أوراق ناقد

وصلتني رسالة شكر من الممثل البريطاني الشاب جيمس كوردون يقول فيها: "قد تكون المرّة الوحيدة التي سأكتب بها حول هذا الموضوع". والموضوع هو دوره في فيلم Into the Woods لجانب ميريل ستريب وكريستين بارانسكي وإميلي بلنت وآنا كندريك. الشكر لكون "جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب" وضعته على قمّـة ترشيحاتها لنيل الغولدن غلوبز المقبل: "شاهدت حفلات الغولدن غلوبز من لندن حيث عشت واستمتعت بالمشاهدة وتمنيّـت يوماً أن أقف على المنصّـة لاستلم هذه الجائزة".


Mar 20, 2009

TV | Critics| Summer Movies | Palestinian Cinema| Jack Nicholson | Antonioni's "Proffesion : Reporter"

ISSUE 402

COVER STORY


ناتاشا رتشاردسون (1963- 2009) التي رحلت عن 45 سنة
The White Countess
قبل يومين، ظهرت في 23 فيلما من العام 1968 من بينها
قبل ثلاث سنوات. إحدى المواهب الشابّة التي سنفتقدها٠


هل يساعد التلفزيون السينما العربية؟ الجواب لا لكن المسألة فيها أكثر من هذا الجواب القاطع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة الثانية من البحث في كيفية قراءة الفيلم قراءة صحيحة تدلف بنا الى جوانب الناقد نفسه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام صيف 2009 كثيرة وشاسعة الإهتمامات وكبيرة الحجم. الجزء الأول من جردة كاملة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الناقد والمخرج عدنان مدانات يلقي نظرة فاحصة وموجزة على السينما الفلسطينية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاك نيكولسون ممثل غير عادي من جيل الستينات طريقته موظّفاً مفرداته الخاصة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرة نقدية لفيلم »المهنة: مخبر« بطولة نيكولسون وإخراج أنطونيوني يلقيها ميسر مسكي



قضايا | هل يدعم التلفزيون العربي السينما؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا قيمة للأفلام التي تنتجها المحطّات التلفزيونية العربية لأن الإيمان بها هو إ
يمان مصرفي . ولا
قيمة للبرامج التلفزيونية عن السينما لأن الغاية تحويل
المشاهد الى رقم يستخدم للإعلانات
| محمد رُضا٠

الجواب من الآخر: لا
لو أن السؤال كان يدور حول التلفزيونات الأوروبية او الآسيوية البعيدة، لكان اختلف. هناك تقوم شركات ومحطّات تلفزيونية بإنتاج الأفلام السينمائية (او الإشتراك بإنتاجها لجانب شركات مختلفة) على أساس أن بعض العائد السينمائي سيصب في جيب المحطة، كذلك فإن حقوق البث التلفزيوني سيكون من نصيبها إما على النطاق الأوروبي (او الأسيوي) الشامل او -على الأقل- في البلد ذاته٠
محسوب كل شيء بما في ذلك حقيقة أن النوعية التي تنتجها معظم المحطّات التلفزيونية هي نوعية جيّدة. ليست أفلام أي كلام لملء الشاشات وتعبئة المشاهدين في زجاجات مرصوصة٠
عندنا هناك بالطبع قنوات ومحطّات وشركات تلفزيونية تنتج أفلاماً وعلى نفس المباديء التجارية. أنتج. أكسب من السوق الخارجي. أعرض في محطّتي. لكن الفارق في النوعية لأن الإيمان بهدف ثقافي شبه معدوم، بل معدوم تماماً٠
أنظر الى أي فيلم عربي جيد (مصري او لبناني او سوري او مغربي) تجد أنه من إنتاج سينمائي كامل في معظم الأحيان. الإستثناء الوحيد هو بعض الإنتاجات التونسية والمغربية أحياناً. هذا لأن هناك من لا يزال في هذا العالم العربي من لا يزال يفكّر بعقلية الفيلم الذي يمكن له أن يحقق صيتاً ونجاحاً بسبب من رسالته وفنّه ويقدم عليه لأن رسالته في الحياة تختلف عن رسالة معظم المموّلين الأخرين٠

إذا لم تستخدمه اختفى٠
نظرية داروين، الذي لا أؤمن بها، قالت أن الإنسان كان له ذنب لكنه اختفى لأنه لم يستخدمه٠
أحد أهم الأسباب الداعية لرفض هذا القول هو أن معظمنا لا يستخدم قدراته العقلية كاملة، مع ذلك لا يختفي العقل. بل يكتفي بالإنحسار في السلوكات والتصرّفات اليومية٠
هذا مطبّق على قطاعات عديدة، لكننا اليوم في صدد الحديث عن التلفزيونات. خاصّة وعامّة، فضائية وأرضية على حد سواء٠
الى جانب أن انتاجاتها في السينما ليست سوى فقاقيع هواء لا تترك وراءها أي حصاد إنساني او ثقافي ولا هي فن للفن حتى، فإن ما تنتجه من برامج سينمائية يتبع ذلك اللون الفاقع. نصف ساعة من اللاشي تؤدي الى نصف ساعة من لا شيء٠ يخرج المشاهد بعد البرنامج وهو علي إطلاع فقط بالمشاهد الدعائية للأفلام المعروضة وبالتوب تن الأميركي مترجماً عن المادة التي تشتريها المحطّات جاهزة٠
هذه هي المعادلة وأرجو أن يعلمني أحد الأصدقاء من القراء إذا ما كنت على خطأ او صواب فيها

فتاة شابّة جميلة . نحيفة. من الأفضل أن تتحدّث اللبنانية٠
مادّة هائمة مكوّنة من الترجمات حول الأفلام المعروضة على نحو: فيلم حلو كتير
مقاطع من الفيلم و "هلق ننتقل للفيلم الجديد اللي يمثلو مايكل رورك وهوّي ....«٠
وبعد ذلك: " وهلق مننتقل لجوليا روبرتس وفيلمه الجديد ٠٠٠٠"٠
وفي النهاية: "نشكركم اعزائي المشاهدين ونتمنّى لكم سهرة حلوة مع بقية برامجنا" او شيء من هذا القبيل الهزيل. إنتهى البرنامج٠
ضاعت فيه أيضاً نصف ساعة كان يمكن ممارسة رياضة او قراءة صفحات من كتاب او الإستماع الى الموسيقى او -على الأقل- الصفن الى الذات٠
المبدأ هنا هو أن الجمهور عبارة عن خسّ (إذا لم تكن من محبّي الخس أي خضار أخرى صالحة: قرنبيط، ملفوف، خيار الخ...) وهو رقم نقدّمه لشركة الإعلانات لكي ترفع من نسبة إعلاناتها في المحطّة. أمر - يتصوّرون- لا نستطيع فعله إذا ما أقدمنا على إنتاج برنامج ذا قيمة٠
ترى هل لو أن المادة عوض أن تُترجم كانت مكتوبة خصيصاً يغيّر سلباً علاقة البرنامج بالإعلانات؟ هل لو طار غنج المؤدّية وكلامها العامي المؤلف من نحو دزينة كلمات لا تتغيّر (هذا كل القاموس الذي لديها) سيحوّل البرنامج الى برنامج ذي قيمة؟
قبل أشهر عديدة تم صرف كاتب من محطّة تلفزيونية لأن المذيعة لم تحسن قراءة النص الذي كان يكتبه بالعربية الفصحى٠ كان لديها حق استبدال كلمة »أريد« بكلمة »بدّي« مثلاً، لكن هذا لم يكن كافياً. في الحقيقة لا شيء كافياً أمام التهام البرامج التلفزيونية من كل نوع وفي كل ميدان لعقول الناس. تفرفطها كحب الرمّان ثم ترميها وتعيد إغلاق الرمانة جوفاء. هذا هو دماغ المشاهد أعيد تركيبه بعد إفراغه٠

نقاط حوار
هل توافق على ما ورد هنا من فكرة أساسية؟ او هل تجد أن حسنات التلفزيون أكثر من سلبيّاته؟ وما رأيك بمستوى الأفلام المصرية التي تقوم محطّات وشركات غير مصرية بإنتاجها؟ أترى أن أياً منها يشكّل ما يناقض ما ذهب اليه هذا المقال؟


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عناصر النقد | الصوت المنفرد للناقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الناقد هو السينمائي الذي في الظل ومهمّته أكثر بكثير من الحكم على
العمل. مهمّته هي
تثقيف القاريء من خلال تثقيف نفسه والتواصل إنسانياً
مع الآخر
| محمد رُضا


أستعير عنوان الفيلم الأول لألكسندر سوخوروف في استيحاء العنوان أعلاه. عنوان سوخوروف كان »الصوت الفريد للإنسان« وأجد أن الإنسان، ناقداً او قارئاً هو لب الحديث هنا ولب الحديث في أي عمل إبداعي، كما كان -حسب فيلم سوخوروف - لب موضوعه٠
لكن استخدام كلمة الإنسان هي ليست ذاتها ككلمة »المرء« او »البشر« او »الرجل« او »الفرد«. هي معنية بتأطير صاحبها وحتى تفعل ذلك عليها أن تسحبه اليها مميّزة إياه عن باقي البشر٠ بذلك الصوت المنفرد للإنسان لا يعني أي إنسان مشى على قدمين، بل الإنسان من البشر. ذلك الحامل الصفة كاملة والتي شغلته وأتعبته لكنها لم تخنه ولم يخنها أيضاً٠
المنتشر من القول عبارتين متناقضتين بينهما فاصل كبير مُهمل٠
العبارة الأولى: الناقد هو إنسان يخطيء ويُصيب٠
العبارة الثانية: أنا لا أخطيء ودائما أصيب٠
العبارة الأولى اعتذارية من النوع الذي قد يردده ناقد حين يكشف له أحد خطأه او ربما هي تمهيده لما سيلي من آراء٠
العبارة الثانية أصعب فكّاً. على الأقل الأول أسهل عليه -ربما- العودة عن خطأه، بينما الثاني وضع نفسه في مكان عال جدّاً حتى على نفسه وأخذ يحسب -كالسياسي- أنه إذا ما تراجع عن رأي فإن الناس ستعتبره أقل مما يعتقد أنه نال الإجماع عليه٠
بين الإثنين الناقد المطلوب٠
لكن قبل الوصول اليه، فإن كلا الناقدين أعلاه يُعيل كثيراً على مسألة الرأي. الرأي كإنعكاس للشخص نفسه٠ حين يحكم أحدهما على فيلم او على جزء من الفيلم فإنه يستعين بشخصه وموقع هذا الشخص الداخلي فيه من المادة التي يكتبها٠
لكن الرأي الذي يذهب إليه هو في الحقيقة وهماً في داخله ألّفه من معطيات كثيرة. الحقيقة المناوئة هو الواقع٠ بالتالي: "فيلم »الأرض« في رأيي هو من أفضل أفلام يوسف شاهين" عبارة تستحق الوقوف عندها: أوّلاً لأن الرأي (مثل المشكلة) لا وجود له بحد ذاته، بل مستوحى من وقائع وحقائق ولأنه -ثانياً- لا يمكن أن يكون حكراً على صاحبه من ذات باب أن الواحد لا يمكن أن يعتبر أن الأوكسجين أوكسجينه الخاص. هذا خصوصاً في فيلم شمّر النقاد على اعتباره من أفضل أفلام المخرج المعيّن٠
ودعوني أفسّر كيف أن الرأي ليس كائناً بل تصوّر وهمي٠
تقرأ هذه المادّة على صفحة الكومبيوتر. هذه حقيقة٠ تفكّر فيها ما تفكّر. هذا رأي٠
الحقيقة لا تجد من ينقد صلبها وفحواها (صفحة. كومبيوتر) الا إذا غيّر شروطها (طبع الصفحة على ورقة)٠ الرأي هو ما تعلنه تلك الحقيقة من طرح٠
فيلم »الأرض« (واختر أي فيلم تريده) هو حقيقة. المخرج الذي قام بتحقيقه حقيقة. القصّة التي نشاهدها على شاشته هي حقيقة كذلك الشخصيات والأدوات المستخدمة لتحقيق الفيلم. ما هو رأي هو ما يُستخرج من كل هذه العناصر الحقيقية، فإذا بالفيلم رديء، وسط، جيد، ممتاز او تحفة حسب قراءة الشخص له وانفعاله به٠ إذا ما كان كل ذلك يشكّل رأياً وكل رأي داخل شخص شاهد الفيلم فكيف يمكن للرأي أن يكون حقيقة؟

رغم ذلك، فإن المزيد من النقاد، بالأمس واليوم، يعتبرون الرأي حقيقة وهو خطأ كبير. صاحب عبارة »الإنسان يخطيء ويصيب« قد لا يعتد كثيراً بالرأي (ظاهرياً على الأقل) لكن هذا لا يعفيه من مشكلة أنه يضع الرأي في مكان أعلى مما يجب٠
صاحب العبارة الثانية، يضع كل قيمته الإنسانية في الرأي ويضع الرأي بمثابة أمر لا يمكن المساس به٠
الوسطية هنا ستعتبر أن الرأي مهم٠ في النهاية، كل ناقد لديه رأي في المادة التي يكتبها مستخلصة (كما المفترض) من العملية الإبداعية التي يكتب عنها٠ لكن عليه قبل الإسراع في تأليف رأيه الرجوع الى الحقائق المبثوثة في المادة التي يكتب عنها. في السينما: الفيلم٠
حتى يستطيع ذلك، عليه أن يعرف٠
المعرفة لها ثمنان: الأول (من دون تفضيل) وقت مصروف بالكامل للمتابعة. الثاني: شغف لا حدود له بالسينما٠ كلاهما سلاح بالغ الأهمية في الكتابة الصحيحة وتأليف الرأي٠
لا تستطيع أن تكتب كلمة في السيناريو الا إذا كنت تعرف الكيفية الإبداعية (والتقنية والدرامية) للمهنة. لا تستطيع أن تكتب عن التصوير الا إذا كنت ملمّاً (ولا أقول محترفاً او حتى بارعاً فقط ملمّا) بالجوانب المختلفة من التصوير وكيف يحضّر مدير التصوير للفيلم وعلاقته بالمخرج و-حسب سؤال أحد الأصدقاء من القراء ذات يوم- كيف يتعاملان معاً٠
واسحب ذلك على كل الميادين٠
نعم الناقد عليه أن يعرف في كل شيء معرفة وثيقة لا تفضيل او عدم تفضيل فيها. عليه أن يعرف مدارس سينما الأنيماشن والا اكتفى بسرد القصّة. وعليه أن يعرف في البيوغرافي او السيرة الذاتية للملكة اليزابث او برواية تشيخوف او مسرحية شكسبير المنقولتان الى السينما والا وجد نفسه يكتب القصّة التي يراها ويكتفي بذكر شكسبير او تشيخوف كأصل للمصدر٠
الناقد هو السينمائي الذي في الظل٠ لا يعني ذلك أنه سيصنع ، بالضرورة، فيلماً أفضل من النتيجة التي وصل اليها المخرج (على الأقل بعض المخرجين) لكنه بقرأ الفيلم صحيحاً (ولا ينسى أن يضيف نعتاً متّفقاً عليه مثل »الكاتب العملاق« او »الروائي الشهير« الخ....)٠
والمسألة ليست في أن رأيه هو الصحيح ورأي المخرج او الناقد الآخر او الشعب بأسره معه او ضده في ذلك. المسألة هي إذا ما كان الناقد يقرأ صحيحاً وهو حتى يقرأ صحيحاً عليه الإلمام بالمفردات ومعرفة المنابع والمصادر التقنية والفنية والدرامية وحتى الشخصية وكل هذا يتكوّن من متابعة لا تتوقّف٠

قبل سنوات بعيدة سارعت مبدياً إعجابي بشاب بدأ يكتب النقد السينمائي٠ بيني وبين نفسي توقّعت له أن يصبح ذات يوم ناقداً فذّاً. لقد بدأ جيّداً- لم يبدأ كاملاً لكنه بدأ باستخدام سلاح الفضول والرغبة في المعرفة٠ مر نحو عام او أكثر قليلاً لم أقرأ له شيئاً، ثم وجدت له مقالة في إحدى الصحف فإذا به لا يزال يكرر ما كتبه . ذات المصطلحات. ذات الكلمات والمفردات. ذات الرؤية المحمّلة بمفهومه الخاص لما يجب أن يُكتب وكيف. الفارق هو عنوان الفيلم الذي يكتب عنه٠
الإنسان الذي في داخل الناقد (اذا لم يكن في داخله فإن أمره لا يعنينا) هو الذي يدفعه للتنقيب وللإجادة لأن العلم والمعرفة طبيعة إنسانية (»من عمل منكم عملاً فليتقنه« كما قال محمد صلى اله عليه وسلّم) بل شرط لتلك الطبيعة. كيف تكون إنساناً إذا لم يكن لديك دافع للمعرفة المطلقة التي بلا حدود لكل شيء قبل أن تبدأ بإختيار بعض هذه الأشياء. وسوف لن يكون عليك نبذ أشياء كثيرة. سيبقى كيف يطير العصفور بجناحين رقيقين بعيداً وعالياً وسريعاً من أغرب عجائب الدنيا في ناظريك٠ تستطيع أن تتحوّل بعد ذلك الى دارس علم الطيور، او دارساً لعلم السينما بينما الطيور لا تزال تستهويك وتطرح عليك الاسئلة٠
لأنك إنسان ستكتب بما تقتضيه الإنسانية. وستكتب لإنسان. ربما إنسان فيه مقوّمات محددة، وربما إنسان فيه مقوّمات أكثر. ربما لإنسان قيد التكوين وأنت تساعده او لإنسان تم تكوينه وأنت تتواصل معه وقد يساعدك هو٠


هل تلحظ ذلك الرسم الهندسي للمسألة؟
في النهاية: النقد عملية إنسانية تقتضي بتأليف الرأي مباشرة من الحقيقة (بعد حسن سبر غورها وقراءتها) ولا تعتبر أن الرأي أهم من: المادة الإبداعية مهما كان مستواها، ولا من كينونة الكاتب نفسه ولا -ثالثاً- من رأي الآخر ولا -رابعاً- من رأي المشاهد٠
الرأي، بالتالي، العنصر الواحد من شتّى العناصر، الذي تكوّنه لأنه ضرورة شريطة أن تكوينه يتألّف من خبرتك في المادة وليس من رأيك المسبق فيها والا لكان العنصر الوحيد او الرئيسي فيما تكتبه وهو ليس كذلك٠

سؤال: هل توافق على ما ورد في الموضوع أعلاه؟ ما هي ملامح الناقد الجيّد بالنسبة إليك؟


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملف | أفلام صيف 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مثل كل سنة يشكّل الصيف السوق السينمائي الأكبر حول العالم. هذا جزء أول
من جردة بما صرفت هوليوود عليه بلايين الدولارات لعرضه في هذا صيف هذا العام | محمد رُضا٠

في العالم المثالي، الأفلام ذات القيمة الإنسانية والفنية العالية وحدها يجب أن تٌنتج. في العالم الذي نعيش فيه هذا ليس شرطاً طالما أن تلك الأفلام النوعية لديها إطلالاتها. أكثر من ذلك، قد يناقشك البعض قائلاً أنه لولا السينما التجارية لما أمكن إنتاج أفلام غير تجارية، وهو قول لا يخلو من الواقع وتؤيده حقيقة أن الفترة الذهبية للسينما المصرية كانت خلال الستينات والسبعينات حين كانت الأفلام الجماهيرية معروضة جنباً الى جنب الأفلام ذات النوعية الأعلى مضموماً وشكلاً. كذلك الحال -حينها- مع الظواهر الأوروبية. كيف كان سيمكن الإنقلاب على الفيلم السائد والخروج بالموجة الجديدة في فرنسا (وسواها) لولا أن هناك فيلماً سائداً يجب الإنقلاب عليه٠ ثم الى أين يتّجه الجمهور العريض حين يرغب بسينما للترفيه إذا ما كانت كل الأفلام من صلب واحد يزيدها تفكيراً ولو بكل النيّة الخيّرة في العالم؟

الصيف هو الموسم الذي بات فيه المشاهدون يتوقّعون فيه أكبر عدد من الأفلام الترفيهية الكبيرة. الموسم الذي يتركون فيه فيلماً جديداً يبز ويتجاوز فيلماً مماثلاً له مرّ في السنة الماضية، قبل أن يتجاوزه فيلم كبير آخر قبل نهاية الموسم. وهو الفصل من العام الذي تبرهن فيه السينما الأميركية -تحديداً- على أنها لا زالت على الخط نفسه مع معظم ملايين البشر من هواة السينما٠
عادة من عشرة الى إثني عشر فيلماً كبيراً يتلاطم بعضه مع بعض في جداول العروض كما في الحجم والقدرة على الإبهار٠ في الصيف الماضي شاهدنا نماذج لصراع الأفلام ذوات الأحجام الكبيرة والإنتاجات المصروفة بأسرها على إتقان حرفية الترفيه، من »أيرون مان« الى »العملاق المدهش« ومن »مفكرات نارنميا« الى »غت سمارت« مروراً بـ »انديانا جونز 4«، »هلبوي 2«، »هانكوك«، »المومياء 3«، »الفارس المظلم«، « الأكثر نجاحاً الى »ملفات إكس« الأكثر إخفاقاً٠
والتنافس الشديد امتد الى سينما الأنيماشن ففي الخامس عشر من آب/ اغسطس تم إطلاق
The Clone Wars
Wall-e أي بعد نحو ستة أسابيع من إطلاق
Waste Allocation Load Lifter Earth الأحرف الأولى لـ
وليس »جدار إ« كما كتب البعض٠
وهو تبع فيلم
Kung Fu Panda
الذي شهد عرضه في السادس من حزيران/ يونيو العام ذاته٠
وككل المواسم هناك الرابح والخاسر والحجم ليس العامل الوحيد الذي من أجله يحضر الجمهور هذا الفيلم او يتجنّب الفيلم الآخر لذلك فإن سؤال المليون دولار (او المئة والسبعين مليون دولار حسب ميزانية بعض الأفلام) هو: هل سيأتي الجمهور؟

هذا هو السؤال المطروح هذا العام أيضاً في خضم السعي لاستحواذ الإعجاب الأعلى وبالتالي الإيرادات التي تستطيع إختراق سقف البليون دولار، محليّاً وعالمياً. أمر واحد بقي لابد من الإشارة إليه. الصيف السينمائي يبدأ من الشهر الخامس من العام وليس في السادس منه٠
التالي جردة

أيار/ مايو


X Men Origins: Wolverine
Gavin Hood: إخراج
تمثيل: هيو جاكمان، لييف شرايبر، رايان رينولدز، داني هوستون٠
النوع: أكشن/ فانتازيا
برميير: 1/5/2009

كلما نظرت الى شخصية وولڤرن (كما سبق وشاهدناه واحداً من مجموعة أبطال »رجال إكس«) والى صورته حيث تخرج النصول الحادة من داخل يديه حين الغضب، لابد أن أتساءل عن أين تذهب حين لا يكون غاضباً. المقترح من قِبل الفيلم هو أنها تعود لداخل اليد. كيف تعود الى داخل اليد؟ الا تجرحها؟ مستعد لقبول الفانتازيا من أن العملاق الأخضر المسمّى بـ
The Hulk
قد ينتفخ فجأة فيتحوّل من رجل عادي الحجم الى عملاق، وذلك لأن المبررات بيولوجية، أما هنا فكيف تبرر دخول وخروج سكاكين داخل اليد. وانظر كم حجم تلك السكاكين... إنها سيوف٠
هذا الفيلم يضع السلسلة في مطلعها إذ يذهب خمسة عشر عاماً قبل بداية السلسلة باحثاً عن أصل الشخصية المذكورة٠
حظه الحالي من النجاح: 60-70 بالمئة


Star Trek
J. J. Abrams إخراج
تمثيل: كريس باين، زاكاري كوينتو، سايمون بَغ، إريك بانا، وينونا رايدر، ليونارد نيموي٠
النوع: خيال- علمي
برميير: 8/5/2009

لأفلام »ستار ترك« تاريخ عريق على الشاشتين الكبيرة والصغيرة وسجل متفاوت في الإيرادات آخرها
Star Trek: Nemesis | Stuart Baird (2002)
أضعفها٠
لأجل تجديد السلسلة وتوجيهها الى الجيل الشاب تم الإتيان بطاقم معظمه جديد على السلسلة (أي بإستثناء ليونارد نيموي- ولماذا هو من بين الآخرين؟) وشاب (بإستثناء المذكور، وينونا رايدر وإريك بانا) وإشعال الفضاء بمعارك فضائية (عوض طرح القضايا الفلسفية والوجودية في الأفلام السابقة) وتعيين المخرج ج.ج. أبرامز الذي لا أهمية تذكر له بين منفّذي الأفلام ولا خبرة في مثل هذا النوع من قبل٠
حظه الحالي من النجاح: 60-65


Angels and Demons
Ron Howard: إخراج
تمثيل: توم هانكس، إوان مكروغر، ستيلان سكارسغارد
النوع: فانتازيا تشويقية٠
برميير: 15/5/2009

تحب هوليوود التحرّش بالكنيسة الكاثوليكية ربما بسبب الخلاف بين الكاثوليكية والبروتسانتية وبينها وبين اليهودية والبروتستانت أكثر تقرّباً من اليهود من الكاثوليك (بشكل عام طبعاً وليس بالتعميم بأي حال)٠ المهم، هذا الجزء الإستكمالي لفيلم رون هوارد السابق (والناجح) »شيفرة دافنشي« يتحدّث عن محاولة توم هانكس، بطل الفيلمين، منع منظّمة دينية من تدمير الفاتيكان٠
حظه الحالي من النجاح: الفيلم السابق استفاد من الضجة الكبيرة. هذا؟ : 50/50


Terminator Salvation
Joseph McG : إخراج
تمثيل: كرستيان بايل، هيلينا بونهام كارتر، سام وورثنغتون٠
النوع: خيال- علمي
برميير: 21/5/2009

هذا أول جزء من »ترميناتور« من دون تواجد المنتجين اللبناني ماريو كسّار والبولندي أندرو فانيا في المشروع٠ ولم يعد السؤال، كما في المرّات السابقة، إذا ما كان من الممكن مواجهة »ترميناتور« فضائي والقضاء عليه قبل أن يقضي على »المسيح المنتظر«، بل صار: هل هناك إمكانية إنقاذ الأرض بعد موتها؟ العام هو 2018 ومحور الصراع بين غزاة الأرض والمقاومة التي يقودها كرستيان بايل، المعروف بباتمان في أفلام أخرى٠
حظه من النجاح: 80-90 بالمئة


Night at the Museum 2
Shawn Levy: إخراج
تمثيل: بن ستيلر، ستيف كوغَن، ريكي جرفايز، أووَن ولسون
النوع: كوميديا غرائبية٠
برميير: 22/5/2009

تم عرض الجزء الأول في كريسماس سنة 2006 . الآن تم نقله الى الصيف ليواجه الأكبر حجماً (ميزانيّة هذا الفيلم لا تزال يمكن لها إنقاذ بلد من الوضع الإقتصادي المتأزم) وفيه نرى بن ستيلر لا يزال يتعامل مع تماثيل الشخصيات المحفوظة في متحف واشنطن العاصمة التي تخرج للحياة خصيصاً له. لا تبدو القصّة جديدة لكن على المرء أن ينتظر ليرى. الإخراج طبعاً للعبقري شون ليفي الذي أنجز التحفة السابقة !
حظه من النجاح: يبدأ عروضه في اليوم التالي للفيلم السابق ما سيحد من إحتمال نجاحه: 50/50


Up
Pete Doctor, Bob Peterson إخراج
صوت: كريستوفر بلامر، جون راتزنبرجر، أدوارد أسنر
النوع: أنيماشن
برميير: 29/5/2009

من أفضل ستديو أنيماشن عامل في أميركا اليوم (وهي بيكسار) ومن أكثرها نجاحاً حول العالم هذا الفيلم الجديد الذي لدي إحساس (بعدما شاهدت مقدّمته) إنه قد لا يكون من ذات المستوى الذي عوّدتنا عليه بيكسار سابقاً. لكن من يدري؟ شعرت بذلك حين قدّمت فيلمها قبل السابق »سيارات« فإذا بالفيلم رائع. هنا قصّة رجل عجوز توصّل الى الطيران ببيته في الفضاء (بربط البيت بمئات البالونات) ليكتشف أنه ليس وحيداً في الرحلة بل هناك صبي تسلل الى المكان أيضاً. يذكّرني بالأنيماشن الياباني
Howl's Moving Castle | Hayao Miyazaki (2004)
من حيث فكرة البيت الطائر والدخيل الصغير (سناً) في بيت صاحب البيت٠
حظّه من النجاح: لا يقل عن 70 بالمئة

حزيران/ يوليو


Land of the Lost
Brad Silberling إخراج
تمثيل: ول فيرَل، داني مكبرايد، آنا فرايل، داني مكبرايد
النوع: فانتازيا
برميير: 5/6/2009

العالم الباحث مارشال (فيرل) ينتقل وصاحبيه (مكبرايد وفرايل) الى عالم مواز لعالمنا لا تزال تعيش فيه المخلوقات البدائية جنباً لجنب مخلوقات لم يثبتها العلم (بل السينما). المخرج سيلبرلينغ أنجز أفلاماً جيّدة من قبل منها الفيلم الكوميدي الواقعي
10 Items of Less
Lemony Snicket's Series of of Unfortunate Events والفانتازي الداكن
الحظ من النجاح: 60-70 بالمئة٠


The Taking of Pelham 123
Tony Scott إخراج
تمثيل: دنزل واشنطن، جون تورتورو، لويز غوزمان، جون ترافولتا٠
النوع: تشويق بوليسي/ إرهاب
برميير: 12/6/2009

سبق لجوزف سيرجنت أن أخرج هذه الرواية البوليسية لجون غودي سنة 1974 من بطولة وولتر ماثاو وكانت أكثر تواضعاً من هذه النسخة المضخمة التي يتولّى فيها دنزل واشنطن (مرّة جديدة مع المخرج سكوت) البطولة لاعباً دور رئيس فريق من بوليس مكافحة الإرهاب عليه التدخّل لمواجهة عملية إرهابية يقودها جون ترافولتا٠
الحظ من النجاح: 50/50


Streets of Blood
Charles Winkler إخراج
تمثيل: ڤال كيلمر، شارون ستون و
50 Cent
النوع: تشويق بوليسي٠
برميير: 13/6/2009

سينافس هذا الفيلم الفيلم السابق بصعوبة. الأول لديه الميزانية والمفرقعات. هذا يعتمد على التحريّات. ڤال كيلمر ينتقل الى لويزيانا المنكوبة بإعصار كاترينا للتحقيق في مقتل صديق له. التحريات الأولى تقول أنه مات نتيجة الإعصار، لكن بالطبع لن يكون هذا صحيحاً. فيلم العودة لشارون ستون٠
الحظ من النجاح: 50/50 أيضاً٠

البقية تأتي ٠٠٠٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما عربية | إنصافاً للسينما الفلسطينية، يكتب الناقد عدنان مدانات، تاريخاً
موجزً
لكن محدّداً للسينما الفلسطينية وعن بعض السينمائيين العرب الذين
لعبوا دوراً في
ذلك التاريخ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1970بدأت السينما الفلسطينية خطواتها الأولى في عمان في العام ومن ثم انتقلت إلى بيروت، هي كانت سينما تسجيلية، ونشأت في خضم حركة الكفاح المسلح الفلسطيني وضمن ظروف صعبة وعاصرت أحداثا خطيرة٠

السينمائيون الذين ابتدأت تلك السينما بهم كانوا ممتلئين بالحماسة الثورية ومؤمنين بدور السينما في خدمة الثورة. صنع أولئك السينمائيون أفلامهم ضمن ظروف صعبة سياسياً وأمنياً وفقيرة مالياً وضعيفة تقنياً. الأفلام التي أنجزوها كانت مصنوعة بتقنيات السينما التي تحتاج إلى بنى تحتية معقدة ومتنوعة غير موجودة، وإلى خبرات فنية تقنية لم تكن متوفرة في ذلك الحين للفنيين العاملين في الأفلام، مع ذلك كثيراً ما وجهت الاتهامات لتلك الأفلام بأنها متخلفة فنياً، وبأنها أفلام إخبارية دعائية. لا يخلو بعض هذه الاتهامات من الصحة في حين أن هذه الاتهامات، بعموميتها وتعميمها المجحف الذي تجلى في النظر إلى كل تلك الأفلام ككل واحد وهو ما نم عن جهل وعدم متابعة وعدم معرفة بجميع الأفلام التي أنتجت في حينه والتي تميز بعضها وتنوع في مادته وموضوعه وأهميته المعرفية والمعلوماتية وقيمته الفنية وأسلوبه٠

في المقابل، عرضت العديد من تلك الأفلام في حينه في المهرجانات والمحافل الدولية وأسهمت، بالتالي، في الترويج لعدالة القضية الفلسطينية وفضح آليات العدوان “الإسرائيلي”، وساعد على ذلك انضمام الكثير من السينمائيين اليساريين من أنحاء مختلفة من العالم إلى جهود صنع أفلام تسجيلية عن فلسطين. ولم تكن المباشرة والنبرة الخطابية التي سادت بعض تلك الأفلام لتشكلا عائقاً أمام تقبل الجمهور، خاصة العالمي، لها، كما لم يكن الضعف التقني ليشكل سبباً للوقوف ضدها. وبالنسبة لغالبية المشاهدين، ما كان مهما في هذه الأفلام تحديدا أنها كانت تعالج القضية الفلسطينية في جوهرها وتقدمها كجزء من حركة تحرر وطني ضد محتل غاصب، بالاضافة إلى أنها كانت سينما تسجيلية سياسية بامتياز، وما كان لها إلا أن تكون كذلك، فقدرها كان أن تعبّر عن واقع هو في نهاية المطاف واقع سياسي٠

السينما الفلسطينية المعاصرة، التسجيلية والروائية، القصيرة والطويلة، هي الآن أكثر تطورا من النواحي الفنية والتقنية، وهذا أمر إيجابي للغاية ويدعو للتفاؤل. تصنع الأفلام الفلسطينية في زمننا الحاضر بظروف أفضل من ناحية الواقع الحياتي والوضع الاجتماعي، وبإمدادات أفضل من ناحية الإمكانيات المالية وأسهل من ناحية الوسائل التقنية، فغالبية الأفلام، إن لم تكن كلها، تصنع بوساطة التقنيات الرقمية التي لا تحتاج إلى البنية التحتية المعقدة، ولا تحتاج إلى العدد الكبير من الكوادر البشرية الفنية والتقنية كما في السابق٠

من جهة ثانية، لم تعد الأفلام تقتصر على النوع التسجيلي بل تطورت نحو النوع الروائي، سواء كان قصيرا أو طويلا، والنوع الروائي، بطبيعة الحال، أكثر جذباً لجماهير المتفرجين ويلاقي اهتماماً أكثر من قبل المهرجانات السينمائية. ومن المعروف أن بعض هذه الأفلام الروائية الطويلة حصل على جوائز سينمائية دولية مهمة، مثل فيلم الجنة الآن” لهاني أبو أسعد، وقبله فيلم “عناية إلهية” لإيليا سليمان.“٠

ولكن، وعلى الرغم، من الاهتمام الدولي بالأفلام الفلسطينية الروائية الطويلة الحديثة، إلا أنه من الضروري ملاحظة أن هذا الاهتمام يظل، في نهاية المطاف، اهتماما احتفالي الطابع، ولا يشبه ولا يقارن بذلك الاهتمام الذي لاقته الافلام التسجيلية الفلسطينية في السابق، وينعكس لا عبر جوائز ومظاهر احتفالية وصدى إعلامي، بل كان ينعكس بشكل خاص من خلال مواقف سياسية متضامنة مع القضية الفلسطينية، ما أدى بدوره إلى إنتاج أفلام سينمائية تسجيلية متضامنة مع القضية الفلسطينية من قبل سينمائيين أجانب، ونتج عن ذلك أن تعبير السينما الفلسطينية، في ذلك الحين، لم يعد يقتصر على الأفلام التي كان يصنعها السينمائيون الفلسطينيون فحسب، بل صار يشمل الأفلام التي يصنعها السينمائيون الأجانب المتضامنون مع القضية الفلسطينية٠

ويروي الفيلم الفلسطيني الروائي الطويل “تذكرة إلى القدس” تفاصيل معاناة عارض أفلام فلسطيني يجول في القرى والمدن الفلسطينية ملم ومجموعة أفلام 16المحتلة حاملا آلة عرض سينمائية من مقاس تسجيلية، متحملا كل انواع المعاناة في سبيل عرض الأفلام على المواطنين الفلسطينيين. وفي أكثر من موقع في هذا الفيلم الذي أخرجه الفلسطيني رشيد مشهرواي توجه زوجة عارض الأفلام الشابة، وهي تجادل الزوج، نقداً لطبيعة الأفلام التي يعرضها زوجها الذي ينتمي إلى جيل أقدم، وتنتقد تحديداً، الأفلام الفلسطينية التي ما تفتأ تعرض المشاهد ذاتها التي يراها الناس في الواقع خلال حياتهم اليومية فلا يعودون، حسب رأيها، مهتمين بمشاهدتها، لكن الزوج لا يلقي بالاً لانتقاداتها، ويظل يتابع مهمته التي كرس حياته من أجلها ويظل أيضاً يعرض الأفلام التي يعرف أنها ستؤثر على الرغم من كل شيء

في العام 1982 أنجز المخرج العراقي قاسم حول فيلمه الفلسطيني الروائي الطويل “عائد إلى حيفا” والذي صوره في لبنان، والفيلم مقتبس عن رواية غسان كنفاني. يتضمن هذا الفيلم مقولة رئيسية وهي أن لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالكفاح المسلح، كما يتضمن فيلم المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي “عرس الجليل”(1987)، والمصور داخل فلسطين المحتلة، مقولة سياسية مهمة تتعلق بجوهر الصراع العربي “الإسرائيلي” تشير إلى استحالة الوصول إلى سلام مع المحتل٠

هذان الفيلمان كانا باكورة الأفلام الروائية الفلسطينية الطويلة، وبعدهما تتالت الأفلام الفلسطينية الروائية الطويلة، الممولة وفق قاعدة الإنتاج المشترك أو مجرد التمويل الأجنبي، وانفتحت أمامها أبواب المهرجانات السينمائية الدولية وصولا إلى حصول بعضها على جوائز رئيسية. تحمل هذه الأفلام تواقيع المخرجين، إضافة إلى ميشيل خليفي في أفلامه اللاحقة، رشيد مشهراوي، إيليا سليمان، هاني أبو أسعد، والمخرجتين آن ماري جاسر ونجوى النجار٠

على الرغم من تنوع الأفلام الفلسطينية اللاحقة في المواضيع والقصص المسرودة، وعلى الرغم من اختلاف الأسلوب، تتشابه الأفلام في اعتمادها على مفردات متكررة، يراد منها أن تعكس الحال الفلسطيني تحت الاحتلال وأشكال القمع وأشكال المقاومة: الحواجز العسكرية، المجابهات بين جنود الاحتلال والمتظاهرين المدنيين، خاصة الأطفال، في شوارع مدن الضفة الغربية، المستوطنون الصهاينة ومصادرة الأراضي، يضاف إلى ذلك الإصرار على العيش رغم كل شيء. يبدو الفلسطينيون في هذه الأفلام أناسا طيبين بسطاء وضحايا. تنحو هذه الأفلام باتجاه معالجة تفاصيل الحياة اليومية، ويظهر مخرجوها قدراً من محاولة الظهور بمظهر الفنانين الذين يعالجون القضايا بموضوعية والذين لا يرون الأمور من زاوية واحدة، فلا يكتفون بتقديم صورة إيجابية عن المواطنين الفلسطينيين، بل لا يجدون ضيراً في أن يعرضوا السلبيات وأن يتعرضوا بالنقد لبعض أوجه التخلف الاجتماعي والتقاليد المتوارثة التي لم تعد مقبولة في الزمن الحاضر. لا نتعرف في غالبية هذه الأفلام الى الطرف الآخر، المتمثل بالعدو “الإسرائيلي”، إلا من بعيد، لا نرى منه إلا الجنود عند الحواجز أو أثناء المصادمات مع المتظاهرين، هذا إضافة إلى بعض المستوطنين، فلا تقدم هذه الأفلام العدو بكامل قسوته ولا تفضحه من حيث جوهره باعتباره عدواً مصيرياً، والصورة التي تقدمها هذه الأفلام عن أفعال العدو الإجرامية، هي أقل كثيراً من حيث تفاصيلها ومن ناحية تأثيرها الحسي في المشاهدين، من تلك الصور القاسية التي تبثها النشرات الإخبارية التلفزيونية يومياً والتي تعرض ما يتعرض له الفلسطينيون من تنكيل وقمع دموي٠

بسبب من اتجاه الأفلام الفلسطينية الروائية (ونحن نعتبرها فلسطينية فقط بسبب مضامينها ومواضيعها وبالأخص هوية مخرجيها، رغم مصادر تمويل معظمها، على الأقل، غير الفلسطينية) نحو الاكتفاء بمعالجة الحياة اليومية، فهي تنأى بنفسها عن معالجة القضية المصيرية الكبرى في جوهرها باعتبارها قضية صراع على الوجود، أي تنأى بنفسها عن الخوض بالمواضيع ضمن إطارها وجوهرها السياسي المباشر، الأمر الذي أشرنا إلى وجوده في الفيلمين الأولين “عائد إلى حيفا” و “عرس الجليل”٠

في “عائد إلى حيفا” يزور أبوان حيفا بعدما صار ذلك ممكناً لهما بعد حرب حزيران ليبحثا عن ابن لهما فقداه رضيعا خلال هروبهما من حيفا أثناء الاجتياح الصهيوني. عندما يلتقيان بالابن أخيراً يعرفان، بعد نقاش طويل صريح، أنه صار جندياً “إسرائيلياً” صهيونياً، فيقرر الأب بعد عودتهما إلى الأردن، السماح لابنه الآخر بالانضمام لحركة المقاومة المسلحة الناشئة، وهو ما كان يعترض عليه سابقاً٠

في “عرس الجليل” يصر القائد العسكري “الإسرائيلي”، كي يسمح لمختار قرية بإقامة عرس لابنه في وقت منع التجول، أن يحضر العرس كضيف. يضطر المختار لقبول العرض على الرغم من اعتراض الآخرين. في النهاية، يصور المخرج حفل العرس الذي حاول المدعوون “الإسرائيليون” فيه التصرف كضيوف مرحب بهم، ولكن على العكس من تظاهر “الإسرائيليين”، لا يخفي الفلسطينيون رفضهم لهذا الوجود، مما يجعلهم في النهاية يطردون “الإسرائيليين” من الحفل والقرية في هبة واحدة هي أشبه ما يكون بالانتفاضة. لا نعثر على مثل هذين الموقفين في الأفلام اللاحقة. أين يكمن الخلل؟

الفيلمان الأولان صنعا في زمن ما قبل اتفاقيات السلام، والفيلم الأول كان إنتاجا فلسطينيا مستقلا بتمويل عربي ليبي، أما الفيلم الثاني فكان إنتاجا مستقلا. الأفلام اللاحقة جاءت بعيد اتفاقيات السلام ومعظمها نتيجة تمويل أجنبي يعرف ما لا يريد رؤيته في الأفلام عن فلسطين، خاصة فيما يتعلق بفضح “إسرائيل” والصهيونية. لا نقول هذا للانتقاص من قيمة تلك الأفلام الفلسطينية الروائية الطويلة، إذ هي بطبيعة الحال انعكاس لمرحلة، على الأفلام اللاحقة أن تتخطاها لتعكس مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد غزة٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ممثل | ‬ أحداً‮ ‬غير نيكولسون لم‮ ‬يكن سيستطيع تقديم ذلك‮ »‬الجنون‮« ‬المدروس
على
الشاشة من دون أن‮ ‬يبدو مدروساً‮ ‬في‮ ‬فيلم‮ »‬واحد طار‮...« لكن هذا بعضاً
من عبقريّته
كممثل | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشخصية التي‮ ‬أدّاها جاك نيكولسون في‮ ‬فيلم مارتن سكورسيزي‮ ‬‮ »‬المُغادر‮« ‬هي‮ ‬قلب العمل بأسره‮. ‬شخصية ليوناردو دي‮ ‬كابرو وشخصية مات دامون ليستا سوى جناحي‮ ‬شخصية الممثل الأول‮. ‬إنه جسد الفيلم وكل الممثلين الآخرين هم الأطراف،‮ ‬هذا على الرغم من أن الفيلم كُتِب ليحتفي‮ ‬بشخصية ذلك التحرّي‮ ‬الذي‮ ‬يعمل مخبراً‮ ‬لدى العصابة والذي‮ ‬زرعه مكتب تابع للأف بي‮ ‬آي،‮ ‬وطلب منه أن‮ ‬يمثّل دوره جيّداً‮.‬
في‮ ‬كل مشهد‮ ‬يظهر فيه نيكولسون في‮ ‬ذلك الفيلم الذي‮ ‬شهد نجاحاً‮ ‬لا بأس به في‮ ‬العواصم العربية،‮ ‬هناك شيء خاص‮ ‬يحيط به‮ ‬يتعدّى مجرّد الظهور‮. ‬إنه‮ ‬يحاول سرقة الفيلم من بطليه الأقل سناً‮ (‬مجموع عمرا دامون ودي‮ ‬كابرو أقل بثلاث سنوات من عمر جاك نيكولسون). ‬وفي‮ ‬أحيان كثيرة‮ ‬يفعل ذلك بسهولة مثل المشهد الذي‮ ‬يلتقي‮ ‬فيه نيكولسون بدي‮ ‬كابرو لأول مرّة،‮ ‬او كما المشهد الذي‮ ‬يكاد فيه نيكولسون سحق‮ ‬يد دي‮ ‬كابرو‮. ‬
في‮ ‬أحيان أخرى‮ ‬يواجه سعي‮ ‬دي‮ ‬كابريو بأن لا‮ ‬يذوب أمامه ما‮ ‬يجعل المهمّة أصعب قليلاً‮ ‬كما المشهد الذي‮ ‬يفحص فيه نيكولسون دي‮ ‬كابرو في‮ ‬مشهد الذبابة الشهير‮ (‬يقتل نيكولسون ذبابة ثم‮ ‬يلحسها‮). ‬في‮ ‬مرّات قليلة‮ ‬يؤدي‮ ‬سوء تنفيذ المشهد الى شيء من الكوميديا ما‮ ‬يطيح بجهود الممثلين جميعاً،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬بجهد نيكولسون‮. ‬والمثال هنا المشهد الذي‮ ‬يطلق فيه مات دامون النار على نيكولسون فيرديه‮. ‬
لكن في‮ ‬كل هذه الحالات،‮ ‬تدرك أن نيكولسون ليس مجرّد ممثل‮ ‬يمكن له أن‮ ‬يتوه او‮ ‬يضعف او‮ ‬يتنازل أمام إجادة الآخرين او حتى إزاء شبابهم بصرف النظر عن قوّة إدائهم‮. ‬والطريقة التي‮ ‬يستخدمها نيكولسون في‮ ‬عملية التفوّق،‮ ‬المشروعة،‮ ‬على الآخرين هي‮ ‬مجموعة لغويات إدائية‮. ‬مفردات وحركات وتفاصيل أسلوبية‮ ‬يستخدمها لجعل عين المشاهد‮ ‬غير قادرة على إغفاله هو ومستعدة،‮ ‬في‮ ‬مقابل ضعف لغويات الآخرين،‮ ‬إغفالهم هم‮.‬
والمؤكّد أن نيكولسون‮ ‬يدرس السيناريو مشهداً‮ ‬مشهداً‮ ‬ويعلم ماذا سيقوم به وكيف سيقوم به مسبقاً‮. ‬وربما‮ ‬يتدخّل لتعديل مشهد كالمشهد الذي‮ ‬قطعه الرقيب العربي‮ ‬من الفيلم والذي‮ ‬يقع في‮ ‬الصالة المعتمة حيث‮ ‬يكشف نيكولسون هناك عمّا لا‮ ‬يُكشف في‮ ‬الأماكن العامّة‮. ‬


‮ ‬تاريخ عائلي‮ ‬
نيكولسون محارب‮. ‬لم‮ ‬يأتي‮ ‬النجاح إليه سهلاً‮ ‬بل سار نيكولسون في‮ ‬ظلّه بضع سنوات قبل أن‮ ‬يتقدّمه‮. ‬
ولد في‮ ٢٢/٤/٧٣٩١ ‬في‮ ‬مدينة نيويورك من أب‮ ‬غير معروف‮. ‬ليست هناك ورقة ثبوتية بولادته‮. ‬والدته،‮ ‬جون نيلسون،‮ ‬كانت راقصة ناجحة تعرّفت،‮ ‬وهي‮ ‬لا زالت في‮ ‬السابعة عشر من العمر،‮ ‬على شخص فرنسي‮ ‬الأصل إسمه دون فورسيللو‮- ‬روز ووقعا في‮ ‬الحب‮. ‬جاك كان الثمرة،‮ ‬لكن دون كان متزوّجاً‮ ‬وهي‮ ‬كانت بعد‮ ‬قاصرة ما اضطرها الى إنجابه في‮ ‬نيويورك وحمله الى أمها إيثل ماي‮ ‬التي‮ ‬قامت بتربيته‮. ‬أما الأب فقد حافظ على مسافة حتى لا‮ ‬يُقاد الى السجن بتهمة معاشرة قاصر،‮ ‬وحينها كانت القوانين أصعب مما هي‮ ‬عليه اليوم‮. ‬كان‮ ‬يمكن للزوجة أن تسجنه إذا ما كشفت أنه أنجب من أخرى‮.‬
لسنوات طويلة اعتقد أن إحدى شقيقاته‮ (‬يُقال شيرلي‮ ‬مكلين‮) ‬هي‮ ‬والدته هذا الى أن حدث،‮ ‬سنة ‮٤٧٩١‬،‮ ‬أن أكتشف صحافي‮ ‬كان‮ ‬يبحث في‮ ‬حياة الممثل أن والدته هي‮ ‬غير ما اعتقد جاك نيكولسون،‮ ‬وكان ذلك مفاجأة لجاك‮. ‬حينها كانت والدته وجدته رحلتا وأخذا سرّهما معهما‮. ‬
لكن جاك الصغير كان سعيداً‮ ‬في‮ ‬حياته،‮ ‬واعتاد الذهاب الى السينما مع زوج جدّته‮ (‬من آل نيكولسون‮). ‬في‮ ‬سن السابعة عشر قرر أن‮ ‬يحترف التمثيل‮ (‬بعد ظهوره على مسرح الكليّة‮) ‬وطريقه الى ذلك بدأ ساعي‮ ‬بريد لدى شركة مترو‮ ‬غولدوين ماير نهاراً‮ ‬ودراسة التمثيل ليلاً‮. ‬في‮ ‬منتصف الخمسينات تسلل الى التلفزيون وظهر في‮ ‬بضع مسلسلات‮. ‬لكن دخوله السينما بدأ سنة ‮٨٥٩١ ‬عندما جنّده المخرج والمنتج المستقل روجر كورمان لبطولة فيلم رخيص الكلفة بعنوان‮ »‬القاتل الباكي‮« ‬
The Cry-Baby Killer‮.‬
كان هذا الفيلم الأول في‮ ‬سلسلة من أفلام التشويق والرعب الصغيرة أبرزها‮ »‬باكراً‮ ‬على الحب‮« (‬إخراج رتشارد راش‮- ٠٦٩١)‬،‮ »‬دكان الرعب الصغير‮« (‬روجر كورمان‮- ٠٦٩١) ‬و»الرعب‮« (‬كورمان-‮٣٦٩١). ‬
تبع ذلك مرحلة قصيرة أخرى هي‮ ‬عبارة عن مجموعة من الأفلام التي‮ ‬مثّلها نيكولسون تحت إدارة مخرج أسمه مونتي‮ ‬هلمان ومنها‮ »‬إطلاق نار‮« (٧٦٩١) ‬و»ركوب الريح‮« (٧٦). ‬والى المجموعة التي‮ ‬بدأ نيكولسون التعامل معها أنضم بوب رافلسون الذي‮ ‬أخرج فيلماً‮ ‬بعنوان‮ »‬الرأس‮« ‬من كتابة وإنتاج وتمثيل نيكولسون‮ (٨٦٩١).‬

أول إخراج‮‬
الى ذلك الحين،‮ ‬كانت مهنة نيكولسون محصورة في‮ ‬أفلام ذات هويّات خاصّة لجمهور محدد‮. ‬هواة أفلام الرعب وهواة أفلام الأكشن والعصابات والأفلام الشبابية كلها بشرط أن تكون صغيرة‮. ‬وهي‮ ‬لأنها رخيصة وخارجة عن اهتمام ستديوهات هوليوود الكبيرة‮. ‬وهذا الوضع إستمر حتى سنة ‮٨٦٩١ ‬عندما دعاه الممثل دنيس هوبر للإشتراك معه،‮ ‬ومع بيتر فوندا،‮ ‬في‮ ‬بطولة‮ »‬إيزي‮ ‬رايدر‮« ‬عن سيناريو وضعه هوبر وقام بإخراجه مستخدماً‮ ‬مدير التصوير الذي‮ ‬كان هاجر من بودابست حديثا لازلو كوفاكش‮. ‬
الفيلم كلاسيكي‮ ‬وعلى هفواته واحد من تلك الأعمال التي‮ ‬بثّت الروح في‮ ‬الحركة الشبابية مانحة راكبي‮ ‬الدرّاجات النارية مفاتيح شرح رؤيتهم‮ ‬للحياة الأميركية ونقلها الى المشاهدين‮. ‬بذلك،‮ ‬هو فيلم عن تيار اجتماعي‮ ‬متّهم بأنه فوضوي‮ ‬وغير أخلاقي‮ ‬لكنه في‮ ‬أسوأ الأحوال تيار‮ ‬يحاول أن‮ ‬يسعى للحرية دون أن‮ ‬يفهم لماذا هي‮ ‬محدودة‮.‬
نال نيكولسون عن‮ ‬دوره في‮ ‬هذا الفيلم أول ترشيح للأوسكار والأهم إنه طرحه ممثلاً‮ ‬جاداً‮. ‬سريعاً‮ ‬من بعد ظهر في‮ ‬أول إنتاج هوليوودي‮ ‬حقيقي‮ ‬وهو‮ »‬في‮ ‬يوم صاف تستطيع أن ترى للأبد‮« (‬فنسنت مانيللي‮-٠٧٩١) ‬ثم عاد الى نوعية المواضيع التي‮ ‬تطرح مسائل حادّة في‮ ‬صميم الحياة الإجتماعية في‮ ‬فيلم‮ »‬خمس مقطوعات سهلة‮« (‬بوب رافلسون-‮٠٧٩١). ‬بعده‮ »‬معلومات جسدية‮« ‬لمايك نيكولز وأمام كانديس برغن وآن مرغريت اللذان كانا من أكبر الأسماء النسائية حينها‮.‬
هوليوود في‮ ‬تلك الفترة أخذت تموّل بترحيب شديد مثل هذه الأفلام التي‮ ‬تحشد نجوماً‮ ‬وتطرح مسائل لم تكن واردة في‮ ‬حسبان المؤسسة السينمائية لجرأتها او لخروجها عن النص التقليدي‮ ‬السابق‮. ‬موّلت أول إخراج قام به نيكولسون حين كتب ومثّل وأنتج‮ »‬سق،‮ ‬قال‮« ‬
Drive He Said
‮ ‬في‮ ‬العام ‮١٧٩١‬،‮ ‬وحين لجأ إليها بوب رافلسون بسيناريو‮ »‬ملك حدائق مارفن‮« (٢٧٩١) ‬وافقت سريعاً‮ ‬على تمويله‮. ‬


الأوسكار الأول‮‬
في‮ ‬تلك الأفلام كان أسلوب نيكولسون قد تبلور‮. ‬مفردات حركاته وشخصيّته السينمائية تأسست ونزعته لأفلام تواجه المسلّمات امتدّت لتشمل فيلماً‮ ‬رائعاً‮ ‬من إخراج هال أشبي‮ ‬عنوانه‮ »‬التفصيلة الأخيرة‮« (٤٧٩١) ‬حيث لعب نيكولسون دور بحّار عليه،‮ ‬وبحار آخر‮ (‬أوتيس‮ ‬يونغ‮) ‬قيادة بحار شاب‮ (‬راندي‮ ‬كوايد‮) ‬الى‭ ‬المحكمة العسكرية‮. ‬على الطريق‮ ‬يكتشفان أن الشاب طازج تماماً‮ ‬وبلا تجربة من أي‮ ‬نوع‮. ‬فيقومان بتلبية رغباته التي‮ ‬لم‮ ‬يبح بها قبل أن تتولّد لدى الشخصية التي‮ ‬يلعبها نيكولسون ثورة ضد النظام العسكري‮ ‬بأسره‮. ‬ترشيح نيكولسون للأوسكار للمرة الثانية ورد بسبب هذا الفيلم‮.‬
بعده جاء موعده مع المخرج البولندي‮ ‬الذي‮ ‬كان هاجر الى فرنسا ومنها الى أميركا رومان بولانسكي‮ ‬لاعباً‮ ‬دور التحري‮ ‬الخاص في‮ »‬تشايناتاون‮«. ‬الدور الأول مع مخرج أوروبي،‮ ‬والدور الأول الذي‮ ‬لعب فيه شخصية ناضجة‮. ‬بعد عامين لعب تحت إدارة البريطاني‮ ‬كن راسل الفيلم المنسي‮ »‬تومي‮« ‬ومباشرة بعد ذلك ظهر في‮ ‬فيلم الإيطالي‮ ‬مايكلأنجلو أنطونيوني‮ »‬المهنة‮: ‬صحافي‮«. ‬وبينهما لعب الدور الذي‮ ‬لا‮ ‬يٌنسى‮: ‬المتمرّد في‮ ‬مستشفى للمتخلّفين عقلياً‮ ‬يدير التمرّد ولا‮ ‬يرتدع‮. ‬فجأة ذلك المستشفى هو المؤسسة الأميركية بأسرها ونيكولسون قائداً‮ ‬للثورة‮. ‬الفيلم هو‮ »‬واحد طار فوق عش المجانين‮« ‬للتشيكي‮ ‬الأصل ميلوش فورمان‮ (٣٧٩١) ‬الذي‮ ‬نال عنه أوسكاره الأوّل‮.‬

كل فيلم من هذه الأفلام،‮ ‬أي‮ ‬من العام ‮٠٧٩١ ‬وصاعدا،‮ ‬يحتاج لمراجعة منفصلة‮. ‬نيكولسون تلحظه لب الفيلم وليس القصّة وحدها‮. ‬الممثل الذي‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يُثير الغبار حوله حتى إذا لم‮ ‬يفعل أكثر من الرد على سؤال او النظر باحثاً‮ ‬عن شيء‮. ‬إنه الرقيق المغلّف بعازل عاطفي‮ ‬إذا وهن هذا العازل وهنت الشخصية بأسرها‮. ‬أوسكار عن‮ »‬واحد طار‮...« ‬وبعده‮ »‬الحظ‮« (‬نيكولز‮- ٥٧٩١) ‬و»آخر الزعما‮»« (‬إيليا كازان‮- ٥٧٩١) ‬و»استراحات ميسوري‮« (‬آرثر بن-‮٨٧٩١) ‬ثم بفيلم ثان من إخراجه هو الوسترن الكوميدي‮ »‬ذاهب جنوباً‮« (٨٧٩١)‬،‮ ‬أنجز نيكولسون المرحلة الثانية من حياته الفنيّة‮. ‬

إذا ما كان‮ »‬تشايناتاون‮« (٤٧٩١) ‬‮ ‬فيلم جاك نيكولسون الأول تحت إدارة مخرج أوروبي‮ (‬رومان بولانسكي‮) ‬فإن حقيقة أن ذلك الفيلم تم تصويره في‮ ‬الولايات المتّحدة كفيلم أميركي‮ ‬صرف تطغى على العنصر المذكور‮. ‬هذا على عكس دوره في‮ ‬فيلمه التالي‮ »‬المهنة‮: ‬صحافي‮« (‬او كما‮ ‬يحمل إسماً‮ ‬آخر هو‮ »‬مسافر‮«). ‬فالفيلم من إخراج الإيطالي‮ ‬مايكلأنجلو أنطونيوني‮ ‬والتصوير في‮ ‬المغرب والبصمة الكبرى،‮ ‬كما الحكاية بأسرها،‮ ‬غير أميركية‮.‬
حتى‮ »‬تشايناتاون‮« ‬كان الإقبال على أفلامه مرهوناً‮ -‬غالباً‮- ‬لا بإسمه بل بمدى قابلية تلك الأفلام للنجاح‮. »‬تشايناتاون‮« ‬ثم‮ »‬واحد طار فوق عش المجانين‮« [‬ميلوش فورمان-‮٥٧٩١] ‬غيّرا هذا ووضعا نيكولسون كممثل مقصود لذاته‮. ‬وهو برهن سريعاً‮ ‬من بعد أنه‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يلبّي‮ ‬حاجة كل من الجمهور والفيلم لنوعيّة أدواره‮.‬
وفي‮ ‬حين أن‮ »‬المهنة‮: ‬صحافي‮« ‬استفاد من وجود جاك نيكولسون فيه،‮ ‬الا أن نيكولسون ليس حتمياً‮ ‬له‮. ‬كان أنطونيوني‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يجلب ممثلاً‮ ‬جيّداً‮ ‬كنيكولسون‮. ‬سيفتقد خصالاً‮ ‬نيكولسونية نعم،‮ ‬لكنه سيكسب خصالاً‮ ‬من مخرجين آخرين‮. ‬لكن‮ »‬تشايناتاون‮« ‬و»واحد طار‮...« ‬كانا مرتبطين به ولم‮ ‬يصبا ذلك القدر من النجاح الا بسببه‮.‬
بنظرة سريعة‮ ‬يدرك المرء أن أحداً‮ ‬غير نيكولسون لم‮ ‬يكن سيستطيع تقديم ذلك‮ »‬الجنون‮« ‬المدروس على الشاشة من دون أن‮ ‬يبدو مدروساً‮ ‬في‮ ‬فيلم‮ »‬واحد طار‮...« ‬ولم‮ ‬يكن هناك أحداً‮ ‬غير نيكولسون‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يجسّد شخصية التحرّي‮ ‬الذي‮ ‬تميد به سلسلة إكتشافاته عوض أن تصعد به‮. ‬في‮ ‬مطلع‮ »‬تشايناتاون‮« ‬يبدو نيكولسون كما لو كان مسحوباً‮ ‬من تلك الشخصيات التي‮ ‬لعبها باكراً‮ ‬حيث المزح والمرح ملوكان في‮ ‬طيّات شخصيّته،‮ ‬لكن ما أن تتعقّد الحكاية أكثر حتى‮ ‬يرتدي‮ ‬إداء نيكولسون لوناً‮ ‬جديداً‮. ‬بذلك كلا الوجهان‮ (‬الساخر والجاد‮) ‬مناسبان لنيكولسون في‮ ‬الوقت نفسه‮.‬


وحش
‮»‬اللمعان‮« (٠٨٩١)‬،‮ ‬فيلمه الوحيد مع العبقري‮ ‬الراحل ستانلي‮ ‬كوبريك،‮ ‬ليس فقط حجر زاوية في‮ ‬مهنة نيكولسون،‮ ‬بل واحد من أهم أفلامه في‮ ‬بال أي‮ ‬متابع لأفلامه‮. ‬مرّة أخرى وجهان مختلفان‮ ‬يتبدّلان تحت سقف دور واحد ولا‮ ‬يمكن فصل أحدهما عن الآخر‮. ‬حين‮ ‬يصل الكاتب جاك تورنس‮ (‬نيكولسون‮) ‬وعائلته الصغيرة‮ (‬الزوجة وإبنهما‮) ‬الى الفندق الكبير الغالق أبوابه شتاءاً‮ ‬معتقداً‮ ‬أن قبوله عمل الإشراف عليه لبضعة أشهر مناسب إذ سيتركه حرّاً‮ ‬للبدء بروايته الجديدة،‮ ‬نراه إنساناً‮ ‬عادياً‮ ‬في‮ ‬مهمّة مُبرّرة‮. ‬لكن قدم جاك تنزلق‮ (‬جسدياً‮ ‬كما ذهنياً‮) ‬في‮ ‬صلب شخصيّة أخرى متوحّشة لم‮ ‬يكن حتي‮ ‬هو‮ ‬يعلم إنها فيه‮. ‬نيكولسون من هذا الفيلم وصاعداً‮ ‬مخيف،‮ ‬ليس فقط على الشاشة حين‮ ‬يقرر تمثيل ما هو شرير،‮ ‬بل كإمكانيات تكشف عن نفسها بتلقائية‮.‬
فيلمه التالي‮ »‬ساعي‮ ‬البريد‮ ‬يرن الجرس مرّتين دائما‮« [‬إخراج بوب رافلسون عن رواية جيمس م‮. ‬كاين التي‮ ‬كانت تحوّلت الى فيلم سابق من إخراج تاي‮ ‬غارنت وبطولة جون‮ ‬غارفيلد سنة ‮٦٤٩١] ‬كان نقلة أخرى تجاه الصعب من الأدوار‮. ‬حين‮ ‬يكتب ناقد ما‮ »‬جسّد الممثل الدور‮« ‬فإن الذي‮ ‬في‮ ‬باله لا‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون أقل من المستوى الذي‮ ‬فعله جاك نيكولسون في‮ ‬هذا الفيلم‮: ‬
حكاية متشرّد‮ ‬يصل الى نزل وحانة ومحطة بنزين على طريق ريفية‮ ‬يديره رجل طيّب‮ ‬يعتني‮ ‬به ويرق قلبه عليه فيعرض عليه أن‮ ‬يشتغل له‮. ‬لكن للرجل زوجة جميلة‮ (‬لانا تيرنر في‮ ‬الفيلم السابق،‮ ‬جسيكا لانغ‮ ‬في‮ ‬نسخة نيكولسون‮) ‬وسرعان ما‮ ‬يهويان الى علاقة عليها لكي‮ ‬تستمر قتل الزوج‮. ‬نيكولسون‮ ‬يجمع القدرة على أن‮ ‬يبقى بطلاً‮ ‬وأن‮ ‬يتحوّل الى وحش في‮ ‬الوقت ذاته‮.‬
بعد ذلك لعب دوراً‮ ‬مسانداً‮ ‬في‮ »‬حُمُر‮« ‬بطولة وإخراج وورن بيتي‮ ‬مؤدياً‮ ‬شخصية الكاتب‮ ‬يوجين أونيل وعنه رٌشِّح لأوسكار أفضل ممثل مساند‮. ‬في‮ ‬العام ‮٢٨٩١ ‬لعب دور البوليس في‮ »‬الحدود‮« ‬للبريطاني‮ ‬توني‮ ‬رتشاردسون،‮ ‬الذي‮ ‬سيكشف فساد البوليس‮ ‬بدءاً‮ ‬بفساد نفسه‮. ‬في‮ ‬ذلك الفيلم هو رجل البوليس الذي‮ ‬يريد الإستفادة من موقعه لتحقيق حلم الإثراء،‮ ‬إن لم‮ ‬يكن لنفسه فلزوجته‮ (‬فاليري‮ ‬بيرين‮). ‬

جاك الكوميدي
هناك نوعان من الكوميديا في‮ ‬حياة جاك نيكولسون،‮ ‬تلك الساخرة التي‮ ‬ينتمي‮ ‬اليها‮ »‬واحد طار في‮ ‬عش المجانين‮« ‬وتلك التي‮ ‬يلعب فيها دوره كوميدياً،‮ ‬وهي‮ ‬قد تكون كوميدية داكنة او كوميدية عاطفية‮.‬
في‮ ‬فيلم‮ »‬شروط المودّة‮« (‬جيمس بروكس‮) ‬خبر مياه الدور الكوميدي‮ ‬النسوي‮ ‬الخفيف بنجاح،‮ ‬ثم خاضه أكثر في‮ ‬فيلم‮ »‬حرقة قلب‮« (٦٨٩١) ‬ثم نزغ‮ ‬الى الفيلم الكوميدي‮ ‬الداكن في‮ »‬ساحرات إيستوويك‮« ‬وكل هذه الأفلام من قيادة نسائية‮: ‬شيرلي‮ ‬مكلين في‮ ‬الأول،‮ ‬ميريل ستريب في‮ ‬الثاني‮ ‬وشير،‮ ‬سوزان ساراندون وميشيل فايفر في‮ ‬الثالث‮ (‬رغم إنه محور هذا الفيلم إذ‮ ‬يتصارعن عليه‮). ‬
في‮ ‬وسط هذه الأفلام كمن‮ »‬شرف بريتزي‮« ‬حيث الفيلم ساخر لكن أداء نيكولسون فيه جاد‮: ‬إنه القاتل المحترف الذي‮ ‬تطلب منه عصابته القيام بمهمّة جديدة‮: ‬قتل زوجته‮ (‬أنجليكا هوستون‮) ‬التي‮ ‬تعمل في‮ ‬المهنة ذاتها والتي‮ ‬تنفّذ أيضاً‮ ‬مهمّة مماثلة من نفس الجهة وهي‮ ‬قتل زوجها‮.‬
‮»‬أخبار المحطة‮« ‬كان من تلك الأعمال التي‮ ‬تلمع من دون جهد كبير لأحد‮. ‬موضوع جيّد موظّف لأن‮ ‬يبدو كذلك من دون الإهتمام بالعمق‮. ‬دور نيكولسون فيه ليس قيادياً‮ ‬على الإطلاق وكان‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يستغني‮ ‬عنه‮. ‬الفيلم اللاحق له هو‮ »‬أيرونويد‮«: ‬دراما إجتماعية أمام ميريل ستريب‮ (‬ومن إخراج البرازيلي‮ ‬هكتور بابنكو‮): ‬جاك‮ ‬يبرز هنا كممثل ذي‮ ‬وعي‮ ‬إجتماعي‮ ‬يجعله مقبولاً‮ ‬في‮ ‬شخصية متشرّد‮ ‬يعاني‮ ‬من الشيزوفرانيا‮.‬
بعده‮ »‬باتمان‮« ‬حيث أتيح للممثل الاستيلاء على الفيلم بأكمله،‮ ‬بكل ما لدى نيكولسون من مخزون من الحركات التعبيرية والتصرّفات الغريبة لحد الجنون والقدرة على أن‮ ‬يكون نيكولسون كما‮ ‬يريده معظم المشاهدين أن‮ ‬يكون‮. ‬
الدور الذي‮ ‬لعبه هنا هو دور‮ »‬جوكر‮« ‬وإذا ما فحصت‮ »‬الجوكر‮« ‬في‮ ‬ورق اللعب وجدت معنى الدور بأسره‮. ‬نيكولسون هنا هو كاريكاتوري‮ ‬لدرجة التهريج،‮ ‬لكن‮ ‬يخطيء من‮ ‬يظن أن التهريج‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون على مستوى أرضي‮ ‬واحد‮. ‬عند نيكولسون‮ ‬يرتدي‮ ‬أوجه مختلفة خصوصاً‮ ‬وإنك تعلم أنه شرير الفيلم الذي‮ ‬سيضرب سريعاً‮.‬

جاك‮ ‬يخرج ثانية‮.‬
في‮ ‬منتصف الثمانينات اشتعلت الرغبة في‮ ‬تقديم جزء جديد من‮ »‬تشايناتاون‮«. ‬روبرت تاون،‮ ‬الذي‮ ‬كتب الفيلم السابق قدّم سيناريو جديد‮. ‬بولانسكي،‮ ‬مخرج‮ »‬تشايناتاون‮« ‬لن‮ ‬يكن قادراً،‮ ‬كما الحال الى اليوم،‮ ‬العودة الى الولايات المتحدة للعمل فيها إذ بحقّه مذكّرة توقيف بسبب فضيحة معاشرته قاصر‮. ‬لكن المشروع الجديد تعرّض لخضات مختلفة أدّت الى تأخّره المستطرد الى أن قرر نيكولسون سنة ‮٠٩٩١ ‬القيام بإخراجه‮.‬
كما مرّ‮ ‬معنا،‮ ‬كان نيكولسون حقق فيلمه الأول سنة ‮٨٧٩١ ‬في‮ ‬كوميديا وسترن بعنوان‮ »‬الذهاب جنوباً‮«. ‬هذه المرّة كان السيناريو الذي‮ ‬بين‮ ‬يديه‮ ‬غير ملهم وثقيل‮. ‬نيكولسون حاول جهده تقديم عمل مواز لقيمة الفيلم السابق،‮ ‬لكن الفيلم لم‮ ‬يكن أكثر من مثير للإهتمام،‮ ‬وهو لا‮ ‬يزال فيلم نيكولسون الأخير الثاني‮.‬
سلسلة أفلام نيكولسون القويّة لم تتوقف رغم هذا بل أن أدوار هذا الممثل أخذت تكبر وتنضج وتتنوع أكثر‮. ‬أولاً‮ ‬كان هناك‮ »‬هوفا‮« ‬حول مناضل في‮ ‬سبيل مصلحة العمّال‮ (٢٩٩١). ‬في‮ »‬ذئب‮« ‬عاد الى أحد أهم صفاته‮: ‬التخويف من شخصه عاقلاً‮ ‬كان او مجنوناً‮ ‬وهو بين الحالتين في‮ ‬شخصية الرجل الذي‮ ‬يتحوّل الى ذئب مفترس‮ (٤٩٩١)‬،‮ ‬ثم الى دور رائع في‮ ‬فيلم لممثل آخر من المستوى ذاته هو شون بن‮. ‬الفيلم هو‮ »‬حارس المعبر‮« (٥٩٩١). ‬
وآخر لقاء بين نيكولسون وبين المخرج بوب رافلسون حدث في‮ ‬العام التالي‮ ‬مع فيلم‮ »‬دم ونبيذ‮«.‬
الضروري‮ ‬ملاحظته هنا هو أن نيكولسون هو نيكولسون لكنه‮ ‬غير نيكولسون في‮ ‬الوقت ذاته‮. ‬المقصود هنا أنه في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يعتمد فيه على مفرداته التعبيرية ذاتها،‮ ‬يستفيد من مخزونه لترجمة الشخصية التي‮ ‬يؤديها الى ما هو مختلف عن الشخصية السابقة بذلك أداءه‮ ‬يبقى متجددّاً‮ ‬ومثيراً‮ ‬للإعجاب‮. ‬كذلك هي‮ ‬أدوار وشخصيات مجسّدة بشجاعة وبشخصية محترف‮ ‬يدرك إنه بلا منازع في‮ ‬مسألة دمج الإستعراض بالعمق‮. ‬
هناك أفلام أخرى بعد‮ »‬دم ونبيذ‮« ‬عادت به الى صرح الكوميديا لكنه برهن مرّة أخرى على أنه في‮ ‬أفضل حالاته حين‮ ‬يجد الدور المشبع بالجديّة كما الحال في‮ »‬العهد‮« (‬لشون بن أيضاً‮) ‬و»حول شميت‮« ‬لألكسندر باين‮.‬


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرة على | أحد الأفلام الرائعة التي تُحسب للمخرج مايكلأنجلو أنطونيو
ني وللممثل جاك
Profession: Reporter جاك نيكولسون هو الفيلم
التأمّلي العميق والثري
ميسر مسكي يحدد تلك المشاهد الرائعة التي في الفيلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في مشهد رائع من عشر دقائق، أو يزيد، يفتتح المخرج مايكلأنجلو أنطونيوني فيلمه. و يختمه بمشهد يفوقه روعة٠
يصل الصحافي ديفيد لوك (جاك نيكولسون) إلى قرية في العمق الإفريقي المقفر. إنه يبحث عن شيءٍ ما أو شخص ٍ ما. لكنه لا يستطيع التواصل مع الناس الذين يتجاهلون وجوده الذي يبدو أنه لا يعني لهم أكثر من دخان سيكارة أو غبار سيارته الذي سرعان ما يتلاشى. و ينتهي به الأمر وسط قفر ٍ مترامي الأطراف حيث نرى لوك من الخلف (زيادة في التعبير عن عدم قدرته على التواصل و خيبته) فيما أمامه تمتد صحراء لا تتناهى بفضائها الصامت إلاّ من صفير الريح. لوك يواجه خواء حياته فيصرخ لم أعد أهتمّ.
في هذا المشهد الطويل الذي لا حوار فيه، إلا ّ محاولة قصيرة من لوك و بفرنسية ذات لكنة، أن يسأل عن أمر ٍ ما، هناك تشويق و ترقب يفوق بمليون مرّة تلك البدايات اللاهثة والمفتعلة من سينما اليوم التشويقية٠

في القسم الأخير من الفيلم حين يـُدرك لوك أن مغامرته تكاد تصل إلى نهايتها البائسة، نرى أنطونيوني يضعه مجددا ً أمام جبل قاحل حيث نراه في لقطة من الخلف أيضا٠
لوك يعود إلى فندقه التعس حيث يقيم إلى جوار تاجر أسلحة بريطاني ديفيد روبرتسون ليجد الأخير جثة هامدة على فراشه، فيقرر أن ينتحل شخصيته بالكامل و أن يشيع وفاة ذاته (لوك). فلن يهتمّ للأمر أحد طالما أن الناس لا تتمايز كتلك الحشرتين السوداوين اللتين تتسلقا الجدار القذر في النزُل المتداعي٠
و تبدأ رحلة لوك/ روبرتسون إلى مواطن القلق وتداخل الهويتين و محاولة الخروج من الذات إلى الآخر غير المدرك أو المحسوس..... فهو الآن أصبح مُطاردا ً من غير طرف. فالمتمردين الذين كان روبرتسون وعدهم بالسلاح ينتظرونه الآن ليفي بوعده و أن يتم الصفقة. فيما رجال مخابرات الديكتاتور الإفريقي يطاردونه لمنع إتمامها. حتى على المستوى الشخصي وجدَ لوك نفسه متبوعا ً بلا هوادة من زوجته التي أرادت لقاء روبرتسون على أنه آخر من قابلَ زوجها المتوفى (دون أن تعلم أنها تطارد زوجها)٠
لوك/ روبرتسون يلتقي شابة (ماريا شنايدر. أين هي اليوم؟) في برشلونة، تدرس العمارة وتختار أن ترافقه في رحلة بحثه أو خلقه لهويته الجديدة. و حين يسألها بعد بضعة مصاعب
What the f… are you doing with me?-
تجيبه
Which me?-
لم يعد بالإمكان تمييز أين تبدأ الشخصية الأولى و أين تنتهي الثانية. لكن عند نهاية الفيلم و بعد أن يروي لها حكاية صديق له بقي أعمى طويلا ً و من ثمّ أبصر بعد عملية جراحية ليقرر الإنتحار فالعالم كان أبشع من أن ينظر إليه ، يسألها ذات السؤال ثانية: ماذا تفعلين معي؟ لاتجيبه، بل تقبّله و تخرج. لم يعد من الضروري أن تعرف (أقرأ: نعرف) أيهما هو، لوك أم روبرتسون. فالحكاية ليست أكثر من عالم قبيح و مُبصرون يختارون الرحيل على سأم أيامهم و قبحها٠
عشرة دقائق لا يمكن نسيانها من سينما أنطونيوني تختم قضية هوية المسافر. لوك / روبرتسون مستلق ٍ على السرير في فندقه الأندلسي الصغير. النافذة المفتوحة على نشاط بسيط في الشارع، تبدأ رحلة زووم بالغة البطء نحو الشارع فـ نرى عبر الشريط الصوتي ما يحدث في الغرفة فيما الكاميرا تتابع، ببطء مدهش، القليل

الذي يحدث في الشارع. مشهد يستعاد و يستعاد دون أن ترتوي منه. الظل و النور هنا شيء لا ينفصل عن دلالة الصورة.و حركة الكاميرا لتاريخ السينما٠
حين يُحضر البوليس زوجة لوك لتتعرف عليه، تجيب: ما عرفته أبدا .ً فيما المعمارية الشابة تتعرف عليه (على أيهما لوك أم روبرتسون؟) بإيماءة صغيرة من رأسها٠

ليس في فيلم أنطونيوني شيء أختير بالصدفة٠
-1-
حين تتمّ صفقة السلاح بين لوك / روبرتسون وممثل عن المتمردين الأفارقة فإن ذلك يحدث في كنيسة فرغت لتوها من إستقبال عرس ٍ بسيط وفيما بتلات الورد الأبيض مسفوحة على أرض الكنيسة
-2-
حين يلتقي لوك / روبرتسون بالمعمارية الشابة و تبدأ علاقتهما الغامضة الأبعاد، فإن ذلك يكون في واحد من أكثر أبنية أنتونيو غاودي ( المعمار الإسباني الأشهر) إثارة للجدل و الغرابة. ففي (بيت ميللا) يكاد يستحيل أن تعثر على خط ٍ مستقيم. فالبيت مفعم بخطوط منحنية و ملتوية تكاد تعكس حال الشخصيتين اللتين إالتقتا فيه على صدفة. طالما قال غاودي: الخطوط المستقيمة من صنع الإنسان. أما المنحنية فهي من صنع الربّ. أكاد لا أصدق أن هذا كله لم يكن في بال أنطونيوني حين أختار هذا المكان للقاء شخصيتيه٠
-3-
في بلدة أندلسية صغيرة يدرك لوك / روبرتسون أنه اُسقط في يده. السيارة مُعطلة. و البوليس يكاد يطبق عليه. في تلك اللحظة يقطع أنطونيوني على كلب ٍ، مشدود بسلسلة إلى باب، يحاول عبثا ً الفكاك من أسره (هل نقول مصيره؟)٠
-4-
يتوقف لوك / روبرتسون بسيارته في طريق ريفية ليسأل عن بلدة ٍ ما، فنراه يسأل رجلا ً عجوزا ً نصف مستلق ٍ على قبر وقد أسندَ ظهره إلى صليب أبيض كبير يقوم مقام شاهدة القبر. في هذا المشهد إرهاصا ً بالآتي من نهاية لمغامرة لوك / روبرتسون و بحثه عن الهوية٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

2 comments:

  1. السلام عليكم
    أؤيدك تماماً في ما تقول حول المحطات التلفزيونية،،، المسألة أعتقد بأنها أصبحت أشبه بمن يقف على ناصية طريق ويعيق كل من يمر على هذا الطريق، ولا سبيل لمن خبر التجربة أن يعود وينبه الذي وراءه ويحذره من أن هناك من يريد استغلاله، بأن هناك من يستفيد من مروره، على حساب مخه، بتسطيح دماغه والعبث به بذريعه الموضه أو التجديد -لاحظ أنهم لا يتكلمون أبداً عن الأفلام القديمة- هذا لأن الجيل السابق من المشاهدين لا يحذر الجيل اللاحق، والأجيال المتعاقبة على مشاهدة التلفزيون تتغير كل خمس دقائق، هناك ما يكفي من أجيال لكل برنامج في كل قناة وفي كل نوع، ومن يغدو منهم في مكان يصبح في مكان آخر ، الجميع يغوض في بحر القمامة الذي ينتجه التلفزيون، ، ولا مجال للتواصل،

    جزء من المشكلة هو جزء كبير من مشكلة أكبر، هو أنه لا أحد يقرأ، جمهور التلفزيون يختلف عن جمهور الانترنت في أنه يتابع ببلادة، وكل شيء يأتيه جاهزاً، على الأقل فإن بعض مرتادي الانترنت مضطرون للقراءة حتى يتفاعلوا مع هذا الوافد الجديد "الانترنت" ، كما أن هذا لا يعفيهم من كونهم يشبهون "التلفزيونيين" في أنهم يتبعون السائد

    بالنسبة لنقاط الحوار


    "هل تجد أن حسنات التلفزيون أكثر من سلبيّاته؟" لا أبداً، هناك برنامج واحد تقدمة قناة الجزيرة أسبوعياً وفيه القليل من ما يختلف عن البرامج الأخرى لأن الكلام الذي فيه يأتي مكتوب خصيصاً في بعض الأوقات، وهناك برنامج سكووب في ام بي سي يحاور الممثلين وأحياناً أقول "أحيانا" يقدمون أسئلة تليق أو تتعلق بالفن وغيره،،، ثم هناك قناة الجزيرة الوثائقية التي تقدم بين الحين والآخر برامج عن السينما "مهمة جداً" ،،، ولا شيءآخر، الباقي على حد علمي هم فريق من أصحاب الإعلانات يستهدفونون جيبك فقط،

    ReplyDelete
  2. -عناصر النقد2- تعقيب:

    أوافق تماماً وبدون أي اختلاف حول أي مسألة لكني ألحظ شيئاً بعد قراءة هذا السطر وأقتبس:


    "الإنسان الذي في داخل الناقد (اذا لم يكن في داخله فإن أمره لا يعنينا) هو الذي يدفعه للتنقيب وللإجادة لأن العلم والمعرفة طبيعة إنسانية "

    أعتقد بأن هذا الإنسان إذا ما وجد وإذا ما كان موجوداً بقوة أو طغى على أي شيء غيره في الناقد، فإنه سيدفع صاحبه لأن يكون ساذجاً ، خذ مثالاً عندما يكون هناك خطاب عقيم بين اثنين أحدهما يقدم "نفسه" ولا يقدم "رأيه" أي أنه يريد الإشادة لا غير، الشخص الآخر قد يكون على نياته، ويبدأ بنقاش موضوعي مبدياً رأيه وما إلى ذلك، ليس هناك نهاية للنقاش لأنه لا يبدأ أصلاً حيث يختفي ذلك الشخص الأول ولا يعود موجوداً أبداً، ويبقى الثاني كمن يحدث نفسه، وأحياناً يحدث ذلك للناقد عندما يتحدث عن فلم ما تجاري ونعرف هو لأي جمهور موجه، يبقى الناقد يتكلم ويبحث ولا أقول أن ذلك خطأ أو لا يجب أن يحصل لأنه في النهاية يكتب لقراءه وليس للفلم، لكنه ربما يفضي إلى ضياع بعض من الوقت وربما الجهد،
    هذه السذاجة تتبدا كثيراً بالنسبة لي في محاولاتي النقدية (وأنا أكتب في بعض المنتديات على الانترنت النقد لكني أخجل من عرضه هنا لاني لست جاهزا بعد) عندما أكتب عن فلم ما وأسهب في الحديث، ثم أفاجأ باختفاء الطرف الآخر (أقصد القراء والمتابعين لأنهم إما لا يقرؤون أو يقرؤون ولا يفهمون أو يجدونني إنساناً معقداً يتكلم بتعسف عن أشياء غير موجوده) ، وأبقى أتساءل
    "هل أضعت جهدي في الهواء" ثم هم لا يعودون إلى الموضوع مرة أخرى، وأقول "هذا ليس جمهوري" ،،، المهم في المسألة ليس الجمهور ، لكن المهم هو السؤال : "هل على الناقد أن يبحث في كل شيء وأمام كل أحد؟ حتى لو كان هذا الـ"أحد" يريد أن يشغل بال الناقد لا لشيء سوى عناد؟ أو أي سبب؟" لأنه أحياناً يجب فعلاً أن لا يشغل الناقد باله ببعض الأمور، لأنها تخص أشياء آنية موجودة ثم تمضي لسبيلها أو تموت،


    اقتباس:
    "ما هي ملامح الناقد الجيّد بالنسبة إليك؟"


    ما قلته في الأعلى لا يعني أن الناقد هو المخطئ بل المشكلة في الجمهور واختيار الناقد ، لذا ، الناقد الجيد حسب رأيي هو الذي يكتب في كل شيء ولا تخونه قريحته للإتيان بالجديد في كل مرة يقول فيها رأيه أو يعيد بحث مسألة قديمة بدون أن يكرر نفسه، لأن المقال النقدي هو عمل إبداعي بحد ذاته، يجلس إليه القارئ كأنه يجلس إلى فلم، فإذا كان العمل النقدي كذلك فإن (القطعة النقدية) إذا صح التعبير يجب العناية بها وبأسلوبها،،،


    آسف جداً أستاذ محمد على الإطالة ،،،،،،،،
    وأرجو أن لا أكون قد أزعجتك ، لأني أقرأ الفقرات واحدة واحدة وأكتب تعليقي عليها قبل أن أنساه،،،
    شكراً جزيلاً لك

    ReplyDelete