May 19, 2009

ISSUE 417| كتابات لإبراهيم العريس/ نديم جرجورة/ مسعود أمر الله/ محمد رُضا

COVER | STORY
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سيّدات كان
رئيسة لجنة التحكيم، إيزابل أوبيرت، تتوسّط المحكّمات الإناث في
اللجنة وهم من اليمين: شو كي (تايوان)، آسيا أرجنتو (إيطاليا)، روبِن
رايت بن (الولايات المتحدة)، وشارميلا تاغوري٠


لقطة من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Agora
الممثلة البريطانية راتشل وايز كما تبدو في الفيلم الأسباني إخراج
أليخاندرو أمنبار المعروض خارج المسابقة٠


أصداء | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Antichrist

يوم أمس عُرض فيلم »معاد للمسيح« للمخرج الدنماركي لارس ڤون تراير الذي -إذا صدّقنا ما كَتب عنه بعض الدنماركيين وقليل من الأوروبيين الذين شاهدوه- يعتبر المرأة مصدر كل الشرور٠
لقد صّفق النقاد الغربيين بمجملهم طويلاً للمخرج الذي داوم البحث سابقاً عن موضوع مفاده أن العازم على إيجاد خلاص لمشكلة او أزمة يكتشف أنه جزء من المشكلة ما يعيقه عن توفير الحل اللازم لها٠

مثلاً أفلامه الثلاث الأولى التي شهدت عروضاً عالمية »عنصر جريمة«(1984) و»عدوى« (1984) ثم فيلم »يوروبّا« (1991) قدّمت لنا معالجات بصرية أخّاذة وذات حس واقعي لعالم مليء بالهواجس وداكن الأجواء وبطيء الخطى بطله رجل مثالي يحاول إصلاح ذات البين وحل المشاكل التي يواجهها لكنه يكتشف أنه كلما مضى في هذه المحاولة كلما ارتدت عليه بنتائج تزيد الخطأ خطأ٠ هذا واضح في فيلمه الأول »عنصر الجريمة« حين يكتشف المشاهد في النهاية أن البطل الذي تابعه وهو يحاول البحث عن القاتل والقبض عليه، هو ذاته المجرم وقد توغّل أكثر وأكثر. مفهوم البطل وضد البطل هو ما يصلنا الى الآن في فيلم »ضد المسيح« من خلال أن البطولة بالنسبة للمخرج هي سمة فيها قدر كبير من الإفتراض والثقة المتحوّلة الى خيبة أمل٠
هذا ما يحدث أيضاً في »عدوى« حين يسعى طبيب لمنع تقدّم عدوى قاتلة قبل أن يكتشف أنه هو نفسه سبب في انتشارها. أما »يوروبا« او كما أطلق عليه أيضاً إسم »زنتروبا« فهو عن ذلك الضابط الألماني الذي يحاول أن يلعب دوراً بنّاءاً خلال الحرب العالمية الثانية لكنه ينساق ليبصبح من الضبّاط الذين تعتمد عليهم النازية في انتشارها٠

الفترة اللاحقة تخلّصت من الكاميرا الثابتة (ولو محمولة أحياناً) واللقطات التأمّلية وعمدت الى كاميرا مهزوزة تتلاعب فيها الريح وتؤلف مشاهد لا تريد أن تنتهي لتنتقل الى سواها. من هذه الأفلام »المملكة« (1994) و»كسر الأمواج« (1996) وكلاهما حقق نجاحاً كبيراً بين النقاد. بعض هؤلاء يعتبر أن المخرج لا ريب عمد الى كسر الأسلوب السينمائي بآخر قد لا يكون خير بديل، لكنهم يعتبرون ذلك إنجازاً على أي حال. على هذا المنوال، فإن »كسر الأمواج« و»الأغبياء« (1998) و»راقصة في الظلام« (2000) معفاة من المحاكمة، عند من قبِل بها، بسبب رغبة المخرج في الخروج عن أسلوب معهود صوب أسلوب غير معهود٠
حين انتهج المخرج أسلوب الدوغما الذي يتطلّب تطبيق شروط عمل خالية (نظرياً على الأقل) من المؤثرات التقنية او الصناعية او الفنية، وجد بين النقّاد الغربيين (وبعض العرب) من ألقى تحية القبول والإعجاب على لون ما لبث أن عكس ليس فقط رغبة المخرج التحرر من كل شيء سائد فقط من باب التحرر من كل شيء سائد، بل سعيه لهدم السينما ومفرداتها وإنشاء لغة جديدة مكانها. هذا تبدّى واضحاً في هذه الأفلام المذكورة كما -وعلى نحو خاص- في فيلم »دوغفيل« الذي ألغى الديكورات تاركا للبال تخيّل أين يكمن الجدار وأين يكمن الباب مكتفياً برسم طبشوري لتحديد الأماكن او الغرف!٠
لكن ما يؤكد أن أسلوب الدوغما يحمل ازدواجيّة معاييره في داخله اعتماد المخرج (الذي يصوّر أفلامه) على شبكة معقّدة من تكنولوجيّات التصوير ما يلغي معظم ما وضعه من نظريات لكن لهذا شأن آخر في مكان آخر يوماً ما٠

فيلم »معاد للمسيح« استقبل إجمالاً بمعارضة نقدية واسعة قبل يومين وإن لم يثن ذلك المخرج على أن يقول للصحافيين في مؤتمره الصحافي: "أنا أعظم مخرج في العالم". لم يحدد إذا ما كان أعظم مخرج بين الأحياء والأموات معاً، أم لا، لكنه راوغ، حسب ما تذكره مجلة »ذ هوليوود ريبورتر« في الإجابة على أي سؤال لم يعجبه وذكّر الحاضرين: "لا تنسوا أنكم في ضيافتي"٠
لا أحضر المؤتمرات الصحافية مطلقاً لا في كان ولا في سواه، لكني لو كنت لشتمته وشتمت مؤيده الذي هاجم صحافية سألت المخرج عن السبب في مشاهده العنيفة، إذ قاطعها ذاك المؤيد قائلاً: "هو فنان وأنت لا. هو ليس مجبراً على تفسير الفيلم"٠
Bullsh..

Lars Von Trier

لكن دعوني أعود الى ما بعض ما كتب عنه في اليوم السادس من أيام المهرجان القائم: تهمة أنه حقق فيلماً معاد للمرأة ليست هيّنة لا شرقاً ولا غرباً٠
إدانة المرأة شيء يتّفق إثنين ممن قرأت لهم على أن المخرج لا يوحي به بل يؤكده كلما سرد مشهداً آخر من الفيلم، او حسب فيونيولا هاليغن "ينهال على رأس المشاهد به" وتضيف: "مهرجان كان يمنح فون ترايير اكسجين الدعاية والفيلم سيجذب ألوف المرددين الذين عليهم دخول المصحّات إذا ما أعلنوا كم أحبوا الفيلم"٠
هل يسعني أن أقول أنه لو كان رأي الناقدة صحيحاً فإنه من المزعج أن يمنح المهرجان فيلماً كهذا مساحة للعرض. وتود مكارثي في مجلة »فاراياتي« يزيد معتبراً الفيلم غازات معوية. ويقول أن الفيلم سيعجب اولئك الذين يعتقدون أن التلذذ بالألم هو فن٠
ربما كتبت ذلك وأكثر منه لو حضرت الفيلم ففي حين كان معظم عناترة النقد السينمائي وشيوخه العرب يصفّقون وراء كل تصفيقة غربية يواجه بها الغرب هذا المخرج- كنت حذراً في التجاوب او ضدّ الفيلم على طول الخط: طبشور على الأرض مكان الديكور وفيلم يراوح مكانه وإدعاء بالبريختية وتسمّي لي هذا سينما....؟

Seven Jewish Children

وردني يوم أمس إعلان صادر عن "حركة أوقفوا الحرب الآن" البريطانية تعلن عن أن محطة البي بي سي منعت عرض مسرحية مصوّرة بعنوان »سبع أطفال يهود« بحجة أنها معادية للسامية، ما جعلني أتذكّر موقفها حيال مسعى عدد من المعارضين لحرب اسرائيل على غزّة حينما أرادوا بث إعلان يدعو لجمع التبرّعات الإنسانية فوقفت المحطة البريطانية لهذا العمل الخيري بالمرصاد ورفضت بث الإعلان المصوّر٠
٠" سبع أطفال يهود"، مسرحية كتبتها كاريل تشرشل وهي تعترف بأنها كتبتها ضد الحرب التي شنّتها إسرائيل على غزّة. ولا أعتقد أن هناك خلافاً بين المعتدلين العرب وغير المعتدلين في أن البربرية الإسرائيلية بلغت حدّاً لا يمكن حتى لمؤيدي اسرائيل حول العالم القبول به. بربرية أحرجت المؤيدين فصمتوا وزعزعت الشارع العربي فخاف البعض على فقدان ما يجلس عليه. ووفّرت من ضروب الهمجية ما لا يستطيع الا شعب لا يخاف الله أن يفعله. واليوم هناك من يريد منّا أن ننسى ويريد من المبدعين أن يتجاهلوا ويتجاوزوا والا فإن سيف المعادة للسامية سيطال الرؤوس وقد يقطف بعضها إذا ما تطلّب الأمر
طبعاً معارضة الحرب الإسرائيلية التي تشنّها كل سنة مرّة على مكان ما ممنوعة ويجب نسيان ويلاتها، لكن الفيلم طوال الفيلم دفاعاً عن الصهيونية وتذكيرا بالمحرقة النازية هذا مسموح به مسرح وسينما وتلفزيون في هذا العالم المتعثّر٠
والمسرحية المذكورة عُرضت في عواصم عديدة حول العالم واستقبلت جيّداً الا من قبل المنظّمات والأقلام الصهيونية التي لا تزال تقطف من ورق التواليت ما تغطّي به عوراتها، وهي رفعت تلك اليافطة الجاهزة في كل مكان وزمان"معادية للسامية"، علما بأن بعض المشتركين في تمثيلها، ومن بينهم مثلا مريام مرغولياس، يهود. بل أن كونهم يهوداً لم يشفع لهم فكتب الحقّاد أنهم بدورهم »معادون للسامية«٠
لو يعلم العالم (العربي قبل غيره) أنها معركة بقاء يخوضها الفلسطيني والعربي في كل مكان ضد جبهات مختلفة تقودها جميعاً اسرائيل لكنها تحتوي على كل تلك الخطوط المائعة التي أفرزتها السياسة العربية في السنوات العشرين الأخيرة الى اليوم. تلك الخيوط التي سمحت للتطرّف الديني يهودياً ومسيحيا واسلامياً بالنشوء والترعرع لتقاتل جنباً الى جنب العدو الصهيوني علمت بذلك او لم تعلم٠
أما البي بي سي التي كان آباؤنا يسمعونها حين كانوا يريدون منها الكلمة الفصل في موقف ما فقد تغيّرت الآن إذاعة وتلفزة عما كانت عليه بالأمس٠


نقد | نديم جرجورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يستعرض الناقد هنا مجموعة من افلام المسابقة التي ترتبط
فيما بينها بإبراز عنصري الجنس والعنف. الوجهان المكملان
لبعضهما البعض٠

في إطار المسابقة الرسمية الخاصّة بالدورة الثانية ) لمهرجان «كان» 2009 أيار 24 ـ 13والستين ( السينمائي الدولي، ومن أصل عشرين فيلماً اختارتها إدارة المهرجان للتنافس على «السعفة الذهبية» وجوائز أخرى، عُرضت أربعة أفلام آسيوية، لغاية الآن: كيناتاي» للفليبيني بريانت ماندوزا، «ليالي السُكْر الربيعية» للصيني لو يي، «عطش» للكوري بارك شان ـ ووك و«انتقام» للصيني أيضاً جوني تو؛ علماً أن هناك فيلماً آسيوياً خامساً لم يُعرض بعد، بعنوان وجه» للسينمائي الماليزي تساي مينغ ـ ليانغ، « المختلف كلّياً عنها، بحسب التعريف الصحافي به، الذي أورد أنه يدور في كواليس الفن وصناعة المسرحيات. هذا نمط آخر من صناعة الصورة السينمائية. هذا شكل مستقلّ بحدّ ذاته، مزج روحانية الشرق الأقصى بمفردات العيش الواقعي في مجتمعات متحرّكة دائماً، وجعل الصورة أقرب إلى كوريغرافيا العنف منها إلى أي نسق تعبيري آخر. هذه تفاصيل مستلّة من واقع إنساني مجبول بالألم والانكسار، وقائم على لعبة التحدّي الدائم للخروج من نفق الخراب العظيم٠
العنف

"كيناتاي"

فعلى الرغم من التنويعات المتفرّقة التي قدّمتها الأفلام الأربعة تلك، هناك رابط خفي يجمعها معاً في لحظة السقوط المدوّي للفرد في بؤر التوتر الجماعي القائم على الخديعة والقهر: العنف بدلالاته وتحوّلاته وتعبيراته كلّها. في الفيلمين الصينيين، اتّخذ العنف شكلين مختلفين، جاهر الأول بحضوره من خلال قصّة حبّ بين شابين يدفعهما ومحيطهما إلى التحطّم القاسي على صخور الواقع والانفعال المرتبك وارتفاع الجدران الحديدية بين المرء ونفسه أحياناً (ليالي السكر الربيعية)؛ وعبّر الثاني عن حيويته الدموية إثر مقتل عائلة كاملة، باستثناء الأم، جرّاء تصفية حسابات بين عصابات وقتلة مأجورين (انتقام). لكن العنف الكوري عطش) مرسوم في أروقة الحكاية التقليدية المعروفة عن مصّاص الدماء، في محاولة سينمائية جميلة للانتقاد العنيف للمؤسّسات الدينية ( والاجتماعية والسياسية المتسلّطة بخرافاتها وقمعها وهوسها بالسلطة؛ في حين أن براءة الولادة الجديدة عبر العرس صباحاً، تحوّلت سريعاً في فجر اليوم التالي (أليس الفجر ولادة جديدة ودائمة؟) إلى خيبة الحياة، إثر المشاهدة السلبية لجريمة بشعة، وسط الانهيار وضجيج المدينة والانفصام القاتل بين تناقضات شتّى (كيناتاي)٠
والعنف، إذ يتّخذ أشكالاً بصرية متفرّقة، يصنع من الآنيّ في المجتمعات البشرية صدى التمزّق الحادّ في الذات الفردية وعلاقاتها بالجماعة. في حين أن التعبير عنه، وإن ارتدى أنماطاً عدّة قد تكون متناقضة أحياناً، جعل السينما أقرب إلى «محلّل نفسي» للذات البشرية أساساً، مختبئ في داخل الفن البديع وتداعيات دلالاته وأهواء صانعيه. غير أن التفاوت في المعالجة الدرامية واضحٌ بين الأفلام الأربعة، إذ بدا «عطش» أجملها زخرفة في مقاربة التحلّل الجسدي والروحي إزاء بطش المؤسّسة الأخلاقية في معاينتها اليوتوبية قضايا الحياة والعلاقات؛ في حين تشَابَه «ليالي السكر الربيعية» و«كيناتاي» في تصويرهما نبض المدينة (نانكين في الأول ومانيلا في الثاني)، على الرغم من انفصالهما الكلّي على مستوى الحبكة والسياق والمناخ، إذ غاص الأول في الأحاسيس القائمة بين شابين، والخراب الناتج منها؛ وتابع الثاني مسار جريمة قذرة أبطالها رجال شرطة مدنيون وضحيتها عاهرة وشاهدها شاب بريء، بدا أنه تلقّى «معمودية» الولادة بالدم والقذارة اللذين كلّلا تلك الليلة المجنونة، بعد زواجه رسمياً في الصباح، ظنّاً منه أن الزواج ولادة ثانية مليئة بالحبّ والفرح والمتع. أما «انتقام»، الذي أدّى فيه المغنّي والعازف الموسيقي والممثل الفرنسي جوني هاليداي دور البطولة الأولى، فظلّ عادياً في قراءته الانحدار الدموي لطالبي انتقام لا ينتهي إلاّ بالموت والسكينة٠

عطش

إن المسامحة (يُمكن القول أيضاً المغفرة أو الغفران) أنبل الانتقامات». هذا ما قاله لاعب كرة القدم الفرنسي السابق إريك كانتونا لصديقه إريك « بيشوب (ستيف إيفيتس)، في الفيلم الأخير للإنكليزي كن لوتش «البحث عن إريك»، المُشارك في المسابقة الرسمية أيضاً (لي عودة نقدية لاحقة إليه). لكن كوستيلّو (هاليداي) في «انتقام» بدا أكثر انتماءً إلى مقولة الزوجة/ الأم المفجوعة بموت وحيدها (شارلوت غاينسبيرغ) في رائعة الدانماركي لارس فون ترير «المسيح الدجّال» (المسابقة الرسمية أيضاً)، ومفادها أن «الطبيعة كنيسة الشيطان»، إذ بدا واضحاً أن «الطبيعتين المادية والبشرية» مسكونتان بالشيطان، أمير العتمة (لي عودة نقدية إليه لاحقاً). فكوستيلّو هذا لا يعرف النبل والفضيلة، لأنه متحدّر من ماض مليء بالقتل والتصفيات، وها هو اليوم مُطالَب بالانتقام لمقتل عائلة ابنته، تلك الفتاة الجميلة إيرين تومبسون (سيلفي تستود) التي نجت، بأعجوبة، من المجزرة٠
وكوستيلّو، الآتي إلى ماكاو وهونغ كونغ للبحث عن القتلة بهدف تصفيتهم الجسدية، بات طبّاخاً يملك مطعماً في باريس، من دون أن يتحرّر كلّياً من ماضيه الدموي هذا. غير أن للانتقام صُوَراً مختلفة، في الأفلام الثلاثة الأخرى: انتقام الزوجة الشابة لين كسيو (جياكي جيانغ)، في ليالي السكر الربيعية»، اصطدم بتمزّق المشاعر العشقية بينها وبين زوجها وانغ بينغ (واي وي)، المغرم بعشيقه جيانغ شينغ (هاو كين). وانتقام « الأب سانغ ـ هيون (سونغ كانغ ـ هو)، في «عطش»، مال إلى التمرّد المبطّن على سطوة المؤسّسة الدينية المسيحية المنتمي إليها، إذ عاش صراعاً داخلياً بين رغباته المنفتحة على العشق والشبق الجنسي المكبوتين في أعماق ذاته بسبب التزاماته الدينية، والأشكال البغيضة للقمع الديني المفروضة عليه، ما دفعه إلى التطوّع في اختبار طبي جعله، من دون قصد، مصّاص دماء متعطّشا للدم والجنس والتخريب، قبل أن تُثقل عليه وحشيته المتحرّرة من أسرها، فيذهب وحبيبته إلى حتفهما برضاه هو، لأن الموت خلاصٌ من جحيم الدنيا هذه٠

ليالي السكر الربيعية

لا يجد المُشاهد دلالة واحدة على الإنتقام في «كيناتاي»، لأن المناخ العام للحبكة وتفاصيلها المتشعّبة من ركيزة درامية (التحوّل الداخلي المبطّن للمرء) إلى عناوين متفرّقة (الجريمة، اللامبالاة، العنف، الضجيج، المدينة، إلخ.) انعكاسٌ شفّاف وقاس للآني والراهن في الذات الفردية والمدينية إذا صحّ التعبير). ذلك أن بيبينغ (كوكو مارتن)، المقبل على الحياة بفرح وطمأنينة صنعتهما علاقة الحب القائمة بينه وبين من أصبحت زوجته في ( صباح يوم الأحداث المتتالية، غرق سريعاً في الجحيم الذي صنعته الأرض، ما جعله رجلاً سلبياً في تعاطيه مع المسائل الحياتية، إلى درجة أنه، في صباح اليوم التالي على الحدث العنفي، عاد إلى زوجته وابنهما «كأن شيئاً لم يكن»، وإن لم يُعبّر عن اللامبالاة بوضوح وقسوة، على نقيض رجال الأمن المدنيين الذين قتلوا العاهرة بعد إخضاعها لممارسة الجنس مع أحدهم، وقيامهم جميعهم بتقطيعها ورمي أجزائها في أماكن مختلفة، قبل أن يتناولوا الطعام فجراً، كأنهم لم يفعلوا شيئاً إطلاقاً.
الجنس
إلى ذلك، يُمكن القول إن العنف والمشاهد القاسية الناتجة منه حاضران في أفلام عدّة مشاركة في الدورة الحالية لمهرجان «كان»: عنف الأصولية الدينية والشبق الجنسي والانهيار العصبي الذاهب بصاحبه إلى أقصى تخوم التمزّق والبؤس؛ عنف الجريمة المنظّمة والجرائم التي يرتكبها أناس غارقون في أعماق الخراب والانفصال عن الذات، وإن بدا بعضهم إنسانيين يمتلكون «أخلاقاً» رفيعة إذا وجدوا أنفسهم في حالات تُحتّم عليهم إبداء قليل من الاحترام للأعداء، خصوصاً أمام الأطفال («انتقام»، مثلاً)٠
والجنس مكمّل طبيعي للعنف الممُمارَس على الفرد والجماعة: في الأفلام الآسيوية الأربعة هذه، شكّل الجنس (سواء ارتبط بالحبّ والانفعال الشبقي بين رجلين أو بين رجل وامرأة، أو بتلك الرغبة القديمة في امتلاك الآخر وإخضاعه لنزوتة ما بسبب انغماس المرء باللذّتين الحسية والروحية) عنواناً إضافياً للأفلام المشاركة في «كان». كأن الرابط بين العنف والجنس قوي لاستحالة الفصل بينهما وبين نتائجهما. أو كأن ممارسة العنف، بتداعياته وتأثيراته، لا تختلف كثيراً عن ممارسة الجنس، بملذاته وقدرته على إثارة المتع الحسية والروحية.

المخرج جوني تو خلال تصوير "إنتقام"

مسألة أخرى مثيرة للاهتمام النقدي: المغنّي والموسيقي الفرنسي جوني هاليداي ممثّلاً في فيلم صيني، علماً أن للأفلام الآسيوية، عموماً، نمطاً خاصّاً بالعنف، أقرب إلى تصميم الرقصات منه إلى أي شيء آخر. غير أنه، على الرغم من ممارسته مهنة التمثيل سابقاً من دون التوقّف عند مدى قدرته على إيفاء هذه المهنة شروطها الفنية الإبداعية)، لم يُقدّم دوره كأب مفجوع بمقتل عائلة ابنته، التي أصيبت بشلل ( شبه كامل، ولم يظهر على الشاشة الكبيرة/ الحياة الواقعية رجلاً مقبلاً إلى الانتقام (أصيب، قبل أعوام طويلة، برصاصة في الرأس باتت تُفقده ذاكرته) بروحية قاتل مأجور سابق، ولم يكشف مواهب فذّة أو متواضعة حتّى في التمثيل. على النقيض من هذا كلّه، بدا مترهلاً وبطيئاً وعاجزاً عن امتلاك المتطلّبات الضرورية لشخصية أب وقاتل وطبّاخ ومنتقم، علماً أن جوهر الحبكة لم يكن مُقنعاً على المستوى الدرامي: تورّط ربّ العائلة في مشاكل مافياوية، ورغبة الزعيم الظاهر في أكثر من مشهد أقرب إلى المهرّج منه إلى صاحب امبراطورية فاسدة في تصفية أعدائه جميعهم، وأقرب المقرّبين إليه لشكّه في إخلاصه له، وإن حلّل البعض المسألة بالقول إن المخرج جوني تو أراد، بهذا كلّه، إظهار نوع من السخرية السينمائية، مع أن قراءة الفيلم انطلاقاً من هذا النوع كفيلةٌ بجعل «انتقام» مجرّد عمل عنفي يخلو من دلالات مؤشّرة على فلسفة الوجود والحياة والقدر والصدفة، على غرار أفلام آسيوية أخرى برع صانعوها في مزج الفلسفة المذكورة بالعنف والمطاردة والنَفَس البوليسي. بل إنه مجرّد عمل عادي يروي العنف بلغة بسيطة


تظاهرات | كل أفلام قسم "نظرة ما"٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسعود أمر الله

من الفيلم الروسي "قيصر"

يعد "نظرة ما" بالتأكيد، أحد أهم الأقسام التي ينظر إليها النقاد بعينٍ ثاقبة، لما يوفره من إنتاج مختلف ومغاير، سواء في شكله واستقلاليته، أو في اكتشافه مبدعين قادمين إلى عالم السينما، أو للتنبيه إلى موجات سينمائية تنحاز إلى التجريب والانفراد، ولطالما كان هذا القسم الرافد الحقيقي والمستقبلي لأفلام المسابقة. وهذه السنة، نلاحظ غياباً تاماً للسينما العربية، بعد أن اعتدنا على مشاركة فيلم أو فيلمين في السنوات الماضية٠

تغلب على أفلام القسم مشاركة مخرجين في عملهم الأوّل، ما يؤهلهم للمنافسة أيضاً على جائزةالكاميرا الذهبية، غير أن القسم يعرض أيضاً لمخرجين مخضرمين. تيري فريمو، المدير الفني لمهرجان كان السينمائي دافع هذه السنة عن قسم "نظرة ما" الذي وصفه البعض بسلّة الأفلام المرفوضة من المسابقة الرسمية، وأوضح بأنه قسم بديل، وليس هامشياً.وإذا ما أمعنّا النظر في قائمة الأفلام المشاركة، نجد أن القليل منها قد تنطبق عليه مواصفات المسابقة الرسمية، التي اعتاد المهرجان قبول أفلام مخرجيها. هناك الياباني هيروكازو كوري إيدا، الذي شارك سابقاً في المسابقة الرسمية بفيلمين، يأتي هنا مع دمية هوائية، حول دمية نفخ بحجم إنسان تتطوّر لتصبح لها روح، وتمارس حياتها بشكلٍ آدمي، ثم تقع في حب شاب يعمل في محل فيديو، غير أن أحداثاً غير متوقعة تُدير دفة حياتها بشكلٍ درامي٠

الروماني كريستيان مونجو بعد حصوله على السعفة الذهبية عن فيلم "أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع، ويومان" في العام 2007، يأتي بفيلم من إخراج مشترك مع أربعة مخرجين آخرين بعنوان حكايات من العصر الذهبي، وفيه يغوص في تاريخ حقبة الشيوعية في رومانيا، من خلال وجهات نظر أشخاص عاديين؛ حيث تختلط الغرابة بالسريالية، والهزل بالأسطورة، وتنسج في مجموعها خمس حكايات يومية، وقعت أثناء حكم النظام الديكتاتوري٠

الفيلم الروماني "شرطة وصف"

أما زميله الروماني الآخر كورنيليو بورمبويو، الذي حاز على الجائزة الثانية في العام 2004 عن فيلمه القصير رحلة إلى المدينة، وجائزة الكاميرا الذهبية في 2006 عن شرق بوخارست، يشترك هنا بفيلم "شرطة وصف"، حول شرطي يرفض إلقاء القبض على شاب عرض حشيشاً على صديقيه، لأنه مقتنع بأن مجرد العرض ليس تهمة، وأن القانون سيتغيّر، ولا يمكن اعتبار تصرّف هذا الشاب غير مسؤول، لأنه لا يؤمن بهذه النظرية٠

الفرنسي آلان كافيلييه، سبق وأن شارك في المسابقة الرسمية مرتين، وفي "نظرة ما" مرة، وحصد جائزة لجنة التحكيم العام 1986 عن تريزا، يأتي هنا بفيلم "إيرين" حول فتاة ومخرج أفلام في علاقة قوية ومتينة، لكنها معبأة بالمناطق الرمادية. تختفي الفتاة فجأة، ولكن ينقب صحافي بعد سنوات في الحكاية٠

أما الكوري الجنوبي بونغ جون هو المضيف، يعود بفيلم "أم" حول أم أرمل تعيش وحيدة مع ابنها الشاب، الهاديء والخجول، وفي خضم جريمة قتل بشعة، يصبح الابن المشتبه الرئيسي، رغم أنه لا توجد دلائل قاطعة على تورّطه، غير أن الشرطة، تتهمه لأنه ببساطة لا يستطيع إثبات براءته.

في الفيلم البرازيلي "هدى" للمخرج هيتور داليا، تعاني فتاة مراهقة من التحوّل التدريجي إلى عوالم وطقوس البلوغ، وتجربة الحب الأولى، في الوقت الذي يخون فيه الأب أمها مع امرأة غريبة تعيش في قرية على ضفة البحر. لكن هذا السر ليس الوحيد، بل هناك سلسلة أخرى تنتظرها مليئة بالألم تكتشفها واحدة تلو الأخرى، بعضها عن العائلة، وبعضها الآخر عن نفسها٠

لا أحد يعرف عن القطط الفارسية

أما في الفيلم اليوناني "حلية" للمخرج جيورجوس لانثيموس، تصبح حياة ثلاثة أطفال يعيشون مع الأب والأم في بيتٍ محاط بالسياج إلى خرافة، فالأطفال ممنوعون من الخروج تماماً بحجة أن لا يتأثروا بالعالم الخارجي. تمّ تعليمهم، والترفيه عنهم في داخل المنزل. هم يؤمنون بأن الطائرات التي تحلّق فوق بيتهم مجرّد ألعاب، وأن الوحوش هي ورود صفراء٠

وتحضر إسرائيل بفيلم "عينان مفتوحتان باتساع" للمخرج إينيم بيكوت حول علاقة مثلية في قلب مجتمع يهودي أرثوذوكسي متزمّت بين جزار متزوج ولديه أربعة أبناء، وبين طالب متشرّد يجد في الملحمة مكاناً للعمل. فيما، تأتي الألمانية ميا هانسن لوف بفيلم "والد أبنائي" حول رجل يمتلك تقريباً كل شيء يتطلبه المرء: زوجة، وثلاثة أبناء، ووظيفة منتج أفلام يكتشف من خلالها المواهب الجديدة، ويقوم بتطوير أفلام يتبناها فكرياً، وتُناسب وجهة نظره حول السينما. لكن تأخذ الأمور مجرى مختلفاً، عندما تغرق شركته بالديون، وعليه الآن مواجهة حياته الجديدة٠

بالمقابل، يحدث العكس في فيلم "حورية" للتايلندي بن إيك راتاناروانغ، عندما نتعرف إلى امرأة تمتلك كل شيء تقريباً، ومتزوجة من مصوّر فوتوغرافي يعشقها كثيراً، غير أن القدر يعاندهما، وتنقلب حياتهما إلى جحيم، عندما تتورط الزوجة في علاقة مع رجل متزوج٠

المخرج الفلبيني رايا مارتن يحضر بفيلمين إلى كان هذه السنة الثاني يُعرض في قسم عروض خاصة. في فيلم "استقلال" الذي تدور أحداثه في أوائل القرن العشرين، تبدو علامات الحرب آتية بوصول الأميركيين. فيما أم وابنها يهربان إلى الجبال بحثاً عن حياة مستقرة. في يوم، يعثر الابن على امرأة مصابة في وسط الغابة، ويأتي بها إلى البيت. بعد سنوات، تتكرّر القصة ذاتها؛ رجل وامرأة وطفل يعيشون في عزلة عن الفوضى المتعاظمة في البلد، ولكن عاصفة قريبة ستهدد حياتهم، فيما القوات الأميركية تقترب أكثر فأكثر.

الإيراني الكردي بهمن غوبادي في فيلم افتتاح "نظرة ما"، وبعد تواجده اليومي في الأسابيع الماضية في وسائل الإعلام، ليس بسبب فيلمه هذا، ولكن لاتهام واعتقال خطيبته الصحافية الأميركية الإيرانية روكسانا صابري في إيران لمدّة ست سنوات بتهمة التجسس أفرج عنها أخيراً، حضر بفيلم "لا أحد يعرف عن القطط الفارسية"، والذي يعتبره تيري فيريمو مفاجأة خاصة لجمهور كان، ودرساً في موسيقى الراب الإيرانية، يدور حول شاب وفتاة يقرّران تشكيل فرقة موسيقية بعد خروجهما من السجن٠

في "بريشوس" للأميركي لي دانيلز؛ نتعرّف إلى بريشوس ذات الستة عشر ربيعاً، والتي تتعلم في مدرسة خاصة القراءة والكتابة، وتتعرّف على عالم جديد، تكتشف فيه ذاتها بشكل آخر، عالم يصبح فيه كل فتاة جميلة، قوية، ومستقلة.. تماماً مثلها. في شمشون ودليلة للأسترالي فارفيك ثورنتون، يعيش الاثنان في عالم صغير لمجتمعٍ منعزل في وسط الصحراء الأسترالية. عندما تأتي المآسي، يعودان إلى أرضهما في رحلة للنجاة، ويكتشفان أن الحياة ليست عادلة أحياناً، ولكن لا حكم للحب هنا٠

المخرج الهولندي جان فان دي فيلدي يحضر بفيلم "الجيش الصامت" حول صاحب مطعم في دولة أفريقية لا تبدو حياته سهلة بعد الموت المفاجئ لزوجته، فعليه الآن تربية ابنه لوحده، والذي بدوره صديق لابن العاملة سوداء في المطعم. عندما يختفي الصديق مع عشرة أطفال آخرين في ليلة دموية وعنيفة، بعد اجتياح جيش الثوار قريتهم، يدخل الابن والأب في دائرة البحث عن الصديق الضائع٠

أما الروسي نيكولاي كوميريكي في فيلم "حكاية في الظلمة"، فإنه يتتبع حكاية شرطية شابة ووحيدة تعيش في مدينة صاخبة، حيث المرح والحب. ذات يوم، وكجزء من عملها في رعاية الأطفال المنبوذين، تفضفض إلى طفل عن حياتها المملة، والباهتة، والضائعة.. ولكن هذه الكلمات ظلت تؤرقها إلى أن تقرّر تغيير نفسها، فترحل في طريق نحو الظلمة٠

الروسي الآخر بافيل لونغين، ينقلنا في فيلم "تزار" إلى القرن السادس عشر، حيث يؤمن إيفان الرهيب بأنه مكلف بمهمة مقدسة، محطماً كل من يعترضه في طريقه، إلى أن يأتي من يتصدى له٠

٠"أن تموت رجلاً" للمخرج البرتغالي خاو بيدرو رودريغيز مقتبس عن حياة روث بريدين، أحد أشهر المثليين في عالم الترفيه؛ ويدور حول الفصل الأخير من حياته عندما أدمن المخدرات، وانهار العالم من حوله حين بدأ برنامجه بالأفول، وأخذ التحدي من قبل الفنانين الجدد الصاعدين يهدد نجوميته

أما "فجر غد" للفرنسي دينيس ديركورت، في مشاركته الثانية ضمن "نظرة ما"، فهو يتعقّب العلاقة بين أخوين، الأول مهووس بالمعارك التأريخية إلى حد فقدانه الإحساس بالواقع؛ بينما يحاول الثاني جاهداً في تحريره من إدمانه هذا.

ويتعقّب المخرج الكولومبي سيرو غويرا في "رحلات الريح" سفر رجل أمضى حياته بالتنقل حول قرى ومقاطعات شمال كولومبيا حاملاً الموسيقى والأغنيات الشعبية في أكورديون، هذه الآلة الأسطورية التي يُقال أنها ملعونة لأنها ذات يوم كانت بحوزة شيطان

يترأس المخرج الإيطالي باولو سورينتينو لجنة قسم "نظرة ما" وهو من مواليد مدينة نابولي في العام 1970، وأخرج أوّل أفلامه رجل في الأعلى في العام 2001 في 2004، أخرج فيلمه الثاني عواقب الحب الذي شارك في المسابقة الرسمية في كان، وحقق نجاحاً باهراً، وحاز على جوائز كثيرة. في 2006، حقق فيلمه الثالث صديق العائلة ومشاركاً به في كان، بينما حاز فيلمه الأخير في مهرجان العام الماضي النجم على الجائزة الكبرى

أما عضوية اللجنة، فهي تتألف من: الممثلة جولي غاييه فرنسا، مدير مهرجان تورنتو بيرس هاندلينغ كندا، الصحافية والناقدة أوما دي كونها الهند، الصحافية ومديرة مهرجان غوتبورغ ماريت كابلا السويد٠


متابعة | الأفلام الفلسطينية تثير جدالا ولـ "الأخوان المسلمين" تاريخ تلفزيوني في حلقات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إبراهيم العريس

كتب الزميل هذا التقرير لصحيفة "الحياة" اللبنانية
واخترته بين العديد مما كُتب لآنيّته وطرحه ولقيمتـه
المعلوماتية وقيمة كاتبه كناقد سينمائي جيد ومعروف
يافا


الأزمة الاقتصادية – المالية العالمية في مهرجان كان» السينمائي في دورته الحالية؟ أجل « بالتأكيد، ولكن عليك ألا تفتش عنها لدى عرب كان». فالعرب هنا، وهم كثر، كالعادة بالطبع، « مشغولون بقضايا أخرى: بمستقبل السينما في بلادهم. بالقضايا السياسية الكبيرة والشائكة. بالحرب في غزة. بالتنقيب في كل فيلم إسرائيلي يعرض لمعرفة «درجة صهيونيته»، وليس، طبعاً، ما إذا كان صهيونياً أم لا. بالتساؤل حول «المؤامرة» في أميركا طالما أن فيلم آنغ لي عن 1969اليهودية العالمية التي كانت وراء احتفال وودستوك الموسيقي الضخم العام ذلك الاحتفال والذي عرض أول من أمس مشاركاً في المسابقة، يقول إن الأراضي التي أقيم عليها الاحتفال كانت ملكاً لعائلة يهودية!. عرب «كان» مشغولون بمثل هذه القضايا. فإذا كان لديهم ذكر للأزمة الاقتصادية العالمية يكون من خلال إعلان شركة «غود نيوز» المصرية عن أن فيلمها المقبل «أول فيلم في العالم يتحدث عن هذه الأزمة». والمعني بهذا هو فيلم بوبوس» من تمثيل عادل إمام... ما يعني طبعاً أن الفيلم سيكون كوميدياً. الكوميديا إذاً، على الطريقة المصرية، للحديث « عن أخطر أزمة يمر بها العالم. لننتظر ونر٠

في الانتظار تدهش الناس هنا أخبار أخرى من «غود نيوز»، أهمها عن مسلسل في ثلاثين حلقة، للتلفزة طبعاً، يروي تاريخ جماعة «الإخوان المسلمين» منذ تأسيسها، به تدخل هذه الشركة حيز الإنتاج للشاشة الصغيرة، من دون أن يفوتها، أن تواصل محاولاتها على الشاشة الكبيرة، ولكن في المجال التاريخي السياسي عبر فيلم «محمد علي باشا» الذي يبدو أن تصويره سيبدأ قريباً. إذاً، على رغم «ليلة البيبي دول»، في العام الفائت، وعلى رغم «إبراهيم الأبيض» في هذا العام تصر الشركة المصرية الطموحة على مواصلة مشوارها السينمائي، محاولة مضاهاة نجاح فيلمها الأول «عمارة يعقوبيان»... والحقيقة أن من يقرأ أخبار «غود نيوز» في الصحافة المتخصصة في «كان» يخيل إليه أن السينما لدينا في ألف خير. كذلك حال، من يتأرجح بين أخبار المهرجانين الخليجيين الأغنى والأكثر صخباً: مهرجان دبي، ومهرجان أبو ظبي. هذان المهرجانان اللذان يصران على الحياة في بلدين تتأجل ولادة السينما فيهما أكثر وأكثر، ينشران جديدهما. وجلّه له علاقة بالأموال والجوائز والمكافآت والنجوم

ولفلسطين، كذلك، حصة كبيرة في الحديث. وإن كان سيتكثف مع عروض الأفلام المتعلقة مباشرة بفلسطين، لا سيما فيلم الزمن الذي يبقى» لإيليا سليمان في المسابقة الرسمية ولكن في آخر أيام المهرجان، وكذلك فيلم شيرين دبس « أميركا» في «أسبوعي المخرجين». وفي الانتظار، أخذ الحضور مذاقاً أول، مزدوجاً: فلسطينياً من ناحية، وإسرائيلياً « من ناحية ثانية. من ناحية فلسطين، عرضت الفلسطينية الشابة المقيمة في لندن ديما حمدان فيلماً قصيراً عن غزة – لندن، يقف مباشرة في قلب العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع: محاولة ناجحة وطيبة، إضافة الى كونها واعدة سينمائياً، مع التباس في الموضوع. فديما حمدان صورت في فيلمها هذا حكاية شاب فلسطيني يدرس في لندن التي كان وصل إليها لتوه، فيما اندلع العدوان على غزة... وبالتالي عاش العدوان من خلال الإعلام، جيئة وذهاباً أي انه رصد في الإعلام ما يجري، حزيناً عاجزاً، كما استدعاه الإعلام الإنكليزي ليتصل عبره بأمه وعمه في غزة، ويرد على أسئلة متدخلين هاتفياً. في النهاية، أمام عجزه عن فعل أي شيء لأمه ولغزة، لا يجد أمامه إلا أن يُصلي دامع العينين!٠

عن فلسطين أيضاً، ولكن من منظور إسرائيلي، حقق فيلم «يافا» لكارين يدايا إعجاباً العاماً، خصوصاً أن المخرجة التي تحضر الى «كان» للمرة الثانية قدمت في الفيلم مرافعة من أجل السلام، ومناصرة حقوق الفلسطينيين، من علاماتها عنوان الفيلم الثانوي «عروس البحر»، شارحة أن هذا هو لقب يافا الأصلي لدى العرب. وهو لقب لا يعرف الإسرائيليون شيئاً عنه، كما أكدت في عبارات ذات دلالة٠

في شكله الظاهر «يافا» فيلم غرامي... لكن الغرام فيه كناية، والدعوة واضحة، تلقفها المتفرجون الأجانب بترحاب، واجدين فيهاخشبة خلاص ما، للشرق الأوسط، في الوقت الذي انصرف كثر من الصحافيين والحضور والعرب، الى البحث عن «مشاريع صهيونية» وراء كل كلمة ونظرة وحركة في فيلم يدايا٠


مخرج وأفلامه | كن لوتش
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

إذا كانت رئيسة لجنة التحكيم ازابيل أوبيرت تعني ما تقوله من نقد
لاختيار الأفلام ذات الصبغة السياسية، فإن ذلك لن يكون في صالح
فيلم كن لوتش الذي تم عرضه يوم أمس بعنوان "البحث عن أريك" او
Looking For Eric
لكن بعيداً عن وضع الفيلم فإن هذا المخرج النشط والمتردد لديه سينما
تتحدّث عن نفسها بنفسها. هذه متابعة لأعماله منذ أوّلها وحتى اليوم٠

أوّل فيلم شاهدته لكن لوتش كان‮ »‬حياة عائلية‮« ‬
Family Life
‮ ‬في‮ ‬إحدى صالات بيروت‮ (‬صالة سينما أتوال ‮) ‬سنة ‮١٧٩١. ‬والإنطباع الذي‮ ‬خرجت به‮ ‬يومها أن هناك في‮ ‬بريطانيا إضطهاد وتعسّف كبير للمرأة الشابّة ربما أكثر مما في‮ ‬لبنان ذاته‮.‬
طبعاً‮ ‬هذا التفكير لم‮ ‬يكن مصيباً‮ ‬من حيث أن المسألة المقصودة في‮ ‬ذلك الفيلم لم تكن مسألة نسبية او موضع مقارنة‮. ‬لوتش في‮ ‬أفلامه لا‮ ‬يتحدّث عن أوجاع مجتمعه البريطاني،‮ ‬ولا عن المجتمعات الأخرى التي‮ ‬يؤمّها أحياناً،‮ ‬من باب إستعارة أوضاع عالمية والخروج بموقف قائم على إختزالات من الجانبين لتوحيد الصورة الماثلة‮. ‬ما تتعرّض إليه بطلة‮ »‬حياة عائلية‮« ‬هو مسألة إجتماعية بريطانية بحتة‮. ‬لكن بقدر ما هي‮ ‬محلّية‮. ‬من بعد ذلك أنت حر في‮ ‬استلهام ما تريد،‮ ‬وستجد أن ما تستلهمه مرتبط كثيراً‮ ‬بما أتاح لك الفيلم إستلهامه،‮ ‬أي‮ ‬بالوضع المنفرد الخاص ببطلة ذلك الفيلم التي‮ ‬تعاني‮ ‬تعسّف والديها تجاهها ونقد لوتش لذلك السلوك ولجهل إجتماعي‮ ‬كامن فيه‮.‬

قبل وبعد الفيلم الأول
لوتش هو المتحدّث رقم واحد عن المجتمع البريطاني‮ ‬من حيث سلوكياته‮. ‬إنه مخرج على‮ ‬يسار اليسار في‮ ‬بريطانيا كان‮ ‬يكترث لما‮ ‬يحدث في‮ ‬بلاده قبل وصول مرغريت تاتشر الى الحكم سنة ‮٩٧٩١‬،‮ ‬وبقي‮ ‬يكترث لما‮ ‬يحدث في‮ ‬بلاده بعد وصولها وبعد رحيلها سنة ‮٠٩٩١ ‬مخلّفة عبئاً‮ ‬كبيراً‮ ‬على الحياة البريطانية بتخفيف روابط الدولة مع القطاعات العامّة ذات الأسس الإشتراكية وفتحها على‮ »‬البزنس‮« ‬الدولي‮. ‬بذلك تكمن نقلة صناعية‮- ‬تجارية بلا ريب،‮ ‬لكن في‮ ‬عرف لوتش أن هذه النقلة لم تتم الا بالدوس على ظهر القطاعين الفقير والمتوسط في‮ ‬الهرم الإجتماعي‮ ‬الموجود وخلفت وراءها ذلك الفقر الذي‮ ‬بعالج صوره في‮ ‬العديد من أعماله،‮ ‬وذلك العوز الذي‮ ‬يطالعنا به فيلمه الرائع‮ »‬الملاّحون‮« ‬
The Navigators
‮الذي أنجزه سنة 1002 وتم عرضه في مهرجان فانيسيا بنجاح فائق٠

كينيث لوتش

وُلد كينيث لوتش سنة ‮٦٣٩١. ‬والده كان عاملاً‮ ‬كهربائياً‮ ‬في‮ ‬مصنع للأدوات اليدوية‮. ‬لوتش لابد أستمدّ‮ ‬حبّه واهتمامه للطبقة العاملة من ملاحظته لعمل أبيه وتشرّبه الوضع العام لتلك الطبقة‮. ‬انضم الى سلاح الجو الملكي‮ ‬لعامين ثم درس القانون في‮ ‬جامعة سانت بيترز،‮ ‬في‮ ‬أكسفورد،‮ ‬لكنه في‮ ‬ذلك الحين أخذ‮ ‬يبدي‮ ‬إهتماماً‮ ‬بالمسرح والدراما‮. ‬وما أن أنتهت فترته الدراسية حتى كان تخلّى تماماً‮ ‬عن دراسته القانون وتوجّه للعمل في‮ ‬الإخراج المسرحي‮ ‬ثم انضم الى محطة‮ ‬
ABC
‮ ‬كمتدرب سنة ‮١٦٩١ ‬وانتقل الى محطة بي بي سي سنة 1963‮ ‬

قبل وبعد فيلمه الأول‮ »‬بقرة مسكينة‮«‬،‮ ‬داوم العمل لحساب التلفزيون البريطاني‮. ‬في‮ ‬الواقع،‮ ‬أعماله التلفزيونية أكثر عدداً‮ ‬من أفلامه السينمائية وهو لا‮ ‬يزال في‮ ‬رحى الإخراج والإنتاج التلفزيوني‮ ‬الى اليوم‮. ‬

إنه لهذا السبب‮ ‬يمكن سريعاً‮ ‬ملاحظة‮ ‬أن في‮ ‬نوعية الصورة التي‮ ‬ينفّذها وفي‮ ‬طريقة السرد الذي‮ ‬يؤدّيه ملامح تلفزيونية محدّدة قد تنطلق من الميزانية المحدودة التي‮ ‬يؤاثر العمل ضمنها،‮ ‬لكنها تمتد لتشمل إختياره للكاميرا وأسلوبها لتصوير الحكاية التي‮ ‬بين‮ ‬يديه‮. ‬ما‮ ‬يمتزج في‮ ‬هذا الشأن ثلاثة معايير مهمة‮: أولاً، خلفية كن لوتش الأساسية ليست سينمائية بمعنى التأثيرات الفنية كلاسيكياً‮ ‬او فنياً‮ (‬وهو‮ ‬يحترم لكنه لا‮ ‬يوافق على‮ »‬سينما المؤلف‮« ‬كما‮ ‬يقول‮)
‬و ثانيا، ‬منحاه التعبيري‮ ‬تسجيلي‮ ‬راصد لا‮ ‬يضع لنفسه أهدافاً‮ ‬درامية تلبّي‮ ‬الشروط الدرامية المعتادة٠
‬و ثالثاً، ‬أجواء عمله وتقطيعه مزيج من حرفة التلفزيون ومكتسبات الأسلوب التسجيلي‮ ‬المذكور‮.‬
قبل فيلمه السينمائي‮ ‬الأول ذاك، ‬أقدم لوتش على إنجاز فيلم تلفزيوني‮ ‬كتبه وأنتجه له توني‮ ‬غارنت‮ (‬الذي‮ ‬أنتقل مع لوتش الى السينما في‮ ‬بضعة أفلام قبل إنفصالهما‮) ‬عنوانه‮ »‬كاثي‮ ‬عودي‮ ‬الى البيت‮« ‬
Cathy Come Home
‮ ‬سنة ‮٦٦٩١ ‬واعتبر الفيلم بمثابة حدث كبير على صعيد الإنتاجات التلفزيونية كونه تعقّب عائلة اضطرت لتخلية سكنها والتحوّل الى الشوارع‮. ‬وينتهي‮ ‬الفيلم بمشهد مروع للمسؤولين الإجتماعيين وهم‮ ‬يفصلون الأم كاثي‮ ‬عن أولادها‮. ‬

‮ ‬المرأة
والوضع الذي‮ ‬تعاني‮ ‬منه المرأة البريطانية‮ ‬تكرّر في‮ ‬فيلمين مبكرين هما‮ »‬بقرة مسكينة‮« ‬و‮» ‬حياة عائلية‮«. ‬
‮»‬بقرة مسكينة‮« ‬هو الوصف الذي‮ ‬يُطلق على المرأة التي‮ ‬تحمل أعباءاً‮ ‬فوق طاقتها او تمتلك طاقة ذهنية محدودة‮. ‬والمرأة المعنية في‮ ‬الفيلم هي‮ ‬جوي‮ (‬كارول وايت‮) ‬المتزوّجة من توم‮ (‬جون بيندون‮) ‬الذي‮ ‬يتم إدخاله السجن بسبب عمليات نصب قام بها‮. ‬تتعرّف على شاب آخر‮ (‬ترنس ستامب‮) ‬الذي‮ ‬يمنحها عطفاً‮ ‬وحبّاً‮ ‬لكنه‮ ‬يُقاد الى السجن بدوره في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كانت بدأت فيه معاملات طلاقها من زوجها‮. ‬هذا الوضع‮ ‬يشكّل الحبكة التي‮ ‬تدور حوله ملاحظات المخرج الإجتماعية‮. ‬لكن الذي‮ ‬غلب على الفيلم هو الوضع الماثل على الشاشة وليس الوضع الأكثر المفترض في‮ ‬عمقها‮.‬
والمرأة في‮ ‬فيلمه الثالث‮ »‬حياة عائلية‮« (‬بعد فيلم‮ ‬
Kes
الذي‮ ‬تناول حياة صبي‮ ‬ضحية ذات الظروف الإجتماعية القاسية‮). ‬جانيس‮ (‬ساندي‮ ‬راتكليف‮) ‬في‮ ‬التاسعة عشر من عمرها،‮ ‬والدها‮ (‬بِل دين‮) ‬عامل وأمها‮ (‬غرايس كيڤ‮) ‬جهولة ومتمسّكة بتقاليد بائدة‮. ‬وكلاهما‮ ‬يحمّلان إبنتهما المسؤولية عما فشلا في‮ ‬إنجازه من أجلها‮. ‬لا‮ ‬يجدان أي‮ ‬خطأ فيما‮ ‬يرتكبانه بحقّها ويعفيان نفسيهما عن أي‮ ‬سلوك ضار‮. ‬وإذ تخفق في‮ ‬إيجاد عمل او الإحتفاظ به حين تجده،‮ ‬وإذ تحبل من عابر سبيل،‮ ‬فإن تبعات كل ذلك ملقاة عليها وحدها‮. ‬وكما كانت نهاية‮ »‬كاثي‮ ‬عودي‮ ‬للبيت‮« ‬مفجعة،‮ ‬فإن نهاية جانيس لا تقل ألماً‮. ‬بعد قليل من الأمل في‮ ‬أن‮ ‬يستطيع طبيب نفسي‮ ‬شاب‮ (‬مايكل ريدول‮) ‬النجاح في‮ ‬إعادة شيء من الإستقرار النفسي‮ ‬إليها‮ ‬يقوم المستشفي‮ ‬بإيقافه عن العمل ومعالجة جانيس بالعقاقير الكيماوية التي‮ ‬تحوّلها الى جثّة متنفّسة‮.‬
في‮ ‬هذا الفيلم أنتقد لوتش لا المؤسسة الطبيّة‮ (‬وهي‮ ‬حكومية هنا‮) ‬فقط،‮ ‬بل المؤسسة العائلية‮. ‬شقيقة جانيس الأكبر لم تنفذ من النهاية المماثلة الا لأنها هربت،‮ ‬لكن جانيس لم تستطيع أن تحذو حذوها ودفعت الثمن‮ ‬غالياً‮.‬

‮ ‬الأول
بعده،‮ ‬وبسبب الفشل التجاري‮ ‬الذي‮ ‬واجهه‮ »‬حياة عائلية‮« ‬غاب لوتش في‮ ‬ستديوهات التلفزيون‮ (‬حيث أخرج أربعة أفلام ذات نفس إجتماعي‮ ‬حاد‮) ‬حتى العام ‮٩٧٩١ ‬عندما أنجز‮ »‬بلاك جاك‮«‬،‮ ‬مغامرة فانتازية تقع أحداثها في‮ ‬القرن الثامن عشر‮ (‬وحيده في‮ ‬هذا الشأن‮). ‬في‮ ‬مطلع الثمانينات أخرج لوتش فيلمين متواليين‮ »‬مسؤول الصيد‮« ‬
Gamekeeper
‮ (٠٨٩١) ‬و»نظرات وابتسامات‮« ‬
Looks and Smiles
‮ (١٨٩١)‬،‮ ‬لكن لا‮ »‬بلاك جاك‮« ‬ولا أي‮ ‬من الفيلمين اللاحقين كان سهل التحقيق‮. ‬أولاً‮ ‬لأن السينما البريطانية كانت بدأت تشهد نكسة تجارية بعد فترة نشاط تجارية ونقدية في‮ ‬الستينات والسبعينات،‮ ‬وثانياً‮ ‬لأن شريكه توني‮ ‬غارنت كان ترك الشركة ليبحث عن نجاح أوسع في‮ ‬هوليوود‮ (‬أمر أخفق في‮ ‬تحقيقه فعاد الى لندن لكنه آثر البقاء منفصلاً‮). ‬ثالثاً،‮ ‬لأن البلاد بأسرها بدت كما لو كانت تبحث عن ذلك التغيير بعيداً‮ ‬عما كانت أفلام لوتش تحاول طرحه من مسائل‮. ‬
لكن حتى لو أن الأمور لم تكن على هذا النحو فإن‮ »‬مسؤول الصيد‮« ‬ليس بالفيلم الذي‮ ‬يمكن له أن‮ ‬يحقق نجاحاً‮. ‬شبه تسجيلي‮ ‬بلا عقدة‮ ‬يدور حول ضابط مدني‮ ‬مسؤول عن مواسم الصيد وكيف‮ ‬يعيش وكيف‮ ‬يتعامل مع الطبيعة والحيوانات الى حين‮ ‬غزو الموسم والصيادين وعبثهم‮.‬
‮»‬نظرات وإبتسامات‮« ‬عودة الى سينما المشاكل العائلية وتأثيرها على المراهقين‮. ‬بطله ميك‮ (‬فتى‮ ‬غير محترف أسمه‮ ‬غراهام‮ ‬غرين لم‮ ‬يعرف بعد ذلك أعمالاً‮ ‬أخرى‮) ‬لا عمل‮ ‬يؤدّيه سوى التسكّع والشللية وحين‮ ‬يلتقي‮ ‬بالفتاة كارن‮ (‬كارولين نيكولسون‮) ‬لا‮ ‬ينقله ذلك الا الى موقع عاطفي‮ ‬أعلى قليلاً،‮ ‬أما إجتماعياً‮ ‬فهو لا‮ ‬يزال مثقلاً‮ ‬بذات الأعباء‮.‬
مباشرة بعد هذين الفيلمين تعرّض لوتش الى تجربة صعبة‮. ‬لقد تحمّست‮ »‬قناة ‮٤« (‬التي‮ ‬كانت تأسست منذ مدّة قريبة‮) ‬لتحقيق فيلم عن الإتحادات العمّالية واختارت لوتش لتنفيذه وهو تحمّس بالفعل وأنجز‮ »‬اسئلة في‮ ‬القيادة‮« ‬
Questions in Leadership
‮ ‬الذي‮ ‬وجدته القناة‮ »‬قاسياَ‮« ‬و»من طرف واحد‮« ‬فقررت منعه‮.‬
بعده أخرج لوتش لحساب التلفزيون أيضاً‮ ‬فيما عن إضراب عمال المناجم،‮ ‬تبعاً‮ ‬لسياسة الدولة القاضية بخصخصة بعضها وإغلاق بعضها الآخر،‮ ‬فواجه أيضاً‮ ‬ذات الموقف ولو أنه عُرض فيما بعد‮. ‬وبدا الأمر كما لو أن خطّة لتحجيمه فقد كان مفترضاً‮ ‬به إنجاز مسرحية بعنوان‮ »‬الصهيونية،‮ ‬هلاك‮«‬،‮ ‬لكن المشروع سُحب منه‮ (‬ولا علم لنا بأن أحداً‮ ‬آخر نفّذه‮). ‬يومها أثار سحب المشروع منه ضجّة كبيرة على الصعيد الإعلامي،‮ ‬كما أثارت أعماله الممنوعة قبله ذات الضجة على أساس إنه منع رقابي‮ ‬في‮ ‬بلد‮ ‬يقدّس حريّة التعبير ويقدّر ملكية الفنان وحريّته في‮ ‬إبداء رأيه‮.‬

‮ ‬مفكّرة خاصّة
سنة ‮٦٨٩١ ‬أخرج لوتش‮ »‬الوطن‮« ‬
Fatherland
‮ ‬وفيه أبتعد لوتش عن المواضيع المحلّية وعالج موضوعاً‮ ‬أوروبياً‮ ‬حول مغن من ألمانيا الشرقية‮ ‬يلجأ للغرب هارباً‮ ‬من قبضة الرقابة في‮ ‬بلاده ليقع في‮ ‬قبضة التجارة في‮ ‬البلاد التي‮ ‬لجأ إليها‮. ‬الفيلم أخفق فنياً‮ ‬وتجارياً‮ ‬وأعاد لوتش الى المربّع الأول في‮ ‬مهنته‮. ‬لكن لوتش لم‮ ‬يتوقّف او‮ ‬يغيّر منحاه‮. ‬في‮ »‬رِف‮- ‬راف‮« (٩٨٩١) ‬وجدناه‮ ‬يتطرّق بتصميم واضح الى ذات المشاكل الإجتماعية التي‮ ‬قدّمها في‮ ‬معظم أعماله التلفزيونية والسينمائية من دون كلل‮. ‬

‬الريح التي‮ ‬هزّت الشعير

حتى ذلك الحين،‮ ‬تمتّعت أفلام لوتش بذلك الأسلوب القائم على المتابعة المتمهّلة للحركة التي‮ ‬يُترك للممثلين القيام بها بأقل قدر من التوجيه‮. ‬أفلام لوتش كلها الى الآن،‮ ‬كانت تقوم على تأمين شروط سرد تسجيلية المعالجة للقصص التي‮ ‬تُنتف من أوراقها الدرامية ومواقفها المتشابكة ما‮ ‬يخلق واقعاً‮ ‬موازياً‮ ‬للواقع الحياتي‮. ‬لوتش إبتكر لنفسه،‮ ‬وربما لغيره أيضاً،‮ ‬أسلوب المعايشة ليس‮ ‬بكاميرا تطارد الشخصيات من المطبخ الى الحمّام لتسمّي‮ ‬ذلك واقعية،‮ ‬بل عبر تصوير ما‮ ‬يهم وما‮ ‬يعني‮ ‬فعلاً‮ ‬وهو إختيار‮ ‬يتم من فعل الكتابة أساساً‮.‬
لكن لوتش في‮ ‬فيلمه التالي‮ »‬المفكرة المخفية‮« (٠٩٩١) ‬غيّر فجأة من هذا الأسلوب ولفترة وجيزة‮. ‬في‮ ‬ذلك الفيلم عمد الى شروط القصّة من أحداث ونقلات مونتاجية فاعلة ليعالج موضوعاً‮ ‬تشويقياً‮- ‬سياسياً‮ ‬يتعلّق بالسياسة التي‮ ‬مارسها الجيش البريطاني‮ ‬في‮ ‬أيرلندا الشمالية‮. ‬من شاهد ذلك الفيلم،‮ ‬وشاهد عودة لوتش الى ذات الموضوع‮ -‬ولو في‮ ‬زمن فيلمي‮ ‬آخر‮- ‬متمثّلة بفيلمه الأخير‮ »‬الريح التي‮ ‬هزّت الشعير‮«‬،‮ ‬يدرك الأسلوبين المختلفين تماماً‮ ‬ولو أن الرسالتين متشابهتان تماماً‮.‬
‮»‬المفكرة المخفية‮« ‬كان بداية جديدة على أكثر من صعيد‮. ‬أولاً‮ ‬بات لديه كاتب سيناريو أكثر حضوراً‮ ‬وتمكّناً‮ ‬من أي‮ ‬وقت مضى هو جيم ألن‮ (‬الذي‮ ‬كتب له فيلميه اللاحقين‮) ‬وثانياً،‮ ‬التحقت به منتجة معروفة هي‮ ‬سالي‮ ‬هيبين أرست اللعبة على قواعد تجارية صحيحة،‮ ‬وثالثاً،‮ ‬أرتبط بمدير تصوير كان‮ ‬يعرف ما هو المقصود وكيف‮ ‬ينجزه من دون تنازلات فنية ومن دون تغريب أفكار وأسلوب عمل لوتش‮. ‬هذا المصوّر هو باري‮ ‬أكرويد الذي‮ ‬عمل للوتش أكثر من مرّة فيما بعد‮.‬

‬المفكرة المخفية

من هنا وصاعداً‮ ‬شهدت سينما لوتش تغيّراً‮ ‬نوعياً‮ ‬رئيسياً‮.‬
ففي‮ ‬حين أن رسالاته بقيت سياسية‮ (‬تدعو للإشتراكية و تحتفي‮ ‬بها‮) ‬الا أن المعالجة أخذت تتبلور صوب وجهتين‮. ‬من ناحية هناك قدراً‮ ‬من المزاح ما‮ ‬يخفف من وطأة المادة الإجتماعية،‮ ‬وهذا ما نجده في‮ »‬رِف-راف‮« ‬و»حجارة ماطرة‮« ‬و»الملاحون‮«‬،‮ ‬ومن ناحية أخرى،‮ ‬هناك بعض التلوين الميلودرامي‮ ‬في‮ ‬أفلام مثل‮ »‬أغنية كارلا‮« ‬و»إسمي‮ ‬جو‮« ‬و-على الأخص‮- »‬لادي‮ ‬بيرد،‮ ‬لادي‮ ‬بيرد‮«. ‬
‮»‬رِف‮- ‬راف‮«‬،‮ ‬فيلم لوتش الثاني‮ ‬في‮ ‬ذات العام،‮ ‬هو في‮ ‬واقعه واحداً‮ ‬من أفضل أفلام تلك الفترة‮. ‬كتبه عامل بناء‮ (‬أسمه بِل جيسي‮ ‬وتوفّي‮ ‬خلال التصوير‮) ‬وضمّنه قصّة عدد من عمال البناء في‮ ‬مهمّة تحويل عدد من المنازل القديمة الى مساكن سيتم تأجيرها بأسعار مرتفعة حال إنجازها‮. ‬لوتش‮ ‬يلقي‮ ‬نظرة متفحّصة بأسلوبه المتمهّل وطريقة تصويره القائمة على المعايشة والقليل من المونتاج،‮ ‬على نماذجه وشخصياته‮. ‬الى جانب أن الحياة في‮ ‬الأساس صعبة،‮ ‬والمستقبل أمام كل هؤلاء‮ ‬يخلو من الأمل،‮ ‬فإن حقيقة أن العديد من هؤلاء العمّال مضطر للنوم في‮ ‬منازل مهجورة لأنهم أساساً‮ ‬بلا مأوى أمر‮ ‬يلطم المشاهد في‮ ‬الوجه ويضيف إليه المخرج التحليل السياسي‮ ‬في‮ ‬شخصية عامل‮ ‬يساري‮ ‬يحلل الوضع التحليل الذي‮ ‬يؤازر رسالة الفيلم ومنحى المخرج‮.‬
هذه كانت المرّة الأولى في‮ ‬فيلم رئيسي‮ ‬للوتش التي‮ ‬يخصص فيها المخرج مشهداً‮ ‬لطرح الموضوع الذي‮ ‬يدور الفيلم حوله طرحاً‮ ‬حوارياً‮. ‬بعد ذلك كررّه أكثر من مرّة وصولاً‮ ‬الى فيلمه الأخير‮ »‬الريح التي‮ ‬هزّت الشعير‮«). ‬من ناحية،‮ ‬يعرقل مشهد طويل كهذا سير الفيلم،‮ ‬لكن من ناحية أخرى،‮ ‬يلتحم مع منهج المخرج الإنتقادي‮ ‬والتحليلي‮ ‬للمجتمع الذي‮ ‬يتصدّى لمشاكله وقضاياه‮. ‬

‮ ‬لا تنازل
ولا‮ ‬يتوقّف لوتش عند حد الحديث عن العمّال وحدهم،‮ ‬بل‮ -‬وبصورة طبيعية‮- ‬يتداول مسألة البناء نفسه إذ‮ ‬يكشف الفيلم كيف أن متعهدي‮ ‬المشاريع التي‮ ‬ستوجّر بأسعار مرتفعة،‮ ‬لا‮ ‬يتركون مناسبة دون محاولة التوفير من خلال الإستغناء عن شروط الصيانة والسلامة‮. ‬ليس فقط أن العمّال،‮ ‬كقوّة بشرية متعددة،‮ ‬تخرج من عملية البناء من دون تقدّم في‮ ‬مسارها المهني،‮ ‬بل أن عملية البناء في‮ ‬شقّها الإقتصادي‮ ‬متآكلة بدورها قائمة على إستغلال العمّال واستغلال المستأجرين بعد ذلك‮.‬
أيضاً‮ ‬عاود لوتش التطلّع الى خارج الحدود لنشر رسالاته‮.‬
في‮ »‬أغنية كارلا‮» (٦٩٩١) ‬،‮ ‬ينطلق بطلا فيلمه الى أميركا اللاتينية،‮ ‬في‮ »‬أرض وحرّية‮« (٥٩٩١) ‬يصاحب المقاتلين الذين خاضوا الحرب ضد الفاشية الأسبانية في‮ ‬الثلاثينات لجانب أن كلا من‮ »‬المفكرة المخفية‮« ‬و»الريح التي‮ ‬هزّت الشعير‮« ‬يدوران في‮ ‬أيرلندا‮. ‬ولا ننسى أن إختيار لوتش حين طُلب منه الإسهام في‮ ‬فيلم‮ »١١/٩« ‬كواحد من إحدى عشر مخرجاً‮ ‬كل اختار الإنعكاس الخاص به حول ذلك الحدث،‮ ‬كان العودة الى التاريخ نفسه‮ (‬في‮ ‬سنة أخرى‮) ‬ليكشف ما وقع في‮ ‬تشيلي‮ ‬من مذابح قام بها العسكر وسقط عشرات الألوف من المواطنين والمثقفين ضحايا لها‮.‬
لوتش،‮ ‬في‮ ‬نهاية المطاف،‮ ‬هو السينمائي‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يتنازل قيد أنملة لا عن أفكاره ولا عن أسلوبه‮. ‬لقد تأثر بانصراف الناس عنه،‮ ‬بلا ريب،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يتنازل خشية التوقّف عن العمل،‮ ‬بل آستمر ليجد أن الناس التي‮ ‬انصرفت عنه في‮ ‬الثمانينات،‮ ‬عادت إليه في‮ ‬التسعينات ربما بعدما انكشف أمامها أن الأحلام الوردية التي‮ ‬تبدّت مع التغييرات التي‮ ‬حصلت أيام تاتشر،‮ ‬لم تحقق الأهداف المنشودة‮. ‬

الملاحون

لوتش لا زال أفضل من‮ ‬يعبّر عن هذه المتغيّرات وعن الأحلام التي‮ ‬ترتفع وتهبط معها‮. »‬الملاحون‮«‬،‮ ‬عن عمّال سكك الحديد‮ ‬يكرّر في‮ ‬الجوهر ما شاهدناه في‮ »‬رِف‮- ‬راف‮« ‬عن عمال المباني،‮ ‬إذ‮ ‬يكشف عن صعوبات العمل،‮ ‬وإنهيار الفرد بإنهيار النظام الذي‮ ‬كان‮ ‬يرعى مصالحه،‮ ‬وكيف أن الخصخصة تقتات على توفير النفقات ما‮ ‬يؤدّي‮ ‬الى مقتل أحد العمّال لعدم وجود ما‮ ‬يكفي‮ ‬منهم لمراقبة خطر مرور قطار سريع‮. ‬
قد‮ ‬يكون بعضنا ضد أفكاره،‮ ‬وربما ضد سينماه وما تمثّله،‮ ‬لكن القبّعة ترتفع عالياً‮ ‬لرجل لم‮ ‬يتراجع في‮ ‬زمن امتلأ بالتنازلات‮.‬


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



1 comment:

  1. very good blog, congratulations
    regard from Reus Catalonia Spain
    thank you

    ReplyDelete