Apr 17, 2009

408 | أنطونيوني| كاكويانيس| جيمس م. كاين| عناصر النقد| هوليوود والأزمة

COVER | STORY


الدلائل القريبة تشير الى أن السينما اليابانية تعاود الإنتعاش حاليا بعد فترة من الركود الفني. إثر فوز
Okuribito/ Departuresفيلم يوجيرو تاكيتا »مغادرات«
بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، هاهو فيلم جديد يجذب إعجاب النقاد بعنوان
Still Walking |مشي ساكن
لهيروكازو كوريدا الذي سبق وقدّم »لأ أحد يعلم« قبل ثلاث سنوات، فيلم صغي
ر آسر عن أم تخفي أبناءها في المنزل ثم تغيب عنهم أياماً
٠

SECTION 1

في هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
SECTION 1
لديك بريد | اسئلة وتساؤلات من محمود، فادي، عمر، أوبزرڤر، عبد الرحمن
ومحمد العسكري من بين آخرين٠
...........................................................................................
SECTION 2
عناصر النقد | بعض المهتمين بالشأن النقدي هجروا النقد السينمائي العربي
الى الغربي | محمد رُضا
...........................................................................................
SECTION 3
مناسبات | بيروت تعرض لأنطونيوني وأفلامه على مدى أسبوعين بعض
كنوزه | هوڤيك حبشيان٠
...........................................................................................
SECTION 4
فيلم بزنس | الأزمة الإقتصادية لن تنقذ السينما المستقلة بل ستسهم في
دفعها صوب مأزق جديد | محمد رُضا
...........................................................................................
SECTION 5

مؤلّف| المهنة: موّلف قصص بوليسية من نوع الفيلم
نوار.... هذه كانترحلة حياة الكاتب جيمس م. كاين
| محمد رُضا
...........................................................................................
SECTION 6
مخرج | ميسر مسكي يكتب عن المخرج اليوناني المنسي مايكل كاكويانس
ويفحص ثلاثة من أفلامه


لديك بريد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصديق محمود ملقي كتب
شاهدت فيلم تشارلي تشابلن
The Gold Rush
على ديسك بعنوان
Golden Age of Silent Cinema 2
وكنت قرأت عنه من قبل وبل أذكر أنك كتبت عنه نقداً في صحيفة »القبس« أيام ما كنت تكتب فيها٠ ولا تتصوّر مدى فرحتى بمشاهدة هذا الفيلم الذي جعلني أشعر بكم كان تشابلن عبقرياً كما يقولون٠ ولا أدري لماذا يعتبره بعض النقاد فناناً عاطفي النزعة بينما هو -في رأيي- فنان إنساني وعلى مستوى العالم تماماً كما كان شأنه وحاله دائماً. هل تستطيع أن تكتب رأياً عن الفيلم ولو في أسطر موجزة وموقع الفيلم بالنسبة لتاريخه الحافل؟


جواب: "إندفاع الذهب« هو واحد من أفلام تشارلي تشابلن التي ترفض أن تتنازل عن قيمتها بعد كل تلك السنين. أخرجه وكتبه وكتب موسيقاه تشارلو نفسه وأدّى دور شريك في تلك الكابين ماك سواين وكل من شاهده لا يستطيع أن ينسى لا الحزن المتسرّب بلا نهاية في مشاهد المقصورة عند رأس الجبل الثلجي ولا ذلك المشهد الذي -من فرط جوع ماك سواين- يتخيّل القصير والضئيل حجماً تشابلن دجاجة على قدمين فيحاول قتلها وأكلها. او مشهد تناول الحذاء وقت الجوع الشديد ومعاملة ربطته كما لو كانت قطعة سباغتي. على كل ذلك، هناك فقر في معالجة النواحي الفنية. تشابلن دائماً ما أبهر بأفكاره واحاسيسه الإنسانية والإجتماعية لكنه أيضاً كثيراً ما مال نحو العاطفية المباشرة وهذا الفيلم ليس خالياً منها وإن لم يكن مثالاً لها. البعض يعتبره تحفة وهو يكاد أن يكون٠
كونه فناناً إنسانيا لا يتناقض وكونه عاطفي النزعة. وكلا الناحيتين مؤكدتان في منهجه ومن خلال نظرته للحياة علماً بأنه في السنوات اللاحقة لهذا الفيلم أخذ يعمل على تأسيس نفسه كفنان إنساني ما يعني أنه كان يقصد الظهور على هذا النحو٠
..................................................................................
وكتب فادي ناصر تعليقاً على نقطة حوار الأسبوع الماضي

فيديريكو فيلليني وسينماه يعني لي الكثير في عالم يجمع بين الفانتازيا و الواقع . أكثر ما أحب في أفلامه (التي شاهدت بعضها على فترات) هو تنقل ممثليه المستمر في حيز اللااستقرار داخل ديكورات باهرة و خارجاً في مساحات واسعة٠
أعجبت كثيراً بمقالك الذي تحدثت فيه عن علاقة البحر بجميع أفلامه ، و أعتقد أن لها دلالات قد اشرت اليها في مقالك الشيق٠
أعتقد أن فيلليني كان يترجم الاحلام التي كانت تراوده ليلاً الى الشاشة و هذا عامل مهم ، بالاضافة الى كونه يقتبس الكثير من سيرته الذاتية الغنية و يعكسها بشكل فانتسيا في سينماه ، و
8 and Half"
لخير دليل عن ذلك المخرج الذي يعيش بين عالمين ..
نعم ، أوافقك أن الحديث عن فيلليني و أفلامه لا يتوقف و لا يجب أن يتوقف
وتعليقاً على موضوع منصور عقيل حول فيلم Grave of the Fireflies

أشكر الدراسة القيمة التي يقدمها منصور عقيل لافلام الانيمي . وهذه الافلام التي ذكرها للمخرج ايسو تاكهاتي هي فعلاً مميزة ولا تشبه نظيرتها من أفلام الانيمي و ذلك بسبب و اقعيتها المشابهة لسينما الواقع الايطالية كما يذكر

Grave of the Fireflies
.. قد يكون من أجمل افلام الانيمي التي شاهدتها و أثرت عميقاً داخلي وهو يثير تساؤول عن الحرب و عذوبة الطفولة ... الحرب هي نقيض البراءة ، هي التي تحول حياة الاطفال الى بوئس ، الى احلام متكسرة ٠
و يذكر الكاتب أيضاً عن ميزة مهمة حيث يعود الشخص الميت ليروي تفاصيل حياته السابقة.. و هذا ما يضيف الحزن الى القصة

جواب: هذا فيلم لم أشاهده وكتابة الأخ منصور عنه وتعليقات الأصدقاء القرّاء عليه يحفّزاني لكي أفعل ذلك في أقرب فرصة٠

..................................................................................
وثمة تعليق آخر عن سينما فديريكو فيلليني من الصديق عمر منجونة
http://hawajisforshare.blogspot.com/
يقول
الحق أن معرفتي عن فيلليني وسينماه هي أكثر من جانبها النظري من خلال قراءتي عنه وأخص بالذكر ما ورد في هذه المدوّنة ومدوّنة فيلم ريدر. عملياً لم أر له 1/2 8 لكنه بالتأكيد في قائمة من أنوي المشاهدة أن ما رأيته في جعلني أكوّن فكرة عن هذا العالم الذي يحيط بفيلليني لدرجة جعلتني أكره فيلم روب مارشال القادم قبل أن أراه

جواب: هل الحق على الإنترنت؟ حاولت أن أفهم العلاقة بين روب مارشال وفديريكو فيلليني لكن هكذا وصلتني الرسالة كما لو كانت ناقصة فقرة٠
..................................................................................
Observer و
يكتب أيضا عن مقالة منصور الحقيل

Grave of the Fireflies
هو فرصة لنعيش تجربة جميلة مع عالم الأنيمَ في ما يبدو كما أنه أشد صوره تأثيراً
وبقدر إعجابي بمقال الأخ منصور بقدر ما أتوق لمشاهدة الفيلم،، تحية طيبة لمنصور ، وأتمنى المزيد من مقالاته حول المزيد من الأنيمَ

ثم ينتقل الي ملاحظة وردت مني في العدد السابق فيقول

إلى الأخ محمد: كنتَ قد تساءلت عن صفحتي ولماذا لا تفتح عند الضغط على اسمي ، أعلمك أني لا أملك صفحة أصلاً ، واستخدم اسم صفحتك ظلال وأشباح، لأني أزورها بشكل يومي، أصبحت هي صفحتي،، شكراً جزيلاً لك وإلى مزيد من العشق والحب للسينما

..................................................................................
الصديق عبد الرحمن العقيبي يكتب لأول مرّة ويقول
هنا في الرياض ليس بإمكاننا أن نشاهد الأفلام الجديدة فما البال بالأفلام الكلاسيكية التي تداوم الكتابة عليها في مجلتيك؟ حين أقرأ نقدك في »فيلم ريدز« او حين أقرأ تحقيقاتك في هذه المجلة أتمنّى لو أن الفرصة كانت في متناول يدي فانتقل الى مدينة أخرى أستطيع أن أشاهد فيها كل ما أريد فأنا متيّم بحب السينما مثل باقي القراء لكننا في الهوى سوا كما يقولون. وقد أصبت عين الحقيقة عندما كتبت تحت صورة غلاف أحد الأعداد أنه من العيب أن لا يكون لدينا ما لدى الغرب من فرص لمشاهدة روائع السينما. ماذا نفعل؟ الطريقة الوحيدة أمامي وأمام أمثالي هي البحث عن الأفلام على الإنترنت، لكن لا أعتقد أن مشاهدة الفيلم بهذه الطريقة هي الحل. لقد حاولت ولم أشعر تجاه الفيلم بأي شعور٠

جواب: ويمضي في رسالته الطويلة منتقلاً الى مواضيع لا صلة لها بما نحن عليه هنا وتبقى في طي الشكاوى الشخصية التي أقدر ثقته فيّ التي دفعته للفضفضة٠ وكلي معك يا أخ عبد الرحمن وها أنا أحاول أن أنقل السينما اليكم كلمات ولو أن هذا سوف لن يغني بالطبع- لكنه قد يكون في بعض الحالات أفضل من لا شيء٠
.................................................................................
والزميل الناقد ناجح حسن يلفت نظري -شفهيا
أنت الوحيد بين النقاد العرب الذي اكترث ليكتب عما كان يحدث في غزّة خلال الإعتداء الإسرائيلي٠

أقول له: وسأواصل ولو أن المسألة صارت مثل محاولة المرور تحت خط على الأرض. غداً يا أخ ناجح حين تضيع القدس تماماً سيتراكض المتزلّفون والمنافقون لكي يتأسّفوا او ينددوا. والمشكلة أننا واقعون بين دولتين قائمتين على الفاشية الدينية وهما اسرائيل وإيران وكل منهما يكره العرب كرها شديداً لكن الحق علينا إذ تراجعنا عن كل أدوارنا لأننا لم نكن صادقين فيها منذ البداية٠
تحيا السينما٠
..................................................................................
والختام مسك كالعادة مع الصديق محمد العسكري

يا استاذ محمد حضرتك مديني اكبر من حجمي بجد و الله هو اصلا لولا ان حضرتك اللي معرفنا على الأفلام دي مكنتش هاسمع عنها اصلا و عندي يقين ان دراسة النقد كفيلة تعلم السينما للجميع و عشان التعليم يكمل يبقي لازم وجود المادة المشار اليها في المقال النقدي٠
لان الفكرة هي الدرجة الاولي لتنفيذ في زاوية التقيم للفيلم حبيت قوي اضافة تقيم "للفكرة" فيلم محترم مهم يعجب به كل انواع البشر

بدون تعليق صور لها فلسفة خاصة و كل صورة لها قراءة معينة لاني اعتقد لكل فرد فيهم اكان حضرتك قراءة كتاب عن السينما مش عارف ليه حبيت اكتب كدة عن الصور مع ان العنوان صريح بلا تعليق٠

موهبة اتفق معاه2% كيفية ادارة الحرب و 98 % ديفيد فينشر قال ان الإخراج هو 98% كيفية إدارة و 2% موهبة. اتفق معاه٠
من كام يوم كنت بقلب في قنوات التلفزيون و لقيت شخص كدة بيقول الابداع في الكتابة و الاخراج والتلحين و التوزيع فقط لكن الغناء و التمثيل مافيهومش ابداع ...ياريت يقراء مقالة الاستاذ هوفيك حبشيان. اللي مش عارفة هذا الرجل ان سواء التمثيل او الغناء اكثر صعوبة و ابداع من كتابة حوار او خلق حس معين لان ببساطة انت بتوصل مشاعر و شغلة اللي بيتوصلة سواء مغني او ممثل يترجم اللي بيتقال له و دي اصعب بكثير
المصالحة الشهيرة اللي بين عبد الحليم و فريد الاطرش بيقول عبد الحليم "انا بعرف اللحن عايز اية و دي هي اصعب حاجة ٠

فيلم »فلافل« فيلم لبناني من انتاج 2006 كنت بدور عليه بقالي فترة و لما نزل مصر ماعرفتش اشوفة لان للاسف فضل كام يوم و اتشال بس دة الينك بتاعة و عشان الناس تتفرج علية لازم
تحميل الجزئين بتوع الفيلم
http://forums.myegy.com/thread39510.html
علي فكرة يا جماعة الينك دة فيه افلام كثيرة جدا و مش محتاجة اشتراك للتحميل "افلام انجليزي و عربي

استاذ منصور العقيل طبعا شكرا جدا علي المقال المهم دة
كل الافلام الانيمَ لو الواحد فكر انة يتفرج عليها من غير وضع استعداد الابتسامة "علي اساس انه فيلم كارتون" هايلاقي رساله مهمة جدا مابين كل حركة و كل كلمة مين يصدق ان توم و جيري سياسة !!
رد علي سؤالك افتكرت جملة حوارية من فيلم
Fight Club
بيقولها براد بيت لادوارد نورتن بالنظر فقط بعد ضربة المبرح للرجل الذي يشبة البندا
كنت حاسس بتدميري لشئ جميل
مش عارف عرفت اجاوب ولا لا !!؟
بس دة لينك فيلم
My Neighbors the Yamadas
كامل
http://www.youtube.com/watch?v=zlwM0mLproo&feature=PlayList&p=0AD63BC7A562C3CD&index=0&playnext=1

طبعا المقالات عن فليني عرفتنا اكثر بشخصيتة دة كفاية نقد فيلم دولسي فيتا بعض ما قراءة المقالة بالصدفة شوفت الفيلم علي التلفزيون و فعلا حجات عمري ما كنت هاخذ بالي منها
المخرجين المستقلين او الطلبة بتوع معهد سينما بيقولوا علي فليني ان شخصياتة
stylish
جدا

À bout de souffle فيلم
http://www.mininova.org/tor/1186794

اسف جدا علي المواضيع اللي ملهاش علاقة بالعدد المرة دي يا استاذ محمد و بشكرك جدا و بشكر كل كاتب ساهم باي معلومة فديتني في العدد دة و كل الاعداد اللي فاتت

SECTION 2

عناصر النقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمن نقرأ؟

في الزيارة الأخيرة لدولة الإمارات بمناسبة مهرجان الخليج السينمائي، تم تداول شؤون النقد والنقّاد، في دردشة متأخرة نظّمها المهرجان كل ليلة بموضوع مختلف. الجمهور كان مزيجاً من هواة السينما، المثقفين، الصحافيين ومخرجين. الاسئلة تراوحت من ما يعنيه النقد بالنسبة للناقد الى إذا ما كان هناك أفلاماً يحب مشاهدتها أكثر من سواها، مروراً بآراء الناقد في السينما الخليجية وسواها من المواضيع والطروحات المشابهة٠
خلال الدردشة، او سمّها السهرة التي انتهت الرابعة صباحاً تبيّن أن المخرجين كانوا بالفعل يودّون سماع ما هو مختلف. مخرجة وممثلة خليجية قالت: "لقد توقّفت بصراحة عن قراءة النقد، لأني لم أجد في النقد المنشور ما يفيدني. توجّهت الى المواقع الأجنبية لأني أشعر أن النقاد الأجانب يعلمون القاريء بجوانب لا يتعاطى معها الناقد العربي"٠
قاطعتها: ماذا يتعاطى الناقد العربي؟
أجابت: يحكي القصّة كما هي او يكتب عن أشياء ليست ضرورية عندي ٠
أنا: مثل ماذا؟
هي: مثل الحديث عن تاريخ بريطانيا السياسي لما تكلّم أحد النقاد عن فيلم »الملكة«٠ هل هذا ما أريده أنا كسينمائية او كقارئة؟

قبلها كان مخرج شاب عرض موقفاً مماثلاً حين قال
بصراحة شديدة وأرجو أن لا تزعل مني... توقّفت عن قراءة النقد لأني لم أجده مفيداً لي٠
أنا: بالكامل؟
هو: تقريباً بالكامل. أقرأ لك وأقرأ لزياد عبد الله أحياناً، لكني بت أذهب الى موقع
ٍRotten Tomatoes
حين أريد متابعة النقد السينمائي٠

كلاهما كان لديه أكثر من ذلك وقاله مثيراً نقاطاً مهمّة سيرد بعضها لاحقاً. لكن ما استوقفني عند هذا الحد هو التحوّل من قراءة النقد العربي الى قراءة النقد الأجنبي كبديل٠
المشكلة هي لمن تقرأ؟ من هو هذا المجهول الذي ستتواصل معه وستمنحه ثقتك او ستحجبها عنه. هل لديك -كقاريء- قدرة على النفاذ، عبر اللغة، الى رسم صورة ذهنية للناقد الذي تقرأ له؟
بالنسبة الى »روتِن توماتوز« التي تبدو منتشرة عندنا وحول العالم كانتشار البندورة او الطماطم فعلاً، فإن غالبية من ينشر لهم الموقع لا يتمتّعون بالنظرة البعيدة لماهية النقد. كما مرّ معنا هنا المسألة ليست الحكم على الفيلم. الصفحة الماثلة أمامي الآن وأنا أكتب هي مقتطفات من آراء هؤلاء "النقاد" بالنسبة لفيلم
Fast & Furious


سهل تكوين الحكم والرأي وصواب أن يجتمع العدد الأكبر من النقاد على إدانة هذا الفيلم. لكن الصواب ليس المقصد من قراءة النقد ولا حتى كتابته. ما أسعى إليه شخصياً هو العودة بالنقد الى أصول فاتتنا حين كان ملتحماً بالثقافة السينمائية كما بالثقافة بشكل عام وليس على ما هو الحال عليه التصدّي للفيلم بكلمات الرعاية او الدعاية وبالإيجاب او بالسلب مع تمرير كل ذلك المتخزّن في النفس من حب الظهور والبرهنة على خفّة قول او استعراض الذات (أحد الكتّاب يذكر كلمة أنا خمسة مرات في ثلاثة أسطر وربع)٠
المجموعة المنتشرة من الكتّاب هي تلك التي تتقصّد استعراض الفيلم وإبداء الرأي وكثيرون منها لا يفكّرون بما هو أبعد من ذلك٠ قلت للسيدة التي طرحت السؤال أن الكاتب من هؤلاء لن يستطيع مطلقاً الإجابة على السؤال الذي في بالها لأنه منتم الى فصيل آخر والبعد بينه وبين الثقافات الأخرى يزداد عوض أن ينقص. لقد نشأ في أنه معزول عن العالم في بلد كبير معتبراً أن الناس هي التي تأتي إليه وليس العكس. ولا أريد أن أتولّى الحكم على هذا المنطق الا من زاوية مهمّة كان ناقداً بريطانياً قرأت له في الثمانينات ما كتبه في الخمسينات إذ قال: "الناقد عليه أن يكون ذي وجهة نظر إنسانية"٠ هذا المبدأ وجدته آنذاك ولا أزال أجده الى اليوم مهمّاً للغاية. لأن "الإنسانية" وحدها تتجاوز الفرقة القائمة بين الأجناس والعناصر البشرية والطوائف المذهبية وهي التي عليها أن تجمع البشر حول الأرض وتستطيع لو أتيح لها ذلك٠
إمعاناً، أي ناقد لا يتحلّى بوجهة نظر إنسانية وهي ناتجة عن مبدأ إنساني كامل وليس فقط مجرد التفكير في بعض نواحيه، هو ناقد أقل قدرة على ملء الفراغات الناتجة عن رؤيته والتي أحيانا ما تتضح فيما يقوله ويتبنّاه٠

لقد كتبت أكثر من مرّة عن الناحية الإنسانية آتياً على ذكر هفوات وأخطاء يرتكبها ليس فقط مدّعي النقد، بل بعض النقاد في هذا المجال، لذلك لن أمض في هذا الإتجاه كثيراً، بقدر ما أود استكمال ما بدأته حول كتبة الرأي في موقع مثل »روتن توماتوز« من دون أن أعني شمولية وتعميماً من أي نوع. كون الثقافة متباعدة والغايات مختلفة، فإن القاريء العربي لن يستطيع قبول او رفض ما يُكتبه الناقد/ الكاتب لسواه (لأن هذا لم يكن يكتب لك أساساً) الا بتنازل من القاريء معتبراً نفسه جزءاً من هذه القرية العالمية التي خربت الإنسان والنبات على حد سواء وتشتغل الآن على جيل من المتشابهين تماماً كما تنبأت بعض الأفلام حين حذّرت من محو الذات واستبدال الخاص من السمات والثقافة والفكر بما هو مشترك وعام٠
الناقد العربي الجيّد كونه من تربة العالم الذي يكتب له مطّلع أكثر على ما يعنيه له ولسواه رأي في فيلم ما وحتى حين يكون الحديث عن فيلم تجاري مثل
Fast & Furious
او أفضل منه او أسوأ، فإن إبن الثقافة لديه بعدا مختلفا. قد يجد في الفيلم مجالاً لقراءة مختلفة عن تلك التي كان الأجنبي يستطيع الوصول اليها لو لم يكن يعتبر أن العالم متمحور حوله هو. للأسف هذا الإعتبار منتشر بكثافة بيننا نحن٠
قبل أيام التقطت الدقائق الأخيرة من برنامج استعراضات سينمائية تقدّمه محطة إسمها »سما« وإسم البرنامج »سما سينما« ووصلت في أول الفقرة الأخيرة وكانت حول فيلم »تحد« او
Defiance
حيث ذكر المعلّق شيئاً قريباً مما يلي: "فيلم مغامرات عن ثلاثة أخوة يواجهون القوات النازية خلال الحرب العالمية الثانية وينتصرون عليها"٠
طبعاً الفيلم ليس فيلم مغامرات والنصر لم يكن من نصيب الأخوة المتحدّين والأهم أن المسألة ليست مسألة مواجهة، بل مسألة دعاية صهيونية تلبس الرداء التاريخي كما تفعل عادة مستغلة نصف الواقع، ذلك النصف الذي يُناسب٠ أي معلّق او ناقد او كاتب لا يذكر الحقيقة انما يتماثل بتلك المعالجة الكونية الخالية من المميّزات التي تسبح فيها معظم الكتابات هذه الأيام٠

النقص الثقافي لا يشمل كل ناقد أجنبي، لكن الموقع المذكور، وسواه، عادة ما يستعير المقالات من كتّاب لا عمق لهم او خبرة. بينما المجلات السينمائية (مطبوعة او مرئية) لا زالت هي الأساس في إتاحة الفرصة أمام القاريء لمطالعة نقد او كتابة سينمائية جيّدة٠

SECTION 3

مناسبات | هوڤيك حبشيان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيروت تشهد عودة أنطونيوني
ميكلانجلو أنطونيوني مستعاداً في "متروبوليس" طوال اسبوعين
سينما عصيّة على التقليد تنبذ المنطق وتقفز فوق أسوار العقيدة


تشهد بيروت في الأيام الأخيرة زحمة مهرجانات سينمائية وعروضاً مختلفة واستعادات. الماضي السينيفيلي المجيد الذي ميزّ المدينة عن سواها من المدن المجاورة يلقي بظلاله مجدداً على . وها نحن ننتقل من نشاط 2009العاصمة العالمية للكتاب لسنة سينمائي الى آخر: "متروبوليس" العائدة مجدداً بعد نكستها في مسرح المدينة" تبعث شعوراً بالارتياح عند من كانوا يخافون أن" تكون نهاية المغامرة هذه مؤلمة، اذ ان المعطيات الجديدة تبعث على التفاؤل. فهناك أقل من اسبوع بين نهاية مهرجان "شاشات الواقع" وبداية الاستعادة الكبيرة المهداة الى سينما ميكلانجلو نيسان، بالتعاون مع المركز الثقافي 29 - 14أنطونيوني ( ملم، 35الايطالي)، وهي الاولى من نوعها منذ سنوات بعرض الـ لسينمائي من هذا الحجم، مما يؤكد ان المدينة، على رغم الاسفاف السياسي والاجواء الملوثة بالانتخابات، لا يزال فيها من يعتقد ان الزهايمر الثقافي لم يضرب كل طبقات المجتمع اللبناني، وان السينما لم تولد اليوم مع بعض المهرجين هنا وهناك. من أهداف كل استعادة، تقويم الذات ونقدها، واعادة ترتيب الاسماء في المطرح الملائم لها في التاريخ

انطلاقاً من هذا لقاؤنا هذه المرة ليس مع أيٍّ كان، بل مع شاعر السينما الايطالية، صاحب الأفلام الخالدة. من يمّه الثري اختير الآتي: "بلو آب" و"المهنة: مراسل"، و"الصحراء الحمراء" و"المغامرة" وغيرها، من القصير والطويل، التي أقل ما يمكن القول فيها انها جاءت بنظرة مستقبلية الى السينما، وغالباً ما استشرفت الظروف الراهنة التي لم يسمح المرض لأنطونيوني أن يبقى شاهداً "كاملاً" عليها، وعلى عصور عاينها معاينة دقيقة، طولاً وعرضاً. ولا شك ان أهمية استعادة مثل هذه التي بدأت في مجمع الـ"صوفيل" أول من أمس، مع "المهنة: )، كامنة في انها تعيد ابراز مكانة النبوءة في 1975مراسل" ( سينما انطونيوني، وتخلد ذكراه في زمن بات كلّ من يحمل كاميرا يعتبر نفسه مخرجاً، وفي مدينة كان اكتشاف الأفلام الصعبة تجارياً متاحاً في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية: أنطونيوني، برغمان، غودار، تاركوفسكي. جميعهم مروا من هنا! وهذه مناسبة كبيرة لنقول إنهم لم يكونوا مجرد عابري سبيل، بل ان عودتهم الى زواريب المدينة تعني انهم لم يغادروها قط بل لا يزالون يسكنونها
ماذا في وسعنا أن نقول اليوم عن أنطونيوني، بعد أقل من سنتين على غيابه الجسدي؟ هل يكفي أن نقول إن الفيلم عنده كان يولد كما تولد القصيدة لدى شاعر؟ بحيث يتأثر الذهن بالكلمات والصور التي تنصهر لتصير شعراً، أو انه رائد مفهوم التجريد في السينما الحديثة وما بعد الحديثة؟ وهل نحتاج الى أن نذكر انه واحد من الخلاقين الايطاليين الذين تفرعوا من "الواقعية الجديدة"، ثم شقوا طريقهم قافزين فوق اسوار الايديولوجيا والتحزب، اذ حتى في اكثر أفلامه نقداً لا نستطيع تحميل سينماه قضية أو رسالة؟ وهل من الممكن أن نصرّ اليوم، بعد كل ما قيل وكتب عنه، على ان انطونيوني، غير سياسي وغير ملتزم عقائدياً او اجتماعياً، وعلى مسافة نقدية من التيار السينمائي المؤثر الذي تفرع منه، ومن رمزيه روسيلليني ودو سيكا؟ فكل ما كان يهمه، الى جانب همه الجمالي الكبير (فنا التشكيل والعمارة) هو علاقاته النفسية بالشخصيات، وعلاقة هؤلاء بعضها بالبعض، وعلاقة هؤلاء بالعالم الذي يحيط بهم، وما يحملون في دواخلهم من أفكار ومشاعر. في غضون ستة عقود ونصف العقد، صوّر انطونيوني - المولود في كنف عائلة بورجوازية (من تلك الطبقة التي كان لها دائماً في المرصاد) في فيرارا القريبة من مدينة بولونيا الإيطالية عام 1912 أعمالا قصيرة ومتوسطة الطول، وفصولا من أفلام جماعية اشتهر بها الايطاليون وعُرّفت بأفلام الـ"سكيتش". وكان مقلاً في عطائه، قياساً بالفترة الزمنية الطويلة التي عاصرها٠


استحضرت أفلام انطونيوني غموض الوجود الاكبر، اي الموت، معتبراً اياه قمّة الفشل في التواصل بين الله ومخلوقاته. وكان دائم الاهتمام بانحطاط القيم وانحلال المبادئ الانسانية. لغته المبتكرة والمؤسلبة غالباً ما كانت عصيّة على الفهم. لذا كانت عصية على التقليد. مع ذلك لم يتوان فرنسيس فورد كوبولا من استلخاص العبر المفيدة من "بلو آب" لدى اتمامه "الحوار". مثله براين دو بالما الذي استند هو أيضاً الى هذا الفيلم لانجاز تنويعة اخرى له سمّاه "بلو أوت". حفلت فيلموغرافيا انطونيوني بالأفلام المشبعة بحميمية، كلازمة مضنية تغدو هاجساً كابوسياً، تختفي خلفه شخصيات تتخبط في مأزقها الوجودي وفي بحثها المستحيل عن حقيقة
المغامرة

متنكّرة. في حين حدّد العلاقة بين الجنسين علاقة صراع وسوء فهم وانقطاع حوار، لم يتوان عن استجواب الواقع، لعله يعثر على جواب

كثر نسوا اليوم أن انطونيوني بدأ صحافياً. أو بالاحرى ناقداً سينمائياً، على رغم تخصصه الاول: الاقتصاد. قاوم بشدة حقبة الفاشية الموسولينية، لكن كان دوماً يعاني الشح في مدخوله المادي. وكثر لا يعرفون ربما أنه كان معاوناً لمارسيل كارنيه في زوّار المساء". لكن مع انتهاء الحرب الثانية، تخلى عن المهن " المتواضعة التي كان يؤديها للصمود، وتفرّغ للسينما التي أحب مع "يوميات حبّ"

منذ البدء، شق طريقه فيها بدءاً من عام 1950 ابدى توجهاً مختلفاً عن توجه زملائه الذين كان يكتب لهم سيناريوات، اذ كان التركيز عنده يجنح الى النفسي والتحليلي. ومن المهم جداً مشاهدة "يوميات حبّ" اليوم، بعد ستة عقود على انجازه، اذ لا يزال مفعوله قوياً. تستعير باكورة انطونيوني عناصر الفيلم الأسود: تحقيق، مشروع قتل، ضوء خافت. ولكنه يصف أيضاً التشنج الاجتماعي الحاصل بين الفقراء ومن يستفيدون من "المعجزة الاقتصادية" بعد الحرب المساعدة الأميركية التي مُنحت في إطار خطة مارشال والتي ( ساعدت إيطاليا وتحديداً مدن الشمال الكبرى على غرار ميلانو وتورينو وبعض المجالات كصناعة السيارات على استعادة نشاطها سريعاً بعد الحرب). ويصبح هذ التشنج دافع الجريمة، حتى لو لم تحصل. وفي نظر رينه بريدال ان هذا العمل يعرض ما هو خاص بأنطونيوني: "أصعب اللحظات هي لدى ارتداء الثياب"، يقول العشاق، "عاجزين عن اظهار ابتسامة أو الكذب". الفيلم مصوّر من بُعد ولا يظهر الا صورة واقعية، وهي جثة الزوج. في مجمله، الفيلم مليء بالحوارات، علماً أن الوقائع تروى أكثر مما تظهر، ولكن يعاد عيشها. يستفيد أنطونيوني من ذلك لتحريك الكاميرا بطريقة مستقلة عن تحرّك الممثلين، وتصميم الصور هذا مواز للتطور النفسي للشخصيات. كان أنطونيوني يرغب في إسناد الدور النسائي الرئيسي الى جيني تيرني، ولكن بدا الأمر مستحيلاً، فوقع اختياره على ملكة الجمال الإيطالية لوتشيا بوس (19 عاماً)، فتبين أنها ممثلة ممتازة

كان موعد سينيفيليي العالم مع كنز من كنوز أنطونيوني مع حلول عام 1960: "المغامرة". غبريال فيرزيتّي ومونيكا فيتّي (ملهمته التي تشارك معها الحياة طوال عشر سنين) وليا ماساري كانوا ابطال هذا الفيلم الغريب مناخا وقصة. مذ ذاك صار المعلم يعمل بنهج لا يزال وارثه الشرعي حتى الآن. ومن نظرياته السينمائية في تلك الحقبة ان "الصورة ضرورية فقط عندما يكون كل متر مرّبع منها ضروريا أيضاً". انذاك كان انطونيوني يعتبر ان السينما التجريدية ضرورية لأن الحياة طبقات من الصور تحتاج الى تفكيك وتحليل حتى بلوغ "الصورة الحقيقية للحقيقة" في تعبيره. مع "الليل" و"الكسوف" (كلاهما من بطولة ألان دولون)، راح رصيده يكبر لدى النقاد. مع المغامرة"، شكل هذان الفيلمان ثلاثية. وبدأ اسلوبه يتوضح " تدريجاً. ثم جاء "الصحراء الحمراء"، الذي كللّ بـ"الاسد الذهبي" في البندقية عام 1964

أطروحتاه الأساسيتان هما عن القدر الخائب والتجربة العاطفية التي تسير بصاحبها الى المأزق الأخير. أما عن صعوبة العيش والصمود وتدمير الذات، فأنجز أفلاماً لا تزال الى اليوم مادة مناقشة بين أخذ وردّ. كان انطونيوني يحتاج الى القليل القليل ليدخل الى معبد الكبار، فأنجز "بلو أب" "السعفة الذهب" في مهرجان كانّ" وشرّّعت له أبواب هوليوود حيث انجز فيلمه "نقطة " زابرينسكي" في أوساط طالبية اميركية، لكن هذه المرّة من دون ان يلفت الانظار
ضربة المعلم الأخيرة تحققت مع "المهنة: مراسل"، هذه التحفة البصرية التي تتلمذت عليها أجيال كاملة من السينمائيين. شريط يترك المشاهد في حيرة من أمره، مفاجئ كصعقة كهربائية، واقعي النبرة، وبالغ التعقيد في التقنيات المستخدمة، ولا سيّما في لقطته الاخيرة. بعد بلوغه القمّة، عاد انطونيوني ليعاين في "التعرف عن امرأة" العلاقات المستحدثة في مجتمع ايطالي جديد، ثم بعد عشر سنين من الصراع مع الشلل الذي اصيب به عام 1985 لإنجاز "ما بعد الغيوم"، متأملاً في العلاقة بين السينما والحياة٠
مزاج صعب كان يسود أعمال أنطونيوني الذي لم تتبدّ له ذات نسق منطقي، وكان يؤمن أن على السينما ان تتمسك بالحقيقة أكثر منها بالمنطق. لم يكن الجمهور على موعد دائم مع كلّ فيلم جديد لأنطونيوني، باستثناء "بلو آب". كان يملك سرّ اللقطات الطويلة، الى جانب ادارة الممثلين التي حرم منها بعد اصابته بالشلل وعدم قدرته على الكلام. لكنه كان يعتبر ان المخرج هو القلعة والممثل حصان طروادة، وغالباً ما كان يرفض تقديم التفسيرات اليه اذ لا يحتاج الممثل في يقينه الى ان يفهم بل الى أن يكون٠

SECTION 4

فيلم بزنس | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوليوود والأزمة الإقتصادية: السينما الكبيرة تعود الى القارة القديمة والمستقلة تخبو٠

كايت بلانشيت في »روبين هود« المقبل٠

الأرقام التي تسجّلها أفلام اليوم، هي من بين الأعلى في تاريخ السينما الأميركية. الأفلام التي تنطلق في المركز الأول في سباق الأفلام كثيراً ما تتجاوز الثلاثين والأربعين مليون دولار في أيامها الثلاث الأولى. أخرى - كما
Fast & Furious
فيلم السيّارات المزمجرة والطائرة بقوّة بين السماء والأرض حصد أكثر من 70 مليون دولار في الفترة ذاتها في الأسبوع الأول له٠
إذاً..... إذا ما كان هذا هو الحال، فلم تمر صناعة السينما الأميركية في أزمة؟ أين المشكلة؟
بعض المراقبين يربطون ما يحدث لصناعة الأفلام مع ما يحدث لصناعة السينارات. بذلك هوليوود ودترويت تلتقيان عند نقطة صار فيها من الصعب السيطرة على التكاليف التي تتعرّض لها صناعتيهما الأفلام والسيارات- إنما مع فارق رئيسي وهو أن صناعة الأفلام الأميركية لا زال لها جمهور كبير، بينما كان جمهور السيارات هرب، ومنذ سنوات، من شراء السيارات الأميركية الى تلك اليابانية والأجنبية عموماً فانتعشت صناعات تويوتا وهونداي ونيسان وبي أم دبليو وسواها من تلك الواردة الى الأرض الأميركية٠

أرقام ودلائل
لكن السينما لم تصطدم بذلك الجدار حتى الآن- على العكس، كشفت الإحصاءات عن أن الظروف الإقتصادية السائدة في الولايات المتحدة الآن، لم تنل من حجم إقبال الجمهور على الأفلام بل على العكس ارتفع عدد الروّاد داخل الولايات المتحدة وخارجها أيضاً٠
ففي المدّة التي بدأت من اليوم الأول من هذا العام الى اليوم، تم عرض 131 فيلماً بمعدّل يبلغ 7.18 دولار للتذكرة الواحدة. عدد التذاكر التي بيعت حتى الآن 390 مليون و900 ألف تذكرة. هذا نتج عنه إيراداً وصل الى بليونين و807 مليون دولار حتى الآن٠
وإن لا يزال مبكراً الحديث عن نسب الإرتفاع هذا العام بالنسبة للأعوام الماضية الا أن التكهنات في هوليوود تشير الى أن العام 2009 سينضم الى تلك الأعوام التي عرفت فيها الأفلام الأميركية نسبة نجاحات كبيرة ارتفعت فيها الإيرادات الى ما يقترب من عشرة بلايين دولار
ولو أخذنا الأعوام الخمس الماضية مثالاً لوجدنا الوضع على هذا النحو (الأرقام ببلايين الدولارات)٠

2004: $9,380
2005: $8,840
2006: $9,209.5
2007: $9,663,7
2008: $9,630,6
ولأن الأفلام المنتجة في أميركا تنتج تلبية لرغبة الجمهور وحده (وليس حبّاً في المهرجانات او الجوائز او سعياً لكسب رضى النقاد والمثقّفين) فإن الفيلم الأول التي أنجز مرتبة المقدّمة في كل سنة من هذه السنوات الماضية
هو تباعاً
2004: Shrek 2
2005: Revenge of the Sith (Star Wars 6)
2006: Pirates of the Caribbean 2
2007: Spider-Man 3
2008: The Dark Knight

ومن المبكر جدّاً أيضاً معرفة الفيلم الذي سيستحوذ على قمّة أفلام العام الحالي إذ لا يزال أمامنا صيف هوليوود الحار المليء بالأفلام الكبيرة المتنافسة. لكن الى الآن فإن فيلم
Paul Blart: Mall Cop
جامعاً في أميركا إيراداً قوامه 143,956,523 دولار. لكنه كمعظم الكوميديات الأميركية فإن تأثيره العالمي منحسر إذ لم يجمع الى الآن أكثر من 25 مليون دولار٠

مع هذه الحيثيات في اليد، يبدو كما لو أن صانعي الأفلام في هوليوود ليست لديهم مشكلة، لكن المشكلة موجودة في نطاق آخر. لقد ارتفعت تكاليف آليات العمل السينمائي في كل ضروبه ونواحية الى ما بات معه من المستحيل الإستمرار في الصرف على هذا النحو من دون ضوابط

وهذه النواحي تمتد من المطبخ الى الشاشة. أي من عملية استئجار الشركة المسؤولة عن توفير الطعام للعاملين وموظّفيها وسائقي شاحناتها الخ... الى القمّة حيث يكمن الفخ الأكبر المتمثّل في أجور الممثلين. ولعل ما وقع مؤخراً حيال فيلم اسندت بطولته الى نجمين كبيرين يعتبر مثلا
الفيلم هو »أزدواجية« للمخرج الجيّد توني غيلروي وهو فيلم غموض وتشويق حول عميلي استخبارات سابقين يخططان لسرقة كبيرة في عالم متحوّل ومختلف عمّا كان عليه قبل عقود ليست بعيدة. الممثلان اللذان اسندت البطولة لهما هما كلايڤ أووَن وجوليا روبرتس. الكلفة المعلنة هي 60 مليون دولار. وحسب مصادر نالت بطلة الفيلم روبرتس منها خمسة عشر مليون دولار (هناك مصادر تقول 20 مليون دولار) بينما حصل شريكها في البطولة على خمسة ملايين دولار أجراً٠
لكن الفيلم أخفق في تحصيل ما يتجاوز به رقم تكلفته إذ أنجز حتى الآن 54,290,097 مليوناً فقط وذلك في الولايات المتحدة وخارجها معاً

مشاريع للخارج
أحد الحلول المطروحة هو الإستفادة من القوّة التي يتمتّع بها الدولار حالياً لنقل الإنتاج الى الدول الغربية. وتشهد النتائج الى الآن أن واحداً من كل أربع مشاريع أميركية سيصوّر هذا العام خارج الولايات المتحدة. وهذا لا يتضمّن تلك الأفلام الأجنبية المنشأ التي تقوم شركات هوليوود الأساسية بتمويلها والتي تصوّر بطبيعة الحال في بلدان المنشأ٠
وتبدو القارة القديمة ، حسب تعبير البيت الأبيض في ولاية بوش، المحطّة الأكبر حالياً في هذا التوجّه. ففورة التصوير في الاستديوهات الرخيصة في بلغاريا والمجر ورومانيا التي بدأت قبل خمس سنوات تقريباً، ما زالت مستمرّة. لكن الجديد في العامين الماضيين ارتفاع عدد الأفلام الأميركية التي تصوّر في بريطانيا مثلاً حيث تستفيد تلك الأفلام من نظام ضرائبي يجعل نسبة محددة من الكلفة تعود مباشرة الى الشركات الأميركية التي تصوّر هناك٠
وإذا ما كانت سلسلتي جيمس بوند وهاري بوتر بدأتا -منذ عقود- مسيرة الإعتماد على الخبرة البريطانية في هذا المجال، فإن الأمر الآن يتجاوز ذلك الى تصوير أفلام غير منتمية الى مسلسلات سينمائية. هاهو المخرج ريدلي سكوت يبدأ تصوير فيلمه »روبين هود«- او كما كان أسمه سابقاً »نوتنغهام«- حالياً لحساب شركة يونيفرسال وهو من بطولة راسل كراو وكايت بلانشت وفانيسا ردغراف. أما شركة فوكس فباشرت تصوير الفيلم التاريخي الكوميدي »رحلات جاليفر« مع إميلي بلانت وجاك بلاك٠
ولدى يونيفرسال مشروع آخر قريب إذ ستنطلق بتصوير »الرجل- الذئب« في غضون أسابيع في بريطانيا أيضاً٠ والتحصيل الحاصل، أن هناك ارتفاعاً قدره 38 بالمئة من الأفلام الأميركية المصوّرة في انكلترا خلال السنوات الثلاث الماضية وحدها٠

السينما المستقلة
التصوير خارج الولايات المتحدة ليس الحل الوحيد المتاح حالياً. بل يبدو أن النيّة متّجهة الى تقليص عدد الأفلام المنتجة من قبل الشركات والاستديوهات الأولى بعدما كان التسريح شمل مئات العاملين. هذا التقليص سيسرّح مزيداً من المرتبطين في آلية العمل السينمائي ما سيزيد من عبء المشكلة. الثابت أن مجموع الفنيين والموظّفين الذين خسروا أعمالهم في شهر كانون الثاني/ يناير وحده (اي الشهر الأول من هذا العام) هو 22 الف شخص علماً بأن القوّة الصناعية لهوليوود (من خلال مختلف انتاجاتها- اي من السينما الى الموسيقا وصولاً الى البرامج التلفزيونية) يمثّل عشرة بالمئة من تجارة ولاية كاليفورنيا. وعدد الموظّفين إجمالاً يصل الى 200 ألف شخص٠
الشركات الفنية العاملة تضخ ما بين 20 بليون و30 بليون دولار سنوياً٠
حين انطلقت الأزمة الإقتصادية الشاملة سارعت بعض العقول العربية الذكية للكتابة عن أن في الأزمة الناشئة نفع مؤكد إذ ستؤدي، قالوا، الى الإعتماد مجدّداً على الفيلم الأميركي المستقل ما سيعني- أضافوا- أن مستوى الأفلام سيرتفع٠
هذا حلم العصافير فعلاً وحصاد من لا يتابع او يفهم في كيف تسير الأمور عملياً ومنطقياً٠
العام 2008 كان من أسوأ الأعوام بالنسبة للسينما المستقلّة الأميركية وذلك قبل الأزمة الإقتصادية الناشبة. السبب وبكل بساطة يعود الى أن السينما المستقلة لم تنتج شيئاً مثيراً للإهتمام -لإهتمام الجمهور على الأقل- منذ عامين او ثلاثة. السحر السابق الذي جذب اليه جمهوراً من غير الراغبين في مشاهدة أفلام هوليوود الكبيرة والمضجّة أسبوعاً وراء أسبوع اختفى ومعه اختفى أيضاً تلك الإيرادات التي حققتها تلك الأفلام المستقلّة في السابق والتي جعلت شركات الإنتاج والتوزيع تتنافس في سبيل شرائها٠
وآخر نجاح معقول حصدته السينما المستقلّة حدث في أواخر العام 2007 حين تم عرض »جونو«، وهو كوميديا اجتماعية مدحها النقاد والجمهور على حد سواء لكنها لم تعمّر طويلاً ولو أنها نالت أكثر مما استحقّت من مديح٠
الوضع الحالي لن يغيّر من الصورة أي شيء٠
المنتجون لا يعملون على أساس أن الوقت حان الآن لتمويل أفلام صغيرة عوض الكبيرة- طالما أن الفيلم الصغير محدود النجاح أساساً. والمخرجون المستقلّون لن يجدوا التمويل متوفّراً لدى مؤسسات جاهزة لمجرّد أنهم مختلفون عن أسس النظام الإنتاجي الكبير. بدوره، الجمهور لا يمل مشاهدة الأفلام الهوليوودية وقت الأزمات لأنها هروب من الواقع. والأفلام المستقلّة ليست هروباً من الواقع في معظم الأحوال
واقع الحال، أن الأزمة الناشبة تطال الصغير قبل الكبير وأن المسألة ليست خيالاً يطلقه الكاتب فيتحقق، بل حسابات متداخلة ومتشابكة لا تنفع فيها الأماني٠

Juno
ولو أن السينما المستقلّة كانت حققت في الآونة الأخيرة نجاحات كبيرة لكان من المحتمل أن تجد فيها هوليوود ملاذاً آمناً في وقت ارتفعت فيه الميزانيات وتضخّمت لتصل الى أكثر من 200 مليون دولار لبعض الأفلام الكبيرة٠
لكن واقع السوق عكس انصراف الجمهور عن تلك الأفلام وكذلك عن الأفلام الأجنبية المستوردة. فالوقت الذي عرض فيه المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد فيلمه »الجنة الآن« في الولايات المتحدة (اي العام 2005) هو غير الوقت الذي عرضت فيه اللبنانية نادين لبكي فيلمها »سكر بنات«٠ الأول شهد إقبالاً كبيرا والثاني محدوداً وهذا ليس سوى انعكاساً لحال الأفلام الأجنبية من قبل ذلك التاريخ وبعده٠

SECTION 5


مؤلّف | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
James M. Cain
الكاتب الذي دق الباب مرّتين

1
كتب يقول: "ليس هناك ما هو أكثر ظلاماً من طريق سكة حديد في منتصف الليل. مضى القطار بعيداً وتكومت هناك منتظراً زوال الوخز في قدمي. كنت قد قفزت من الجانب الأيسر للقطار إلى الفاصل بين خطي السكة، ولم يكن هناك أية فرصة في أن أُشاهد من الطريق العام على بعد 200 قدم مني. بقيت هناك على يداي وقدماي جاهداً لأرى شيئاً ما عند الجانب الآخر من السكة. وكان هناك طريق مترب لمصنعين صغيرين في الخلف. كل شيء حول الطريق كان مساحات شاغرة، ولم يكن مضاءاً. كان لا بد أن تكون هناك الآن. كان لديها سبع دقائق قبلي. تركت محطة القطار قبل سبع دقاق من انطلاقه، واستغرقت رحلتي فيه ستة دقائق، وهي تحتاج إلى 11 دقيقة فقط لتصل إلى هنا. لقد اختبرت هذا عشرون مرة. جمدت بلا حركة وأمعنت محاولاً أن أتبين السيارة... لكنني لم أرها...»٠
هذا مقطع من رواية «تأمين مزدوج» التي كتبها جيمس م. كاين عام 1936. منذ جملتها الأولى نتبع وصفاً موحياً لخطي سكة حديد وهما جاثمان في سكون في قلب ظلمة الليل، وعلى الرغم من أن الطريق الرئيسية لا تبعد كثيراً، إلا إنها تبعد مقداراً كافياً لنشر الظلمة والسكون في المكان الذي قفز فيه بطل الفيلم من القطار جاثماً بلا حركة على يديه وقدميه، متطلعاً حوله باحثاً عن المرأة التي كان عليها أن تنتظره هناك حسب الخطة الموضوعة بينهما، حيث سيعملان على نقل جثة زوجها، الموجودة في سيارتها، ووضعها على خط سكة الحديد حيثما هو الآن بعد أن موه بعض الركاب وجعلهم يعتقدون بأنه هو صاحب الجثة التي سيقرأون عنها في صحف الغد٠

مثل باقي القصة، ودون الدخول في تفاصيلها وتقديم نهايتها المسيطرة، من السهولة نقل هذا الوصف إلى فيلم، أو تخيله صوراً تمر على الشاشة أثناء قراءة الكتاب. من السهولة متابعة ما يدور، وتحسس المواقف المشوقة التي تنتشر في العقل والجسد معاً. صحيفة «سترادي ريفيو أوف ليتراتشر» قالت مرة: "لا أحد توقف في منتصف واحد من روايات جيم كاين". وبعد قراءة ثلاث روايات من النوع »ميلدرد بيرس»، «ساعي البريد يدق الباب مرتين»، «سريناد»، يمكن طبيعياً استيعاب المقصود بذلك الحكم وتصديق الادعاء الذي فيه إذا ما كان القارىء معجباً بالأدب البوليسي ومتابعاً جيداً يفرق بين أنواعه٠

لانا تيرنر كما بدت في
The Postman Always Rings Twice

جيمس م. كاين لا ينتمي إلى عالم جورج سيمنون، باتريشا هايسميث، ديك فرنسيس أو أغاثا كريستي الملتزمة ـ شكلاً ونصاً ـ بالأدب الكلاسيكي للقصة، ولا إلى عالم أريك آمبلر، برت هوليداي أو أد ماكبين، حيث الرواية هي أقرب إلى مغامرة واحدة متصلة الأحداث وسريعة الإيقاع وليس لديها مجال كبير للإدلاء بشهادات واقعية أو نفسية. إنه يقف بين الاثنين مع اخرين من مدرسته وجيله تتميز أعمالهم بالعمق وبالمعايشة والتحليل النفسي من دون أن تبقى على اتصال بالصيغة الأدبية المغلقة أو تلتزم بالشكل الكلاسيكي للرواية الإنكليزية. هؤلاء جميعهم أميركيون وفي هذا بعض سبب ذلك الانفصال، لكنهم من ناحية أخرى، ورغم التشويق المختلف الذي يقدمونه، إلا إنهم أيضاً لا يسقطون في مدار الروايات الشعبية السريعة كتلك التي يوقعها برت هوليداي وأريك آمبلر مثلاً. هؤلاء هم، إلى جانب جيمس م. كاين: داشل هاميت، رايموند شاندلر وروس ماكدونالد. معهم، اشترك كاين في رسم ملامح معينة لفن القصة البوليسية التي مارسوها، لكنه اختلف في ملامح أخرى مهمّة أيضاً

لقد استقى كل هؤلاء شخصية البطل ـ الرجل، الخشن، المحبط، الوحيد، الذي يعمل في عناد، ويتوغل في القضايا الموكلة إليه، أو في الأحداث المرسومة له، فإذا به يبحر في عالم من الفساد الاجتماعي ليجد نفسه من القلة التي تسير دوماً ضد التيار السائد. إنه رجل من الطبقة المتوسطة وما دون، يعيش أجواء السنوات الصعبة، ويشهد تحطم الأحلام الجميلة، ويتعامل مع شخصيات مختلفة لكن المجرم فيها ينتمي إلى الطبقة الثرية، وضحاياه ـ من الطبقات الأخرى ـ قد تقدم على جرائمها بدورها، بدافع من الحب، الغيرة، الإحباط والدوافع الأخرى التي لا تخلو من العاطفة.
إبطال كاين، شاندلر، هاميت وماكدونالد، وإن اختلفوا، كانوا يسردون الأحداث على ألسنتهم، ومجرد القيام بهذا يحدث الاختلاف الكبير بينهم وبين أبطال أغثا كريستي وجورج سيمنون أو غيرهما، فبدلاً من الشمولية السردية التي لا تخلو من الإنشاءات الشاعرية الجميلة، والتي تبحر في تأليف اللغة الأدبية الجميلة أو المملة أو الاثنين معاً، تتصل كل الأحداث وتنضم في خط واحد ينطلق من الوصف الوحيد المتوفر وهو وصف البطل لما يشعر به، لما يراه ولما يحدث له بحيث ينقطع القارىء ـ بطبيعة الحال ـ عن تحسس ما يدور خارج الشخصية المروية إلا إذا تبرعت تلك الشخصية بتقديمه، وهي كثيراً ما تفعل ذلك من باب معايشتها. هذا يعني أن هذه الشخصية كثيراً ما تقدم شرحاً للواقع الذي تحياه، يتميز بالتواضع والبساطة كما بقيمة نادرة من تسحس الألم الناتج عن موقع هذه الشخصية في المجتمع وما تعانيه ـ في عناد وخشونة ـ منه. كل هذا، يرتسم في كلمات نقدية مريرة وساخرة في نفس الوقت

لكن المختلف في روايات كاين، كون بطله ليس بالضرورة تحرياً خاصاً (اسم تحري شاندلر كان فيليب مارلو، واسم تحري هاميت هو سام سبايد، وتحري روس ماكدونالد هو ليو آشر) بل إنسان ما. رجل له مشكلة. جريمة هو مرتكبها، وعقاب لا بد أن يصل إليه. كما إن الدافع لارتكاب جريمته، كما في «ساعي البريد دائماً يدق مرتين» و«تأمين مزدوج»، يبدأ من حب شهواني وتطلع إلى الأفضل عبر الطريق الوحيد المتبقى له، أو هو الإنسان الذي يعايش حالات مادية متقلبة تجعله محوراً لردات أفعال نفسية خطرة. وبما أن معظم أبطال كاين هم فقراء، أقرب إلى متصعلكين يبدأون رواياتهم من دون آمال، فإن الصراع للوصول ـ عندما تتاح الفرصة ـ يصير مزدوجاً. إنه يمر عبر الحصول على المرأة كما الوصول إلى مستوى أفضل من العيش، وكثيراً ما تكون الجريمة في سبيل أحدهما أو الاثنين معاً هي الطريق لتحقيق مثل هذه التطلعات المفاجئة

2
ولد كاين عام 1892 وبدأ حياته صحافياً في بالتيمور أولاً ثم في نيويورك في أوائل العشرينيات. وفي 1931 انتقل إلى كاليفورنيا، الولاية التي كانت محطة آمال وأحلام أميركا المنهارة تحت وطأة «سنوات اليأس» الاقتصادية. وقد التحق كاين بمترو غولدوين ماير لفترة حيث كتب بضعة سيناريوهات تحول معظمها لأفلام لم تنل حظوة من اهتمام أحد
في تلك الفترة اشتغل لحساب شركة مترو غولدوين ماير ولم تكن السيناريوهات هي أكثر ما طلب منه العمل عليه، بل كتب نسخاً من أفلام سبق لكتّاب آخرين ان وضعوها، او كتب الحوار لبعض الأعمال وأحياناً من دون ذكر إسمه في البطاقات الفنية٠


كان هذا في 1939 كما ذكرت، أي بعد سنوات من إطلاق كاين رواياته الأولى: «ساعي البريد دائماً يدق مرتين» في 1934 و«تأمين مزدوج» في 1936 ثم «سرناد» في 1938
في تلك السنوات كان المحفل البوليسي يغلي بروايات شاندلر وهاميت، ولم يكن الجمهور ـ على الرغم من إقباله على أولى روايات كاين إقبالاً شديداً وردات الفعل المتباينة التي وصف بعضها تلك الرواية بأنها غير أخلاقية ـ لينتقل بسهولة من الدهشة التي كانت ما تزال تعلو وجهه من قوة مضامين وإيحاءات أعمال شاندلر وهاميت الأخاذة إلى أعمال كاين «الأصغر» والتي بلا تحر خاص، والتي فوق ذلك كله لا يقف بطلها مذن البداية كرجل خيّر مثير للإعجاب، على الأقل من القراءة الأولى
كان هناك، طبعاً، من فهم شخصيات كاين وحكم عليها صواباً من المرة الأولى. فشخصياته ليست شريرة بل مذنبة، والفرق كبير. ولكن الغالبية لم تلتفت إلى عالم كاين ومراداته إلا من بعد سنوات طويلة، اقتنعت خلالها بأن في العمل ما هو أكثر من جريمة بسبب الجنس، وبطل أكبر من الصورة الأولى له

3
لقد اكتفت السينما حتى منتصف 1981 بأربعة روايات من أعمال كاين المتعددة هي: «ساعي البريد دائماً يدق مرتين»، التي كانت الأكثر تداولاً فظهرت في عدد من الأفلام الأميركية وغير الأميركية، «تأمين مزدوج»، «ميلدرد بيرس» و«سريناد». في صيف 1981 انتهى المنتج/ المخرج مالت كيمبر من تصوير «فراشة»، وهي عن رواية أخرى أقل شهرة لكاين لم يسبق لها ـ إلى حد علمي ـ الخروج على الشاشة، وقد طار هذا الفيلم سريعاً إلى مهرجان الفيلم الأميركي في دوفيل (فرنسا) حيث نالت بطلته بيا زادورا نوعاً من التألق كممثلة إغراء ـ ربما لأن الإغراء هو كل ما رأى محققوه في رواية كاين تلك.
فيلم »ساعي البريد دائماً يدق مرتين» كانت بدورها أكثر جرأة من أن تقدم هوليوود على تحويلها إلى فيلم في ذلك الحين. فيها نقل كاين أعباء الشعور الديني (المسيحي ـ الكاثوليكي نسبة للكاتب) بالذنب، والخطيئة، وأورد اسم الكنيسة في مواضع ترتبط بمكان الجريمة وكأن هذا تعبير عن السبب الذي من أجله يرى أن أبطاله يعانون الإحباط والأزمات الأخلاقية ويتحملون وزر ما يفعلونه مضاعفاً. والقصة، في تلخيص، تدور حول رجل بلا مستقبل يجد نفسه في ذلك المطعم المنزوي خارج المدينة، فيطمع في جمال زوجة صاحب المطعم ويهيم بها شغفاً حتى يقوده ذلك إلى الاتفاق معها على قتل الزوج. حين تقع الجريمة «الكاملة»، بعد عدة أشهر، يحمل كل منهما عبء الجريمة المشتركة، لكن بطل كاين إلى جانب ذلك العبء الخفي يتأكد من أن علاقته بتلك الإمرأة ليست عابرة، وإنه يحبها فعلاً. وفقط عندما يبدو المستقبل وقد استقر لهما، تقع حادثة طريق تقتل فيها امرأته في نفس الصورة التي دبرا فيها قتل الزوج. هذه المرة الماضي سيعود، ولن تصدق لجنة المحققين أن الحادثة الجديدة هي قدرية، وستفتح مجدداً الحادثة السابقة. هذه المرة سوف يتحمل بطل كاين وزر الجريمة وحده، بل وسوف يتحمل وزر جريمة أخرى لم يرتكبها

لم تستطيع هوليود، على الرغم من إعجابها بالرواية والموافقة عليها كقصة، تحويل العمل إلى فيلم حتى عام 1946، أي بعد 12 سنة من خروج تلك الرواية إلى الأسواق، والسبب في ذلك إن أحداً لم يستطع تجاوز المنطلقات العنيفة والمحرمات الأخلاقية التي كانت الرقابة تحرمها آنذاك، وتقديم فيلم بوليسي جيد في الوقت ذاته. في ذلك الحين، كان هناك عملان آخران لكاين نشراً بعد «ساعي البريد...» قد عرفا طريقهما إلى الشاشة هما «تأمين مزدوج» و«ميلدرد بيرس»، كما سنرى، وكانت السينما الفرنسية قد اقتبست رواية «ساعي البريد...» فعلاً في فيلم من إخراج ببير شانيل وتحت عنوان «الدورة الأخيرة» عام 1939، ذلك إن وكيل كاين، ومن بعد أن أسفرت كل اتصالاته مع شركات هوليوود عن خيبات أمل، سافر إلى باريس وباع حقها السينمائي إلى ببير شانل الذي أسند دور الزوج إلى الممثل ميشيل سايمون آنذاك
كان شانيل قد أخرج في تلك الفترة عدداً من الروايات البوليسية فامتلك يداً مجربة في هذا المضمار، لكنه أمام هذا العمل بالذات فشل في نقل الأحداث بأجوائها، وبدت مفارقتها عارية من الطبيعة التي ولدت فيها. «الدورة الأخيرة» لم يقدم فيلماً فرنسياً خالصاً، لكنه أيضاً لم ينقل الأجواء السابقة، فبدا بذلك وكأنه نقطة في منتصف مشروع

في 1942، وبناء على اقتراح من جان رنوار، قام الإيطالي لوتشيانو فيسكونتي ـ وقد عمل مساعداً لرنوار لفترة ـ بتحويل «ساعي البريد...» إلى فيلم إيطالي بعنوان «إغتيال». عالج فيسكونتي فيلمه من منطلقات مختلفة حاجباً العنف والجنس (فلا نشاهد الجريمة بل نسمع بها) عن شاشته، ومحولاً الفيلم إلى تبادل مواقف نفسية حيث الصراع يدور حول رجولة البطل ـ الذكر، أكثر منه حول أنوثة المرأة. هذا الفيلم منع من دخول الأسواق الأميركية لسنوات طويلة (حتى أواخر السبعينيات) وذلك لأن فيسكونتي لم يشر إلى مصدر فيلمه
في 1946 وصل دور هوليوود إذ قام المخرج الراحل تاي غارنت، الذي كان آنذاك يعمل لحساب شركة مترو، بتحويل رواية كاين الصعبة إلى فيلم بوليسي مشدود وذكي متجاوزاً المحرمات الأخلاقية المعمول بها في ذلك الحين. وقد أعطيت البطولة إلى لانا ترنر وجون غارفيلد وقامت مترو بإنتاج الفيلم تحت تأثير النجاح الكبير الذي حققه «تأمين مزدوج» الذي كانت شركة براماونت قد أطلقته في العام السابق

نسخة تاي غارنت تشهد الحبكة البوليسية متمتعة بتركيبة ذكية وبتمثيل ممتاز، إنما بتفاصيل أقل وبأبعاد نفسية أكثر اختصاراً، ولم يكن هناك عنف أو جنس بينان يختلفان عن مقدور الأفلام في الثلاثينيات والأربعينيات الواقفة في حيز الإيحاء البعيد
ولأن الشيفرة التي تحملها هذه الرواية بالذات، شيفرة عالمية و ـ إذا أردت ـ كلاسيكية، فإنه من السهل اليوم الوقوع على روايات أو أفلام تحمل إلى جانب الشيفرة ما يشير إلى تأثرها بتلك اللمحات الخفية للكاتب كاين. في 1957 قام جيمس هيدلي تشايس، وهو كاتب بوليسي يلقي مهارته على المغامرة والترفيه، بكتابة رواية مماثلة سرعان ما حولها هنري فرنويل إلى فيلم بعنوان «ثمن الجريمة»، كما كشف عن ذلك دان ياكير في مقالة مهمة نشرت في مجلة «فيلم كومنت» الأميركية بتاريخ آذار ـ مارس 1981
ويمضي ياكير ليقول إن القصة والفيلم مستوحيان من رواية كاين دون تغيير يذكر، كما يكشف عن اقتباس آخر تم في 1973 عندما قام كلود شابرول بإخراج «عرس الدم». لكن الحالة مع فيلم شابرول مختلفة، وأعتقد أن التشابة بين «عرس الدم» (لا علاقة للعنوان وللقصة بمسرحية لوركا الشهيرة) وبين «ساعي البريد...» عام إلى أكثر مما يمكن لناقد حصره، وذلك لأن الكثير من أعمال شابرول تتعرض إلى الثالوث الشهير (الزوج ـ الزوجة ـ العشيق أو العشيقة)، ولأن «عرس الدم» تم تناوله عن حادثة حقيقية تمت بالفعل، لكن مرة أخرى لا بد من الإشارة إلى أن شابرول يعترف بأنه قد قرأ «ساعي البريد...» وإنها تركت تأثير ما عليه، وإن نسخة من تلك الرواية قد وجدت في بيت القاتل
آخر الترجمات المصورة لهذه الرواية تردنا ـ طبعاً ـ من بوب رافلسون الذي لم ينقل فقط الرواية بحذافيرها ومشاعرها وعنفها، بل أيضاً بأجوائها المسيطرة لتلك الحقبة من الزمن. »تأمين مزدوج» تم تحقيقه مرتين فقط الأولى ـ والأفضل ـ في فيلم أخرجه بيلي وايلدر من بطولة بربارة ستانويك وفرد ماكموردي وإدوارد خ. روبنسون، والثانية في 1973، شريط تلفزيوني لجاك سمايت من بطولة لساماناتا أيغر، رتشاد غرينا ولي ج. كوب
القصة هي أيضاً حول جريمة لقتل الزوج، والدوافع العاطفية هي في ذات الحجم من الأهمية. لكن المختلف هو أن البطل ليس متصعلكاً، بل موظف في شركة تأمين يتعرف في إحدى زياراته العملية على زوجة فاتنة سئمت حياتها المملة مع زوجها. لكن الذي يعمل ضده ليس فقط مديره الذي لا يصدق أن حادثة القطار حادثة حقيقية، ويصر على اكتشاف مرتكب الجريمة، بل أيضاً المرأة ذاتها التي لديها عشيق آخر وتريد الهرب معه. إبطال هذه الرواية، كما إبطال معظم ما كتب كاين، محكوم عليهم بالنهاية. البطل يقتل البطلة، وهي تصيبه بطلق مماثل، فيجر نفسه إلى مكتبه حيث يسجل لمديره اعترافه كاملاً ويموت

فيلم وايلدر فيلم بوليسي مشدود يبدأ وينتهي كأنه لحظة عنيفة واحدة. يبدأ بفرد ماكموري يجر نفسه ليلاً إلى البناية التي تشغلها شركته، حيث يبدأ بسرد القصة ضمن فلا شباكات طويلة، وينتهي به، وقد سمع آخر اعترافاته مديره إدوارد روبنسون. الأحداث هي من وجهة نظر وتعليق صاحبها تماماً كما في الكتاب، لكن ما زاد في سحر وجمال التعليق والحوار المستخدم حقيقة إن واضعهما ليس سوى رايموند شاندلر (صاحب «الوداع الطويل»، «النوم الكبير» وروايات أرخى حولتها السينما ـ وهو، بالمناسبة، كاتبي البوليسي المفضل). شاندلر يسكب فوق حياة أبطال الفيلم ذلك الألم، وتلك المرارة، ويضيف إلى ما عند كاين من شاعرية سوداء خفيفة.
اجتماع كاين ـ شاندلر كان حدثاً سينمائياً لم يتكرر لاحقاً، ونسخة جاك سمايت بدت وكأنها منقولة عن نسخة بيلي وايلدر دون معالجة الأجواء ودون اتقان مشاعرها ومواقفها. كما بدا كاين بعيداً تماماً عن كل ما يروى على الشاشة (الصغيرة) ٠
فيلم »ميلدرد بيرس» كان أكثر الأفلام المأخوذة عن روايات كاين الأربعة إمكانية لإدخال التغييرات. ومن بينها جريمة قتل يبدأ الفيلم بها في محاولة لجذب المتفرج في حين أن الرواية تخلو منها. هنا، الأم وابنتها يتصارعان على حب واحد، ومايكل كيرتز ـ وإن نسج فيلماً جيداً ـ لا ينشل الفيلم تماماً من ثقل في حبكته تأخذ مداها في التطويل. الفيلم أنتجته في 1945 شركة وورنر، وأعطت بطولته لجوان كروفورد التي كانت حينها قد طردت (وفي بعض المراجع الأخرى وعن غير صواب «استقالت») من شركة مترو، لأن أفلامها الأخيرة لتلك الشركة لم تحقق نجاحاً تجارياً يذكر
والذي حدث بالفعل، هو أن مترو كانت تستغل نجاح وشعبية جوان كروفورد لتمرير سيناريوهات فاشلة، وبحكم عقد كروفورد مع الشركة، كانت الممثلة تضطر للعب تلك الأدوار الممنوحة إليها والمتكررة مما أخذ يؤثر على صورتها المعروفة. شركة مترو، وهي المحكومة برجل شكا منه الجميع وهو لويس ب. ماير، عبرت عن استيائها بفصل كروفورد وإلغاء العقد معها. لكن سوء التقدير كان واضحاً، إذ سرعان ما تلقفتها شركة وورنر، التي كانت أكثر الشركات الأميركية تواضعاً وتعاملاً مع الأفلام غير الكبيرة باستثناء شركة آركي أو، وأعطتها دور «ميلدرد بيرس». النتيجة ليس فقط فيلماً جيداً وبطولة مطلقة (هو فيلم نسائي على عكس روايات كاين الأخرى) بل أوسكارا استحقته الممثلة عن كل جدارة
أما »سريناد» ـ الرواية، هي واحدة من أمتع ما كتب كاين. إنها ليست رواية بوليسية، على الرغم من أنها تحوي في نصفها الثاني جريمة قتل وتحقيق، لكنها أيضاً رواية تبحث في النجومية، بطلها عازف موسيقي كان يبحث في القمامة عن طعامه، ويحتل غرفة صغيرة في فندق مكسيكي صغير، ثم غدا عازفاً أميركياً ناجحاً وملحناً مشهوراً. لكن كباقي روايات الكاتب، تحمل القصة تلك المحطات الزاخرة من المشاعر، ويحتل الجنس المكبوت والمشاعر المخنوقة مكاناً واسعاً. أخرج هذه الرواية على الشاشة أنتوني مان في 1956، وأعطى بطولتها لمرايو لانزا التي لم يكن بالصورة التي رسمها الكاتب في مخيلته قبل 14 سنة من الفيلم. معه جوانا فونتان وساريتا مونتيل وفنسنت برايس وأنتجته شركة وورنر أيضاً

الأفلام التي شوهدت لجيمس م. كاين (مؤلّفاً او كاتباً للسيناريو)٠
1938: Algiers | John Cromwell ****
1939: Wife, Husband and Friend | Gregory Ratoff **
1939: Le Dernier Tournant | Pierre Chenal **
1943: Obssessione| Lucino Visconti ***
1945: Double Indimnity | Billy Wilder ****
1945: Mildred Pierce| Michael Curtiz ***
1946: The Postman Always Rings Twice | Tay Garnett ****
1956: Slightly Scarlet | Allan Dwan ***
1956: Serenade | Anthony Mann ***
1974: Double Indimnity| Jack Smight ***
1986: The Postman Always Rings Twice | Bob Rafleson ****

SECTION 6

مخرج | ميسر مسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مايكل كاكويانيس
Michael Cacoyannis


لوأخذتَ مجموعة من الأشخاص الذين كانوا يافعين أو شبابا في سبعينيات القرن الماضي وسألتهم عن زوربا اليوناني فسوف تجد أغلبهم يعرف كثيرا أو قليلا عن الشخصية، فمنهم من شاهد الفيلم أو قرأ الرواية أو سمع الموسيقى. و لو سألت نفس هذه المجموعة عن اسم كاكويانيس فلن تجد إلاّ النادر منهم قد سمع بذلك الأسم. و رغم أن مايكل كاكويانيس مخرج زوربا – الفيلم هو واحد من أكثر مخرجي بلاد الإغريق ( في الواقع هو ولد في ليماسول، قبرص عام 1922) شهرة و مشاركة في المهرجانات الأوروبية حينها. لكن فيلمه زوربا هو واحد من تلك الحالات التي يسطع فيهل ضوء عمل فني لدرجة أنه يكسف ضوء من صنعه٠
زوربا الذي قفز من كتاب نيكوس كازانتزاكيس البديع إلى الشاشة و رقص على موسيقى ميكيس ثيودوراكيس الجميلة تحت إدارة كاكويانيس، تحولَ إلى حالة فريدة، شيء مثل الثقب الأسود الذي يمتص أكوانا كاملة بقوة جاذبيته. لكن في حالة هذا الفيلم، اجتذبَ زوربا كل جهد من صنعوه ليخلق مجدا لنفسه ولصورة انتوني كوين الذي يعتقد الكثيرون إلى اليوم أنه يوناني. زوربا منحَ بقوة حضوره الإثنية اليونانية (في مخيلة الناس) لممثل ٍ مكسيكي الأصل لم يحمل قطرة دم يونانية واحدة في شرايينه٠

لم يكن »زوربا« أول أفلام كاكويانيس، و إن كان أشهرها على الإطلاق. فالشاب الذي أرسله أهله ليدرس المحاماة في بريطانيا أكتشفَ هناك شغفه بالسينما، و حين عاد إلى اليونان، أخرجَ أول أفلامه حظ مفاجيء في أثينا. لكن في فيلمه الثاني ستيلا (1955) عَبَرَ كاكويانيس إلى النجاح على المستوى الأوروبي و من ثمّ العالمي. في هذا الفيلم أدارَ كاكويانيس الممثلة الشابة حينها ميلينا ميركوري في أول دور لها في السينما٠
في عام 1962، بدأ كاكويانيس العمل في الجزء الأول من ثلاثيته المستندة إلى الأساطير اليونانية فكان »إلكترا« الذي لعبت فيه القديرة أيرين باباس الدور الرئيس
عام 1964، قدّمَ كاكويانيس الفيلم الأشهر في سجله السينمائي: زوربا. و بعد ثلاث سنوات أخرجَ الكوميديا ذات البعد السياسي يوم خرجت السمكة من الماء. في عام 1971 عادَ للعمل مع باباس في الجزء الثاني من ملحمته الأغريقية المرأة الطروادية. وأتمّ هذه الثلاثية عام 1977 بفيلمه إيفجينيا الذي رُشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي كما كان من المرشحين لسعفة كان الذهبية ذلك العام.
كاكويانيس اتكىء على نصّ الأديب الروسي الكبير أنطوان تشيخوف بعنوان بستان الكرز ليقدم فيلما بنفس العنوان عام 1999


كاكويانيس واحد من أكثر المخرجين اليونان ترشحا للجوائز من خلال أفلامه التي نافست على السعفة الذهبية في كان 9 مرات بين عامي 1954 – 1977 ، و فازَ مرّة واحدة بجائزة لجنة التحكيم عن »إلكترا«٠
كما ترشحت أفلامه لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي 5 مرات و إن كانت لم تفز بالجائزة قط. أما الـ غولدن غلوب لأفضل فيلم أجنبي فقد حصدها مرتين: 1956 عن »ستيلا« و 1957 عن »فتاة ترتدي الأسود«. الذي نالَ عنه أيضا الجائزة الفضية لمهرجان موسكو. مهرجان القاهرة السينمائي كَرّمَ كاكويانيس عن مجمل أعماله عام 2000

أفلام
ستيلا (1954) ٠ Stella الأدوار الرئيسية ميلينا ميركوري و جورجيوس فوندا
س

ستيلا هو إقتباس بتصرف عن الأوبرا الشهيرة كارمن. حيث تلعب ميلينا ميركوري دور المغنية التي بها يُتيّم لاعب الكرة ميلتوس. ستيلا التي ترفض دائما عروض الزواج القسرية من ميلتوس تلقى حتفها بطعنة منه. الفيلم أثار َ حين عرضه جدلا أخلاقيا في المجتمع اليوناني المُحافظ كما قيل حينها أن مياتوس كان يُمثل القوى التي طاما حاولت فرض نفسها و توجهاتها على اليونان المضطربة سياسيا منذ إستقلالها. ميركوري، في دورها الأول، استفادت من الجدل في الداخل و الإحتفاء بالفيلم في الخارج فكان ستيلا بداية قوية لمسيرتها السينمائية التي رسختها إثر زواجها من المخرج الفرنسي الشهير جول داسان الذي التقته في مهرجان كان حين عُرض »ستيلا«٠


زوربا اليوناني (1964)٠ Zorba the Greek
الأدوار الرئيسية: أنتوني كوين – أيرين باباس – آلان بيتس
باسيل كاتب و مثقف بريطاني (من أصل يوناني) يصل جزيرة كريت باحثا عن إرث والده و عن وسيلة للخروج من أزمته الإبداعية التي فاقمتها حياته الشديدة النظام والرتابة...والثقافة في بريطانيا. باسيل يلتقي زوربا، شخصية ريفية مغامرة، رجل لديه شهوة حيوانية للحياة و...الحرية!
الإثنان يبدأن علاقة صعبة في البداية لإختلاف مفاهيمهما في كل شيء و عن كل شيء حولهما. لكن في النهاية و بعد فشل مغامراتهما باستثمار الغابة العائدة للدير على الجزيرة، يترك الإثنان أنقاض المشرع خلفهما و يقصدان الشاطيء حيث يحتسيان الخمر و يطلب باسيل من زوربا أن يعلمه الرقصة التي طالما رقصها زوربا في أفراحه و أحزانه
الفيلم غني جدا بالتفاصيل الروائية بحيث لا يمكن سردها في عجالة. لكن كلما شاهدتُ الفيلم، آخرها كان من عامين، و جدتُ فيه دهشة مختلفة، حميمة، شغوفة بالحياة٠
يحمل الفيلم في طياته لحظات من القسوة الإنسانية لعل أقواها ذلك المشهد الصامت حين تنتظر عجائز القرية بجانب سرير السيدة المحتضرة ليس لمواساتها، بل لإنتزاع القليل الذي تملكه في منزلها حين تلفظ نفسها الأخير٠ نال »زوربا« أوسكار أفضل تصوير بالأسود و الأبيض كما نالَ أوسكار أفضل سيناريو مقتبس عن أصل ٍ أدبي. الموسيقى التي كتبها ثيودوراكيس أصبحت أيقونة الموسيقى اليونانية حول العالم

يوم خرجت السمكة من الماء (1967)٠ The Day the Fish Came Out
الأدوار الرئيسية: كانديس برغن – توم كورتني
في هذه الكوميديا يتناول كوكويانيس خطر الأسلحة النووية أيام الحرب الباردة معتمدا على حادثة حقيقية حصلت في اسبانيا حين ارتطمت طائرتان حربيتان أميركيتان في سماء اسبانيا و سقطتا. الطائرتان كانت تحملان 4 قنابل نووية تمّ العثور عليها لاحقا. حوّل كاكويانيس الأحداث الى جزيرة
يونانية على وشك أن تشهد مشروعا سياحيا . السلطات لم تكن تريد إفزاع المستثمرين فترسل محققيها و ضباطها متنكرين على شكل سياح. لكنها بالغت في تنكرهم بحيث اعتقدهم سكان الجزيرة أنهم جنسيين مثليين. من هذا التناقض خلق كاكويانيس مناخا لكوميديا تصل إلى خاتمتها الحزينة ٠
أذكر أني أحببت هذا الفيلم حين شاهدته قبل أكثر 35 عاما . كما أذكر أن بعض الكتابات النقدية التي كانت تصلنا عبر اسبوعيات القاهرة عكست تباينا في رأيها من الفيلم. لكن اليوم حين أعود إلى ارشيف الـنيويورك تايمز مثلا أجد أنها كتبت: "... من الصعب أن نصدق أن من صَنَعَ »إلكترا« و»زوربا« هو نفسه الذي صنع هذا الفيلم السخيف و الفضفاض. لكن بما أن اسم كاكويانيس عليه فعلينا أن نقبل أن كل مخرج جيد يمكن له بين الفينة و الفينة أن يأتي باخفاق كبير كهذا..."٠
ليس من الضروري أن نتفق أو نختلف مع التايمز أو غيرها، المهم أن نحاول رؤية الفيلم مجددا (أو لأول مرة لمن لم يشاهده) و بعدها لكل حادث حديث


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular