May 23, 2009

ISSUE 419 | Star Trek | نقد | لقاءات| مراجعة | أصداء

في هذا العدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إضافة
نتائج الدورة الـ 62 لمهرجان "كان": حك ظهر او استحقاق؟ | محمد رُضا
  • أصداء | ماذا لو كانت أفلام كان أسوأ مما نعتقد؟ | محمد رُضا
  • نقد | الزمن الباقي لإيليا سليمان | نديم جرجورة
  • مقابلة | شيرين دعيبس مخرجة "إمريكا" الخارج بجائزة | هوڤيك حبشيان
  • مراجعة | أفلام عنيفة وأباحية تلوّن دورة العام الحالي | هوڤيك حبشيان
  • بعيداً عن كان | سلسلة »ستار ترك" من أوّلها الى أخيرها | محمد رُضا

سنوات ضوئية | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جوائز مهرجان "كان" الثاني والستين: حك ظهر ام استحقاق فعلي؟

لقطة من "الشريط الأبيض"القائز بالسعفة الذهبية

ميشيل هانيكَ


سنة 2001 تسبب فيلم »معلّمة البيانو« بمنح جائزة أفضل تمثيل نسائي الى إيزابل أوبيرت التي لعبت الدور الذي في العنوان٠ سنة 2009 نال »الشريط الأبيض« سعفة "كان" الذهبية. المفارقة؟ كل من »الشريط الأبيض« و»معلّمة البيانو« من إخراج ميشيل هانيكَ.... إذا لم يكن هذا من نوع حك لي ظهري أحك لك ظهرك فأنه قريب منه كثيراً، او على الأقل يبدو كذلك. ميشيل هانيك تسبب في فوز أوبيرت وأوبيرت تسببت في فوز فيلمه هذا٠

ولاحظ، إذا شئت، أن الخدمة المتبادلة لم تتم في العام الماضي. كلينت ايستوود كان السبب في منح شون بن جائزة الأوسكار سنة 2003 عن فيلم »ميستيك ريڤر«، لكن حين تنافس ايستوود بفيلمه الأخير »مبادلة« في كان وكان شون بن رئيس لجنة التحكيم، كشأن ايزابل أوبيرت هذا العام، توجّه بن بجائزته لفيلم »الصف« وهو فرنسي للوران كانتيه وارتأت "كان" تخصيص جائزة لترضية ايستوود لكن هذا أدار ظهره وتوجه الى المطار حالما عرف بالنتيجة٠
وتستطيع أن تراهن على أن ايستوود لن يسند لبن أي فيلم آخر٠

ميشيل هنيكَ وقف على منصّة المهرجان وقال: "السعادة هي شيء نادر، لكن هذه هي لحظة في حياتي أستطيع أن أقول أني حقّاً سعيد"٠
هذه هي المرّة الأولى التي يفوز بها هانيك بالسعفة لكن سبق له وأن سحب من بين المتنافسين جائزة أفضل إخراج عن فيلمه »مخبوء« سنة 2005
الفيلم انتاج نمساوي/ ألماني/ فرنسي مشترك لكن الفيلم التالي في سلم الجوائز هو فرنسي بالكامل ففيلم جاك أوديار »نبي« خرج بالجائزة الكبرى
والمخرج الفرنسي ألان رينيه نال جائزة تشريفية خاصّة وهو الذي عرض »أعشاب بريّة« في المسابقة ويحتفل بعيد ميلاده السابع والثمانين في الشهر المقبل٠ رينيه شارك كثيراً من قبل لكنه ربح مرّة واحدة. فأول فيلم له في مسابقة المهرجان كان »ستاڤزكي« سنة 1974 والفيلم الذي ربح عنه كان »عمي الأميركي« سنة 1980 وحينها نال الجائزة الكبرى- أي لم يسعفه الوضع (أيما كان ذلك الوضع) في استحواذ السعفة الى الآن٠

أفضل ممثل ذهبت الى النمساوي كريستوف وولتز عن دوره كضابط نازي في فيلم كونتين تارانتينو "أنذال غير مجيدين"٠
أما المخرج لارس ڤون ترايير، (او هل أقول أما بالنسبة لأعظم مخرج في العالم ؟) فإن لجنة التحكيم لم تر رأيه وإن منحت بطلة فيلمه شارلوت غينزبورغ جائزة أفضل ممثلة٠
أما الذي نال جائزة أفضل مخرج (ما يجعله تلقائياً أفضل مخرج في العالم؟) فهو الفيليبيني بريلنتي مندوزا٠ ونالت البريطانية أندريا أرنولد جائزة لجنة التحكيم عن "حوض السمك«٠



أصداء
| محمد رُضا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المفاهيم المخلوطة والإعلام الجاهل ما يقف وراء ذلك
اللاثبات في الآراء الخارجة من "كان" هذا العام. كيف لا وكل
شيء بات يُقاس بكبر حجم شهرة هذا او ذاك
؟
.....................................................................................

إذاً، كان الذي كان ولم استطع الذهاب الى "كان" وعشت وفهمت أن ذلك ليس نهاية الدنيا٠
قرأت عنه ما كُتب وما ترجمه لي غوغل من مقالات يابانية وألمانية أحياناً وخرجت بإنطباع أن كل تلك الأسماء الكبيرة التي تم حشدها هذا العام، أعطت "كان" ذات النجاح الذي تعطيه له كل دورة. ثم قرأت ما كتبه الناقد جوناثان رومني في "ذ إندبندنت" وتأكدت أن هذه الدورة على كثرة أسمائها »الكبيرة«، لم تأت ناجحة الى حد يناسب »كبر« هذه الأسماء .... أيعقل أنها ليست »كبيرة«؟
رومني كتب: "في الواقع، مر حين منذ أن تنافس مثل هذا العدد من مخرجي الصف الأول الثقال على السعفة في كان- هنيكه، ألمادوڤار، لوتش، كامبيون، آنغ لي .... لكن هذا لا يعني أن الدورة الثانية والستين هي أفضل دورة في الذاكرة: كانت هناك مفاجآت قليلة واشتراكات ثابتة أكثر منها تحفاً"٠
هذا لا يعني مطلقاً أنني سعيد أنني لم استطع الذهاب. لقد سبق للمهرجان وأن حفل بنسبة من الأفلام التي لم تعش في البال لأكثر من دقائقها على الشاشة وما تبع تلك الفترة من علامات استفهام حول »حكمة« لجنة الإختيار من وراء اختياراتها. لكن هذه المرّة الأسماء »الكبيرة« كانت محتشدة أكثر مما فعلت سابقاً في العقد الأخير على الأقل (وليس للمرّة الأولى كما كتب أحدهم في صحيفته)٠
المشكلة هي تحديداً هنا: الأسماء الكبيرة. ذلك أن المرء قد يؤخذ في البداية متغاضياً عن حقيقة أن مسألة من هو »كبير« تخضع لتصنيف ما هو »الكبر«٠
إنه فقط المضخّة الإعلامية المهووسة بالتقليد التي يمكن أن تطلق على نصف الأسماء التي وردت في سياق هذه الدورة كلمة »كبيرة«. النصف الآخر ربما كان إنما بنسب متفاوتة٠
ما أقصد قوله هو أن الإعلام الغربي الجاهز، والمستعدون لترديده، هو الذي إراد أن يصدّق الهالة التي تحيط بالعديد من مخرجي هذا العام. كيف يمكن له اطلاق مقالات صحافية تُقرأ حول العالم؟ عليه أن يشترك في الضخ الإعلامي ولا يدع فرصة استخدام أكبر وأعظم وأهم وغيرها من كلمات التفخيم تمر من دون أن يقليها ويشويها مرّات كل يوم٠
.....................................................................................

والبعض من هؤلاء المخرجين »الكبار« افتراضاً وليس واقعاً ليسوا واثقين من أن الإعلام سيشير إليهم على هذا النحو وسط الجمع ومن دون تمييز يطلبونه لأنفسهم، فإذا بـ »كبير« أسمه لارس ڤون تراير يقول للإعلاميين الذين حضروا مؤتمره الصحافي: "أنا أعظم مخرج في العالم"٠
الأخ متواضع لأنه لم يقل "أعظم مخرج في العالم في التاريخ" بل ترك للبعض احتمال أن يفضّل عليه بعض الراحلين من أمثال تاركوفسكي وكوروساوا وهيتشكوك وعلى الأقل خمسين مخرج آخر مضوا٠
في نهاية فيلم »أنذال غير مجيدين« لكونتِن تارانتينو عبارة تقول: "أعتقد أن هذا هو تحفتي"٠
العبارة هي آخر جملة على ما أعتقد، حسب وصف بعض المعلّقين، في الفيلم ما يُقصد به تماماً ما نفهمه منها. تارانتينو يربّت على كتفه بيده ويقول لمن هم هناك: حققت تحفة٠
فقط بعض نقاد السينما المتواجدين من دورة الى أخرى، هم المحصّنين بمناعة ضد هذا الهراء من قِبل كل مخرج يعتقد نفسه »كبيرا« وتعامله وسائل الإعلام على أنه كبير٠
البعض الآخر ببغاء على قدمين ونصف هذا البعض (اي نحو 1000 من الموجودين) لا يعرف كيف يُقارن عملاً بآخر ويساعد نفسه على حسن التقييم. إذ ليس هناك مخرج اليوم (كما لم يكن هناك مخرج بالأمس) بمعزل عن باقي السينما وسينمائييها٠ ڤيسكونتي كبير، فيلليني كبير، ياسوجيرو أوزو كبير، كوزنتسيف كبير، كوبريك كبير، لكن أحد منهم لم يُعامل نفسه على هذا النحو ولا الإعلام كان في حينها يعتبر أن المسألة هي ختم يأخذه المخرج على قفاه يقول "هذا مخرج كبير"، ذلك لأنه من صفات »الكبر« أن تبقى صغيراً٠
أن تتحدّث أفلامك عنك٠
.....................................................................................

الإعلام الوهّاج غبي لكن الأجنبي منه أفضل من العربي لأنه ليس جاهلاً٠
على شاشة "العربية" عنوان كبير في أسفل الصفحة يصرخ: "خمسة أفلام عربية في المسابقة"٠
كيف؟
كيف لا ومندوب المحطّة الى مهرجان "كان" يقول لمستمعيه أن هناك خمسة أفلام عربية تتنافس على السعفة الذهبية. أتيت متأخراً على الخبر ففاتني نصفه، لكن النصف الذي حضرته لم يذكر المراسل ما هي هذه الأفلام الخمسة بل اكتفى بذكر فيلم إيلي سليمان "الزمن الباقي" (او "الزمن الذي يبقى" حسب الترجمة الإنكليزية). لكن حتى ولو ذكر أسماء الأفلام العربية الأخرى المتسابقة على السعفة يكون المراسل -في أفضل حالاته- جاهلاً لأنه لم تكن هناك أفلاماً عربية سوى الفيلم المذكور في المسابقة- ولا أعتقد أن »الزمن الباقي« فيلم عربي على أي حال... لكن هذا بعض ما يطوف في فضاء الإعلام العربي من جهل٠
وهناك من قرأت له في صحيفة عربية يقول ما مفاده أن المخرج »الكبير« كن لوتش حقق مفاجأة. يقصد طبعاً فيلم »البحث عن إريك«. لا تعرف هل هي مفاجأة على صعيد أن الفيلم رائعة غير متوقّعة، او مفاجأة على صعيد أن الفيلم قوبل بهزّات رأس موافقة؟ المهم أن يستخدم كلمة »مفاجأة« كما المهم لديه ولدى آخرين استخدام الكلمات المحنّطة مثل »لا ريب« و»من دون شك« و»شديد الخصوصية« و»متميّز« حتى فقدت تلك الكلمات معانيها وأصبحت مثل ريشة ألوان خسرت معظم شعيراتها٠
يكمل ذاك قائلاً: الفيلم يذكّرك بفيلم ألفريد هيتشكوك »منظر على الساحة«٠
كيف؟ لا تعرف. لماذا؟ لا تعرف. بل أي فيلم هذا الذي أخرجه هيتشكوك بذلك العنوان؟ لا أعرف. ربما هو ترجمة فرنسية استخدمت تجارياً حين هبط فيلم هيتشكوك »النافذة الخلفية« الى الساحة. لكن رغم أني لم أشاهد فيلم لوتش الأخير، لكني أشك كثيراً جدا أنه يشبه أي شيء أخرجه ألفرد هيتشكوك- ليس من باب المقارنة والمفاضلة لكن فقط من باب الإهتمام القصصي والأسلوبي٠
لكن هذا ما يُكتب. وهناك كثير غيره أقرأه وأقاوم الرغبة الجامحة في التعليق عليه لأننا لا زلنا أطفالاً من حيث أننا سريعاً ما نحيد عن النقاش في أمر فني الى تداول أمور شخصية. تقول شيئاً له علاقة بالثقافة السينمائية، كما أعلاه، فيرد عليك من يعلم أنه المقصود، بكلمات عاطفية وشخصية تعكس حاجته للأمان أكثر من أي شيء آخر ويحيد -قصداً- عن المطلوب فإذا بالحديث يضيع مثل دخان السيغارة في الأجواء٠
.....................................................................................

لم أقرأ ما يشفي الغلين عن فيلم كونتِن تارانتينو. النقاد المتواجدون في "كان" قلما يخصصون مقالاتهم لبحث كل فيلم على حدة (كما فعلت في العام الماضي هنا- هل تذكرون؟) ويأتون على تلخيص الفيلم والرأي غالب الأحيان علماً بأن القرّاء يريدون ما هو أكثر من ذلك. ويريدونه اليوم وليس غداً بعد انتهاء أعمال المهرجان٠
المهم أن عدد الأصوات التي نالها فيلمه الحربي (فرضاً) "انذال غير مجيدين" او كيفما اختار المرء ترجمة
Inglourious Basterds
هو 24 من أصل 40 نجمة فيما لو أن النقاد المشتركين في استفتاء مجلة »سكرين انترناشنال« منحوه أعلى تقدير من دون استثناء. لكن الفيلم الذي جلب أكثر عدد من نجوم التقدير هو الفيلم الفرنسي "نبي" الذي تقدّم فيلم تارانتينو بعشرة نجوم٠
من قرأت لهم يجمعون على أنه فيلم بالعرض والطول (154 دقيقة) لكنه من دون روح. خاو من الداخل. علينا أن نعي هنا حقيقة واضحة من كل أفلام تارانتينو (ومثله سودربيرغ والأخوين كووَن) وهي: أن سينماه ليست أصيلة، بل مؤلّفة من تشرّبه سينما الآخرين. لا عجب أن تكون خاوية في داخلها٠
معظم ما شوهد على شاشة كان هذا العام سيتوالي معروضاً على شاشات سواه والبعض سيتوجّه للعروض التجارية. أفلام لمخرجين "كبار" كهؤلاء .... أليس كذلك؟ أقصد أننا نعيش في عصر »الكبير« و»الصغير« ولسنا في عصر الأصالة٠


نقد| "الزمن الباقي"٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ثالث أعماله الروائية الطويلة، يقدم المخرج الفلسطيني
إيليا سليمان على أسلوبه في إعادة
تركيب المشاهد
بعد تفكيك الواقع كما يرى الزميل
نديم جرجورة٠
.....................................................................................

فيلم الفلسطيني إيليا سليمان «الزمن الباقي»، الذي عرض ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان «كان»، يتابع عملاً سينمائياً قام على عرض المعاناة الفلسطينية، من خلال الفلسطيني الصغير والعادي٠
(في فيلميه الأولين، «سجل اختفاء» (1996) و»يد إلهية" (نال سنة 2002 جائزة لجنة التحكيم الكبرى استعان إيليا سليمان بتقنية المتتاليات المشهدية»، في صياغته الحبكة العامّة « للقصص اليومية التي تؤدّي إلى فهم أعمق وأجمل لمناحي الحياة الفلسطينية في إسرائيل. في حين أن الزمن الباقي» خفّف من حدّة السياق المتقطّع في « المتتاليات المذكورة، من دون أن يقطع نهائياً مع هذا النسق. وإذا بدا استخدامه الدائم لشكل واحد في إنجاز فيلميه الأولين أقرب إلى تأكيد تمايز إبداعي ما في صناعة الأفلام الفلسطينية، فإن «الزمن الباقي»، المُشارك في المسابقة الرسمية، استعان بلقطات عدّة اشتغلها المخرج سابقاً على المنوال نفسه، واضعاً فيها نماذج ومشاهد وحالات تشبه تلك التي حمّل فيلميه بها، من دون أن يقع في التكرار المملّ، إذ نسج لغته السينمائية بحيوية درامية بديعة في مقاربتها الخصوصية الذاتية، المفتوحة على تجربة الجماعة؛ أو بالأحرى التي يُمكن لها أن تنفتح على تجربة أناس عاشوا اللحظات التاريخية نفسها، وباتوا أقلية في بلدهم الأصلي٠

لم يكن «الزمن الباقي» فيلماً سياسياً، لأن إيليا سليمان اعتاد حياكة أفلامه بأحاسيس الناس الحقيقيين القريبين منه تحديداً، المقيمين في لعبة الصراع الوجودي على أرض فلسطين. كذلك، لم يكن عملاً تاريخياً، على الرغم من اختزاله التاريخ المعروف للنكبات الفلسطينية المتتالية منذ عام 1948 لأن مخرجه لاحق طيف والده منذ انغماسه في المقاومة، وصولاً إلى الآنيّ القابع في التباس المعاني والعلاقات والأسئلة. وإذا بدا صعباً التفريق بين الخاصّ والعام في أفلامه كلّها، فإن الخاصّ يزيّن العام بنكهة ذاتية. وإذا استُلَّ فيلماه السابقان من قصص اختبرها شخصياً أو عرف بها وعاش أجواءها بعيون أقارب وأصدقاء؛ فإن «الزمن الباقي» انطلق من يوميات والده ورسائل والدته إلى أقاربها في عمّان، ومن ذكريات ذاتية عن علاقته بهما قبل هجرته وبعد عودته. في حين أن الشكل المعتمد في إنجاز الفيلم، الذي ينافس أفلاماً جميلة ومهمّة على «السعفة الذهبية»، حافظ على نسق روائي يعيد تركيب المشاهد بعد تفكيك الوقائع، ويحيل اللقطات والأزمنة إلى فصول متعاقبة عن تحوّلات بلد وخيبات أناس وأوجاع مقيمين على أرض يُفترض بها ان تكون لهم كلّياً. ثم إن إحدى المميزات الجميلة في الفيلم، متمثّلة بالصمت الذي تفنّن سليمان في جعله لغة بحدّ ذاتها، بدت أقوى تعبيراً عمّا يعتمل في أعماق الذات والبيئة، خصوصاً في المشاهد التي يظهر هو فيها ممثلاً شخصيته الحقيقية، إذ يبدو شاهداً فاعلاً ينقل ما تراه العينان وتحسّ به النفس والروح، مانعاً الكلام عن التأثير سلباً على هذه الجمالية البصرية٠


لقاء | شيرين دعبس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمريكا هو أحد ثلاثة أفلام نالت جوائز اتحاد النق
اد
الدوليين التي يمنحها الإتحاد في "كان" كل
سنة. الزميل
هوڤيك حبشيان تحدّث الى المخرجة شيرين
دعبس إثر
عرض الفيلم في تظاهرة "نصف شهر المخرجين"٠


شيرين دعبس

دراما خفيفة عرضت اول من امس في اسبوعا المخرجين"، تصور أسرة " فلسطينية ومعاناتها مع التهجير، وشعور اعضائها بالحنين إلى الوطن الذي يوجد في ذاكرتها الجمعية ويناضلون من أجل تحقيق الشعور بالانتماء في بلد (الولايات المتحدة) يعطي كل القادمين الجدد إليه فرصة للحصول على المال. يقدم الفيلم لمحة عن الحياة الخاصة للمراهقين من الجيل الأول الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بالتراث العقائدي لذويهم من جانب وبالعالم الغربي الذي يعيشون فيه من جانب آخر. انها قصة عادية بالنسبة الى العديد من المهاجرين الذين قدموا إلى أميركا الشمالية بحثا عن حياة أفضل". هؤلاء يجدون أنفسهم موزعين بين الحنين الى الوطن " والكفاح للاندماج في المجتمع الجديد باحثين عن شعور بالإنتماء في بلدهم الجديد٠
تقوم الخطوط العريضة لقصة الفيلم على خبرات المخرجة والكاتبة شيرين دعبس وأسرتها الفلسطينية الأردنية. تقول دعبس: "عندما كان الناس يسألونني من أين أنت كان هذا سؤالا محيرا بالنسبة اليَّ. لقد هاجر والداي إلى الولايات المتحدة قبل أن أولد. وولدت في أوماها ــ نبراسكا، وترعرعت في المناطق الريفية من أوهايو، ومع ذلك كنت أذهب إلى الأردن كل صيف. ولم أكن اميركية بما يكفي بالنسبة الى الأميركيين كما أنني لم أكن عربية بما يكفي بالنسبة الى العرب. أو على الأقل هذا ما شعرت به. لذا لم أشعر قط بأنني في وطني في أي مكان. كانت لديَّ رغبة في أن يصبح لي مكان أطلق عليه وطني، مكان حيث أشعر أنني أنتمي إليه، وكان هذا الأمر يمثل جزءا كبيرا من هويتي. فوق ذلك كله فقد ورثت كفلسطينية أزمة الهوية التي عاناها والدي، والتي تتمثل في عدم وجود أمة أنتمي إليها وعدم وجود هوية وطنية لي، بما زاد شعوري بعدم الإنتماء الى أي مكان"٠

لقطة من "أمريكا"٠

نشأت شيرين دعبس في بلدة صغيرة وهذا ما ضاعف شعورها بأنها لا تستطيع الإندماج في هذا المجتمع وهي في سن المراهقة. أدى ذلك إلى زرع بذور الإلهام داخلها. "في أثناء حرب الخليج، أصبحنا أكباش فداء. كنا نتلقى تهديدات يومية بالقتل وأتى رجال المخابرات إلى مدرستي للتحقيق في شائعة تقول إن أختي الكبيرة التي كانت في السادسة عشرة من عمرها هددت بقتل الرئيس. كنت في الرابعة عشرة من عمري في ذلك الوقت وكنت أجمع كل ما أحصل عليه من خبرات أثناء رحلاتي إلى الشرق الأوسط وأعود به الى أميركا وكنت أخزن كل ما شاهدته من قنوات الأقمار الاصطناعية العربية والنشرات باللغة الإنكليزية وبدأت أشكك في ما أسمع من الناس. أرى كيف تقوم وسائل الاعلام بإستخدام صور نمطية بحيث أثر هذا الأمر على حياتي في المدرسة وعلى أسرتي في هذه البلدة الصغيرة"٠
كان إحساس شيرين دعبس بالتقوقع وهي في سن المراهقة يزكي رغبتها في إخراج الأفلام، لكن الحوادث العالمية التي وقعت حولها بعد عقد من الزمان حملتها الى البدء بكتابة أول فيلم روائي لها. "كانت تجربتي وأنا في سن الرابعة عشرة أثناء حرب الخليج هي التي ألهمتني بكتابة "أمريكا" وقد حملت القصة معي طوال هذه السنوات. في النهاية ذهبت إلى مدرسة السينما في مدينة ووقعت حوادث الحادي عشر من ايلول في نيويورك وبعد فترة قصيرة غزت الولايات المتحدة العراق وبدأ التاريخ يكرر نفسه. كنت أسمع قصص ردود الأفعال تجاه القادمين من الشرق الأوسط. عندئذ أدركت أنه حان الوقت لأن أجلس وأكتب أول قصة تدور حول العرب القادمين إلى أميركا".
كان "أمريكا" هو الاسم الذي اخترته من اللغة التي كنت استريح " إليها ليكون عنوان فيلم يمزج بين ثقافتين ويصور تجربتي وتجربة العديد من الذين ينتمون إلى الجيل الأول من أبناء المهاجرين". عثرت دعبس على روح ثقافية مماثلة لروحها لدى المنتجة كريستينا بيوفيسان من شركة "فيرست جينيريشان فيلمز". التقت بيوفيسان شيرين دعبس عندما كانت تبحث عن فيلم يعكس تجربتها التي تصور حياة والديها المهاجرين. تقول بيوفيسان: "الكثير من أفلامي هي أفلام أجنبية أو ثقافية. إنها أمور أهتم بها. أمي فلسطينية لبنانية وأبي إيطالي. وعلى الرغم من أنني ولدت ونشأت في تورونتو، فإنني نشأت في بيت غني بالثقافة العربية".
كانت القصة التي تشعر شيرين بالرغبة في روايتها مستمدة من الخبرات الشخصية لأسرتها. وبالتحديد هناك شخصيات مستوحاة من افراد حقيقيين في أسرتها. "كانت شخصية منى تعتمد على قصة خالتي. فعندما هاجرت إلى الولايات المتحدة كنت في سن تسمح لي بأن اشهد الصراع. الفيلم عبارة عن قصة حزينة ودافئة لإمرأة مليئة بالتفاؤل وتحاول أن تبدأ حياة جديدة في مناخ يقف كل شيء فيه ضدها. لكنها لديها أمل في أن تقهر العقبات. هذه هي خالتي المتفائلة دائما. وكانت هذه الخصلة فيها هي التي اوحت اليَّ بشخصية منى"٠


مراجعة | هوڤيك حبشيان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة »ذ هوليوود ريبورتر" أطلقت على
دورة "كان" هذا
العام لقب "الدموية" وكتبت مقالاً
انتقادياً بعنوان "بساط
كان الملطّخ بالدم". هنا يتناول
الزميل هوڤيك حبشيان
بعض هذه الأفلام في مراجعة مع انسدا
ل الستارة على
هذه الدورة٠
.....................................................................................
الجنس والعنف: ثنائي كان الفضّاح

Lars Von Trier

قسوة لا تحتمل في "مجزرة" لبريانت ميندوزا٠
مثلية جنسية في "ليالي سكر ربيعية" للو يي٠

الدورة المنتهية من مهرجان كانّ جاءت على قدر كبير من الغرابة. هي بلا شك واحدة من أكثر الدورات دموية وقسوة وعنفاً: قطع أوصال، اغتصاب، قتل، هتك، وضرب للقيم المجتمعية المعتادة. فالسينمائيون لا يوفرون بالامكانات المتاحة لديهم لقول ما كان يصعب قوله قبل فترة ما. أما نظرتهم فتتضمن سوداوية غير مسبوقة تتجلى في عدد كبير من الأفلام ٠

Antichrist| Lars Von Trier
قد يصعب ايجاد مخرج اكثر لؤماً وتشاؤماً من لارس فون ترير. بعد سلسلة افلام عالجت الظروف الانسانية، بدءاً من عبثية الحب وصولاً الى البؤس الاجتماعي، يقع اختيار مؤسس الـ"دوغما" على مشروع سينمائي يتعذر ايجاد ما يوازيه في السينما المعاصرة، أكان ذلك من حيث الفكرة والمفهوم أم المنظار المستعان به لتصوير شخصيتين (شارلوت غينسبور وويلم دافو) سرعان ما تتحولان دميتين في يد المخرج٠
على رغم الرؤية القاتمة التي يرميها فون ترير على عالم يعتقد نفسه بمنأى عن الصراعات ويلفها النفاق والكذب، يكشف المسيح الدجال"، الذي يهديه الى اندره تاركوفسكي، النقاب عن " صراع الانسان مع محيطه. موضوع بسيط للوهلة الأولى يعالجه ترير باستفزاز المشاهد القابع قبالة الشاشة، مطالباً بمنقذ قد يأتينا بعالم أفضل، عالم ليس على هذا القدر من الانحراف والبشاعة. لكن ماذا لو كان هذا المنقذ هو المسيح الدجال الذي لن يتحمل آلام البشرية هذه المرة؟

فكر سينمائي ينطوي على الانصهار بين السينما والمسرح والأدب، يحمل كذلك هموماً فنية من نوع آخر، وتأمل في قضية الخلق ومسألة التجسيد والاحياء. يصور النابغة الدانماركي تراجيديا اغريقية انطلاقاً من لا شيء، درس في الأخلاق الانسانية والعيش الزوجي، لا ادانة للإنسان الذي ليس في نظره جديراً بإنسانيته. نرتعش أمام كل هذه الراديكالية في التعامل مع الجنس والحب والعلاقة بين حبيبين، وننبهر بالبنية الدرامية المقسمة على شكل فصول أدبية مستوحاة من بريخت، وذاكرتنا لا تفارق بسهولة قصة تضمنت جميع الاحتمالات لتسعدنا، وبسحر ساحر تغدو مأساة تفضح الطبيعة البشرية في انحيازها الى الشر والعبث والضغينة. وسط هذا كله، هناك المرأة دائماً وأبداً لدى فون ترير، أساس كل شيء عنده. هذا الفيلم الذي يقول عنه فون ترير انه الأهم في مساره، يتضمن مشاهد بورنوغرافية وأخرى من نوع الـ"غور"، كسوء معاملة للاعضاء الجنسية والى ما هنالك من المشاهد الصادمة التي تقزز الأبدان. يقول فون ترير عن بدايات نشوء فكرة الفيلم: "قبل سنتين، اصبت بالكآبة. كانت تلك تجربة جديدة في حياتي. كل شيء على الاطلاق كان يبدو لي من دون أهمية. وكنت غير قادر على العمل. بعد ستة أشهر، كتبت نصاً بغية أن اداوي نفسي واعالجها. كنت أيضاً أريد أن ارى من خلاله اذا كنت لا أزال قادراً على انجاز فيلم. صوّرت السيناريو بلا حماسة تماماً مثلما كتبته، أي مستعيناً بنصف طاقاتي الجسدية والفكرية. لم اتبع نظام العمل الذي كنت اتبعه في اعمالي السابقة. بعض المشاهد كانت تضاف بلا سبب، ومعظمها كانت أحلاما لي. مرة أخرى كنت اريد فيلماً عن "الطبيعة"، ولكن من زاوية أخرى؛ أكثر مباشرة من قبل وأكثر شخصانية. الفيلم في خاتمة الأمر لا يتحمل أي بند أخلاقي، وفيه أقل قدر من الحبكة"٠

مستوحى من ستريندبرغ، يري هذا المتهم بكره النساء، عالماً تهيمن فيه الفوضى الى حدّ كبير، وعلى رغم ذلك يبحث فيه عن الشرح والمنطق، من خلال اللجوء الى شخصيتين كما في مشاهد من الحياة الزوجية" لبرغمان. يعود هذا المحرض والمستفز، " الذي شرّع له كانّ أبواب الاستفزاز مرة أخرى، الى هوايته المفضلة: العبث بالسينما "النبيلة" والتجارية التي لا تزال أمامها أيام طويلة٠


Kinatay | Brillante Mendoza
فيلم آخر اغاظ البعض واستفز البعض الآخر هو "مجزرة" للفيليبيني بريانت ميندوزا، الذي يعود الى كانّ بعد سنة واحدة على عرضه "خدمة"، أيضاً في المسابقة. انطلق ميندوزا عام 2005 وصوّر مذاك سبعة أفلام. لديه طريقة سريعة جداً في العمل، لتصل به الحال أحياناً الى التصوير أينما كان وكيفما أتفق. على رغم هذه الارتجالية، فإن وصول ميندوزا الى كانّ منذ دورتين، يشير الى انه بات واحداً من ابناء هذا المهرجان المدلل، الذي سيبقى وفياً لهم ما داموا يأتون بأعمال غريبة من بلدان تبقى الصور عنها قليلة. مانيلا، المدينة المليئة بالضوضاء هي مسرح حوادث فيلمه هذا. نتعرف بدءاً الى بيبينغ، شرطي متدرب تستعين به عصابة لإتمام عملية خاصة جداً. الحاجة الى المال نفقات تربية الطفل، الاعتناء بالحبيبة) تجعله ينضم الى ( مغامرة ستكون نتائجها كارثية٠

بعد افتتاحية ذات نبرة كبيرة تأخذنا فيها الكاميرا في شوارع العاصمة الفيليبينية، نصعد مع الكاميرا والشخصيات في فان ضمن رحلة ليلية طويلة، هي ربما الأغرب والأكثر إثارة للعجب. أشياء كثيرة يصورها ميندوزا خلال هذه الرحلة. ثمة على متن هذا الفان عاهرة مخطوفة لقضية أخلاقية غامضة. في كل حال، لا تستحق "القضية" أن تُخطف المرأة من أجلها. لكن رجال العصابة الذين سيتبين لاحقاً انهم قتلة من أسوأ جنس، مصرون على اهانتها وتقطيعها اشلاء في مشهد مروع. ثم يقدم هؤلاء على توزيع أجزاء الجثة في اماكن مختلفة، قبل أن يذهبوا لتناول الفطور في أولى ساعات الفجر٠

Spring Fever | Lou Ye
ومن الأفلام التي كانت هنا لتثير صخباً غير اعتيادي، "ليالي سكر ربيعية" (مسابقة) للصيني لو يي: وصل الى كانّ متحديا رقابة بلاده التي حكمت على الفيلم بالاعدام، نظراً الى ما يتضمنه من مشاهد جنس واضحة وصريحة بين رجلين. لكن الفيلم لم يثر ما كان متوقعاً له، وكانت اصداؤه فاترة. تدور الحوادث في نانكين الصينية. زوجة وانغ بينغ تشتبه في خيانة زوجها لها، لذا تستعين بأحدهم كي يتجسس عليه ويأتيها بأخباره، لتتجلى الحقيقة في وضح النهار حيث يتبين أن زوجها على علاقة غرامية وجنسية برجل آخر. غيرة وهوس جنسي، هما ما ينتظر المشاهد في هذا الفيلم الجاف والمتقطع. اللافت في الفيلم جانب اوروبي واضح، وتحديداً فرنسي٠

Revenge | Johnney To الفرنسة لبعض الأفلام الآسيوية في كانّ تشمل ايضاً الشريط الجديد لجوني تاو، "انتقام" الذي يمنح جوني هوليداي واحداً من أدواره الأكثر اهمية في مساره، لكن تمثيله يبقى مرتبكاً وغير متماسك. انه قصة أب يذهب الى هونغ كونغ من أجل أن ينتقم من مجرمين قتلوا زوج ابنته وولديها، تاركين اياها نصف ميتة في أحد المستشفيات. من سخرية القدر انه، من أجل تصفيتهم سيلجأ الى ثلاثة قتلة يعملون لحساب رجل نافذ، يتبين لاحقاً انه كان هو الذي أمر بقتل العائلة. بطلنا هو طباخ عاماً. هذا ما يمنح الفيلم 20كان هو الآخر قاتلاً محترفاً قبل بعض الطرافة، ولا سيما في مشاهد اللقاء الاول بينه وبين القتلة الثلاثة الذين سيساعدونه على الانتقام. بعد "عصفور الدوري" الذي شاهدناه في الدورة ما قبل الماضية لمهرجان برلين، يأتينا تاو بأسلوبيته الممتازة في تشكيل الكادرات وطريقته البطيئة في التقاط المشاهد. لكن ما كان مبرراً في فيلمه السابق، ضمن لعبة جمالية بارعة، يبدو هنا مفتعلاً، ولا سيما ان الفيلم يمنح الشعور بأننا أمام محاكاة، اذ لا يمكن على من يريد الانتقام أن يرمي أمام فريسته معطفاً، على النحو الذي يفعله هوليداي في الفيلم، قائلاً له "هل هذا المعطف لك؟"، وأن يكون على قدر كبير من الجدية٠

Taking Woodstock |Ang Lee
آسيوي آخر لم يكن على قدر التوقع: آنغ لي. يعود مخرج "النمر والتنين" الى كانّ محملاً مفاهيم ثورة "السلام والحب" الستينية التي أكل عليها الدهر وشرب. من دون شعارات كبيرة، ومن خلال ساعتين فقط، يفكك التاريخ الأميركي في "اكتساح وودستوك"، أبطاله عائلة أميركية تدير فندقاً مهترئاً على حافة الافلاس٠
كل شيء سيتغير عندما تقرر مجموعة اجراء حفل موسيقي هيبي في الجوار. هذا الحدث الأشهر من أن يعرّف والذي يحمل اسم وودستوك"، سيغير حياة ابن العائلة اليوت، الذي لا يجرؤ بعد " على اعلان مثليته الجنسية امام عائلته، وسيغير أيضاً أفكار جيل بأكمله وتوجهاته. العمل لا بأس به، فيه قدر من الطرافة مقترن بانتقاد حاد لرمزية تلك المرحلة. في المقابل لم يتمكن لي من تفادي الثرثرة الطويلة، والمشروع بأكمله يبعث على الاعتقاد أنه ابرع في تصوير المثليين (تذكروا "جبل بروكباك"!) منه في تصوير المتمردين٠


بعيداً عن كان | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذ ينطلق "ستار ترك" هذه الأيام نلتفت الى سابق
عهده
أنطلاقاً من الفيلم الأول للسلسلة الى اليوم٠
.....................................................................................
ستار ترك الجديد ينطلق بنجاح الخيال على العلم
الجزء الحادي عشر من مغامرات »ستار ترك« تنطلق بطاقم جديد



لم يكن الأميركيون الوحيدون الذين تدافعوا لمشاهدة فيلم »ستار ترك« ضاخّين ما مجموعه 76 مليون دولار في أيامه الثلاث الأولى، بل كذلك فعل معظم الذين أمّوا صالات السينما في 54 سوق عالمية ما أثمر عن 35 مليون دولار في الفترة ذاتها. هذا ما جعله الرقم الأول في 23 سوق والثاني في معظم الأسواق الأخرى مزيحاً فيلم »وولڤرين« عن المركز الأول في تلك الأسواق بعد أسبوع واحد من إنطلاقة ذلك الفيلم٠

إنه موسم الصيف آت مبكراً هذا العام وقوامه الإنتاجات الكبيرة التي سنرى منها نحو خمسة عشر فيلماً من الآن وحتى نهاية الشهر الثامن من العام. لكن »ستار ترك« يختلف عن معظمها من حيث أنه تقليد غارق في ثقافتي الصورة والخيال لجيلين متعاقبين٠ ففي الأساس هو مسلسل تلفزيوني انطلق أوّل مرّة سنة 1966 وكتبه أحد أساتذة الرواية الخيال- علمية جين رودنبيري. من بعد النجاح الكبير الذي أنجزه فيلم »ستار وورز« تم نقل العمل الى فيلم سينمائي أول ثم توالت الحلقات التي تصل مع خروج هذا الفيلم الجديد الى إحدى عشر حلقة٠
هذا الى جانب أن المسلسل التلفزيوني لم يتوقّف. فبعد الحلقات الرئيسية من العام 1966 الى العام 1969 تم إطلاق حلقات أخرى بعنوان »ستار ترك: الجيل التالي« وهذه امتدت من العام 1987 الى العام 1994 وقبل إنتهاء هذه الحلقات تم إطلاق مسلسل منفصل من ذات القالب والمنشأ هو
Deep Space Nine
حيث المغامرة الفضائية تنتقل مع مجموعة جديدة من الممثلين الى عمق الأعماق على بعد ملايين السنوات
Voyager الضوئية. هذه استمرت حتى العام 1999 وقبل نهايتها بأربع سنوات، تم إطلاق فرع آخر بإسم
ثم، ومباشرة مع انتهاء السنة الأخيرة من »فوياجر« تم إطلاق مسلسل خامس ما بين 2001 و 2005 هو
Enterprise
كل هذا من دون حسبان السلسلة الكرتونية التي تم بثّها سنة 1973 ولعام كامل٠

إجابة كونية
في الواقع، يحتل »ستار ترك« في الثقافة الشعبية الأميركية حيّزاً أكبر من الحيّز الذي احتلّه للآن »ستار وورز« منذ إطلاق الفيلم الأول -وللسينما مباشرة- سنة 1977 لكن في حين أن أفلام جورج لوكاس الستّة التي تتألّف منها مجموعتا »ستار وورز« (المجموعة الأولى: 1977-1983، الثانية : 1999- 2005) اعتمدت لنجاحها على مفهوم سينما الحركة والمغامرة القائمة على مشاهد الأكشن والقتال، فإن السائد في حلقات »ستار ترك«، وبسبب من صياغتها الأولى وكتابتها، اعتمادها على الحبكة الباحثة عن نوعية مختلفة من المغامرات تتداخل فيها التنبؤات المستقبلية بالأبعاد الميتافيزيقية والرسائل الضمنية مع نصيب -ولو محدود- من المغامرة المباشرة٠
وفي الأساس تقع أحداث »ستار ترك« ما بعد العام 2063 أي بعد نحو عشر سنوات من دمار الأرض في حرب كونية حيث ينتقل ميزان القوى في الكون الفسيح الى مجموعة شبه بشرية أسمها ڤولكونز نجحت في تشكيل قوّة مؤلّفة من الكواكب المسكونة بالأجناس أسمها »الإتحاد الفدرالي للكواكب« او
United Federation of Planets
بذا، فإن المركبة الضخمة التي تجوب الفضاء باحثة عن إجابات كونية ومتعرّضة لمجابهات معادية هي أمل البشرية في الحياة الأفضل المنشودة. وبالفعل، وحسب كتابات رودنبيري، فإن العالم المقبل لا يتمحور حول المال والماديات بل حول العلم والبحث المعرفي٠
قد يبدو ذلك مملاً. نقصد أن تشاهد فيلماً يدور حول فلسفة الحياة والحياة ما بعد الموت، لكن الأميركيين رحّبوا وما زالوا بتلك الأفكار والأبعاد على نحو ينزع عنهم أنهم أهل ترفيه ومتعة خالصة طوال الوقت. ليس هذا فقط، بل كوّنت السلسلة بحراً من القصص الخيالية المناط بها الحفاظ على هذه الأبعاد ولقيت، بشكل عام، نجاحات كبيرة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة كما في المطبوعات الخاصّة بها٠
غاية المؤلف كانت لا الحديث عن المستقبل البعيد، بل عن الحياة بكاملها لذلك استطاع تأسيس مركبة أفكار تناولت، فيما تناولت، مسائل متعددة من بينها حقوق الإنسان والعنصرية والمجتمعات القائمة على الطبقية ومفهوم الجنس عند الجنسين والديانات والفكر الشمولي الى آخر كل تلك المسائل التي يمكن الدخول فيها من دون ضمانة الخروج منها٠

عناية فائقة
Star Trek: The Motion Picture سينمائياً، انطلق الفيلم الأول تحت عنوان
سنة 1979 وكان من إخراج المحنّك روبرت وايز الذي سبق له أن أخرج عدداً من افلام الخيال العلمي مثل
The Day The Earth Stood Still و The Andromeda Strain
هنا، وتحت قيادة الأدميرال كيرك أمام المركبة مهمّة لإنقاذ الأرض من سحاب كثيف مليء بالشحنات الحرارية والكهربائية تم توجيهه من قبل أعداء صوب الأرض لضربها٠ الممثل وليام شاتنر لعب دور الأميرال كيرك، قبل أن يتحوّل هذه الأيام، الى مقدّم إعلانات لصالح وكالة سفريات٠ معه في المهام غير البشري مستر سبوك (ليونارد نيموي) والفريق المتفاني يؤديه ديفورست كيلي وجيمس دوهان وجورج تاكاي ونيشيل نيكولز٠
نيكولاس ماير أخرج الجزء الثاني تحت عنوان »ثورة الخان« الذي لم يخل من إشارات عنصرية بدوره، رغم أن الأصل القصصي يحاربها: في خلال رحلة أخرى لسفينة انتربرايز تحت قيادة الأدميرال كيرك، تواجه حرباً ضارية من قبل حاكم كوكب أسمه خان سينغ (ويؤديه الراحل حديثاً ريكاردو مونتلبان ) الذي يضع قلاّدة عبارة A عن الهلال وحرف
وينوي الإنتقام من الأدميرال لخلاف عمره خمسة عشر عاماً. طبعاً لا لزوم لمعرفة كيف ينتهي الفيلم الذي باستثناء هذا التمييز العنصري (جامعاً جمع أسمين هنديين مختلفي الديانة في شخص واحد ومانحاً إياه الحرف الأول من كلمة عرب) احتوى على مشاهد جيّدة التنفيذ من وجهة نظر سينمائية بحتة٠

في الجزء الثالث من المسلسل السينمائي »ستار ترك: البحث عن سبوك« سعى الفيلم لتوسيع مداركه الزمنية مسنداً بدايات الحياة الى الشخصية غير البشرية والمختلفة المصاغة بعناية ربّانية خاصّة. مستر سبوك (ليونارد نيموي) مات (خارج مطلع الفيلم) لكن الأدميرال كيرك وباقي أفراده أدركوا الطريقة التي يمكن بها إحياء الميّت وذلك عبر سرقة جسده وشحنها بالروح الهائمة من جديد٠ ليس صدفة أن الفيلم من إخراج ليونارد نيموي نفسه٠

تراجع الإيرادات
الممثل نفسه عاد فأخرج حلقة رابعة سنة 1986 بعنوان »الرحلة الى الوطن« حيث على المركبة العودة الى الأرض من جديد لكي يمثل قائدها أمام المحكمة الفدرالية بسبب سرقته جسد مستر سبوك. مع هذا الجزء بدا الترهل مبكراً على أجزاء باتت كما لو كانت دعايات شخصية أكثر منها مواكبة لحس المغامرة والأبعاد الفلسفية المختلفة٠
والحال بقي ما هو عليه حين قام الممثل الآخر وليام شاتنر باستلام دفّة الإخراج في الجزء الخامس تحت عنوان
The Final Frontier الحدود الأخيرة
سنة 1989. المشكلة هي أن هذا الفيلم أيضاً استمر في تعزيز البحث في أصل سبوك بعدما كان الجزء الثالث أسسه على هيئة وبمواصفات توراتية قديمة محوّلاً إياه لمخلوق مختار من قبل الله عنوة عن سواه. الفيلم الجديد يقدّم شخصية أخيه سيبوك الذي طلب منه الله ملاقاته في منتصف مجموعة المجرّات المعروفة بـ
Milky Way
إنه من الجدير الإشارة الى أن الإقبال على هذه الأفلام، حتى الثلاث الأخيرة منها، بقي لا بأس به لكنه لم يبلغ الشأن ذاته التي كانت افلام خيال علمية أخرى (من لوكاس او ستيفن سبيلبرغ او سواهما) تحققه. فإيراد هذا الجزء الخامس، مثلاً، لم يزد عن 63 مليون دولار عالمياً وهذا يُعتبر نسبة لكلفته التي وصلت الى نصف هذا المبلغ بأقل تقدير، عملاً خاسراً٠
The Undiscovered Country
كان الفيلم السابع بمهام تترك الديانات جانباً وتسعى لمغامرة يجد فيها قائد المركبة كيرك نفسه متّهماً بجريمة قتل فوق كوكب تسكنه مجموعة من المخلوقات غير البشرية، وقد أخرج هذا الفيلم نيكولاس ماير مرّة أخرى٠
الرقم التاسع في السلسلة من نصيب أحد ممثلي الطاقم الجديد في تلك الحلقات وهو جوناثان فراكس الذي قدّم Star Trek: Insurrection في
سنة 1998 أحد أفضل أفلام السلسلة ارتفع فيها حس المغامرة من دون أن يقضي على النوعية الفكرية التي في المادة. وهو أفضل من الحلقة العاشرة التي أخرجها ستوارت بيرد سنة 2002 بإسم »ستار ترك: اعداء«٠

العودة غير حميدة
كل ما سبق جعل العديدين من النقاد والمتابعين، وأكثر منهم السينمائيين الذين يوقّعون الحوالات المصرفية ويفتحون الإعتمادات، يعتقدون أن الحياة تسرّبت من جسد »ستار ترك« ولا يمكن إعادتها الى جسد المتوفّي مرّة أخرى. لكن أحداً كان عليه أن يجرّب ولو مرّة أخيرة إعادة إحياء سلسلة لا زالت تحتل جزءاً من الثقافة الشعبية لا يستهان بها٠
Star Trek الجزء الجديد الذي يكتفي بعنوان بسيط هو
هو نتيجة هذا التجريب. وهو اتبع ما تتبعه حالياً العديد من المسلسلات السينمائية إذ تترك أحداث الجزء الأخير منها وتعود الى ما قبل الفصل الأول او-في بعض الأحيان- الى ذلك الفصل الأول نفسه لكي تعيد تقديمه، على غرار »باتمان« و»هالووين وكما فعل جورج لوكاس حين أسس لثلاثية جديدة لكي تسبق أحداثها الثلاثية الأولى، فإذا بالجزء الأول جدّاً من الثلاثية الأولى يصبح الفيلم الرابع والثاني الخامس والثالث السادس، بينما تحتل الثلاثية الثانية موقع الأجزاء الأولى والثانية والثالثة حسب الترتيب القصصي للسلسلة٠

هذا كله في البال حين مشاهدة الفيلم الجديد فإذا به منوال آخر من المسلسل وليس بالضرورة المنوال الصحيح. الكيان السابق للسلسلة حيث الرحلة التي تقطعها المركبة هي للبحث في جوهر الحياة وفي العلم وثناياه والفلسفة الكامنة فيما نجهل، جيء بمن يتجاوزه كتابة (سيناريو من روبرتو أورشي وأليكس كوتزمان) وإخراجاً (ج. ج. أبرامز) وتغييره الى نوعية أخرى من الأفلام تتألّف من مغامرات مضجّة ومشاهد أكشن ضوضائية في الألوان والأشكال كما في الأصوات أيضاً. القصة ذاتها ما هي الا حياكة لإتاحة المجال لتلك المشاهد البرّاقة والرغبة الآسرة هي الوصول الى جمهور من الشبيبة التي لا تكترث للفكر (على أنواعه) بل للحركة المثيرة ولإشعاعات الضوء المنبعث من تلك الأسلحة او المركبات وهي تنطلق بسرعة أكبر من سرعة المركبات السابقة في المسلسل ذاته٠
أن يقصد الفيلم الإستفادة من التطوّر التكنولوجي الذي أصاب السينما في السينوات الخمس الأخيرة، هذا مفهوم. لكن أن تتعرّى الحكاية من تلك المواقف التي كانت تشيع العمل الذهني جنباً الى جنب المتعة البصرية فإن ذلك قصور واضح٠
يبدأ الفيلم الى بدايات الحكاية الأولى مقدّماً شخصياته من كيرك الى سبوك ومكوي وسكوت وسواهم إنما مع ممثلين جدد في سن الشباب٠ رحلات كهذه، علينا أن نصدّق، يستطيع من هم دون العشرين غالباً التمكّن فيها والتحكّم بمقتضياتها وشروطها والتمتّع بالخبرة الذهنية على القرار الصحيح. ربما هذا سيكون حال العالم في المستقبل الذي تضع الحكاية نفسها في أتونه، إنهم يشقّون الفضاء في مهمّة للنيل من متمرّد شرير أسمه كابتن نيرو (إريك بانا) ومستر سبوك موجود بين المخلوقات الشابّة، لكن وبفذلكة لا لزوم لها، يتم تقديم مستر سبوك الأول (أي ليونارد نيموي) الذي وصل عن طريق عربة الزمن. بكلمات أخرى مستر سبوك يزور نفسه من مستقبل هذا المستقبل. إنه كمن لو أن الفيلم متهالك لمنح سبوك الأصلي مكاناً لدرجة اختلاق مشاهد لا ضرورة لها. المهم أن يعود وأن يقبض ثمن عودته٠

الخيال بلا علم
ما نراه خلال ساعتين هو الإنتقال من الخيال- العلمي الى الخيال وحده. المشاهد إذ تتتابع، تصدمك من حين لآخر بلا معقوليّتها حتى ضمن الفانتازيا التي تحمله. كيف يمكن، وعلى سبيل المثال وحده، لمركبة الإنتربرايز الصغيرة دخول حرب مع مركبة فضائية أقوى وتنتصر. تريد أكثر من تلك الضربة النهائية التي عليها أن تحسم المعركة لصالح الأخيار مهما كانت الفرص غير متوازية٠
السيناريو من الثغرات بحيث أن مركبة فضائية يمكن أن تمر في اي منها من دون أن تخدش الورق الذي طُبع السيناريو عليه. الواضح أن المغامرة بالنسبة إلى الكاتبين لا يمكن معايشتها خيالاً فمن الأجدى إذاً حشوها بالتجاوزات والإنتقال سريعاً من مشهد لآخر قبل أن يتوقّف المشاهد ويسأل نفسه كيف ولماذا٠

المخرج إبراهامز أخرج قبل هذا الفيلم الجزء الثالث من »المهمة: مستحيلة« مع توم كروز او-كما هو معروف في البزنس- أسوأ جزء من سلسلة »المهمّة: مستحيلة«، ولا شيء يمكن أن يدفعه ليغيّر أسلوب عمله لمجرّد أنه في حضرة عمل له تقاليده. ما نراه، هو حركة سريعة من تلك التي نراها في الأفلام المشابهة جميعاً حيث يتراكض المقاتلون، كل بسلاحه، في الإتجاه الذي يعيّنه لهم المخرج وخلال ركضهم هناك متفجّرات تُلقى وأصوات ذخيرة تُسمع. أحياناً المتفجّرة تقتل عن قرب وأحياناً عن بعد ولا قانون في ذلك. ج ج أبراهمز والشركات التي عمل لها هذا الفيلم واثقون من أنهم فعلوا الشيء الصحيح. لكن الحقيقة هي أن الصحيح بالنسبة إليهم هو ليس الصحيح بالنسبة لعشّاق النوع. ومع أن الخيال العلمي برمّته ليس نوعاً يشتاق اليه المشاهدون العرب كثيراً، الا أن متتبّعي السلسلة من أوّلها سيدركون حين مشاهدة الفيلم الجديد، وسواء أعجبهم أم لا، أنه لا ينتمي الى الأفلام السابقة الا بخيوط العنكبوت٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular