري٠
في فيلمه، يؤكد السينمائي المصري الذي بدأ مساعداً ليوسف شاهين، على ناصريته. وتقوم نظرته النقديّة للواقع السياسي الاجتماعي، على مقولة أنّ الخراب الذي حل بمصر بدأ مع السادات، كما يرِد على لسان الشخصيّة التي يؤدّيها مخيون. يحاول الفيلم رصد هذا الخراب وصولاً إلى استباحة البلطجية والسلفيين لـ«مصر» كما نشاهد في آخر الفيلم .الذي يصل بنا فجأةً إلى العام 2013
في النهاية، الفيلم مبنيّ على الحنين إلى زمن الإصلاح الزراعي، وصورة عبد الناصر التي يضعها شحاتة على شق في الجدار لكنّها تعجز عن سدّه. إنّها إشارة واضحة في خطاب الفيلم إلى عمق الشرخ الذي تعيشه مصر اليوم بحكم الانهيارات الكثيرة التي تبعدنا تماماً عن زمن عبد الناصر. لكن «دكّان شحّاتة» انساق خلف خطوط درامية مختلفة، بدّدت مطمح خالد يوسف إلى تقديم ملحمة توثّق ـ وفق رؤيته ـ لكل ما لحق بمصر على جميع الصعد، وحالات الانحطاط السياسي والأخلاقي التي نتجت منها٠


النقد وفلسفة الفيلم | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
7
مهمّة السينما: الإنسان٠

في العام 1947 كتب الناقد السينمائي الفرنسي جان بنوا-ليڤي (الذي عمد الى الإنتاج فيما بعد وإن حافظ على قلمه النقدي أيضاً) ما يلي: "في إعتقادي الصادق أن السينما ستموت الا إذا ما نجحت في جعل الناس تفكّر. تاريخ المسرح أثبت أن فقط تلك المسرحيات التي تقدّم مشاكل هي التي تجذب المشاهدين كنوعيات تحفّز على التفكير وتناقش المشاكل من وجهة نظر ثقافية"٠
ويكمل: "حين قلت أن السينما ستموت، لم أعن طبعاً أنها ستختفي تماماً في يوم ما. عنيت أن موتها كشكل جاد للفن وموتها كتنبيه ذهني وموتها كمهة إنسانية"٠

لوحة من "فاني وألكسندرا"

إذا ما رددت هذا الكلام على مخرجينا ومنتجينا الأشاوس في السينمات الجماهيرية الواسعة والسائدة من الفيليبين الى مصر ومن هوليوود الى بوليوود سيواجهك معظم المشتركين في موت الفن بالضحك٠ لا يهم إذا كان عمرك عشرين او مئة وعشرين. سينظرون اليك كسلف٠
الحقيقة أن السينما تموت وتحيا بتناوب عجيب٠
في الحلقة السابقة (العدد 426) تساءلت هنا عن السينما الصافية هل هي موجودة وكيف إذا كانت ولماذا لا إذا لم تكن٠
وأعتقد أن وظيفة الفن تدخل في نطاق هذا البحث٠
إذا كانت السينما هي تجميع وتكثيف لفنون أخرى من الكتابة الى التمثيل وإذا ما كانت الكاميرا هي بديل للنحت والرسم بينما المونتاج هو عودة الى شكل من أشكال الرسم والكتابة مرّة أخرى، فإن ذلك لا يُلغي أمرين مهمين: الأول أن تجميع كل هذه العناصر (زائد الموسيقا والديكور والتصاميم الفنية الخ...) هو عملية فنيّة بحد ذاتها والثاني أن هذه العملية الفنيّة شكّلت لغة خاصّة بها لا تستطيع الفنون الأخرى استحواذها على ذات النحو او بذات الكثافة والتعدد٠
من هنا، صفاوة السينما تكمن فيما شكّلته من هذا المزيج وخلقته من لغة تحكي بالصور -أساساً- الوضع الماثل المراد التعبير عنه. هذا هو الصفاء الحقيقي لها متميّز من ناحية مقابلة بأنه قابل للتحليل. في أي وقت تستطيع إعادة الفيلم الى أصوله٠
فيلم »فاني وألكسندرا« لإنغمار برغمن مثلاً يعود، الى جانب التصاميم الفنية المختلفة (ملابس وديكور الخ) والى جانب التصوير (الذي يبدو مثل لوحات في الكثير من مشاهده بفضل براعة مدير التصوير سڤن نكڤست) وباقي العناصر على النحو المذكور أعلاه، الى فن السيرة الذاتية (ملوّنة بخطوط درامية حرّة ومفتوحة)٠
هذا الفيلم من نتاج 1982 وقبله بعام فيلم مختلف عنه 180 درجة من إخراج ستيفن سبيلبرغ هو »تابوت العهد المفقود«٠
أيضاً، لجانب المذكور من المرجعيات والأصول، يمكن أن تجد في الروايات الشعبية (من أبو زيد الهلالي وما بعد) مرادفاته٠ في الحقيقة الشخصية التي لعبها هاريسون فورد هي في كتب ومجلات المغامرات الخيالية الأميركية في الثلاثينات والأربعينات٠

هنا لا أريد البرهنة على أنه لا صفاء في السينما، فكما أوضحت صفاءها ناتج عن استيعابها كل هذه الفنون في خضم حركة متجانسة واحدة. الى ذلك، ما هو خاص جدّاً بها هو أنه إذا ما تم بحث أسلوب المخرج وجدت أن تأثيره ينتشر على صياغة كل عنصر على حدة ثم جمع هذه العناصر في صياغة واحدة أيضاً٠
الأهداف تتغيّر، كذلك الأساليب كذلك المستويات. لكن في المثالين المذكورين تكمن جوانب أساسية في هذه المسألة٠

إنغمار برغمن مخرج آلت سينماه، كما حال العديد من الفنانين الكبار في هذا الفن، الى النخبوية. لا أعتقد أنه قصد ذلك عمداً، لكنه كان يعلم أنه لن يجذب إليه مئات ملايين البشر الذين يذهبون كل أسبوع الى السينما السائدة. في اختياره هذا سمح لنفسه أن يستوعب من عناصر الحياة ما يوفّره للمشاهد. أعماله ليست منتوفة من عمق الناس حتى اولئك الذين لا يشاهدوا أفلامه: فهي تحتوي على العناصر الأساسية للتكوين البشري الداخلي: الحب، الكره، الغيرة، الحسد، الفرح، البكاء، الألم، السعادة، الحزن الخ... هذه مشاعر يمر بها كل فرد في الدنيا اليوم ومر بها كل فرد في الدنيا منذ مولدها٠
لاحظ الآن أنها نفس العناصر التي تمر في فيلم تجاري كبير كأي فيلم هندي، مصري، فرنسي، او أميركي او سواها. نفس العناصر التي تثير ستيفن سبيلبرغ وكل من شاهد أفلامه٠ وبما أني ذكرت »تابوت العهد المفقود« الذي كان أول حلقة من حلقات انديانا جونز، فسأبقى فيه: هو أيضاً يحتوي على تلك العناصر المكوّنة للإنسان٠ ومن دون تطويل، كل ما يرد في فيلم برغماني او فيلليني او كوروساوي يمر في فيلم سبيلبرغي او حسن إمامي٠
لكن المعالجة تختلف في كيفية توجيه هذه العناصر: أهي تتوجّه، برغبة المخرج، الى الذهن الوقّاد والنفس الدفينة او الى العين وما يمتّعها والبال وما يسرّه والنفس وما يتفاعل بها من غرائز؟

رسالة السينما هي جعل البشر يدركون موقعهم من الحياة٠ تركهم يرقبون ما يحدث ليدركوا أنهم ليسوا وحيدين في العيش بتلك المشاعر المؤرقة، القلقة. بذلك الحس بأن المرء منا ضائع او تائه او فاقد ومفقود معاً. والسينما ليست فقط جمالاً طبيعياً او نفسياً او من أي نوع (إبن البادية قد يجد جمال الحياة في فنجان قهوته وهدوء باله وملاحظة قطيعة من الماشية- هذا لا يمكن نكرانه). إنها جمال رفيع ناتج عن أن المشاهد يرى نفسه من مكانه٠ وحين لا يفعل لأن هذه النفس التي على الشاشة لا تشبهه، يستطيع أن يلقي عليها معطفه: إنه هو الذي في خطر الطيور الجارحة في فيلم هيتشكوك »الطيور« وهو يصبح الصياد الوحيد الذي يبحث عن مورد رزقه في فيلم جون ستيرجز عن رواية أرنست همنغواي »العجوز والبحر«. هو قلق راسكولونيكوف في »الجريمة والعقاب« (نسخة ليف كولدجانوف الروسية سنة 1970 لا تزال عندي أفضل ما شاهدته من أفلام رواية فيودور دستويفسكي) ويصبح السقّا في رائعة صلاح أبو سيف »السقّا مات«، تماماً كما يصبح البطل الخارق الذي في فيلم سبيلبرغ او في أي فيلم آخر له او لسواه٠

غزاة تابوت العهد لسبيلبرغ

السينما في كل ذلك مبعث صداقة. لقد خسر الناس -معظم الناس حول العالم- الثقة كل بالآخر. لكن الفيلم الجيّد يجعلك تعيد إيمانك بالناس وبالبشرية. حتى ضياع أبطال »أوديسا الفضاء« كما عبّر عنه ستانلي كوبريك يجعلك تبحث بعد العرض عمن يشاركك الرؤيا٠ وعندي أن السينما تبعث، في نهاية مطافها كلما غاص فيها المرء حبّاً وألفة وولها، الى حب الخالق سبحانه. تحب الإبداع الذي وهبه لنا وتركه فينا (وترك لنا أمر توظيفه او خلعه من المخ ووضعه على الرف)٠ او كما قالها تاركوفسكي معكوسة بلسان شخصية الدليل عن شخصية العالِم في »المقتفي«: "إنه لا يؤمن بالله، كيف يؤمن بأي شيء آخر"٠

سينما لـ .... | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما وأفلام لوي بونويل
2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إذاً، السُلطة والدين مدانان سوياً في فيلم لوي بونويل »العصر الذهبي« ولحق بالفيلم ما حدث من تعاضد الفاتيكان مع النازية والنظام الفاشي الإيطالي، وما يحدث الآن من تعاضد السُلطة في إسرائيل مع الدين٠ السُلطة عند بونويل هي التئام المصلحة القائمة بين البرجوازية والنظام والبوليس والعسكر ورجال الدين. والحقيقة أن ما عرضه في هذا الشأن لم يكن مبتكراً لكن كيفية عرضه وتناوله كان كذلك. بكلمات أخرى، ما ألّب عليه الآراء المناهضة لم يكن فقط هذا الإتهام للسُلطات والنظم والكنائس الخ... فقط، بل استخدام الرموز المختلفة (كوابيس، أحلام، فرويد، جنس، عنف الخ...) لإيصال هذا الإتهام على نحو بالغ العنف ومن دون إخفاء نيّته في الإهانة٠
من الطبيعي إذاً إنقسام المثقّفين حيال الفيلم. في مواجهة الهجوم اليميني تداعى اليسار للدفاع عنه بنفس الضراوة. ويذكر المخرج في مذكّراته (مصدر العديد من المعلومات هنا) كيف أن أحد المدافعين لم تكن له علاقة سياسية مطلقة بالموضوع وهو مندوب شركة مترو-غولدوين- ماير الأميركية الذي قال في معرض دفاعه: "لم أفهم شيئاً من الفيلم لكني معجب به"٠
هذا الإعجاب تبعه تقديم عرض لبونويل مفاده التحاقه بهوليوود لـ "تعلّم كيف نصنع الأفلام هناك" . المفاجيء أن بونويل وافق. كل ما هو مطلوب منه كان الجلوس في الاستديو ومراقبة المخرجين وهم يعملون. هذا مقابل عقد قيمته 250 دولار في الأسبوع لمدّة ستة أشهر. بونويل لم يوافق فقط، بل سافر بعد أسابيع قليلة على العرض الأول من فيلمه (هذا تم في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر) وتحديداً في الثلاثين من الشهر ذاته. بذلك لم يتح لنفسه متابعة ما كان يثيره الفيلم من ضجّة. في الحقيقة يدّعي بونويل (وقد يكون كلامه صحيحاً) لم ير الفيلم مرّة ثانية في حياته٠
بنظامها فإن هوليوود عصيّة. قليلون جدّاً من المخرجين الأوروبيين يستطيعون التعامل معها والحفاظ في الوقت نفسه على ذواتهم (لذلك رفض بدرو ألمودوڤار أكثر من عرض للعمل هناك كما عاد منها بعد محاولات الروسي أندريه كونتشالوڤسكي والأيرلندي جون بورمان أما أنطونيوني فصنع فيها فيلماً واحداً فقط- وهذا من بين آخرين عدّة)٠
بعد ثلاثة أشهر من وجوده طُلب منه تقديم فيلم من بطولة ممثلة أسبانية أسمها ليلي داميتا التي كانت انتقلت من مدريد الى هوليوود لتواصل مهنتها (واصلتها حتى أواخر الثلاثينات وتوفّت سنة 1994)٠ لكنه رفض واصفاً إياها بالعاهرة. بناءاً على ذلك، صرفته مترو-غولدوين- ماير فعاد الى فرنسا وبدأ العمل على تحويل رواية لأندريه جيد (رواية "فراغات الفاتيكان") الى سيناريو وأعتقد أنه كان التقى بالمخرج سيرغي ايزنشتاين خلال زيارة الثاني الى هوليوود في ذات الفترة، إذ أن النيّة كانت أن يقوم بونويل بتفليم الرواية في الإتحاد السوڤييتي ما يعني أنه تواصل وبعض من سهّل له -نظرياً على الأقل- مثل هذا الإحتمال٠ على أن المشروع تهاوى قبل إكمال كتابته وانصرف المخرج الى معالجة مشروع وثائقي بعنوان
Las Hurdes
العنوان عائد الى منطقة آسبانية تعيش في فقر وتخلّف شديدين (او كانت تعيش هكذا آنذاك وحسب دراسة فرنسية نشرت في العام 1927) لكن بونويل، الذي عاد الى أسبانيا حينها، لم يكن يملك من يموّل له هذا المشروع فانطلق يتحدّث عنه لبعض أصدقائه. أحدهم رامون أسين الذي كان فنّاناً وكاتباً طليعياً وصديقاً لبونويل. هنا وقع أمر بالغ الغرابة. رامون قال لبونويل إنه إذا ما ربح اليانصيب (اللوتو) فسوف يموّل هو فيلمه. و.... ربح رامون اليانصيب بالفعل ووفى بوعده مانحاً بونويل عشرين ألف بيسوس ليحقق فيلمه٠ رامون مات مقتولاً بأي الجماعات الفاشية سنة 1936 لكن بونويل أنجز بالفعل معظم الفيلم بهذا المبلغ وذل. صوّره في أسابيع قليلة، وانتهت ميزانيّته قبل دخوله المونتاج. حسب ما يرد في مذكّراته قام بونويل بمونتاج الفيلم في مطبخ منزله٠

Land Without Bread (1932)
هذا هو عنوان الفيلم المذكور ("أرض بلا خبز") الذي تبنّته فيما بعد الحكومة على أساس أنه دراسة اجتماعية حيادية. لم أشاهد الفيلم بنفسي ولا أستطيع أن أفتي فيه، لكن بعض ما قرأته عن الفيلم ذكر أن الحكومة سرعان ما تراجعت عن هذا الإعتبار ولا عجب. فالفيلم من ناحية يصف منطقة من أفقر بقاع أوروبا حيث القرى بلا طرقات ولا مستشفيات رغم انتشار الملاريا و(حسب بونويل) "يموت الناس من لدغات الثعابين" وهناك مشهد للدلالة على هذه يصوّر فتاة صغيرة لدغها ثعبان وعرض الفيلم موتها أمام الكاميرا٠ ويتابع الفيلم الوصف قائلاً: "المكان الوحيد المرفّه في هذا المكان هو الكنيسة"٠
قرية بلا موسيقا. هذه كانت أولى ملاحظات المخرج حين وصل الى القرية التي صوّر فيها معظم أحداثه. وهو عاد الى الفيلم بعد سنوات قليلة (العام الذي قُتل فيه صديقه رامون) ليضيف مشاهد جديدة بأمل أن يقول أن المسألة ليست قرية او بضعة قرى في منطقة واحدة بل هي مسألة منتشرة وقاعدة تستحق "تضامن القوى المعادية للفاشية" حيالها٠
هناك مواقع تعرض مقتطفات من هذا الفيلم لا يمكن الحكم على الفيلم بكامله منها، لكنها تعطي فكرة عما تعامل معه بونويل وكيف أنه لم يكن الا ليثير نقمة النظام الأسباني آنذاك على أساس أن المسألة تحوّلت من فيلم علمي الى فيلم سياسي ينتقد غياب الدولة والبون الشاسع بين الشعب وبين السُلطة٠

لقطة من "أرض بلا خبز"٠
تبعاً لهذا الفيلم وضعت عنه المخابرات الأسبانية ملفّاً اعتبرته فيه "خطراً على الدولة« من بين تهم أُخرى"٠
أحد الذين قرأت لهم ما كتبوه عن الفيلم الناقد الفرنسي أندريه بازان في واحد من مجموعة مقالات ترجمت الى الإنكليزية حيث ذكر أن الفيلم، على الرغم من أنه فيلم وثائقي الا أنه "ينتمي الى فيلمي بونويل السابقين. فهو من نسيج تلك السوريالية"٠
قبل العام 1936 ومباشرة بعد ذلك الفيلم، وجد بونويل أن لا مستقبل له في السينما. الأرجح إنه لم ير نفسه قادراً على البحث عن التمويل والتواصل مع ممولين محتملين لفيلمه او إقناع رجال أعمال او منتجين بها. قرر التوقّف (مرّة أخرى) عن الإخراج وفي العام 1934 نجده يعمل في مهنة تسجيل حوار الممثلين الأميركيين
Dubbing بالأسبانية- أي

يتبع٠

أصداء | ملاحظات وتعليقات حول سينما اليوم وتياراتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مع كل صيف تتضح الأزمة من جديد: تتوارى
أفلام المرأة الى غياب... لكن المشكلة هي أنها
تتوارى كذلك معظم فصول السنة | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميريل ستريب

في فيلم »ليلة في المتحف: معركة سيمثسونيان«، معظم الشخصيات المشتركة في العمل هي تماثيل لمشاهير موجودة في متحف التاريخ الطبيعي تعود الى الحياة من جديد عندما يخلو المتحف من الزوّار، باستثناء أنها تثق ببطل الفيلم لاري (بن ستيلر)، ذلك الحارس الليلي الذي رأيناه يكتشف أن الحياة تدب في تلك التماثيل المختلفة في الجزء الأول من هذه الكوميديا قبل عامين، ولذلك هي تتتحرك وتتكلّم بوجوده فقط. هناك الكثير من الشخصيات الرجالية والعديد من الحيوانات و.... إمرأة واحدة٠ هذه المرأة ليست سوى أوّل إمرأة عبرت المحيط الأطلسي من الولايات المتحدة الى اوروبا منفردة وذلك في العام 1937 وأسمها أميليا إرهارت٠
على شاشة »ليلة في المتحف 2« هي فتاة طيّبة ترتدي ملابس الطيران التي ماتت فيها بعدما هوت طائرتها بها في منتصف العام نفسه٠ تؤديها الممثلة الشابّة أمي أدامز وهي الوحيدة، بين كل الممثلين، الذي يمنح الفيلم بعض الطاقة والحيوية. في الفيلم تفرض نفسها على بطله مؤكدة له أنها تحب المغامرة حالما علمت أن فرعوناً عادت اليه الحياة تحالف مع نابليون بونابرت وجنكيز خان والمجرم آل كابوني للسيطرة على العالم ولاري الآن مهدداً بأن يكون الضحية الأولى٠ يتردد في قبولها حليفاً لكنها تعتبر صمته موافقة وتشاركه المغامرات لآخر الفيلم٠

هذا ليس فقط كل دورها في الفيلم، بل هو النموذج الحالي لما تستطيع المرأة في أفلام هوليوود الوصول اليه هذه الأيام٠ فهي ذات ظهور ثانوي مساند في »خلاص ترميناتور« أمام كرشتيان بايل. شخصيتها هناك مصنوعة لكي تقع في حب أحد المحاربين المناهضين لاستعمار الروبوتس الفضائي وسريعاً ما تتجاوزها القصّة الا من بعض المشاهد اللاحقة٠
في »ستار ترك« هي من بين فريق الملاحين الفضائيين ومعظمهم رجال. في »ملائكة وشياطين« نراها تركض في أعقاب بطل الفيلم توم هانكس معظم الوقت. في »رجال إكس: وولفرين« هي الزوجة التي تموت في منتصف طريق الفيلم الى نهايته، لكنها لم تمت حقّاً إذ تظهر في ثلث ساعته الأخيرة لأن السيناريو أراد ذلك٠

تصرخ جيّداً
ولو فحصت الأفلام المتوفّرة منذ مطلع هذا العام لوجدت أن نسبة تلك التي تضعها في إطار مساند او ثانوي يبلغ ثلاثة أرباع عدد الأفلام التي تمنحها دوراً بطولياً حقيقياً. هذا الربع الباقي نصفه، على الأقل، من أفلام الرعب والسبب هو أنها، في عرفان التقاليد السينمائية، نموذجاً لمن يخاف وتستطيع أن تصرخ كما لا يستطيع أن يصرخ الرجل٠ مثالية لتجسيد الضعف المتمثّل بها والخوف الذي يطغى عليها حين يحوم القاتل حولها٠ وإذا ما تمالكت شجاعتها وحاربت فهي لأنها الممثلة الرئيسية في الفيلم- إذا لم تكن متزوّجة- أو أحد ممثليه إذا كانت٠
والأسبوع الحالي فيه هذا النوع من البطولة في إطار فيلم رعب جيّد التنفيذ هو »جرّني الى الجحيم« حيث تلعب أليسون لومان دور موظّفة شابّة تعمل في مصرف وفي أحد الأيام تأتيها غجربة طالبة منها قرضاً لكي تنقذ بيتها من التدمير. تصرفها أليسون، وتكتشف لاحقاً أن الأفضل لها لو استقالت، إذ أدى رفضها الطلب الى قيام الغجرية العجوز بلعنتها وبذلك حوّلت حياتها الحاضرة الى جحيم لا يُطاق وخوف دائم يحوي في طيّاته أخطاراً متلاحقة
أنجلينا جولي

النسبة كانت أعلى في السابق. نصف الأفلام التي انتجت في هوليوود حتى الخمسينات ومطلع الستينات تمحورت حول شخصيات نسائية، سواء أكانت شخصيات تتضلع بالبطولة الفعلية وحدها او تشارك الرجل مشاركة كاملة على نحو "فيفتي فيفتي"٠
لولا ذلك لما كانت هناك عشرات النجمات اللواتي شغلن خيال الجيل الذي عايش تلك الفترة من بيتي ديفيز الى مارلين مونرو ومن اوليفيا دي هافيلاند الى كاثرين هيبورن مروراً بـسيد تشاريس، فيرونيكا لايك، ماري أستور، فيفيان لي، جانيت لي، جوان فونتان، انغريد برغمن، اليزابث تايلور، ان باكستر، أودري هيبورن، آن بانكروفت، جولي أندروز، غريس كيلي وسواهن بالعشرات إن لم يكن أكثر٠

عالم رجال
لوم هوليوود أمر سهل، والصعب عدم مد اللوم الى طينة الجمهور نفسه ورغباته. معظم مشتري التذاكر اليوم هم من دون الثانية والعشرين سنة وهؤلاء لا يريدون مشاهدة المرأة في البطولة الا في أفلام مرعبة، وفي أفضل الأحوال في دور طالبة في الكليّة٠ ونصف هذه الأفلام تسقط على أي حال ولا تؤدي لا لتعزيز دور المرأة ولا لملء جيوب المنتجين٠
والمرّات التي حاولت فيها السينما الأميركية توفير أدوار نسائية قيادية (او نصف قيادية) اكتشفت سوء تقديرها. جوليا روبرتس تقاضت نصف ميزانية فيلم »ازدواجية« الذي احترق بنار الإهمال. فيلما نيكول كيدمان الأخيرين »الغزو« و»استراليا« واجها مصيراً مشابهاً: الأول أصبح في الأرشيف والثاني أخذه المركب الى جزيرة مهجورة ليست بعيدة عن استراليا نفسها٠
جودي فوستر حملت سلاحاً وأخذت تقتل الناس في »الشجاعة«. لم يلق البوليس القبض عليها، لكنها باتت مسجونة وراء قضبان فشل الفيلم الذريع تجارياً٠
أنجلينا جولي ربحت دوراً رائعاً في »مبادلة« لكن الفيلم عُرض من دون أن يشعر بوجوده أحد. كاميرون داياز اضطرت للعب دور مساند في فيلم كوميدي بعنوان »ما يحدث في فيغاس« واللائحة تطول٠
صحيح أن الموسم الحالي كان دائماً موسماً رجالياً. ففي الصيف تنطلق الأفلام التي يقود بطولتها رجال بعضلات وقدرات خارقة كما الحال مع هيو جاكمان في »وولفرين« ومع كرشتيان بايل في »خلاص ترميناتور« او رجال بذكاء وقوّة احتمال لا تضاهى كما الحال فى »خطف بلهام 123« و»أعداء الشعب« او شبّان يواجهون ما لا تستطيع المرأة مواجهته مثل تلك الآلات الرهيبة القادمة لتدمير الأرض في »ترانسفورمرز 2«. الفكرة هنا هي أن هوليوود تضخ مئات ملايين الدولارات في نحو خمسة عشر فيلماً مخصصة للصيف كل منها عليه أن يكون من بطولة شخصية رجالية. لا مجال هنا، في حسبانها، لارتكاب الأخطاء وأكبر هذه الأخطاء هو أن توفر ميزانية ضخمة لفيلم من بطولة إمرأة حتى ولو تم إرسالها -قبل التصوير- الى معهد رياضي لخلق وحش أسطوري منها٠

نظرية البيضة
المشكلة بالطبع هي أن أدوارها في أفلام أصغر حجماً هي أيضاً محدودة وما تعانيه من اجحاف خلال موسم الصيف ينسحب الى كل المواسم الأخرى باستثناء موسم الأوسكارات، حيث يتم تجميع نحو عشرين فيلم تلعب فيه المرأة أدواراً رئيسية وإطلاقها متتابعة بغاية لفت أنظار أعضاء الغولدن غلوب والأوسكار الى حسنات إداء الممثلات حتى تكسب واحدة من هاتين الجائزتين٠
على هذا المنوال زخر الشهرين الأخيرين من العام الماضي بأفلام »نسائية« او أفلام فيها أدوار نسائية متقدّمة مثل »القاريء« مع كيت ونسلت وميريل ستريب في »شك« وآمي أدامز وفيولا ديفيز في ذات الفيلم، ثم تاراجي هنسن عن دورها في »القضية المثيرة للفضول لبنجامين باتون« وماريسا توماي عن دورها في »المصارع«، وأنجلينا جولي عن »مبادلة« وآن هاذاواي عن »راتشل تتزوّج« كما ماليسا ليو عن الفيلم الذي شاهده قلّة »نهر متجمّد«٠
من ناحية أخرى، فإن لوم المشاهد يبدو كما لو كان دعوة لإثارة نقاش يرد فيه هؤلاء على منتقديهم بالقول أنما نحن نتجاوب مع ما تطلقه هوليوود من أفلام. بالتالي، نظرية البيضة والدجاجة عملياً مطبّقة هنا: الاستديو يريد من الجمهور أن يتغيّر لأنه قائم على تلبية الأذواق والجمهور ينتظر من الاستديو أن يفرض هذا التغيير٠ وسط هذا الصراع تتضاءل المساحة المعطاة للممثلة السينمائية بعدما خسرت أوجّها السابق كنجمة ساطعة٠ اليوم نجمات الشاشة مثل نور المطبخ، الغرفة حين تخرج منها٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular