Jun 11, 2009

Issue 427 | Marco Belloccio | Pierre Salvadore | Keaton & Chaplin

هذا العدد
ما عنيت في مقدّمة العدد الماضي بكلمة العودة الى الأولويات هو ممارسة تفكير المجلة الصحافية كما يجب أن تكون٠ غير خاف على القراء أنه سواء اعتبر المرء هذا الموقع مجلة او منحها إسماً آخر، فإنه، بنوعية مقالاته، وبترتيبه وما يتألّف منه هو "جورنال" شبه يومي ومعالَج بأسلوب صحافي. بكلمات أخرى، تستطيع أن تتصوّر مقالات ومواضيع هذا الموقع تصب طبيعياً بين غلافي مجلة ورقية لو أتيح لها هذا٠
التغيير الأهم هو التأكيد على هذا المنحى عبر تخصيص العواميد للزوايا المختلفة عوض شكلها السابق الذي كان أكثر اختلاطاً٠
مواضيع هذا العدد تشهد عودة »أوراق ناقد« (الذي لم أكن واثقاً من شيوعها) لتحوي ما حوته دائماً من رأي وتعليق على شكل أكثر إسهاباً بعض الشيء مما كانت عليه. لنقل صفحتان من مجلة مطبوعة قبل الدخول الى معمعة المواضيع التي اخترت منها ثلاثة لهذا العدد: نديم جرجورة يحيطنا علماً بما قاله المخرج الإيطالي ماركو بيلوتشيو عن فيلمه »إنتصار« (عرض داخل مسابقة كان) وهوڤيك حبشيان يجري مقابلة مهمّة أخرى، هذه المرّة مع مخرج فرنسي أسمه بيار سلفادوري الذي يفتح أوراقه وأفلامه للزميل. أما أنا فاكتشفت موضوعاً كنت كتبته قبل سنوات ولا أعتقد أني نشرته بعد٠ وكنت أود تخصيص العدد بدراسة عن السينما الجزائرية وهي حاضرة لكن المجال ضاق وعليه صار لزاما أن ننتظر الى العدد المقبل٠
لا تترددوا رجاءاً في طرح الاسئلة او التعليق وإذا كان لديكم موضوعاً تريدون مني التطرّق اليه فاطلبوه٠


أوراق ناقد | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت لا لصوفيا كوبولا

قبل ثلاثة أيام رسالة على الإيمايل من فتاة أسمها كورتني برايت تطلب مني الإتصال بها هاتفياً. بعض المعلومات بخصوص الموضوع: يبحثون عن رجال إعلام أجانب (أي غير أميركيين) يمثّلون دولاً ليست بالضرورة أنغلو-ساكسونية، للتمثيل في فيلم صوفيا كوبولا الجديد "في مكان ما"٠
اتصلت طبعاً وأخبرتني كورتني بصوت عذب أنها تأمل في نيل موافقتي على الظهور في هذا الفيلم. سألتها بعض التفاصيل فقالت
المشهد سيكون في قاعة صحافية. من بين الصحافيين الموجودين سنختار خمسة لكي يطرحوا اسئلة٠
وكيف أعلم أنني سأكون واحداً من هؤلاء الخمسة؟ -
لذلك نريدك أن تأتي الى مكاتبنا هذا الأسبوع *
إذا تم اختياري فسأنهض من مكاني وألقي السؤال -
نعم *
وكم سأتقاضى أجراً عن هذا؟
عليّ أن أسأل لك. هل أنت ممثل محترف؟ *
لا . ليس على الشاشة على أي حال٠ -
دعني أسأل وأقول لك. لكني أخبرك أنه سيكون يوم تصوير كامل إذا لم ننته في الوقت المحدد دفعنا لك »أوفر تايم« وهذا اليوم هو الثامن من شهر تموز/ يوليو٠
سأفكّر بالأمر. لكني أعتقد أني موافق وبل سأكتب كلمتي للأوسكار فقط في حال ترشيحي -
ضحكت للنكتة الساخرة واتفقنا على الكتابة٠
سألت صديقان يعلمان بالأسعار المدفوعة لممثل لديه سطر او سطرين يقولهما ويمضي. أحدهما صوّر المسألة على أن الكلمة بـ 500 دولار وإذا كانوا عشر كلمات فسأقبض 5000 دولار. الثاني قال هذا سعر المحترفين ويعتقد أن حصيلتي (من دون الأوڤر تايم) سوف لن تزيد عن الألفي دولار٠
خطر لي بعد ذلك أن تكون المسألة فيها وما فيها. يعني أن يعطيك مساعد المخرج نصّاً غبياً لكي تطرحه. وأن يكون أغبى نص. فأقف مثلاً وأسأل الشخصية المحتفى بها في المشهد: "هل تفضّلين النوم على جانبك الأيمن او الأيسر؟" او "هل صحيح أنك ستعلن زواجك قريبا؟ ومن هي (او هو) سعيدة الحظ؟". ولربما طُلب مني أن أتحدث بلكنة مكسورة وبكلمات مبتورة لإظهار أني صحافي غير مثقّف أسمه أحمد او خليل او عبد العاطي فأقول مثلا
is sis mar age good sing to do and was yoo happy very for yoo to him?
لكني استبعدت كل هذا السيناريو لأن صوفيا إنسانة مرهفة ووالدها لابد علّمها ما لم يتعلّمه سيدني لوميت عن الآخر (لهذا قصّة أخري)٠
في النهاية قررت الإستغناء عن الفرصة كوني لا أعرف ما الذي سأفعله يوم غد (هذا صحيح) فما البال بعد نحو شهر من اليوم؟ ثم أن الدور حقيقة لن يتطلّب تقبيل البطلة. فلم التعب؟

الهجوم على جان- لوك غودار
...................................................
بين أن أقرأ كتاباً آخر عن جان- لوك غودار وبين أن أعيد مشاهدة أفلاما له أفضل المشاهدة بالطبع. لقد قرأت ما يكفي عن غودار من ناحية ومن ناحية ثانية ليس عندي أفضل من الصورة كتاباً٠
لكن هناك كتاب صدر حديثاً بعنوان "كل شيء سينما" وهي عبارة كان المخرج الفرنسي جعلها عنواناً لفيلمه. كتاب ضخم (700 صفحة) كتبه رتشارد برودي وأثنى عليه معظم النقاد بسبب اطلاعه والجهد المبذول فيه الى آخر ذلك الكلام الذي تجده في الأوراق الثقافية المتداولة٠
دخلت المكتبة وأخذت نسخة وقرأت فيه ولمست من البداية أن الغاية ليست تقييم أفلام غودار من زاوية محض سينمائية (ولو أن هناك كتب أخرى فعلت ذلك) بل البحث بين تلك الأفلام وفي تاريخ حياة غودار عن منافذ يمكن النيل من غودار عبرها٠
لم يكن لدي الوقت الكافي وقررت ترك الكتاب على الرف وشراء مجلة عوض ذلك ووجدت العدد الأخير من
Cinema Scope
حاضراً٠
بعد نحو أسبوع جلست أقرأ في المجلة وإذا بمقال تقييمي طويل عن كتاب رتشارد برودي ذاك. المقال من كتابة بل كرون وهو يميط اللثام عما لم أستطع في تصفّحي السريع الإلمام به: الكاتب برودي (وهو محرر في مجلة "ذ نيويوركر" يكتب تلخيصات الأفلام التي تظهر في مطلع العدد) يسعى لغايتين: اولاً إظهار أن غودار معاد للسامية وثانياً أن أفلامه حُمِّلت بأكثر مما تستحق من اهتمام٠
في رأيي المتواضع من دون دجل، تكتب عن السينمائي حين يكون لديك ما تضيفه الى ما كُتب عنه وهذا مُتاح إذا ما كان لديك انطباعات وقراءات ذاتية تستحق التسجيل٠ ثم تكتب عن السينمائي الذي تقدّره وتحبّه. لكن أن تكتب عن مخرج لا تقدّر أعماله فإن هذا يضعك في نطاق محدود أكثر إذ عليك أن تجابه آراءاً عديدة لا تؤيدك في وجهة نظرك ما يفرض اقتراباً سديداً للموضوع. مثلاً لو كنت سأكتب عن حسن الإمام (رحمه الله) كتاباً أصفه فيه بأنه أفضل من أنجبتهم السينما العربية، لكان عليّ أن أناقض ما ذهب اليه كل النقاد بكلام مسؤول أبيّن فيه كيف أجيز لنفسي مثل هذا المنحى. العكس صحيح: أحد أفضل مخرجي السينما العربية هو صلاح أبو سيف. إذا لم أعتقد ذلك وأردت وضع كتاب أصف فيه أعمال أبو سيف بأنها لم تكن جيّدة وأن النقاد والمثقفين كانوا غير مصيبين في تقييمهم، عليّ أن أقدّم ما يكفي من براهين وقراءات سديدة٠
لكن حسب مراجعة بل كرون لكتاب رتشارد برودي، فإن هذا لا يرد في تقييم المؤلّف لغودار٠
لكن اللافت هو سعي المؤلف لإثبات أن غودار كان (او ربما لا يزال) معادياً لليهود مستنداً في ذلك الى حقيقة غير خافية وهي أن جدّه كان كذلك٠
غودار بت في الموضوع لكن برودي لا يريد أن يصدّقه. غودار قال ذات مرّة في مؤتمر صحافي في مونتريال: جدي كان ضد اليهود. أنا ضد الصهيونية٠
لكن عند بعض الجهّال لا فرق٠

مخرج وفيلمه | نديم جرجورة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم "الإنتصار" لماركو بيلوتشيو
....................................................................................
فيلم »الإنتصار« هو أحد الأفلام التي عرضها مهرجان "كان" في
دورته الأخيرة. الزميل نديم
جرجورة يجمع ما قاله المخرج عن فيلمه هذا٠



في الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي، التي أقيمت بين الثالث عشر والرابع والعشرين من أيار 2009، عُرض «الانتصار» للإيطالي ماركو بيلّوتشيو (تمثيل: جيوفانا ميزّوجيورنو وفليبّو تيمي) في المسابقة الرسمية، متناولاً فصلاً من فصول الذاكرة الشفهية المتعلّقة بسيرة الدوتشي بينيتو موسوليني، قبل اعتلائه عرش الحكم الفاشيّ في إيطاليا، عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية. ذلك أن التاريخ الرسمي لتلك الحقبة الممتدة من العام 1909 لغاية 1937 غيّب، نهائياً، تفاصيل العلاقة العاطفية والزوجية بين إيدا دالسر وموسوليني، اللذين التقيا أثناء نضال الشاب ضد الحكم، وانفصلا بعد إنجابهما ولداً أنكره الأب سريعاً، كي لا يؤثّر على صورته كزعيم أمام الدولة والمجتمع والكنيسة الكاثوليكية. والفيلم، إذ يرسم ملامح حقبة من خلال سيرة امرأة، يفتح نافذة حيوية وجميلة على فترة تاريخية عاصفة، مولياً أهمية قصوى لإيدا دالسر المناضلة، على طريقتها الخاصّة، ضد الفاشية والتغييب والإعدام النفسي والروحي.
هنا ترجمة عربية لمقتطفات من حوارات صحافية أُجريت مع المخرج بيلوتشيو، ونُشرت في الملفّ الصحافي الخاص بـ«الانتصار»، ومجلة «الفيلم الفرنسي» والمجلة المتخصّصة «دفاتر السينما» ٠

تحدّث ماركو بيلّوتشيو (70 عاماً) عن علاقته بإيدا دالسر وحكايتها، فقال إنه لم يسمع بهما أبداً، قبل اكتشافه إياهما منذ أعوام قليلة فقط «عند مشاهدتي فيلماً وثائقياً على شاشة التلفزيون بعنوان «سرّ موسوليني» لفابريزيو لورانتي وجيانفرنكو نوريلّي». عندها، وجد أن إيدا دالسر، التي أنجبت من موسوليني ولداً اعترف به الرجل أولاً قبل أن يتخلّى عنه وينكره لاحقاً، «امرأة خارقة»، متحمّساً لفكرة أنها ظلّت تصرخ بحقيقتها حتى النهاية، في حين كان النظام يعمل على تدمير أي أثر للحقيقة والمرأة وابنها: «كانت المرأة والابن السرّي لموسوليني فضيحة يجب إخفاؤها، إلى درجة أن وجودهما، ليس الجسدي فقط، يجب أن يُمحى. أغلق عليهما في ملجأ للمجانين، حيث توفّيا»؛ مضيفاً أن من يذهب اليوم إلى مسقط رأس إيدا (ترانتن ـ هو ـ آديج)، يُفاجأ بواقع أن «الذاكرة الجماعية لا تزال محتفظة بذكرى صافية جداً عن هذه المأساة المنسية من قبل التاريخ الرسمي»، التي شكّلت مادة لكتابين اثنين، هما: «عشيقة موسوليني» لماركو زيني و«الابن السرّي للدوتشي» لألفريدو بياروني، مدعّمين بالوثائق والشهادات، بالإضافة إلى عدد كبير من الرسائل التي كتبتها إيدا وأرسلتها إلى السلطات العليا والبابا، وبالتأكيد إلى موسوليني نفسه، «ترجوهم فيها الاعتراف بوضعها زوجة شرعية لموسوليني ووالدة ابنه الأول. في الكتابين، نقرأ أيضاً ردود الدوتشي عليها». في أحد هذه الحوارات، قال بيلوتشيو إنه عرف بقصّة داسلر «أثناء قراءتي موضوعاً في صحيفة يومية، تناول هذه الحلقة المعروفة بشكل ضيّق من حلقات سيرة حياة موسوليني»، مشيراً إلى أن «شخصية إيدا دالسر أثّرت فيّ عميقاً، من دون أن أفكّر لحظة، حينها، بتحقيق فيلم عنها»، مضيفاً أن معرفة حقيقة أن هذه المرأة خاطرت بالاختفاء كلّياً (دُفنت هي وابنها في مقبرة عامة) وأن ذكرها امحت بشكل ممنهج، (هذا كلّه) «جعلني أتخيّل نصّاً سينمائياً يبدأ من مرحلة ما بعد الشغف والخدر بينهما»٠

تراجيديا القدر
أما لماذا ألهمه القدر التراجيدي للمرأة إلى هذا الحدّ، فقال المخرج إن «إيدا دالسر كانت المناهِضة الوحيدة للفاشية. في العادة، نتذكّر مناهضي الفاشية من خلال المقاومة التي قامت بها الشيوعية والاشتراكية، بالإضافة إلى المقاومة الشعبية، لكن دائماً في إطار معركة سياسية. من وجهة نظر معينة، خاضت إيدا دالسر معركتها ضد الفاشية بطريقة خاصّة بها، ومن خلال حكاية حميمة جداً. التقت موسوليني الثوري الاشتراكي والفوضويّ النقابي والمحبّ للسلام، الذي أصبح فجأة «تدخّلياً» (أي القائل بالتدخّلية أو المتعلّق بها؛ والتدخّلية تعني سياسة التدخّل في القطاعات الخاصّة ضمن الدولة، أو التدخّل في تنازع الدول الأخرى). في البداية، تزوّجت أفكاره. لكن قضيتها الأساس، أولاً وقبل أي شيء آخر، كانت الرجل الذي منحته جسدها وروحها». ثم إن بيلّوتشيو لم يكن معنّياً بفضح الأعمال الشائنة للنظام، لأنه تأثّر عميقاً بهذه المرأة وبرفضها المطلق التسويات كلّها: «في العمق، كان يُمكنها الموافقة على العودة إلى الظلّ، ولعلّها بهذا تحصل على فوائد مالية جيّدة، كما فعلت عشيقات أخريات لموسوليني، وكما هي الحالة التي تعيشها عشيقات النافذين في هذا العالم. رفضت هذا الأمر، مطالبةً بهويتها الحقيقية. لم تستطع الموافقة على خيانة الرجل، الذي أحبّته بطريقة مطلقة وأعطته كل ما كانت تملكه، بما فيه ميراثها، كما كتبت في رسائلها٠

غير أن موسوليني، عندما أصبح دوتشي، أراد التخلّص من هذا الحب القديم، لأسباب عدّة أبرزها أن النظام لا يستطيع إطلاقاً أن يُعرّض علاقاته بالكنيسة للخطر»، في تلك المرحلة التي شهدت مفاوضاته مع الكنيسة الكاثوليكية على توقيع ما عُرف لاحقاً بـ «اتفاق لاتران» في العام 1929، وهو الاتفاق الذي وضع حلاّ للمسألة الرومانية المطروحة منذ العام 1870، عندما اجتاح الجنرال كاردونا المناطق الفاتيكانية وأخضعها لسلطته. فهذا الاتفاق منح الاستقلالية للفاتيكان، وجعل الكاثوليكية ديناً رسمياً لإيطاليا أيام البابا بيوس الحادي عشر؛ علماً بأن موسوليني تزوّج إيدا دالسر في أيلول 1914 دينياً، وأنجب منها بينيتو ألبينو موسوليني في الحادي عشر من تشرين الثاني 1915، وهو الزواج الذي لم يُسجّل رسمياً؛ في حين أنه اقترن رسمياً براشيل غيدي في السابع عشر من كانون الأول 1915، وأنجب منها ابنته إيدّا (تُكتب وتُلفَظ بطريقة مختلفة عن إيدا) في العام 1910. وذكر بيلّوتشيو أن نجاح المفاوضات دفع البابا إلى وصف موسوليني بـ «رجل العناية»، مشيراً إلى أن الظروف الآنفة كلّها جعلت موسوليني يُصرّ على فكرة اختفاء الأم وعقد الزواج معاً، والابن وشهادة ميلاده أيضاً، وإن تمّ تغيير اسم عائلته فيها لاحقاً: «يجب ألاّ يكونا موجودَين أبداً»٠

عشقٌ وخَطرٌ
يُكمل ماركو بيلّوتشيو التعبير عن إعجابه الكبير بإيدا دالسر، قائلاً إنها لم تختر المُسطّح في الحياة وفي علاقاتها وأفكارها: «في أعماقها، التزمت الأفكار السياسية نفسها التي اعتنقها موسوليني في بداياته النضالية. عشقت الشاب بوَلَه، عندما لم يكن هو أحداً. أحبّته، عندما لم يحبّه أحدٌ. دافعت عنه، عندما كان مفلساً ومُهاناً. ثم تبدّلت الأحوال كلّها: عندما أحبّ الجميعُ الدوتشي، باتت وحيدة، وانقلب الجميع عليها. متحسّرة إزاء هذا الحبّ اللامسؤول، وضعت وراء ظهرها إيطاليا كلّها، التي (إيطاليا)، في ذروة تحوّلاتها الفاشية، التفّت حول موسوليني». أضاف أن سلوكها وشجاعتها في مواجهة الدوتشي وعدم الانحناء أمامه، وتمرّدها حتى النهاية، هذا كلّه «جعلني أتذكّر بطلات عديدات في التراجيديا اليونانية، وخصوصاً أنتيغون، وبطلات معروفات في تراثنا الشعري، مثل عايدا. لذا، فإن الفيلم ميلودراما تروي الحصانة التي تمتّعت بها امرأة إيطالية عادية، لم تجعلها أي سلطة تنحني أمامها. بطريقة ما، هي التي ربحت»٠


بالإضافة إلى هذا، قال بيلّوتشيو إنه بدءاً من تاريخ محدّد، «لم تعد إيدا ترى موسوليني أبداً، إلاّ في صالة السينما التي كانت تعرض «الصحافة السينمائية الخاصّة بالأحداث اليومية»، حيث كانت تجلس مدهوشة أمام صورة هذا الرجل الذي أصبح حجمه كبيراً جداً على الشاشة، كممثل أو نجم؛ ونواكب، عبر نظرتها، التحوّل الذي أصابه. في اللحظة التي شهدت عبور موسوليني «العتبة الإعلامية»، أصبح الرجل مختلفاً، حتى بالنسبة إليها: من موسوليني، أصبح الدوتشي»، معتبراً أن موسوليني «أول من أنشأ نظاماً مرتكزاً على الصورة. معه، دخلت السياسة عالم الصورة والمتخيّل. إنها نقطة اللاعودة في التاريخ. اليوم، بعض تصرّفاته تبدو لنا مثيرة للسخرية وأقرب إلى البهلوانية، لكن تكوّن هذا الأسلوب سمح له باجتياح الوسائط الإعلامية. لم يعد ممكناً تهشيم صورته. وهو هذا الرجل، أي الرجل الإعلامي، الذي يضطهد إيدا دالسر، لأنها كانت قادرة على الوشاية به، وعلى إثارة فضيحة أمام الملأ. كانت قادرة، موضوعياً، على تشكيل خطر على صورته»٠


من ناحية أخرى، قال بيلّوتشيو إنه استخدم صُوَراً أرشيفية كثيرة انسجاماً وأسلوب العمل، ولأسباب إنتاجية: «لا نستطيع إعادة بناء كل شيء. يجب على الصوَر الأرشيفية أن تندمج وصُوَر الفيلم لتشكّل أسلوباً جمالياً في إنجازه. يجب الانتقال من صورة موسوليني الشاب، التي أدّاها ممثل، إلى الصوَر الحقيقية للديكتاتور، لإثارة الشعور بزمن القصّة. بدءاً من العام 1922، اختفى الممثل، ووحده موسوليني الحقيقي ظلّ حاضراً على الشاشة. استعنت بالصحف السينمائية المنتجة في تلك الفترة لا للزينة أو التفسير، بل لإدراجها في سياق الفيلم. في داخل الصالة، شاهدت إيدا دالسر للمرّة الأولى وجه الدوتشي، الذي لم تره منذ أعوام عدّة: انتقال من صورة الممثل إلى الصورة الحقيقية لموسوليني». وعلى الرغم من أن «الانتصار» متعلّق بموسوليني، ومع أن طابعه كامنٌ في تبليغ خطاب ضد الفاشية من خلال أحداث خاصّة، إلاّ أن بيلّوتشيو لم يشأ إنجاز فيلم مباشر ضد الفاشية، «لأني أردت التركيز على هذه المرأة التي نجحت في المحافظة على ذاكرتها. حتى ولو أنها شخصية صغيرة في مواجهة الفاشية، إلاّ أن حكايتها الشخصية رمزية: عدم التخلّي عن مشاعرها والتزاماتها وقناعاتها. بمعنى ما، إنها لا تُقهَر، حتى لو دفعت حياتها ثمناً لانتصارها وبطولتها»٠


مقابلة | هوڤيك حبشيان
...................................................................................
بيار سلفادوري مخرج فرنسي شاب أنجز حتى الآن
نحو إثني عشر فيلماً الى الآن خلال السنوات الستة
عشر الأخيرة. وُلد في تونس قبل 44 سنة وقابله
الزميل هوڤيك حبشيان مؤخراً حيث تبادل معه حديثاً
سينمائياً كاشفاً٠
...................................................................................


بأسلوب انيق وجذاب يخلو من الابتذال والرخص، يواصل المخرج الفرنسي بيار سالفادوري مهمته في اثارة البهجة، من خلال أفلام ترقى على الكوميديات التجارية، مستخدماً الطرافة وسيلة لامرار الأفكار السوداوية التي لا تغيب عن سينماه المسلية على رغم المظاهر الخادعة التي تسعى الى الايحاء بالعكس٠

في أفلامك تزاوج بين مناخات متعددة، الا ان الكوميديا هي الطاغية٠
ــ يعجبني ان اسمع ذلك، لأنني اسعى دوماً الى ان اخلط الأنماط السينمائية كلها في فيلم واحد، وأحب ان أرى في فيلم واحد أنواعاً متعددة من الانفعالات، لأني عموماً اتطرق الى مواضيع ابطالها ليسوا على ما يرام، ويعانون التشرد والإنقلاع والتهميش، وجميع انواع التناقضات والتعقيدات. هذا لأن تاريخ الكوميديا كله يأتي من هنا. فإذا اردت انجاز عمل ابطاله من الطبقة الميسورة ولا يعانون أي مشكلة على الاطلاق، فلا احد سيهتم بما تصوره. أما الشخصيات التي تناضل لتبلغ أهدافها، فأرى في صراعها شيئاً من الشاعرية لأنها تجمع بين الرعونة والشجاعة. احب معالجة المسائل الجدية والخطيرة اذا صح التعبير، بأسلوب فكاهي يخفف من سوداوية العمل، ويضفي عليه نكهة بريئة٠

هل تعني بذلك أن المشاهد يستمتع بالضحك من مآسي الآخرين؟
ــ لا يتعلق الأمر بالضحك "على" الآخرين، بل "مع" الآخرين. لا ادعو الى الاستهزاء بل الى اسلوب سهل لحل المشكلات. ما يثير اهتمامي في الكوميديا انها تملك جانباً هداماً ومخرباً. وفي الإمكان ان نكون ظرفاء حتى عندما نتكلم عن مصائب القوم٠

يبدو لي أنك تذهب في اتجاه الأفلام التراجي - كوميدية
التي اشتهرت بها السينما الايطالية في السبعينات، ولا
سيما تلك التي اخرجها دينو ريزي وماريو مونيتشيللي٠

- هذه السينما اثّرت فيَّ كثيراً. أنا من مواليد كورسيكا، إذاً أنا قريب من ايطاليا. في صغري، كنت أشاهد هذه الأفلام باستمرار وهي استطاعت ان تعكس واقع عصرها بأسلوب ساخر لا أحد استطاع تقليده. الشخصيات في هذه الكوميديات كانت تعلن مأساتها مسبقاً، وهذا سحرها. أحبذ فكرة ان احكي قصة بأسلوب السهل الممتنع ولا اشعر بالراحة الا في هذا الاطار من العمل. هذه طريقتي في قصّ الحكايات. عفوياً، أميل الى اسلوب ظريف لقص روايات لا تمتلك ولو حداً أدنى من الفكاهة. في "بعدكم" مثلاً، نتساءل، هل من الممكن مساعدة شخص وخيانته في آن واحد؟ وهل من الممكن ان نحب احداً ونخونه في الوقت نفسه؟ هذا هو الأمر الأساسي الذي كنا نعمل عليه، انا وكاتب السيناريو. كنا نرغب في كسر الأصول والقواعد. من ناحية، هناك الأخلاقيات التي يتقيد بها الفرد ومن ناحية أخرى هناك الغرائز الإنسانية. انا مهتم بالمعضلة وهي كثيراً ما ترتدي طابعاً انسانياً٠

ما أكثر الأفلام التي عمَّرت في ذاكرتك من تلك المرحلة؟
ـــ قد أقول "الفانفارون" أو "الحمامة" أو "مال العجوز". أفرح كثيراً بالكوميديات الايطالية، علماً انها قامت على فكرة النقد اللاذع. مراجعي ليست "الموجة الجديدة الفرنسية"، انما السينما الأميركية في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، أي في العصر الذهبي الذي شهدته الكوميديات الكلاسيكية، من وايلدر ولوبيتش وبلايك ادواردز. قد نجد بنيوية أنغلوساكسونية في العمل الذي اقترحه، واتمنى ان يكون هناك شيء من الروحية الأوروبية في اسلوب السرد٠

Princess
في رأيك ما العنصر الأهم لإنجاز كوميديا ناجحة؟
ــ أولاً يجدر امتلاك الشخصية أو الشخصيات ومن ثم الموقف. فعندما تلقي الضوء على رجلين، احدهما يتمتع بشخصية قوية وهو على حافة الهاوية، والثاني يعتقد دائماً أنه مذنب (ما يربط هاتين الشخصيتين هو امرأة)، فهذا موقف هزلي بامتياز. عندما يكون لديك وضع مشابه، يبقى الاهتمام بالحوارات٠

لدينا الانطباع عند مشاهدة أفلامك بأنه كان في امكانك ان تدفع بمعطياتك السينمائية الى ابعد حد لكنك تقرر التوقف في مسافة معينة.
- اعتقد ان في الأسلوب الذي اتبعته، استطعت العثور على التوازن السليم. ولم أكن اريد ان أبالغ في المواقف لتبلغ حدود السوريالية. أردتها شاعرية ومجنونة٠

من أين تأتي رغبتك في التكلم عن الهامشيين؟
- المهمشون حاضرون في غالبية افلامي. هؤلاء اشخاص يحركون شعوري. جميعنا نعتاد عاجلاً أو آجلاً قساوة الدنيا. يتحول العالم يوماً بعد يوم غابة ونحن نتدبر أمورنا فيها بكل راحة بال وضمير. من وقت الى آخر أجد متعة في تناول فصول من حياة اشخاص يجدون صعوبة في التكيف مع شروط عيشهم٠

هل الكوميديا بالنسبة اليك اسلوب سلس لعرض المآسي؟
- نعم، لأن الكوميديا هدامة، لأنها تلمّح وتوحي بأمور من دون أن تفضحها. خذ فيلم "البعض يحبونها ساخنة" مثلاً. هذا الفيلم استطاع ان يضحك الملايين على رغم ان وقائعه دارت في قرية نائية في ألاباما، من خلال قصة طوني كرتيس وجاك ليمون اللذين يتنكران في زي امرأتين. فجأة يفجر بيللي وايلدر المجتمع الأميركي بأسلوب فكاهي. ما تتميز به الكوميديا هو اننا نستطيع لمس الجروح من دون فتح جروح جديدة (...). في اعمالي سعيت دوماً للانطلاق من الشخصيات ومعالجة المواضيع، في حين ان المشاهدين يتوقون الى المواقف الهزلية التي كثيراً ما تأتي على حساب القصة. إنجاز فيلم يعني قبل كل شيء آخر ان نرمي وجهة نظر على الموضوع الذي نصوره، وان يشبه صاحبه الى اكبر حد. هناك نوع من الكسل اليوم في السينما الفرنسية التي تقلّد هوليوود في انتاجاتها الاستهلاكية٠

كونك ممثلاً، هل هذا الأمر ساعدك في ادارة الممثلين؟
ـــ طبعاً، لأن الممثلين يعلمون انني اتفهم هواجسهم ومخاوفهم. فأعمل معهم بحذر كوني مررت بكل المراحل التي يمرون بها٠

Country
هل كنت تطمح الى الاخراج منذ البدء؟
ـــ في البداية كنت أرغب في التمثيل. لاحقاً، أدركت ان التمثيل يطلب من صاحبه ان يخضع لنزوات الآخرين. كنت افضل ان أكون سيد نفسي.

عملت مع المغدورة ماري ترانتينيان على 3 أفلام. هل كانت لك مشاريع معها؟
ـــ قبل وفاتها كنت عرضت عليها دور زوجة أوتوي. لكنها كانت مشغولة في عمل آخر٠

كيف كان التعاون مع ماري ترانتينيان؟
ـــ (يقولها متأثراً). كان تعاوناً رائعاً. عملت معها في فيلمي الأول. حينذاك لم يكن احد يعرفني بعد. وعندما وافق جان روشفور على المشاركة في الفيلم، اعلنت ماري استعدادها للإنضمام الى الكاستينغ. من شدة اعجابي بها، خلقت لها دوراً في فيلمي الثاني. كانت لدينا مشاريع كثيرة معاً، وكانت شخصاً مقرّباً جداً مني٠

السنوات الأولى| محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‬كوميديو السينما الصامتة والناطقة الأولى‮ : ‬
لماذا أشهرهم‮ ‬هم‮ ‬أفضلهم؟


يسير تشارلو العاطل عن العمل في‮ ‬أحد الشوارع الفقيرة‮. ‬تمر به شاحنة حاملة علماً‮ ‬التحذير‮ (‬الأحمر عادة‮) ‬في‮ ‬مؤخرتها‮. ‬يقع العلم على الأرض‮. ‬ينتبه تشارلو ويحمل العلم ويبدأ بالتلويح به لعله‮ ‬يلفت نظر السائق في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تتقدم وراءه مظاهرة عُمّالية‮ ‬غاضبة‮. ‬بذلك‮ ‬يبدو تشارلو‮ ‬كما لو كان زعيم المظاهرة بينما هو في‮ ‬مقدّمتها الآن بالصدفة ملوّحاً‮ ‬بالعلم‮ (‬لاحظ دلالة لونه المفترض‮) ‬ومتقدّما المتظاهرين‮. ‬يصل البوليس ليفرّق التظاهرة ورئيسها حامل العلم‮. ‬يلقي‮ ‬القبض عليه ويضع في‮ ‬الزنزانة‮. ‬
يركب باستر الدراجة وراء صديقه الذي‮ ‬يقع عنها بعد قليل‮. ‬غطاء‮ ‬يغلف عينا كيتون وهو‮ ‬يحاول أن‮ ‬يقود الدراجة المتسارعة في‮ ‬شوارع المدينة‮. ‬تمر في‮ ‬مآزق متتابعة وينجو منها‮. ‬وفي‮ ‬أحد المرّات نجده قد جلس وظهره الى المقود‮. ‬يحاول كيتون كبح جماح الدراجة من دون فائدة‮. ‬هي‮ ‬الآن تتقدم من‮ ‬يمين الشاشة الى حافة عالية‮ يتوقّف الطريق عندها ليبدأ ‬على الجانب الآخر. بين هاتين الحافّتين طريق سريع مشغول بالسيارات العابرة وليس هناك من جسر ممدود بين طرفي الطريق الذي وصل كيتون الى حافّته. ‬إذا لم‮ ‬ينجح كيتون بإيقاف تلك الدراجة سيقع ويهوى بين السيارات. وهو بالفعل ‬لم‮ ‬ينجح‮. ‬لكن في‮ ‬اللحظة التي‮ ‬وصلت فيها الدراجة الى حافة الضفة الأولى يمر اوتوبيس (حافلة) ركاب بإتجاه أعلى الشاشة وحين تسير الدراجة على على‭ ‬سطح الحافلة بالعرض وقبل أن تقع في‮ ‬منتصف الطريق يمر أتوبيس آخر قادمة من الإتجاه المعاكس‮. ‬الدراجة تنتقل من ظهر الحافلة الأولى الى ظهر الحافلة الأخرى الى الضفة الثانية من المكان من دون سوء‮.‬
سيبقى الجدال قائماً‮ ‬بين هواة ومحترفي‮ ‬ومؤرخي‮ ‬السينما على حد سواء حول من‮ ‬يستحق المركز الأول بين كوميدييها‮ ‬في‮ ‬التاريخ‮.‬
ونستطيع أن نقرّب المسافات قليلاً‮ ‬بين الفرقاء وتضيق هوّة الخلاف بعض الشيء عبر التذكير بأن كوميديي‮ ‬السينما العربية والهندية والآسيوية الأخرى،‮ ‬ولا حتى معظم الأوروبية‮ ‬ولا كوميديي‮ ‬القارة اللاتينية او الأفريقية او حتى شبه القارة الاسترالية،‮ ‬ليسوا مدعوين لمثل هذه المسابقة‮. ‬عربياً،‮ ‬نعم هناك كوميديين أفضل من آخرين‮. ‬وهم‮ ‬غالباً‮ ‬كذلك لأنهم‮ ‬ينتمون الى سينما قديمة كان تتعب على السيناريو وتتعب على الإخراج وعلى نواحي‮ ‬الإنتاج‮. ‬طبعاً‮ ‬كانت تنتج أفلام إسماعيل‮ ‬يس رغم ذلك لكنها أنتجت أفلام نجيب الريحاني‮ ‬من دون أن ننسى إسهامات الكوميديين الذين لعبوا،‮ ‬غالباً،‮ ‬أدواراً‮ ‬مساندة وبرعوا فيها مثل عبد الفتاح القصري‮ ‬وعبد السلام النابلسي‮ ‬وماري‮ ‬منيب‮. ‬
بعض الكوميديين العرب أصبحوا اليوم في‮ ‬وضع‮ »‬كلاسيكي‮« ‬يستحقه،‮ ‬لكن معظم الكوميديين الحاليين‮ ‬يفتقدون الى الهوية الخاصة والإيمان بالرسالة المتوخاة ويسعون لبز بعضهم البعض في‮ ‬موسم الصيف‮. ‬أكثر من ذلك،‮ ‬لا هم في‮ ‬صدد الفن ولا أفلامهم بصدد الرسالة‮. ‬بالتالي،‮ ‬تستطيع وأنت مرتاح البال أن تعرف أن نجاحاتهم الشعبية ما هي‮ ‬الا زوبعة في‮ ‬فنجان‮.‬

‮// ‬إسمان فقط‮ //

كفى إذاً‮ ‬الحديث عن الكوميديا العربية قبل أن‮ ‬ينقلب الحديث فيها‮ ‬ينقلب الى تراجيديا‮. ‬السؤال المطروح دوماً‮ ‬مثيراً‮ ‬من حوله النقاش هو‮: ‬من‮ ‬يستحق أن‮ ‬يتربّع على قمة الكوميديا العالمية؟‮ ‬
السؤال‮ ‬يؤدي‮ ‬الى إسمين فقط‮: ‬تشارلي‮ ‬تشابلن وباستر كيتون‮. ‬
المشهد الأول المذكور في‮ ‬مقدّمة هذا الموضوع هو لتشارلي‮ ‬تشابلن في‮ ‬فيلمه‮ »‬أزمنة معاصرة‮« (٦٣٩١). ‬المشهد الثاني‮ ‬هو لباستر كيتون من فيلمه‮ »‬سبعة حظوظ‮« (٦٢٩١) ‬وكل‮ ‬يعبّر عن شخصية الكوميدي‮ ‬أفضل تعبير‮. ‬
تشارلي‮ ‬تشابلن عرف قيمة مزج الشخصية بالمجتمع والحاجة الخاصة بتلك العامة،‮ ‬والمسألة التي‮ ‬تدهم شخصية تشارلو بالملاحظات حول البيئة التي‮ ‬يعيش فيها و-كثيراً‮- ‬الألم الذي‮ ‬يعض الأنياب تبعاً‮ ‬للفقر وللجوع او لظلم الناس على الناس‮. ‬تشابلن سُمي‮ ‬بعبقري‮ ‬الكوميديا وفي‮ ‬العشرينات من العام الماضي‮ ‬كان أشهر نجم عالمي‮. ‬فيلمه‮ »‬الأزمنة المعاصرة‮« ‬حققه صامتاً‮ ‬بعدما انتقلت السينما العالمية‮ -‬بالكامل‮- ‬الى النطق والمشهد المُختار فيه وضوح كامل لموقف سياسي‮ ‬لاحقه حتى كاد أن‮ ‬يسجنه في‮ ‬زنزانات السيناتور ماكارثي‮ ‬في‮ ‬مطلع الخمسينات لولا هروبه من أميركا الى بريطانيا ومنها‮ -‬لاحقاً‮- ‬الى سويسرا‮.‬
لكن باستر كيتون ربما كان الكوميدي‮ ‬الأصفى‮. ‬لم تشغله المسائل الإجتماعية تحديداً،‮ ‬لكنه استعاض عنها بصياغته الفنية النيّرة لما‮ ‬يقوم بتمثيله‮. ‬كيتون أخرج،‮ ‬مثل تشابلن،‮ ‬غالب أفلامه،‮ ‬لكنه حرص على أن‮ ‬يجيد في‮ ‬إخراجها مصمماً‮ ‬الحركات ومنفّذاً‮ ‬الفيلم على وجه صحيح وخاص‮. ‬لا أحد‮ ‬غيره كان نجح فيما هو نجح فيه على هذا الصعيد‮. ‬ليس لأنه كان أفضل مخرج متوفر في‮ ‬السينما الأميركية في‮ ‬العقد الثاني‮ ‬من القرن الماضي،‮ ‬بل لأنه صاغ‮ ‬نفسه وقدراته وشخصيته كجزء من المعالجة العامة وعلى نحو أفضل مما فعل تشابلن الذي آثر التعامل عاطفياً مع مواضيعه على نحو لا يخلو من التمييع في نهاية المطاف وذلك في‮ ‬العديد من أفلامه‮.

‬المشهد المذكور أعلاه لكيتون‮ ‬يعتمد على عنصرين‮: ‬واقعية المشهد الطويل،‮ ‬حيث لا ممثل مخاطر بديل له وحيث المآزق التي‮ ‬تقع على طول الطريق والمشهد الصعب والموقوت بإتقان حين‮ ‬يستخدم باستر ظهري‮ ‬الحافلتين كجسر‮ ‬يربطه بالضّفة الأخرى كلها واقعية لا رتوش فيها ولا مؤثرات او خدع‮. ‬اليوم لإكمال مثل هذا المشهد‮ ‬يجلس مصممو الخدع السينمائية وراء الكومبيوتر ويضغطون على الأزرار ثم‮ ‬يطلعون بنتيجة لن تتساوى والنتيجة السابقة لا إبداعاً‮ ‬ولا قيمة‮.‬
إذاً‮: ‬تشابلن الإجتماعي‮ ‬او كيتون الفني؟‮ ‬يتوقف ذلك على المرء واختياره بين سينما للرسالة‮ ‬وسينما للكوميديا‮ . ‬بين كوميديا تؤدي‮ ‬رسالة أخرى لجانب الضحك،‮ ‬او كوميديا تحرص على تقديم الكوميديا صافية من دون إضافات من دون أن‮ ‬يعني‮ ‬ذلك أنها خاوية من القيمة‮.‬

‮// ‬المحكمة المفتوحة‮ //
في‮ ‬النهاية،‮ ‬تشابلن هو الذي‮ ‬ساد‮. ‬وعيه الإجتماعي‮ ‬تنامى الى درجة طاغية في‮ »‬أزمنة معاصرة‮« ‬وموقفه السياسي‮ ‬كان رائعاً‮ ‬في‮ »‬الدكتاتور العظيم‮« ‬قبل أن‮ ‬يخسر إعجاب النقاد‮ (‬او قسم كبير منهم‮) ‬حين وصل الأمر الى عمليه الأخيرين بعد ذلك‮ »‬ملك في‮ ‬هوليوود‮«‬‭ ‬‮(٧٥٩١) ‬و-خصوصاً‮- »‬كونتيسة من هونغ‮ ‬كونغ‮« (٧٦٩١).‬
لكن إذا أخذت أفلام كيتون الروائية‮ ‬من‮ »‬المصوّر‮« ‬و»أذهب‮ ‬غرباً‮« ‬و»القارب‮« ‬الى تحفته‮ »‬الجنرال‮« ‬ستجد أنك أمام أعمال تزداد تبلوراً‮ ‬أمام المؤرخين ناضحة بتميّز كيتون ممثلاً‮ (‬لا‮ ‬يضحك لكنه‮ ‬يستدر الضحك من أكثر الممتنعين‮) ‬وكاتباً‮ ‬ومخرجاً‮. ‬
بينما المحكمة مفتوحة الى اليوم،‮ ‬وستبقى،‮ ‬بين هذين الكوميديين الشامخين،‮ ‬هناك آخرون عديدون حطّوا في‮ ‬مراكز متأخرة او لم‮ ‬يحطّوا مطلقاً‮.‬
هارولد لويد كان أحد هؤلاء الذي‮ ‬كان لابد أن‮ ‬يحط في‮ ‬مركز متأخر‮. ‬لم‮ ‬يكن نسخة من تشابلن ولا من كيتون،‮ ‬بل كان نسخة من ذاته‮. ‬وهذا شيء إيجابي‮. ‬إيجابي‮ ‬أيضاً‮ ‬تلك القدرة على تصميم مآزقه الضخمة‮.‬‮ ‬أكثر أفلام لويد نجاحاً‮ ‬وقيمة هو‮ »‬الأمان أخرا‮« (٣٢٩١) ‬المشهور بمشهد الكوميدي‮ ‬المذكور وهو‮ ‬يتعلّق من ساعة كبيرة موضوعه على جدار إحدى ناطحات السحاب‮. ‬عقرب الساعة‮ ‬يكاد‮ ‬ينكسر بسبب وزن لويد والمسافة بينه وبين الأرض تحته عدة مئات من الأمتار‮.‬
لكن هارولد لويد لم‮ ‬يترك ذات الأثر‮. ‬بعض أفلامه‮ (»‬سبيدي‮« ٨٢٩١‬،‮ »‬ظفر البقرة‮«- ٩٢٩١) ‬‮ ‬عادية في‮ ‬فحواها وفيما تود قوله وطرحه كما في‮ ‬الطريقة الإجمالية على صعيد العمل إخراجاً‮ ‬وتصويراً‮.‬
أفضل بكثير،‮ ‬وأبقى للذاكرة العديد من تلك الأفلام القصيرة التي‮ ‬مثّلها كل من لوريل وهاردي‮. ‬إنهما لليوم أنجح وأفضل ثنائي‮ ‬كوميدي‮ ‬عرف طريقه الى الشاشة في‮ ‬أي‮ ‬مكان من العالم‮. ‬


في‮ ‬الخمسينات والستينات كانت النظرة النقدية للوريل وهاردي‮ ‬تختلف عما هي‮ ‬اليوم‮. ‬النحيف والبدين السابقين للثنائي‮ ‬الأقل قيمة بد أبوت ولو كوستيللو،‮ ‬عملا بتناغم مثالي‮. ‬الكيمياء بينهما كانت حاضرة على الدوام‮. ‬والكوميديا،‮ ‬حركة وتوقيتا وإلقاءاً،‮ ‬لم تكن ملك واحد منهما بل كلاهما معاً‮ ‬ومن دون مراعاة من‮ ‬يأتي‮ ‬أولاً‮. ‬على عكسهما كان‮ ‬أبوت وكوستيللو‮ ‬يعتمدان على‮ »‬القفشة‮« ‬حيث كان الأول أشبه بالخواجا بيجو والثاني‮ ‬قريباً‮ ‬من أبو لمعة الأصلي‮ (‬في‮ ‬تلك المسلسلات الإذاعية التي‮ ‬وصلتنا في‮ ‬الستينات‮). ‬الأول‮ ‬يطرح السؤال والثاني‮ ‬يرد عليه بما‮ ‬يضحك‮. ‬الأول‮ ‬يقوم بالفعل والثاني‮ ‬بردة الفعل الأكثر إضحاكاً‮. ‬

‮// ‬الكوميديا اليهودية‮ //
لوريل وهاردي‮ ‬عملا معاً‮ ‬قبل الفيلم وخلاله بتواؤم ومن دون‮ ‬غيرة وتنازع لذلك كوميدياتهما أصلية،‮ ‬بارعة،‮ ‬لديها ما تقوله وتقوله بأبسط الأدوات‮ (‬والميزانيات كانت دائماً‮ ‬صغيرة وأحياناً‮ ‬صغيرة جداً‮) ‬لا‮ ‬يمكن النظر اليها كأعمال فنية،‮ ‬لكن فيها أفكاراً‮ ‬رائعة كما الحال في‮ »‬البيانو‮« (‬كلاهما‮ ‬يدفعان ببيانو ثقيل فوق درجات تؤدي‮ ‬الى البيت العالي‮ ‬وفي‮ ‬كل مرة‮ ‬يصلان فيه الى نقطة مرتفعة‮ ‬يتدحرج البيانو الى الشارع‮. ‬طبعاً‮ ‬الصورة أفضل من الوصف‮. ‬أفلاما أخرى كثيرة،‮ ‬في‮ ‬مهنة ناجحة أمتدت من منتصف العشرينات لمنتصف الأربعينات،‮ ‬حفلت بأفكار في‮ ‬غاية البساطة والتأثير معاً‮. ‬وهما أنجح حينا‮ ‬يكونا طرفي‮ ‬الموقف الكوميدي‮ ‬معاً‮ ‬ومن الخطأ إعتبار أفلامهما ساذجة لمجرد أنها مضحكة‮. ‬
الكوميديا اليهودية،‮ ‬مفهوماً‮ ‬وكتابة وممارسة،‮ ‬برزت لدى‮ »‬الأخوة ماركس‮« ‬وهناك ما‮ ‬يكفي‮ ‬من الجهود المبذولة منذ الثلاثينات والأربعينات من قبل بعض النقاد والمؤرخين لحشر هذا الثلاثي‮ (‬حينا والرباعي‮ ‬في‮ ‬أحيان‮) ‬على القمة ذاتها بجوار كيتون وتشابلن،‮ ‬لكن ذلك لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتم‮. ‬هناك إختلافات كبيرة وقيماً‮ ‬شاسعة الحجم بين ما منحه كل من كيتون وتشابلن لمشاهديهما‮ (‬فناً‮ ‬وسياسة وأفكاراً‮) ‬تتجلّى وحدها حتى حين وضع أفضل ما مثّله الأخوان ماركس‮ (‬مثل‭ ‬‮»‬ليلة الأوبرا‮«) ‬أمام أي‮ ‬فيلم للشامخين تشابلن وكيتون‮.‬
أفلام‮ »‬الأخوة ماركس‮« - ‬وكلها ناطقة‮- ‬هي‮ ‬أفلام تعتمد على الحوار المضحك‮ (‬للبعض على الأقل‮) ‬والسخرية الناتجة عن ملاحظة‮ ‬غروتشو ولذع لسانه أكثر مما تعتمد على فنية المعالجة الكوميدية‮. ‬أحياناً‮ ‬تشعر بأن السخرية الكاريكاتورية الطاغية‮ (‬بدون بعد‮) ‬متاحة لاؤلئك الذين قد تبسطهم أقل النكات المنشورة‮. ‬ليس أنها كوميديات مبسّطة وعقيمة‮ ‬كما الحال في‮ ‬سلسلة أعمال‭ ‬بد أبوت ولو كوستيلو او‮ »‬الأغبياء الثلاثة‮« (‬الأسوأ بلا منازع‮)‬،‮ ‬لكنها تبقى ساذجة ولا تؤدي‮ ‬الى بعد‮ ‬يتجاوز الفيلم،‮ ‬وأحياناً‮ ‬كثيرة لا تؤدي‮ ‬الى بعد‮ ‬يتجاوز المشهد الواحد نفسه‮.‬

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular