Mar 12, 2009

ISSUE 401|| أكبر عدد الى الآن

في عدد يوم الجمعة من "ظلال وأشباح"٠
ملف: أفلام صيف 2009
قضية: هل يدعم التلفزيون العربي السينما؟
عناصر النقد: النداء الباطني للناقد
محاضر جلسات ستيفن سبيلبرغ وجورج لوكاس حول فيلم »إنديانا جونز«٠
سمات وأفلام جاك نيكولسون
ضيوف: ميسر مسكي، منصور الحقيل، أمين الصوصي، نديم جرجورة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
COVER| STORY


أربعة أفلام سويدية تعرض في مهرجان »ترايبيكا« القادم
Original أحدها بعنوان
وهو من بطولة توڤا نوڤوتي (الصورة) ومن إخراج انطونيو
توبلين و(الدنماركي) ألكسندر برونستد٠


في هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
SECTION 1

دراسات نقدية | ما الذي يرفع ويهبط بالناقد وما هي
العناصر التي تؤلّفه؟ ما هي الظروف التي تعترضه؟
ثم ما هي الشروط التي لا يمكن له أن يتنازل عنها؟
|
محمد رُضا يجيب٠
....................................................................
SECTION 2


مهرجانات | يقام مهرجان ترايبيكا تحت وطأة الوضع
الإقتصادي الجديد.... ماذا عن باقي مهرجانات هذا
العام؟ هل هناك ما هو محصّن منها؟ | محمد رُضا

....................................................................
SECTION 3

مقابلة | المخرج الوثائقي عبد السلام شحادة يتحدّث
عما
تستطيع الكاميرا إنجازه حيال ما يقع في عالمنا
اليوم
وتأثيره على الإنسان العادي | نديم جرجورة
....................................................................
SECTION 4

تحقيقات | هناك الكثير مما يقع في عالم اليوم والكثير
من
الأفلام التي تحاول عكسه وبعضها ينجح في وضع
النقاط
تحت الحروف | محمد رضا


....................................................................
SECTION 5

شخصيات | المخرج جان- بيير ملڤيل كان من أهم من
أنجبتهم السينما الفرنسية. ميسر مسكي يرسم بورتريه
حول
المخرج الذي تأثر بالسينما البوليسية وأثّر فيها
أيضاً


....................................................................
SECTION 6

السينما العربية | حوار سابق مع المخرج نبيل المالح
يكشف عن
تلك الآمال المعلّقة مع مقدّمة حول ما حمله
فيلمه السابق »بقايا
صور« من آمال وخلا منه فيلمه
اللاحق »الكومبارس
| محمد رضا
....................................................................
SECTION 7

السينما واتجاهات الزمن | بعد هزيمة ألمانيا في الحرب
العالمية
الأولى ومع وصول النازية الى السُلطة في
العام 1933 بدا
واضحاً أن سوق افلام البروباغاندا
ستنتعش على جانبي
المحيط | محمد رضا




SECTION 1 |دراسات نقدية
عناصر النقد السينمائي - العنصر الأول: الناقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

اذا كنت تحب السينما فهناك درجات لحبّها تتدرّج من الإعجاب الى الحب كوجه من وجوه الحياة الترفيهية او الثقافية، الى عشق وتيه وصولاً الى أن تصرف حياتك فيها ولها. قد تتحوّل الى مخرج او كاتب سيناريو او ربما ناقداً سينمائياً، وفي حالات كثيرة منتشرة في أرجاء هذا العالم، تصبح »سينيفيل« لا يفوتك فيلم ولا معلومة لكنك لا تمارس العمل السينمائي من قريب او بعيد٠
الناقد هو واحد وليس عدّة، بمعنى أن هناك نوعاً واحداً للنقد وبالتالي هناك نوعاً واحداً للناقد. وقبل أن يحل التساؤل او يتجاوزه البعض للرفض، لابد من الإيضاح: هناك عدّة توجّهات نقدية، لكن النوع واحد وهو أن يكون المرء حامل الصفة على حب بالسينما التي يكتب عنها لأنه يذود دفاعاً عن جوهرها الفني والثقافي ولا يعمل في الكتابة لأجل إعلان رأيه وإثبات صواب ذلك الرأي. وهو قد يكون ناقداً يريد التخصص في سينما معيّنة (هندية، عربية أميركية أميركية) او في نوع سينمائي معيّن (الرعب، الرومانسية، الميلودراما الخ..) او في فترات معيّنة (عندك من السينما الصامتة والى اليوم) لكن هذا كله تموّجات على اللحن الواحد وتوجّهات لا تنفي او تثبت نقد الناقد بل هي تحدد اهتمامه الأساسي من دون أن تنفي -بالضرورة- اهتماماته في الأنواع او الجوانب الأخرى٠
ليس هناك من ناقد لا يطلب قرّاءاً- او على الأقل لا أعرف شرقاً وغرباً بناقد لا يطلب قراءاً. وبالتالي يضعهم في باله حين يكتب ولو في شكل اسئلة ترده حين يضع بعض عباراته٠ بالتالي، ربما الصحيح القول أن لا ناقداً يكتب ولا يحب أن تجد كلماته صدى طيّباً. وبل أن بعضنا يكتب وفي نيّته أن يصبح أفضل ناقد على ظهر اليابسة، وهذا كله حقّ طبيعي٠ شأن إنساني لا غُبار عليه لأن الصواب والخطأ لا يتعلّقان بهذا الحق بل إذا ما كان لديه الذخيرة التي توفّر له تحقيق هذه الغاية. قد تمنعه نرجسيّته البادية، قد يمنعه تردده في الحكم على العمل الذي ينقده، او قلّة معلوماته او قلّة ثقافته او إذا ما كان النقد بأسره هو مركبة يتركها بعد أن يصل الى مناصب أخرى٠
وقد تمنعه شؤون لا دخل له بها: فهو قد لا يستطيع مشاهدة الأفلام الجديدة التي يتحدّث عنها البعض من حوله. ربما ليست لديه إمكانية السفر الى المهرجانات، او هو يعيش في بلد لا يمكن له فيه مشاهدة كل شيء او أي ظرف من هذا القبيل٠
رغبة الناقد الممارس للوصول الى أكبر قدر من المشاهدين/ القرّاء يجب أن لا تكون مصحوبة بأي رغبة أخرى مثل وهم التأثير على الآخرين. بالطبع حين يكتب الناقد يترك بين مريديه وقرائه آثاراً إيجابية. كثيرون يحبّون ما كتب، وكثيرون يحبّونها مع ملاحظات٠ لكن الفريق الثالث قد لا يعجبه وقد ينصرف لاحقاً٠ إذا ما كان الناقد جيّداً، فإن انصراف البعض عنه ليس مسؤوليّته الا إذا كانت كتاباته فعلاً لا يمكن أن تؤثر، لكن بوجود من يتابعه ويبقى معه، فإن ذلك يعني أن يكتب جيّداً ولكن ككل رسالة في كل زمان ومكان وحقل: لا يمكن أن تجد القبول بين كل الناس٠

لكن واحداً من أهم المؤثرات في عملية الكتابة هي شخصية الناقد نفسه٠
أيما كانت هذه الشخصية لابد أن تنعكس على كتابات معظمنا . تستطيع أن تحكم على نوعية أغراضه وبل على جوانب من شخصيّته إذا ما تابعت قراءته وحاولت القفز لما وراء الكلمات خصوصاً إذا ما كان الناقد منفتحاً على الغير او غير آبه للكشف عن هذا الجانب من شخصيته او ذاك. لكن المعني هنا ليست هذه الحالات النفسية او العاطفية او السلوكية على أهميّتها، بل ما هو أبعد: إذا ما كانت لدى الناقد السينمائي رؤية تتعدّى الفيلم والكلمات٠
ترتبط رؤى العديد من النقاد شرقاً وغرباً، شمالا وجنوباً، بالمصالح والتوجّهات التي يمكن أن تشملها كلمة السياسية٠
هناك نقاداً يكتبون التحاماً مع سياسة الصحيفة التي يكتبون فيها. هذا بيّن في الصحف الشعبية، مثل نيويورك بوست او ذ صن الكندية او تلك التي تحمل الإسم نفسه في بريطانيا الخ... او بين الصحف الحزبية. والصحيح كذلك أن الصحيفة اليوم حين تعيّن ناقداً في أي حقل (سينما، مسرح، أدب مطبوع الخ..) فإنها تختاره بناءاً على عدة عناصر من بينها إذا ما كانت توجّهاته السياسية هي ذات توجّهاتها. أحياناً يغلب توجّهه هو على ما تريد، لكن أسمه أكبر من أن يُصرف النظر عنه فيتم تعيينه على أي حال. هذا، مثلاً، حال الناقد الراحل ألكسندر ووكر في »ذ إيڤنغ ستراندارد« اللندنية حيث كان شديد التأييد للأفلام العاكسة هوية ايرلندا الشمالية رغم أن الصحيفة ذاتها، ومع توجّهها
اليساري العام، ليست في ذات الخندق الذي يقف فيه٠

في عالمنا العربي، تجد أن هناك نقاداً تم إختيارهم لاعتبارات هي ذاتها او مماثلة. الصحيفة او المجلة التي تريد أن تلبّي رغبة القاريء الذي لا يطلب عمقاً لن تطلب -مثلاً- من كمال رمزي أو أمير العمري او سمير فريد او خميس الخياطي او صلاح سرميني او مصطفى مسناوي او محمد رضا أن يكتب لها٠ وتلك التي في أقصى اليمين لن تطلب أن يكتب لها معظم الواردين هنا، وتلك التي علي اليسار لن تلجأ الى ناقد عٌرف عنه تأييده للسينما السائدة لكي يكتب فيها٠
هذه مناهج متواكبة شديدة التأثير على حرية الناقد السينمائي إذا ما أراد التعامل مع الوضع الإعلامي حتى ولو اعتقد أنه سيستطيع إثبات رؤيته ورأيه بصرف النظر عن رؤية ورأي الصحيفة. وهو لن يستطيع ذلك بسهولة على الإطلاق خصوصاً في الأيام التي بات فيه الإعلام موجّهاً أكثر مما كان عليه في أي وقت مضى وبات محسوباً على كل كاتب ما يضعه حتى وإن لم يكن سياسياً٠


كل ذلك قيود قد لا يراها القاريء، لكنها موضوعة أمام الناقد على طاولته. يرصفها أمامه. فهو لا يستطيع أن يكتب هنا لأن ذلك سيهوي بإسمه، ولا يستطيع أن يكتب في هذه الصحيفة لأنها يسارية او لأنها تنتمي الى حزب معيّن ولا يريد أن يُكنى به او يمثّله. وهو أيضاً لا يستطيع أن يقبل الكتابة لبرنامج سينمائي تلفزيوني طالما أن ذلك البرنامج قائماً على غاية الترفيه ... وهكذا٠
القيود كثيرة، أما القليل فهو الفرص المتاحة للتعبير الصحيح عن السينما وبالتالي عن الثقافة السينمائية وعن موقف الناقد المرتبط برؤيته الى الأمور من دون ضاغط او عائق٠
لكن الناقد لديه شروطاً أخرى لا يستطيع التنازل عنها وهي في أصل تلك الرؤى. على الناقد أن يتمتّع، في عرف هذا الناقد وليس لتصنيف أحد، برؤية إنسانية عالمية يؤمن بها زمناً بعد زمن وعصراً بعد عصر متوخّياً الخير لا لبلده فقط، بل لمحيط ذلك البلد وللمنطقة وللعالم بأسره٠
الناقد، مثلاً، قلّما يكتب عما يحدث للبيئة من إفساد وتدمير في الجو وعلى الأرض وفي البحر. لن تتاح له الكتابة عن جريمة بحق الإنسانية جميعاً ترتكب كل يوم وهي اقتطاع غابات الأمازون وما يلحق بذلك من أذى على مناخ الأرض (لأن الله سبحانه خلق العالم بميزان فإن خل هذا الميزان فإن الإنسان بكل ما أوتي من علم وقدرات لن يستطيع إعادته). الناقد سينتظر ان يتم إنتاج فيلم ما (وأن يراه أيضاً- وهذه مسألة أخرى) عن هذا الموضوع لـ "يفش خلقه" كما نقول ويكتب في هذا الموضوع. غايته بالطبع لفت النظر لا الى الفيلم وحده، فقد يكون جيّداً وقد يكون رديئاً، بل الى الموضوع المطروح داخله٠
هذا الا إذا اختط لنفسه أن يكتب عواميد صحافية مفتوحة كما يفعل الناقد نديم جرجورة في »السفير« او سمير فريد في »المصري اليوم« وسواهما فيكتب ما يريد


على ذلك، تلك الرؤية الإنسانية بالغة الأهمية لسبب آخر٠
إنها ستتدخل في كل رأي مكتوب عن -تقريباً- أي فيلم تحت الشمس٠
إنها ستتدخل في نقد فيلم »عين شمس« لابراهيم البطوط كما ستتدخل في نقد فيلم »بنت من البنات« لحسن الإمام. ستكون مع الناقد في عرضه ونقده لأي فيلم من إخراج أندريه تاركوفسكي كما في أي فيلم من بطولة بد أبوت ولو كوستيللو، ومن إخراج جان رنوار وجون فورد وفرنسيس فورد كوبولا وإيتوري سكولا او بييترو جيرمي كما لأفلام جيم أبرامز او كلود زيدي او حسن الصيفي او سيرجيو كوربوشي على حد سواء ومن منحى هو أبعد وأهم من مجرد »أعجبني« او »لم يعجبني« ٠
فهذه الرؤيا العالمية هي التي حفّزت الناقد أساساً على أن يدرس كل ما ينتمي الى صناعة السينما ويتعلم كل نظرياتها ومكوّناتها وعناصرها المختلفة لأنه بذلك كان يدرس صناعته هو كناقد٠ وهي التي تجعل الفرق بين الإكتفاء بكتابة وصف مثل »جيد« او »أفضل« او »أسوأ« او »رديء« او »باهت« الخ... وبين كتابة العبارة التي ستحدد لماذا استخدم الوصف الذي استخدمه، ثم هي- هذه الرؤيا العالمية- هي التي ستساعده على الإنتقال بنفس القدرة على الإقناع من العبارة الى الفقرة فالمقالة بكاملها لكي تبدو وقد أصبحت تعبيراً لا عن موقفه من الفيلم فقط، بل عن الفيلم ذاته٠
التفاوت بين النقّاد الحقيقيين أمر طبيعي ولابد منه ليس فرضاً بل بسبب الطبيعة البشرية. التفاوت بين النقاد ومن يكتب لأغراض مختلفة او لمن هم أصحاب رأي فقط غير موجود لأن هناك الناقد وليس هناك آخر٠ بذلك مثل الشجرة. هناك أشجار مختلفة كثيرة لكنها كلها أشجاراً. ما عدا ذلك، الآخر هو أي شيء الا شجرة٠

SECTION 2| مهرجانات
مهرجانات السينما في الزمن الصعب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


قبل أيام أعلن مهرجان ترايبيكا، الذي سيقام ما بين الثاني والعشرين من نيسان/ أبريل وحتى الثالث من أيار/ مايو من هذا العام، لائحة أفلامه وساقها بكثير من الإهتمام كونها الدورة الأولى له التي تُعقد في طيّ ظرفين بالغي الأهمية: الظرف الإقتصادي الذي يعصف بالولايات المتحدة حالياً والذي له انعكاساته على معظم الشؤون والنشاطات المختلفة، والإدارة الجديدة التي أوكلت لجف غيلمور قبل أيام خلفاً لسابقه بيتر سكارلت٠
المدير الجديد تم سحبه من مهرجان ساندانس السينمائي الدولي الذي يُقام بنجاح منذ أكثر من عشرين سنة والذي يرأسه المخرج والممثل روبرت ردفورد. غيلروي هو أحد أسباب نجاح ذلك المهرجان إذ دفعه صوب تجسيد الغاية الأساسية التي من أجلها أقامه السينمائي المعروف وهو تشجيع السينما المستقلة أميركيا وعالمياً. لكنه أيضا طوّره بحيث بات يستقطب هوليوود التي وجدت فيه فرصة لشراء أفلام جديدة ولو كانت مستقلّة صغيرة وأحياناً بوجوه وأسماء غير معروفة، بل لأنها مستقلة وصغيرة وبوجوه وأسماء غير معروفة فهذا يعني أنها رخيصة ومن المحتمل لها أن تنجز إيرادات عملاقة بالمقارنة مع قلة التكلفة٠

أما مهرجان ترايبيكا فقد أنشأه روبرت آخر هو روبرت دي نيرو وذلك في أعقاب الهجوم على نيويورك وأعلن حينها، ولاحقاً أكثر من مرّة، أن المهرجان أنما يريد إثبات الدور الثقافي لنيويورك بعد الهجوم الإرهابي في العام 2001. وهو كان اختار للغاية بيتر سكارلت لإدارته وذلك لخبرته الطويلة في هذا المجال. فالسيد سكارلت اشتغل في العديد من المهرجانات كما مارس النقد السينمائي ومعروف في الوسطين المهرجاناتي والصحافي على حد سواء٠
مع دخول غيلروي كان لابد لسكارلت أن يخرج.... فالمدينة لا تتّسع لرأسين كبيرين في مجالهما٠ لكن في حين يعتبر سكارلت ان النقلة جاءت في وقتها إذ »يريد أن يجرّب تحديات جديدة« (وهو قول يصاحب عادة تاركي المناصب من باب التبرير) يعتبر مهرجان ترايبيكا أن تعيين غيلروي جاء أيضاً في وقته. ففي حين أثبت مهرجان سندانس نجاحه عبر السنين، يرى مسؤولي ترايبيكا أن مهرجانهم ربما انطلق بنجاح قبل ست سنوات لكنه الآن بحاجة الى حقنة مقوّيات في العضل ويرونها في حنكة المدير المسؤول عن نجاح المهرجان المنافس٠

إقتصاد مضطرب
لكن في وسط هذه النقلة المزدوجة، فإن المهرجان يشعر بأنه لا يمكن له أن يغفل الظروف الإقتصادية التي تمر بها البلاد. وهو لا يتطلّع الى إنجازات كبيرة هذه السنة خصوصاً وأن المدير الجديد استلم مهامه قبل أسابيع قليلة وبالتالي قد يشرف على التنفيذ، لكن التخطيط أمر آخر يتطلّب أشهراً مسبقة٠ المهم هو أن بعض بوادر الإقتصاد الحالي تترجم الى تحديد عدد المشاركات بنحو 86 فيلم عوض العدد الذي سجّله المهرجان في دورته السابقة وهو أكثر من 120 فيلم٠
والأزمة الإقتصادية ليست من نصيب مهرجان ترايبيكا وحده٠ السؤال الكبير المطروح حول العالم هو ليس إذا ما كانت المهرجانات ستتأثّر بالوضع الإقتصادي المضطرب.... بل أي منها سيتأثر أكثر٠
والذي لوحظ حين أقيم مهرجان سندانس في الشهر الأول من العام الحالي، أنه وللمرّة الأولى كان هناك غرف شاغرة في الفنادق الشتّى لمدينة سيتي بارك حيث يقام المهرجان. العادة هو أن ينتهي من لا يحجز لنفسه غرفة في الفندق او في شقة في البيوت المفروشة الى الإقامة في مدن بعيدة. لكن هذه المرّة لم يكن هناك مشكلة في ايجاد الشقق والسبب هو أن الشركات السينمائية أخذت تحصي نقودها وتترجم حذرها الى مراجعات حسابية انتهت بكثيرين منها الى إرسال فرق عمل أقل او الإحتجاب كليّاً٠
مهرجان برلين الذي أقيمت مناسبته التاسعة والخمسين لم يشهد رواجاً كبيراً كحاله في السنوات الماضية. هو أيضا عانى، ولو الى حد أقل، الوضع نفسه من حيث نسبة الحضور الآتين من أنحاء العالم. ولوحظ ذلك في إطار السوق السينمائية أكثر من سواه. ليس فقط أن ما بيع من أفلام في السوق كان أقل من المعتاد، بل أن عدد الأفراد والشركات الذي تم تسجيله هو أقل من المعتاد أيضاً٠
ترايبيكا هو الثالث الكبير على الطريق٠ لكن الأزمة تتخطّاه من الآن الى المستقبل المنظور٠
عربياً، فإن ميزانية المهرجان الرئيسي الأقرب في المنطقة العربية، وهو مهرجان الخليج السينمائي، تم تخفيضها تبعاً للمستجدات. ليس هناك من أرقام يمكن الإستعانة بها لكن التخفيض واقع وتأثيره سيشمل عدد المدعوّين من رجال الإعلام ومن السينمائيين كما يخبرني رئيس المهرجان الصديق مسعود أمر الله لكنه يأمل في أن يتمكن من تعويض ذلك بحسن إختيار الأفلام وحسن اختيار المدعوّين أيضاً. يقول: "لا أهاب الموقف بل سأعمل على تحويله لمصلحة المهرجان وواثق من نجاحه"٠


الأزمة عربياً
ومسعود أمر الله هو المدير الفنّي لمهرجان دبي السينمائي الدولي، وهو المهرجان الأول في الإمارات من حيث حجمه وحسن إدارته وتنظيمه والأفضل عربياً في أكثر من جانب : "الدورة الخامسة التي انتهت كانت الأكبر في تاريخه رغم أن الأزمة سبقت وقت إقامته. وهو أيضاً حفل بنجوم كثيرين وأمّن لمدعويه أفلاماً جيّدة وإقامات وفيرة. للعام المقبل فإن الوضع غير معروف بعد. سيستمر المهرجان لكن سيكون علينا مواجهة وضع جديد علينا جميعاً"٠
وما سيتعرّض له دبي لن يكون وقفاً عليها بل أن مهرجان القاهرة الذي يتلقّى دعماً محدوداً من الدولة (على عكس دبي) ويعتمد على دعم رجال الأعمال سيجد نفسه في مأزق مشابه، الا إذا بادر العمل من اليوم على تأمين ميزانيّته المقبلة٠
أما بالنسبة لمهرجان أبو ظبي السينمائي الذي عقد للآن دورتين، فهو من المهرجانات القلائل التي لا يبدو أنها معرّضة -هذه السنة على الأقل- لمثل هذا الإضطراب وذلك بسبب مناعة المدينة وحكومة أبو ظبي المالية وقدرتها غير المتأثّرة للآن على الصرف٠ لكن ما يهدده هو أفدح من تقليص او عدم تقليص ميزانية ما، لأن المشكلة بالنسبة هنا هي إدارية فهو، حسب ما كُتب عنه، فشل في إدارته وتنظيمه كما حفلت دورته الثانية بأخطاء أفدح من تلك التي وردت في دورته الأولى٠
أجنبياً، المسألة الواضحة أنها جميعاً ستتأثر بما فيها مهرجان »كان« السينمائي الدولي٠ ربما سيحظى بدعم المحافظة والمدينة وبدعم وزارة الثقافة او سواها كما هو المعتاد، لكن ارتفاع كلفة الحضور ستؤثر بلا شك لا على عدد الحاضرين فقط بل على استعداد شركات الأفلام والمؤسسات الإعلامية تحمّل تلك النفقات بحيث أن ذلك سيصيب المهرجان بضرر واضح سيترجم الى تقليص نشاطاته في مجالي السوق السينمائي والعمل الإعلامي٠

أفلام ترايبيكا
طبعاً إذا ما استمر الوضع الى أسوأ ولما بعد هذا العام، فإننا سنشهد نهايات لعدد من المهرجانات الصغيرة والكبيرة٠ الأزمة لن تفرّق بينها. بعض الصغيرة ستستمر وبعض الكبيرة ستستمر لكن ليس على النحو السابق. هناك مهرجانات كبيرة ستصغر وكثير من الموظّفين سيجدون أنفسهم معرّضين للصرف٠ لكن في الوقت ذاته، ومن بين المسائل الغريبة، أن بعض المهرجانات الجديدة ستولد٠
الخطّة المزمعة لدولة قطر هي إنشاء مهرجانها السينمائي الخاص في الشهر الحادي عشر من هذا العام. وهو بالفعل ليس مهرجانها الخاص جدّاً إذ أنه يُقام بمساعدة وتعاون مهرجان ترايبيكا. الحاصل هو أن عقداً تم إبرامه بين قطر وبين مهرجان ترايبيكا بموجبه يتم نقل الأفلام وعدد كبير من ضيوف المهرجان النيويوركي الى الدوحة٠
هذا يوفّر الكثير من العمل على صعيد المهرجان القطري، فعوض أن يعمد الى إتصالاته وبرمجته الخاصّة وخوض معترك يتطلّب جيشاً من الموظّفين وأشهراً طويلة من التحضير، يتم توفير الطاقات مباشرة ونقل الخبرات والنتائج تقريباً كما هي٠
لكن ستبقى هناك الحاجة الى العمل الذي ينطلق من وينتهي بقطر ذاتها لأن العملية لن تكون نقلاً بالمسطرة من النسخة الأميركية على أي حال٠
وقائمة مهرجان ترايبيكا هذه السنة لا تختلف كثيراً في طبيعتها عن السنوات الماضية من حيث أن معظم الأعمال التي تعرضها أعمالا تخلو من الأسماء البارزة فنياً او تجارياً داخل أميركا وخارجها٠ حتى الأخوين مايكل ومارك بوليش ، المعروفان على نطاق الأفلام الفنية المستقلّة في الولايات المتحدة، ليسا شهيرين جدّاً. فيلمهما المعروض في المهرجان تحت عنوان »إحفظ هدوءك« هو كوميديا من التصرّفات في إطار اجتماعي بطلها رجل (مارك بوليش نفسه) يعود الى بلدته التي تركها قبل عشرين سنة. يستلم عمله كمدرّس في ذات المدرسة ويجد نفسه منجذباً الى ذات المرأة التي عرفها من قبل (وينونا رايدر)٠
باقي الأفلام المعروضة في مسابقة الفيلم الروائي تشترك في أنها أيضاً مجهولة الشأن الى حد كبير٠ هناك مثلاً الدراما الفرنسية التي تقوم ساندرين بونير ببطولتها للمخرجة كارولين بوتارو بعنوان »دور الملكة« حيث نجد الممثلة تلعب دور خادمة كانت تعرّفت على إمرأتين تهويان لعب الشطرنج وبعد انصرافهما تجد نفسه وقد سقطت في هوى اللعبة بنفسها٠
من النروج فيلم عنوانه »شمال« للمخرج رون دنستاد وهو فيلم حول بطل تزلّج كان دخل المصحّة النفسية بعض إنهياره قبل حين وبعد خروجه بفترة قصيرة يصله نبأ أن لديه إبن بلغ الآن الخامسة من العمر وأنه موجود مع أمه في قرية في أقصى الشمال٠ من هنا الفيلم رحلة على الجليد يلتقي فيها الرجل بعدد من الشخصيات كل منها تشكل حالة خاصّة بها٠

Whatever Works

الإسم الكبير الوحيد الوارد بين الأفلام المشتركة في دوره هذا العام هو إسم وودي ألن، المخرج الأكثر نشاطاً بين أبناء جيله (كوبولا، سكورسيزي، دي بالما وحتى سبيلبرغ) وهو بعد فوزه بثقة الجمهور مجدداً عبر فيلمه الأخير »فيكي كرستينا برشلونة« ها هو ينجز فيلمه الجديد
Whatever Works
مانحاً بطولته هذه المرّة لإيفان راشتل وود، باتريشا كلاركسون ولاري ديفيد٠ وقد اختار ترايبيكا إطلاق دورته الجديدة بهذا الفيلم٠

الأفلام العربية
في الفيلم الألماني الصربي »هنا وهناك« نجد حالة مختلفة. هناك موسيقار محبط يجد أن إحباطاته ليست سوى البداية، إذ سريعاً ما يجد نفسه وقد أصبح بلا بيت. فرصة سد ديونه والعودة الى وضعه المعيشي السابق تأتيه عبر مهاجر صربي يعرض عليه الزواج من صديقته لتسهيل دخولها البلاد٠ حين وصول الموسيقار الى صربيا، يتعرّف على والدة الصربي ويقع في حبّها ويتأكد أن حلوله ليست ماديّة على الإطلاق بل عاطفية٠
مع السنوات والدورات صار من المتوقّع أن يرفع المرء يديه في الهواء وينفضهما من المسؤولية وهو يكرر: لا توجد أفلام عربية. وسواء شعر بالأسف لذلك او اعتبر أن ذلك أمراً عادياً لا يثير الغرابة فإن الحقيقة واحدة: الأفلام العربية الجيّدة قليلة ومعظمها لا يوجد من يتبنّاها للمهرجانات الدولية لذلك نراها تسبح بين شواطيء المهرجانات العربية وبين تلك الصغيرة في ايطاليا والهند وروتردام تجتمع حيث يُقام مهرجان عربي في أي منها٠
هذا - وهنا كلمة للأسف مستحقّة- على عكس السينماتين الإيرانية والإسرائيلية اللذان ربّيا ذلك الإهتمام كما يربّي المرء ولده٠ بمعنى أن الإشتراك الآتي من أي دولة ليس فقط اشتراكاً يولد للحظة، بل تسبقه محاولات دؤوبة وكم من الأفلام التي تتوالى كل عام ويتم استبعادها كل عام قبل أن تصبح لازمة وضرورية ولها وجود فعّال٠
الإشتراك الوحيد الذي فيه نصيب عربي ما قادم من بريطانيا عبر فيلم يعرض في مسابقة السينما التسجيلية بعنوان »فريق قطر«. إنه فيلم بريطاني بالكامل من حيث إنتاجه وتعليبه. المخرج ليز مرميِن انتقلت الى الدوحة لتتابع فريق عمل رياضي مشترك وتبرز النواحي الثقافية والعملية التي يمكن لثقافتين أن تجتمعا٠

SECTION 3 |السينما التسجيلية
مقابلة مع المخرج الوثائقي عبد السلام شحادة
الواقع في غزة أكبر من الخيال والفانتازيا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة


تميّزت الأفلام الوثائقية المتفرّقة التي أنجزها المخرج الفلسطيني عبد السلام شحادة، بدءاً من «يوميات فلسطينية» (1991)، بتناولها البصري مسألتين اثنتين، بدا واضحاً أنهما متلازمتان معاً في تبيان أهميتهما الإنسانية والحياتية في فلسطين: المآزق الداخلية للمجتمع الفلسطيني، وآثار الاحتلال الإسرائيلي. في المسألة الأولى، هناك «حقوق المرأة هي حقوق الإنسان» (1995) و»الأيدي الصغيرة» (1995/ 1996) و»الصبّار» (1997) و»العكّاز» (2000) و»الظلّ» (2000)؛ وفي الثانية، «قرب الموت» (1997) و»امرأة متميّزة» (1998) و»ردم» (2001) و»غزّة، دموع بطعم آخر» (2006) وغيرها.
فيلمه الأخير، «إلى أبي»، رسالة إنسانية شفّافة، ذات مناخ شعريّ جميل في مقاربة الصورة الفوتوغرافية، بتاريخها وراهنيّتها وتفاصيل عالمها المتشعّب من الفن إلى البيئة والعلاقة والذاكرة. والتطوّر الذي تابعه شحادة بخصوص تاريخ الصورة الفوتوغرافية هذه وآلة التصوير الخاصّ بها، رافقه في معاينة تبدّل أحوال المجتمع الفلسطيني أيضاً ٠

ما الذي حرّضك على اختيار الصورة الفوتوغرافية
وآلة التصوير الفوتوغرافي بالأسود والأبيض، مادة
لفيلمك الجديد «إلى أبي»؟

لم تكن المسألة تحريضاً، بقدر ما هي حنين وشعور بالغربة الحالية. هذا ما دفعني إلى العودة إلى المشاهد البصرية، وإلى علاقتي بتلك الأيام التي سجلتها، بين راحة البال والكاميرا الجميلة وحنيني إلى هذه الكاميرا الجميلة، التي خلقت فرحاً وحباً ودفئاً، دائماً. والكاميرا، التي شبّهتها بامرأة جميلة، كانت مولوداً جميلاً حينها، أحببناه جميعنا، إلى درجة أننا كنّا نُحضِّر أنفسنا أسبوعاً كاملاً لتسجيل هذه اللحظة، التي تبقى مُلكاً للتاريخ٠
غير أن هناك صورة بشعة الآن، لم يعد باستطاعة أي مصدر أن يتحكّم بها، لأنها أصبحت صورة مفروضة، وهي صورة الآخر، ولم تعد كالماضي، حين كان المصوّر يقوم بالتقاط الصوَر الشخصية ويُحمّضها ويُعالجها و»يضوّيها» و»يروتشها». وهذا كلّه يُسبّب تعباً لم يعد موجوداً الآن. اليوم، بات الجندي الإسرائيلي يُحدّد لك الصورة بواسطة جهاز
JUSTICE
هو الصورة المقبلة، وهو الذي يرسمها بحسب كمّية المباني التي تهدّمت، والشجر الذي ضاع، وأعداد الشهداء والمنكوبين٠على الرغم من عودتي إلى الأبيض والأسود، وما فيه من تباين، وحنين إلى هذا التباين، أفاجِأ بأنه امتدّ إلى الصوَر الحديثة، وأن الصورة الملوّنة عن شعبنا، صارت ألوانها حزناً وألماً وخوفاً وتشريداً. هناك أسئلة ضخمة ملأت الصورة؛ أسئلة مجهولة وغامضة٠

صُوَر مشتّتة
ما هي المراحل التي مرّ بها إنجاز الفيلم؟ وهل
واجهتك صعوبات عملية للحصول على هذه الصوَر؟
راودتني الفكرة للمرّة الأولى في العام 2004، تلتها مباشرة فترة بحث متقطّع عن مصوّري تلك الحقبة، لأعرف من مات منهم، ومن بقي حياً أو كبر في السن؛ من فَقَد إحدى حواسه أو ساقه أو أرشيفه، والبحث عن الاستديوهات الخاصة والأشياء المتعلّقة بأصحابها. بدأت كتابة السيناريو في العام 2007. أثناء كتابتي إياه، لم أكن قد دخلت استديو الحاج سلامة، مثلاً. كنتُ أكتب عنه، حينها، في مخيلتي. المفاجأة كانت عندما ذهبت إلى هناك: كانت صُوَر ذاكرتي لا تزال موجودة عند الحاج سلامة. شعرت بفرح وغربة وخوف لا يُمكن وصفها، عندما وجدتها مبعثرة وضائعة في الاستديو. كانت تشبهني في تشتّتي، لكن جمعها كان سهلاً، ما ساعدني في سرد الرواية٠

لم يكن «إلى أبي» فيلماً وثائقياً يروي فصولاً من تطوّر
صناعة الصورة الفوتوغرافية (إذا جاز التعبير) فقط، لأنه
بدا متابعة بصرية لمسار تاريخي/ جغرافي/ ثقافي/ سياسي
عاشته فلسطين أيضاً. متى انتبهت إلى مسألة الربط بين
المسارين: منذ بداية كتابة الفيلم، أم في لحظة لاحقة أثناء
تنفيذ المشروع؟
سؤال مهم في الواقع، وأوافقك الرأي في أني لم أكن أنوي التحدّث عن تطوّر الصورة وبعض التفاصيل الأخرى. حاولت أن أجد شيئاً أتكئ عليه للتوازن بين هذه الصورة وحالنا التاريخية والسياسية والثقافية والجغرافية. هذا هو مرجعي الذي توصّلت إليه. عندما كتبتُ الفيلم، كنتُ قد تشبّعت وفقدت بداخلي الزمان والمكان، وأصبحت أتأرجح، فكان لا بُدّ من أن أُبقي شيئاً يضمّني حضنه لأكون على يقين منه، لا يخيفني، ويحمل في داخله حياة وجمالاً وشجراً وبحراً ورجالاً ونساء. أردتُ أن تحملني الصورة، بعد أن فقدت التوازن٠

في تعريفك بفيلم «قوس قزح»، قلتَ (بحسب ما
حصلت عليه من معلومات): «اعتدتُ أن أحب
الكاميرا، وأن أؤمن بقدرتها على نقل الألم، نسيان
الأحزان، وربما الأمل في حياة أفضل». ألا تزال
تعتقد هذا الأمر، أم أن قوّة الألم باتت أقوى من أن
تنقلها الصورة، وأن الأحزان أعنف من أن تجد مكاناً
لها في الصورة أيضاً؟
أسئلتك صعبة، كأنها تقطع عليّ الطريق، فأتوقّف قليلاً لأتنفّس راحة. في مراحل عمري كلّها، وفي علاقتي بالكاميرا، لم أفقد الأمل للحظة واحدة في أن الكاميرا مفتاحي للحياة والأمل، وفي أنها الراعي والحصن والحضن لحالتنا الفلسطينية كلّها. في الفترة الأخيرة، رأينا الصورة تنتصر، وكم أفتخر وأعتزّ بالمصوّرين جميعهم، الذين عملوا في ظلّ الخوف والبرد وطائرة الـ»أف 16» في «وكالة رامتان للأنباء»، واستطاعوا تسجيل جرائم إسرائيل في كلّ سنتمتر في غزّة. أؤمن بأن الصورة ستنتصر، بل هي انتصرت على الـ»أف 16» وطغيان دبابة الـ»ميركافا» وانتقام طائرة الاستطلاع الـ»زنّانة» من كل ما هو متحرّك في فضاء غزّة الضيّق٠

الواقع والصورة

في ظلّ الوحشية الإسرائيلية الجديدة التي مورست
على أبناء غزّة مؤخّراً، هل ترى أن الواقع بات أقسى
وأكثر وجعاً وأعنف من أن تختزله السينما، سواء
أكانت وثائقية أم روائية؟
في نظري، الواقع أكبر من الفانتازيا ومن تخيّلات المخرجين وأدوار الممثلين المتقنة. أكبر من أن نستطيع اختزال مشهد طفلة شهيدة، أو طفل استشهد أهله، وبقي معهم ثلاثة أيام في المكان نفسه. لا يستطيع الخيال ولا الفانتازيا تسجيل هذا الواقع، وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين، من شتات وراء شتات. ما يبقى، هو الفيلم الوثائقي والسينما التسجيلية والروائية التي تحمل هذا التاريخ كلّه إلى الجيل المقبل، الذي أؤمن بأنه سيكون أكثر قسوة منا على إسرائيل٠

في متابعتي بعض أفلامك، أو قراءاتي عن بعضها
الآخر، تبيّن لي أنك تهجس دائماً بالمجتمع الفلسطيني
من داخله. أي أنك تعاين عاداته وتقاليده ومدى التأثيرات
السلبية التي يمارسها التمسّك بهذه العادات والتقاليد
على الفرد الفلسطيني، كما على الجماعة الفلسطينية. بمعنى
آخر، لا تحمّل الاحتلال الإسرائيلي فقط مسؤولية تردّي
الأوضاع الاجتماعية والإنسانية والحياتية للفلسطينيين. كيف
كان ردّ الفعل الفلسطيني على هذا النوع من القراءة
السينمائية النقدية؟ وإلى أي مدى «أفادت» أعمالك هذه
الحالة الإنسانية الفلسطينية (والإفادة، هنا، لا تعني تحويل
الفيلم إلى درس أخلاقي أو تاريخي أو اجتماعي، بل تجعله
حواراً مباشراً مع المجتمع والبيئة والناس)؟

قلقي دائم ومستمر، وعلاقتي بالمجتمع قوية جداً. تمرّدتُ دائماً على بعض العادات والتقاليد، لأني شعرتُ بأن هناك ظواهر عدّة في مجتمعنا الفلسطيني، نعزّزها نحن فنساهم بأنفسنا في تدميره (أي المجتمع الفلسطيني)، وأن إسرائيل بعيدة عن ذلك. اليوم، نرى نتائج ما أقصد. هاجسي دائماً داخل هذا المجتمع الذي أُرهق. نحن نحمل رسالة إنسانية. نحن بشر ونخطئ، لكننا أيضاً بشر ونحبّ الحياة. أحاول دائماً أن أشتغل في مفهوم التصالح الاجتماعي والإنساني، من دون أن يغيب عن بالي أن الإسرائيلي في خلف الصورة يُطلق النار٠
تقبّل المجتمع هذه الأفلام وأحبّها. استُخدمت في مؤتمرات وورش عمل، وعُرضت في القنوات المحلية٠

يُشكّل هذا النوع من الأفلام جزءاً من مناخ سينمائي
فلسطيني يهتمّ بالواقع الفلسطيني، إنسانياً واجتماعياً
وثقافياً وحياتياً، ولا يتبرّأ من المسؤولية الفلسطينية في
ظهور أزمات وتعقيدات حياتية داخلية. هل تعتقد أن هذا النمط السينمائي من المعاينة الحسّية للداخل الفلسطيني نجح في ابتكار فضاء ثقافي/ سينمائي/
إنساني مقبول في الداخل الفلسطيني أولاً وأساساً؛ أم
أنه لا يزال يُعاني حالة انقطاع ما معه؟ بمعنى
آخر، وبناء على تجربتك الشخصية: هل يُمكن القول إن
هذه الأفلام، تحديداً، أحدثت تأثيراً إيجابياً ما، وإن
كان متواضعاً أو خفراً، لدى مشاهديها على الأقلّ؟

المجتمع الفلسطيني يُجزَّأ ويُقسَّم طوال الوقت. لكنّي أعتقد أن الفيلم الفلسطيني صنع إجماعاً. الصورة الفلسطينية وحّدت المجتمع الفلسطيني من شماله إلى جنوبه. الدموع التي انهمرت في الناصرة والجليل مثلاً، هي الدموع نفسها التي انهمرت في جنين وغزّة ورفح. وجدت هذه الأفلام تفهّماً وقبولاً، وخلقت نافذة جديدة بطعم آخر٠
أعتقد أني أحمل في داخلي وصايا كثيرة أحاول وضعها في أفلامي المقبلة. لا أدّعي أفضلية ولا حكمة، ولست معلّماً. ما أقصده هو أن لديّ حقّاً في أن أروي حكايتي وأفتح ألبومي، الذي يشبه ألبومات كثيرة، أمام الراغبين في الخير والحب والحياة

SECTION 4 | تحقيقات
أفلام اليوم: جسور فوق نهر هادر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


لا يمكن أن يفوّت المرء ملاحظة أن بين فيلمي الرئاسة الأميركيين الحديثين اللذين انتجا في العام الماضي وهما فيلم رون هوارد »فروست/ نيكسون« وفيلم أوليڤر ستون
w
دخل الأول سباق الأوسكار ولم يدخل الثاني٠
ومع أن الحق على أوليفر ستون في هذا الصدد إذ لم يحقق الفيلم الذي يوازي فيلم رون هوارد إبداعاً وجودة، الا أن الملاحظة الوليدة للأولى هي أن الموضوع المتمثّل في فيلم رون »فروست/ نيكسون« عن اللقاء التلفزيوني الغريب والساخن بين الصحافي ديڤيد فروست في أول تجربة سياسية له، وبين الرئيس السابع والثلاثين للولايات المتحدة رتشارد نيكسون، وهو اللقاء الذي تم بعد استقالة الرئيس نيكسون تبعاً لفضيحة ووترغيت الشهيرة، حوى ما رصد الفترة الزمنية (الستينات والسبعينات) أكثر مما استطاع فيلم ستون فعله عن الرئيس جورج بوش الذي صوّره خلال فترة الرئيس المذكور وعرضته صالات السينما بينما كان الرئيس وزوجته يشرفان على ترتيب الحقائب والأغراض
الشخصية التي سينقلانها من البيت الأبيض في واشنطن الى مزرعتهما في تكساس

براد بت
The Curious Case of Benjamin Button

وللحقيقة فإن من بين كل الأفلام التي ورد ذكرها في لوائح مسابقة الأوسكار (الذي أعلنت نتيجته في الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير) نجد حفنة لها علاقة بالوضع الراهن وأكثر من ذلك بقليل تلك التي لها علاقة بالأوضاع السياسية والثقافية-الإجتماعية حول العالم من دون أن تكون مرتبطة بأوضاع راهنة٠
أنه من المبكر الحديث عن انعكاس فترة رئاسية جديدة لأول رئيس أفرو-أميركي يحتل البيت الأبيض على السينما الأميركية او سواها، وذلك لأن الأوضاع السياسية لا تختلف باختلاف اللحظة التي يُعلن فيها فوز هذا المرشّح او ذاك، بل تستمر في تداول ما كان بوشر بتداوله في المرحلة السابقة والى حين تثمر المرحلة الجديدة عن متغيّرات صلبة تتيح طرحها في أفلام جديدة٠
رغم ذلك، فإن البوادر موجودة٠
قبل ستة سنوات فقط حاول الحضور في حفلة الأوسكار آنذاك إسكات المخرج اليساري مايكل مور عندما هاجم سياسة جورج و. بوش الخارجية. هذا العام ليس أن فيلم أوليڤر ستون لم يظهر له ذكر او وجود، بل ذهبت جائزتان أساسيّتان الى فيلم »ميلك« الذي يؤرخ لحياة هارڤي ميلك، ممثل حركة المُثليين في التاريخ الأميركي الذي انتهى مقتولاً. ليس أن فيلم غس ڤان سانت يسرد حكايته فقط، بل أنه يسردها بغية بيعها وتسويقها للجميع في الفترة الحالية٠
الجائزتان اللتان ذهبتا الى هذا الفيلم تمثّلتا بأوسكار أفضل سيناريو أصلي ناله الكاتب (المُثلي) دستين لانس بلاك والممثل (المُستقيم) شون
بن الذي لعب دور هارڤي ميلك٠

شون بن
Milk

وحدها، هذه الفترة الوجيزة توضح ليس ما حدث من تحوّل خلال ست سنوات بين خطاب مايكل مور الذي لم يصفّق له الا حفنة وبين فوز »ميلك« الذي صفّق له غالبية الحضور، في الخطاب السياسي الأميركي الداخلي مروراً بفيلم
Brokeback Mountain
الذي سبق »ميلك« بتسجيل ملامح هذا التحوّل حين فاز بثلاثة أوسكارات سنة 2006 في الكتابة والإخراج والموسيقى٠

أحلام الواقع المرفوض
في حين أن بعض الأفلام التي تتعاطى شؤوناً سياسية واجتماعية إنما يصب في الوقت الراهن صدفة كموجة أفلام الهولوكوست (التي راجعناها في مقال سابق) التي صاحبت بعروضها العدوان الإسرائيلي على غزّة، فإن البعض الآخر يقصد أن يأتي ملازماً طويل الأمد للحالين السياسي والثقافي/ الإجتماعي
في أميركا وحول العالم٠
نجد ذلك متوفّراً بكثافة في فيلم سام مَندَس »ريڤوليوشن رود« على الرغم من أن أحداثه تقع في إطار الخمسينات٠ إنه - عن رواية هي أشهر ما كتبه رتشارد ياتس وأفضل تعبيراً عنه أيضاً- تدور حول إخفاق الحياة الزوجية في تأمين أسباب استمرارها بالمباديء التي قامت عليها ومن بينها الإشتراك في تنفيذ حلم المؤسسة الواحدة، والإخلاص العاطفي٠
في الفيلم فرانك (ليوناردو ديكابريو) الموظّف في شركة مصرفية يتزوّج من أبريل (كيت ونسلت) الممثلة على خشبة المسرح بعدما رآها تلعب دورها وأنفرد بالإعجاب بتمثيلها بين كل الحاضرين٠ الزواج في الأفق القريب وبعده مباشرة فحص الحياة بالنسبة للزوجين: هو يمارس عملاً لا يرغب به ولا يحقق له أحلامه، وهي توقّفت عن التمثيل وأخذت تهتم بالبيت٠ لكن عقلها كان دائماً ما يحاول معالجة ما بدا لها أزمة حياة مقبلة. وفي يوم تفاتح زوجها (الذي كان بدأ يخونها مع سكرتيرة المكتب الجديدة) بأن الحل المثالي لتجديد حياتهما هو الهجرة الى فرنسا حيث تستطيع أن تعمل ويستطيع هو الإنصراف الى تحقيق بعض أحلامه المؤجلة٠ التي دحرتها وظيفة لا تعني له شيئاً٠
فرانك يمتنع في البداية عن قبول الفكرة لكنه يقنع بها دون أن يقتنع فعلياً. صحيح أنه يقدّم استقالته من الشركة وينشر حوله خبر قرب بيع المنزل والإنتقال الى باريس، الا أنه أوّل ما يسمع بأن ترقيته على الطريق وأنه سينتقل الى موقع جيّد ويحسّن مستواه المادي، ثم أول ما تتواصل علاقته العاطفية بسكرتيرته (التي تبدو كما لو كانت استكمالاً لعالم النجاح: وظيفة ثابتة- زوجة في البيت- عشيقة على الجانب) يبدأ تغيير رأيه والعودة عن قناعته٠
والحال هذه، فإن المواجهة بينه وبين زوجته الحالمة لابد أن تكون وبالاً. تراجعه عن مجاراتها حلم النقلة النوعية يعيدها الى أرض الواقع المرفوض بشدّة. لقد اعتدنا أن الرجل هو الذي ينشد الإنتقال والمضي بعيداً لكن في الحالة الماثلة فإن الحادث هو العكس ولسبب وجيه: كيف يمكن للرواية، وللفيلم من بعد، تجسيد قبول وأفول الحلم الأميركي الكبير على شخصية الزوج إذا لم يكن هو الذي يكتشف أن الواقع أقوى من أحلامه وأن الحياة التي تعرفها أفضل من تلك التي ستتعرّف عليها٠

لولب
أحداث هذا الفيلم الجيّد تقع في الخمسينات أيام أيزنهاور وبعد الحرب العالمية الثانية ومع بداية العودة الأميركية الى العالم الخارج من ويلاتها٠ مطلع عهد الحياة على الأرض بالتلفزيون وحين كانت السيّارات لا زالت تحمل طوابع مختلفة وتصاميم منفردة تنتمي كل الى صانعها. السيارة كجزء من الحلم، لكن فرانك كان يترك السيارة ما بين البيت والعمل ليأخذ القطار الى منتصف المدينة. والرمز هنا واضح فهو ملازم لحال رجل كان عليه أن يترك الحلم في ذات المكان قبل ولوجه العمل٠
ما فعله سام مَندَس عن إقتناع وأكاد أقول حكمة، هو أنه لم يسع كثيراً لربط الحاصل درامياً بالفترة الزمنية التي تقع فيها الأحداث. نعم، إنها الخمسينات: الملابس وتصاميم الشعر والسيارات تقول ذلك، لكن هناك قيمة خاصّة لموضوع تراه فتشعر بأنه يتحدّث عن أي فترة زمنية بما فيها الزمن الحالي. تعميم ناتج عن عاملين: إختيار ممثل منتم الى الجيل الحالي من الممثلين، وعن التعامل مع حلم كثيرين من الرجال المقموعين بسقوطهم في اللولب الإستهلاكي للحياة والإنتقال من مشروع رجل سيحقق أحلامه الى مشروع رجل سيرضى بما وجد نفسه عليه وهو ينظر الى طريق ساقته اليه الظروف يبتعد فيه عن الطريق الآخر الأقل- حسب شعر روبرت فروست الرائع- سفراً٠

هناك ما يكفي في الفيلم ليناسب الفترة الحالية٠ هي أيضاً فترة نهاية حرب أميركية في العراق، وفترة يقين أن الحياة كما هي اليوم قد تستقر الى مستقبل أفضل بوصول رئيس جديد مليء بالنوايا الحسنة والأفكار البعيدة عن تلك التي تسببت بها أفكار سلفه من فقر واضطرابات على كل صعيد٠ في الواقع، كان يمكن لسام مَندَس نقل القصّة الى العام الحالي من دون أن تخسر القصّة أي من مدلولاتها. لكن وإذ سعى المخرج لإبقائها في صرح الفترة التي وضعها فيها كاتبها رتشارد ياتس، كان لابد وأن يترك الفيلم ينتقل في أذهان متابعيه الى ما بعدها. الى اليوم إذا شاؤوا. واليوم هو الفترة الزمنية الثانية الوحيدة الممكن فعلياً ترجمة الأحداث في البال اليها وليس الستينات او السبعينات مثلاً، وذلك لأن العلاقة القائمة بين المشاهد والفيلم هي علاقة بين ماض محدد (الخمسينات كما ديكور وأجواء الفيلم) وحاضر محدد (الزمن الراهن)٠

من الطفولة الى الطفولة
هذه القيمة المتمثّلة في نقلة طبيعية الإيحاء بين الماضي والحاضر مع إسباغ المرامي المتواجدة في القصّة على احتمالات مماثلة في زمن اليوم (مثل صورة فوتوغرافية ملتقطة من أمس بعيد تزيّن جدار منزل تم بناؤه اليوم) ليست موجودة حتى في الفيلم الأصعب إخراجاً (والأفضل لحد) »قضية بنجامين باتون المثيرة للفضول« لديڤيد فينشر الذي يسبر الخمسينات والستينات وبعضاً من اليوم كما يفعل فيلم »القاري«
كيت ونسلت
The Reader

لستيفن دودري، الذي يبدأ في نقطة من اليوم ثم يعود الى الأمس قبل أن يختم باليوم مجدداً٠
بالنسبة لفيلم ديڤيد فينشر، فإن المنحى الذي اتّخذه فلسفي. طرحه من نوع »ماذا لو...« بالتالي فيه قدر كبير من التنظير تماماً كما الرواية التي اقتبس عنها للكاتب ف. سكوت فيتزجيرالد٠

في الرواية الأصلية، فإن الأحداث تبدأ ببنجامين باتون وهو عجوز وتعود به الى الوراء. في الفيلم نبدأ بإختيار أصعب بكثير: بنجامين حين وُلد طفلاً بوجه عجوز وقصّة نموّه الغريبة في إتجاهين متناقضين٠
في الرواية الأصلية، تنتهي القصّة وبنجامين يؤم المدرسة الإبتدائية مع حفيده الصغير (كونهما الان طفلين). في الفيلم يتجاوز بنجامين سن الدراسة صغيراً عائداً الى الطفولة التامّة لحين إغلاق عينيه والعودة الى الموت الذي جاء منه محمولاً بين يدي المرأة التي أحب -وهو شاب كما وهو رجل- والتي أصبحت بمثابة أمّه الوحيدة. الشاهدة الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة٠
في الفيلم يقص علينا المخرج الحكاية عبر مذكّرات تحتفظ بها دايزي (كايت بلانشيت) لبنجامين وقد أصبحت الآن في أواخر عمرها مستلقية على سرير في مستشفى على بعد ساعات من عاصفة هوجاء ستضرب المنطقة٠ إبنتها (جوليا أورموند) هي التي تقرأ المذكّرات وأمها هي التي تعلّق والمخرج ينتقل بين هذا المشهد وبين التعبير الصوري عن كل مرحلة من مراحل حياة بنجامين المثيرة لما هو أكثر من الفضول٠
إذ وجد المخرج المفتاح الذي من خلاله سيروي حكايته ينطلق من اللحظة التي وُلد فيها بنجامين في أسرة بيضاء صغيرة . إنه سيكون الطفل الأول لأبيه توماس باتون (جاسون فليمنغ) الذي يقف وراء باب الغرفة الموصدة على الطبيب والممرضات منتظراً ولادة زوجته. يهرع الى داخل الغرفة . الأم تموت خلال الوضع وهو ينظر الى طفله ويهلع٠ يأخذ من فراشه ويهرع به الى الشارع هارباً يريد تركه عند شاطيء النهر. رجل بوليس يشاهده ويطارده. في هربه يدخل منزلاً مخصصاً للكبار سنّاً. يضعه على الدرج داخل المنزل المؤلّف من طابقين ويختفي

الشخص الذي يجده هو كويني (ترايجي هنسون) إمرأة أفرو- أميركية تدير المكان ومثل والده تبهت لملامح بنجامين لكنها تتبنّاه على أي حال٠ إذ يكبر بنجامين مقعداً باديء الأمر ثم ماشياً على عكّازين ثم منطلقاً على النحو الطبيعي للبشر، فإن هناك أحداثاً كثيرة تقع معه وشخصيات عديدة تدخل وتخرج من حياته بمن فيها عودة والده إليه. الأب يعرف أن هذا الرجل (الذي يكبره سنّاً) هو إبنه ولاحقاً ما يدرك بنجامين (وقد أصبح الآن في ذروة الرجولة) أن توماس أبيه. القبطان الذي يقود سفينة الصيد الصغيرة عبر أنحاء العالم مانحاً بنجامين الفرصة لمشاهدة الدنيا والذي يقرر أن الحرب العالمية الثانية هي حربه فيشترك -بسفينته غير الحربية بها. الأم بالبتنّي كويني التي تكبر بينما بنجامين يصغر. ثم دايزي، الفتاة التي جذبته منذ أن كان هو كبيراً وهي فتاة صغيرة والتي يلقاها لاحقاً وقد أصبحت أصغر منه قليلاً، ثم في عمره ثم أكبر منه٠

الحرب بتمويل مصرفي
في مشهد من الفيلم يعلّق بنجامين على هذا الموضوع بقوله: »ليس المهم متى نولد ومتى نموت بل كيف نمضي حياتنا«٠
بين بدايات الأشياء والعلاقات والأعمار ونهاياتها، هناك الكثير من الأفكار الفلسفية المطروحة خصوصاً حين يأتي الأمر للبحث عن الزمن المفقود داخل الزمن الوليد٠ بنجامين لن يستطيع أن يكون القائد المبادر بسبب نشأته غير الطبيعية٠ كل ما يستطيع أن يقوم به هو تقبّل مصيره بهدوء العارف (فكرة فلسفية أخرى) بذلك المصير باستثناء المرّة التي وقع فيها في حب دايزي فلحقها الى باريس ليعرض عليها العيش معاً. حينها كانت مرتاحة لما أنجزته وتتطلع الى المزيد وتعيش سعيدة بعلاقاتها المفتوحة وتجد أن بنجامين لم يعد مطلبها كما كان حين كانت أصغر سنّاً. لكن بنجامين يصر بطريقته الخالية من الإلحاح. عبر وجوده فقط خصوصاً بعد أن تتعرّض ديزي الى الحادثة
الصلة بين كل هذا وبين اليوم لا تتبدّى بسهولة وهي دائماً لا تتبدّى بسهولة في أفلام فينشر (مثل »سبعة« و»زودياك«) لكنها توحي بوضع غير مستقر في الزمن كذلك الذي نعيشه اليوم٠
لكن »القاريء« مختلف من حيث أنه إذ يتناول »الهولوكوست« في بعض جوانبه يوعز بأن الحديث عنه لن يُجدي اليوم والعيش في ذكراه لا ينفع. او كما تقول شخصية يهودية في نهايات الفيلم: "لا شيء يمكن أن يستخرجه المرء من تلك الفترة«٠ في ذلك يفتح المجال لقراءة نقدية ضد فكر ساد ويحاول أن يبقى سائداً للأبد٠
في معالجات أكثر مباشرة للأوضاع الحالية يطل علينا حالياً »الدُوَلي« للمخرج الألماني تيم تيكڤر الذي افتتح مهرجان برلين الأخير٠
إنه فيلم تشويقي جيّد الصنع في بعض نواحيه وأقل من ذلك في نواحي أخرى، حول تحقيق يجريه الإنتربول والسي آي أيه بخصوص مصرف كبير مركزه لوكسمبرغ يتعاطى وتسليح الفصائل والدول المتحاربة لأن الحرب سبيل لوضع تلك الدول تحت الديون تجاه المصرف ما يمكّنه من السيطرة على الحياة الإقتصادية لتلك الدول٠
السيناريو يلوح بأزمات اليوم من قضايا الإرهاب الى الحروب الأفريقية الى الحرب المحتملة بين ايران وإسرائيل من خلال ما تكشفه تحقيقات التحريين (كلايڤ أووَن وناوومي ووتس في الفيلم) وفيه تلك النبرة المتسائلة عما حدث للعالم من بعد إنهيار الجدار الألماني والنظم الشيوعية في أوروبا٠

إنه موضوع راهن، لكنه لا يمثّل خرقاً لأن النبش في هذا المضمون يلد ضمن غاية سرد الفيلم التشويقي وليس الفيلم الباحث في أرضية موضوعه وعمقه٠ لذلك يمر معظم »الدولي« في سلسلة من الحالات التلقائية من إكتشاف الإحتمال الى محاولة إثباته الى دفاع النظام عن وجوده والصدام الكبير، كل ذلك ضمن نظرية المؤامرة على غرار أفلام السبعينات الأميركية الأفضل شأناً مثل »بارالاكس ڤيو« لألان ج. باكولا و»ثلاثة أيام للكوندور« لسيدني بولاك٠
أفضل منه تناولاً هو شريط المخرج الإيطالي ماتيو غاروني »غومورا« الذي يبحث في الجريمة الإيطالية المنظّمة اليوم كما بحث فيها مواطنه فرانشسكو روزي في الستينات٠ أحد الفوارق المهمّة التي لا تلغي التشابه، هو أن روزي انتقل الى حيث كانت المافيا الإيطالية منتشرة في جنوب إيطاليا، بينما يختار غاروني الإنتقال الى حيث تنشط اليوم في أنحاء نابولي٠
ليس هناك مجال في فيلم غاروني لتأليف درامي يحلّي به الواقع وليس هناك من لقطات للتنفيس عن الحقيقة الآنية التي تعيشها البلاد: لا موسيقا من البوب ميوزك ولا لقطات من السخرية او حوار يصلح لأن تداوله مواقع الإنترنت ترفاً٠
كل ما هناك هو جحيم على الأرض غريب على الناظر بسبب تعوّده لسينما المافيا الصقلية ومهاجريها الى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين٠أكثر ما يدهم في هذا العالم الذي يعرضه المخرج هو أنه يبدو كما لو كان غريباً على العين. كما لو أنه فبركة لا تستحقها إيطاليا. كيف يحدث أننا نصدّق بومباي كما ترد في فيلم البريطاني داني بويل »مليونير صعلوك« ولا نصدّق نابولي كما يقدّمها غاروني٠

أمل وتفاؤل
السينما في كل ما سبق إنما لا تكتفي بعكس الرغبة في أن تشاهد هذا العالم يتغيّر ويتبدّل، بل تنتهج، مجدداً، سبيل طرح ما هو بحاجة الى تغيير وتبديل٠
خذ مثلاً فيلم »وول- إ« ، فيلم الأنيماشن الذي حققه أندرو ستانتون وفاز -بدوره- بأوسكار أفضل فيلم تسجيلي. إنه لا يصوّر حكاية حب بين روبوت قديم (ذكر) وروبوت حديث (أنثى) بقدر ما يجعلها خلفية طرح قضية البيئة٠ قصّته في صميمها هي حول هجران الأرضيين كوكبهم واستقرارهم في كواكب صناعية تعفيهم عن الحياة على الأرض بعدما أدّى استهلاكهم لها الى فساد بيئتها، وكيف تمكّن الروبوت القديم الذي خلفوه وراءهم من إقناعهم بضرورة العودة الى الأرض والبدء بالحياة فوقها من جديد بنظرة متفائلة لا يماثلها الا ذلك التفاؤل الذي يبعثه فيلم »مليونير صعلوك« او
Slumdog Millionaire
للبريطاني داني بويل. فهو -في نهايته- يتجاوز كل المصاعب والإحباطات التي عايشها بطل الفيلم جمال، وهو هندي مسلم فقير يدخل مسابقة »من يريد أن يصبح مليونيراً« حتى يلفت نظر حبيبته التي لا يعرف مكانها لكي تتصل به٠ هذا التجاوز يوصل الفيلم ومشاهديه الى تلك الخاتمة السعيدة التي تعكس أملاً بالحياة وتفاؤلاً بما سيحمله المستقبل٠

ذكريات حرب قريبة
ثم هناك فيلم اري فولمان »الرقص مع بشير«. الفيلم الإسرائيلي الذي وُلد في حقبة القلاقل للرئيس بوش ليحكي عن حقبة القلاقل التي شهدتها حقبة الرئيس الراحل رونالد ريغَن. عن تلك الحروب (غير المنتهية٠) في هذا الجزء من العالم العربي. وهو الفيلم الذي بوشر بعرضه التجاري مع وصول باراك أوباما الى السُلطة وخلال الإعتداء الإسرائيلي على غزّة ما كلّف الفيلم، على ما يبدو، أوسكاره كأفضل فيلم أجنبي (نالها عوضاً عنه الفيلم الياباني »مُغادَرات« الحامل رصداً للحياة والموت ونَفَساً إنسانياً رقيقاً سطا به على الإعجاب)٠

Waltz With Bashir
في صلبه، »الرقص مع بشير« هو فيلم تسجيلي مع معالجة كرجفة (بمفهوم الأنيماشن وليس بالمفهوم الساخر) مع تدخل روائي في بعض مراحله٠ تحديداً هو ليس فيلم تسجيلياً، ولا فيلماً كرجفاً ولا فيلماً روائياً، بل فيلم هجين من الأنواع الثلاثة يستخدم الرسوم المتحركة لإيداع فكرة بطريقة الفيلم التسجيلي. وهو وفيلم جيّد ليس فقط في ابتكار هذا الشكل الجديد له بل في معظم ما يطرحه في ثنايا ومضمون هذا الطرح أيضاً٠
كتبه وأخرجه آري فولمان وفي نيّته، وبوضوح أن يكون معادياً للحرب مذكّراً اسرائيل (في عيد ميلادها الستين) والعالم بالحرب التي خاضتها إسرائيل في لبنان في العام 1982. قائم على ذكريات آري فولمان نفسه إذ كان اشترك في تلك الحرب وخاضها من جنوب لبنان ثم، وحسب قوله من بحر بيروت حين حطّ الإسرائيليون على الشاطيء البيروتي عند »الرملة البيضاء«٠
وهو يبدأ فيلمه بمشهد لكابوس يؤرقه: كلاب متوحّشة تطارده ليلاً. هو يحاول الهرب وهي تلاحقه وتدنو منه٠ يحمل هذا الكابوس ليستدل الى معانيه مدركاً منابعه. فهو اشترك في حرب يراها الآن كانت غير ملائمة لنفسيّته. وهو، حسب قوله، لم يكن أساساً معها٠ هذا الموقف لم يدفعه لرفض الإشتراك في الخدمة، لكنه- على الأقل- دفعه لملاحظة مهمّة ترد في عبارة تتوسّط الفيلم على صورة اقتراب الجنود الإسرائيليين من سيارة مدنية أطلقوا عليها الرصاص فأبادوا من فيها. سيكتشفون حين يقتربون أن من فيها كانوا مدنيين لبنانيين هاربين من جحيم الموت الى أمل الحياة٠ العبارة تقول: "فجأة كل ما تعلّمناه من ضبط نفس لا يعني لنا شيئاً. نطلق النار على كل شيء يتحرك"٠ وبذلك هو كما لو يصف منهجاً لا استثناءاً صاحب كل حرب اسرائيلية على كل دولة عربية حاربتها من مصر الى لبنان الى فلسطين٠
لب الموضوع المطروح طبعاً هو المذبحة التي وقعت في صبرا وشاتيلا. وهو إذ يُسمّي حزب الكتائب تحديداً، يوضّح مسؤولية الجيش الإسرائيلي الذي كان يحيط بالمخيمين ويعرف ما كان يجري لكنه لم يتدخّل٠
فيلم آري فولمان صادق في نيّته لكنه يخطيء في بعض خطواته من بينها تحييد آرييل شارون وإبعاده جغرافياً عن مكان المذبحة (على عكس ما ذكر شهود عيان عديدين) وبينها تصوير بيروت (الغربية آنذاك) ٠ في نهايته ينتقل لمشهد واحد الى صورة أرشيفية حيّة (ليست مرسومة) لإمرأة فلسطينية تخرج من بيتها في المخيّم وتصرخ: »وينكم يا عرب«. نفس الصرخة التي ترددت بين فلسطينيات غزّة إثر كل غارة إسرائيلية كما لو أن بعض الأمور كُتب لها أن لا تتغيّر على الإطلاق٠


SECTION 5 | شخصيات
جان- بيير ملڤيل: ساموراي السينما الفرنسية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسّر مسكي ٠



جاء جان – بيير ملڤيل (1917 – 1972) إلى عالم السينما الفرنسية حاملا ً تأثرهُ ، الذي لم ينكره، ببعض نواحي الثقافة الأميركية و خصوصا ً أفلام هوليوود التي تناولت عالم العصابات و الجريمة بمناخاتها القاسية والغامضة
و قد غيّرَ إسمه الأخير من "غرومباخ" إلى ملڤيل كتحية لكاتبه الأميركي المُفضّل "هيرمان ملڤيل"٠

لم يستطع ملڤيل أن يحصل على رخصة للعمل كمساعد مخرج، فقرر تأسيس استوديو صغير خاص به وباشر عمله في السينما على ميزانيات متقشفة أجبرته على الخروج إلى المواقع الطبيعية هربا ً من تكاليف الأستوديوهات الكبيرة. استغلّ ملڤيل الضوء الطبيعي في مشاهد أفلامه التي سرعان ما لفتت نظر حفنة من نقاد السينما الشباب في الدورية السينمائية الفرنسية النافذة "دفاتر السينما." و حين سيتحول هؤلاء الشباب إلى طليعيّ "الموجة الجديدة" ستظهر على أفلامهم، وبلسانهم، تأثيرات سينما ملڤيل٠

أخرجَ ملڤيل بضعة أفلام قبل أن يلاقي فيلمه "أولاد مروعون" (1949) نجاحا ً لافتا ً. الفرنسي الشهير جان كوكتو شاركَ ملڤيل بكتابة نصّ هذا الفيلم الذي أثارَ جدلا ً حول العلاقة الملتبسة بين أخ وشقيقته٠
لكن نجاح ملڤيل المدوّي و الذي كرسهُ كواحد من أهم مخرجي السينما الفرنسية في أفلام الجريمة ذات البُعد السيكلوجي و الأخلاقي، كان فيلمه "الساموراي" (1967) ٠
بعد عامين تناول ملڤيل فترة المقاومة الفرنسية ضدّ الإحتلال النازي في عمله البديع "جيش الظلال". الفيلم لم يلقَ الحفاوة التي يستحقها، حتى أنه مثلا ً لم يوزع في الولايات المتحدة إلاّ بعد 37 عاما ً من إنتاجه (2006) في نوادي السينما التي أعادت إكتشاف هذا العمل الجميل الذي قالَ البعض أنه بصريا ً أكثر أفلام ملڤيل نضوجا ً.
عام 1970، عادَ ملڤيل إلى مناخات عالم الجريمة التي خبرها في سينماه في "الدائرة الحمراء." و الذي تشاركَ في أداؤه ثلاثة من أهمّ الأسماء في السينما الفرنسية حينها: ألان دولون، إيڤ مونتان، بورفيل.٠

آخر أفلام ملڤيل كانت "الشرطي" (1972) الذي لعب فيه آلان دولون دور تحري يحاول أن يُفشل عملية تهريب مخدرات كبيرة. "كاترين دونوف" شاركت "دولون" البطولة في دور صغير لكن ذو حضور.

توفي جان – بيير ملڤيل بنوبة قلبية عن 55 عاما ً و بعد 25 سنة من العمل السينمائي٠

روي الحبكة لا تفي أفلام ملڤيل حقها. فالصورة "المتقشفة" (لو جازَ لي التعبير) و مناخات الحدث القاسية بصمتها و دلالاتها هما ما يضفيان على شخصيات سينما ملڤيل ذلك الحسّ بالتفرّد و التوحد. شخصيات تنفتح على دواخلها و قيمها الثابتة و تنغلق على عالم خارجي متغير و مراوغ دون هوادة. القاتل في "الساموراي" كما السارق في "الدائرة الحمراء" يحملان مفهوما ً للولاء لا يزعزعه خيانة الآخرين و لو كانت الخاتمة مأساوية٠

Close – up
أفلام مختارة
الساموراي
Le Samourai (1967)

جف (دولون) قاتل محترف ينفذّ بالأجر ما يُطلب منه ببرود و بدقة. "جيف" و بعد عملية لم ينجح في محو الدلائل التي تودي إليه، يجد نفسه وحيدا و مُطارداً من البوليس ومن الذين استأجروه للعملية. تضيق الحلقة حول "جيف". لقد تحولَ إلى نمر وحيد في غابة أطبقَ عليه الصيادون فيها من كلّ الجهات. و في مشهد أخير، يبقى في البال، يختار "جيف" النهاية التي حملت أكثر من تأويل. تحدثَ البعض حين إطلاق الفيلم أن ملڤيل قلبَ مفهوم الأشياء حين جعل "جيف" يحمل القيمة الأخلاقية الأهمّ فيما وضعَ البوليس ومن أستأجرَ "جيف" على القيام بالقتل، على قدر ٍ واحد من المرواغة الأخلاقية.
ملڤيل قالَ أنه كان قد صَوَرَ نهاية تحمل إبتسامة غامضة على وجه "دولون"، لكنه استشاطَ غضبا ً حين عَلمَ أن الأخير قد استعمل َ هذه الإبتسامة و في موقف مشابه في فيلم آخر، مما اضطر ملڤيل إلى تغيير مشهد النهاية٠


جيش الظلال
L'Armee Des Ombres (1969)

في حبكة متلاحقة الأحداث (ومعقدة بعض الشيء) ينسج ملڤيل فيلما ً يحمل في مضمونه تلك القيمة الأخلاقية التي طالما عادَ إليها غير مرة: الولاء و الشرف. خلية من المقاومة الفرنسية يقودها غيبريه (فنتورا) تتعرض لإمتحان قاسي في ولاء أفرادها لبعضهم وللمقاومة حين ينجح البوليس السرّي الألماني في القبض على بعض أفرادها و تعذيبهم للحصول على معلومات منهم عن بقية أفراد الخلية٠
الأحداث تنتقل بين ليون،باريس و لندن دزن أت تهاب بعض المبالغة البطولية. لكن "جيش الظلال" يحمل في جوهره أيضا ً ذلك العالم السفلي و السرّي، لكن هذه المرّة هو ليس عالم الجريمة بل عالم المقاومة السرّية ضد الإحتلال٠



الدائرة الحمراء
Le Cercle Rouge (1970)

سجين سابق (ألان دولون)، مجرم فار (جان ماريا فولونتي)، و سارق مجوهرات (إيف مونتان) يوحدون جهودهم لتخطيط و تنفيذ عملية سرقة كبيرة لبوتيك مجوهرات في ساحة الفاندوم في باريس٠
عملية السرقة حتى و لو نجحت تبقى بلا أفق. عملية عبثية ستقود أبطالها إلى مصيرهم التراجيدي. هنا أيضا ً، كما في "الساموراي"، تسير هذه الشخصيات المتوحدة و اليائسة في محيط تجده غريبا ً عنها إلى نهاية قد لا تكون إنتحارا ً لكنه شيئا ً من إختيار النهاية.
لا يمكن لمن شاهد الفيلم أيامها (أو في إعاداته في نوادي السينما) أن ينسى مشهد تنفيذ عملية السرقة. مشهد طويل، مذهل التفاصيل . "الدائرة الحمراء" أتى بـبورفيل من عالم الكوميديا في السينما الفرنسية إلى دور كان من المُقرر أن يلعبه لينو فنتورا لكنه غادرَ الفيلم إثر خلاف مع ملڤيل. أكدّ بورفيل في دور محقق الشرطة قدرته على التنوع. لكن لسوء الحظ قضى نحبه في نوبة قلبية حتى قبل أن يُطلق الفيلم
ملڤيل قالَ أن "الدائرة الحمراء" أتعبه، فـ "فولونتي" تمردَ غير مرة على سلطة ملڤيل الديكتاتورية خلال التصوير٠

SECTION 6 | السينما العربية
نبيل المالح ..... بقايا صور من الذاكرة التي حملت آمالاً كبيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



نبيل المالح مخرج سوري وُلد في دمشق في 28/9/1939. درس السينما في براغ، تشيكوسلوفاكيا، ونفذ منذ تخرجه (1962) نحو 150 فيلم قصير، 50 فيلماً متوسط الطول، و7 أفلام روائية طويلة. وحتى سنة 1980 نفذ ما مجموعه 50 ساعة من التصوير التلفزيوني عدا 30 ساعة فيديو
لم يتمكّن نبيل المالح، نسبة للظروف الإنتاجية وتبعاً لرغبته الإستقلالية، من إنجاز العديد من الأفلام الروائية الطويلة حيث لا يزال آخر فيلم له في هذا المجال هو »الكومبارس« الذي أنجزه سنة 1994 وعرضه في العديد من المهرجانات المحليّة والعالمية حتى سنوات قليلة ماضية٠
في العام 1980 أنجز أحد أفضل أفلامه وهو صورة مناقضة تماماً مع »الكومبارس« من حيث أن ذلك الفيلم السابق كان أشبه بملحة مفتوحة زمنياً وكأماكن أحداث، في حين أن »الكومبارس« تم تصويره داخليا في شقّة. مع الأول تعامل المخرج مع شخصيات عديدة ينضح عنها ثراء في المواقف، ومع الثاني اكتفى المالح بشخصيّتين رئيسيّتين من خلالهما يعرض لبانوراما عريضة من الطروحات حول الحياة الإجتماعية والكبت بمفهوميه العاطفي والسياسي. »بقايا صُوَر« حمل أملاً. »الكومبارس« ربما ودّع الأمل٠
الحوار التالي ليس وليداً حديثاً بيني وبين المخرج، بل تبع مشاهدتي لفيلم »بقايا صور« وتم إجراءه في تونس، خلال إقامة مهرجان قرطاج السينمائي سنة 1980
لمن يود قراءة نقدي لهذا الفيلم يمكن ارسال رغبته تلك وسأعمل على تنفيذها في أول عدد بعد وصول الطلب٠

ـ ما هو «بقايا صور»؟
رواية حنَّا مينا، الكاتب السوري المعروف، وعمله الوحيد الذي لم يكن من الممكن ترجمته إلى عمل سينمائي
ـ ماذا تعني بذلك؟
محتواه وسرده غير قابلين للصياغة السينمائية. هذا إلى جانب عدم توفر أي شكل للبناء الدرامي في الرواية
ـ وما الذي جعلك إذن تقوم بتحويلها إلى فيلم؟
غناها بالتفاصيل والمناخ وعمق البحث الإنساني عن مقومات الحد الأدنى لكرامة العيش جعلاني أحاول أن أستنبط منها سينمائياً. ولقد بذلت مع الزميلين سمير ذكرى ومحمد مرعي الكثير لاستخلاص المادة السينمائية الممكنة من الرواية، وذلك أثناء المعالجة السينمائية
فيلم «بقايا صور» يعني لي افتتاح مرحلة من مراحل عملي السينمائي. إنه باعتقاد تتويج لأسلوب من اللغة السينمائية في سيرتي السينمائية. وهذه المسيرة الآن أرفضها نهائياً، وأعتقد أني سأدخل السينما من جديد وأنسى كل ما فعلته سابقاً. سأبدأ الآن بتعلم السينما. وأتمنى أن أمتلك القوة على أن أعتبر أن هذا الجهاز الذي يصور الحركة قد تم اختراعه البارحة فقط، وأن علي أن أكتشف بشكل مستقل إمكاناته

ـ لكن أي طريق تعني ذلك الذي تعتقد أنه خطها الوحيد؟
أعتقد بأن السينما قد بنت لغتها على المسرح وعلى الأدب السردي. أريد أن أرى السينما بمنظور مختلف تماماً وأرى البنية الصورية للسينما ذات لغة ودلالة يمكن أن تكونا مختلفتين تماماً. هذا بالنسبة إليّ الآن منطلق نظري أحققه في فيلم على الورق، وقد يكون كلاماً شرعياً عندما أنقل ما أقوله إلى السينما كما أتصورها.. هذا هو مشروعي لهذا العام٠

ـ إذن «بقايا صور» هو نهاية مرحلة..؟
لقد أنجزت نحو 130 فيلماً قصيراً ومتوسطاً وخمسة أفلام طويلة، وكنت دائماً أحاول أن لا أكرر نفسي وأن أبحث في كل عمل جديد، مهما صغر أو كبر، عن وسائلي وعن لغتي الخاصة. قيمة تلك المرحلة تكمن في هذا البحث الدائم. قيمتها أنها حياتي. أنا لا أخجل من أي فشل تعرضت له. ولا أقفز طرباً لأي نجاح حققته. إن اكتشاف السينما بالنسبة إليّ كان اكتشافاً للذات، وكان محاولة لمعرفة الذي أحمله، وقد اكتشفت أخيراً أن كل ما فعلته كان جزءاً صغيراً مجهرياً من حلمي لقول شيء ما، فإذا لم أقله بعد، وإذا كنت أريد أن أقف من نفسي موقفاً ثورياً، فإن الخطأ يقع في وسائلي. لتجاوز ذلك كان لا بد من إعادة النظر جذرياً في نفسي كما في وسائلي

ـ بدأت حديثك بالقول أنه كان من الصعب تحويل رواية
حنا مينا إلى فيلم. ما هي المصاعب التي واجهتك تحديداً؟
التحدي الأول كان كيف تخلق دراما لهذا العمل مع إدراك طبيعته الملحمية. الرواية، إذا كنت قرأتها، ليست حكاية لها بداية ونهاية، وإنما هي لقاء عائلة في بحثها عن الحياة القاسية في العالم المحيط بها. الفيلم هو مجموعة من الحكايات ذات التوتر العالي والتي نمر بها عبر متابعتنا لهذه العائلة. وأنا في الأساس لم أستسهل الأمور. ولكني قبلت ذلك لإيماني بأن الحياة نفسها ليست قصة أرسطوطالية وإنما ينبع توترها من طبيعتها ذاتها ومن المتابعة المخلصة لمصائر البشر. التوتر هنا نابع من مراقبتي لتفاصيل الحلم الإنساني المبعثر مع أيام سوداء طويلة ومرهقة. وهو الأكثر نبضاً بالحياة ٠
المشكلة الأخرى إنتاجية، فالفيلم فيه نحو 80 دوراً رئيسياً. فيه مشاهد لمجاميع كبيرة، فيه 120 مكان تصوير. النقطة الإيجابية أن فريق إدارتي الإنتاجية كان جيداً، ولكن النقص الكبير هو في الحرفيات الفنية كمهندس المناظر، المساعدين الفنيين والمختصين التقنيين. وأيضاً في عدم وجود كوادر محترفة ومجربة. وذلك بالإضافة إلى أن ظروف العمل الصعبة والمعقدة، والميزانية الضئيلة للفيلم (مليون ليرة سورية للفيلم مع أن فيلماً مماثلاً في أي بلد عربي آخر سيكلف نحو عشرة ملايين). أخضعنا العمل لتحديات كبيرة، ولكن في الوقت ذاته، أعتقد أني صقلت العاملين في الفيلم وجعلت من هذه الأسرة الكبيرة جبهة واحدة

ـ في فيلميك القصيرين الأخيرين «النفاذة» و«الصخرة» اختلافات
شديدة تتصل بالأسلوب ٠٠٠٠
واحد تجريبي والآخر واقعي

ـ صحيح. لكن كيف تحدد لنفسك شكل الفيلم القصير؟
أنا لست واحداً من هذه الأفلام. ربما أنا كلها جميعاً. أحاول أن أجد الصيغة المناسبة لفكرة معينة. بعض الأحيان أجد الصيغة التقليدية، وأحياناً عبر تركيب فكرة بطريقة غير تقليدية. كنت أفكر في موضوع «الصخرة» ووجدت أني لا أستطيع أن أقول في فيلم طويل ما قلته في «الصخرة» القصير ودون كلام. وفكرة النافذة كان يستحيل تنفيذها بطريقة أخرى.

ـ هناك تشابه بين فيلميك «النافذة» و«نابالم» من حيث كونهما تجريبيين
صحيح
ـ هل تخطط لمزيد من الأفلام القصيرة؟

عندي مجموعة أفكار لأفلام تجريبية مدة كل واحد منها دقيقة ونصف أو دقيقتان. ذلك النوع من الأفلام الذي لا يقول أكثر مما يجب في أقصر وقت
ـ ما الذي تريد أن تقوله فيها؟
فيها كما في غيرها، كما في فيلمي الروائي الذي أحضر له. أريد أن أعود إلى البديهيات الأساسية التي فقدنا بفقدها مبادىء إنسانية مهمة ووقعنا في مطبات كثيرة. المشكلة أننا وسط التحديات والمطالب والأحلام الكبيرة التي رفعنا راياتنا لها في كل وطننا العربي. أضعنا المفاهيم الصغيرة والأساسية التي هي الأبجدية الأولى لوجود أي شعب.. كلمات مثل الكرامة الإنسانية.. الحرية.. الديمقراطية. أريد أن أعود لكي أؤكد على هذه البذور العطشى التي داس عليها الجميع، والتي ليس هناك من يسقيها. أفلامي القصيرة المقبلة ستكون في هذا المجال. هي تجريبية سأحاول فيها تقديم بنى جديدة في التعبير عن كل فكرة. المأساة هي أني أستطيع باتصال هاتفي أن أحصل على مليون ليرة لأي مشروع سينمائي تجاري، ولكني لا أستطيع أن أحصل على قروش قليلة للتعبير، ولقول ما أعتقد أنه رغبة مقدسة صغيرة ومتواضعة٠

قابله محمد رُضا

SECTION 7 | السينما واتجاهات الزمن
السينما النازية: صناعة البروباغاندا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رضا




لم يكن هدف فيلم »ڤالكيري« الحديث عن أدولف هتلر وعصره ولا حتى عن الضابط كلاوس ڤون شتوفنبيرغ وشخصيّته او تاريخه، بل عن مؤامرة اغتيال قادها الثاني على الأول في أوج الحرب العالمية الثانية وفشلت. في العقل الواعي لمعظم المستقبلين الذين إذ وَفَدوا على هذا الفيلم أرادوا إما تلبية الرغبة في مشاهدة توم كروز بعين واحدة (حسب دوره) او توم كروز في المطلق، لجانب من يجد نفسه مهتمّاً بسينما الفترة النازية على العموم بصرف النظر عن موقفه منها٠
والمرء ربما له حق الإعتقاد أن معظم الذين لبّوا دعوة الفيلم من الذين سلفاً ما أدانوا النازية وشرورها والفيلم لم يكن ليستطيع إضافة شيء في هذا المجال. لكن هذا ما جعل مهمّته أصعب، فتجنّب الرسم الكاريكاتوري للنازيين سبيل صحيح، وفيلم برايان سنجر المحدود الحسنات، أقدم عليه لكن ذلك تركه مع قصّة معروفة جوانبها فالنسبة الأكبر من المشاهدين تعلم أن هتلر لم يُقتل نتيجة أي من المحاولات التي استهدفت حياته، ومن يعرف قصّة الكولونيل كلاوس فون شتاوفنبيرغ تحديداً، يعلم أنه فشل في مسعاه وواجه رصاص الإعدام٠
من منظور آخر ولو قريب، فإن اعدام الكولونيل أمر طبيعي. أي عسكري من أي رتبة يخالف أوامر ما عليه المثول الى قضاء عسكري يختلف في جوهره عن القضاء المدني. أي محاولة اغتيال او تغيير نظام حكم هي خيانة وبالتالي فالحكم على القائم بها بالإعدام أمر واجب بصرف النظر عن نوعية النظام. لو أراد »ڤالكيري« البحث في هذا الحكم لاضطر الى اختيار واحد من منهجين: إما تصويره تأييداً، وبذلك يمنح النظام شرعية الحكم على الأقل وسيبدو بذلك مؤيداً، وإذا لم يفعل جانب الواقع و-على الغالب- سقط في التشكيل الكاريكاتوري الجاهز لمثل هذه الأفلام٠
المنهج الثالث هو ما اختاره فيمر الفيلم من منظور مناويء للهتلرية ومؤيد لفكرة الإنقلاب عليه إنما من دون استدرار التعاطف بل الحكم الى صياغة الموقف سينمائياً ومعالجة الفيلم كقصّة تشويقية نجح في ذلك او لم ينجح (وهو لم ينجح الا في حدود)٠

النازية واحدة من المواضيع التي طرحتها السينما في أشكال عديدة٠
هناك البروباغاندا التي ساقها النظام النازي نفسه، والبروباغاندا التي ساقتها القوى المعادية للنازية. هناك المحاولات المحدودة التي حاولت فهم النازية على نحو تاريخي او سياسي منفصل، والمحاولات غير المحدودة على توظيفها لصالح فئة معيّنة من الضحايا كما لو أن الحرب كلها تمحورت حول هؤلاء او انها كانت فقط من هؤلاء٠
شاهدت مؤخراً مجموعة من الأفلام الأميركية التي تعاملت مع النازية من زاوية أخرى٠
في الأساس، فإن استخدام السينما كمعلن رأي سياسي لم يكن دخيلاً عليها مطلقاً، بل صاحبها من أيام ما اختار ايزنشتاين وڤرتوڤ وآخرين توظيف الفيلم لخدمة الثورة. بصرف النظر عن أن مستوى فنيّاً كبيراً وصلت اليه تلك السينما آنذاك وعلى الرغم من التوصّل الى خلق وظيفة جديدة مبتكرة لكل من الكاميرا والمونتاج ترك تأثيره على السينمات الأخرى، الا أن الغاية السياسية كانت موجودة وفاعلة في الترويج للنظام الجديد٠
في الفترة ذاتها، كانت السينما الأميركية بدأت حربها ضد ألمانيا بعد ثلاث سنوات من انطلاقة الحرب العالمية الأولى. ثلاثة من أفلام سيسيل ب. د ميل، منتجاً او مخرجاً، أقحمت نفسها في هذا الموضوع هي
Joan the Woman [Cecil B. DeMille- 1917] , The Little American [ Jeanie Macpherson- 1917], Till I Come Back [DeMille - 1918]
ثم مرّت الفترة الهادئة، تلك التي تلت نهاية تلك الحرب سنة 1918 بهزيمة ألمانيا وانكفائها وسبقت نشوء النازية ثم وصولها الى السُلطة سنة 1933
خلال هذه الفترة نشطت الأفلام الدعائية تلك التي تروّج للنازية وتلك التي تهاجمها٠ واحدة أساساً في ألمانيا والثانية أساساً في هوليوود٠
لندرس بعض التفاصيل٠
بعد أشهر قليلة من وصول النازية الى السُلطة بدأت الآلة الإنتاجية داخل المانيا بالعمل على توفير الأفلام المؤيدة للنظام الجديد الذي كان وصل الى السُلطة عبر توظيف الأزمة الإقتصادية التي تلت الحرب والخسارة التي منيت بها ألمانيا فيها، لشحذ الهمم الألمانية بأن طريق الخلاص هو حزب يدافع عن الشعب الألماني ومصالحه وتطويره كقوّة لا مكان فيه للتردد او للضعف او للشعور المناويء (تماماً كما نرى في فيلم 300 حين يتم نفي الضعفاء من المجتمع الإسبرطي لأنهم سيعيقون نموّه وقوّته) وأن على ألمانيا أن تستعيد هيبتها وقوّتها والطريق الوحيد لذلك هو تحصين الذات الألمانية وتوحيدها ضمن الفكر الممنهج الواحد الذي يخطّه لها الحزب النازي٠
أولى هذه الأفلام المنتجة في هذا السبيل هي
Hanz Westmar | هانز وستمار
الذي أخرجه سنة 1933 فرانز ونزلر (لم يحقق أفلاماً كثيرة بعد ذلك) عن تاريخ حياة هورست وَسل الذي كان داعياً نازياً شابّاً قام الشيوعيون الألمان بقتله سنة 1930 و
S.A. Mann Brand
وهذا الفيلم اصطلح على ترجمته غرباً بـ »براند المحارب- العاصفة« وهو أيضاً عن شاب ألماني أحتفت به النازية كبطل ألماني وأخرج هذا الفيلم فرانز زيتز الذي كان من رعيل السينما الصامتة واستمر في العمل لمطلع الخمسينات. الفيلم الثالث هو أيضا من إنتاج 1933 كسابقيه وعنوانه »نخبة شباب هتلر« او أصلا
Hitlerjunge Quex
وحمل في الغرب عنوانا مستوحياً من موضوعه هو »راياتنا ستتقدمنا الى الأمام« وهو -بدوره- عن حياة عضو شاب من الحزب النازي أسمه هربرت نوركوس أيضاً قُتل من قبل مسلّحين شيوعيين وذلك سنة 1932 لكن في حين أن هانز وَسل قُتل حين اقتحم شاب شقّته وأطلق النار عليه، فإن هربرت قُتل في الشارع حين كان يوزّع منشورات حزبية نازية في حي عُرف بانتماء العديدين فيه الى الحزب الشيوعي٠
من هذه الأمثلة يبدو لنا أن الطرح كان التركيز على الشباب الألماني لحثّهم على تبنّي الموقف والفكرة النازيين. لكن هذا الهجوم الإعلامي سقط في صالات السينما وكان، يخبرنا التاريخ، سبباً في قيام وزير البروباغاندا جوزف د غوبلز بحصر الأفلام الداعية للفكر النازي في تلك الإخبارية التي كانت تتقدّم الأفلام المعروضة في صالات السينما. وهذه بدأت قصيرة ثم أصبحت متوسّطة الطول وبلغ طول بعضها ساعة الا
ربعاً٠

ليني رايفنشتول

المثير هنا هو موقف غوبلز من فيلم المخرجة ليني رايفنشتول »انتصار الإرادة« فهو عارض هذا الفيلم بشدّة وتصدّى لإنتاجه، والمؤكد أن الفيلم الرائع هذا لم يكن ليتم إنتاجه لولا مباركة أدولف هتلر المباشرة له. نقطة الخلاف، كما يتبدّى هنا، أن غوبلز لم يؤمن بأن هذا الفيلم صالح للغرض الإعلامي كفيلم بروباغاندا- لكن ربما كانت هناك مسائل أخرى في حسبانه وربما من بينها أنه لم يختر المشروع او مخرجته بنفسه ولم يتقدّما إليه أوّلاً، بل جاءه عن طريق رغبة الفوهرر به٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular