Jun 14, 2009

ISSUE 428 | ابراهيم العريس عن "آخر ميتران" | ميسر المسكي عن »مخبوء« لميشيل هانيكه | زياد عبد الله عن "ماما روما" لبازوليني | محمد رُضا عن لوي بونويل

هذا العدد

لوي بونويل كان مخرجاً فريداً من نوعه في العالم. لم يكن، في اعتقادي، أفضل من بعض سواه - لكنه كان عملاقاً في منحاه وسينماه ومعظم أفلامه حملت انعكاسات لحبّه للسوريالية ولآرائه في الكنيسة والنظام السياسي اليميني إذ رآهما وجهان لعملة واحدة٠ في هذا العدد بداية لأسبوع بونويلي يشمل حياته السينمائية ومراحل مهنته وبانوراما شاملة لمعظم أفلامه٠
قبل سنوات قليلة طلبت من الزميل ابراهيم العريس مقالة لنشرها في نسخة لم تصدر من "كتاب السينما" (تم تأليفها وجمع موادها لكن التمويل لم يكن متوفّراً فبقيت المواد على الكومبيوتر). وقد قام الزميل مشكوراً بالكتابة عن فيلم وثائقي فرنسي بعنوان "منتزه شان- دي- مارس« (او "آخر ميتران" كما أصبح عنوانه في الأسواق غير الفرنسية). عدت الى المقال ونفضت الغبار عنه لأهميّته وتوثيقه٠
وفي حين يتناول الصديق ميسر المسكي، الذي يكتب خصيصاً لهذه المجلة مشكوراً، فيلم "مخبوء" لميشيل هانيكه، يوفّر الزميل زياد عبد الله قراءة جديدة لفيلم بيير باولو بازوليني "ماما روما"٠

افتتاحية | الإيطالي جوزيبي تورناتوري لا يزال يحب السينما وفيلمه الجديد
يفتتح "فانيسيا"٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جوزيبي تورناتوري مع مونيكا بيلوشي خلال التصوير

لأول مرّة منذ عشرين سنة يتم اختيار فيلم إيطالي لافتتاح المهرجان الإيطالي "ڤانيسيا". وربما بدا الأمر بديهياً لكن حقيقة أن عقدين من الزمان مرّا على آخر مرّة تم افتتاح المهرجان الإيطالي بفيلم محلي دليل على أشياء كثيرة بعضها -وليس جميعها- له علاقة بالقيمة النوعية للأفلام الإيطالية المنتجة خلال هذين العقدين٠
وفي الوقت ذاته يُفيد ذلك في التأكيد على نهضة ما في حاضر السينما الإيطالية خلال السنوات الثلاث الأخيرة إذ ازداد وجودها في المهرجانات الدولية الأخرى (برلين، كان، تورنتو، ترايبيكا في نيويورك) علاوة على ما حققه »غومورا« من نجاح نقدي وجماهيري محليّاً وعالمياً خلال العام الماضي٠

الفيلم المختار للإفتتاح هو »باريا« للمخرج جوزيبي تورناتوري الذي كان اقتحم الشهرة قبل بفيلمه المتفاني »سينما باراديزو« (1990) الذي سرد فيه جانباً من ذكرياته ولداً صغيراً في الخمسينات يتسلل الى صالة السينما في قريته الصقلية مبهوراً بالشاشة الفضّية وما تعرضه. الفيلم الجديد هو عودة لتلك الذكريات من قبل مخرج يبلغ الآن 53 سنة من العمر ولم يقل في أفلامه كل شيء يريد قوله بعد٠

ولد تورناتوري في بلدة صقلية صغيرة أسمها هو ذات إسم فيلمه الجديد »باريا« ليست بعيدة عن مدينة باليرمو. حين كان في السادسة عشر من عمره، وبينما كان لا يزال تلميذا، قرر دخول الحياة الفنية تبعاً لذلك الإعجاب الكبير بالسينما. لكنه لم يختر السينما لتحقيق أفلامه آنذاك، بل المسرح فأخرج مسرحيّتين لكاتبين إيطاليين هما ادواردو دي فيليبو ولويجي بيرانديللو٠
المسرحيّتان كانتا للعرض المدرسي، لكنهما لفتا نظر عديدين شجعوه على الإخراج للسينما فالتقط الكاميرا وصوّر فيلماً قصيراً بعنوان »القافلة« وهذا شق طريقه الى تلفزيون المحطة الإيطالية
RAI
التي اسندت اليه مهاماً متعددة خلال العام 1979 وما بعد٠ هذه المهام انتقلت من العمل مساعداً لهذا المخرج او ذاك المنتج الى الإخراج حيث حقق تورناتوري لحساب المحطّة في مطلع الثمانينات بضعة أفلام وثائقية ناجحة وأحدها دار حول صناعة السينما في صقلية وآخر عن المخرج فرنشيسكو روزي وثالث عن الكاتب المسرحي لويجي بيرانديللو٠
أحد هذه الأفلام نال الجائزة الأولى في مجال السينما الوثائقية من مهرجان ساليرنو وعنوانه »الأقليات العرقية في صقلية«٠

اعتيادية
تورناتوري بات جاهزاً للإنتقال الى السينما الروائية وهو عمد الى هذه الخطوة سنة 1989 حين أنجز فيلماً عن العصابات الصقلية عنوانه »كاموريستا« جامعاً فيه الإيطالية لورا دل سول مع الأميركي، الصقلي الأصل، بن غازارا (أحد وجوه المخرج الأميركي المستقل جون كازافيتس المفضّلين)٠
هذه البداية الناجحة قادته الى فيلم أنجح هو »سينما باراديزو« نفسه. مثل الأول، كتب السيناريو، لكنه هذه المرّة قرر أنه يريد العودة الى ماضيه هو حين كان ولداً صغيراً واقع في حب السينما. لكن الفيلم كان أكثر من مجرّد قصّة صبي يتسلل الى غرفة العارض (الراحل فيليب نواريه) ويرى الأفلام مجاناً. كان أيضاً عن ملاحظاته في تلك الفترة لشخصيات مختلفة أكثرها إثارة للإهتمام او للطرافة راهب البلدة الذي كان يؤول على نفسه مشاهدة كل فيلم جديد لكي يراقبه قبل السماح به٠
وجد الفيلم نجاحاً كبيراً في المهرجانات والمناسبات السينمائية فقطف أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان »كان« للعام 1989 والغولدن غلوب الأميركية لجانب رطل من الجوائز من مناسبات أقل شهرة٠
ومع أن تورناتوري لم يتوقّف عن تحقيق الأفلام، الا أن قدراً من الإعتيادية سادت علاقته بالسينما بحيث لم يبرز مما حققه فيلم آخر بذات الصفات او النجاح الذي حققه »سينما باراديزو«. تورناتوري أخرج بعده »الجميع بخير« مع مارشيللو ماستروياني (أحد آخر أفلامه قبل موته) وميشيل مورغن، ثم فيلم من تمثيل جيرار ديبارديو و(المخرج) رومان بولانسكي بعنوان »شكليات فقط« وذلك سنة 1994. بعده حقق فيلماً عنوانه »صانع النجوم« مع سيرجيو كاستيليتو في البطولة وهذا الفيلم قرّبه من جديد للجوائز إذ نال جائزة لجنة التحكيم الخاصّة وإن أخفق في الوصول الى اوسكار ثاني كأفضل فيلم أجنبي٠
في العام 1998 عاد الى الواجهة من جديد بفيلم جيّد آخر هو »أسطورة 1900«. الفيلم الذي يتناول شخصية لاعب بيانو، قام به الأميركي تيم روث، وجد نفسه يعيش على ظهر باخرة تجتاز المحيط من ايطاليا الى اميركا لكنه لا يستطيع مغادرتها (قدّمناه على هذه الصفحة حينها)٠
الفيلم الحالي الذي سيفتتح مهرجان فانيسيا في دورته المقبلة بعد شهرين وبضعة أيام، هو من إنتاج التونسي طارق بن عمّار والإيطالية مارينا برلسكوني (قريبة رئيس الوزراء الذي تربطه بطارق بن عمّار علاقات عمل) ومن أشهر الأسماء التي في الفيلم مونيكا بيلوتشي٠

سينما لـ .... | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما وأفلام لوي بونويل
1


المشهد الأخير من فيلم »ميلكي واي« يتضمّن خلاصة أحداث الفيلم ومكمن الرسالة التي يعتنقها بونويل بالنسبة لموقفه من الكنيسة. لا في هذا الفيلم فقط، بل في أفلامه جمعان: رجلان كفيفان يطلبان الشفاء من السيد المسيح بعدما التقياه مع بعض تلامذته في أسبانيا (المكان والزمان جزء من سوريالية سينما بونويل). يطلبان من المسيح أن يشفيهما ويفعل فيبصران. لكن حينما يسألانه تفسيراً لما يرونه يتركهما ويمضي. لا جواب عنده. في ذلك فحوى العلاقة التي براها بونويل مفقودة بين الدين والدنيا

أنجز بونويل هذا الفيلم سنة 1969 وقبل ثماني سنوات من تحقيقه أطلق المخرج المخرج عبارته الشهيرة: "لا زلت والحمد لله شخصاً ملحداً" عبارة لم ترق للمؤسسات الدينية حول العالم التي دائماً ما وجدت في أفلام بونويل معاداة للدين. وهي بالفعل معادية للتديّن على الأقل وللإعتناق الديني المحدود بكل تأكيد ولا أستطيع أن أؤكد أنه ضد الدين وكفى حتى ولو كان٠ الأهم هو أن هذا الفيلم، وأفلام أخرى، له يعكس قدراً من التردد من جانبه في تحديد ما هو ضدّه وما هو معه. في العام 1977 نفى أنه كان ملحداً، فقط انتقادياً٠

بصرف النظر عما إذا كان او لم يكن فإن واحداً من القيم الأهم في أفلامه هي النقد الموجّه للدين. وهو يتحدّث عن الدين المسيحي في بنيته الكاثوليكية لكن أحد الأمور التي على الناقد تحليلها في سينماه هو إذا ما كان رأيه منسحب على كل المسيحية ثم علي كل الأديان بذلك تكون الكاثوليكية نوع من واجهة الهجوم الممتد صوب عمق العلاقة بين الإنسان وبين مبدأ الإيمان بجوهر الدين. الغالب أنه يمكن سحب النقد الذي وجهه الى الكنيسة على كل الأديان رابطاً تحوّل الدين عن علاقة إنسانية/ الهية مباشرة الى ممارسات تختلط فيها المعطيات السامية للدين مع الأغراض السياسية والمرتبطة بالطبقة العليا من النظام. فهو دائماً ما وضع الدين، من خلال الكنيسة الكاثوليكية التي هي أقرب إليه كونه نشأ كاثوليكيا، والسُلطة والبرجوازية في إطار واحد ومارس تهشيمه مبادئها٠

مع فردريكو لوركا في لقطة "سوريالية" مركّبة

ولد في 22/2/1900 ومات في 29/7/ 1983 ومسقط رأسه قرية أسمها كالاندا في منطقة أراغون في أسبانيا وتم رحيله في مدينة نيو مكسيكو. والده كان جنديا خدم في القوات الأسبانية في كوبا لكنه استقر هناك الى حين عودته الى أسبانيا وتزوّج وهو في الثانية والأربعين من عمره وذلك سنة 1898 ولويس كان أول ثمرة من هذا الزواج٠
نشأة بونويل كاثوليكية بالدراسة أيضاً إذ أمضى نحو سبع سنوات في مدارس لاهوتية (فرنسية واسبانية) وكان، حسب شهادات، نجيباً في دراسته وذلك منذ طفولته لكنه في الخامسة عشر من عمره أخذ يرتاب في درجة إيمانه وبعد قراءته داروين وماركس وروسو قرر أنه لا يريد أن يكون مؤمناً لأنه لا يستطيع ذلك٠
في العام 1917 انتقل الى مدريد وانخرط في الجامعة. أراد دراسة الموسيقا لكن والده أصر على الهندسة الزراعية وهو في النهاية انتهى الى دراسة علم الحشرات وهو علم كان مهتمّاً به منذ صباه٠
مدريد لم تكن قريته الصغيرة ولا حتى مدينة ساراغوستا التي كان لوالديه شقّة فيها، بل كانت محطّة ثقافية انتمى إليها بونويل الذي كان لا يزال يجهل الكثير من فاعليات البيئة الثقافية. هناك تعرّف على عدد من الكتّاب والمثقّفين من بينهم رفاييل ألبرتيني ورامون غوميز دي لا سرنا وفردريكو غارسيا لوركا كما الشاعر جوان رامون جيمينز مؤسس حلقة الشعراء السورياليين سنة 1927
وتعرّف في ذلك الحين أيضاً على الرسّام سلفادور دالي وأخذ من حينها يكتب أفكاراً فلسفية متأثرة بأجوائه الجديدة. بعد سنة وشهرين من الخدمة العسكرية انتقل بونويل الى باريس بعدما وجد عملاً في السفارة الفرنسية هناك وهذا فتح له مجال تواصل جديد مع البيئة الثقافية في باريس (عدا عن أنه التقى بجين روكار، المرأة التي أصبحت زوجته. في تلك المرحلة تأكد له أنه يريد أن يصبح مخرجاً سينمائيا٠
في مذكّراته المسمّاة »النفس الأخير« الذي وضعه قبل سنوات قليلة من موته ليسرد فيها سيرة حياته هذه، ذكر أنه شاهد أول أفلامه وهو في الثامنة من العمر (فيلم كرتوني) وأن كوميديات ماكس ليندر (فرنسي مجهول عربياً) وباستر كيتون وتشارلي تشابلن وهارولد لويد وبن تورن كانت من بين ما شاهده بكثرة. لا يقرر في تلك المذكّرات كيفية استقباله لها وعما إذا كان تأثّر بها لأبعد من مجرد استقبال ترفيهي أم لا، لكن المؤكد أن باريس منحته البلورة في هذا الإتجاه وهو كتب أنه بدأ يؤم السينما عدة مرّات في الأسبوع وأحيانا كثيرة كان يمضي اليوم بكامله في الأفلام. أحد هذه الأفلام كان »موت مُتعَب« لفريتز لانغ [فيلم من مرحلته الألمانية إذ حققه سنة 1921] هذا الفيلم، بالنسبة لبونويل، كان من التأثير بحيث أنه قرر أن السينما هي التعبير الأفضل الذي يبحث عنه وأن حياته من الآن وصاعداً سوف تكون سينمائية٠


Un Chien Andalou | الكلب الأندلسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العام 1925 او نحوه انخرط في مدرسة جان إبستين للسينما وبعد أشهر قليلة وجد نفسه مساعداً في أفلام لابتستين التجريبي كما في أفلام روائية مختلفة من بينها فيلم »كارمن« [جاك فيدر- 1926]. بعد عام انفصل عن جان ابستين (بسبب خلاف حول تقييم المخرج آبل غانس) وعاد الى أسبانيا حيث عاد الى الحلقة الثقافية التي كان تعرّف اليها وكتب سيناريو عن حياة »غويا« لم ير النور. سلڤادور دالي اقترح عليه أن يصنعاً فيلماً تجريبيا- سوريالياً مشتركاً وبونويل كتب لأمه (والده مات حين كان بونويل لا يزال في باريس) وهذه مدّته بحصّته من الإرث فأنتج فيلمه الأول »الكلب الأندلسي« في باريس مستعينا بالمصوّر ألبير دوفرجر الذي كان مصوّر جان إبستين (المفضّل كما اعتقد)٠
من ذلك الفيلم الأول (1929) عمد بونويل الى عادة التمسّك بالسيناريو من دون تعديلات تذكر خلال التصوير. رغم ذلك كان الممثلون لا يدرون تحديداً ما الذي يؤدونه. ما هي القصّة التي كانوا يشتركون في تفليمها. سلڤادور دالي لم يكن حاضراً بل وصل في الأيام الأخيرة من التصوير٠
هذا الفيلم من سبعة عشر دقيقة فقط لكنه الى اليوم نموذج السينما السوريالية. في المشهد الأول رجل يقف على شرفة منزل ليلاً يمر بموسى على عين فتاة صغيرة. المشهد مقلق وصادم لكن بونويل أراده ذلك وبه أسس لحضوره السينمائي الأول (اليد التي تمثّل المشهد هي يده اما العين المصوّرة بكلوز أب فكانت عين عجل ميّت)٠


بونويل كان يعلم أن المشهد سيكون صادماً لكنه كتب في مذكّراته: "صوّرته لأني حلمت به ولأني كنت أعلم أنه سيثير الإشمئزاز"٠
بعد ذلك المشهد يستمر الفيلم في منهجه: عنوان مطبوع يعلن مرور ثماني سنوات. رجل على درّاجة تتعثّر دراجته وتتوقّف. الآن نراه في غرفة مع إمرأة كانت أطلّت من شرفتها. يداعبها. هناك لقطة لمداعبة ثدييها من فوق ردائها ثم يتم محو الرداء بطريق الـ
Dissolve In
فإذا بثدييها عاريين. ثم ينظر الرجل الى يديه فيجد عشرات النمل تخرج من تحت كمّه. بعد ذلك هناك صورة لرجل آخر يوخز بعصاه يدا مقطوعة (هذا من حلم لسلڤدور دالي) ثم آلتي بيانو مفتوحتان على جثّة حمار٠
قبل العودة الى الشقّة حيث يدخل رجل آخر يقتله الأول بكتابين يتحوّلان بين يديه الى مسدّسين. المجموعة الأخيرة من المشاهد الرجل والمرأة مدفونان، حتى وجهيهما، على رمال الشاطيء والنمل وحشرات أخرى تحوم حولهما٠
قلت أن الفيلم بات نموذجاً للسينما السوريالية، لكنه بالتأكيد ليس الأول إذ هناك فيلم سابق للمخرج الفرنسي جرمان دولاك بعنوان »الصُدفة والراهب« او
La Coquille et le Clergyman
سبق هذا الفيلم بعام ومثله يعمد (ولو بعنف أقل) الى تجاوز السائد في قضية السرد المعتاد والجمع بين الخيال والوعي في سلسلة لقطات غير متّصلة٠
وهناك حادثة لها مغزاها: في أحد العروض الأولى للفيلم في باريس (إن لم يكن العرض الأول) وصل بونويل الى صالة العرض وفي جيبه حجارة خوفاً من ردّ فعل الحاضرين (جلّهم من المثقّفين وأتباع الفن السوريالي) بعد تناهى له أنهم استقبلوا فيلم دولاك بثورة متّهمينه بأنه خان التعاليم السوريالية. العرض مر بخير وفي الناية تلقّى المخرجين تهاني كثيرة. المخرج جان فيغو (بدوره من أكثر سينمائيي الفترة تميّزاً) اعتبره فيلماً جيّداً في كل شيء والفيلم عرض تجارياً لبضعة أشهر


L'Age d'or | العصر الذهبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرع بونويل ودالي للتحضير لفيلهمها الثاني عن سيناريو آخر كتباه على أن يتم تصويره في أسبانيا. الفكرة كانت تحقيق فيلم يكون مرادفاً او استكمالاً لـ "الكلب الأندلسي«، لكنهما سرعان ما أدركا بأنهما مختلفان في نواحي كثيرة ما أدّى الى انفصالهما. وحسب مذكّرات بونويل فهو فكّر في اعتزال الإخراج لأنه لم يملك من يموّل له فيلمه المقبل. عاد عن قراره هذا حين عرض عليه منتج أسمه فيكوم د نوايي كان أنتج فيلمين من قبل هما
Les Mysteres d Chateau | ألغاز القصر
Le Sang d'un Poete | لمخرج أسمه مان راي و "دم شاعر"٠
للمخرج المعروف جان كوكتو٠
تمويل فيلمه التالي. وهكذا وُلد »العصر الذهبي«٠
هذا الفيلم الذي شهد عرضه الأول سنة 1930 لم يكن تكملة من أي نوع للفيلم السابق، لكنه كان أيضاً سورياليا يتبع البناء العرضي ذاته ويختار من سيل صوره الآتية من اللاوعي والوعي معاً ما يكشف تأثيرات فرويد ونظرياته فيما يتعلّق بالنوازع الجنسية لدى البشر٠ الى ذلك، فإن الهجوم على التفكير التقليدي لم يعد من خلال اعتماد الشكل الفيلمي (او المنهج السوريالي) وحده، بل من خلال قصد الهجوم على الكنيسة والبرجوازية الأوروبية٠
يبدأ الفيلم بشريط وثائقي حول العقارب ويليه مشاهد لعصبة من الرجال على شاطيء البحر تتصدّى لها عصبة من الرهبان ثم بمجموعة تريد تأسيس الإمبراطورية الرومانية. بعد قليل نحن مع شريط صوتي يفصح عن مجامعة جنسية بين رجل وإمرأة. ثم ها هو الرجل وحده يهذي بينما المرأة تدخل غرفتها وتجد بقرة ملقاة على فراشها٠
ما سبق هو جزء من قصّة تقع في ستة أقسام. ما يلي يتمحور -الى حد- حول ذلك العاشق (غاستون مودوت) الذي يرمي الى الحياة مع حبيبته (ليا ليس) وهما من نراهما يمارسان الحب في الوحل، قبل أن نكتشف احتمال أنه هو وحده في الصورة وأنها قد تكون الميتافيزيقيا التي في البال. حين يتقابلان من جديد تستحوذ على بونويل الرغبة في الإستعارة من بعض الكوميديات الصامتة التي أحب فيما يشبه التحية. لكن لقاءهما الثاني ذاك لا يدوم إذ يرن جرس هاتف. يمضي ليرد عليه. يعود فلا يجدها ونكتشف أنها مضت مع مايسترو الأوركسترا ما يسبب في غضبه فيرمي حاجياته من النافذة المفتوحة٠
هذا ليس بالكثير في منحى القصّة (اي قصّة) لكن علينا أن نتذكّر أن بونويل لم يكن بوارد سرد حكاية. لا في الفيلم السابق ولا في هذا ولا في بعض أفلامه اللاحقة. مرّة ثانية هناك فرويد مترجماً الى مشاهد سوريالية كما هناك تأثيرا برواية " 120 يوماً من سادوم" التي وضعها ماركيز دي ساد (واقتبسها لاحقاً بيير باولو بازوليني)٠
حين خرج الفيلم للعروض انتقده سلڤدور دالي بشدّة قائلاً أنه فيلم تعامل كاريكاتورياً مع أفكاره٠ وهو لم يكن الوحيد بالطبع الذي هاجم الفيلم بل هوجم من قبل اليمين والكنيسة على حد سواء وقام البوليس الفرنسي بإصدار قرار بمنع الفيلم "حفاظاً على النظام العام" بعدما تعددت التظاهرات وأعمال الشغب ضد الفيلم (بما فيه اقتحام شبّان يمينيين إحدى الصالات وإلقاء حبر وبيض على الشاشة)٠ المنتج وزوجته حرما من عضوية النادي الذي كانا ينتميان إليه٠
لكن الفيلم اليوم، كما كان بالأمس، هو نموذج لما تستطيع الكاميرا فعله إذا ما تحررت كليّاً من النصوص التقليدية وأنماط العمل والواجبات المنطقية والتزمت تعبيراً لا ضوابط له٠ بالنسبة لمخرجه، كان بونويل أعلن ما تعنيه السينما السوريالية وكيف توفير شروطها في فيلمه السابق. في هذا الفيلم أحكم الطوق على تعريفه وأنجز عملاً تحبّه او تكرهه لا شأن له بك، لكن ما يدفعك للإقرار به هو أنه فيلم مختلف. تماماً كما سيصبح وضع بونويل في السينما الى حين وفاته٠

العدد المقبل: بونويل ما بين الحرب الأسبانية والهجرة الى المكسيك٠

سيرة‮|إبراهيم العريس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"منتزه شان-دي‮ ‬مارس"‬ الأيام الأخيرة لرئيس والأولى
لكتاب



‮»‬منتزه شان‮- ‬دي‮- ‬مارس‮« (‬او‮ »‬آخر ميتران‮« ‬كما ظهر في‮ ‬الأسواق‮ ‬غير الناطقة بالفرنسية‮) ‬هو،‮ ‬حسب مصادر فرنسية،‮ ‬أول فيلم روائي‮ ‬فرنسي‮ ‬عن رئيس جمهورية كما هو واحد من ثلاثة مهمة عن رؤساء جمهوريات خرجت في‮ ‬الأعوام القليلة الماضية‮ (‬لجانب‮ »‬شمس‮« ‬للروسي‮ ‬ألكسندر زوخوروف عن حياة الإمبراطور الياباني‮ ‬هيروهيتو‮ ‬و»طلقة الرئيس الأخيرة‮« (‬او‮ »‬ذلك العشيق‮«) ‬للكوري‮ ‬إم سانغ‮- ‬سو عن حياة‮ (‬وموت‮) ‬الرئيس الكوري‮ ‬الجنوبي‮ ‬بارك تشونغ‮ ‬هي‮). ‬الناقد‮ ‬إبراهيم العريس‮ ‬يتناول الكتاب والكاتب والفيلم في‮ ‬قراءة تطرح اسئلة في‮ ‬شؤون السير الذاتية المنقولة الى الشاشة‮. ‬
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليس هذا وجه أبي‮ ‬حقاً،‮ ‬غير أنني‮ ‬أقر بأن ثمة تشابها بين
الوجين‮. ‬وفي‮ ‬الأحوال كافة لست أدري‮ ‬حقاً‮ ‬ما هو شعوري‮ ‬
حين أرى ميشيل بوكيه‮ ‬يلعب دور والدي‮ ‬على الشاشة‮

بهذه الكلمات استقبلت مازارين،‮ ‬الإبنة‮ ‬غير الشرعية للرئيس الفرنسي‮ ‬الراحل فرانسوا ميتران،‮ ‬الصور الأولى التي‮ ‬عٌرضت عليها للممثل ميشيل بوكيه وهو‮ ‬يلعب،‮ ‬على الشاشة وتحت إدارة روبير‮ ‬غيديغيان دور أبيها في‮ ‬فيلم‮ »‬المنتزه في‮ ‬شان-دي‮ ‬مارس‮«. ‬غير أن رد فعل مازارين هذا،‮ ‬كان الأخف بين ردود فعل عديدة جابهت هذا الفيلم منذ بدء الحديث عنه ولا سيما في‮ ‬أوساط الحرس الميتراني‮ ‬القديم،‮ ‬اي‮ ‬بين أصدقاء ورفاق الرئيس السابق للجمهوريه والذي‮ ‬اعتبر واحداً‮ ‬من آخر رجال السياسة الكبار في‮ ‬التاريخ الفرنسي‮ ‬المعاصر‮.‬
والملفت أن معظم ردود الفعل كانت سلبية‮. ‬ليس فقط لأن هؤلاء أعتبروا رئيسهم السابق‮ »‬تابو‮« ‬لا‮ ‬يمكن المساس به،‮ ‬بل خاصة لأنهم فهموا بسرعة أن الفيلم مأخوذ،‮ ‬في‮ ‬الأصل،‮ ‬عن كتاب كان الصحافي‮ ‬جورج مارك بن عمو‮ -‬الذي‮ ‬كان آخر صحافي‮ ‬رافق ميتران‮- ‬قد وضعه بعد شهور من رحيل الرئيس،‮ ‬أي‮ ‬قبل تسع سنوات ونيف من اليوم.صحيح أن ميول بن عمو،‮ ‬بشكل عام،‮ ‬إشتراكية وتلتقي‮ ‬مع ميول ميتران وصحبه،‮ ‬لكن الصحافي‮ ‬الشاب حرص في‮ ‬كتابه على أن‮ ‬يدنو من بعض الأمور،‮ ‬الخاصة والعامة،‮ ‬التي‮ ‬كان‮ ‬غلاة الميترانيين‮ ‬يفضلون عدم الخوض فيها‮. ‬يومها هاجموا الكتاب وقاطعوه،‮ ‬لكن تصرّفهم أدّى الى عكس ما هو مطلوب‮: ‬ساهم كل ذلك الضجيج في‮ ‬رواج الكتاب‮. ‬أما حين سمعوا بأن الفيلم المأخوذ عن الكتاب بات على وشك أن‮ ‬يُنجز فقد ازداد صخبهم وراحوا‮ ‬يدلون بتصريحات عديدة ومعادية،‮ ‬حتى من دون أن‮ ‬يشاهد أي‮ ‬منهم الفيلم او‮ ‬يعرف،‮ ‬حقاً،‮ ‬كيف سيتحدث عن ميتران‮.‬
بعد ذلك،‮ ‬حين عرض الفيلم في‮ ‬شباط‮/ ‬فبراير‮ ‬2005،‮ ‬وفي‮ ‬الذكرة العاشرة لرحيل فرانسوا ميتران هدأ الضجيج وبدا الأمر أقل خطورة مما تصوّروا‮. ‬بل أن كثيراً‮ ‬منهم ناصروا الفيلم مفضلينه على الكتاب‮. ‬وكان السبب بسيطاً‮: ‬الفيلم لم‮ ‬يأت في‮ ‬نهاية أمره ليفضح أي‮ ‬شيء في‮ ‬حياة رجل‮. ‬يخشى رفاقه دائما من أن‮ ‬يفضح أحد ما أموراً‮ ‬لا تزال خافية في‮ ‬حياته ونشاطه السياسي،‮ ‬بل أتى‭ ‬ممجّداً‮ ‬له ولأفكاره‮ ‬يصوّر أيامه الأخيرة ولكن‮ -‬وهنا بيت القصيد‮- ‬منظورا اليها من وجهة نظر ذلك الصحافي‮ ‬الذي‮ ‬رافقه في‮ ‬حله وترحاله في‮ ‬تلك الأيام مسجلاً‮ ‬أقواله وأفعاله،‮ ‬لؤمه على الآخرين،‮ ‬تأملاته في‮ ‬الحياة وفي‮ ‬السياسة‮. ‬إحتفاره لبعض ذو النفوس الصغيرة‮. ‬إبداعه في‮ ‬العلاقات الدولية‮... ‬وكل تلك الأمور الأخرى التي‮ ‬عهدت عن‮ »‬رجل الوردة‮« ‬كما كان‮ ‬يوصف عادة إنطلاقاً‮ ‬من شعار الوردة‮. ‬شعار حزبه الإشتراكي‮.‬

•‮ ‬ولادة كتاب‮ ‬•
أمام هذه النتيجة التي‮ ‬تمخض عنها الفيلم،‮ ‬هدأت العاصفة الى حد كبير،‮ ‬فالفيلم جاء في‮ ‬نهاية أمره فيلماً‮ ‬عن ولادة كتاب أكثر مما جاء فيلماً‮ ‬عن موت رئيس وزعيم‮. ‬ذلك أن التزاوج هنا أتي‮ ‬خلافاً‮ ‬وذا دلالة بين فرانسوا ميتران وهو‮ ‬يكتشف إصابته بالسرطان ويعرف أنه سوف لن‮ ‬يعيش سوى فترة محدودة أخرى من الزمن،‮ ‬وبين الحياة الخاصة‮ -‬والموازية‮- ‬لذلك الصحافي‮ ‬الذي‮ ‬اختار الرئيس أن‮ ‬يبثّه همومه وأفكاره،‮ ‬حينا وهما‮ ‬يتنزّهان في‮ »‬شان-ديمارس‮« (‬ومن هنا عنوان الفيلم الأصلي‮) ‬وحينا وهما في‮ ‬طائرة تقل ميتران الى لقاء جماهيري‮. ‬حيناً‮ ‬والرئيس‮ ‬يراقب رفاقه وهم‮ ‬يتخبّطون في‮ ‬سياساتهم الخرقاء،‮ ‬وأحياناً‮ ‬وهو على فراش المرض ثم الموت‮.‬
غير أن هذا كله لا‮ ‬يقدم إلينا في‮ ‬الفيلم بصورة سينمائية مباشرة،‮ ‬بل دائماً‮ ‬من منظور ذلك الصحافي‮ ‬الذي‮ ‬يعيش طوال ساعتي‮ ‬الفيلم آلام مخاض كتابه‮. ‬ويتحمّل نزوات صديقه الرئيس العجوز،‮ ‬ويجابه أسرته التي‮ ‬تبدو رمتطرفة أحياناً‮ -‬وهي‮ ‬أسرة شيوعية‮- ‬في‮ ‬عدائها لميتران وحديثها عن‮ »‬خيانته‮« ‬للأفكار الإشتراكية‮. ‬والحقيقة أن هذا كله أسفر عن فيلم‮ ‬غريب ومحيّر‮.‬
أشرنا أعلاه إذاً‮ ‬الى أننا هنا أمام فيلم‮ ‬يتحدّث عن ولادة كتاب‮. ‬ولعل هذا هو الجانب المحيّر أكثر من‮ ‬غيره في‮ ‬الحديث عن هذا الفيلم،‮ ‬وبالتحديد لأن الكتاب صار هو‮ »‬بطل‮« ‬الفيلم هنا‮. ‬ويبدو الأمر مثل تطبيق للنطرية التي‮ ‬ينقلها الكاتب الأرجنتيني‮ ‬الكبير جورج لوي‮ ‬بورغيس عن لوتريامان وفحواها أن كل أحداث العالم وكل شخصيات العالم تبدو وكأنها كانت حتى‮ ‬ينتهي‮ ‬بها الأمر داخل كتاب‮. ‬
ما‮ ‬يحدث أمامنا في‮ »‬منتزه‮« ‬شان دي‮ ‬مارس هو بالتحديد هذا‮: ‬إن الكاتب الشاب وهو الشخصية المحورية في‮ ‬الفيلم،‮ ‬طالما أن ميتران لا‮ ‬يٌرى الا من منظوره،‮ ‬مهتم أساساً‮ ‬بإنجاز كتابه عن الرئيس‮. ‬في‮ ‬وقت‮ ‬يعيش فيه الرئيس،‮ ‬ليس فقط أيام حكمه الأخيرة،‮ ‬بل كذلك أيام حياته الأخيرة‮. ‬ومن هنا نجده في‮ ‬سباق مع الزمن‮. ‬لكنه أيضاً‮ ‬في‮ ‬سباق وسجال مع أفكاره‮. ‬وأسئلته الأساسية تدور من حول أخلاقية الكتابة‮. ‬ولا سيما أخلاقية الكتابة عن التاريخ المعاصر‮: ‬حين نضع كتاباً‮ ‬عن شخص لا‮ ‬يزال حياً‮ ‬بيننا او لا تزال ذكراه وأفعاله راهنة ماثلة أمامنا،‮ ‬ما الذي‮ ‬نختار أن نضعه في‮ ‬الكتاب؟ الحقيقة؟ الحقيقة كلها؟ ولكن من‮ ‬يملك الحقيقة؟ ومن أين‮ ‬يؤتى بها؟ فإذا اخترنا مقاطع من الحياة،‮ ‬وأجزاء من الأفكار،‮ ‬كيف‮ ‬يمكننا أن نختار وتبعاً‮ ‬لأية معايير؟ إن الإختيار،‮ ‬ومهما كانت تفاصيله،‮ ‬سيكون موقفاً‮. ‬فهل على الكاتب أن‮ ‬يسجل موقفه؟ أم موقف صاحب العلاقة؟ وهلا‮ ‬يرتبط هذا بالقاريء الذي‮ ‬يتوجه إليه المرء في‮ ‬كتابه؟ ثم من هو هذا القاريء وكيف تضمن تفاعله؟ وهل هو قاريء واحد؟ وبعد ذلك‮ ‬يأتي‮ ‬سؤال أكثر حسماً‮: ‬ما هي‮ ‬علاقة الكاتب تفسه بما‮ ‬يكتب وبمن‮ ‬يكتب عنه؟ وهذه العلاقة هل‮ ‬يجب أن ترشح في‮ ‬ثنايا الكتاب؟

•‮ ‬الشخصية المحاصرة‮ ‬•
إنها اسئلة عديدة‮ ‬يطرحها هذا الفيلم من خلال طرح الكتاب لها وقد لا‮ ‬يخفف من حدتها وأهميها أن‮ ‬يقول جورج‮- ‬مارك بن عمو لاحقاً‮ ‬بصدد الحديث عن كتابه‮: "‬طوال الفترة التي‮ ‬صاحبت فيها الرئيس الراحل لكي‮ ‬أضع كتابي‮ ‬عنه،‮ ‬كنت أشعر أنني‮ ‬مثل المنوّم مغناطيسيا‮". ‬والحقيقة أن هذا‮ ‬يبدو واضحاً‮ ‬في‮ ‬الفيلم،‮ ‬لا في‮ ‬ثنايا الكتاب،‮ ‬الى درجة أننا نشعر في‮ ‬مشاهدة عديدة بشيء من إختناق البطل الصحافي‮ ‬الشاب‮ (‬ويقوم بدور جليل لسبير‮) ‬ورغبته العارمة في‮ ‬لحظات كثيرة بالإفلات من أسر الشخصية التي‮ ‬تحاصره تماماً‮: ‬شخصية ميتران وقد وجد في‮ ‬بن عمو مرآة له‮ ‬يبثها أفكاره وسخريته ووداعه لهذا العالم‮. ‬ومن هنا‮ ‬يصبح الفيلم‮ -‬أكثر من الكتاب بالطبع‮- ‬فعل مجابهة بين شخصين‮: ‬أحدهما سياسي‮ ‬كبير‮ ‬يريد أن‮ ‬يقترب من ذاته ودواخلها من خلال صديقه الشاب‮. ‬ميتران الذي‮ ‬لفرط ما خاض السياسة منذ كان أصغر سناً‮ ‬من هذا الصحافي‮ ‬الشاب،‮ ‬نسى ما هو داخل نفسه‮ - ‬وحتى وإن كان سيبدو لنا مغرقاً‮ ‬في‮ ‬أنانيّته‮. ‬وثانيهما،‮ ‬صحفي‮ ‬شاب‮ ‬يخوض معترك الكتابة السياسية ويتطلع من خلالها الى الخروج من ذاته الضيّقة الى العالم كله والى العالم الموضوعي‮. ‬
نحن هنا،‮ ‬إنطلاقاً‮ ‬من تفاعل هاتين الشخصيّتين،‮ ‬إذاً،‮ ‬أمام صورة مثالية لفكرة لم تكف أبداً‮ ‬عن مداعبة خيال كبار الكتّاب المبدعين في‮ ‬تاريخ الأدب‮: ‬فكرة محورها السؤال عمن‮ ‬يتلاعب بالآخر‮. ‬حين‮ ‬يخلق مبدع ما‮ ‬شخصية من شخصياته من هو المسيطر؟ الكاتب او الشخصية؟ وهل‮ ‬يمكن أن تكون للشخصية سمات تجعلها حرة في‮ ‬تصرّفاتها؟ بل هل‮ ‬يمكن للكاتب أن‮ ‬يعيش حياته بحرية بينما هو مقدم على إبداع شخصية‮ ‬يريد أن‮ ‬يسبغ‮ ‬عليها صورة حياة ما؟
بكلمات أخرى‮: ‬هل‮ ‬يكون كاتبنا الشاب هنا منكباً‮ ‬على وضع كتابه عن فرانسوا ميتران الحقيقي‮ ‬السياسي‮ ‬الداهية؟ ما هو مدى الحرية المتاحة له في‮ ‬مجال إعادة خلقه تلك الشخصية على الورق؟ ثم في‮ ‬الفيلم؟ والى أي‮ ‬مدى‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يجعل من رسم شخصية معيّنة إسقاطاً‮ ‬لشخصيات أخرى؟
مثلاً‮ ‬حين نشاهد‮ »‬الإسكندر‮« ‬لأوليڤر ستون نفهم بسرعة إننا لسنا هنا أمام الإسكندر التاريخي‮ ‬وحده،‮ ‬بل أمام ما أراد ستون منا أن نفهمه‮. ‬إن الإسكندر قد‮ ‬يكون جورج بوش في‮ ‬عملية إسقاط واضحة،‮ ‬ذلك أننا فيما نشاهد‮ »‬التاريخ‮« ‬مروياً‮ ‬لنا،‮ ‬لا‮ ‬يمكننا أن نشاهده الا إنطلاقا من مرشح همومنا الراهنة‮. ‬فإين هو فرانسوا ميتران‮- ‬الفيلم من هذا الأسلوب في‮ ‬التعاطي‮ ‬مع التاريخ؟‮ ‬
حسناً،‮ ‬قد‮ ‬يبدو من الصعب هنا أن نتعامل مع شخصية لها من طغيان الحضور الراهن ما لشخصية فرانسوا ميتران،‮ ‬كما نتعامل مع أخرى‭ ‬أسطرها التاريخ من طينة الإسكندر‮. ‬ومع هذا،‮ ‬ربما‮ ‬يصح أن نقول أن ثمّة قاسماً‮ ‬مشتركاً‮ ‬شديد الوضوح بين الفيلمين والرؤيتين الفكريتين لهما‮: ‬ففي‮ ‬فيلم ستون،‮ ‬ثمّة تأمل حقيقي‮ ‬حول مفهوم السلطة وكيف تُبنى وكيف تنهار‮. ‬ومثل هذا التأمل‮ ‬يمكننا تلمسه بسهولهة في‮ »‬منتزه شان دي‮ ‬مارس‮« ‬ذلك أن فرانسوا ميتران في‮ ‬هذا الفيلم لا‮ ‬يعود كائناً‮ ‬حقيقياً‮ ‬من لحم ودم،‮ ‬بل‮ ‬يصبح كتلة من الأفكار والمواقف‮. ‬يصبح صاحب سلطة حاذقاً‮ ‬وذكياً‮. ‬وضحت له الأمور في‮ ‬آخر أيام حياته،‮ ‬وبعدما صارت السلطة المادية المباشرة بعيدة عنه لتحل محلها سلطته المعنوية‮. ‬وهذا ما‮ ‬يتيح له أن‮ ‬يقف ليتأمل مستخلصا العبر‮. ‬ولعله في‮ ‬هذا‮ ‬يبدو أقرب الى مارك أويلوس المتأمل في‮ ‬أحوال الدنيا والكون منه الى أي‮ ‬زعيم آخر‮.‬

ميشيل بوكيه
•‮ ‬بحثاً‮ ‬عن الأسطورة‮ ‬•
ولعل هذا الجانب الذي‮ ‬هو أساسي‮ ‬في‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬هو ما هدّأ من‮ ‬غلواه‮ ‬غلاة الميترانيين،‮ ‬إذ أدركوا أن الفيلم لم‮ ‬يأت في‮ ‬نهاية الأمر فيلماً‮ ‬عن فرانسوا ميتران،‮ ‬الإنسان او الرئيس،‮ ‬صحاب المواقف او صاحب الفضائح،‮ ‬بل بالتحديد فيلما عن ولادة كتاب وعن تأمّلات إنسان حكيم،‮ ‬ناهيك بجانب آخر‮ ‬يطاوله الفيلم بعفوية لكنه‮ ‬يأتي‮ ‬في‮ ‬خضم سجال طويل ودائم حول تقديم الأحداث والشخصيات المعروفة في‮ ‬السينما‮. ‬فمن المعروف في‮ ‬عالم السينما أن الصورة،‮ ‬على عكس الكلمة،‮ ‬تنحو الى مسح مبدأ تخيل المتفرج لصورة الشخصيات التي‮ ‬يعرفها او قرأ عنها،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك شخصية الأساطير الراسخة،‮ ‬حيث،‮ ‬في‮ ‬القراءة،‮ ‬يبدو القاريء مشاركا على الأقل في‮ ‬رسم صورة الشخصيات في‮ ‬خياله‮. ‬ما‮ ‬يعطيها حياة مختلفة،‮ ‬شكلياً‮ ‬على الأقل،‮ ‬عن حياتها التي‮ ‬خطها قلم الكاتب‮. ‬ما‮ ‬يجعل خيال القاريء،‮ ‬واللغة نفسها مرشّحين تمر الصور عبرهما لتبقى له أسطوريته‮ - ‬ونعرف إنه حتى الشخصيات التاريخية الحقيقية لا‮ ‬يمكن أن تعيش في‮ ‬الأب او الكتاب بشكل عام الا إذا خُلقت لها أسوطرية ما‮. ‬أما حين‮ ‬يتحول النص-والشخصيات‮- ‬الى الشاشة فإن بصرية الصورة تنحو الى إعطاء الشخصية،‮ ‬او الحدث،‮ ‬إيهام واقع‮ ‬يبدّل من شكلهما تماما ما‮ ‬يبعد خيال المتفرج واللغة كوسيطين ويضفي‮ ‬عليهما‮ »‬مصداقية‮« ‬غالبا ما تنسف الأطورة وبالتالي‮ ‬تنسف إنسحار المتفرج بها‮. ‬ومن هنا عمد كبار الفنانين دائما الى أن‮ ‬يقدّموا لنا الشخصيات عبر وسيط‭ ‬‮(‬هو الكورس أحيانا،‮ ‬والراي‮ ‬في‮ ‬أحيان أخرى‮) ‬ما‮ ‬يضفي‮ ‬على الأحداث مجدداً‮ ‬طابع الأسطورة إذ تصبح مروية عبر وسيط ما،‮ ‬لا معروضة على الشاشة في‮ ‬صورة تتوخى أن تكون نهائية‮. ‬هذا ما فعله أوليڤر ستون مثلا حين جعل بطليموس،‮ ‬في‮ ‬الإسكندرية،‮ ‬هو الذي‮ ‬يروي‮ ‬لنا حياة الإسكندر‮. ‬وهذا ما‮ ‬يفعله أيضا،‮ ‬وبصورة خاصة فيلم‮ »‬منتزة سان-دي‮- ‬مارس‮« ‬حيث نشعر في‮ ‬كل لحظة أن ما نراه-حتى وإن كنا نعرفه تاريخيا‮- ‬إنما هو شيء‮ ‬يُروى‮. ‬ومن وجهة نظر محددة‮. ‬هي‮ ‬وجهة نظر مؤلف الكتاب‮. ‬وهذا في‮ ‬رأينا،‮ ‬واحد من أبرز الأمور المطروحة عمليا في‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬حتى وإن سلمنا بأنه لا‮ ‬يمكن إعتباره بأي‮ ‬حال تحفة سينمائية‮.‬


فيلم | ميسر المسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Caché (Hidden)

حَصَلَ المخرج النمساوي – ميكائيل هانكه – على السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي لهذا العام. هانكه ليس جديدا على كان وأفلامه غالبا ما نالت تكريما ما فيه. و هنا إطلالة على فيلمه السابق في المهرجان "مخفي" والذي نـَالَ عنه جائزة أفضل مخرج في العام 2005 ، كما حَصَلَ الفرنسي – دانيال أوتوي – على جائزة أفضل ممثل عن دوره فيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يبدأ الفيلم بلقطة تأسيسية طويلة لبيت عادي في شارع باريسي هاديء. الكاميرا ثابتة، وهي من وجهة نظر موضوعية تبدو كاميرا المخرج الذي سيروي لنا حكاية فيلمه. لكننا بعد زمن ليس بالقصير نسمع حوارا من خارج الكادر يتسائل طرفاه عن المغزى مما نراه و من الذي يُصّور. و من ثم ندرك أن هذا المشهد الطويل إنما هو جزء من شريط فيديو يشاهده جورج ( دانيال أوتوي ) و آن ( جولييت بينوش ) اللذان عثرا على الشريط على عتبة مدخل منزلهما الذي شكـّلت و اجهته التي راقبناها لفترة، مدخلا لفيلم ميكائيل هانكه المُركـّب و الذي بتكراره لواقعة الفيلم- داخل- الفيلم يجعل المُشاهد في ترقب دائم لما هو "واقعي" من غيره. كما أن طول اللقطة التأسيسية الأولى يخلق لدينا الإحساس بأن هناك شخص ما مُختبيء في زاوية ما و هو يراقب شخصيات الفيلم معنا.
لغة هانكه البصرية تـُدخلنا، و من المشهد الأول ذاك، في صلب قضية الفيلم القابلة للقراءة على أكثر من مستوى. والفيلم قد يحتاج لإن نـُفصّل بعض جوانب حكايته قبل الدخول في قراءة مستوياته.

جورج، مذيع تلفزيوني يقدّم برنامجا ناجحا عن الإصدارات الأدبية، أما آن، زوجته فهي تعمل في حقل النشر. تبدو حياتهما، في ظاهرها، مستقرّة بحيث أن المشاكل العادية لإبنهما الذي على وشك البلوغ تكاد تكون أكثر ما يشغلهما٠

حياة عادية و مستقرّة إلى حين أن عثرا على النسخة الأولى من شريط الفيديو الذي يراقب منزلهما من الخارج. ثم بدأ الأمر يتحول إلى أكثر من مجرد لهو حين أصبحت النسخ التالية من الفيلم يرافقها هما بالذات؟ تحت ضغط هذه التساؤلات و القلق الناتج عن إحساس المرءبأنه مُراقب، بدأت الشروخ الأولى في حياة الزوجين بالظهور و الإتساع. الزوجة تشعر أن الزوج الذي تطارده الكوابيس ليلا ، يعلم شيئا لكنه يخفيه عنها. يـُقلقها الأمر و يسؤها أزمة الثقة المُستجدّة مع الزوج الذي يراوغ و يتنصل من أسئلتها٠

تستمر الأشرطة بالوصول لكنها هذه المرّة تحمل طابع الإستدراج. فهي مرّة تصور البيت الذي نشأ ضاحية باريسية. يتبع جورج الأثر و يلتقي في ذلك المبنى برجل ٍ جزائري الأصل إسمه ماجد ( موريس بنيشو) كان والديه يعملان لدى والديّ جورج و قد قـُتلا في المذبحة في العاصمة الفرنسية عام 1961. أرادَ والديّ جورج تبني الطفل بعد مقتل والديه لكن جورج الذي كان يبلغ السادسة حينها أستنكرَ الأمر و دَبّرَ مكيدة للتخلص من الصبي الجزائري الذي أصبح الآن رجلا و ها هو يقف أمامه في شقة تعسة في مبنى للمهاجرين.
جورج يتهم ماجد بأنه وراء الأشرطة التي تكاد تدمّر حياته لكن ماجد ينفي علاقته و معرفته بالأمر كاملا . جورج يهدد ماجد، لكن الأشرطة تستمر في الظهور عند عتبة الباب. تعتقل الشرطة الفرنسية ماجد و إبنه وتطلقهما لعدم توافر الأدلـّة.
وفي لحظة يأس وجودي صارخ، يهتف ماجد إلى جورج طالبا حضوره إلى شقته البائسة حيث ينتحر أمامه في مشهد هاذي العنف رغم أنه لا يستمر أكثر من ثانيتين.
ينتهي الفيلم بمشهد أيضا طويل و الكاميرا فيه ثابتة حيث نرى جمعا من الطلاب في نهاية الدوام المدرسي. يحملنا المشهد و مدته الزمنية، على الإحساس على أنه ما زالَ هناك أحدا ما في زاوية ما يراقب الأحداث معنا، كما يحتاج المشهد لتدقيق شديد حتى نرى أن هناك بين جمع الطلاب شابين يتحدثان، دون أن نسمع ما يقوله كل ٍ للآخر، ثم يتودعان. الشابان هما إبن جورج ... و إبن ماجد!


عنوان الفيلم يشي بما يريده ميكائيل هانكه من سيرة العائلة التي يمزقها إحساس غامض بإن هناك شيئا في الماضي يجب إخفاؤه. سيرة جورج الذي يحاول دفن ماضيه لخشيته من مواجهته هو سيرة فرنسا التي، إلى اليوم، لم تواجه ماضيها الإستعماري الدموي الذي تتكشف كل عام بعض الجوانب المفزعة منه. لم يكن عبثا أن هانكه أختار الرجل الآخر جزائريا . كما أنه ليس عبثا أن جزءا من الفيلم يدور فيما في خلفية الصورة تقارير إخبارية عن الغزو الأميركي للعراق. هانكه لا يقصر رؤياه على فرنسا بل على كل تلك الذاكرة الدموية التي يتم تركيبها اليوم و التي سيحاول من يقترفها اليوم أن يدفنها غدا . كما ليس عبثا أن يكون جورج مذيعا لامعا لبرنامج أدبي ناجح. فالمخرج يطرح تساؤله هنا عن دور الإعلام في "تطهير" الذاكرة الجمعية لأمّة من ماضيها المروع٠
حين يتواجه إبن ماجد مع جورج في مبنى التلفزيون، يكرر جورج دون إقناع، حتى لذاته، أنه لا يشعر بأي عقدة ذنب من إنتحار ماجد فيجيبه الإبن بهدوء: "لا أعرف كيف تستطيع أن تحتمل ضميرك."٠
المشهد الأخير الذي يلتقي فيه إبنيّ ماجد و جورج أثار َ الكثير من التساؤلات. البعض رأى فيه أنه ترحيل لأزمة الدمّ و الماضي و عقدة الذنب من جيل إلى جيل. فيما قرأ البعض في الإيحاءات الودية في إشارات الشابين (بما أننا لا نسمع ما يقولان) أن الجيل القادم قد يجد وسيلة للخلاص من إرث الماضي الثقيل. هانكه و في لقاء له، ترك َ الباب مواربا ليقرأ كل مُشاهد ما يراه و يعتقده في ذلك المشهد. لكن الأكيد أن هانكه أرادَ أن يقول أنه مهما كانت الرؤية فالأمر شديد الصعوبة، فنحن بالكاد نلاحظ الشابين ضمن الحشد. بل و أني متأكد أن البعض لم يشاهدهما أبدا رغم طول اللقطة الثابتة الإستثنائي٠

بصريا ، يشبه البعض أسلوب هانكه هنا بأسلوب الإيطالي الكبير أنطونيوني. لا أعلم كمّ سيغُضب هذا القول أتباع أنطونيوني، لكن بغض النظر عن المقارنات فمما لا شك فيه أن ميائيل هانكه متمكن من أدواته الفنية و التي عبرها يخلق هذا التوتر لدى المـُشاهد في السعي لإدراك ما الذي يشاهده، هل هو الفيلم "الواقعي"؟ أم أنه شريط فيديو المراقبة و خصوصا أن الإثنين مصوران بنفس التقنية و الوضوح. كما أن إصرار هانكه على عدم التوضيح في نهاية الفيلم من كان وراء تلك الأشرطة (رغم إستمرار كوابيس جورج) هو تأكيد على أن الفاعل غير مهم بقدر ما يهم أثارته تلك الأشرطة من أزمة مواجهة الماضي و...الذات.
من يشاهد الفيلم و في رأسه ما أعتاده من سينما هوليوودية تجنح إلى حَلّ كل العقد و تفسير دوافع الأحداث عند نهاية الفيلم، سيخيب أمله. هانكه لا يلهث وراء الحلول بل هو يغوص في الدوافع المفترضة و التي يترك تفسيرها لرؤية كل مشاهد و مفاهيمه و ثقافته و خلفيته الفكرية٠

الألوان هنا تلعب أيضا دورا في التعبير عن حال الشخصيات. فالحياة الهادئة التي كان يعيشها جورج و آن، يريد هانكه أن يوحي لنا أنها كانت باردة و دون حرارة. فمواد الديكور كما الألوان في منزلهما يطغي عليها الأبيض والرمادي و كذلك ما ترتديه آن حيث تراوحَ بين الأسود و الرمادي الغامق. و يأتي ذلك متناقضا مع ألوان البيت القديم الذي ترعرع فيه جورج حيث نرى الأريكة الجلدية البنّية و الوسائد الملونة٠


دانيال أوتوي ممتاز في دور الرجل الذي يكافح حتى لا يواجه ماضيه و ذلك مع جهده في أن يحافظ أمام الآخرين على الواجهة الهادئة لحياة أسرة بورجوازية عاملة. جولييت بينوش ذات حضور أعتدنا على قوته. لكن اللافت حقا هو موريس بينشو في دور الرجل الجزائري و تلك العشرة دقائق الرائعة التي لعبها حين لقاؤه الأول مع جورج بعد سنوات. رجلٌ هزيمته يعلنها مكان اللقاء و هو شقته البائسة في بناء بائس. رجلٌ كان يمكن أن يكون ندّا لجورج لو أن الأخير لم يكيد له، و مع ذلك فعليه الآن تحمّل إذلال إتهامه بأنه وراء الأشرطة التي تكاد تمزق حياة جورج٠


استعادة | زياد عبد الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن المدينة والأفلام: "ماما روما" لبيير باولو بازوليني

آخر مرّة شاهدت فيها فيلم بيير باولو بازوليني " ماما روما" أعجبني أكثر من المرّتين السابقتين اللتين شاهدت فيهما الفيلم. الزميل زياد عبد الله يقبض على السبب في هذه المراجعة الكاشفة عن شخصية المخرج وشخصية فيلمه٠



هل يكفي أن ترد كلمة «روما» في عنوان فيلم لنفكر في المدينة، في عاصمة إيطاليا تحديداً، أم أنها المدينة التي خلدتها السينما قبل أي شيء آخر، وأفلام كثيرة تتلامح في الذاكرة عنها. نمضي خلف الإجابة، وفي الذهن فيلم بيير بابلو بازوليني «ماما روما» 1962 ،فإذا به يعيدنا في الذاكرة إلى «روما» فديريكو فيليني عام 1972 ،وكيف يتركها في النهاية تحت رحمة اجتياح الدراجات النارية، وهي تزأر وتبدد سكينة الليل، وعلى شيء من غوغائية الأصوات الصادرة عنها واجتياحها المجنون بكل ما تمثله الدراجات من استباحة لمدينة تاريخية، مثل روما ، حين تكون بكاملها تحت رحمة عجلاتها٠

ولعل المسعى للحديث عن فيلم بازوليني سيعيدنا أيضاً إلى ما اعتبر فاتحة الواقعية الإيطالية الجديدة، أي إلى فيلم «روما مدينة مفتوحة» 1945 لربرتو روسيليني، وقد ساهم فلليني في كتابته، وقدم توثيقاً حصيفاً للمقاومة الإيطالية ضد النازية عبر قصة جيرار منفريدي القائد المقاوم، وملاحقة الألمان له، ولجوئه إلى صديقه عامل المطبعة فرانشيسكو، واستعانة مانفريدي بالأب مورسيني للقيام بمهامه، عبر تسليم المقاومة مبالغ مالية، وغير ذلك، إلى أن تلقي القوات الألمانية القبض عليهم جميعاً، فيموت منفريدي تحت التعذيب، ومن ثم يتم إعدام الأب مورسيني رمياً بالرصاص وعلى مرأى من الأطفال الذين يرعاهم في الكنيسة . وفي مشهد ختامي يضيء الأمل عبر الطفولة، الثيمة الحاضرة في جميع الأفلام التي جاءت من بعده٠

الآن، لن نستسلم لمزيد من الأفلام عن روما، سنمضي إلى «ماما روما» بازوليني، ونحن نحاول منع أنفسنا من الحديث عن ميلانو مثلاً التي شكلت محور اهتمام السينما الإيطالية، على اعتبارها المدينة الصناعية التي حملت كل تطورات إيطاليا واستثماراتها بعد الحرب العالمية الثانية، ولنلقي الضوء على ذلك في مقال آخر، لئلا نفوت الحديث عن فيلم بازوليني وآنا مانياني التي لعبت دور ماما روما مشكلة عاملاً رئيساً في نجاح ذلك الفيلم الغائم٠

ونقصد بالغائم كونه جوبه باعتراضات كبيرة في أثناء عرضه في مهرجان البندقية، ووصف على الدوام بالفيلم اللاأخلاقي، إلى درجة الوقوع على اكتشاف مدهش يتمثل بأنه بقي ممنوعاً في الولايات المتحدة حتى عام 1990 ،أي لأكثر من 28 سنة، وتم عرضه على يد مارتن سكورسيزي في فعالية نظمها خصيصاً للاحتفاء بالسينما الإيطالية التي يعتبرها معشوقته الأبدية.

لن نتوقف كثيراً عند هذا المنع العجيب، كوننا على قناعة راسخة بأن الرقابة، أينما وجدت، تمثل أغرب ما توصلت إليه البشرية، مع امتلاكها قدرة خارقة وأبدية على إدهاشنا٠

يقدم بازوليني في «ماما روما» ما يمكن وصفه بدراما مأزومة، ومصاغة وفق زوايا متعددة يتشابك فيها الاجتماعي بالاقتصادي والنفسي والديني، أو ما يمكن اعتبارها خلطة بازوليني الأثيرة، ومنبع مقارباته الإبداعية، فنحن أمام دور مكتوب لآنا مانيني التي ما إن شاهدت أول أفلام بازوليني «أكاتوني»، حتى سألته أن يقدم لها دوراً في أفلامه، ولتأتي شخصية ماما روما كما لو أن بازوليني فصّلها تماماً على مقاس وقدرات مانياني، فالشخصية البذيئة صاحبة الصوت العالي، سرعان ما نكتشف أنها بائعة هوى سابقة في منتصف العمر، تعود إلى قريتها لاستعادة ابنها المراهق، وقد تخلت عن مهنتها المذلة، واشترت بيتاً وصارت تعمل في بيع الخضار


وعليه يمضي الفيلم في تتبع علاقة الأم بابنها، والعالم الذي تسعى إلى تقديمه إليه، وتحالف كل شيء حولها على فشلها، رغم فعلها المستحيل بكل ما تعنيه الكلمة، فحين تجد ابنها عالقاً في غرام امرأة لعوب، تهب نفسها لكل رفاقه، تسأل مساعدة زميلتها في مهنتها السابقة لتنسيه تلك المرأة عبر جعله يتذوق غرام امرأة غيرها، كما أنها تلجأ إلى حيلة كبيرة لتساعد ابنها على الحصول على عمل٠

كل ذلك سيكون قبض الريح في النهاية، سيهجم عليها ماضيها من اللحظة التي تأتي فيها بابنها إلى روما، وسيكون تعليمه له رقص التانغو لحظات فرح عابرة مثلما هو حالها حين تحضر له دراجة نارية وتركب خلفه ويمضيا في رحلة طويلة في شوارع روما٠

سيكتشف الابن ماضي أمه، وسيمضي في الانحراف مع رفاقه، إلى أن يصل إلى نهاية يصورها على شيء من مشاهد صلب المسيح، الموروث الديني الذي يستعين به بازوليني دائماً٠

في الفيلم رصد اجتماعي خاص، وبحث مؤلم في مطامح من في العالم السفلي أو المضطهدين اجتماعياً في التغيير، وممارسة حياة طبيعية، ويبدو أن بازوليني يقول إن ماما روما تأخرت في استدراكها وربما على شيء من اللعنة التي ستلاحقها دائما، أو في مسعى لمجاز ما إن كانت روما المدينة هي ماما روما، وابنها الذي يقدم أضحية لواقع كامل له شروطه الاجتماعية والاقتصادية التي ترسم قدره٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular