May 20, 2009

Issue 418 | نقد أفلام فون ترايير، كن لوتش، بدرو ألمودوڤار| حرب مهرجانات عربية | سيرة مايكل شيمينو

في هذا العدد

  1. حرب مهرجانات عربية تنتقل الى كان | محمد رُضا
  2. فيلم "العناقات المحطّمة" لبدرو ألمودوڤار | إبراهيم العريس
  3. ثنائية الجنس والعنف والذاكرة المدمّاة | نديم جرجورة
  4. لوحة معاصرة لحياة إيران السياسية | مسعود أمر الله
  5. بعيداً عن "كان": صعود وهبوط ثم اختفاء مايكل شيمينو | محمد رُضا


1
فرنسا ضيف شرف على دبي وإعادة هيكلة أبوظبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


بينما ينشغل النقاد الأجانب بأفلام مهرجان المهرجانات السينمائية المقام حالياً في "كان" متابعين ما انتخبته إدارة المهرجان من أفلام لعروضها في الأقسام المختلفة، يجد النقاد العرب أنفسهم منقسمين بين المشاهدات ذاتها وبين ما وصفه البعض بأنه حرب المهرجانات العربية٠

فمن اليوم الأول. غزت الإعلانات الكبيرة لمهرجاني دبي السينمائي الدولي ومهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي، المجلات السينمائية الثلاث التي تصدر يومياً في المهرجان معلنة عن مواصلة منافسة ساخنة بين المهرجانين عمرها الآن عامين، أي منذ انطلاق مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي داخلاً على خط المنافسات القائمة أساساً بين مهرجان دبي السينمائي الدولي، ومهرجان مراكش في المغرب والقاهرة في مصر ومع تحوّل مهرجان دمشق السينمائي من مناسبة تقع كل عامين الى مناسبة سنوية أسوة بسواه٠

مهرجانات ساخنة
وفي حين أن دبي انطلقت أوّلاً في دولة الإمارات، صاحب انطلاقتها تأسيس ستديوهات دبي السينمائية التي لأسباب مختلفة لم تشهد بعد النشاط الذي أملت أن تشهده حين تم تأسيسها. على العكس من مصيرها هذا، أنطلقت بضعة مشاريع سينمائية في مدينة أبو ظبي من بينها أكاديمية نيويورك لفن السينما بإنشاء فرع لها في أبو ظبي، وبقيام هيئة الثقافة والتراث في أبو ظبي بتأسيس صندوق دعم سينمائي عالمي، وتأسيس شركة بإسم
Imagenation
لأجل المشاركة في إنتاج أفلام عالمية- وتحديداً على ما يبدو هوليوودية٠
لكن إذا ما كانت خطوة أبو ظبي بالنسبة لتأسيس حياة سينمائية بقيادة عربية- أميركية مشتركة قد تقدّمت مثيلاتها في منطقة الخليج، فإن مهرجانها السينمائي عانى لعامين من أخطاء إدارية وتنفيذية شكّلت عائقاً لا يتوازى مع الميزانية الضخمة التي صرفت عليه. هذا ما دفع إدارة هيئة الثقافة والتراث ممثلة برئيسها محمد خلف المزروعي بإقالة عدد من المشرفين على المهرجان وتعيين خريج مهرجان ترايبيكا الأميركي مديراً عامّاً٠
لكن مهرجان دبي لديه صيتاً أفضل كمهرجان يؤم إدارته مجموعة من المحترفين الذين يعرفون السينما عن ظهر قلب والذين زادتهم السنوات الست الماضية خبرة ومراساً وفي مقدّمتهم رئيسه عبد الحميد جمعة ومديره العام مسعود أمرالله ومديرته التنفيذية شيفاني بانديا وفريق عمل متفان برهن عن جدارته الى اليوم
وفي حين أعلن مهرجان دبي في "كان" أن السينما الفرنسية ستكون ضيف شرف الدورة المقبلة في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر المقبل، أعلنت لجنة أبو ظبي للزفلام عن مسابقتها الجديدة للسيناريو الذي تقدّم فيه مبلغ مئة ألف دولار للفائز، كذلك حملت الصحف الصادرة هنا خبر انخراط شركة إيماج ناشن تلك بمشروعين سينمائيين الأول إعادة صنع لفيلم جورج أ. رومبرو المرعب »المجانين« والثاني فيلم كوميدي من بطولة براندون فرايزر بعنوان »أنتقام ذو فروة«٠
خلال ذلك، تحضّر قطر العدّة لاستقبال مهرجان ترايبيكا الذي سيقام لخمسة أيام في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل في الدوحة، والذي سيكون نسخة من المهرجان النيويوركي الذي يرأسه الممثل روبرت دي نيرو على أن يتم تزويد المهرجان المذكور بمهرجان رديف للسينما العربية في العام اللاحق٠

لكن هذا ليس كل شيء، بل الواقع هو أن المنافسة بين أبو ظبي ودبي، قائمة في إطار مهرجانين آخرين الأول هو مهرجان الخليج السينمائي الذي عُقد للعام الثاني قبل أشهر قليلة، ومهرجان أفلام من الإمارات الذي عقد، بإدارة جديدة، منذ عامين أيضاً لكن الحال هنا كما الحال بين المهرجانين الكبيرين إذ لا يزال مهرجان الخليج السينمائي يتمتّع بالدراية والخبرة وبأشواط خطاها سريعاً الى الأمام٠


2
عن السينما والمرأة والفنان حين يفقد بصره في فيلم بدرو ألمودوڤار
Broken Embraces | Pedro Almadovar

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إبراهيم العريس


كما كان متوقعاً، قسّم لارس فون تراير متفرجي فيلمه الجديد «عدو المسيح» بين مؤيد بقوة، ومعارض الى درجة إعطاء الفيلم أدنى العلامات في التقويم الموقت. واللافت أن اكثر معارضي الفيلم هم الفرنسيون، فيما رأى الأميركيون فيه فضائل بعضها تجاري، فاندفعوا يفاوضون لشرائه. وكالعادة لم يعبأ فون تراير كثيراً بردود الفعل، فهو يعرف سلفاً ان «جنونه» السينمائي من النوع الذي لا يحقق، أبداً، إجماعاً للوهلة الأولى، لكنه يعود ويثبّت مواقعه٠

جنون سينمائي آخر هو جنون الإسباني بيدرو آلمودوفار الذي كان امس يومه في «كان»، من الصباح إلى المساء، عبر العروض المتعددة لفيلمه الجديد «العناقات المحطمة»، الذي ما كف خلال الأسابيع الماضية عن ان يكون حديث الصحافة. والحقيقة ان النتيجة لم تأت مخيبة للآمال، إذ أعاد آلمودوفار من جديد تواصله مع العمل المتقن والمدهش والوفي للمرأة ولفن السينما في آن معاً. ويأتي هذا الفيلم، في شكل من الأشكال، ليواصل مسيرة تنتهي مباشرة الى أعمال سابقة لآلمودوفار «كل شيء عن أمي» و «العودة»... مع إعطاء الفرصة هذه المرة للحب والشغف، على حساب لعبة الاستفزاز وصراع المرأة – الرجل في الفيلمين السابقين. يعود آلمودوفار الى لغته الأنيقة وكاميراه الانسيابية وألوانه الخلابة، والعلاقات الإنسانية، إنما في قالب يحمل من الذاتية ما لم يحمل أي فيلم سابق له. بل أن آلمودوفار، في حديثه عن فيلمه يقول انه ولد لديه من صورة التقطها قبل عامين لمشهد عام في إحدى الجزر، وحين عاين الصورة لاحقاً لاحظ فيها عاشقين لم يكن تنبّه الى وجودهما في الصورة من قبل. في ذلك الحين «كنت أعيش أزمة صحية دفعتني الى التساؤل عما اذا كان في مقدوري، بعد، ان أحقق أفلاماً... فقفزت الصورة امام عيني ووجدت فيلمي الجديد»٠

الفيلم عن سينمائي فقد نظره، وكان عليه ان يكتفي إذ ذاك بكتابة السيناريو، كما انه وضع لنفسه اسماً مستعاراً، ماحياً كل علاقة بالماضي، بما في ذلك ذكرى حبيبته. لكن هذه الذكرى تطل عليه، ويبدأ برواية حكايته لابن صديقته الذي صار أشبه بسكرتير ومرافق له. هذه هي حكاية الفيلم الرئيسية، غير ان الأمور ليست – كما العادة عند آلمودوفار – بمثل هذه السهولة، بل ان العلاقات والأحداث في الفيلم بدت معقدة بعض الشيء. غير ان ما كان واضحاً، من جديد، ان الفيلم أتى مرة أخرى عن المرأة – ممثلة بالرائعة بينيلوبي كروز – من منظور الرجل المحب المجروح، كما ان جزءاً أساسياً من الفيلم يمكن النظر إليه كفعل ايمان بالسينما، بدءاً من حكاية الصورة التي حركت الفيلم، والتي يذكر تعامل آلمودوفار معها بموضوع فيلم «بلو آب» لأنطونيوني، ما يشكل تحية لهذا الأخير. لكنها ليست التحية الوحيدة، إذ لدينا طوال ساعتي الفيلم، لحظات رائعة من تاريخ الفن السابع («لورا» لأوتو برمنغر... بين أعمال أخرى) تمر أمامنا، إما مباشرة أو تلميحاً، وكل هذا أعطى الفيلم أناقة كانت متوقعة في اي حال، وإن يشوبه بعض التكرار والشبه بأفلام سابقة لآلمودوفار («نساء على حافة الانهيار العصبي»، ومرة جديدة «كل شيء عن أمي») تسببا بإزعاج البعض٠

لكن هذا لا يهم امام فيلم يسجل عودة آلمودوفار الى فنه بعد غياب سنوات، وتحديداً الى «كان» التي عرض فيها معظم أفلامه، وأعطته جوائز عدة (منها «جائزة السيناريو» و «أفضل تمثيل نسائي لممثلات الفيلم مجتمعات عن فيلمه «العودة»)، ولكن لم تعطه «السعفة الذهبية» ابداً، ما أغاظه في أحيان كثيرة٠


3
مرارة الإنفعال وحيوية السينما في أفلام المسابقة الأخيرة
  • Antichrist | Lars Von Trier
  • Broken Embraces | Pedro Almodovar
  • Looking For Eric | Ken Loach
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة

Broken Embraces

لم يكن العنف والجنس حكراً على أفلام آسيوية مشاركة في الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي الدولي، المنعقدة حالياً في المدينة الجنوبية الفرنسية «كان» لغاية الرابع والعشرين من أيار الجاري. ذلك أن هاتين السمتين ملتصقتان بالحياة اليومية للبشر، ومتسلّطتان على المسار العام للأفراد والجماعات معاً، سواء توصّل البعض إلى المصالحة مع الذات إزاء الجسد والجنس أم لا، وسواء نتج العنف من ضغط البيئة والانفعالات أم نبع من انتصار جانب على آخر في البنية الطبيعية للإنسان. ولأن السينما اختزلت الفنون والعلوم معاً، وباتت انعكاساً للحياة، إن لم تتفوّق عليها أحياناً وتبزّها وتسبقها في استطلاع المقبل من الأيام؛ ولأن غالبية الأفلام منسجمة والتشريح الإبداعي للذات والنفس والروح؛ بدا التركيز على ثنائية الجنس والعنف امتداداً حيّاً للواقع والمجتمع والعلاقات٠

هذا ما ظهر جليّاً في فيلمي «المسيح الدجّال» للدانماركي لارس فون ترير و«عناقات مكسورة» للإسباني بدرو ألمودوفار. فالأول مستلّ من الاختبار الدموي للصراع الدائم بين الحياة والموت، من بين أمور أعقد وأخطر تناولها النصّ السينمائي المنخرط في أعماق جانب من دون آخر في داخل الإنسان (كي لا أسقط في التعميم، فأقول في الجانب الأسود مثلاً)؛ والثاني منسوج على وتيرة الصدام الدائم بين الانفعال والعقل، على مستوى الحب والعلاقة الحسّية والتواصل الروحي بين الأفراد. لم يكن الأول مجرّد تحليل نفسي للذات البشرية، لأنه غاص في لعبة الأساطير والاستعادة الدرامية لسطوة الشيطان على الأرض من خلال المرأة؛ ولم ينغلق الثاني على رومانسية تدفع أبناءها إلى الدمار الذاتي، لأنه مال إلى ابتكار حيوية ما في معاينة العناوين الثابتة للتركيبة الإنسانية الموزّعة على الحب والجسد والروح٠

Antichrist

إليهما، اختارت إدارة مهرجان «كان» الفيلم الجديد للإنكليزي كن لوتش «البحث عن إيريك» للمسابقة الرسمية (مثلهما تماماً)، المختلف عن المسار السينمائي لصانعه، المرتكز غالباً على قراءة الصراع الطبقي والنضال من أجل الفقراء والمدافعين عن حقوقهم التاريخية في الأرض والحرية، كي يرسم ملامح العلاقة القائمة بين نجم ومُعجب به، بأسلوب مال إلى الكوميديا الخفيفة، القادرة على أن تكون تجارية بالمعنى العادي للكلمة. ومع أن الفيلم لم ينل إعجاب كثيرين من النقّاد والصحافيين، كما حصل بالنسبة إلى «المسيح الدجّال» تحديداً، إلاّ أن لوتش برع في مزج حكاية بسيطة بمناخ إنساني عام قائم، حالياً، في الأحياء الشعبية المحيطة بالعاصمة أو المقيمة فيها، من دون ادّعاء بصري أو تنظير أخلاقي. والفيلم، بهذا، مختلف جذرياً عن فيلمي فون ترير وألمودوفار، مع أن «عناقات مكسورة» لم يبلغ المستوى الإبداعي الراقي الذي عرفه «المسيح الدجّال»، مثلاً. في حين أن كن لوتش، الملتزم قضايا الفرد والجماعة تاريخياً وآنيّاً، لم يتخلّ عن همومه العامة، مُدخلاً إياها في صلب السياق الدرامي بسلاسة وبساطة جميلتين، متّخذاً من مكانة أسطورة كرة القدم الإنكليزية إريك كانتونا عنواناً لحكاية منفتحة على الحبّ والذاكرة المدمّاة والرغبة في الانعتاق من قذارة الماضي وفساد الراهن٠
مع ممثلين اثنين فقط هما الأميركي ويليام دافو والفرنسية شارلوت غينسبيرغ، اختار الدانماركي لارس فون ترير سيرة الصدام الأبدي بين الشيطان والله، من خلال قصّة زوجين يتعرّضان لواحدة من أبشع التجارب الفردية المتمثّلة بمقتل ابنهما الصغير أثناء ممارستهما الجنس معاً. ومع ممثلين اثنين أيضاً هما الإسبانيين بينيلوبي كروز ولويز هومار في الدورين/ المحورين الأساسيين للحبكة، قدّم مواطنهما بدرو ألمودوفار حكاية الحبّ المدمَّر والعشق المهزوم والحياة المجنونة والشبق الطالع من داخل القلب إلى حيوية الجسد في سعيه إلى التحرّر من
سطوة العقل

Looking For Eric

لم يختلف كن لوتش عنهما باختياره، هو أيضاً، ممثلين اثنين أساساً متيناً لحبكة جميلة، هما الرياضي السابق والممثل/ المنتج الحالي الفرنسي الأصل إيريك كانتونا والممثل الإنكليزي ستيف إيفيتس. لعلّها صدفة، لكن الأعمق من ذلك كامنٌ في أن هناك توجّهاً ما إلى تركيز النصّ السينمائي على أساسيات جوهرية متمثّلة بثنائيات تصارع من أجل البقاء، وتقاتل من أجل التحرّر من قذارة الحياة وبشاعة الموت وسطوة الخطيئة وانعدام التوازن بين القيم وتناقضاتها. لعلّها صدفة، لكن الأجمل منها نابعٌ من كون هذه الثنائيات نفسها أقدر على تفكيك البنى المجتمعية والنفسية والروحية، بهدف إعادة صوغ المعاني الواقعية للبناء الفردي/ الجماعي للإنسان٠

فالثنائي الأول (غينسبيرغ/ دافو) محمّل بسطوة الأسطورة الدينية والأخلاقية عن النزاع الأبدي بين الشرّ والخير، في محاولة جادّة وبديعة للقول، من بين أمور أخرى قد تكون أهمّ وأخطر، إن لا شيء في الدنيا قادرٌ على تحديد ما هو الشرّ وما هو الخير. والأمور الأخرى، إذ تنصهر في إطار التحليل النفسي للمبطّن في الذات الفردية، تتوزّع على مفاهيم العلاقة بين الرجل والمرأة، وانعكاس الشيطان في المرأة، وانكسار هذا الشيطان في واحدة من معاركه الأبدية. لم يكن الفيلم (المسيح الدجّال) سهلاً، لأنه غائصٌ في متاهة الفرد وتمزّقاته وأسئلته المعلّقة عن الحياة والموت والعلاقة الجنسية والحب الشبقي والذنب والخطيئة/ الخطأ. لم يكن بسيطاً، لأنه مصنوع بأدوات سينمائية جاذبة، كاستخدام الأسود والأبيض في مدخل الحكاية ونهايتها، وكلعبة التوليف والدلالات والرموز المكثّفة التي استخدمها المخرج في تعريته المرء أمام نفسه أولاً وأساساً٠
والثنائي الثاني (كروز/ هومار) انعكاسٌ لمرارة الانفعال وحيوية السينما في مقاربتها أحوال الدنيا ومنعطفاتها، ولازدواجية الشخصية نفسها الراغبة في قتل الماضي والتفرّغ للحاضر، إذ إن ماتيو/ هاري (هومار) سينمائي مقيم في ظلام عينيه المغلقتين إثر اصطدام عشقه الحقيقي بالموت، ولينا (كروز) منشغلةٌ بانفعالها وإن تطلّب الأمر تمرّداً صعباً على العشيق الثري إرنستو مارتل (خوسي لويز غوميز)، المهووس بها حتّى الجنون. لكن الثنائي المذكور، وإن كان جزءاً ثابتاً في صناعة الحبكة الدرامية للفيلم، شكّل مفتاحاً جمالياً للتواصل مع شخصيات أخرى، لا تقلّ معاناتها عن تلك التي عاشها السيناريست/ المخرج المتحوّل من ماتيو إلى هاري والصبية الجميلة لينا، الراغبة في أن تكون ممثلة، قبل أن تكتشف الحب الحقيقي والانفعال الجسدي الأجمل في علاقتها بماتيو، قبل أن يتحوّل إلى هاري إثر وفاتها في حادث سير مفجع. والثنائي الثالث (كانتونا/ إيفيتس) مشارك فعلي في تشريح جانب من البيئة الإنكليزية، بانطلاقه من العلاقة العشقية بين ساعي بريد يُدعى إريك بيشوب (إيفيتس) ولاعب كرة القدم إيريك كانتونا، البطل السابق في فريق «مانشتسر يونايتد»، وصولاً إلى معاينة حسّية للواقع الإنساني المقيم في الفقر والقهر والتمزّق٠

ومع أن الفيلم مبني على شخصية كانتونا، الذي أدّى دوره الحقيقي فيه، إلى درجة الأنانية القصوى في إظهار نفسه (ألم يقل في الفيلم ما ردّده مراراً في حياته اليومية، من أنه ليس إنساناً/ رجلاً بل إيريك كانتونا؟)؛ إلاّ أن النصّ مشغول بتقنية كوميدية لا تخلو من تسليط درامي على الواقع القاسي الذي يعيش فيه فقراء الضواحي، إذا جاز التعبير. وأنانية كانتونا تبدّت، أيضاً، في تأديته دور المحلّل النفسي والمنقذ الأخير لبيشوب من ورطته في علاقته المعلّقة بحبيبته القديمة، والمساعد الأساسي له في عملية إنقاذ ابنه من تورّطه في العمل مع إحدى العصابات٠

على الرغم من هذا كلّه، يُمكن القول إن «المسيح الدجّال» أقوى هذه الأفلام الثــلاثة، درامياً وجمالياً وإنسانياً وقدرة على طرح الأسئلة الوجودية، من منظار الباحث عن معنى أن يكون الشيطان سيدّاً على الحياة والموت معاً. في حين أن «عناقات مكسورة» لم يبلغ مرتبة الإبهار المعتاد في جزء بارز من السيرة المهنية لبدرو ألمودوفار، مع أنه حافظ على نسق عاديّ في قراءة العلاقات الإنسانية بين البشر. و«البحث عن إيريك»، عمل محكم البناء، ومشغول بتقنية كوميدية لا تخلو من تحليل اجتماعي لبيئة ولأناس٠


4
رحلة البحث عن الهوية عبر الموسيقا الغربية
Nobody Knows About Persian Cats | Bahman Ghobadi
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسعود أمر الله


يغوص فيلم "لا أحد يعرف عن القطط الفارسية" في المجتمع الإيراني المعاصر، وبالأخص فيما يُسمى بـ "الأندرغرواند"، وهنا تكون الموسيقى محوراً أساسياً ليُمرّر من خلالها فكرة الحرية. فالموسيقى لغة مجرّدة، وعندما تتبدّل الألوان والأشكال المختلفة للموسيقى في الفيلم، فإنها تنحو تجاه نماذج شابة لها وضعها المختلف، وأفكارها المنحازة إلى التخلّص من القيود، والروافد الرجعية التي تكبل اندفاعة الشباب.عندما يخرج شاب وفتاة موسيقيان من السجن، يقرّران تكوين فرقة موسيقية، وسرعان ما يجولان في أوساط الشباب الموسيقيين، ليبحثا عن عازفين بمساعدة صديق آخر لديه علاقات شائكة وكثيرة مع فرق موسيقية (أرضية)، تنتج أسطواناتها بعيداً عن الشركات الرسمية، وتقوم بنسخها وتوزيعها باليد٠

ولأنهما الآن ممنوعان من قبل السلطات الحكومية، يُقرران الهروب إلى أوروبا، ولكنهما بلا مال، ولا جوازات سفر، ما يدفعهما إلى البحث عمن يقوم باستخراج جوازات مزوّرة لتنفيذ حلمهما٠

Nobody Knows About Persian Cats

غوبادي يرسم هنا لوحة معاصرة جداً لحال إيران السياسية، والفكرية، والمجتمعية بكاميرا معاصرة أيضاً تعتمد على السرعة، والملاحقة، واللهاث، وفي أغلب الأحيان في مونتاج سريع، وقطع متنافر، وخاصة عند المرور على أنواع الموسيقى المختلفة، من الروك، والروك المستقل، والراب، و(الفيوجين) الذي يعد خلط ما بين الموسيقى الشعبية والحديثة٠

وكأنه يؤكد على فكرة الفيديو كليب التي تأخذ منحى متسارعاً في توصيل شكل الحياة.. ولكنه يستعيض هنا بالفتيات الراقصات، بوجوه بائسة، وشوارع مزدحمة، ومشردين، ونساء، وأطفال، ومدمنين، ومدينة ليلية منطفئة، وشمس ساحرة٠

رحلة الشباب تلك، ممزوجة بموسيقى في أغلبها مستوردة من عالم غربي، هي رحلة البحث عن الهوية، ليس فقط الذاتية، ولكن هوية المدينة، وشكل النظام السائد، والقوانين التي تجرم المباح، وتحرم المتاح. عندما تتدرّب هذه الفرق، فإنها تكون غالباً في قاع المدينة، في أسفل البيوت، وفي سراديبها وخنادقها المظلمة، الحارةّ، والباهتة. إحدى هذه الفرق كانت تعزف في مزرعة للأبقار ـ مع عدد منها منزعج ـ من أصوات الغيتار والدرامز الساخطة، ووسط هذه الأجواء النتنة، يصاب أحد أعضائها بمرض، ويسعل باستمرار، وكأنه عزف على آلة الحلق المصابة بلوثة دموية٠

عندما نرى فرقة الراب، وهي الاستثناء الوحيد في الفيلم، فإن التدريب كان يحدث في إحدى البنايات قيد الإنشاء، أو الهجر ربما، في طابق علوي (للمرة الأولى)، وفضاءٍ خاوٍ من أية جدران، فقط هي الريح التي تكمل الغناء، والمدينة المكسورة التي تستمع على استحياء لكلمات الأغنيات الغاضبة٠

غوبادي يُرينا كل ذلك، ويطرح موضوعاً مغايراً وجديداً على السينما الإيرانية، ويتنقّل بنا في الشوارع الداكنة، والحكايات المخبأة، ويفضحها على الشاشة كما هي، ويُرينا كيف هي حياة الشباب التحتية، ولا يلوّن الواقع بصورة فاخرة، وزوايا أنيقة، وكاميرا ثابتة. هو يحملها على الكتف، ويمضي بنا في لغة أقرب إلى الوثائقية، ليكشف عن عينة تعيش على هامش المجتمع، واعية وذكية، وفي الوقت ذاته، محطّمة ومرتبكة، ولكنها أيضاً صامدة ومقاومة٠


5
مايكل شيمينو: حين تحطّم مستقبله عند بوابات هوليوود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

Heavne's Gate

في‮ ‬العام‮ ‬1980‮ ‬تحمّست هوليوود كثيراً‮ ‬لذلك السينمائي‮ ‬الشاب الذي‮ ‬أنتقل سريعاً‮ ‬من نجاح الى نجاح‭.‬‮ ‬
أسمه مايكل شمينو‭.‬‮ ‬وُلد في‮ ‬نيويورك سنة‮ ‬1939‮ (‬الآن هو في‮ ‬السبعين سنة من العمر‮) ‬وتخرج من جامعة‮ ‬يال سنة‮ ‬1961‮ ‬ونال شهادته العليا‮ ‬سنة‮ ‬1963‮ ‬من نفس الجامعة‭.‬
في‮ ‬العام‮ ‬1972‮ ‬كتب سيناريو تحوّل الى فيلم أخرجه دوغلاس ترومبول بعنوان‮ »‬هروب صامت‮«: ‬خيال علمي‮ ‬من بطولة بروس ديرن تحوّل لاحقاً‮ ‬الى واحد من تلك الأفلام العلمية الخيالية التي‮ ‬تحب مشاهدتها مرّة بعد مرّة إذا ما عرضت على شاشة التلفزيون‭.‬
هذا قاده الى كتابة سيناريو فيلم‮ »‬ماغنوم فورس‮« ‬سنة‮ ‬1973‮ ‬الذي‮ ‬كان الثاني‮ ‬في‮ ‬سلسلة‮ »‬هاري‮ ‬القذر‮« ‬التي‮ ‬لعبها كلينت ايستوود‭.‬‮ ‬الأول كان‮ »‬ديرتي‮ ‬هاري‮« ‬من إخراج دون سيغَل قبل عامين والثالث بعد ذلك‮ »‬الفارض‮« ‬مع جيمس فارغو على كرسي‮ ‬الإخراج‭.‬‮ ‬حقيقة أن شمينو استطاع بسرعة كسب ثقة السينمائي‮ ‬الدقيق كلينت ايستوود‮ ‬يُحسب له والنتيجة نجاح تجاري‮ ‬للفيلم أدّى الى قيام ايستوود بإنتاج فيلم مايكل شمينو الأول كمخرج‭.‬‮ ‬
الفيلم بعنوان‮ »‬ثندربولت ولايتفوت‮« ‬سنة‮ ‬1974

‮‬ على‭ ‬بساط النجاح‮ ‬
قصّة حول لصّين‮ (‬ايستوود وجف بردجز‮) ‬يخفيان‮ ‬غنيمة‮ ‬ينافسهما عليها مجرم بلا قلب‮ ( ‬جون كندي‮) ‬ينوي‮ ‬القيام،‮ ‬معهما،‮ ‬بسرقة جديدة قبل أن‮ ‬يجمع الغنيمة بأسرها لوحده‭.‬‮ ‬هذا الشرير‮ ‬يضرب جف بردجز بقسوة لدرجة أن تسبب في‮ ‬نزيف داخلي‮ ‬له،‮ ‬هذا قبل أن‮ ‬يقع بدوره برصاص البوليس‭.‬‮ ‬كلينت وجف‮ ‬يتوجّهان الى حيث خبآ الغنيمة لكن جف لا‮ ‬يعيش طويلاً‮ ‬للتمتّع بها ويموت بينما تشق سيارة ايستوود المكشوفة أراضي‮ ‬الغرب الأميركي‮ ‬البعيدة‭.‬

Thunderbolt And Lightfoot

‮»‬ثندربولت ولايتفوت‮« ‬فيلم ‬بوليسي ‬عن الحنان بين الشخصيّتين الرئيسيّتين وعن القسوة بينهما وبين الشريك الثالث‮ (‬هناك رابع‮ ‬يقوم به جفري‮ ‬لويس لكنه لا‮ ‬يؤذي‮ ‬ويموت لاحقاً‮)‬‭.‬‮ ‬لا‮ ‬يتّبع فيه المخرج التقليد السائد بتفضيل الحبكة على الشخصيات،‮ ‬لكنه‮ ‬يصنع في‮ ‬ذات الوقت فيلماً‮ ‬مثيراً‮ ‬للإعجاب‭.‬‮ ‬صغير الحجم‭.‬‮ ‬لا‮ ‬يترك دمغة كبيرة،‮ ‬لكنه جيّد في‮ ‬كل الأحوال‭.‬
أربع سنوات بعد هذا الفيلم أخرج شمينو عملاً‮ ‬أقوى هو‮ »‬صائد الغزلان‮«‬‭.‬‮ ‬إنه دراما حربية فازت بخمس أوسكارات هي‮ ‬أوسكار أفضل مخرج لمايكل شمينو وأوسكار أفضل فيلم كما أوسكار أفضل كتابة‮ (‬لمايكل شمينو‮) ‬وأوسكار أفضل تمثيل مساند‮ (‬كرستوفر وولكن‮) ‬وأوسكار أفضل صوت‭.‬‮ ‬
شمينو أنتج هذا الفيلم بنفسه لحساب‮ ‬يونيفرسال وقام ببطولته روبرت دي‮ ‬نيرو وميريل ستريب بالإضافة الى وولكن والراحل شابّاً‮ ‬جون كازال وجون سافاج وجورج زوندزا ودار حول رفاق سلاح في‮ ‬ڤييتنام وما تركه الإعتقال في‮ ‬أنفسهم بعد عودتهم الى الوطن‭.‬‮ ‬الفيلم‮ ‬يسبح على بساط من الإداءات الممتازة من قبل الجميع وإدارة المخرج للفيلم ليست نزهة،‮ ‬بل إنجاز على أكثر من صعيد ما ترك العديد من المشاهدين متأثّرين سلباً‮ ‬او إيجاباً‮ ‬بالعمل لسنوات كثيرة‭.‬‮ ‬المشهد الذي‮ ‬يجرّب فيه الضباط الڤييتناميين لعبة‮ »‬الروليت الروسية‮« ‬بالمسدس المحشو برصاصة واحدة قد تنطلق وقد لا تنطلق حسب موقعها،‮ ‬من بين أقوى‮ (‬وأفضل‮) ‬مشاهد الفيلم وبلغ‮ ‬من قوّتها أن أدّت الى قيام أغبياء بتطبيقها وبعضهم قضى فعلياً‮ ‬بسببها‭.‬
كان كتب قبل ذلك فيلماً‮ ‬غنائياً‮ ‬عاطفياً‮ ‬بعنوان‮ »‬روز‮« ‬حققه المخرج مارك رايدل من بطولة بَتي‮ ‬مِدلر بعد خروج‮ »‬صائد الغزلان‮« ‬بعام واحد لكن إسم شمينو،‮ ‬لسبب او لآخر،‮ ‬لا‮ ‬يرد في‮ ‬بطاقة الفيلم‭.‬


‮ ‬المحنة الصعبة‮ ‬
سنة‮ ‬1980‮ ‬أنطلق مايكل شمينو للعمل على فيلم وسترن أراد له أن‮ ‬يكون ملحمياً‭.‬‮ ‬الفيلم عنوانه‮ »‬بوابة الجنّة‮« ‬لكنه في‮ ‬الواقع تحوّل الى‮ »‬بوابة الجحيم‮« ‬بالنسبة لمخرجه‭.‬
القصّة الخلفية للفيلم تنطلق من حقيقة أن شمينو فجأة أصبح نجماً‮ ‬من بين المخرجين النجوم في‮ ‬هوليوود‭.‬‮ ‬مثله في‮ ‬ذلك الحين مثل سبيلبرغ‮ ‬وسكورسيزي‮ ‬وكوبولا ما دفع شركة‮ ‬يونايتد آرتستس لمنحه‮ »‬بطاقة بيضاء‮« ‬وميزانية كبيرة‮ (‬في‮ ‬ذلك الحين‮) ‬قدرها عشرة ملايين دولار لتحقيق هذا الفيلم‭.‬‮ ‬
أختار شمينو حكاية من الواقع ففي‮ ‬العام‮ ‬1890‮ ‬حدث إضراب مفتوح حاول شريف بلدة في‮ ‬ولاية وايومينغ‮ ‬حماية المهاجرين الجدد‮ (‬بولنديين وسواهم‮) ‬من سطوة الإقطاعيين الأثرياء الذين‮ ‬يريدون إبعادهم‭.‬‮ ‬الشريف جيمس‮ (‬كريس كرستوفرسون‮) ‬كانت لديه علاقة مع فرنسية أسمها إيلا‮ (‬ازابيل أوبير التي‮ ‬أعتقد إن هذا كان فيلمها الأول بالإنكليزية‮) ‬وهي‮ ‬ذات المرة التي‮ ‬يحاول ناثان شامبيون‮ (‬كريستوفر وولكن‮) ‬كسبها ما‮ ‬يولّد عداوة بين الشريف وذلك المنافس‭.‬‮ ‬هذا في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تتصاعد فيه الأزمات بين المقيمين والمستوطنين الجدد ما‮ ‬يؤدّي‮ ‬الى حرب شاملة‭.‬‮ ‬لجانب الممثلين المذكورين،‮ ‬برز في‮ ‬الفيلم كل من جف بردجز وبراد دوريف والبريطاني‮ ‬جون هيرت وسام ووترستون وبول كوسلو‭.‬
خلال التصوير أخذ شمينو‮ ‬يصر على ديكورات أكبر ويغيّر في‮ ‬السيناريو ويعيد التصوير‭.‬‮ ‬الميزانية خلال ذلك تجاوزت أولاً‮ ‬ضعف المبلغ‮ ‬المحدد ثم أرتفعت مرة ثانية حتى وصلت الى نحو‮ ‬40‮ ‬مليون دولار‭.‬‮ ‬حين حطّ‮ ‬الفيلم في‮ ‬الصالات التجارية سقط بشدّة‭.‬‮ ‬البعض‮ ‬يقول أن رأي‮ ‬ناقد النيويورك تايمز السلبي‮ ‬في‮ ‬الفيلم هو الذي‮ ‬أدّى الى سقوط الفيلم في‮ ‬مدينة نيويورك،‮ ‬ومهما بدا ذلك مغالياً‮ ‬الا أنه حقيقة والأمر تعدّى نيويورك الى كافة المدن التي‮ ‬افتتحت الفيلم‭.‬‮ ‬
المحنة كانت صعبة‭.‬‮ ‬شيمينو بنى قلعة كبيرة من العمل السينمائي‮ ‬ولم تبارح مكانها‭-‬‮ ‬هذا على الرغم من أن مهرجان‮ »‬كان‮«‬‭ ‬فتح لها ذراعيه مرّتين‭.‬‮ ‬مرة في‮ ‬ذلك العام،‮ ‬ومرّة لاحقة حين تم ترميم الفيلم واستطاع النقّاد الذين هاجموه من معرفة أنهم‮ ‬غالوا كثيراً‮ ‬في‮ ‬الهجوم عليه أوّل مرّة‭.‬
لكن الأذى كان سبق وتأكد حين تم إختيار شمينو لإخراج فيلم ميوزيكال بعنوان‮ »‬قدم خفيفة‮« ‬من إنتاج باراماونت‭.‬‮ ‬شمينو،‮ ‬مرّة أخرى،‮ ‬طمح الى التميّز بإنتاج فيلم كبير فإذا به‮ ‬يطلب تعديلات وتغييرات ما دفع الشركة لصرفه خوفاً‮ ‬من عاقبة تكرار تجربة‮ »‬بوابة الجنّة‮« (‬أكمل الفيلم المخرج المطيع هربرت روس‮)‬‭.‬‮ ‬مع هذا الصرف،‮ ‬اعتبرت هوليوود أن هذا المخرج لا‮ ‬يؤتمن وبحاجة الى لجم وكبح‭.‬

‮ ‬ساعات حاسمة‮ ‬
هذا لم‮ ‬يمنع شمينو من البقاء في‮ ‬المصنع الكبير‭.‬‮ ‬سنة‮ ‬1985‮ ‬أخرج‮ »‬يوم التنين‮« (‬عرضته محطة أكشن قبل أسبوع او نحوه‮): ‬دراما بوليسية حول ذلك التحري‮ ‬ذي‮ ‬الأصل البولندي‮ ‬ميكي‮ ‬رورك وهو‮ ‬يجابه إنتشار الجريمة المنظّمة في‮ ‬قلب مدينة سان فرانسيسكو حيث الجالية الصينية الكبيرة‭.‬‮ ‬العصابات الصينية تتاجر بالمخدّرات وترشي‮ ‬بعض رجال البوليس وزعيمها‮ (‬جون لو‮) ‬يعرض على‭ ‬التحري‮ ‬الإنضمام الى قائمة المرتشين‭.‬‮ ‬ليس أن التحري‮ ‬يرفض فقط،‮ ‬بل‮ ‬ينطلق في‮ ‬إنتقام شخصي‮ ‬ممتزج بالرغبة الصادقة في‮ ‬وضع حد لتفشّي‮ ‬الجريمة‭.‬‮ ‬هذا ما‮ ‬يؤدي‮ ‬بالفيلم الى طرح موضوع الهويّات وإذا ما كان بطل الفيلم ذي‮ ‬دافع عنصري‭.‬‮ ‬لكن الفيلم،‮ ‬بصرف النظر عن طروحاته،‮ ‬من أفضل أفلام نوعه من تلك الفترة‮ (‬1990‮) ‬وحقق نجاحاً‮ ‬لا بأس به قاده الى فيلم‮ »‬الصقلّي‮« ‬الذي‮ ‬أريد به أن‮ ‬يكون تعليق المخرج على المافيا الإيطالية في‮ ‬مواطنها لكن الفيلم عاني‮ ‬من إشكالات درامية وعدم توازن في‮ ‬السرد ما ساعد في‮ ‬مروره بلا أثر‮ ‬يذكر على شاشات العروض الدولية‭.‬
سنة‮ ‬1990‮ ‬عاد شمينو بفيلم جديد أفضل هو‮ »‬الساعات اليائسة‮«‬‭.‬‮ ‬مرّة ثانية‮ ‬يُعير النجم ميكي‮ ‬رورك ثقله لصالح شمينو في‮ ‬فيلم سبق لهمفري‮ ‬بوغارت أن أدّى بطولته تحت إدارة المخرج وليام وايلر سنة‮ ‬1955‮ ‬ومفادها لجوء رجل عصابات ورجاله الى منزل عائلي‮ ‬واحتجازهم في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يحيط بالمكان رجال البوليس‭.‬‮ ‬
كان هذا الفيلم أوّل دور‮ ‬يؤديه أنطوني‮ ‬هوبكنز في‮ ‬فيلم أميركي،‮ ‬وذلك قبل عامين من قيامه بتمثيل شخصية هانيبل لكتر في‮ »‬صمت الخراف‮«‬‭.‬‮ ‬مع رورك وهوبكنز كل من ديڤيد مورس وميمي‮ ‬روجرز وإلياس كوتياس وكلّهم من بين أفضل المشخّصين في‮ ‬الأدوار المساندة‭.‬
لكن‮ »‬الساعات اليائسة‮« ‬لم‮ ‬يتقدّم‮ ‬بمهنة شمينو مطلقاً‭.‬‮ ‬كان إعلاناً‮ ‬بأن المخرج الذي‮ ‬خاض‮ ‬غمار حرب إثبات قدراته على نحو مهيمن خسر المعركة في‮ ‬نهاية الأمر ورضخ لعقاب‮ ‬غير مُعلن‭.‬‮ ‬والخطأ لم‮ ‬يكن خطأه وحده‮ (‬كثيرون تجاوزوا الميزانيات وأكثر منهم من سقطت أفلامهم لكنهم استمروا‮) ‬بل خطأ المرحلة أيضاً‭.‬‮ ‬فهوليوود الثمانينات كانت محط صراع بين المخرجين والمنتجين كل‮ ‬يود إثبات موقعه الأول للعمل‭.‬‮ ‬كل‮ ‬يريد أن تكون له الكلمة الفاصلة فيه‭.‬‮ ‬الغلبة كانت للمنتجين للأسف‭.‬
بعد‮ ‬غياب ست سنوات كاملة،‮ ‬أي‮ ‬في‮ ‬العام‮ ‬1996،‮ ‬قام شمينو بإخراج‮ »‬مطارد الشمس‮« ‬مع وودي‮ ‬هارلسون وجون سيدا وأن بانكروفت‭.‬‮ ‬عرف الفيلم نجاحاً‮ ‬محدوداً‮ ‬بين النقاد‮ (‬تم عرضه العالمي‮ ‬الأول في‮ »‬كان‮« ‬ذلك العام‮) ‬لكنه لم‮ ‬يجد جمهوراً‮ ‬يراه‭.‬
هذا الفيلم لا‮ ‬يزال أخيره الى اليوم‭.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular