May 9, 2009

ISSUE 412| The Cinema of Stanley Kubrick

في هذا العدد

  • اليوميات | عن كان وعبد الرحمن محسن وشبح الأوبرا
  • سنوات ضوئية | محمد رُضا عن السينما وسط الأعداء
  • نظرة أخرى | فزّاعة جيري تشاتزبيرغ { ميسر مسكي (العمود 1)٠
  • مخرج | سينما وأفلام ستانلي كوبريك | محمد رُضا
  • مقابلة | هوڤيك حبشيان يتحدّث الى داوود عبد السيد
  • تاريخ | البدايات الأولى للمؤثرات السينمائية | محمد رُضا
  • لديك بريد| عمود 2
  • رحيل | الكوميدي دوم دَلويس ما عاد بيننا٠
COVER|STORY


يتوجه الفيلم الروسي »إيفان الرهيب وفيليب المطران« او »قيصر« كما
بات عنوانه الجديد، الى مهرجان »كان« حيث سيعرض في التظاهرة
الموازية »نظرة ما«. هو فيلم للمخرج باڤل لونجين يتحدّث عن أول قيصر
حكم روسيا، وذلك في القرن السادس عشر، كما يؤديه أوليغ يانكوڤسكي
اما دور إيڤان الرهيب فذهب الى بيودر مامونوف٠


THE DAILY
11/3/09
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
FESTIVALS| Cannes
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأزمة و»كان«٠

الأزمة الإقتصادية تطل على مهرجان »كان« هذه السنة كما لم تفعل في أي عام مضى. حين تواصل وكالات استئجار الشقق الإتصال بك لما بعد الشهر الثالث من العام لكي تعرض عليك ما زال لديها، هناك مشكلة- حين تتوالى تلك الإتصالات حتى مطلع هذا الشهر (بل وبعد خمسة أيام منه) فإن المشكلة هي أزمة ملحوظة٠
لكن هناك معايير أخرى: الأزمة الإقتصادية الحالية تدفع شركات السينما المنتجة والموزّعة لتقليص عدد الذين يتم جلبهم للمكوث في المهرجان والبعض منها لن يجلب نجوماً تعينه على بيع أفلامه. الأسعار العالية في كل شيء وصلت الى سقفها في العام الأسبق ولا أعتقد أنها آيلة الى المزيد. وبعض المؤسسات غير التجارية (بما فيها مهرجانات سينما) سوف لن تشغل مكاتب وخيماً كانت منصوبة على الشاطيء وراء القصر الكبير٠

على أن هناك أخباراً جيدّة طبعاً، من بينها أن النخبة الكبيرة من الأسماء المعروفة عالمياً تشغل بال العديد من رجال الإعلام (الإعلام مشكلة أخرى إذ أن عدداً أقل من الصحف هذا العام لديها ما توفّره من كلفة في سبيل تغطية المهرجان الذي كانت تتنافس في الذهاب إليه)٠ والمخرجون من أمثال آنغ لي وجين كامبيون وبدرو ألمودوڤار ولارس ڤون تراييه يؤكدون، عبر كان، ان اللعبة لا تزال بيد المخرجين- ولو في المناسبة الحالية او في المناسبات المماثلة٠

بالنسبة للوضع خارج كان فإن الأزمة الإقتصادية العالمية ليس لها التأثير الكبير على الإنتاج الأميركي والأوروبي على الأقل. القرصنة لها تأثير أكبر بكثير مما انجزته الأزمة الإقتصادية لليوم وفرنسا قد تطرح حلاً يقضي بسحب رخصة استخدام الإنترنت من كل من يثبت أنه قرصن فيلماً على الإنترنت٠

الخبر الجيّد الآخر هو أن الإقبال على صالات السينما حول العالم لم يتأثر سلباً بل إيجاباً. الأرقام المسجلة أسبوعاً وراء آخر، وتلك المتوقّعة وقد بدأ الصيف السينمائي أعماله، عنت تجاوز مجمل الإيرادات حتى الآن عن نسبتها في الفترة ذاتها العام الماضي بمقدار تقول بعض المصادر أنه وصل الى 27 بالمئة وبذلك، وإذا ما سار كل شيء على ما يرام ومن دون مفاجآت انتكاسية، فإن الإيراد الكامل مع نهاية العام قد يزيد بالنسبة ذاتها او أكثر منها عن العام الماضي٠
هذا مهم وله علاقة أساسية بمهرجان كان: إنه استعراض كبير لكل شيء وأحد الأشياء هو كم تستطيع السينما-كل السينما مقاومة الأزمات المختلفة٠ والسينما النوعية لا تستمر ولا تتمادى الا بنجاح تلك التقليدية- او بوجود بمؤسسة حكومية تصرف عليها، وهذا غير مطروح بالطبع٠
PEOPLE| عبد الرحمن محسن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب عن الأمس الجميل

عبد الرحمن محسن كاتب سيناريو إذاعي وتلفزيوني وسينمائي وضع، فيما وضع سيناريو »زمن حاتم زهران«، أحد أفضل إداءات نور الشريف التلفزيونية الى اليوم، وهو المسلسل الذي نال نجاحاً نقدياً وتجارياً قبل سنوات ليست بالبعيدة. عبد الرحمن محسن، الذي يدير شركة قطر للسينما (توزيع عربي وعالمي) ويشرف على صالات الشركة ("مجموع عدد الصالات في الدوحة سيصل الى 40 صالة قريباً") يتحدّث اليّ في الدوحة عن مشروع سينمائي لا أمل له بموافقة رقابية عنوانه »قومي يا مصر«. العنوان وحده يدلّ على نوعه وفي باله مشروع تلفزيوني ولديه فوق هذا وذاك هناك كل تلك الذكريات التي في باله كونه عاصر بعض أفضل أيام الممثلة الراحلة سعاد حسني٠
استمع الى خبرته وتاريخه وتفانيه وأتساءل إذا ما كان أحداً في عالمنا يهتم بأن يكون للسينمائي الخالص ما هو جدير به من تقدير .... او يا أخي مجرد تذكّر او ذكرى٠ ليس أنه ينشدها او أنه بحاجة مادية او معنوية- فهو يعمل على عدّة مستويات ولا يزال مطلوباً، لكن إذا كنا نتجاهل أثمن ما في الحياة وهو تاريخها، كيف سنتولّى الإعداد لمستقبل أفضل؟
عن نور الشريف يقول عبد الرحمن محسن: " ملتزم ومن نفس الجيل ويعيش أحلام الفترة الذهبية للسينما المصرية"٠ والكاتب عرف عن كثب الراحلة سعاد حسني: "مثلت من كتابتي ستّة أعمال وكانت مهنية من الدرجة الأولى- رحمها الله"٠


PROJECTS | تأخير فيلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحد الأفلام التي كانت مبرمجة للبدء بتصويرها هذا العام هو جزء ثان من »شبح الأوبرا« كإستكمال للمسرحية التي قام بوضعها البريطاني أندرو لويد وبر والتي انتقلت الى فيلم أميركي قبل أربع سنوات بإخراج من جووَل شوماكر لم يحقق أي نجاح جدير بالإحتفال
هذا لا يوقف المحاولة لإنجاز جزء موسيقي جديد، لكن المشكلة هي أن هناك خلافاً حول العملية الموسيقية ما يجعل الفيلم، الذي من المفترض أن يخرجه جاك أوبريان تحت عنوان »الحب لا يموت« يتأخر في دخول التصوير من خريف هذا العام الى مطلع العام المقبل






سنوات ضوئية | الرقابة تقود المعركة ضد السينما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على اختلاف مناهج الحكم في الدول العربية، فإن الموضوع المتّفق عليه بين معظم هذه المناهج هو أن الرقابة على الإبداع وعلى السينما عملية يجب أن تستمر. وما حدث مع الإعلامي حمدي قنديل هو حلقة في سلسلة مفتوحة النهاية تنتظر حلقة أخرى تنضم إليها٠
لكن المسألة بعيداً عن التسييس هي خطيرة للغاية وخطرها محسوب على الدول المتعسّفة أكثر من غيرها لأن المسألة باتت في أن يستطيع البلد الذي تتعرّض حريّة التعبير فيه الى القضم والإبداع الى الهدم أن يعتمد على نفسه في المستقبل لأجل تطوير ملكية الفرد المستقلّة وقدرته على الإنفتاح وترك الأثر في الغير والتواصل مع الآخر من منطلق ثقافي متواز. وإذا ما بدت هذه الأمور ليست ذا أهمية عند البعض، فلإن الحال القائم يريد أن يبرهن أن النظام الوحيد الآيل للتطوير هو نظام الإستهلاك والمنفعة الفردية. بقدر ما تكون قادراً على تحويل علمك في المجال التجاري الذي تشغله الى مهنة ناجحة، بقدر ما تزداد ثراءاً وبقدر ما تزداد ثراءاً بقدر ما تؤيد هذا الظرف الذي أوصلك الى ذلك الثراء

لا أحد ضد الثراء بحد ذاته، لكن هناك »ثراءات« أخرى عليها أن تنتشر انتشار الثراء المادي. هناك الثراء الثقافي وهذا ينقسم الى كل شأن وجانب من جوانب العملية الثقافية الإجتماعية والفكرية: المسرح والسينما والتلفزيون والشعر والرواية والرسم والنحت والموسيقا. وحين أقول السينما ففيها الكتابة والإخراج والتمثيل والتصوير والموسيقا والمونتاج وباقي الجوانب التي تتألّف منها. هذه الجوانب مثل ردهات تؤدي الى بعضها البعض ولا يمكن أن يكون الحال جيّداً في أحدها او في بعض منها، ولا يكون كذلك في بعضها الآخر٠
لكن الإنتاج يتبع حالياً النظام الإثرائي المعمول به في عدد من الدول العربية، بحيث ينحصر تماماً عن الأعمال ذات الإختلاف التي لا تؤدي الى زيادة ثراء الشركة المنتجة. وما كان مأمولاً به أن يحدث من عودة محمد خان وخيري بشارة وداوود عبد السيد وسواهم الى السينما بأعمال تتخلّص من العبء التجاري لا يزال مؤجلاً كون الإيمان بهذا المنحى غير متكامل الى الآن٠
لكن كيف يلتقي الإبداع المحاصر من قبل العملية الإستهلاكية المتّبعة بالرقابة لا في مصر وحدها بل في شتّى دول المنطقة؟ يلتقي عن طريق أن فتح الحرية الإنتاجية لأفلام جادّة هو بذاته معاد لفكرة فتح الحرية لأفلام تطرح ما تريد. وإزاء ذلك، فإن المخرج الجاد إذا ما واتته فرصة نادرة لتحقيق الفيلم الجاد الذي يريده لم يستطع تجاوز الشرط الرقابي الجاهز بعدم تحقيق ذلك الفيلم الا ضمن ثوابت لم يلق إليها بالاً٠ بذلك لم يفده أن أحداً يتبع مؤسسة خاصّة او عامّة، فتح محفظته وقال له خذ واعمل فيلمك٠
الرقابة في الدول المنتجة للأفلام تقوم بمهمّة أخرى: إنها تشتغل، بصورة غير مباشرة، لحساب المتطرّفين الذين لا يريدون لأي سينما أن تنتشر. لكن هل تلاحظون معي أن احتجاجات هذه الجماعات على أفلام ذات قيم فنية وفكرية هي أعلى من احتجاجاتهم على الأفلام الرديئة التي يحبّذها المنتج وتسمح بها الرقابات من دون مشاكل؟ بطريقة غير مباشرة أيضاً، فإن تلك الأفلام السقيمة تؤيد المنطلق المعادي لها بين الجماعات المحافظة على أساس أنها برهان على أن السينما مفسدة للمباديء والأخلاق الخ....٠
الصورة معقّدة ومتشابكة لكنها تتّضح إذا ما عمدنا الى أقلام التلوين وقسّمناها على الشكل التالي
من ناحية هناك الجماعات المتطرّفة التي تمانع السينما٠
من ناحية هناك رجال الأعمال المحدودين الذين لا يهمّهم خدمة الوطن بتشجيع الأفلام الفنية او الإبداع الفكري في أي إتجاه٠
من ناحية هناك الرقابة: التمثيل الحكومي في موضوع ما يقوله المبدع وما لا يقوله٠
في الوسط. تكمن السينما تحارب على ثلاث جبهات. قل أربعة لأن الأغبياء من السينمائيين الذين يعتقدون أنهم بمنأى عن المسؤولية وأنهم إنما ينفّذون تعاليم هذا وذاك ويحذرون من إثارة نقمة أي كان هم جهة رابعة بالفعل٠

م. ر.


مخرج | فن ستانلي كوبريك: الروح والجنس والإنسان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

كوبريك خلال تصوير "أوديسا الفضاء" ٠
بعد وفاة المخرج ستانلي كوبريك في الثالث من آذار (مارس) سنة 1999 ازداد عدد الكتب الصادرة عنه وعن أفلامه في الغرب.
في الولايات المتحدة وحدها، وفي غضون السنوات الخمس الأخيرة فقط صدرت عشرة كتب (هذا بمعدل كتابين عنه في العام)٠ وفي بريطانيا ما لا يقل عن أربعة كتب في العام الماضي ومطلع هذه السنة٠ والمرء يستطيع أن يذهب الى موقع أمازون لمعرفة ماذا صدر عنه خلال السنوات الأخيرة في فرنسا او ايطاليا او أسبانيا والمانيا من بين أخرى٠

الإهتمام بستانلي كوبريك محسوب وفي مكانه الصحيح. لقد كان مبدعاً خلاّقاً، فناناً رائعاً، سينمائياً نافذاً وكان لا أحد -والكلمة تعني ما تقول- لا أحد يستطيع أن يفرض عليه رأياً. حتى هوليوود ذاتها كانت تتركه وشأنه رغم أن رؤساء الاستديوهات التي تموّل أفلامه (وورنر في الآونة الأخيرة) كانوا يحورون ويدورون فوق كراسيهم قلقين على النتيجة. ففي نهاية المطاف، عبقري السينما او مجنونها (يعتمد ذلك على موقعك منه) يصرف من كيسها ويحقق أفلامه بحرية كاملة٠ حتى ستيفن سبيلبرغ عليه أن يتوخّى الحذر وقد يستجيب لرغبة هذا الطرف او ذاك٠ كوبريك؟ إذا أراد تصوير ذبابة تقف على حائط لدقيقة كاملة فإن أحداً لن يستطع تغيير رأيه او حذف ثانية٠

لكن كوبريك لم يكن مخيفاً بقدر ما كان خائفاً. تستطيع أن تدرك ذلك من كل تلك الحواجز والروادع التي كان يقيمها حول نفسه وحول أفلامه. ليس أن عقوده المبرمة تخوّل له ملكية الكلمة الأخيرة حيث لن يستطيع الاستديو مطلقاً التدخل لإضافة او حذف او لتغيير أي ربع لقطة في الفيلم فقط، بل أن هذه الحماية التي كان يؤسسها لنفسه كانت عكساً لعدم ثقته بنوايا الآخرين او بقبولهم وحرصهم على ما يود تحقيقه. لجانب العقود كان لا يسمح لأحد من العاملين معه أن يتفوّه بكلمة واحدة عن الفيلم الذي ينجزه ولا يمنح إذناً لمصوّر صحافي التقاط صورة او لصحافي أخذ حديث٠ الديكورات نفسها لم يكن مسموحاً لاستديو التصوير بإبقائها. عليها أن تهدم. وهو كان يحرص على أن يكون محور كل شيء٠

بعض عنايته هو أيضاً يتضمّن تفسيراً لذلك الخوف الذي كان يعتريه على أعماله. معظم النقاد كانوا يعتبرونه مقلّا، لكن بعض الحقيقة هي أن بطأه لم يكن عادة، ولا كسلاً. لجانب أنه كان دائم القراءة والاستزادة من التاريخ والثقافة، كان يخطط بهدوء ويرسم تصوّراته لكل مشهد ويبتعد عن المشروع ويعود اليه كما الرسّام، كما الموسيقار.... كما الفنان٠

الخوف على جرعات
كوبريك جعلنا نخاف المستقبل ونحتار فيما يعنيه حين أقدم، سنة 1968 على إخراج
2001: A Space Odyssey
ثم تركنا في عهدة الخوف أكثر حين قدّم »كلوكوورك أورانج« سنة 1971 قبل أن يميل الى التاريخ ويعيد طرح تساؤلات فيه حين قدّم »باري ليندون« بعد أربع سنوات، ليعود -بعد خمس سنوات منه- لتنفيذ قصّة كتبها ستيفن كينغ مكرراً وصفاته الإفزاعية من رواياته السابقة، كما لو لم يكن لها علاقة بالأصل٠
الواقع أن الخوف كان من بين مهارات المخرج من دون أن يكون مخرج أفلام رعب تشويقية مثل هيتشكوك، دي بالما، جورج أ. روميرو او سواهم،. تخويفه كان عبر نوافذ عدّة. تدخل الفيلم ولا تدري ما الذي تتوقّعه. لكنه يأتيك على أكثر من نحو٠
يأتيك في
Dr. Strangelove or: How I Learned to Stop Worrying and love the Bomb
من خلال تلك النظرة التي يلقيها على السياسة العسكرية للولايات المتحدة وحتمية -او ما بدا حتمياً في أواخر الستينات، حين أخرج ذلك الفيلم عن سيناريو كتبه عن رواية لبيتر جورج عنوانها »ساعتان للتهلكة«، إلقاء قنبلة نووية على العدو السوڤييتي ما سيدفع ذاك بالرد. المخيف هنا ليس مشاهد دمار عنيفة ولا أن كوبريك كان يؤطّر ما يدور واقعياً لدرجة أن الصورة المستمدة كانت لابد ستثير الفزع بين الناس فيتركون الصالة وفي بالهم أن نهاية الدنيا باتت قريبة٠ على العكس، جعلهم كوبريك جزءاً من اللعبة الخيالية الضاحكة التي لن تستأذنهم يوم تقع الواقعة وهذا ما قد يثير الخوف أكثر مما لو تنبّأ بأن هذا الذي سيحصل بلا ريب وترك الناس لحساباتها بعد ذلك٠
والخوف يأتي على جرعات موحشة في »كلوكوورك أورانج« (عن كتابة لأنطوني بيرجز) هنا يقيّد كوبريك مشاهديه أمام عنف حاصل ضد المجتمع ثم عنف المؤسسة على هؤلاء بحيث تدور تلك الساعة حول نفسها تصنع وحوشاً وضحايا في الوقت ذاته٠

سكاتسمَن كروذرز في »اللمعان«٠

وفي »اللمعان« عن رواية ستيفن كينغ، كما ذكرنا، فإن المشاهد الذي قرأ الرواية له حق التوقّع بأن يشاهد فيلماً عن الأشباح والأرواح، لكن المخرج وجد في صميم الرواية عملاً عن الإنسان والذاكرة والوحدة٠ على نفس الصعيد، لم يدر أحد ما الذي سيتوقّعه حين أخرج رواية غوستاف هارفورد »ذوو المرّات الثانية«٠
The Second Timers
تحت عنوان »سترة معدنية كاملة«. كانت حرب فييتنام قد انتهت وكان فرنسيس فورد كوبولا أخرج تحفته التي ما بعدها تحفة عن تلك الحرب وهي »سفر الرؤيا .... الآن«، فما الذي يستطيع كوبريك إضافته هنا؟ الجواب كان تصوير جنون تلك المؤسسة التي تدفع بأبنائها الى الحرب والحياة القصيرة لهؤلاء الجنود في رحى المعارك. لكن ما بين دفّتي الفيلم (المقسّم لنصفين: واحد يدور في معسكرات التدريب والثاني في أرض فييتنام) صوّر شيئاً آخر: صنع الرجولة واكتشاف وهمها: المؤسسة تريد رجالاً يحاربون. حين ينزلون للحرب تصطادهم إمرأة وأول إصاباتها على تلك الأعضاء الذكورية التي تشغل بال الرجال٠

»ممرات المجد«

هنا -في هذا الفيلم- يطل الخوف في لقطات عصيبة مثل تلك التي ينتحر فيها المدرّب بعدما أهين مراراً وتكراراً من قبل الرقيب٠ ثم ينساب مثل الدماء في ذلك المشهد الشهير من »اللمعان« في أرض المعركة حين يسقط أول ضحية ثم الثاني، وقبل ذلك في الإنفجار الذي يطيح ببعض الجنود٠

ضد المؤسسة
لكن كوبريك ليس أفلام »د. سترانجلوف« و»2001 أوديسا الفضاء« وما بعدهما. كوبريك هو أيضاً المخرج الذي انطلق سنة 1955 بفيلم»قبلة قاتل« ومنه صنع بعد عام رائعة بوليسية أخرى بعنوان »القتل« منتقلاً بعده الى فيلم حربي (»ممرات المجد«- 1957) ثم الى التاريخ الروماني (»سبارتاكوس«- 1960) ثم الى تلك الدراما العاطفية الأخاذة للكاتب ڤلاديمير نابوكوڤ»لوليتا« سنة 1962

سو ليون وجيمس ماسون في »لوليتا«٠
كوبريك كان دائماً سيّد الرواية التي يختارها. لا يلتزم بما تسرده او بكيف تسرده بل يسحب منها خطوطاً تفي بتصميمه لها٠ تستجيب لنظرته الى كيف يريد لهذا الفيلم أن يكون٠
مثل كثيرين من سادة السينما، فإن اختياراته من اللقطات وسياسته التصميمية للمشاهد هي أكثر من مجرد إختيار مكان الكاميرا وزاوية اللقطة وماذا يدخل او يخرج من المشهد المصوّر. وإذا كان المرء يتعلّم من مقدّمات أفلام مايكلأنجلو أنطونيوني كيفية الإنطلاق من الخاص الى العام، فإن تلك التي يعمد اليها المخرج تستكشف الأوضاع الغريبة قبل سواها، كما لو أن التعليق على ما سيحدث لم يبدأ مع الفيلم بل في مكان ما من التاريخ نفسه٠
أن يسارع المرء للقول أن المخرج كان ضد الحرب وضد المؤسسة فإن ذلك سهل لكنه في ذات الوقت ضروري. لكوبريك فيلمين عن الحرب المباشرة. الأول »ممرات المجد« الذي قام كيرك دوغلاس ببطولته والتحق به كل من رالف ميكر وأدولف منجو (1957). نحن على خط التماس من الجهة الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى. الكولونيل داكس (دوغلاس) يرفض الإنصياع لأمر الجنرال برولار (منجو) بالهجوم على الألمان لأنه وجد ذلك إنتحاراً واستهتاراً بأرواح الجنود. الواقعة تؤدي الى مجابهة حين تتحوّل حرب الجنرال الى واحدة بينه وبين جنوده ويصبح الإنتصار المرجو هو تسجيل الموقف لصالحه. في ذلك تتوالى صور الحرب وصور الهزيمة جنباً الى جنب ويسجّل كوبريك الرسالة المعادية للحرب- وهي رسالة تختلف كلماتها عن تلك التي في فيلمه (الحربي) الثاني »سترة معدنية كاملة« كما ورد قبل قليل حين الحديث عن ذلك الفيلم٠

لقطة من "القتلة": لصوص جيّدون


المؤسسة متّهمة أيضاً في »سبارتاكوس« و»باري ليندون« وفي »كلوكوورك أورانج« وبالطبع في »دكتور سترانجلف». وبصور كثيرة. المرء يستطيع أن يقول أن »اللمعان« هو -في واحدة من محصلاته- أيضاً ضد المؤسسة. أي مؤسسة؟ الزوجية؟ الإجتماعية؟ كلاهما؟٠
الجواب يكمن في أن كوبريك لم يكرر الفيلم نفسه في كل مرّة. إذا تعاملت مع أفلامه كأنواع سينمائية على
Genre أساس مفهوم الـ
ستجد أنها، في معظمها وعلى قلّتها، مختلفة: فيلمه الأخير »عينان مغلقتان بإتساع« (1999) دراما تشويقية بينما »سترة معدنية كاملة« و»ممرات المجد« حربيّان. »قبلة قاتل« و»القتلة« بوليسيان، في حين أن فيلمه »لوليتا« عاطفي و»دكتور سترانجلوف« كوميدي ساخر بينما »2001: أوديسا الفضاء« خيال علمي و»اللمعان« رعب و»باري ليندون« يلتقي و»سبارتاكوس« من الزاوية الواسعة للفيلم الملحمي والتاريخي
على ذلك، الأمر المتكرر أكثر من سواه في كل هذه الأفلام هو العنف والجنس. ليس كخطّين تدور الأحداث حولهما، بل كوجهي عملة واحدة القابض عليها هو المؤسسة الحاكمة. وهي مؤسسة دينية هنا، عسكرية هناك، بوليسية في فيلم ثالث، حكومية في فيلم رابع، الخ....٠

العنف والجنس
في فيلمه الأول »قبلة قاتل« نجد ملاكماً (فرانك سيلفيرا) يعيش وحيداً في شقّته الفقيرة يتدخّل لإنقاذ إمرأة تعيش في الشقّة المقابلة أسمها غلوريا (إرين كاين) من رجلها العنيف (جامي سميث)٠ عنف ذلك الرجل ممتزج بالجنس. تدخّل الملاكم لإنقاذها (والسجال اللاحق بينه وبين الرجل الآخر) يحمل ذات المزيج٠
في فيلمه الثاني، والأفضل »القتل« (1956) نجد كوبريك في وضع مختلف تماماً حيال ما يعرضه. القصّة لا تدور عن المؤسسة الزوجية. إن كانت هناك مؤسسة قائمة بقوّة فهي تلك الشركة التجارية التي تدير سباق الجياد والذي ينوي جوني (سترلينغ هايدن) سرقتها خلال السباق في يوم مخطط له جيّداً. لن يفعل جوني ذلك وحده، بل سيستعين ببضعة أشخاص يسهّلون تلك المهمّة ليتقاسم الغنيمة معهم. من بين هؤلاء الموظّف البسيط في الملعب جورج (إليشا كوك الذي يحتاج لمقال سيكون فريداً من نوعه تبعاً لعدد الأفلام التي مثّل فيها شخصية المهدور حقّه والممسوحة شخصيّته المتلائمة مع قصر قامته وقلق تعابير وجهه). جورج متزوّج من شيري ويعيش وإياها في غرفة واحدة في المدينة. شيري (ماري وندسور- هند رستم الخمسينات) متأفئفة من وضعيهما الإجتماعي. من الفقر والحاجة. تحاول إنقاذ ما تستطيع بالإعتناء بماكياجها في المراة حين يكون زوجها حاضراً، وحين يغيب تغيب في حضرة عشيقها. وهي تشعر أن زوجها مقبل على شيء لا تعرف ما هو. يخبرها أنه لا يستطيع أن يبوح لها بما سيفعل، لكنه سيستطيع -في النهاية- تعويضها عن صبرها معه٠
شيري تلح وهو ضعيف. شيري تستخدم أنوثتها (الجنس) وهو يستجيب متخلّياً عن إصرار جوني على سريّة الموضوع٠ لكن شيري لا يكفيها تعويض مادّي. تريد تعويضاً ذكورياً متمثّلاً بشخص عشيقها فتخبره عن السرقة المحتملة والأحداث بعد ذلك تصبح أكثر دكانة٠
الجنس نجده أيضاً في »لوليتا«: سقوط الكبير في حب الصغيرة (ولو أن المخرج رفع سنّها من إثنتي عشر عاماً الى نحو ستة عشر عاماً) واهماله أمها التي تماثله سنّا. هو أيضاً في عجز سترلينغ هايدن في »دكتور سترانجلوف« الشامل (بما في ذلك عجزه الجنسي) لاعباً دور الجنرال الذي يأمر بتوجّه الطائرة النووية لضرب العدو الشيوعي٠ في »2001« كامن في الصراع الكبير بين الإنسان والكومبيوتر والى ما سيؤول إليه صراع المؤسسة البشرية ضد الكومبيوتر٠
والحديث عن الجنس في »كلوكوورك أورانج« بات متكرراً اليوم ومكشوفاً. لكن هنا أيضاً نلاحظ أن المخرج الذي ووجه بمنع هذا الفيلم في بريطانيا (ومنع فيلمه السابق »لوليتا«) كان حاول أيضا استباق قرار الرقابة بجعل واقعة الإغتصاب التي يقوم بها الشاب الأرعن أليكس (مالكولم مكدووَل) تقع ضد إمرأتين وليس ضد فتاتين صغيرتين كما ورد في الرواية التي وضعها أساساً أنطوني بيرجز٠

عينان مغلقتان بإتساع

كذلك فإن العنف والجنس موجودان في »الاللمعان« ومنتميان كذلك الى المؤسسة بواجهتيها الزوجية والإجتماعية٠ وهو بالتأكيد في فيلمه الأخير »عينان مغلقتان بإتساع« حيث علاقة الزوجين (توم كروز ونيكول كيدمان) من الجمود بحيث كل شيء في حياتهما يصبح -كديكور الفيلم- بارداً لا حياة فيه والعنف آت من تلك البرودة وبسببها٠

الخطر الذي يقتات
طبعاً لجانب هذا الخط المزدوج حول الجنس والعنف واتصالهما بمؤسسة غير عادلة، والى كوبريك الحديث عن مواضيع أساسية في أفلامه محوّلاً أعمالاً كان يمكن إخراجها عادية من قِبل مخرجين آخرين لو سنحت لهم فرصة تحقيقها عوضاً عنه٠ »أوديسا الفضاء« عن الإدراك العقلي والآفاق غير المنتهية تبعاً لكل مرحلة تاريخية او بشرية مرّت على الإنسان، والصراع حول ذلك الإدراك بين الحيوان والحيوان أولاً، ثم بين الإنسان والإنسان (الأميركيين والروس) ثانياً ثم بين الإنسان والعلم ثالثاً قبل أن يواجه الإنسان ذاته في نهاية الأمر٠
حين يأتي الأمر لفيلم كوبريك الشهير »اللمعان«، فإن الحكاية المختلفة عن تلك الموجودة في الكتاب تستمد خوفها من موضوع الوحدة. وحدة الصبي (داني لويد) مع نفسه وتخيّله ووحدة أبيه (جاك نيكولسون) مع نفسه وجنونه. من الذي سيوقف هذا الخطر عند حدّه؟ الصبي وأمّه (شيلي دوڤال) هما ضحيّتي ضعفهما الإجتماعي (كما في الواقع). الخطر آت من الرجل سواء قبلنا به صورة للمؤسسة خلف- خلف- خلف الصورة الماثلة او لا٠
من يهب لمساعدتهما هو الموظّف دِك (الراحل سكاتمان كروذرز) الذي يستمع الى الصبي ويخبره (كما في قصّة ستيفن كينغ) أنه يفهمه تماماً وأن تلك الصور والأصوات التي يسمعها هي »اللمعان« التي يعيشها البعض فقط. لكن دِك هو شخص أسود (وكبير سنّاً) والأسود والكبير هما أيضاً ضحايا إجتماعية. بالتالي، الفيلم هو عن هذا الخطر الذي يقتات على أقرب الناس اليه. جاك نيكولسون حامل الفأس الذي يستخدم العبارة التي يرددها كل يوم ملايين الأزواج
Honey.... I'm home
كمفتاح قلب إنما يقصد هذه المرّة قتل الأقرب اليه (زوجته وإبنه) مستخدماً أعنف وسيلة (فأس). حين يتحرّك دك للنجدة، ينال العقاب٠
لكن كما مرّ معنا، فإن نظرة المخرج الى المجتمع والمؤسسة صاحبت كل أعماله من بدايتها. ما جعل رسالاته في هذا الخصوص تبقى في البال ليس أنها رسالات قويّة بحد ذاتها (رسالات ستانلي كرامر قويّة لكنها مرّت عابراً) او حازمة (رسالات نورمان جويسون حازمة ولكن...)، بل أنها دائماً معتنى بتقديمها وبلورتها في تصاميم مشهدية بارعة٠
على عكس هيتشكوك مثلاً، رأينا كوبريك وقد انتقل بين الأنواع كما سلف القول. لكن هذا الإنتقال لدى البعض يعني الإستجابة لمعطيات اللون السينمائي والصياغة المكتوبة. بينما عند كوبريك تحدِ لإيجاد إطار كبير جدّاً يتّسع للمختلف هذه المرّة (الفيلم) عن المرّة السابقة (الفيلم السابق)٠
مرّة أخرى الى »القتل«٠

مع اللص المسكين
إنه فيلم سرقة مخطط لها كما ذكرنا. جوني سيقودها محيطاً نفسه بعدد من الشخصيات. هناك صديقته التي كانت تنتظر خروجه من السجن بصبر وطيبة (كولين غراي) وهناك الشرطي (تد ديكورسيكا) الذي يقبل العمل مع العصابة لتوفير الغطاء ولو لبعض حين، ثم هناك الموظّف الضعيف (إليشا كوك) والموظّف الطيّب المتزوّج من إمرأة مريضة ويحاول إسعافها بأي وسيلة (جو سوير)٠
هناك شخصيات قليلة أخرى، لكن الجامع بين هذه المذكورة أعلاه ما تعبّر عنه إجتماعياً: شخصيات طحنتها الضائقة. جوني الذي لا يزال يحبو بحثاً عن العملية الأخيرة. فتاته التي تحبّه وراضية به من دون ثروة، والمحاسب الذي يحاول إرضاء زوجته، والآخر الذي يحاول إنقاذ إمرأته من الموت٠
زوجة المحاسب، كما ورد معنا، تتسبب في انهيار الأحلام كلّها. لكن وجهاً إجتماعياً إضافياً يتدخّل لوضع الكلمة الفاصلة والحزينة لكل شيء. يؤول المال كلّه الى جوني (كل أتباعه يموتون قتلاً). يحاول الهرب به مع صديقته. في المطار يضطر لتسليم الحقيبة المحشوّة لموظّف شركة الطيران. حينها كان المسافرون ينتظرون خارج الباب المؤدي الى المدرج لكي يتوجّهون الى الطائرة. حقيبة جوني تعلو الحقائب فوق العربة السيارة التي ستتجه الى الطائرة المقبلة ذات المروحين٠ إمرأة بالغة الثراء (لا علاقة لها بالأحداث السابقة) تحمل كلياً مدللاً يفلت منها راكضاً في أرض المطار. سائق العربة يحاول تفاديه. تنقلب الحقيبة وتنفتح حين تضرب الأرض. كل المال يتبعثر طائراً في الهواء مع اقتراب الطائرة وبفعل مروحتيها. كل الأحلام، من حياة مقبولة الى حب متبادل، الى حريّة اجتماعية الى استقلال مادي ... كلها وغيرها تنتهي بفضل إمرأة ثرية وكلبها٠ لا عجب أن هذا الكاتب كره الكلاب منذ أن شاهد الفيلم لأول مرّة صغيراً في مطلع الستينات، ولا عجب أيضاً أن هذا الناقد تعاطف، منذ ذلك الحين، مع اللص المسكين الذي يدفعه الفقر للسرقة. المجرم الوحيد الذي لا يستحق، في منظور له وعليه، العقاب طالما أنه ليس وسيماً ومتشاطراً ودون جواناً او -بكلمة أخرى: طالما أنه ليس أحد أبطال سلسلة »أوشن« التي أخرجها في هذا العقد ستيفن سودربيرغ٠
وما فعله كوبريك شكلياً لهذا الفيلم لم يفعله في أي فيلم آخر٠
لقد روى بعض المواقف (تلك المتعلّقة بعملية السرقة ذاتها) من عدّة وجهات نظر. صحيح أننا نرى الحدث نفسه أكثر من مرّة، لكن في كل مرّة من زاوية سرد مختلفة تعبّر عن نفس مختلفة. الإعادة تؤكد منحى كل شخصية وأسباب قيامها بالإشتراك في العملية. تشيد تعاطفاً حيّاً في الوقت الذي يشيد الفيلم فيه شكلاً سينمائياً للسرد يقترب ويبتعد في الوقت ذاته مع ذاك الذي شوهد في تحفة أكيرا كوروساوا »راشومون«، الفيلم المنجز قبل ستة أعوام من تحفة كوبريك هذه٠


مقابلة | داوود عبد السيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان

قبل أيام قليلة، انتهى داوود عبد السيد في مدينة الاسكندرية من عملية التقاط مشاهد فيلمه "رسايل بحر"، الذي كان في جعبته منذ ما لا يقل عن ثمانية اعوام. ولعل وفاة أحمد زكي، الذي كان من المفترض أن يضطلع بدور البطولة فيه (استبدل لاحقاً بالممثل الشاب آسر ياسين)، أخرت تحويل نصّ عبد السيد شيئاً
ملموساً، ولا سيما ان صاحب "ارض الخوف" مقلّ اذ لم يأت بأيّ جديد منذ "المواطن والمخبر والحرامي"٠

البداية التسجيلية
من هو عبد السيد الذي عبثت أفلامه بالقوى التي تريد فرض الوصاية على المجتمع المصري، وكيف أصبح واحداً من أهم السينمائيين في مصر؟
خرج عبد السيد الى الفنّ السابع حين كان طالباً في المرحلة الثانوية واصطحبه ابن خالته الى "استوديو جلال" القريب من مسكنه في مصر الجديدة لمشاهدة تصوير أحد أفلام أحمد بدر. وسرعان ما تحول الفضول الى شغف فدخل معهد السينما وتخرج ثم عمل مساعداً ليوسف شاهين في "الأرض"، فكمال الشيخ في "الرجل الذي فقد ظله" سنة 1967 ومن ثم عمل مع المخرج ممدوح شكري ولكنه لم يستسغ إكمال المشوار معه مساعداً وشعر ان خطواته ثابتة: ٠
٠"لم أحب مهنة المساعد. كنت تعساً جداً
وملولاً. فهي مهنة تتطلب التركيز. وأنا لا
أستطيع ان أركز إلا على ما أهتم به"٠

وجد عبد السيد نفسه متجهاً الى السينما التسجيلية، التي أتاحت له قدراً كبيراً من التجريب الفني ومساحة رحبة من الحرية لا تتحكم فيهما لا مقاييس السوق ولا خطر المغامرة. بدأ رحلته بفيلم "وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم" ثم تبعه "العمل في الحقل" ثم "عن الناس والأنبياء" سنة 1976

وفجأة اكتشف ان رحلة 15عاماً في السينما التسجيلية لم تحقق له شيئاً. لعلها صقلت موهبته وأتاحت له خبرة هائلة مختزنة عن مصر وآلامها وضواحيها. الأهم انه أسست في موهبة القاصّ:٠
"٠"تخرجت في معهد السينما في قسم الإخراج، وليس
في قسم السيناريو. لكن كنا ندرس معالجة السيناريو٠
بعد تخرجي بشهرين، بدأت بالكتابة لمجرد انني كنت
أنوي القيام بعمل ما. في تلك الأيام لم تكن الكاميرات
الرقمية الصغيرة متوافرة بعد، لذا لم يكن هناك وسيلة
لعمل شيء سوى الكتابة. خلال عشر سنين كتبت من
أجل متعة الكتابة، وكان اقتناعي الشخصي انه إذا لم
استطع القيام بشيء مختلف عن المتوافر، فلا داعي
لوجودي في السينما. لذا، كان ذلك نوعاً من التحدي
والاختبار إزاء نفسي. ففن الرواية مرتبط بتقاليد السينما
المصرية، بمعنى ان السينما المصرية هي سينما تجارية٠
وتصنع الأفلام طمعاً في الحصول على مردود، وتالياً
يجدر بها ان تجذب المشاهد من خلال القصة"٠

"رسايل بحر"

بدأت حقبة داوود عبد السيد "الابداعية" في السينما الروائية بفيلم "كفاح رجل أعمال" الذي لم ينفذ لأسباب إنتاجية، ثم كانت تجربته الأولى في "الصعاليك" (1985) وقد أذنت بميلاد خلاّق جديد من مدرسة "الواقعية الجديدة" التي ازدهرت في الثمانينات. الشريط عن صديقين يعيشان عيش الصعاليك ولا يتورعان عن القيام بأعمال غير مشروعة أحياناً. جاء الفيلم انعكاساً لمجتمع الانفتاح وفساده. وهو التجربة الثانية في السينما المصرية بعد تجربة "السقامات" لصلاح أبو سيف التي تتطرق الى صداقة الرجل للرجل، كما يمثل تكملة شديدة العمق لما بدأ به عاطف الطيب في "سوّاق الأتوبيس" لدى فضحه فساد سنوات الانفتاح. لكن ما تميز به عبد السيد هو أفكاره. يصنع فكرته قبل الصورة، ثم يبحث عن شكل يتواصل به مع المتلقي، أملاً بالوصول الى عقله ومشاعره، وهو على عكس محمد خان مثلاً، الذي يضع الصورة أولاً٠

بعد "الصعاليك" انقطع عبد السيد ست سنوات عن العمل السينمائي. فقد رفض ان يجاري السوق ورضي ان يعيش على الكفاف كما تذكر زوجته كريمة كمال، فاقتصر دخلهما في ذلك الوقت على مرتّبها من مجلة "صباح الخير" ومرتّبه من "المركز القومي للسينما" حتى انجبا ابنهما يوسف. في تلك الأثناء، فكر في التنازل الفني وخصوصاً بعدما طاف بسيناريو فيلم "كيت كات" خمس سنوات على شركات الإنتاج، ولم يقبله أحد، بحجة ان الفيلم كئيب وبطله كفيف٠

" ٠"تعبر سينما المؤلّف عن رؤيتي للعالم والحياة٠
في ما يخصني اذاً، كان أمامي احتمالان: الأول
ان يعرض فيلمي في صالة فارغة، والثاني ان يعرض
في صالة مليئة، فأنا أختار الاحتمال الثاني. لكن
هناك أمور لا تكون راضياً عنها، لكنك تغض النظر
عنها لأنها تثير الضحك عندك. وإذا عرضت الأمر نفسه
على المشاهد، من دون ضحك وسخرية، فلن يتقبله. إنني
أسخر من كل النماذج لأنهم قادرون على الرفض٠
ولم يرفضوا، وقادرون على تغيير روحهم، ولم يفعلوا
ذلك"٠

شخصيات بلا تجميل
جاء الفرج بعد تصويره "البحث عن سيد مرزوق" الذي تضمن رؤية فلسفية عميقة للحياة والموت والعدم: سيد مرزوق الملياردير الغامض والمتناقض الذي يبحث عن ذاته! ثم كان كيت كات" عن قصة إبراهيم اصلان، "مالك الحزين"، الذي " استخلص منه السيناريو بنفسه. الفيلم عن الشيخ حسني الكفيف (محمود عبد العزيز) الذي يهوى التلحين ويبيع منزله للمعلم هرم (نجاح الموجي) في مقابل بعض حشيشة الكيف ولا يريد أن يصدّق انه أعمى فيتحايل على أعمى مثله ويدخل السينما وينزل الى النهر. وفي إحدى المرات، يذهب الى عزاء وتبدأ جلسة الدردشة التي تتسرب الى الميكروفون المفتوح فيفضح أهل الحي ويتكلم عن علاقة ابنه يوسف وفاطمة وهرب زوجته وعلاقته هو نفسه بروايح والمعلم الذي يخون صديقه في كوميديا عارية وصادمة منسوجة في حكاية غير تقليدية ومفعمة بالكثير من التكثيف الموحي مثل مشهد "عم مجاهد" بائع الفول الذي كان صديقاً لوالده ويعاتبه يومياً لبيع دكانه في مقابل المخدرات. ثم كان "سارق الفرح" الذي يلقي الضوء على مجتمع المهمشين في منطقة المقطم٠

تفرّدت سينما عبد السيد بتركها الشخصيات بلا تجميل، فالإنسان له نزواته وحيوانيته ولا داعي لإخفاء ذلك. "ارض الخوف" مع أحمد زكي ليس الاّ هواجس عبد السيّد مجتمعة في فيلم واحد! أما فيلمه الأغرب "مواطن ومخبر وحرامي" فحملنا الى المجتمع المصري في بداية الثمانينات بغية التعريف بثلاث شخصيات ليس بينها اي قاسم مشترك. الا ان سيناريو عبد السيد المبتكر والمتألق يحرص على جمع الشخصيات الثلاث في سلسلة من المواقف السوريالية، من خلال تركيبة سردية لا ينقصها لا نفاذ البصيرة ولا الذكاء ولا الوعي. مرة أخرى في هذا الفيلم، الذي اضطلع المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم بالبطولة، نجح عبد السيد في الجمع بين السينما الموجهة الى الجمهور العريض وسينما المؤلف، قائلاً الكثير عن الانحطاط الثقافي الذي يعانيه العالم العربي بنقد ساخر٠

راوحت ردود الفعل تجاه الفيلم بين "سافل" و"عظيم". هناك فئة اعتبرت ان الفيلم محاولة للتهجم على الدين. والحقيقة أن الفيلم لم يكن هجوماً على الدين بل على خطاب ديني، وفي هذا فارق كبير. هناك فئات من الطبقة الوسطى "محافظة جداً" انزعجت، واعترضت على تقديم العلاقات بالصراحة التي تناولتها٠

٠" فضلاً عن ان هناك الكثير ممن يسمونهم نقاداً، وهم
في الحقيقة مجرد جاهلين، ويكتبون الكلام الفارغ٠ في
مصر حصل انهيار للطبقة الوسطى المحافظة على
الثقافة، والفن، والتقاليد، والأخلاق. وضربها يعني
ضرب الطبقات جميعها. ما حصل في مصر هو ان
الطبقة الوسطى قد أفسدت اذ انها أصبحت غير قادرة
مادياً. المشكلة في المجتمع المصري هو انه دولة مركزية
قديمة، نتيجة وجود نهر النيل، بلدنا زراعي، ولأجل التحكم
بمياه النيل، يجب ان توجد مركزية في الحكم، وكون مصر
دولة مركزية منذ آلاف السنوات، فإن السلطة فيها قوية
جداً. وهذا ليس بأمر سيئ لأن السلطة والدولة أمران
مهمان. لكن عندما تجد نفسك في ظل أنظمة غير
ديموقراطية، تصبح السلطة متهمة، بأي شيء، وفي
بعض الأحيان متهمة بالفساد. بالإضافة الى انه في
كل أفلامي هناك رفض للسلطة او تمرد عليها. ويجب ان
نعترف في النهاية بأن على السلطة ان تكون قوية
ولكن عادلة"٠

انتقدت أفلامه ايضاً مفهوم النفوذ، وأظهرت أن من يملك القوة يملك النفوذ والتأثير. وهذا يعود الى واقع ان في مصر مجتمعاً مدنياً ومجتمعاً ريفياً. في المدينة فسحة أكبر للحرية، اذ انك تستطيع التسكع في شوارعها كما يحلو لك. في المدينة تتصرف، تحب، وتصادق كما تريد، على عكس الريف حيث مفهوم القبيلة، والكل مسؤول عن الكل. لهذا الأمر جانب ايجابي وجانب سلبي. الإيجابي أنك في الريف لا تجوع حتى ولو لم يكن لديك المال. السلبي ان تأثير الريف على المدينة لا يزال موجوداً. "في الأماكن المحافظة على سبيل المثال"، يقول عبد السيد٠
"٠" يُسمح للفتاة بأن تزور أصدقاءها ليلاً، وهذا شيء ضد
العصر وضد التطور، وضد المدنية. انا ضد هذا
التدخل. هذه التصرفات ممكنة في المجتمع القروي، لكن
في المدينة لا تستطيع ان تأتي وتقول: "بتعمل ده ليه؟". انا
أرغب في مجتمع مدني يصل الى التقدم، يكون المرء فيه
مسؤولاً عن نفسه، حيث علاقته بالآخرين علاقة قانون لا
علاقة وصاية. أفلامي تكشف حالة اكثر من كونها تنحاز
الى التشاؤم، على رغم أنني لن اختلف معك كثيرا على
موضوع التشاؤم لأن الأوضاع سيئة، ويأتي الفيلم
كصرخة احتجاج. في النهاية لا بدّ ان نتحلى بالصبر ٠
فالأمواج التي تتوقف على الصخرة، مع مرور الأيام
تقوم بنحتها. الانسان كذلك، كلنا نخضع لضغوط
المجتمع الاقتصادية والسياسية. انا أعرف أساتذة من
الجامعة العربية يؤمنون بالعفاريت، وهم من المفروض
ان يؤمنوا بالعلم التجريبي. فما هذا التناقض
الحاصل لدى القائمين على الثقافة والمعرفة؟"٠


تاريخ | المؤثرات الخاصّة في سنوات السينما الأولى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

بعد عام واحد على قيام الأخوين لوميير بعرض فيلمهما الأول »خروج العمّال من مصنع لوميير« سنة 1895، بدأ جورج ميلييس بصنع أفلامه التي كانت عبارة عن حركات خفّة وألاعيب سحر. لم يكن وحده (على الأرجح) لكنه كان الأشهر وساعد في ابتداع كلمة له ولأمثاله تصف ما يقوم به. فهو في ذلك الحين لم يكن مخرجاً بل ساحر بصري٠
في العام 1899 قام ج. أ. سميث باستخدام المونتاج (او ما يُعرف اليوم بهذا الإسم) لتحقيق حركة تراجعية كأن يمشي الشخص الى الوراء بظهره. هذا كان آنذاك »اختراعا« او »إبداعاً«. السينما إذ أخذت تتخذ شكلاً على الشاشة كانت تتجه في أكثر من إتجاه في الوقت الواحد وفي كل اتجاه كانت تسجّل تطوّراً متلاحقاً: درامياً، صناعياً، تجارياً، فنياً وتقنيا٠

الآن هناك أخطاءاً لا زالت شائعة أوّلها أن لوميير هما أول من صنع الأفلام. الخلط واضح هنا بين أول عرض تجاري في العالم (وهو ما قاما به) وبين أول فيلم في العالم وهو -كما ذكرت مراراً فيلم لفرنسي آخر هو لوي أيمي أوغوستين لو برينس الذي قام سنة 1888 (قبل سبع سنوات من عرض لوميير) بتحقيق فيلمين هما
Roundhay Garden Scene
Leeds Bridge و
مستخدماً -للمرّة الأولى- فيلماً مطبوعاً وكاميرا بعدسة منفردة. فيلميه لم يحتويا أي مؤثرات وانتميا، بمواصفات اليوم، الى التسجيل. على الرغم من أن »مشهد من حديقة راوندهاي« كان مرتّباً ليعرض رجلين وإمرأتين يتمشّون في حديقة٠
لو برينس لم يسبق الأخوين لوميير فقط، بل سبق توماس أديسون في أميركا الذي كان لا يزال يعمل على عدساته وكاميراته حين أنجز الفرنسي فيلميه في مدينة ليدز البريطانية


خطأ شائع
خطأ آخر لا زال شائعاً هو أن فيلماً واحداً للأخوين لوميير تم عرضه شعبياً في ذلك اليوم الذي كُنيت به السينما: الثامن والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر هو »خروج العمّال من مصنع لوميير«. لكن الحقيقة أن ما عرضه الأخوين لوميير في ذلك اليوم لم يكن فيلماً واحداً بل فيلمين. الفيلم الآخر هو »روي الحديقة« او
L'Arroseur Arrosé
الأول، يمكن تعريفه الآن بالمنحى التسجيلي (لكنه كان أيضاً مرتّباً وتم تصوير المشهد نفسه بضع مرّات). التسمية الأفضل هو أنه كان فيلم حركة فعلية. لكن الفيلم الثاني كان روائي السمة: حدائقي يروي حديقته. وهذه الفكرة لاحقاً ما تم تطويرها الى فيلم روائي آخر حول الحدائقي الذي يروي الحديقة. صبي يأتي من خلفه ويضع قدمه على الخرطوم. ينقطع الماء. يقرّب الحدائقي فتحة الخرطوم من وجهه ليفحص السبب. يرفع الصبي قدمه عن الخرطوم. ينطلق الماء على وجه الرجل في دعاية كوميدية٠
كلا هذين الفيلمين (الحدائقي بنسختيه و»خروج العمّال من مصنع لوميير«) لم يحتويا على أي خدعة سينمائية وذلك على عكس أول إنتاج لتوماس أديسون وعنوانه »تنفيذ حكم الإعدام بماري. ملكة الأسكتلنديين«٠
The Execution of Mary, Queen of Scots

أديسون، الذي كان منشغلاً بتطوير مفهوم الـ »بيب شو« (او عرض البصبصة) قام هنا بتصوير حفلة قطع رأس الملكة. كانت الخدعة بسيطة: قبل أن تهوى الفاس على الراس يوقف التصوير ويتم استبدال البدن بدمية٠ أكشن. ويسقط الفأس ويقطع الرأس. لاحقاً يتم لصق الفيلمين على بعض فتبدو المسألة لجمهور ذلك الحين ولو أنه تم التضحية بحياة الممثلة. الخدعة بسيطة جدّاً لكنها تدخل في صناعة المؤثرات الخاصّة كأي خدعة بصرية من خدع اليوم٠
بعد عام بدأ ميلييس بتصوير أفلامه القائمة على الخدع البصرية (قدّمت سلسلة من المقالات عنه وعن أفلامه الأولى وصولاً الى »رحلة الى القمر« في أعداد سابقة من المجلة)٠
ميلييس كان لا يفتقد الخيال، لكنه لم يكن الأول في أي من شؤون الصنعة. سبقه الى تلك الحيل -على سبيل المثال- الإنكليزي ج. أ. سميث والأميركي أديسون . كل ما في الأمر أن خبرته المسرحية كمخرج ألعاب خفّة وحيل ساعدته على تكوين شهرة مبكرة وتنفيذ آلياتها السينمائية بذات النجاح. أوّل أفلامه في هذا المجال كان بعنوان »السيدة المختفية« واستخدم فيه ذات بدعة أديسون في »تنفيذ حكم الإعدام بماري...«٠
كان هذا سنة 1896 وبعد عامين صوّر فيلماً مؤلّفا من أربعة أجساد تتحرّك بلا رؤوس مستنبطاً الخدعة من التصوير بفيلمين مرّتين مختلفتين ثم استخدام جزء من كل فيلم من دون رأس الشخصية . حين نرى الرؤوس من دون أبدان فإن ذلك كان بعملية استبدال معاكسة٠
كما ذكرت قبل قليل، تحدّثت عن ميلييس مطوّلاً في السابق، لكن هناك ما يمكنني - عبر ما ورد في المراجع- من إضافته بخصوص فيلمه الأشهر »رحلة الى القمر« (1898) وسأعود إليه في عدد لاحق٠

حلول مونتاجية
ورد مرّتين هنا، إسم ج. أ. سميث. إنه مخترع سينمائي بريطاني ولد سنة 1864 ورحل سنة 1959 بإسم جورج ألبرت سميث. ومن بين ما حققه من أفلام فيلم حمل عنوان »قبلة النفق« (1899) وهو عبارة عن رجل وإمرأة يجلسان في قطار متحرك. فجأة يقف الرجل ويتقدم من المرأة ويقبّلها. بعد تردد تفعل الشيء نفسه. وهو غير فيلم أميركي أعتقد أنه بعنوان »القبلة« حول رجل وإمرأة يقبّلان بعضهما البعض (سأفحص في مراجعي ربما قبل نهاية هذا البحث لأني شاهدت هذا الفيلم أيضاً). ما يلفت النظر الى فيلم سميث هو التالي: صوّر المخرج المشهد بتعتيم المقطورة حال دخول القطار النفق ما جعل المشهد داكناً باستثناء الوجه٠ هذا لعب بالتصوير والضوء أوّل من نوعه٠
الى ذلك، صوّر مشهدا قصيراً للقطار وهو يدخل النفق واضعاً الكاميرا من وجهة نظر سائق القطار. بذلك الكاميرا هي عين المشاهد التي هي عين السائق وبالتالي عين الفيلم٠
الى الآن، حين أذهب الى مهرجان برلين ويستعصي عليّ النوم في آخر الليل، أدير التلفزيون على محطّة لديها برنامج صامت مصوّر حديثاً كل ما يقوم عليه هو وضع الكاميرا في مقدّمة القطار وترك القطار يمضي على خطّيه . مشاهدة القضبان والمناظر الطبيعية وهي تمر لخلف القطار المنطلق يجعل النوم سهلاً عليّ بعد ذلك مع شعور غريب بالترحال من دون مغادرة السرير٠
سميث هو أيضاً أول من حك رأسه بحثاً عن حلول مونتاجية٠ كان الأول بين كل السينمائيين الذي صوّر المشهد من أكثر من زاوية واستخدم هذه الزوايا في لقطة واحدة. او صوّر مشهداً من لقطات ثم قطّع هذه اللقطات ليثري المشهد. لم يفعل ما فعله ايزنشتين وغريفيث لاحقاً من استخدام اللقطات الخارجية لتنويع الخط القصصي وسرد حدثين في آن معاً، لكنه كان سبّاقاً في تنويع اللقطات ضمن المشهد الواحد٠

إبداعا أولى
لنلحظ في هذا الإطار ما فعله بفيلم أخرجه بعنوان »نظارات جدّتي« سنة 1900
صبي صغير يلعب بمكبّر مع جدّته. يضع المكبّر على عينه فاحصاً عصفوراً في قفص وأسطر في صحيفة. في كل لقطة من هذه اللقطات عمد المخرج الى تصوير لقطة منفصلة للصحيفة وللقفص الخ... ثم انتقل من المشهد العام للصبي وجدّته الى المشهد المفصّل لما يراه الصبي من خلال المكبّر٠
مرّة أخرى، هذا يبدو ساذجاً اليوم. لكن آنذاك كان إبداعاً من مخرج قام في العام ذاته بتصوير مشهد في فيلم بعنوان »سانتا كلوز« حوى على صورة مركّبة على صورة أخرى من دون أن تطمسها على نحو
Picture in Picture
المشهد الكبير فيه لطفلين. الصغير لحلم أحدهما بأن بابا نويل سيهبط عليه من المدخنة٠ هذا كان فعلاً أصلياً ونقلة نوعية في المؤثرات الخاصة٠ وهو أيضاً ابتدع طريقة لسرد مجموعة من الصور بصورة معاكسة في فيلم »البيت الذي بناه جاك«. بيت لعبة نرى فتاة تبنيه قطعة قطعة يدخل عليها صبي ويهدمه. ثم كيف يعاودان رصفه كما كان. هنا استخدم سميث وسيلة مستوحاة من طبع نسخة من الفيلم السابق وجعلها تتبع مسيرة عرض معاكسة. هذا مناقض لأسلوب لوميير السابق إذ كان في فيلم »هدم جدار« قد صوّر الجدار وهو يهدم، ثم استخدم حركة الفيلم نفسه داخل آلة العرض لكي يرى المشاهد الجدار وهو يستوى بإرجاع الفيلم الى الوراء٠
المفاد هنا هو أنه بحلول مطلع القرن العشرين، كانت السينما خطت خطواتها الأولى صوب المؤثرات الخاصّة. وكثير من مفاهيم تلك المؤثرات كان اللبنة الأساسية التي اشتغلت عليها المؤثرات الى اليوم٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular