May 5, 2009

N. 412| The Dailies: Cannes/ Tribeca| Nasri Hajjaj on Mahmoud Darwich| Mauro Bolognini | Saudi Cinema| Silent Indian Cinema

في هذا العدد
  • اليوميات
  • عناصر النقد| محمد رُضا
  • مقابلة مع نصري حجّاج عن محمود درويش| هوڤيك حبشيان
  • مخرج وأفلامه | ميسر مسكي عن ماورو بولونيني
  • سينما عربية | نديم جرجورة عن الأفلام السعودية الجديدة
  • تاريخ| محمد رُضا عن بدايات السينما الهندية الصامتة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
COVER|STORY

نهاية العالم كما يصوّرها الجزء الرابع من سلسلة
Terminator Salvation ترميناتور وعنوانه
الذي سينطلق للعروض في مطلع الشهر المقبل٠


THE DAILY
6/3/09

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
FESTIVALS| Cannes
1
الممثل الجزائري الأصل رشدي زم سيرأس لجنة التحكيم الخاصّة بمنح جائزة »الكاميرا الذهبية« بين تلك الأفلام المشتركة بالمسابقة التي أخرجها سينمائيون أول وثاني مرّة. زم أحد الوجوه التي وقفت على منصّة »كان« قبل عامين حين منحت لجنة التحكيم جائزة شاملة لممثلي الفيلم الذي تحدّث عن تضحيات المغربيين العرب لتحرير فرنسا من الإحتلال النازي. الفيلم كان من إخراج رشيد بو شارب٠
معه في لجنة التحكيم محلّفون من فرنسا وسويسرا من بينهم مديرة التصوير الفرنسية دايان باراتييه ومدير مهرجان الفيلم التسجيلي في فرايبورغ إدوارد واينتروب (سويسرا)٠

2
المسافة بين كان وموناكو ليست مشكلة وجورج شمشوم، المدير الفني لمهرجان موناكو السينمائي يبعث لي قائلاً: من يحضر مهرجان كان مدعو ليكون ضيفنا في موناكو. ماذا تقولون؟
إنه احتفال أكثر منه مهرجاناً ولو أن فيه عدداً من الأفلام اللافتة هذا العام. الأميرة نوف ال سعود ستحضر مشاركة حفلة جمع "التبرّعات لصالح القضايا الإنسانية" حسب المعمول به في كل دورة من الدورات الثلاث السابقة. لا تتوقّع تصعلكا على باب السينما، بل كل شيء مرتّب على أساس أنه حفل كبير يهدف الى جذب رؤوس أموال المتبرّعين والشخصيات الكبرى حول العالم. لذا، والى جانب الأميرة نوف، هناك المهندس المعماري الياباني شيغرو بان والعالم الجيني دانيال كون وجان ساركوزي وهو إبن رئيس الجمهورية الفرنسي، كذلك المنتج الكوري بارك كوون-سيوب٠
من بين الأفلام المشاركة »سيارات الثورة« للتركي تولغا أورنك حول صنع أول سيارة تركية حين جهد سبعة مصممين ومهندسين لإتمام ذلك سنة 1960 بعد عام واحد من الإنقلاب العسكري آنذاك. الممثلان فل كيلمر وإريك روبرتس معاً في فيلم تشويقي أميركي بعنوان »تجربة البخار« لفيليب مارتينيز (الصورة)٠
عندي الفيلم الذي قد أقصد موناكو لثلاث ساعات وأعود لأجله هو »الخدّم السبعة«. هذا الفيلم من إنتاج 1996 وتم عرضه في مهرجان لوكارنو في العام ذاته، ثم اختفى عن العيان تماماً٠ الفيلم من إخراج درويش شقف وهو مخرج إيراني مقل بدوره
عليّ أن أصحح معلومات مجلة فاراياتي من وقت لآخر: هذا الفيلم ليس آخر ما مثّله انطوني كوين، بل مثّل ثلاثة من بعده آخرها »أنجيلو المنتقم« من بطولة سلفستر ستالوني يحرس ويدافع عن مادلين ستاو إبنة المافيوزا الكبير أنطوني كوين- فقط للمعلومات!٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
FESTIVALS| Tribeca

الدورة الثامنة من مهرجان ترايبيكا منحت جائزتها الأولى للفيلم الإيراني »عن إيلي« للمخرج أشقر فارهاد ولجنة التحكيم وجدت فيه: " فيلم فريد من العمل السينمائي. الشخصيات والمواضيع عالمية وقبضة المخرج على القصة تجعل الفيلم يتخطّى الحواجز ويعمّق مفاهيمنا حول العالم الذي نتشارك فيه"٠
هذه ليست أي كلمات، ما يجعل هذا الفيلم أحد تلك التي لا يمكن تفويتها هذا العام. سأبقي عيني مفتوحة٠
أفضل تسجيلي كان الفيلم الكندي »أحلام متسابقة« الذي قالت فيه لجنة التحكيم أنه عمل يحمل نوعية رائعة٠


FILMING | بن حور جديد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك كذا بن حور سينمائي وتلفزيوني تم إنتاجها منذ أن قدّم المخرج سيدني أولكوت نسخته الصامتة القصيرة سنة 1907. طبعاً النسختان الأكثر ذكراً ومشاهدة من قِبل هواة السينما هما نسة فرد نبلو الصامتة أيضاً التي أخرجها سنة 1925 بعنوان »بن-حور: حكاية المسيح« ونسخة ويليام وايلر الأقل نضجاً من الأولى التي أخرجها المذكور سنة 1959
الآن هناك محاولة جديدة من قبل المخرج الجديد ستيفن شِل (صاحب »المهووسة« حالياً) عن سيناريو جديد للبريطاني ألان شارب وبطولة مجموعة من الجديد منهم جوزف مورغن، إميلي فان كامب وسيتفن كامبل. الفيلم سيكون في أربع ساعات، أي أنه سيتّجه الى التلفزيون مباشرة. التصوير هذا الأسبوع في منطقة عويزازا المغربية



عناصر النقد | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على اعتبار أن الضرورة التي أوجدت الناقد لم
تنتف بعد، فإن المثير هو أنه أساساً وُجد ليعلن
عدم إقراره ورضاه على ما ينتقده
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الغاية التي سعى إليها الناقد الأول كانت تصحيحية في مجملها. أنت تكتب النقد وفي البال أنك تصحّح للمخرج أو لكاتب الفيلم أو لأي من صانعي عناصره الأخرى أعمالهم. مهما تواضعتُ، إلاّ أن هذا جزء غير منكور في المهنة، وإلا فأنت تكتب لمجرد تسجيل رأي. وإذا فعلت ذلك متجنّباً الغوص في صميم عمل كل من المشاركين في صنع الفيلم، فإنك تكشف عن موقف يرى النقد في أفضل أحواله خطّاً موازياً للفيلم لا يتقاطع وإياه، خط ثالث لجانب خطّي سكّة الحديد وليس أحد خطي سكّة الحديد، خط لا يحتاجه القطار مطلقاً، لا هو ولا راكبيه
كتب المخرج المستقل يوناس ميكاس سنة 1961 ملاحظاً أن الأشياء الإنسانية البسيطة هي المهمة في الأفلام مضيفاً أن المفترض أن هناك سبع حبكات أو ثمانيَ (في ( الرواية)، لكنها نسبياً غير مهمّة، أكثر الأمور أهمية هي الأمور الإنسانية
لكن لماذا يريد الناقد أن يصحّح؟ لماذا عيّن نفسه في ذلك الموقع غير المشكور؟ من طلب رأيه؟
إذا ما كانت رغبة الناقد السينمائي (واحداً وراء آخر، جيلاً وراء آخر) في معاينة الفيلم بحثاً عن الوضع الإنساني الذي فيه، ووضع الإنسانية فيه، فإن ذلك كفيل بأن يكشف عن حبّه الموضوع الإنساني الذي يحاول التأكد من وجوده في الفيلم السينمائي من عدمه. بكلمات أخرى، إذا كان ذلك منطلقه (وعادة هذا من أهم منطلقاته)، فإنه ينتقد الأفلام بحثاً عن دورها الإنساني، منتقداً غيابه أو محتفلاً بوجوده
حين أطلق د. و. غريڤيث فيلمه المشهور
Birth of a Nation/ مولد أمّة
سنة 1915 حاملاً عنصرية موجّهة ومقصودة حيال السود الذين، في الفيلم، يهدّدون النساء البيض ويتلاعبون بمقدّرات وتقاليد الجنوب الأميركي المحافظة، كان النقّاد هم الذين هاجموه قبل سواهم. كانوا نظروا، قبل القطاعات الإجتماعية كافّة وقبل المؤسّستين الدينية والسياسية، الى الرسالة غير الإنسانية التي اعتمرها الفيلم بلا تمويه٠
إن غياب الموضوع الإنساني الكامل (يمكن للبعض القول إن عطف المخرج على مصير البيض هو الموضوع الإنساني المطلوب) هو ما لفت أنظار النقّاد الذين حلّلوا كل تلك الصُوَر الحاملة وجهة نظر تتناقض ووجهة نظرهم الأكثر إنفتاحاً من المبدع السينمائي نفسه
لا أستطيع الزعم أن كل ناقد كان أو لا يزال ناقداً برسالة إنسانية. شرقاً وغرباً، هناك نقّاد يكتبون في نواحي الفيلم، ولديهم قدرة ملاحظة لا عيب فيها. لكن المسألة كلّها كامنة في ما كتبه ناقد بريطاني ذات مرة في مطلع الخمسينيات من أن "الناقد الصحيح هو صاحب النظرة الإنسانية الذي يحب الحياة" . وهذا يعني أنه لا يكفي أن يعرف الناقد شغل المخرج والفرق بين الأساليب والمدارس ومستويات العمل بأسره، بل عليه أن يتحلّى برسالة المبدع الجيّد ذاته: أن تمارس حبّك للآخرين وللحياة، من خلال عملية النقد التي تقوم بها. وبالإصرار والأهمية نفسيهما، على الناقد أن يكون سينمائياً قادراً على قراءة الفيلم صورة صورة ومستوى وراء آخر، طولاً وعرضاً وعمقاً وإخراجاً وكتابة وتمثيلاً وتقنية. إذا لم يفعل هذا، فإن رسالته الإنسانية إعلان رأي وموقف، وليس نقداً سينمائياً٠
على اعتبار أن الضرورة التي أوجدت الناقد لم تنتف بعد، فإن المثير هو أنه أساساً وُجد ليعلن عدم إقراره ورضاه على ما ينتقده. هذا في المضمون يعني بالأمس ما يعنيه اليوم: هناك غالبية من الأفلام التي ينتجها العالم التي تستحق أن تُنقَد، ما يدفع إلى طرح السؤال التالي: لو أن الأفلام وُلدت وعاشت خالصة من الشوائب، لو أن كلاً منها كان فنياً عملاً متكاملاً، هل كان هناك نقد؟
هل تنقد باخ أو بيتهوفن، أو تكتب مشيداً بمقطوعاتهما؟ لكي تنتقد إبن خلدون او سقراط عليك أن تتساوى بهما. أبسط من ذلك، لكي تقول رأيك السديد في عمل حدّاد أو نجار أو مزارع أو فلاّح أو طبيب أسنان، عليك أن تعرف كيف تؤدي عمله أفضل منه. هل تستطيع أن تنتقد أوزو أو تاركوفسكي أو بونويل أو غودار، قبل أن تفهم وتستوعب كل شيء عن السينما من الناحيتين الفنية والتقنية؟ الجواب الصحيح لا. باقي الأجوبة لعب في الظلال، يتوخى المرء منه منح نفسه القدرة عبر نفي ضرورة التسلّح بعناصرها. وفي مقدّمة مثل هذه التبريرات، القول إنه ليس المطلوب من الناقد أن يفهم في كل شيء، فهو لا يستطيع هذا. غير أن الرد على ذلك هو أنه ببساطة يستطيع، إذا درس وشاهد أطناناً من الأفلام وقرأ أرطالاً من الكتب. والرد الأكثر حزماً هو: أن عليه أن يفعل ذلك. هذه ليست مسألة اختيار بل ضرورة واجبة، مع إدراك انه إذا ما حل جدلاً محل المخرج، فإن ما هو معفى منه إنجاز الفيلم ذاته بالأسلوب ذاته، وصولاً الى الدرجة ذاتها من الإتقان أو عدمه. إن أفلام باستر كيتون وأندريه تاركوفسكي وأكيرا كوروساوا وعشرات آخرين من أولئك الذين أحببنا السينما عبرهم، ليست السبب في أننا تحوّلنا الى نقاد. عبرها تحوّلنا الى عشّاق سينما. لكنها الأفلام التي لم تبلغ هذا الشأن، أو لم تحاول بلوغه. تلك التي تحتاج الى مرشد كي تصل الى ذلك المستوى، هي التي جعلنا نؤمن بأن النقد خير وسيلة لتصحيح إعوجاج وتأكيد حبّنا لمجتمع نريده -ولو نظرياً- بلا شوائب. والمرشد، طالما أنه ليس المخرج أو الجمهور، فلا بدّ أن يكون الناقد

بالتمعّن في هذا الوضع المرتسم، فإن البعد الآخر للعملية السينمائية الشاملة (صنع الفيلم، مروره عبر الناقد الى جمهور، ومروره مباشرة الى جمهور آخر لا يطلب مرشداً أي ناقداً) هو أن السينما الجماهيرية الأكثر من سواها (بهذا التعريف، يصبح المبدع السينمائي من مستوى لكنه لا يقف وحيداً لأن الناقد يقف معه، وهذا ليس من تاركوفسكي أو رنوار أو هيتشكوك أو شابلن...) في أقصى الطرف بعداً عن الجمهور. باب التضامن بل من باب النتيجة المنطقية للأشياء: المنتوج التجاري يهدف إلى جمهور سائد. والجمهور السائد يُقبل على هذه الأفلام لسببين: فهمه للسينما والحياة ربما لا يعلو كثيراً عن المستوى المتوفّر له من قبل أصحاب هذا المنتوج، ولأنه لا يجد ضرورة أو وظيفة أو حاجة للناقد في حياته. هو لا يطلب ناقداً لكي ينام مع امرأته. لم يطلبه إذا ما رغب في ساعتين من التسلية والترفيه؟ بالتالي، لن يكون هناك أي مجال لمحاولة التواصل بين الناقد وذلك الجمهور، إلا في حالة واحدة: حالة ثقافية فنيّة شاملة كالتي كانت عليها السينما في الستينيات والسبعينيات. وتلك الحالة لم تنبع من فراغ بل من وصول العالم الى فترة نادرة في تاريخه أصبحت فيها الثقافة رائدة، وحرية التعبير مضمونة والإنسان جوهر الحديث المطروح. حينها، أكثر من أي حين آخر، وأنا أستطيع أن أجزم لأني كنت أقرأ النقد البريطاني صغيراً، بل قرّرت أن أصبح زميلاً لرتشارد راود وفيليب ستريك ورتشارد كوب وسواهم بسببهم، برهن الناقد على أنه أداة اجتماعية وثقافية لا غنى عنها. وهو نجح في الوصول الى تجسيد هذه المكانة، عبر البحث المتأني عن الحقيقة في كل فيلم ومعرفة كل فيلم وعدم الإسراع بإبداء رأيه ليبرهن على أنه على حق، كما لو أن الفيلم هو تحدٍّ له عليه أن يربحه، وإلاّ لجُرحت مشاعره وانهار الـ«إيغو» الذي في داخله


مقابلات | هوڤيك حبشيان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نصري حجّاج كاتباً قصائد محمود درويش بكاميراه

مخرج موهوب أسمه نصري حجّاج يتعامل ولغة الصورة
لإيصال رسائل سياسية، ينجز حالياً فيلمه الجديد حـول
أديب موهوب، أسمه محمود درويش، آستخدم الشعر
لإيصال رسائل سياسية. هوڤيك حبشيان يسأل٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد رؤيته الشاعرية الفذة في "ظلّ الغياب" لمعضلة أن يحظى المنفي الفلسطيني بأرض يرتاح فيها عند رحيله، ها ان المخرج نصري حجاج يأخذ على عاتقه تصوير فيلم عن محمود درويش، ملتقطاً المشاهد في مدن مختلفة، منها باريس وسان سيباستيان وبيروت ورام الله، واضعاً أمام كاميراه الـ"أيتش دي"، شعراء وكتاباً عالميين وعرباً، ستكون لهم محطة وجدانية مع درويش، قراءةً ورثاء. الشريط، الذي يأمل حجاج انهاءه قبل التاسع من آب المقبل، ذكرى الرحيل الأولى لصاحب "ذاكرة للنسيان"، سيُنجز دوكودرامياً، مع اعادة خلق لمشاهد هي اقرب الى الروائي منها الى التسجيلي، لكن دائماً بما يلائم اشعار درويش ورموزه. عن كواليس التصوير الذي سيتواصل حتى منتصف أيار المقبل، وماهية المشروع الطموح برمته، أجرينا هذا اللقاء مع حجاج في احد مقاهي شارع الحمراء٠

 ما الجديد الذي يتضمنه فيلمك عن محمود درويش؟

للمسألة جانب شخصي. محمود درويش كان بالنسبة اليَّ، كإنسان وكفلسطيني، شيئاً مهماً في حياتي. كنت اشعر دوماً انه حين يكتب، ففي استطاعتي ان أفهم كل كلمة وكل مجاز وكل رمز في قصائده. ثم راحت "الحكاية" هذه تتطور الى ان بدأت أشعر انني أنا من أكتب هذا الشعر. هنا لا أبالغ. بما انني لست شاعراً، كنت حين أقرأ له أعثر في تلك السطور على مشاعري. اعتقد ان للفلسطيني كاراكتيراً خاصاً به نتيجة هذه العوامل التاريخية كلها، وأيضاً جراء الذل الذي وقع عليه، لذا نراه كوّن شخصية مميزة عن باقي الشعوب. وهذا امر طبيعي، اذا حلّلنا سوسيولوجياً ونفسياً، لأن الظروف المعيشية بدأت تخلق ميزات خاصة عند المواطن الفلسطيني٠

 هل كنت التقيت درويش قبل رحيله؟
آه، بالطبع أعرفه. التقينا كثيراً في أكثر من بلد: في لبنان، في تونس، في رام الله حيث كنت ازوره حين يتسنى لي الذهاب الى هناك. كانت زيارة عابرة أحياناً لا تتجاوز الربع ساعة. كنا نتحدث عن أشياء كثيرة. في لقائنا الاول في رام الله، كان ذلك عام 1999 وكان مضى على اقامته فيها سنتان، سألني "من أين أنت يا نصري أساساً؟"، فقلت له انني من قرية في الجليل. فأراد أن يعرف بشيء من الرفض للفكرة اذا كنت انوي الإقامة في رام الله، أم انني الجأ الى هذه المدينة لقربها من الجليل. فقلت له انه ربما كان محقاً وقد يمكن أن يكون دخل هذا في اللاوعي الخاص بي. حينذاك قال لي انه على رغم مرور سنتين على وجوده في رام الله، لم يكن تأقلم بعد. أساساً محمود درويش من الجليل، وكنت قد شعرت اثناء حديثي معه أنه كان يقوم بمونولوغ داخلي وانه يتحدث عن نفسه من خلال الاسئلة الموجهة اليَّ. ذلك انه اذا كان في رام الله فهذا يعني انه قريب من حيفا ومن الجديدة ومن الـ48 حيث ولد وترعرع وعاش شبابه٠

 هل كانت لديه اهتمامات سينمائية؟
لمحمود قصيدة اسمها "الهدهد" كتبها في الثمانينات، بعد مرحلة بيروت، وفيها تأريخ ملحمي للحالة الفلسطينية. هذه القصيدة كانت ولا تزال تشغل بالي، اذ اريد تحويلها فيلماً. وكانت فكرتي ان ارافق القصيدة بصوت درويش صوراً وموسيقى لا غير. ذات يوم كنا في تونس فاقترحت عليه الفكرة واذ به يريد أن يعرف كيف انوي اقتباسها. فشرحت له ما اريد فعله بالقصيدة. فكان جوابه انه اذا نجحت في مشروعي فسأنجح في ان أكون سينمائياً. لم أنجز "الهدهد". لكن ظل في بالي بعض المشاهد التي سأستخدمها في الفيلم الذي اعمل عليه الآن٠

 هل تستند الى ذاكرتك البصرية لإنجاز الفيلم؟
بالطبع. لكن حصلت معي مجموعة اشياء أصنّفها في خانة الغامض والميتافيزيقي. هناك بعض المواقع كنت انوي التصوير فيها: الفندق الباريسي "ماديسون" (مونبارناس) الذي كان درويش ينام فيه حين يزور العاصمة الفرنسية في السنوات الـ15 الأخيرة من حياته؛ مدرج جامعة دمشق؛ مسرح بيروت؛ مكتبه في مركز الابحاث في بيروت، شارع السادات. ما حصل لا يصدّق، اذ حين دخلت الفندق وفي رغبتي تصوير الغرفة التي كان يشغلها، قيل لي ان الطبقة الخامسة حيث الغرفة في حالة ترميم. فما كان مني الا مطالبة موظفي الفندق بقيادتي الى الغرفة، وما ان رأيتها حتى صممت على التصوير في الخراب وسط ورشة العمار. هذا الخراب كان ذا معنى لأنه موجود في قصائده، على غرار الكنائس المهجورة التي تعود باستمرار في عمله. وعندما رحت الى مدرج جامعة دمشق للتصوير، قيل لي للأسف إن هناك عملية ترميم. مرة اخرى وجدت نفسي اصوّر ورشة العمل. وأنجزت مشهداً مع عازفة هارب فلسطينية تدعى لينا القاسم وسط الخراب. وحين جئت الى مسرح بيروت، دخلت المكان الذي بات مهجوراً منذ أكثر من ثمانية اعوام، لأرى السقف الذي تدلف منه المياه. أما عندما وصلت الى مبنى مركز الابحاث، فرأيته مغلفاً بالشبك الأخضر. وكان المبنى في حالة ترميم أو هدم: خراب كامل وصدأ يسيطران على المكان. قطط وأعشاش طيور. انه لعالم غريب!٠


 هذه المفاجآت ملهمة بالنسبة الى سينمائي٠.
اعتقد انها كذلك، ولو أردت افتعالها لما نجحت. كأنما محمود يسوقني ويقودني الى حيث رموزه. كأنما هناك قوة سحرية ترافقني كي يكون العمل متماثلا مع شعره، حتى في غيابه. الفكرة الاساسية كانت أن أصوّر الفراغات: تصوير الفراغ في المسارح حيث قرأ اشعاره. هكذا فعلت في قصر رام الله الثقافي، وهكذا فعلت في مسرح اوديون الباريسي، وهكذا سأفعل في المسرح البلدي في تونس. تصوير الفراغ هو الايحاء بفقد هذا الانسان. الى هذا، فالأماكن التي كان مقيماً فيها في وقت من الاوقات اصيبت بخراب رهيب جداً بعد رحيله. انها تعبير عن خسارة محمود!٠

 سيكون الفيلم من صنف الدوكودراما، أليس كذلك؟
لن يكون الجانب الروائي فيه روائياً خالصاً. بمعنى انه سيكون خالياً من الحوار والممثلين. لكن ثمة رموز مستقاة من شعر محمود. هناك صور تعكس كيف "أنا" [بالذات] احس شعره وليست صوراً ملتقطة في الضرورة من قصائده مباشرة. قبل بضعة اسابيع ذهبت الى مخيم البداوي في طرابلس بغية التقاط مشاهد من ضمن ما اريد تصويره هنا في لبنان عن جدران بيوت المخيمات وما كُتب أو علِّق عليها من ملصقات لجورج حبش وأبو عمار، الخ. في طريقي الى المخيم، لفتني ان هناك محطة قطار قديمة ومبنى لها. فركنت السيارة جانباً ونزلت منها ورحت اتفرج على هذا القطار الصدئ. مقطوراته كانت فارغة ونبتت فيها الاعشاب. ذكّرني هذا المشهد بقصيدة لمحمود اعتقد ان اسمها "القطار الذي سقط من الخريطة" التي يحكي فيها زيارته المفاجئة لمحطة قطار مهجورة قرب حيفا. في القصيدة حوار بينه وبين يهودية وسائحة تتفرج على القطار كقطعة آثار. لا شك أن القطار يشير الى استمرارية الحياة واستمرارية الزمن الفلسطيني. لذا، رأيت من المناسب أن اصوّر هذا المكان وقد آتي من أجله بامرأة مسنة. لو استعنت فقط بناس يقرأون اشعار محمود، لكان صار الفيلم ريبورتاجاً. ولن يكون هناك تعليق صوتي، فمحمود هو الراوي والشاعر والمعبّر عن الصورة٠

 هل الشخصيات التي ستقرأ القصائد تتكلم أيضاً عن شعره؟
في الواقع، أخذت منهم الشهادات لكن في قرارة نفسي لا اريد استخدامها. قلت انني سأسجل بعض الكلام عن محمود لربما احتجت اليه، وخصوصاً انني في صدد تحضير كتاب عن كيفية صنع فيلم عن محمود درويش٠

 مَع مَن صوّرت الى الآن؟
صوّرت مع رئيس الحكومة ووزير الخارجية الفرنسي سابقاً دومينيك دوفيلبان، لكني تحدثت معه بصفته شاعراً. وصوّرت ايضاً شاعراً اميركياً معروفاً اسمه مايكل بالمر. ذهبت اليه حين جاء الى سان سيباستيان. كان هناك أيضاً خوسيه ساراماغو. والآن أنا ذاهب الى تنزانيا [أجري الحوار قبل 3 أسابيع، مذذاك عاد حجاج الى بيروت] للتصوير مع وولي سوينكا. واستغللت وجوده هناك بين 12 و14 الجاري، كون الأميركيين لا يمنحونني التأشيرة للذهاب الى الولايات المتحدة والتصوير فيها. أما من العرب، فسجلت مع الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، وشاعرة شابة من رام الله تبلغ من العمر 24 عاماً، كان محمود معجبا بشعرها، على رغم صغر سنها. سنصوّر كذلك مع الشاعرة جمانة حداد ومع لوركا سبيتي. وصورت أيضاً مع الشاعر الكردي شيركو بيكه س في كردستان الذي قرأ بلغته الأم. يذكر أن كل واحد من هؤلاء سيقرأ بلغته، لكن صوت محمود سيرافقهم خلال قراءتهم. وهنا، سيكون ثمة شغل على الميكساج.

لكن، هل يكون محمود درويش وشعره مدخلك الى القضية
الفلسطينية، أم ستبتعد عنها للتركيز على الفنّ، والفنّ فقط؟
ليس عندي ما هو فن للفن. محمود لم يكن "الشعر للشعر". محمود كان شاعرا وطنيا كبيرا ويمثل الوطنية الفلسطينية في شعره، وأهميته بالغة على المستوى التقني. وعندما نحكي عنه نحكي عن فلسطين. في النهاية، أنا صوّرت في حيفا والبروة والجديدة والمخيمات ورام الله. لماذا صوّرت في المخيمات؟ فمحمود ربما لم يعش في المخيمات. لكن في كلٍّ من القصائد التي كتبها، سواء أكانت عن الحب أم الموت، كان يحكي عن فلسطينيته. لذلك أقول بما أن محمود هو شاعر فلسطين، فالفلسطيني الذي في المخيم والذي ربما لا يعرف محمود درويش، له حقّ في محمود درويش. وشعره يحكي عن هذا الانسان المقيم في الرشيدية أو شاتيلا. وأنا أشعر أن محمود ذاب في الشعب والشعب ذاب فيه. لذا، فأي مكان يوجد فيه فلسطينيون هو موقع تصوير لفيلم عن محمود درويش. فالحزن والمرارة اللذان عنده هما عن كل الناس وعلى وجه الخصوص عن الناس الموجودين في المخيمات الذين ذاقوا طعم المنفى٠

 كم تضع من نفسك في هذا الفيلم عن محمود درويش؟
فنان صديق لي في رام الله كنت اكلمه عن هذا الفيلم، فقال: "هذا فيلمك أنت عن محمود درويش". فقلت له: "طبعاً هذا فيلمي أنا. فهل تريده ان يكون فيلمك أنت أو فيلم فلان؟". هي رؤيتي انا لمحمود ولشعره ورؤيتي لإحساسي بشعر محمود. لن يكون فيلماً حزبياً. أنا كاتب ولي رؤية بالسينما، وستكون رؤيتي للأدب وللشعر وللصورة موجودة في هذا الفيلم، من دون ان أكون موجوداً فيه أو عبر السرد الشخصي. في خاتمة المطاف، لا استطيع أن أفصل نفسي عن الواقع الفلسطيني، مهما ادعيت ذلك. قد انجح في فعل ذلك في الحياة اليومية، لكن في السينما هناك ضرورة للتعبير عن واقعنا، لأنني في النهاية فلسطيني، وأعتقد أن تجربة أن تكون فلسطينياً في الحياة ليست بسهلة٠

 أخيراً، ماذا عن الانتاج؟
قدمت الفكرة الى وزارة الثقافة الفلسطينية فاقتنع المسؤولون فيها بالمشروع. لكن دعمهم لم يكن كافياً لإنتاج الفيلم على النحو الذي أريده، ولا سيما أنه يتطلب الكثير من السفر. فعندما اسافر لا بدّ أن أكون مع مديرة التصوير جوسلين أبي جبرايل. قطعت عليّ "المؤسسة اللبنانية للإرسال" وعداً بمساعدتي، لكن لم تفِ بالوعد! الآن هناك اتفاق مع "اخبار المستقبل" وسيقدمون مبلغاً بسيطاً كمساهمة في الانتاج مقابل حصولهم على حق بثه على قناتهم. وقد أصل الى مرحلة المونتاج واحتاج الى المال لكن أعتقد اننا سنتدبر الأمر٠

المخرج نصري حجّاج
من مواليد مخيم عين الحلوة في لبنان (1951)، شبّ
نصري حجاج وترعرع في مخيم اللاجئين الشهير في
جنوب لبنان ودرس في المدارس التابعة للأونروا (وكالة
غوث اللاجئين الفلسطينيين) قبل ان ينتقل الى انكلترا
لمواصلة تعلمه. اخرج فيلمين وثائقيين، الاول حول تأثيرات
الانتفاضة الاولى في المثقفين الفلسطينيين والثاني حول
السلام بعد مؤتمر مدريد. كتب سيناريو الفيلم
القصير "علامة سؤال" الذي نال جائزة "التانيت
البرونزي" في أيام قرطاج السينمائية عام 1990
اصدر في رام الله مجموعة قصصية عنوانها "اعتقد
انني احب الحكومة"، فيها سخرية مريرة من الوضع
السياسي. اهتم بمفهوم الاستشهاد عند الفلسطينيين، قبل
أن يتمّ فيلمه الجميل "ظل الغياب" عن قبور الفلسطينيين٠


مخرجون وأفلامهم | ميسر مسكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Mauro Bolognini ماورو بولينيني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يلقي الزميل ميسر مسكي نظرة على إسم منسي آخر في ركب السينما. واحد
من الذين تعرّفنا عليهم في زمن أفضل ثم مضى ومضت أيام ذلك الزمن: ماورو
بولينيني، كما يكشف الكاتب بإمعان، كان يستحق تقديراً أعلى من ذلك الذي
أنجزه٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلما أرادَ النقاد أو كتاب السينما إستحضار أسماء بعض مبدعي السينما الإيطالية يحضر فيلليني، أنطونيوني، بازوليني، روسلليني.... و يسقط أسم ماورو بولونيني سهوا أو عمدا ٠
بولونيني، فيسكونتي الفقراء (كما كان يدعوه البعض) والذي في جعبته السينمائية ما يزيد على 40 فيلما و حفنة اخرى للتلفزيون، لم يعثر لنفسه على مكان في صفوف كبار سينمائيي روما أيام عزّ السينما الإيطالية٠
لدرجة أنه وبعد مرور بالكاد 5 سنوات على وفاته (2001) كتبَ ديفيد ملفيل: ..لقد نسي الناس بولونيني و أفلامه.٠
يُرجع البعض ذلك إلى أنه في الوقت الذي تميز فيه أساتذة السينما الإيطالية ( كل ٍ بأسلوبه) بلغته السينمائية وفكره و أدواته في التعبير، فإن أفلام بولونيني بقيت دون أسلوب خاص بها يفرضه صانعها. ...لم يكن لديه الطموح الكافي ليفرض رؤيته الخاصة على أفلامه...٠
لا أعلم كم سيوافق على هذا القول أولئك الذين شاهدوا أفلام بولونيني، أو بعضا منها، لكن بالتأكيد الرجل كان له حساسية بصرية آخاذة تجعله بالتأكيد واحدا من أهمّ رساميّ (مجازا) السينما الإيطالية. قد لا تعرّفنا أفلام بولونيني على عظمة السينما، لكنها بالتأكيد تنقلنا إلى بعض أكثر حالاتها عذوبة ً (بصريا بالتحديد) رغم قساوة مواضيعها٠

ولد ماورو بولونيني عام 1922 و هو العام الذي سار َ فيه الفاشيون إلى روما و دخلوها ليضعوا بنيتو موسوليني على رأس السلطة، حيث بقي 23 عاما إلى أن سقط َ إثر هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية. ترعرعَ إذا بولونيني في ظلّ حكم ٍ شمولي يحاول إستعادة مجد روما القديمة برموزها وعمارتها...وإمبراطوريتها!٠
في مكان ٍ ما التقت طـُرق الفاشيين في فرض نظام ٍمحافظ مع دعوة الكنيسة الكاثوليكية المتشددة (حينها) في إعتبار الحزب و الكنيسة المرجع السياسي و الأخلاقي و الفكري للمجتمع الإيطالي في عشرينيات القرن الماضي٠
لم يكن صعبا على بولونيني الذي أصبح شابا في أول الأربعينيات أن يُدرك في داخله أنه منبوذا في هذا المجتمع خصوصا لو شاع أمر ميوله المثلية (شاهد يوم خاص لـ إيتوري سكولا) و لم يكن غريباأن تحمل أفلامه هذا النقد اللاذع للفاشية فيما بعد٠


غداة الحرب العالمية الثانية كانت إيطاليا مُعدمة، لكن من طفرة الإقتصاد في السنوات اللاحقة خرجت الواقعية الجديدة لتلقي نظرة مقرّبة على بلد يبحث عن مستقبله...و خلاصه. في ذلك الوقت كان بولونيني لا زالَ في كلية الهندسة المعمارية التي هجرها بعد سنتين إلى معهد السينما حيث تشاركَ في الإقامة مع فرانكو زيفيريللي (روميو و جولييت و لاترافياتا...) و بييرو توسّي الذي صممَ فنيا أغلب أفلام بولونيني فيما بعد٠
عام 1948 عمل َ بولونيني مساعدا للإيطالي الواقعي الشهير لويجي زامبا و من ثمّ سافر إلى فرنسا ليساعد جان ديلانوي٠
حين عاد َ بولونيني إلى إيطاليا كانت الواقعية الجديدة تواجه حصارا من الحكومة الإيطالية اليمينية التي رأت أن الأفلام الواقعية تسيء و تشوه صورة إيطاليا في العالم، و استحصلت الحكومة تلك على قرار بالتدخل لوقف الدعم عن أي فيلم أو تصديره إلى الخارج ترى أنه يندرج تحت تلك الصفة. من هذا الحصار ولدت الواقعية الجديدة الزهرية، التي مزجت بين بذخ الفيلم التاريخي و إسقاط الصورة التاريخية على الواقع الإيطالي حينها. "الكونت الأحمر" لوتشينو فيسكونتي كان السباق بهذا السياق بفيلمه
Senso
و ذلك عام 1954 و من ثمّ تبعه تبعه الآخرون و منهم بولونيني٠
فيلم بولونيني الأول كان دعنا "نلتقي في الغاليري" (1953) الذي لم يبق َ من ذكراه إلاّ تلك الممثلة الشابة الجميلة في أول أدوارها السينمائية صوفيا لورين٠
لكن مع فيلمه العشاق (1955) – تـُرجم إلى الإنكليزية الحب المتوحش – صادف َ نجاحه الأول. في العشاق تـُطل رؤية بولونيني الخاصة للمرأة التي سيتكرر ظهورها القاسي و المتمرد و المسيطر على الرجل مما دفع البعض للحديث عن خوف المخرج الدفين من الأنثى٠
مع نهاية الخمسينيات تلاقى بولونيني و بازوليني في صداقة قوية أثارت تعجب البعض. فالرجلين كانا مختلفين في كل شيء. فالأول بقي كتوما لميوله المثلية فيما جاهرَ الثاني بها إلى حدّ صدمة المجتمع. بازوليني كان شديد التطرف في رؤيته الفنية و الفكرية فيما بولونيني بقي على حدّ الوصف و النقد اللاذع. مع ذلك كتبَ بازوليني حفنة من أفلام بولونيني وقتها. الأول كان "ماريسا اللعوب" (1957) و الثاني "أزواج يافعين" (1958) والثالث كان إقتباسا لرواية بازوليني ذاته "أولاد الحياة" (1959) والذي اعتبره البعض الإبن العم الشعبي لتحفة فيلليني حياة حلوة – لا دولتشي فيتا. أولاد الحياة جاء جريئا بايحائاته الإيروتيكية في وقت كانت إيطاليا قد عاد ليحكمها اليسار الذي أطلق العنان لحرية التعبير. لكن في هذا الفيلم أيضا اختلف بازوليني مع مخرجه الذي جاء بالفرنسي جان – كلود بريالي ليلعب الدور الرئيسي فيما كانت رؤية بازوليني أن ... "رجلاً من الحضيض لا يمكن أن يلعبه إلاّ رجل من الحضيض"٠

عام 1960 عادَ بازوليني ليساعد في كتابة سيناريو "أنطونيو الجميل" الذي أطلق شهرة بولونيني عالميا حين نالَ الفيلم جائزة مهرجان لوكارنو. يلعب مارتشيللو ماستروياني هنا (أمام كلوديا كاردينالي في أول أدوارها) دور الأرستقراطي الصقلي الذي يجد نفسه قادرا على ممارسة الحب فقط مع العاهرات. عبر هذا ربط َ بولونيني بين أزمة الفرد الجنسية و العقلية الفاشية و شخصية الذكورة المزعومة للأرستقراطي الجنوبي٠
في العام التالي عادَ بولونيني لثنائية الجنس و التاريخ في "لا فياكيا" حيث على خلفية فلورنسا في القرن التاسع عشر يروي لوعة الحب و الشهوة بين شاب من الريف (بلموندو) و عاهرة (كاردينالي) تقود الأول إلى حتفه٠

La Viacva

رغم إقتباس بولونيني خلال الستينيات للمزيد من الأعمال الأدبية في أفلامه فإن أغلبها بقي مغمورا في ظلّ نجاح "انطونيو الجميل" و "لافياكيا". كما أن غموض مستقبل إيطاليا السياسي و الإجتماعي ساهمَ في إنخفاض حاد في عدد الأفلام المنتجة فيما غرقت البلاد في تأثيرات ثورة الشباب التي اجتاحت العالم عام 1968. الخلاف السياسي الحاد وضع البلاد على حافة الخطر مع تفاقم الإغتيالات بين اليمين و اليسار. لكن من رحم هذا القلق قدمت السينما الإيطالية بعض أهم كلاسيكياتها٠

بالنسبة لبولونيني جاءته الفرصة مجددا مع "ميتللو" (1970) مرة اخرى. نحن في فلورنسا القرن التاسع عشر نعايش سيرة ميتللو المكافح من أجل لقمة العيش و العدالة و مطاردة البوليس السياسي له. ميتللو يبحث عن توازن لا يُدرك بين مبادئه و عائلته في وسط يعمّه الإضطراب و القلق.. إنه فيلم جميل، مدهش بصريا. والجمال عبر عدسة بولونيني هنا ليس جمالا مجانيا. لا يهم بولونيني أن يجمّلْ أزقة و بيوت فلورنسا المتعبة بالزمن و الإهمال و لا يريدها كارت بوستال لخلفية فيلمه. الجمال في صورة ميتللو هو جزء من مناخ السرد لحكاية ناس يعذبهم الفقر والحب و الجنس في واقع أغلق عليهم منافذ الخلاص. الألوان التي يسطر عليها الأسود والبني بمختلف درجاته (التصميم الفني لصديقه القديم بييرو توسّي و الموسيقى للإيطالي الشهير إنيو موريكوني) تعكس حال الشخصيات المـُنهكة و الصابرة. في ميتللو بولونيني رسام محترف مرهف العين. عن هذا الفيلم نالت الشابة (حينها) أوتافيا بيكولو سعفة كان لأفضل تمثيل نسائي. كما فيه لعب ماسيمو رانييري (مغني البوب الذي بدأ علاقة فنية و شخصية مع المخرج ستدوم لسنوات) ربما دوره الأهمّ.
في العام التالي قدّمَ بولونيني عملا من نفس الفترة التاريخية و بنفس المناخات الفنية في "بوبو". قصة حب مثلثة الأطراف فيها تلعب بيكولو دور غسّالة شابة (مهنة كانت دارجة حينها) يدفعها صديقها الجشع إلى البغاء فيما يحاول طالب شاب مثالي (رانييري) إنقاذها، قبل أن ينتهي الثلاثة ضحايا لمرض الزهري (أيدز ذلك الوقت). في "بوبو" يتابع بولونيني رسم لوحة بديعة لزمن الحقبة الجميلة فيما تلك الشخصيات المسحوقة تسير إلى نهايتها المجعة.
و لثالث مرة يجمع بولونيني كلا من رانييري و بيكولو في "طالب متهم بجريمة قتل" (1972) ليلاقي نجاحا أقلّ من عمليه السابقين٠

العام 1975 قدّمَ بولونيني فيلما قاسيا عن الهذيان و الروح الإنسانية المـُعذبة في مصحّ يلعب فيه ماستروياني دور الدكتور الذي يغوي نساء المصح. في هذا الفيلم "النزول على السلالم القديمة" صورة عن الأمراض النفسية – الجنسية في مجتمع فاشي يهذي بالقسوة و العنف و الفوضى. صورة عن إيطاليا الإضطراب السياسي٠
في نهاية السبعينات كانت صحّة بولونيني قد تدهورت كما حال الإنتاج السينمائي في إيطاليا٠
عام 1981 صنعَ بولونيني نسخته من "غادة الكاميليا" و التي جاءت أقرب إلى الحقيقة. حيث هذه المرأة تبيع جسدها لإنها لا تملك خيارا آخر. ليس هناك في فيلم بولونيني تلك النزعة الميلودرامية لإفتعال التضحية كما فعلَ العديد من المخرجون عبر العالم حين تناولوا قصة ألكسندر دوما الإبن هذه٠
عمل بولونيني خلال سنواته الأخيرة على إخراج بضعة أعمال للأوبرا و كذلك حفنة من الأفلام للتلفزيون. و حين توفي عام 2001 يقال أنه بالكاد لاحظ َ الناس غيابه. لكن اليوم يستعيد بولونيني قدرا يسيرا من التقدير الذي يستحقه حين تـُستعاد عروض بعض أفلامه في نوادي السينما وصالات الفن و التجربة عبر العالم٠


سينما عربية | نديم جرجورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظلالات بصرية من السعودية
في البحث عن العلاقة الآيلة للتطور بين الصورة
والواقع والحياة في الأفلام السعودية الحديثة
كما يراها الناقد نديم جرجورة٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتاح «مهرجان الخليج السينمائي» في دبي، في دورتيه الأولى (2008) والثانية (2009)، فرصة مشاهدة أفلام سعودية حديثة الإنتاج، بعد أن تسنّى للمهتمّين بصناعة الصورة البصرية في المملكة العربية السعودية معاينة بعض الإنتاجات في مناسبات مختلفة؛ علماً بأن دورات أخيرة لـ»مسابقة أفلام من الإمارات» في أبو ظبي، إثر انفتاح التظاهرة على الحركة البصرية الخليجية، لعبت دوراً متواضعاً في تعريف هؤلاء المهتمّين على ما يُنجزه السعوديون. غير أن المسألة أبعد من حيّز مكاني يكتفي بتقديم العمل، لأن الأهمّ كامنٌ في قدرة عدد من الشباب السعوديين على إنجاز أفلام نابعة من حماسة واضحة في امتلاك لغة تعبير بصرية، وفي تطوير أدوات العمل الفني، وفي السعي الجدّي إلى اللحاق بالعصر السينمائي، الذي سبقهم سنين طويلة جداً. ذلك أن متابعة بعض الأعمال المنجزة في الأعوام القليلة الفائتة فقط، عكست إصراراً حقيقياً على جعل الصورة المتحركة مرآة للذات والمجتمع والبيئة والتفاصيل، أو انعكاساً لرغبة ما في تحقيق فيلم سينمائي، وإن ارتكز التحقيق هذا على التقنيات المتطوّرة للفيديو، غالباً. والأعمال، إذ جعلت الشكل البصري متنوّعاً، غاصت في تشعّبات الحالات الإنسانية بحثاً عن معنى العلاقة بين الصورة والواقع والحياة. والأنماط، إذ تراوحت بين الروائي الطويل والوثائقي والروائي القصير، بدت قابلة للتطوّر، إذا انتبه الشباب السعوديون إلى ضرورة العمل اليومي من أجل مزيد من المعرفة والاختبار والوعي. ثم إن هؤلاء الشباب التحقوا بزملاء لهم منتمين إلى دول خليجية عدّة بحثاً عن آلية ما لتحقيق أفلام تعكس هواجسهم وأحلامهم وأفكارهم وانفعالاتهم.

لا صناعة
حسب التوقيت المحلي: أحد الأفلام السعودية
الجديدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يعني هذا أن هناك «صناعة» سينمائية سعودية ستولد قريباً، أو في الأعوام القليلة المقبلة. ولا تعني الحماسة السعودية في إنتاج أعمال بصرية إنجازاً لأفلام سينمائية ذات قيم فنية ودرامية وجمالية وإبداعية رفيعة المستوى. لكن التجربة مهمة، والخطوات جادّة (كما يبدو لغاية الآن، على الأقلّ) في تثبيت حضور ما لـ»سينما» تولد في المملكة العربية السعودية ببطء شديد، بالإضافة إلى عروض سينمائية قليلة جداً لأفلام سعودية أقيمت في أكثر من مدينة سعودية في الأشهر الفائتة، في أطر ثقافية وفنية متفرّقة؛ وتمنح الصورة مدلولاتها الاجتماعية والثقافية والفنية الخاصّة. مع هذا، لا يُمكن للتجربة والخطوات أن تستكمل مشروعها الإبداعي، إذا ظلّ المجتمع بأسره خاضعاً، بالمطلق، لسطوة النظام الديني المتزمّت بامتداداته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والإعلامية والحياتية؛ علماً بأن التجارب الأخيرة لم تكن جريئة، فقط، في اختيار مواضيع حسّاسة، لأنها تمثّلت أولاً باندفاع الشباب السعوديين إلى تقنية الفيديو أو الكاميرا السينمائية، كأداتين إبداعيتين، على الرغم من صرامة النظام الحياتي في المملكة إزاء أمور العيش والإبداع. أما النتيجة، فلا تزال غامضة الملامح، وستبقى هكذا أعواماً طويلة، على الأرجح، لأن تأسيس المغاير والمختلف، بل المناقض والمتمرّد، محتاجٌ إلى جهود جبّارة تتجاوز الفرديّ إلى الجماعي، فكيف إذا كان الجهد السعودي، في هذا المجال، فردياً بحتاً، يواجه آلة قمع حادّ؟ وإذا احتاج الانقلاب على التزمّت والانغلاق في المجتمعات العربية الأخرى (لبنان، سوريا، فلسطين، مصر ودول المغرب العربي)، ذات النتاج السينمائي العريق في الزمن والجودة (وإن بتفاوت ملحوظ بين الأعمال كلّها) معاً، إلى مقارعة يومية ضد الظلامية والجهل والرجعية، المستفحلة فيها مؤخّراً؛ فما هو وضع الانقلاب الشبيه (إذا وُجد) ومصيره، في مجتمعات منغلقة ومسيّجة بعقائد متحجّرة، كالمملكة العربية السعودية تحديداً؟
إذا بدت الصورة العامة قاتمة، لأن التحرّر الثقافي/ الاجتماعي في مجتمعات ضيّقة يتطلّب اشتغالاً جماعياً فعّالاً على المستويات كلّها؛ فإن حماسة شباب سعوديين للعمل البصري جزءٌ أساسي من معركة التحرّر هذه، بجانبها الإبداعي. أمبالغة هي أم واقع؟ غالب الظنّ أن ما يُنجزه شباب ومخضرمون سعوديون من أفلام متفاوتة القيم ومتنوّعة الأشكال والمضامين لن يكون عابراً، إذا لم يستسلم هؤلاء جميعهم أمام آلة القمع الاجتماعي المغلّف بغطاء ديني صارم؛ في حين أن المهتمّين بصناعة الصورة مطالبون بدعم الحركة الإبداعية البصرية في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، لأن ما يجري هناك موصوف، إلى درجة ما، بكونه «خطوة تأسيسية متواضعة» لصناعة سينمائية قد تولد ذات يوم في تلك البقعة الجغرافية من العالم العربي. وعلى الرغم من طغيان العاديّ، ووقوع الغالبية الساحقة من الأعمال السعودية المنجزة حديثاً في الاستسهال والخلل والارتباك؛ إلاّ أن «النيات الصادقة» وحدها لا تصنع سينما، والبقاء طويلاً في هذه الحالة مؤذ للغاية. ذلك أن المعركة مرتكزة على أسس متفرّقة، لأن إنجاز الأفلام (بصرف النظر عن قيمها الإبداعية) وحده لا يكفي، إذ يحتاج المجتمع كلّه إلى تغيير جذري في التعاطي مع الإبداع والحياة والعصر. ولا شكّ في أن الفيلم السعودي «سينما 500 كلم» (2006) لعبد الله آل عيّاف خير دليل على تلك الحماسة الشبابية السعودية إزاء السينما، إذ روى تفاصيل المعاناة التي يعيشها شباب سعوديون راغبون بشدّة في مشاهدة الأفلام السينمائية في صالاتها الشرعية، وهم مضطرّون إلى القيام برحلة الخمسمائة كيلومتر هذه للوصول إلى المنامة (عاصمة البحرين) ذات الصالات الحديثة، لتحقيق رغباتهم تلك. على أمل أن تمتد الحماسة المذكورة إلى صناعة الأفلام وليس إلى مشاهدتها فقط، كما هو ظاهر لغاية اليوم لدى بعضهم على الأقلّ٠

الحصن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أرقام وحقائق
لا تؤثّر الأرقام، سلباً أو إيجاباً، في عملية إنجاز الأفلام؛ كما أن الفوز بجوائز متنوّعة لا يُقدّم أو يؤخّر في حركة الإنتاج البصري. ففي الدورة الأولى (12/ 18 نيسان/ أبريل 2008) لـ»مهرجان الخليج السينمائي»، اختير سبعة عشر فيلماً في المسابقة الرسمية، توزّعت على فيلمين روائيين طويلين هما «صباح الليل» (2008) للسوري مأمون البنّي و»القرية المنسية» (2008) للفلسطيني عبد الله أبو طالب، وأحد عشر فيلماً قصيراً، بالإضافة إلى أربعة أفلام وثائقية. وفي الدورة الثانية (9/ 15 نيسان/ أبريل 2009) للمهرجان نفسه، شارك فيلمٌ روائي طويل واحد بعنوان «الانتقام» (2008) لوليد عثمان، وعشرة أفلام قصيرة ووثائقي طويل واحد بعنوان «الحصن» (2008) لفيصل العتيبي
في الدورة الأولى، نال كاتب سيناريو «صباح الليل» راشد أحمد الشمراني شهادة تقدير، كتلك التي حصل عليها فهمي فرحات عن فيلمه الوثائقي «السعوديون في أميركا» (2007). وفي الدورة الثانية، فاز «الانتقام» بالجائزة الثانية، و»شروق/ غروب» (روائي قصير) لمحمد الظاهري بالجائزة الثالثة، و»الحصن» بالجائزة الثالثة. كما نالت «مجموعة تلاشي للإنتاج السينمائي» شهادة تقدير. هذا كلّه بعيداً عن أفلام الطلبة المشاركة، بدورها، في المسابقة الرسمية الخاصّة بها. في تعليق صحافي سريع على المناخ العام للأفلام الخليجية المشاركة في الدورة الثانية للمهرجان المذكور، وصف المخرج الكويتي خالد الصديق («البيان» الإماراتية، 12 نيسان الجاري) أفلاماً كويتية وإماراتية وسعودية عدّة بأنها «كارثة» في أمور صناعتها كلّها، ككتابة السيناريو والتمثيل والتنفيذ والإخراج أيضاً، معتبراً أن نقده القاسي هذا يصبّ في صالح الشباب. بينما رأى المخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد («البيان» الإماراتية، 15 نيسان الجاري)، بصفته رئيساً للجنة تحكيم الدورة نفسها، أن مشكلة «صناعة الفيلم الخليجي» كامنة في السيناريو، إذ إن تقنيات أفلام عدّة «غاية في الأناقة، لكن بمضمون ضعيف»، مشيراً إلى أن أفلاماً روائية قصيرة لمخرجين سعوديين «كانت جريئة». أما الزميل زياد عبد الله («الأخبار» اللبنانية، 27 نيسان الجاري)، فرأى أن أفلاماً سعودية قصيرة مثّلت «علامات واضحة للصدام الحقيقي الذي يعيشه المجتمع السعودي، بين انفتاح وانغلاق، وتميّزت بإصرارها على فضح المستور، ونقد المؤسّسة الدينية، ورصد تشوّهات الحياة الاجتماعية أحياناً»٠
لعلّ الجرأة ماثلة في «شروق/ غروب» لمحمد الظاهري، الذي التقط نبض الحياة اليومية لمراهق مثقل بألف همّ وخيبة، لأنه معرّض للقهر التربوي والاجتماعي، وخاضع لسطوة الشرطة الدينية، التي تلقي القبض عليه بتهمة اللواط وتمارس عليه أبشع أنواع الاعتداء. وفي «عيون بلا روح» لسمير عارف، تحوّلت آلة التصوير الرقمية إلى عينين قاسيتين في تشريح البيئة المجتمعية وفضحها والتهكّم الصامت عليها، بجعلها «هدية» ترصد الواقع في رحلة البحث عن خلاص لها. ويستكمل «حسب التوقيت المحلي» لمحمد الخليف «تلصّصه» على المجتمع السعودي الضيّق، بسرده قصّة شاب جائع يبحث عن مطعم في وقت الصلاة، ما يجعله عاجزاً عن بلوغ غايته. ولا يختلف «ثلاثة رجال وامرأة» لعبد المحسن الضبعان عن المسار نفسه، إذ يطرح أسئلة الإبداع والفنون وعلاقتها بالواقع والمحلي، من خلال مجموعة شباب يسعون إلى كتابة سيناريو متعلّق بقصّة حب وتصوير امرأة والبحث في العلاقات العاطفية والانفعالية.
لا تعكس هذه الأمثلة القليلة المناخ العام كلّه لما يحصل داخل المملكة العربية السعودية على مستوى إنجاز الأفلام، بقدر ما تقدّم صورة مختصرة عن وقائع العيش البصري لشباب سعوديين في لحظة قد تكون مصيرية ومهمّة، لأنها تسعى، وإن بتواضع وخفر، إلى تأسيس أرضية ما تصلح لتشييد عمارة سينمائية ذات يوم مقبل.


تاريخ | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حكايات بالأبيض والأسود عن السينما الهندية الصامتة


شكل السينما الهندية كان دينياً قبل أن تعمد الى الغناء والرقص

في العام 1914 قام المدعو دادا صاحب فالكي بزيارة لندن ليقدّم ما اتفق عليه بأنه أول فيلم هندي كان دادا حققه قبل عام من ذلك التاريخ تحت عنوان
Raja Harischandra
استمد ذلك الفيلم، حسب مؤرخين، مادّته من الميثالوجيا الهندية وعمد الى إثرائها بأسلوب إخراجي غربي. لا عجب، يؤكدون، أن الفيلم لاقى إعجاباً بين مثقّفي وسينمائيي ذلك العصر وسيتطلب الأمر من باحث اليوم لا معرفة ما إذا كان هذا الفيلم لا زال موجوداً فقط، بل البحث في الصلة القائمة (او تلك التي يُفترض أنها لا زالت قائمة) بين الأفلام الأولى وتاريخ السينما الهندية بأسره٠

هذا لأن من يُشاهد الأفلام الهندية الآن، والزميل صلاح سرميني منصب على دراستها من نحو عامين بلا انقطاع، يجد أن معظم ما نشاهده منها قائم على الصراع الدائم بين الخير، متمثّلاً بشخصيات محبّة للعالم من حولها ومسالمة ومعانية، وبين تلك الشريرة التي تتقصّد التصدّي لها بحرمانها مما تحب٠ هذا الخط يمكن أن تجده في السينما العربية وبل في أي فيلم من أي مكان- هذا صحيح. لكن هندياً هو الصلب بين المواضيع وهو ما تنشده المجاميع من المشاهدين اولئك الذين كانوا الى حد قريب أكبر جالية سينمائية في العالم (ربما الصين في المقدّمة منذ عشر سنوات)٠

المخرج دادا صاحب فلكي

والعامل الدائم هو غلبة الخير على الشر (وليس كما في الأعمال الأوروبية والأميركية حيث لا غلبة لأن الخير والشر يتعادلان بالنقط معظم الوقت). لكن هذا الصراع ليس فردوياً أيضاً ولو أن عدم فردويّته لا يعني أنه لا ليس هناك من بطل فردي، بل هو جماعي- اجتماعي شاسع. الأبطال، كونهم فقراء وطيّبون ويحاربون، حين يفعلوا، دفاعاً عن الاخرين، يصبحون سيراً شعبية أكثر مما تفعل السير المماثلة خارج الهند٠

الى ذلك كله، هناك الثراء الشكلي في الديكور والأسلوبي الإستعراضي في العمل، وفي الأعداد من المجاميع وفي التنويع الصوتي واللوني (حين أصبحت السينما الهندية ناطقة وملوّنة). وحقيقة أن المصادر الأولى للسينما الهندية الصامتة كانت من حكايات مصادر روحانية زاد من دفق المشاهدين وجعل السينما الهندية تختلف من البداية وفي شكل جوهري عن مثيلاتها في أي مكان بسبب من قصصها التي تبرز روحانيات
الثقافات الدينية المختلفة. دادا صاحب فلكي (المولود سنة 1870) عاد فحقق فيلما عنوانه
Lanka Dahan |حرق داهان
سنة 1917 تناقلت الأخبار يومها أن الإقبال الهائل لمشاهدته خلّف قتلى وجرحى من جراء التناحر والتدافع أمام صالات السينما. لكن المسألة لم تكن اختياراً حرّاً بالنسبة للمخرج فالكي. أقصد أن إقباله على الإستعانة بالحكايات الإرثية والميثالوجية والروحانية لم يأت عن طريق ابتكاره أن هذه هي الوسيلة لجذب الناس، بل هو ترعرع عليها وعلى تعاليم وقصص الراما ووالده كان يريده مبشّراً دينياً هندوسياً، لكن الشاب مال الى الرسم ثم درس التصوير وفي العام 1910 قرر أنه يريد العمل في السينما. لكن التعاليم الدينية التي نشأ عليها كانت حاضرة وهو أراد نقلها. الى ذلك، كان قرر أن يصبح مخرجاً بعد مشاهدته فيلماً عن المسيح معروضاً في صالة في بومباي. المراجع لا تذكر أي فيلم هذا، ربما لأنها نقلت عنه حديثاً ذكر فيه تأثير ذلك الفيلم من دون أن يسمّيه، لكن إذ أبحث عن الفيلم الذي من الممكن أن يكون الواقف وراء قرار دادا صاحب فلكي التحوّل الى الإخراج أجد أن العام نفسه شهد إنتاج فيلم أميركي بعنوان
Christ on the Cross | المسيح على الصليب
لمخرج فرنسي لم يترك أثراً هو لويس فيوويلاد. حقيقة أن الفيلم عُرض على شاشة صالة تعرض الأفلام الأميركية يجعلني أبحث أكثر لكني أجد سلّة التاريخ خاوية من أفلام أميركية في هذا الإطار ما بين 1907 و 1910
المؤكد أن الشاب الذي خرج من ذلك الفيلم وهو يتساءل عن لم لا يصنع أفلاماً عن الهندوسية التقى بالمنتج والمخرج البريطاني سيسيل هبوورث الذي عرّفه على كل مراحل العمل السينمائي وجوانبه. ومن هناك كانت انطلاقته٠


المرأة الأولى
ليس أن فالكي كان وحيد السينما الهندية بين المخرجين، لكن تأثيره عليها كان ولا يزال واضحاً من خلال اختياراته من المواضيع كما من حيث خامته الإنتاجية . وهو أوّل من أتاح المجال للمرأة لكي تظهر على الشاشة، فقبل العام 1914 كان ذلك محرّماً عليها وكانت الأدوار النسائية (كتلك في المسرح الياباني في القرن التاسع عشر) يؤدّيها رجال. الممثلة التي سجّلت بصمتها في هذا الإتجاه هي كامالا او الآنسة كامالا كما عُرفت أيضاً والتي استحوذت نجومية واحتراماً والتي ظهرت عجوزاً في فيلم ليس بعيداً هو
Chauraha
سنة 1994 للمخرج صدقات حسين ولا ذكر إذا ما كانت لا تزال حيّة الى الآن٠
في تلك الأثناء، اي في العقد الأول من القرن الماضي، تكاثر عدد المخرجين الهنود الآخرين الذين عمدوا الى السينما وحققوا أفلاماً ناجحة. أحد أكثرهم نجاحاً -تجارياً- هو د. سامبات ولو أن مراجع اليوم لا تذكره. وهذا أيضاً عمد الى الميثالوجيات الدينية، مستوحياً قصص الكريشناز والراماز ليحفّز المشاهدين على الإقبال على أفلامه (استخدام الدين كتأثير إعلامي وشعبي معروف في شتّى أنحاء العالم الى اليوم). سامبات عالج مواضيعاً أكثر جدّية (في الجوهر والموضوع على الأقل) من بينها فيلم
Bhakta Vidur| القدّيس فيدور
الذي يُكنى الى المخرج كانجبهاي راثود على موقع
mbdb pro
British Film Institute والى سامبات في سجلات
الا إذا كان هناك فيلمان بنفس العنوان تم إنتاجهما في ذات السنة، 1921
بوجيلال دايف إسم آخر يُقرن بالأعمال التي انتقلت من حكايات الراما الى معالجة قضايا اجتماعية حول الحياة الهندية الآنية ومدى تأثير التمدّن الغربي (الهند تحت الإحتلال) على المجتمعات والتقاليد الهندية. هذا الفيلم ورد سنة 1925 العام الذي عرضت فيه السينما الأميركية وبنجاح كبير بين الهنود »لص بغداد« نسخة المخرج الديناميكي راوول وولش. شخصياً، أستطيع أن أفهم نجاح هذا الفيلم بين الهنود، فهو استعراضي خيالي من المغامرات الشرقية والسينما الهندية كان لديها دائماً نصيبها من الأفلام المستوحاة من قصص ألف ليلة وليلة وحكايات علاء الدين وعلى بابا والسندباد والبساط الطائر و ما الى ذلك٠

الرقابة بريطانية
في تلك الأزمنة عرفت السينما الهندية الرقابة. ليس الرقابة الذاتية التي منعت خروج المرأة على الشاشة قبل كامالا، بل الرقابة البريطانية. كان هناك جهاز رقابة بريطاني تم تأسيسه سنة 1917 وهو تدخّل لمنع أي فيلم يدعو الى تحرر الهند من التبعية الإستعمارية للهند٠
من بين تلك الممنوعة »القدّيس فيدور« الذي مُنع لسنوات بسبب مشهد يرتدي فيه بطل الفيلم (دواركاداس سامبات) ثياباً شبيهة بغاندي، وفيلم لمخرج أسمه باليجي بندهاركار عنوانه من دون ترجمة
Vande Mataram Ashram
كلا الفيلمين مفقود اليوم والثاني انتقد تحديداً سياسة التعليم البريطانية في الهند. ولم تكن الرقابة البريطانية على الأفلام الهندية وحدها فقد منعت كذلك أي فيلم سياسي ذي أفكار تدعو للتغيير كما الحال حين منعت الفيلم الروسي »المدرّعة بوتمكين« لسيرغي أيزنشتين والفيلم الأميركي »يتامى العاصفة« لد. و. غريفيث٠
بالنسبة لدادا صاحب فلكي، استمر في تحقيق الأفلام الصامتة حتى العام 1932 (كانت السينما بدأت النطق قبل ذلك بأربع سنوات) بفيلم عنوانه »الجسر الى شري لانكا«. ثم عاد بعد عامين وحقق فيلماً عرض ناطقاً سنة 1937 بعنوان »نهر غانغيز«٠ الفيلم لم يحقق نجاحاً والرجل لم يجد عملاً بعد ذلك واعتلاه الفقر والتجاهل ثم مات سنة 1944
المتداول على نحو مؤكد أن السينما الهندية انتجت آلاف الأفلام في الفترة الصامتة- لكن لا أحد يستطيع التعرّف على هذه الثروة حتى ولو انصرف للبحث العيني في بومباي ونيودلهي وكالاكاتا او سواها، وذلك لأن أقل من عشرين فيلم صامت فقط هي التي لا تزال على قيد الحياة



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠




Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular