Jun 6, 2009

ISSUE 425 | أين أصبحت السينما البديلة؟ كريستوف كيسلوفسكي | عثمان سمبان


إضافة: أنيماشن نايشن | الناقد والنصف| فيلم سوري متسابق عالمياً٠

في هذا العدد | جون سايلس | سينما المؤلّف | أين هي السينما البديلة؟ | ثلاثة ألوان للمخرج كريستوف كيشلوفسكي | عامان على غياب عثمان سمبان: صوت السينما الأفريقية٠
زوايا
| كلمات من نديم جرجورة | بريد٠


(FADE IN)

Planet 51

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنيماشن ناشن

شاهدت »فوق« في عرض خاص هنا في لوس أنجيليس ثم دخلت صالة تعرضه بطريق الخطأ قبل أن أنتبه الى ذلك. حالما نظرت الى ساعتي متسائلاً عن سبب تأخّره حتى أدركت الإلتباس. لكن بسبب ذلك الخطأ شاهدت عدداً من أفلام الأنيماشن المقبلة الى صالات السينما ونصفها بالأبعاد الثلاثة وأكثر من ذلك لا يبدو أنه أكثر من كوميديات مرسومة٠
المؤكد أن سينما الأنيماشن الأميركية تعيش ربيعها الثاني هذه الأيام على اعتبار أن ربيعها الأول كان مع ازدهار سينما أنيماشن مختلفة من أواخر الثلاثينات شملت كل تلك الكلاسيكيات التي تخصصت فيها ديزني. أما وقد أصبح الأنيماشن انتاج مشاع بين عدّة ستديوهات أخرى، فإن خاتم ديزني هذه الأيام يبدو مفقوداً الا حين تتعاون مع شركة بيكسار٠
سأترك نقد »فوق« الى العدد المقبل من »فيلم ريدر«، أما الصورة المنشورة أعلاه فمن فيلم »الكوكب 51« الذي بدا أكثر تلك الأفلام إثارة للإهتمام- سنرى٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الناقد والنصف
يسألني صديق على الهاتف يعمل في أحد مصارف مدينة الشارقة لكنه متابع جيّد للسينما لماذا أنا قاس على النقاد العرب؟ أتكلّم قبل أن ينتهي من سؤاله فيقول: "لحظة، لحظة، لا تقاطعني. أسمعني للآخر: حديثك الدائم عن اخفاق النقد العربي في الوصول الى المرتبة التي تعتبرها حرفية ومهنية مثالية قد يبدو أحياناً ظلم ينال الجميع. كذلك حين تتحدّث عن النقاد الذين قد لا يريدون مشاهدة كل الأفلام كما تفعل أنت. يا أخي هم أحرار"٠

أجبته في خمس دقائق قبل أن أتذكر أن المكالمة ليست مجانية وأنا الذي سيدفع فاتورتها بعد حين، ووعدته أني سأتحدّث في الموضوع وها أفعل٠
لماذا حين تدخل طبيب أسنان نريد منه أن يعرف كل شيء ولا تطمئن له إذا ما كان ماهراً في الرصرصة وليس في الخلع فقط . لماذا حين تسلّم سيارتك للميكانيكي تريد أن تتأكّد أنه أمهر خلق الله في عمله وأنه سوف يسّلمك السيارة أفضل مما كانت عليه؟ والأستاذ الخاص لإبنك؟ والمهندس المعماري لمنزلك؟ وماذا عن الطبيب والجرّاح والمصرفي وبائع الكومبيوتر وأي رجل أعمال آخر في أي مهنة.... لكن حين يصل الأمر للمادة الثقافية فمن الممكن التساهل؟
ولأي سبب؟
ما هي الغاية المنطقية من التساهل؟
ليس هناك من اي مجموعة تعمل في أي ميدان او حقل متساوية في المعرفة والخبرة. لكن طلب الكمال واجب. عدم القدرة على بلوغه أمر آخر. مع صديقي حق في أن كل حر في الدرجة التي يريد أن يعمل ضمنها، لكن هذه الحرية لا تجيز لممارسها الإدعاء. ليكن المرء جريئاً ويقول: هذا ما لا أستطيع الكتابة فيه لأني لم أدرسه او لأني لا أحبّذه. لكن أن يحمل لواء النقد ويتشطّح به ثم يكتب في جريدته- كما فعل أحدهم ذات مرّة- "لقد وصلت الآن الى الدرجة التي أشاهد فقط أفلام المخرجين الكبار" فإن ذلك تسفيهاً بالنقد السينمائي طولاً وعرضاً٠

طبعاً هناك من يتخصص: هناك نقاد يعرفون باطن وظاهر السينما الكورية، وآخرون كل شيء عن سينما الأنيم وآخرون عن سينما الأنيماشن او الأفلام ذات الصلة بالمصادر الأدبية، وهناك زميل لي منصرف حالياً للسينما الهندية- لكنه يجيد الكتابة في كل شيء آخر٠ هذا التخصص شيء أما القول أن الناقد سيعتبر نفسه قد وصل بعد بداية لا تتعدّى ثلاث سنوات وأصبح بمنأى عن مشاهدة 90 بالمئة من الأفلام لأنها ليست لمخرجين كبار فإن ذلك بلاهة. أي إنسان يرضى بأن يتوقّف عن التعلّم في أي مهنة والإستمرار في تثقيف نفسه في مجال عمله والعناية بها (كما العناية بالصحة البدنية- إذا ما كان يفعل) هو نصف. نصف ناقد. نصف حدّاد. نصف رسّام. نصف مهندس. نصف٠

لم أحضر "كان" هذه السنة لكني بدأت مشاهدة أفلام المسابقة واحداً وراء آخر نظراً لأننا سنصوّت على معظمها في جائزة الغولدن غلوب المقبلة، لكني أتساءل كم ناقد عربي جلس وشاهد فيلم الرسوم المتحركة "فوق"؟ لا أتحدّث عن من انشغل وكان يود لو، ولا عن الذي وصل في نفس ذات يوم الإفتتاح ولم يستطع، بل عن اولئك الذين آثروا البقاء في البيت او المقهى او دخول الكازينو٠

أعتقد أن الفارق بين ناقد وآخر في نهاية المطاف هو بين واحد يضع في باله حاجة جمهوره ووظيفته التي انصرف اليها بغاية نشر ثقافة سينمائية شاملة، وبين واحد يشتغل لأي غاية أخرى٠

لذلك مستوى البرامج التلفزيونية الخاصّة بالسينما من الضحالة بحيث أنك تستطيع أن تغيّبها من دون أن يشعر أحد بغيابها٠ كذلك الحال مع معظم من يكتب في المادّة السينمائية (ليس عربياً فقط بل عالمياً أيضاً). لكن عربياً، هناك سعي حثيث للإنخراط في حرق الثقافة السينمائية عن بكرة أبيها يشترك فيها المنتج السينمائي والكاتب السينمائي والمتطرّف الديني والمسؤول الحكومي معاً وكل من يصنع او يشارك في صنع عمل رديء. كل نصف قرر أن هذا المستوى يكفيه وراح يؤلّف مقالاته من سرقة مقالات الآخرين. وما يقال عن السينما يقال عن باقي الفنون وباقي الثقافات. هناك تجهيل منشود من قبل مجموعة تعلم ومجموعة تمارس من دون علم لكن الغاية هي إفقارنا حتى لا نفكّر ولا نتقدّم ولا نتعاون ولا نحل مشاكلنا لا مع أنفسنا ولا مع سوانا. لأن العلم نور والجهل ظلام إذاً .... الغاية هي إبقاءنا (او إبقاء من لا يعرف منا) في ذلك الظلام. وهو تجهيل يأتي مطابقاً مع المرحلة السياسية التي تعيشها المنطقة ٠

إذاً، كيف لا أكون قاسياً -وكل ما عندي لاستخدامه في القسوة هو الكلمة- وأنا أرى المهنة التي صرف بعضنا حياته من أجلها وهي تُداس من قبل جاهلين وقاصرين ونصّابين ومعتدين؟ هذا هو السؤال يا صديقي الذي أنعم الله عليك بحب السينما وعدم العمل فيها٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليل سوري في صقلية

لا توجد أزمة إقتصادية في مواجهة مهرجان تاورمينا المنطلق بعد أيام قليلة (من 13 الى العشرين من الشهر الجاري) بل نحو نصف مليون دولار إضافة على ميزانيّته كما أقرّت حكومة مقاطعة صقلّية. تاورمينا أعلن عن قائمة أفلامه ومنها »الليل الطويل« لحاتم علي (سوريا) و»لغز؟« لأنطونيو كابوانو (إيطاليا) و»حدث ذات مرّة في سوول« لهونك-جون باي (كوريا) و»كالين« لإرمك تورزونوف (كازخستان)٠
سعيد أن السينما السورية تدخل -أخيراً- مجال المنافسة الدولية . ليس أنها المرّة الأولى عملياً، لكنها من المرّات القليلة جدّاً بالنسبة اليها. مبروك٠

م. ر


في النقد وفلسفة الفيلم | من هو المؤلّف في سينما المؤلّف؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من هو المؤلّف في سينما المؤلّف؟
في المقابلة التي أجراها الزميل هوڤيك حبشيان مع رئيس مهرجان "كان" السينمائي ونُشرت في »النهار« أولاً، أتي جيل جاكوب على ذكر أن الدورة الأخيرة تميّزت -بين ما تميّزت به- بتقديم الأفلام المنتمية الى سينما المؤلّف. هذا في نظره بالطبع السبيل الذي يرى أن "كان" سيمضي فيه والدور الذي عليه أن يلعبه٠

في القانون الفرنسي، وفي قانون الإتحاد الأوروبي، المخرج سيبقى دائماً "مؤلف الفيلم" او، في حالات، أحد مؤلّفيه. فهو الذي أوجد الفيلم وكوّنه كقطعة فنية، كما الموسيقار وكما المؤلّف الروائي وكما المسرحية، ولا يجوز سحب هذا الإعتراف منه. طبعاً هذا في الدول الأوروبية لكنه ليس في الدول ذات الصناعات التجارية الكبيرة عالمياً او أقليمياً كالسينما الأميركية والمصرية والهندية، ولا في عدد كبير من الدول النامية خارج أوروبا حيث السينما لا زالت تنمو منذ ثمانين سنة او نحوها (لبنان، سوريا، الدول الأفريقية، الخ....)٠ وهو حق مهم ينتزعه المخرج في أوروبا منذ الخمسينات عندما أخذ هذا التعبير يتردد بفضل نقاد الكاييه دو سينما، المجلة الفرنسية التي حررها تروفو وشابرول وغودار ورومير قبل أن يصبحوا مخرجين نموذجيين لما تعنيه تلك العبارة٠
المقابل- الضد للمخرج مؤلّفاً هو المخرج منفّذاً. ضمن هذا المنظور تم لهؤلاء تقسيم المخرجين الأميركيين في تلك الفترة فاعتبر هوارد هوكس وسامويل فولر وألفرد هيتشكوك وأشكالهم مؤلّفين، بينما تم اعتبار العديد الآخر من المخرجين الأميركيين (جيدين وغير جيّدين) منفّذين، أي أنهم جزء من الصنعة السينمائية التي يقدمون عليها منفّذين -عبر السرد واختيار العناصر الفنية وكيفية معالجتها- ما يودّه الاستديو ومن يديره من المنتجين. في هذا الصدد، إذا أرادت وورنر من ملڤين ليروي تحقيق فيلم من بطولة جيمس كاغني في واحدة من شخصياته البوليسية الشريرة فإنه يتبع بذلك وصفة تجارية منصوصة يعلمها الجميع. هذا لا يعني أن ملفين ليروي مخرج رديء ولا يعني أن جيمس كاغني ممثل رديء، ولكن يعني أن ليروي ليس مخرجاً مؤلّفاً مستقل الأسلوب سواء كان الفيلم الذي يقدّمه من إنتاج الأستديو الكبير او مجرد شركة صغيرة٠

لكن هناك مشاكل غير محلولة ضمن نظرية سينما المؤلّف من حيث عملية التأليف. وحين أقول غير محلولة لا أعنى أن المخرجين الفرنسيين او الأوروبيين بالإجمال تجنّبوها او أنها هي غير قابلة للحل. واحد من هذه المشاكل هي دور كاتب السيناريو في العملية التأليفية٠
أنصار سينما المؤلف اعتبروا أن المخرج هو الكلمة الفاصلة في مسألة الفيلم وأن السيناريو يؤول اليه ويكتسب حرفته ويخضع لأسلوب عمله. وهذا صحيح، لكن هذا لا يجيب تماماً على نسبة الإبداع التي مارسها كاتب السيناريو خصوصاً إذا ما كان السيناريو غير مقتبس من مادّة أصلية. معارضو النظرية استندوا الي هذا الشرخ ليقولوا أن سينما المؤلف تسقط في التطبيق. البعض، كالناقد البريطاني الراحل رايموند دورانت، الذي كان من أبرز نقاد ومنظّري زمانه (الخمسينات والستينات والسبعينات) مضى معتبراً أن الفيلم ينتمي الى جميع من يعمل فيه. هو لم يرد أن ينفي أهمية سينما المؤلّف بل أراد التذكير بأن إرجاع التأليف لشخص المخرج وحده بينما الفيلم مؤلّف من عناصر عدّة يغبط حق الباقين٠

الى هذا الإختلاف، هناك حقيقة أن الموقف المؤيد لسينما المؤلف هو، الى حد كبير، موقف سياسي، كذلك الموقف الذي يعارض تلك السينما

م.ر٠

سينما عربية | هل خسرت السينما البديلة معركتها الى الأبد؟ | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يوسف شاهين
الدور الذي‮ ‬آلت إليه وسائل التواصل البصري‮ ‬المختلفة في‮ ‬العالم العربي‮ ‬في‮ ‬العقود الثلاثة الأخيرة،‮ ‬ليس الدور الذي‮ ‬كان البعض منّا،‮ ‬نحن المعجبون والمتيّمون بالسينما فناً‮ ‬وعلماً‮ ‬وتاريخاً،‮ ‬يتمنّاه‮.‬
فمنذ منتصف الثمانينات،‮ ‬أضف او اختزل عاماً‮ ‬او إثنين،‮ ‬تراجعت أهمية الثقافة السينمائية في‮ ‬بعض أهم وجوهها ومنها الوجهين الثقافي‮ ‬والنقدي‮. ‬هذا الغياب لم‮ ‬يأت من فراغ‮ ‬بل صاحبه بضعة تحوّلات في‮ ‬الثقافة العربية عموماً‮ ‬وفي‮ ‬صلب الحياة السياسية العربية التي‮ ‬عادة ما تؤثر،‮ ‬بشتّى إتجاهاتها،‮ ‬سلباً‮ ‬او إيجاباً،‮ ‬في‮ ‬الأوضاع الإجتماعية والثقافية والإعلامية كما الفنية تحديداً‮.‬
من بين هذه المتحوّلات‮:‬
‮❊ ‬الحرب اللبنانية‮ ‬والإنقطاع عن التواصل الذي‮ ‬كان شأناً‮ ‬يومياً‮ ‬بين لبنان وخارجه‮. ‬في‮ ‬هذا الإطار،‮ ‬لا‮ ‬يُخفى وضع مدينة بيروت قبل الحرب الأهلية‮ (٥٧٩١- ٦٨٩١) ‬كمركز نشر عربي‮ ‬وكملتقى مفضّل لمثقفين من مختلف الفصائل والإتجاهات وكعاصمة كانت‮ ‬تحوّلت الى جملة مراكز سينمائية سواء أكانت مراكز إعلامية سياسية‮ (‬معظم الأعمال السينمائية الفلسطينية تمّت فيها‮) ‬او مراكز عروض جماهيرية مختلفة عن السائد‮ (‬أشبه بسينماتيك على مدار السنة‮) ‬او كرائدة في‮ ‬مجال تحويل الكتابة السينمائية من شأن أكاديمي‮ ‬منشور او متداول بوسائط أخرى،‮ ‬الى شأن ثقافي‮ ‬شامل وأكثر قدرة على جذب هواة السينما‮. ‬حال خرج لبنان من الحرب،‮ ‬التفت ليجد أن المراكز الصحافية‮ (‬وهي‮ ‬إحدى دعائم الثقافة المنشورة في‮ ‬العالم العربي‮) ‬انتقلت الى باريس او لندن او الى عواصم عربية أخرى،‮ ‬وأن العروض‮ ‬

‮❊ ‬تغيُّر المسار المصري‮ ‬في‮ ‬مرحلتي‮ ‬الرئيسين أنور السادات وحسني‮ ‬مبارك الذي‮ ‬أنعكس مباشرة على ذلك التعاطي‮ ‬الذي‮ ‬مارسته السياسات السابقة مع العالم العربي‮. ‬كذلك في‮ ‬صلب الإنعكاسات توقّف النشاطات التي‮ ‬كانت المراكز الحكومية المصرية تمارسها إيماناً‮ ‬منها بالثقافة والفن،‮ ‬فتوقّف القطاع العام عن ضخ التأييد للمواهب شابّة او مختلفة،‮ ‬كما‮ ‬غابت إصدارات ثقافية متعددة واختفت منشورات‮. ‬تبعاَ‮ ‬لذلك،‮ ‬شهدت مطلع الثمانينات حركة سينمائية مصرية جسّدت روحاً‮ ‬جديدة لم تكن السينما المصرية عرفتها،‮ ‬بهذا الشكل والحجم،‮ ‬في‮ ‬تاريخها‮. ‬هذه الحركة سُمّيت بـ‮ »‬أفلام المقاولات‮« ‬وعرفت صنع أفلام بأرخص الأسعار وبأقل قدر من الجهود في‮ ‬أي‮ ‬من ميادين صناعتها‮ (‬كتابة،‮ ‬إخراجاً،‮ ‬تمثيلاً،‮ ‬تصويراً‮ ‬الخ‮...). ‬ومع أن هذه الحركة لم تستمر بالزخم نفسه مع مطلع التسعينات،‮ ‬الا أنها كانت نموذجاً‮ ‬يُحتذى به لاحقاً‮ ‬وحتى اليوم من حين لآخر ولو اختلفت بعض المعايير المعتمدة تجارياً‮.‬

‮❊ ‬وجه ثالث من وجوه التحوّلات هو الفشل الذي‮ ‬صاحب التجارب التي‮ ‬أقدمت عليها الحكومات الإشتراكية في‮ ‬كل من مصر والجزائر والعراق وسوريا عندما أنشأت مؤسسات لإنتاج الأفلام بتمويل حكومي‮ (‬سُميّت عموماً‮ »‬بالمؤسسات العامّة‮«). ‬ومع أن الفشل كان متفاوتاً‮ ‬جداً‮ (‬حسب أهمية النتائج تأتي‮ ‬المؤسسة العامة المصرية اولاً‮ ‬ثم الجزائرية ثم السورية والعراقية في‮ ‬مركز ثالث‮) ‬الا أنه عكس حقيقة أن المشكلة لم تكن في‮ ‬المبدأ بل في‮ ‬التطبيق‮. ‬بكلمات أخرى لم تكن في‮ ‬حاجة الدولة التي‮ ‬أنشأت المؤسسة العامة الى تشجيع الإنتاج السينمائي‮ ‬المُميّز،‮ ‬بل في‮ ‬وسائل تطبيق‮ ‬وتنفيذ تلك الحاجة‮. ‬فبالنسبة للبعض منها‮ (‬العراقية بالأخص‮) ‬تحوّل القطاع العام الى وسيلة نشر حكومية مصوّرة لسياسات النظام القائم ومنصّة دعائية لها‮. ‬بالنسبة لمؤسسات أخرى‮ (‬السورية مثلاً‮) ‬فإن وجودها أصبح طاغياً‮ ‬ومهيمناً‮ ‬على الحركة السينمائية الداخلية‮ (‬إذ شلّت حركة القطاع الخاص او لفظ الروح‮). ‬بذلك تحوّل القطاعات الى صناديق وفي‮ ‬حالات كثيرة حجّم كل ذلك الروح الإبداعية التي‮ ‬كانت سادت او وُلدت في‮ ‬السنوات الأولى من قيام كل مؤسسة على حدة‮.‬

جوسلين صعب

الرهان في‮ ‬أوج النجاح الذي‮ ‬حققته السينمات العربية في‮ ‬الستينات والسبعينات كان متمحوراً‮ ‬على جمهور عربي‮ ‬مترامٍ‮ ‬يَقبل بالسينما الجديدة‮ ‬ويُقبل عليها‮. ‬يتغذّى منها ويُغذّيها‮. ‬لكن ما أن ضعفت الكيانات الثقافية‮ (‬من ناحية‮) ‬والإنتاجية‮ (‬من ناحية أخرى‮) ‬وما أن انشغلت لاحقاً‮ ‬بمتابعة المتغيّرات السياسية من دون قدرتها على التأثير فيها،‮ ‬حتى تبيّن أن الجمهور السائد لم‮ ‬يتغيّر ولم تؤثر فيه تلك الأفلام تأثيراً‮ ‬كبيراً‮.

محمد ملص ‬

للإنصاف هنا،‮ ‬فإن العديد من المثقّفين والنقاد لم‮ ‬يتوقّع أن تحتل السينما البديلة الصدارة‮ ‬او أن تكون‮ »‬بديلاً‮« ‬بمعنى الخلافة الكاملة للسينما الموصومة آنذاك،‮ ‬والى اليوم،‮ ‬بـ‮ »‬التجارية‮« ‬والتي‮ ‬من الأفضل دوماً‮ ‬تسميتها بالسائدة‮. ‬لكن أسلوب الطرح الذي‮ ‬خطّه معظم النقاد والمثقفين السينمائيين آنذاك لم‮ ‬يكن السبيل الصحيح لتنشيط الوعي‮ ‬الجماهيري‮ ‬على نحو شاسع ومؤثر‮.‬
السينما الثورية الفلسطينية وسينما الثورة الجزائرية والأفلام الجادة التي‮ ‬موّلتها المؤسسة المصرية العامة للسينما كانت مطلوبة وضرورية ومُؤيّدة من قبل الساعين لعالم عربي‮ ‬متغيّر ومتقدّم‮. ‬لكن ما أن أطلّت الثمانينات وتنامت المسفات الفاصلة بين المطلوب ثقافيا وفنياً،‮ ‬وبين ذلك المطلوب مادياً‮ ‬وتجارياً،‮ ‬حتى عادت الساحة للجمهور الغالب‮.
رضا الباهي
‮إذاً؟ هل خسرت السينما البديلة والهادفة والجادة معركتها الى الأبد؟
ليست المسألة أبدية، وبالتأكيد ليست مسألة خسارة او ربح على أساس أن كل شيء غير شعبي، قليل الإنتشار سواء أكان ذلك مجلة سينمائية، او فيلم سينمائي، او مدوّنة على الإنترنت، او برنامجاً مفيداً. إنها النسبة ذاتها في معظم أزمنة العصور المتعاقبة باستثناء أن الستينات والسبعينات شهدت إرتفاعاً ملحوظاً في هذه النسبة نظراً لأن العالم كله تعرّض الى نهضة ثقافية ومتغيّرات سياسية صبّت ايجاباً فيها
على هذا الأساس، فإن القاعدة التي نقف عليها جميعاً هي التي عليها أن تتغيّر لتعيد للثقافة العربية، وغير العربية في إطار أوسع. وهذا التغيير لا يتم الا بتكافل جهود حكومية (كما يحدث في مواقع مختلفة) وشعبية (كما يحدث في مواقع أخرى) . عملية تأخذ وقتاً لكنها ليست مستحيلة


ملفات | كريستوف كيشلوفسكي: حين يروي اللون دواخل الإنسان | ميسر المسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يخصنا الناقد السوري ميسر المسكي بملفّاته هذه
وحلقة اليوم هي عن المخرج كريستوف كيشلوفسكي
من خلال أفلامه الثلاث التي حوّلته الى أيقونة بين أترابه
الأوروبيين- المحرر٠



لم يأتي كيشلووفسكي إلى عالم السينما عن قصد ٍ وتخطيط، بل أن الظروف قادته إلى الإلتحاق بمعهد ٍ للتدريب على تقنيات المسرح كان يملكه أحد أقربائه. و هو قال لاحقا أن لو قريبه ذاك كان يملك مصرفا لكان كيشلووفسكي الآن يعمل في مجال المال و المصارف٠
تقدمَ كيشلووفسكي مرتين بطلب ٍ للإنضمام إلى معهد لودج البولوني الشهير للسينما (من خرّيجيه: أندريه فايدا ورومان بولانسكي) لكنه رُفض. في المرة الثالثة قـُبل طلبه. تخَرَجَ كيشلووفسكي من المهعد عام 1968 و عَملَ في السينما الوثائقية سنوات طوال نالَ فيها سمعة طيبة، قبل أن يُقدم على أول إنتاج سينمائي روائي له و ذلك في فيلم "موظفين" عام 1975. ينقل أصدقاء كيشلووفسكي عنه أنه قد أقسمَ مرة أنه لن يعمل إلا ّ بالسينما الوثائقية و لن يعمل خارج بولندا. لكن يبدو أن مخرجنا ما كانَ قد أقسمَ إلا ّ ليكسر قسمه. في عام 1991 قـَدّمَ كيشلووفسكي فيلمه الأول خارج بولندا بتمويل فرنسي "حياة فيرونيك المزدوجة". النجاح الذي صادفهُ الفيلم سَمَحَ بتأمين التمويل الفرنسي لثلاثية كيشلووفسكي "ثلاثة ألوان: أزرق، أبيض، أحمر" و هي ألوان العَلـَم الفرنسي. كيشلووفسكي أسقـَط َ رؤياه الخاصة على معاني الألوان تلك. فالأزرق هو عن الحرية، الأحمر عن الأخوّة، أما الأبيض فهو عن المساواة٠
لم يتناول كيشلووفسكي رموز الألوان تلك من المنظور السياسي بل من المفهوم الميتافيزيكي لحالة شخصيات أفلامه الثلاث. حصدت هذه الأفلام الكثير من النجاح و الإحتفاء بها في المهرجانات العالمية٠
توفي كريستوف كيشلووفسكي عن عمر يناهز 54 عاما إثر مضاعفات عملية قلب ٍ مفتوح خَضَعَ لها بعد إصابته بنوبة قلبية و ذلك عام 1996٠
"أزرق"

فيلم كيشلووفسكي الأول في الثلاثية هو عن الحرية. حرية الفرد من آلامه. حرية الفرد من ذكرياته التي تعذبه. حرية الفرد في إختيار حياة بدون٠
" ذكريات، حب، و لا حتى أطفال".
الفيلم عن رحلة أمرأة تحاول إنتشال نفسها من قاع اليأس عبر تخليها عن كل ما يربطها بالماضي الذي لا تعود ذكرياته إلا ّ لمزيد ٍ من تمزيق الروح التي إستكانت إلى نفي ذاتها خارج الماضي ...والحاضر! ٠
مُرهَف فيلم كيشلووفسكي. و رهافته حادّة كنصل السكين٠
جولي (جولييت بينوش في دور لامع و آخّاذ)، زوجة موسيقي شهير و إبنتهما يتعرضون لحادث سيارة على طريق ٍ ريفية. يقضي الزوج و الإبنة و تنجو جولي بجراح ٍ عميقة في الجسد و الروح. تحاول الإنتحار وتتراجع. عليها الآن أن تواجه ذكرياتها التي تداهمها في كلّ لحظة من حياتها و التي تقودها كلّ مرة إلى مواطن أعمق من الألم. تُقرر جولي الإنقطاع التام عن ماضيها. تبيع المنزل الذي طالما كان جزءا من الماضي، تنقل والدتها إلى دار للمسنين، تحرق المخطوطة الموسيقية الأخيرة التي كان يعمل عليها الزوج. و في تصفية حساب ٍ أخير مع الماضي تدعو صديق العائلة، و الذي كانت طالما تعلم أنه يحبها لكنه لم يجرؤ على البوح أيام كانت زوجة صديقه الموسيقي، تدعوه إلى ليلة حبٍ أخيرة و تغادر خلسة عند الصباح إلى حياتها الجديدة التي أرادتها حُرّة من كل الماضي. حياة لا صعود فيها و لا هبوط، لا هضاب و لا وديان، لا تعاسة ولا سعادة. هي حياة مسطحة إلى اللانهاية٠
كيشلووفسكي لا يستدّر عطفنا و لا دموعنا لمأساة جولي. هنا ليس هناك من ميلودراما إنفعالية تدفعنا للتماهي مع آلام جولي الثكلى بزوجها و إبنتها. يترك المخرج مسافة صريحة بين الشخصية و المـُشاهد. كيشلووفسكي لا يبحث عن مناديل تخرج من الجيب لتكفكف الدمع. بل يبحث عن دراسة في الموت و الحزن و الطبيعة المـُدمّرة للذاكرة. عن محاولة أمرأة لإن تعيش من جديد في حياة حرّة من الماضي٠
أداء جولييت بينوش البديع للشخصية يضيف لهذه المسافة بيننا و بين جولي. أداء منضبط، ملجوم، لا يستدّر التعاطف. نعلم أن الألم حاضر في كل ساعات أيامها، لكنها لا تـُظهره. هي لا تريد التواصل مع الناس حولها. لا تريدهم في عالمها الجديد و لا ترغب أن تدخل عوالمهم. و حتى عندما يصل الألم إلى ذروته داخل جولي فهي تـُنزل بنفسها ألم ٍ جسدي لكي تـُفرّغ هذه الشحنة من العذاب. (مشهدٌ قاس ٍ حين تمرر جولي ظهر يدها العارية على جدار ٍ حجري شديد الخشونة. و في المشهد التالي نرى أثر الندوب على يدها. بينوش قالت أنها أدّت هذا المشهد بشكل حقيقي)٠
أغلب لقطات الفيلم مُقرّبة (كلوز - آب) فـ كيشلووفسكي يريد الإقتراب من جولي و الدخول إلى عالم حُزنها الدفين و الذي لا تريد هي أن تشارك الآخرين به. هذه اللقطات المـُقربة التي تسيطر على الفيلم، هي محاولة جولي التركيز على الأشياء الصغيرة المـُحيطة بها لإغلاق عالمها الداخلي المكسور بالحزن على كل ما يذكرها بالماضي كما يشي برغبتها في البقاء متحررة من أي إرتباط إنساني مع الأفراد اللذين تلتقيهم في حياتها الجديدة والمتوحدة التي إختارتها٠
في واحدة من تلك اللقطات الـُمقرّبة نرى جولي تـُمسك بمكعب سكر ناصع البياض و تغطـّس طرفه بفنجان القهوة، فتنتشر القهوة السوداء بسرعة في المكعب و يبدأ بالتفكك. لقطة واحدة بديعة تصف حالة جولي حين إنتشرَ سواد الحزن في حياتها إثر فقدانها للزوج و الإبنة.
كيشلووفسكي، و رغم جوّ الحزن القاسي المـُسيطر على الفيلم، يُبقي السؤال دائما مموها : هل تستطيع جولي أن تبقى مفصولة عن الحياة حولها؟ هل ستعوضها محاولاتها المتكررة للعودة إلى ذاكرة الجنين قبل الخلق (مشهد يتكرر حيث جولي تغطس في المسبح و تبقى تحت سطح الماء) عن علاقة إنسانية مع من يحيط بها؟
جولي حرّة في أن تختار الحياة أو الموت. كما أنها حرّة في رغبتها الإستقلال عن آلامها. لكن هل تستطيع إغلاق روحها عن الحياة؟
في مشهد أخير بديع و شديد البلاغة، ترافقه موسيقى أوركسترالية عالية النبرة، نرى جولي جالسة في فراشها دامعة العينين فيما تمرّ و ببطء صور كل اللذين إلتقتهم في حياتها الجديدة. لقد أمتصّت وجودهم إلى داخلها، أصبحوا ذاكرتها الجديدة. صارَ لها حياة من جديد. على وجه جولي في اللقطة الأخيرة نرى شيء ما قد يشبه الإبتسامة قبل أن تتلاشى الصورة في السواد٠
نالَ الفيلم جائزة أفضل فيلم و أفضل ممثلة في مهرجان فينيسيا لذلك العام٠

"أبيض"

في الجزءالثاني من ثلاثيته يتناول كيشلووفسكي برؤياه الخاصة مفهوم المساواة الذي يرمز له اللون الأبيض في العلم الفرنسي. إنها المساواة التي يسعى إليها كارول، المهاجر البولندي الذي يجد نفسه على قارعة الرصيف بعد أن طلـّقته زوجته الفرنسية لإنه لم ينجح في أداء واجبه الزوجي في زواج ٍ لم يعمّر أكثر من ستة أشهر٠
إذا ، كارول مُعدَم الحال، غارق في الحنين إلى وطنه، مُهان من زوجته، لكن في داخله تتـّقد الرغبة بأنتشال نفسه من القاع الذي بلغه و العودة إلى السطح ليبلغ المساواة مع زوجته (الفرنسية جولي ديلبي) التي لم تترك فرصة إلا لتعمّق من إحساسه بالذلّ.
داخل حقيبة صديق بولوني يضغط كارول جسده (لا يملك جواز سفر و لا المال لإستصدار واحد جديد) لأربع ساعات في رحلة جويّة تنقله من باريس إلى وارسو. في المطار يسرق اللصوص الحقيبة و حين يكتشفون خيبتهم بمحتوياتها يوسعون كارول ضربا و يرمونه في خلاء مُقفر. كارول الذي تغطي الكدمات وجهه، ينظر حوله ويقول بسخرية : " الوطن أخيرا "٠
في بولونيا يبدأ سعي كارول (دور لا ينسى للممثل البولوني زبينغيو زاماكوسكي) الدؤوب لتكوين ثروة ترفعه من الحضيض و حين يفلح بذلك يبدأ بنصب فخّ مُحكم للإنتقام من زوجته الفرنسية التي يستدرجها إلى بولونيا٠
في "أبيض" عليك أن تقبل الدخول في لعبة كيشلووفسكي الغريبة لتكتشف و تستمتع بحس الطرافة الداكن والدفين لشخص ٍ يبحث عن المساواة بزوجته التي لا زال َيحبها و يكرهها في آن. مساواة تحمل طعم الإنتقام. كيشلووفسكي لا يتيح لنا معرفة ما سيأتي إلا ّ بالقدر الذي يجعلنا متعلقين بسيرة كارول نحو المساواة – الإنتقام. لكن منذ البداية يشي لنا المخرج بحال كارول المقهور في باريس. فعلى درج المحكمة التي يقصدها كارول لحضور جلسة الطلاق من زوجته يمرّ بين سرب ٍ من الحمام على الدرج، تطير الحمامات، يرفع كارول رأسه ليتابع أحدها بشغف ٍ ساذج، و فجأة تتبرز الحمامة عليه. مخذول و مُحرَج، يمسح كارول براز الحمام عن كتفه ويدخل المحكمة حيث تكتمل حلقة إذلاله بإعلان زوجته أمام الجميع أنه غير قادر على القيام بواجبه الزوجي٠
كارول الذي بنى ثروة و أستدرج طليقته إلى بولونيا، يفلح أخيرا في ممارسة الحب معها، لقد بلغ َ المساواة و من بعد ذلك يبدأ بلعبة الإنتقام الغريبة و المفعمة بالحبّ الذي ما فارقه نحو زوجته٠
كيشلووفسكي يرسم عبر أفلام ثلاثيته خطـّا بالكاد مرئي يجمع بينها. ففي هذا الفيلم و في جلسة المحكمة و في لقطة سريعة تكاد تغفل عنها لو حركت عينيك بعيدا عن الشاشة لثوان، نرى جولي (جولييت بينوش من الجزء الأول: أزرق) تحاول دخول القاعة لكن الشرطي المولج بالأمن يمنعها.
كما أنه في الأفلام الثلاث يتكرر مشهد تلك المرأة العجوز المحنية الظهر التي تحاول أن تضع زجاجة في صندوق النفايات المخصص للزجاج لكن فتحة الصندوق مرتفعة و تبدو المرأة دائما بحاجة للعون. في "أزرق" فإن جولي التي أختارت الإنفصال عن محيطها لا تساعد السيدة. لكن في فيلمنا الثالث "أحمر" فإن فالنتين الباحثة عن التواصل مع الآخرين تعين السيدة العجوز في وضع الزجاجة في صندوق النفايات٠
يتركك فيلم "أبيض"، فيلم يتركك محتارا فيما إذا كان عن المساواة مع الآخر، أم عن الإنتقام منه، أم الهيمنة عليه. اللون الأبيض في فيلم كيشلووفسكي هو في أكثر درجاته قتامة. قد لا يكون "أبيض" يحمل تلك الشحنة النفسية والعاطفية التي يسبرها كيشلووفسكي ببراعة في "أزرق"، لكنه بالتأكيد له مناخه الخاص في دراسة الجوانب الداكنة والمتناقضة في مسألة الحبّ و المساواة٠
نالَ الفيلم جائزة أفضل مخرج في مهرجان برلين السنمائي لذلك العام٠

"أحمر"

أختار َ كيشلووفسكي اللون الأحمر، و الأخير، في ثلاثيته ليكون عن الأخوّة. لكن ربما كان من الممكن أن نقول أن "أحمر" هو عن كل ما كان يمكن أن يكون و لم يحدث٠
الفيلم عن شخصيات يتقاطع وجودها و حياتها و لهفتها، لكن لا تلتقي٠
فالنتين، شابّة تعمل كفتاة إعلان و عارضة أزياء. نعلم أن لديها صديق لكننا لا نراه بل نسمعه على الهاتف. عبر الشارع من شقتها يسكن شاب على وشك أن يصبح قاضيا و له صديقة يتكرر حضورها الفعلي في سياق الفيلم٠
طوال الفيلم فالنتين و الشاب الذي سيصبح قاضيا تتقاطع خطوط حركتهما (عبر الشارع كل ٍ إلى شقته، أو في المقهى الجاور، أو في حديقة الحيّ...) لكنهما لا يلتقيان ، لا يتعارفان. كل ٍ منهما ساهي عن وجود الآخر. كلٍ منهما يبحث عن آخر ينتمي و يتوق إليه. لكن ذلك لا يحدث. و يترك لنا كيشلووفسكي مساحة للتخيل: ماذا لو إلتقيا؟
في ليلة، تدهس فالنتين (تؤديها أيرين جاكوب بحضور ٍلافت) كلبة كانت تعبر الشارع. تصيبها بجروح ثخينة، لكنها تحملها إلى طبيب يعالجها و من ثمّ تعيدها إلى العنوان المدوّن على طوق الكلبة، حيث تلتقي بقاض ٍ سابق، متقاعد لا يكترث لما حَلّ بكلبته بل و حتى يطلب من فالنتين أن تأخذها لنفسها. اللقاء المتوتر الأول بين فالنتين والقاضي لا يلبث أن يتكرر. لكن في كل مرّة ينفتح كل ٍ للآخر قليلا إلى أن يجدا مساحة للبوح عن دواخلهما٠
القاضي (يلعب الدور بأقتدار الفرنسي المخضرم جان – لوي ترنتينيان) يحمل جرحا قديما حين خانته زوجته وغادرت مع رجل ٍ آخر. لم يستطع أن ينساها. و حين توفيت، بعد سنوات بعيدا عنه، لم يستطع أن يُحب أمرأة غيرها. اليوم هو يتنصت على إتصالات جيرانه و يراقبهم عبر النافذة و يكتشف لوعتهم و شغفهم و بحثهم عن ما كان يمكن أن يكون٠
كيشلووفسكي يترك لنا حرية التخيل أنه كان يمكن لفالنتين أن تعوّض القاضي عن زوجته الراحلة، لكنهما ألتقيا متأخرين أربعين عاما . هو على حافة الرحيل و هي لا تزال تبحث عن إحتمالات الحياة القادمة٠
كما أن قصة هذا القاضي العجوز تتقاطع مع ذلك القاضي الشاب الذي يكتشف فجأة أن صديقته تخونه مع رجل ٍ آخر، فيقرر الهرب من صدمته إلى البر الإنكليزي عبر المانش و على عبارة تتواجد عليها فالنتين الذاهبة لملاقاة صديقها هناك. عاصفة بحرية تضرب العبّارة التي تنقلب و تأخذ معها أرواح المئات.
القاضي المتقاعد يتابع بقلق على التلفزيون التقريرالإخباري الذي يتحدث عن نجاة حفنة من الركاب الذين لا نلبث أن نرى وجوههم على الشاشة، هم كل من لـَعبَ أدوارا رئيسية في الثلاثية: جولي (جولييت بينوش)، (جولي ديلبي)، فالنتين (أيرين جاكوب)، و القاضي الشاب و.......!٠


‮مناسبات | عثمان سَمبَن‮.. ‬صوت السينما الأفريقية الغائب | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مضى عامان على وفاة المخرج الأفريقي عثمان سمبن
اذ رحل في التاسع من هذا الشهر سنة 2007 . لم يكن
مجرّد رجل وراء الكاميرا، بل مؤلّفاً ومناضلاً في السياسة
بغية تحرير افريقيا من الغرب وتحرير الغرب من نفسه٠

‮»‬أول ما‮ ‬يهمّني‮ ‬هو أن أصل الى الجمهور الأفريقي‮. ‬أوروبا وأميركا ليسا مرجعا لي‮- ‬أنهما ليسا مركز العالم‮. ‬أنا سعيد حين‮ ‬يعرض فيلم لي‮ ‬في‮ ‬أوروبا رغم علمي‮ ‬بأن الأوروبيين سيفهمون نصف ما أعنيه فقط‮... ‬الثقافة الأفريقية ثرية جداً‮ ‬جداً‮. ‬ليس لدينا ثقافة واحدة بل عدّة ثقافات التي‮ ‬تجتمع في‮ ‬مكان واحد وتنصهر حالياً‮ ‬في‮ ‬ثقافة واحدة‮«‬
قال المخرج السينغالي‮ ‬عثمان سمبن سنة ‮٥٠٠٢ ‬حين عرض فيلمه السينمائي‮ ‬الأخير‮ »‬مولادي‮« ‬والذي‮ ‬رحل‮ ‬ في العام ٢٠٠٧ ‬في‮ ‬العاصمة داكار عن ‮٤٨ ‬سنة‮. ‬المخرج الذي‮ ‬من المناسب جدّاً‮ ‬القول أنه كان صوت السينما الأفريقية‮. ‬المخرج الذي‮ ‬وقف وراء نهضتها بكل ما أوتِيَ‮ ‬من مقدرة والذي‮ ‬أنجز فيها أفلامه الروائية الطويلة الأربعة عشر‮. ‬خلال خمسين سنة أمّت أعماله المتباعدة هموم الحياة الأفريقية وتناولت ثقافاتها وملامحها الإجتماعية،‮ ‬ودائماً‮ ‬ما تعاملت مع تلك القضايا التي‮ ‬من أجلها كان على الشعب الأفريقي‮ ‬أن‮ ‬يتحرر من تبعية الإستعمار الغربي‮ ‬ويبني‮ ‬إستقلاليته‮.‬

‮# ‬حياة فرنسية‮ #
عثمان سمبَن كان هدية أفريقيا وحضورها الثقافي‮ ‬والفني‮ ‬والسينمائي‮ ‬لنحو خمسين سنة حقق فيها أربعة عشر فيلماً‮ ‬روائياً‮ ‬طويلاً‮. ‬ليست كثيرة،‮ ‬لكنها‮ -‬بالقياس للوضع المتأزّم للسينما الأفريقية‮- ‬أكثر مما حقّقه أي‮ ‬مخرج أفريقي‮ ‬آخر‮ (‬باستثناء المخرجين العرب طبعاً‮). ‬وإذا لم تكن المسألة مسألة رقمية،‮ ‬فإن النوعية تأتي‮ ‬أيضاً‮ ‬في‮ ‬المقدّمة‮. ‬أفلام عثمان سمبَن كانت،‮ ‬كما تمنّاها أن تكون،‮ ‬صوت القارة الأفريقية الى العالم‮.‬
وُلد من عائلة مسلمة‮ ‬في‮ ‬أول‮ ‬يوم من العام ‮٣٢٩١ ‬وتوفي‮ ‬في‮ ٩/٦/٧٠٠٢. ‬والده كان صيّاد سمك وهو دخل مدرسة إسلامية وتعلّم الفرنسية وقواعد العربية بالإضافة الى لغة وُلوف التي‮ ‬يتحدّث بها عدد كبير من‮ ‬سكان السنغال‮ (٠٤ ‬بالمئة‮) ‬وغامبيا‮ (٥١ ‬بالمئة‮) ‬وموريتانيا‮ (‬نحو ‮٧ ‬بالمئة‮).‬

Moloade
عثمان سَمبَن كان واحداً‮ ‬من الذين تناولهم فيلم‮ »‬بلديّون‮« ‬للجزائري‮- ‬الفرنسي‮ ‬رشيد بوشارب،‮ ‬فهو انضم الى القوّات الفرنسية سنة ‮٤٤٩١ ‬وحارب من أجل تحريرها‮. ‬بعد الحرب عاد الى السنغال حيث عمل في‮ ‬مصلحة القطارات المحلية‮. ‬في‮ ‬العام ‮٧٤٩١ ‬شارك في‮ ‬إضراب مفتوح استلهم منه مادّة روايته اللاحقة‮ »‬كسرة الخشب‮«. ‬في‮ ‬نهاية ذلك العام عاد الى فرنسا حيث عمل في‮ ‬مصنع سيارات لشركة ستروان في‮ ‬باريس ثم في‮ ‬مرافيء مارسيليا حيث أصبح نشطاً‮ ‬في‮ ‬إتحاد العمال قبل أن‮ ‬ينضم للحزب الشيوعي‮ ‬حيث قاد إضراباً‮ ‬لتقويض عملية إرسال شحنة من الأسلحة الفرنسية الى ڤييتنام‮. ‬

‮# ‬روايات‮ #
إنه مع مطلع الخمسينات بدأ إهتمامه الأدبي‮ ‬بالتطوّر وفي‮ ‬العام ‮٦٥٩١ ‬وضع واحدة من أهم رواياته وهي‮ »‬ستيڤيدور‮« (‬الثالثة بين أعماله الروائية المنشورة‮) ‬حول الأفريقي‮ ‬دياو الذي‮ ‬كان‮ ‬يواجه العنصرية في‮ ‬مرفأ مارسيليا‮. ‬دياو‮ ‬يكتب رواية حول هذا الموضوع بذلك‮ ‬يصبح القاريء متوغّلاً‮ ‬في‮ ‬روايتين معاً‮. ‬لكن إمرأة فرنسية بيضاء تسرق رواية دياو وتنشرها وتنسبها الى نفسها ما‮ ‬يثير حنق دياو ويقتلها‮.‬
مع أن الرواية تتحدّث عن الأفريقي،‮ ‬الا أن عثمان سَمبَن عرض أيضاً‮ ‬للعنصرية المٌمارسة ضد العرب والأسبان‮. ‬هذا البعد في‮ ‬النظرة لا تحد من قيمة الرواية في‮ ‬رصدها العنصرية الفرنسية ضد الأقليّات بل تفصح عن واحد من أهم أسبابها‮: ‬الخوف من إنتشار العمالة‮ ‬غير الفرنسية ما‮ ‬يهدد مصالح العمّال الفرنسيين أنفسهم‮.‬
روايته اللاحقة‮ »‬يا بلد،‮ ‬يا شعبي‮ ‬الجمبل‮« ‬عن عمر العائد الى وطنه الأفريقي‮ ‬لتحديث وسائلها الزراعية لكنه‮ ‬يجد نفسه في‮ ‬مواجهة البيض والسود على حد سواء الرافضين لمشاريعه وصولاً‮ ‬الى قتله‮. ‬الرواية فتحت له سبيل زيارة روسيا‮ (‬او الإتحاد السوفييتي‮ ‬آنذاك‮) ‬حيث أختار أن‮ ‬يدرس السينما في‮ ‬ستديوهات‮ ‬غوركي‮ (‬نسبة للروائي‮ ‬الواقعي‮ ‬مكسيم‮ ‬غوركي‮). ‬

‮#‬أب السينما‮ #
إذا ما كانت روايات سَمبَن طرحت مواضيع اجتماعية معادية للعنصرية ومتحدّثة عن هم الأفريقيين العاديين سواء في‮ ‬أوطانهم او في‮ ‬أوروبا،‮ ‬فإن أفلامه لم تبتعد عن هذا الخط العام مطلقاً‮. ‬
حين عاد عثمان الى السنغال سنة ‮٦٦٩١ ‬أدرك أن نسبة ضئيلة جدّاً‮ ‬من السنغاليين‮ ‬يستطيع قراءتها هذا إذا ما أمكنه الحصول عليها‮. ‬البديل،‮ ‬او جزء منه على الأقل،‮ ‬كان العمل في‮ ‬السينما‮. ‬وهكذا وٌلد‮ »‬سوداء‮...« ‬المقتبس عن أحد قصصه القصيرة‮. ‬كان أول فيلم له ومدّة عرضه لم تزد عن ستين دقيقة‮. ‬كان بالفرنسية وكان ناجحاً‮ ‬من حيث استقباله في‮ ‬المحافل الفرنسية إذ حاز جائزة جان فيغو‮. ‬لكن الأهم هو أنه فتح عين العالم آنذاك على السينما الأفريقية كما لم‮ ‬يفعل فيلم أفريقي‮ ‬من قبل‮.‬
لا ننسى مزايا تلك الحقبة‮. ‬الستينات كانت سنوات التحرر الأفريقي‮ ‬في‮ ‬أكثر من موقع‮. ‬كانت حقبة سينما النضال سواء في‮ ‬أفريقيا او في‮ ‬أجزاء من العالم العربي‮ ‬او في‮ ‬أجزاء من أميركا اللاتينية‮. ‬كانت كذلك حقبة طرح الغرب لقضايا سياسية من وجهة نظر مؤيدة لما‮ ‬يحدث حول العالم‮. ‬الحرب في‮ ‬فييتنام أدّت الى إنتشار معارضة شديدة لها‮. ‬التمييز العنصري‮ ‬في‮ ‬أميركا نتج عنه قلب أسس هذا التمييز إجتماعياً‮ ‬وإحقاق قدر كبير من العدالة الإجتماعية التي‮ ‬حُرم منها السود‮. ‬كذلك فإن السينمات الأوروبية كانت تعيش فترة إزدهار فني‮ ‬لم‮ ‬يسبق لها أن عاشته،‮ ‬ولم تعشه من بعد‮. ‬
في‮ ‬هذه الأجواء تقدّمت سينما المخرج السنغالي‮ ‬مستفيدة من تجاربه الحياتية والأدبية لكنها لم تتوقّف عند هذا الحد،‮ ‬بل أوجدت في‮ ‬صميم القارّة الأفريقية سينما‮. ‬لا عبث أنه لُقّب بـ‮ »‬أب السينما الأفريقية‮«. ‬
‮»‬سوداء‮...« (‬كما عُرف بـ‮ »‬سوداء فلان‮« ‬و»فتاة سوداء‮« ‬هو على الأرجح أوّل فيلم أفريقي‮ ‬فعلي‮ (‬أي‮ ‬لم‮ ‬يحققه بيض هناك او وافدون‮). ‬يدور حول فتاة أفريقية من السنغال تسافر مع العائلة الفرنسية البيضاء التي‮ ‬وظّفتها كخادمة الى فرنسا حيث تكتشف معنى أن تكون وحيدة ومطلوب منها أن تفعل كل شيء بما في‮ ‬ذلك الإهتمام بالمرضى من أفراد العائلة‮. ‬
كل حماسنا لسمبَن وللسينما الأفريقية عموماً‮ ‬يجب أن لا‮ ‬يجعلنا نغيض النظر عن حقيقة أن هذا الفيلم وأفلام أخرى له تفتقد المعرفة بعناصر العمل السينمائي‮ ‬الوثيقة‮. ‬قد‮ ‬يرضى الواحد منّا بالإيقاع المتمهّل،‮ ‬لكن الإيقاع البطيء من دون أن‮ ‬يكون فيه ما‮ ‬يشغل العين والبال،‮ ‬ذاك الذي‮ ‬يعكس فقراً‮ ‬في‮ ‬التكوين الجمالي‮ ‬للمشهد ليس سوى عبارة عن نقص في‮ ‬معرفة الكيفية،‮ ‬كتابة وتنفيذاً‮. ‬والمرء لا‮ ‬يلوم سينمائي‮ ‬أفريقي‮ ‬يحقق باكورة الأفلام الأفريقية السوداء،‮ ‬لكن الحال استمر على ما هو عليه لزمن طويل ومع أكثر من سينمائي‮ ‬أفريقي‮.‬
هذه هي‮ ‬الحال في‮ ‬فيلمه اللاحق‮ »‬ماندابي‮« (‬او‮ »‬تحويل عملة‮«): ‬الكاميرا ثابتة في‮ ‬مكانها وعلى مسافة لا تتغيّر من أبطالها‮ (‬لقطات متوسطة بعيدة‮) ‬وحركة بطيئة للدراما كما للشخصيات‮. ‬لكن الموضوع مهم‮: ‬إنه عن إبراهيم،‮ ‬السنغالي‮ ‬المتزوّج من إمرأتين اللتان أنجبتا له سبعة أولاد‮. ‬كل شيء روتيني‮ ‬إلى أن‮ ‬يبعث له أحد أقربائه في‮ ‬فرنسا حوالة مالية‮. ‬المشاكل تبدأ من أن إبراهيم ليس لديه ورقة هويّة‮ (‬ولكي‮ ‬يأتي‮ ‬بها عليه أن‮ ‬يبحث عن أوراق ميلاده‮) ‬ما‮ ‬يعرقل قبضه لتلك الحوالة‮. ‬خلال المحنة تتبدّى كل المشاكل الأخرى الناتجة عن حياة كان‮ ‬يمكن لها أن تبقى راكدة لولا تلك الحوالة‮.‬
مثل أبطال أفلامه الأخرى كلها،‮ ‬من‮ »‬أكزالا‮« (٥٧٩١)‬‭ ‬و»سيدو‮« (٧٧٩١) ‬وصولاً‮ ‬الى فيلمه الأخير‮ »‬موولادي‮« (٤٠٠٢)‬،‮ ‬كان‮ ‬يمكن لحياتهم أن تبقى دائماً‮ ‬تحت الرادار لا‮ ‬يلتفت إليها أحد‮. ‬
من هنا‮ ‬يأتي‮ ‬وصفه لإبطاله في‮ ‬أحد أحاديثه بأنهم‮ »‬عاديون جدّاً‮ ‬لا‮ ‬يراهم أحد،‮ ‬لكنهم أبطالي‮«.‬

Guelwaar
‮# ‬التغيير‮ #
فيلم عثمان سَمبّن الأخير‮ »‬موولادي‮« (‬حاز جائزتين ثانويّتين من‮ »‬كان‮« ‬وجائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان مراكش السينمائي‮ ‬الدولي‮ ‬سنة ‮٤٠٠٢) ‬هو أفضل فيلم شاهدته له‮ (‬خمسة أفلام‮). ‬وموضوعه‮ ‬يشابه ما ورد في‮ ‬فيلمه الثاني‮ »‬ماندابي‮« ‬حول ختان النساء،‮ ‬لكن هنا الموضوع بأسره‮ ‬يدور حول هذه الظاهرة داعياً‮ ‬لوقفها،‮ ‬ومصوّراً‮ ‬أن مسألة إنهاء هذا التقليد‮ ‬يتوقّف على المرأة نفسها‮. ‬تدور القصّة حول عدد من الفتيات المهددات بالختان‮ ‬يلجأن الى إمرأة قوية الجانب كانت رفضت ختان إبنتيها وهذه تتعهد بحمايتهن‮ (‬العنوان في‮ ‬اللغة المحلية تعني‮ »‬حماية‮«) ‬وفي‮ ‬سبيل ذلك ستتعرّض لنساء القرية الأخريات اللواتي‮ ‬أنصعن للتقاليد ويردن الآن تنفيذها بحق باقي‮ ‬النساء‮. ‬ولاحقاً‮ ‬ضد الرجال الذين‮ ‬يرون أن سلطتهم على المرأة‮ (‬بيت القصيد في‮ ‬كل ما‮ ‬يحدث لها من معاناة‮) ‬ستتأثّر إذا ما تركوا عادة الختان‮.‬
‮»‬موولادي‮« ‬آسر لأنه‮ ‬يتناول معضلة تعيشها دول أفريقية‮ (‬وهل نقل عربية؟‮) ‬كثيرة‮. ‬ولأن سمبَن امتلك ناصية العرض الإجتماعي‮ ‬على نحو لا‮ ‬يمكن معه الا وفهم القضيّة بأسرها وبل فهم منوال الحياة في‮ ‬القرية الأفريقية العادية‮. ‬وهو في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يسخر فيه من التقاليد البالية لا‮ ‬يعرضها على نحو‮ ‬يثير السخرية وحده بل قدر من التفهّم العميق للمراجع الإجتماعية المتسببة فيها‮. ‬
مع نهاية الفيلم‮ ‬يقرر رجال القرية أن التغيير مرفوض وأن السبب في‮ ‬كل ما‮ ‬يحدث هو التحديث الآتي‮ ‬من أجهزة الراديو فيتم جمعها في‮ ‬كيس وإلقائها لكن بعضها لا‮ ‬يزال‮ ‬يعمل واللقطة تريد أن تضحك على هذا الحل‮ - ‬اللاحل وتقول في‮ ‬الوقت ذاته أن التقدّم لن‮ ‬يتوقّف‮.‬

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohamme Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular