Mar 2, 2009

Federico Fellini's Masks | Sci. Fi: 1968-1978 | Horror Movies| British Cinema

ISSUE 399

تمّت إضافة زوايا جديدة منذ صدور هذا العدد:
الى اليمين (العمود 1): سنوات ضوئية لمحمد رُضا و كاميرا لهوڤيك حبشيان٠
الى اليسار (العمود 2) زوايا ستتجدد أسبوعياً وهي في هذا العدد: أنيماشن،
ساوندتراك (عن موسيقى الأفلام)، إخراج، كِتاب، مجلة و دي ڤي دي٠
-.--.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.
في هذا العدد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام الغد | بعد ما لا يقل عن 140 فيلم سينمائي
وتلفزيوني صامت وناطق عن شخصية
روبن هود
تعود السينما إليه في فيلم جديد من بطولة راسل
كراو. ترى كيف ستكون هذه
العودة تحت إدارة
ريدلي سكوت؟

........................................................
شخصيات | الجزء الأول (من جزأين) حول المخرج
الإيطالي فديريكو فيلليني الذي وصفت
سينماه المخرجة
لينا ڤرتمولر بقولها : "مثل رجل يركض ومعه صندوق
كلما فتحه خرجت
منه أعجوبة"٠ | محمد رُضا

........................................................
تيارات | ما بين 1968 («أوديسا الفضاء») و1978 (»ستار
وورز«) عرفت سينما الخيال العلمي فترة خاصّة وطفرة جديدة
انتقلت فيها من البحث اليساري الى الترفيه اليميني. كيف؟
| محمد رُضا

........................................................
ضيوف | الناقد إدغار نجّار كتب هذه الدراسة غير المنشورة حول
سينما الرعب وما آلت إليه
اليوم. إنه لا يكتفي برصد الظاهر بل
يشرّح تلك السينما ويجيب عن بعض تلك الاسئلة التي
المتكررة حول
الفروقات بين كل نوع وآخر


........................................................
سينما من .... | وضع السينما البريطانية اليوم جيّد لكن الظروف
الإقتصادية وتراجع الدعم الحكومي يهددانها. الى ذلك... ترى ما
هي السينما البريطانية بالتحديد؟
| محمد رُضا٠



SECTION 1 | أفلام الغد
الثائر الأيرلندي روبين هود العائد من الحملة الصلييبية

كڤن كوستنر حين لعب الشخصية في
Robin Hood: Prince of Thieves

بدءاً من العام 1912، حين كانت السينما لا تزال تنتج أفلاماً قصيرة توجز فيها الحكابات الكبيرة، تم إنتاج ما لا يقل عن 140 فيلم من حكاية روبين هود، الثائر الأيرلندي الذي، حسب الأسطورة، كان يسرق من أغنياء وإقطاعيي ايرلندا ليعطي فقرائها٠
من آخر هذه الأفلام وأشهرها في السنوات العشرين الأخيرة نسخة المخرج كَڤن رينولدز »روبين هود: أمير اللصوص« الذي قام ببطولته كَڤن كوستنر سنة 1991
الآن يتم الحديث عن فيلم جديد حول هذه الشخصية ولو من خلال إطار مختلف. فالفيلم المنوي المباشرة في تصويره خلال الأيام القليلة المقبلة بعنوان »نوتينغهام« ويدور عن العصر الذي عاش فيه الثائر الأيرلندي وعن شخصيات أخرى محيطة به وليس عنه وحده، كما يبدو مما نُشر من سيناريو برايان هلغلاند حتى الآن٠

في الدور الرئيسي راسل كراو تحت إدارة المخرج المعروف ريدلي سكوت (»مملكة السماء«، »عصابة أميركية« الخ...) مؤدياً شخصية روبين هود وفي المقابل الممثلة كايت بلانشيت في دور ابنة البلاط ماريان٠ وأحد المصادر يخبر هذا الناقد أنه يعتقد أن الفيلم سيعمد الى تقديم بطولة مزدوجة ما بين ماريان وروبين هود ملاحظاً أن المرّات السابقة كلها كانت تدور حول حول روبين هود وحده٠

هذا صحيح جزئياً فقط. في العام 1976 قام المخرج البريطاني رتشارد لستر، وكان في أوج شهرته في تلك الفترة كونه أخرج فيها فيلم »سوبرمان 2«، بتحقيق فيلم »روبين وماريان«، مع شون كونيري في دور روبين هود وأودري هيبورن في دور ماريان وفحواه ليس فقط صراع روبين هود ضد شريف نوتنغهام (كما قام به الممثل الراحل روبرت شو) الذي استلم مقاليد الحكم حال ترك الملك رتشارد قلب الأسد القصر للإشتراك في الحرب الصليبية، بل أيضاً العلاقة العاطفية بين روبين واللادي ماريان٠
وفي حين صوّر »روبين هود: أمير اللصوص« جانباً جديداً كامناً في العلاقة الإنسانية بين روبين هود ومساعده المغربي (مورغن فريمان)، قام »روبين وماريان« بفتح ثغرة في المسلّمات التي كانت محفوظة حتى ذلك الحين حول الحملة الصليبية٠ فالمخرج يفرد مشهد حوار بين روبين العائد من الحرب الصليبيبة مثخناً بجراح الذاكرة وبين ماريان المنصتة بألم لما شهده روبين في تلك الحملة. فحوى المشهد كان نقد الحملة الصليبية وكشف ما حدث فيها من مجازر بإسم الدين٠

لكن المعظم الكاسح من أفلام روبين هود عبر التاريخ لم تكترث لمثل هذه الجوانب واختصّت بتقديم الحكاية كما وردت عبر التاريخ٠ ومع أن معظم المصادر تختلف على كل ما يتعلّق بذلك الفارس المفترض أنه عاش في القرن الرابع عشر، الا أن السينما وحّدته تحت راية الفارس الذي واجه قوّات شريف مقاطعة نوتنغهام برجاله من أهالي الغابات المحيطة وذلك لكي يحبط مساعي الشريف في الإستئثار على السُلطة وإعلان نفسه ملكاً على أساس أن يتم التعامل لاحقاً مع شقيقه رتشارد قلب الأسد، إذا ما عاد من الحملة سالماً٠

ليس أن الصورة المتخيّلة او المعبّر عنها سينمائياً لم تكن حقيقية (بل كل المصادر التاريخية تشير الى أنه كان بالفعل مقاتلاً ماهراً أعاد توزيع كل الغنائم التي حصل عليها على سكّان تلك القرى الذين كانوا يرزحون تحت عبء ضرائب مرتفعة) بل أن الجانب المغامراتي هو الوحيد الذي سطا، ولا يزال، على هذه الصورة٠
وهذا منطبق على النسخة الصامتة الطويلة »روبين هود« إخراج ألان دوان (1922) كما على أشهر النسخ القديمة الناطقة وهي نسخة مايكل كورتيز التي قامت هوليوود بإنتاجها سنة 1938 من بطولة إيرول فلاين: أفضل من جسّد الشخصية في شكلها المغامراتي البطولي غير المُسيّس الى اليوم٠

ريدلي سكوت سيدخل تصوير فيلمه الجديد في مطلع شهر نيسان/ أبريل المقبل ليكون جاهزاً للعرض في مطلع العام المقبل، وفي حين أن كيت بلانشيت هي آخر المنضمّين الى قائمة الممثلين، فإن الممثلين الآخرين، وبينم ڤنيسا ردغراف ووليام هيرت -لجانب راسل كراو- استلموا مهامهم من قبل٠

SECTION 2 | شخصيات



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فديريكو فيلليني .... المرأة، الرجل والقناع | محمد رُضا
..........................................................................................................
مفتاح تحليل عين المخرج فديريكو فيلليني السينمائية يكمن في فهم ميله للمعالجة الساخرة من المسلّمات ومن الشخصيات التي تكتنزها وتلك التي تعاني منها على حد سواء. كذلك، فإن خلفية المخرج كرسام كوميكس وكاريكاتور في مطلع الأربعينات، تساعد على تأطير شخصياته على هذا المنوال. لذلك فإن شخصية الفارس العربي الهُمام التي أدّاها ألبرتو سوردي، كما مرّ معنا في العدد 297، ليس المقصود منها، كما قد يرى البعض السخرية من العربي، بل السخرية من تلك الصورة التي اكتنزها الغرب عن العربي سينمائياً من أيام الممثل رودولف ڤالنتينو الذي ظهر في نحو 40 فيلم لكن إثنان منها علقا أكثر من سواهما في بال جمهور العشرينات والثلاثينات وحتى الخمسينات حين أخرج فيلليني »الشيخ الأبيض« (1952) كان فيلمان لعب فيهما دور العربي »الشيخ« (1921) و»إبن الشيخ« (1926)٠
السخرية في أول فيلم منفصل يحققه فيلليني [أي بعد »أضواء منوّعة« الذي أنجزه مع المخرج الجيّد ألبرتو لاتوادا سنة 1950] لا تنل من شخصية الممثل الإيطالي الذي ارتدى زيّاً عربياً نسبة للفيلم الذي يقوم بتمثيله (داخل الفيلم) بل من الرمز المكنوز داخلها٠ وهي ليست حكراً على تلك الشخصية بل على شخصية الحالمة واندا (برونيللا بوڤو) التي كانت مشبعة لدرجة الوله بصورة الفارس العربي كما عشقتها من التراثيات مكتوبة او مرئية٠
لكن الفارس العربي مخيّب لآمالها وقصد فيلليني هنا هو ذات قصده من تصوير تمثال السيد المسيح وهو يطير بلا مجد صاحبه معلّقاً بطائرة هيلوكوبتر فوق مدينة روما، كما جاء معنا في تحليل سابق لفيلمه الرائع
والمشاغب »لا دولتشي ڤيتا« سنة 1951. كذلك هي - شخصية العربي هنا- هي مواكبة لشخصية الدون جوان الفتّاك كازانوڤا حسب رؤية المخرج لتلك الشخصية في فيلم حمل عنوان »كازانوڤا- فيلليني« كما أداه دونالد سذرلاند سنة 1967. في ذلك الفيلم كازانوڤا ليس الأسطورة الجنسية التي ترددت عبر العصور، بل شخص مُحبط، منهزم وغير قادر على الشعور بما يمارسه ولاحقاً غير قادر على ممارسته أصلاً٠

أنيتا أكبرغ ومارشيللو ماستروياني في
La Dolce Vita

وإذا ما انتقلنا بين جوانب أفلام فيلليني، طالعتنا تلك المرّات التي يسقط فيها بطله تحت وطأة عدم قدرته على مجابهة المرأة٠ او هل أقول فهم المرأة أصلاً. لكن قبل الوصول الى هذه النقطة لابد من المرور أمام ذلك المشهد الكوميكي (وليس الكوميدي) الذي نجده في »أماركورد« (1973)، وهو مشهد دخول شاب يافع دكاناً تملكه إمرأة كبيرة الحجم كانت في سبيل إقفال الدكّان. إنه يطلب شراء علبة سغائر وحين تخبره بأنه لا يزال ولداً يحاول أن يثبت لها أنه رجل عبر حملها. ينأى تحت ثقلها لكنها تتهيّج عليه وتغلق باب الدكان وتخرج ثدياً بحجم رأس الصبي او أكبر منه. هنا يقع ما يقصده فيلليني: الفتى ابتدع لنفسه دوراً ليس له ولا يستطيع إنجازه والمشهد ينتهي بهربه وخيبة أملها٠
إنه ليس مشهداً يُثير الضحك لغاية الترفيه مطلقاً، بل هو مشهد يثير السخرية الكامنة في عدّة اتجاهات. وسواء أستعار فيلليني هذا المشهد (وباقي الفيلم) من الذاكرة الشخصية ولو أنه نفى أنه أحد أي من الشخصيات التي نراها في الفيلم، او لا، فإن مبالغته في حجم المرأة ناتج عن الشكل الكرتوني الذي في البال وقد مارسه لسنوات. أما وصفه ما يدور بين إمرأة لابد وحيدة وفتى يتمنّى لو ينتقل لمرحلة الرجولة لكنه يهاب ذلك، إنما يكتنز لا الوضع الساخر فحسب بل نوعية رجال فيلليني في معظم أفلامه الأخرى٠
ليس أنهم جميعاً فاشلون في الفراش، بل من حيث أنهم لا يعرفون المرأة كما يجب وربما المرأة -كما الحال في فيلم فيلليني »مدينة النساء« (1980) أصعب من أن تُعرف. على الأقل لدينا ذلك النموذج الذي تحدّثت عنه سابقاً فيما يتعلّق بوضعية مارشيللو ماستروياني حيال نساء فيلم »لا دولتشي ڤيتا«: يجد نفسه طالباً المتعة وبوصولية، وكلّما مضى في هذا السبيل متوخّياً مكاسب عاطفية وماديّة (ارتفاع مستوى علاقاته المأمول من وراء مصادقته لممثلة كما تؤديها أنيتا أكبرغ في الفيلم) كلّما خسر قدراً من ذاته حتى يجد نفسه في منتصف الطريق من كل شيء . إنه في ذلك الحين ينتقل فيلليني به الى البحر لعله ينجح في استعادة نفسه وفتح بصيرته. لكنه تأخر كثيراً. راحت عليه كما يقول الفيلم٠

مارشيللو ماستروياني في »مدينة النساء« يواجه عدّة وجوه نسائية٠ هنا تكمن قيمة القناع. كل إمرأة لها قناعها وفيلليني، كونه رسّاماً، ليس من النوع الذي يخشى المباشرة: بطلاته محلّات بالماكياج المفتعل المركّب ألواناً وأشكالاً. آخرون ربما كانوا سيسقطون في المباشرة، لكنه لا يفعل بل تأتي المبالغة في الماكياج مصاحبة للفحوى التي يرمز اليها كل وجه من وجوه اولئك النساء. هناك الفاتنة وهناك المهووسة وهناك المُثيرة والتائهة والغاضبة والمخيفة وفيلليني يستخدم هذه الوجوه كما لو كانت جميعاً طوقاً يحيط بعنق بطل الفيلم لا يعرف كيف يخلص منه٠
كذلك هي فتاة رقيقة. المهم هو أن تعلّق فيلليني بالوجوه مفهوم ليس فقط بسبب تأثره بالرسم الساخر بل لأن السينما حين كان صغيراً كانت -باعترافه- وجوهاً. لقد نشأ علي حب الوجوه. كل ما فعله لاحقاً حين أمّها هو أن صنع أقنعة لدى بعضها. في كل مرّة أحس بأن الوجه الحقيقي ليس موجوداً او أنه -وبطله- لا يستطيع تبيانه٠

فيلليني خلال تصوير »لا سترادا«٠

من المهم هنا أن نلحظ أن الأقنعة ليست نسائية فقط. بعض أبطال فيلليني من الرجال يلبسونها ولو أنها ليست دائماً ظاهرة٠ في الفيلمين اللذين قامت جولييتا ماسينا ببطولتهما تحت إدارة فيلليني (وهي كانت زوجة المخرج. وماتت سنة 1994، أي بعد عام واحد من رحيله) يقدم لنا الرجل في صورة داكنة وشريرة٠
في »لا سترادا« (1954) هو زامبانو (أنطوني كوين) الذي يدير سيركاً. يشتري إمرأة من أهلها المقدعين ويشغّلها كمساعدة. يضربها. يعاملها بقسوة. يهينها وبعد ذلك يتشاجر عليها حين يبدو أنه سيخسرها ولاحقاً ما يخسرها بالفعل ويبقى وحده نادماً٠
في »ليالي كابيريا« (1959) بعد »لا سترادا« بثلاث سنوات، هي عاهرة مسكينة يبدأ الفيلم بها مسلوبة من حقّها في العاطفة وينتهي بها مسلوبة من حقّها ذاته وبل من الحياة التي تتمنّاها إذ تثق برجل يبدو لها أنه استجابة لدعائها بأن تلتقي بمن يساعدها على تغيير حياتها الآثمة٠ الرجل الذي تلتقيه يسلبها من مدّخراتها ويتركها منهوبة من كل شيء باستثناء إنسانيّتها. وفي النهاية تصل الى فريق من عازفي الموسيقا لربما -كما يوحي الفيلم- ستستطيع الموسيقى وحدها مساعدتها على تحقيق ذاتها٠
أكثر من كون »لا سترادا« قصّة حول رجل مضطّهد وإمرأة مسكينة، هو فيلم واقعي. واحد من تلك الأفلام القليلة التي أخرجها فيلليني ضمن هذا الإطار من دون أن يترك الفيلم ذات الإنطباع الذي تركه -مثلاً- فيلم لدي سيكا او روسيلليني٠ كذلك فإن »ليالي كابيريا« ليس فقط فيلماً داكنا حول العلاقات غير المتساوية تجد فيها المرأة نفسها سلعة منهوبة، وليس أيضاً فيلماً منتمياً الى النَفَس الواقعي لفيلليني، بل هو ينتمي الى موقف المخرج من الدين المسيحي (وغالباً من أي دين) حيث الدعاء الذي تعمد إليه بطلة الفيلم يعقبه تعرّفها على الرجل الذي اعتقدت أنه استجابة لدعائها فإذا به مجرد شخص آخر خال من الإنسان. هنا يريد المخرج نفي فعل الإستجابة لمجرّد الدعاء وربما نفي أن الكنيسة هي الملجأ لحل الأزمات الإجتماعية والعلاقات الإنسانية الخطأ٠ قبلها نرى رجلاً مقعداً يحاول الوقوف لأن هناك من أوهمه أن العناية الإلهية سوف تساعده على أن يمشي متغلّباً على شلله لكنه ما أن يقف حتى يسقط٠

فيلليني خلال تصوير »ليالي كابيريا« مع زوجته الممثلةجولييتا ماسينا

بعد »ليالي كابيريا« بعامين أنجز فيلليني »لا دولتشي ڤيتا« (او »الحياة الحلوة«) الذي تطرّق فيه الى موضوع الكنيسة مرّة أخرى. الشعور الزاهي بأن الرجل قريب من السُلطة الإلهية (مشهد صعود قبّة الكنيسة الكامنة فوق هضبة تشرف على المدينة) بينما هو في الحقيقة أقل شأناً من الوصول الى أي نقطة معها وغير قادر على بلوغ لا الحياة المادّية على الأرض ولا الحياة الروحية في السماء (تماماً كتمثال المسيح معلّقاً)٠ لكن بعد هذا الفيلم سنة 1959 مرّت أربع سنوات قبل عودة فيلليني في فيلم آخر. والفيلم الآخر عنوانه »ثمانية ونصف« الذي كان مختلفاً جدّاً عن أفلامه السابقة٠
من هذا الفيلم بدأ فيلليني ينسج من ذاكرته ويتحدّث عن نفسه ٠
وهو فيلم مثالي للفترة من حيث أنه يعكس السنوات التي قضاها من العام 1959 الى العام 1963 يبحث عن الفيلم الذي يريد إنجازه. ليس أن المشاريع والأفكار لم تكن هناك، بل معرفته ما يطلبه من نفسه. فيلليني بعد هذا الفيلم هو غير قبله من حيث أن أسلوبه اختلف. السينما التي يقدّمها باتت أكثر إنعكاساً لدور الراوي الباحث في ذكرياته ووقائعه (او الوقائع من وجهة نظره) وخيالاته٠ لا يُقصد هنا أنها أصبحت منغلقة، بل على العكس وجدت أفقاً جديداً واسعاً حولها شمل العالم بأسره٠ كل ما هناك أن الرجل قرّر أن ينقل طريقته في التعبير عن المادة التي يسردها من الحكاية (وهي خطوة بدأ تحقيقها في »لا دولتشي ڤيتا«) الى النظرة المنفردة٠ صاحب ذلك تغيير أسلوب النظرة و التعامل. من هنا سيمزج فيلليني الخيال بالواقع ولن تعرف كيف ترسم خطّاً بينهما حتى في صلب موضوع تاريخي مثل »ساتيريكون« كما سنرى في الحلقة التالية من هذه الدراسة٠

SECTION 3 | تيارات وأنواع


2001: A Space Odyssey للعين والذهن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما الرعب والخيال العلمي: 1968 - 1978 | محمد رُضا
..........................................................................................................
بعد عشر سنوات على قيام ستانلي كوبريك بإطلاق فيلمه المستقبلي (انذاك) والباحث في الأرض والفضاء
2001: A Space Odyssey
قام كل من جورج لوكاس وستيفن سبيلبرغ بإطلاق فيلمين من النوع ذاته (نوع الخيال- العلمي) هما
Star Wars و Close Encounters of the Third Kind
وفي حين أن فيلم كوبريك كان فيلماً منفرداً في نحوه وطرحه وبحثه وعمل مصنوع للعقل والعين وحدهما، فإن فيلما لوكاس وسبيلبرغ كانا -بالمقارنة- ساذجين من حيث إيمانهما بأن الفضاء هو غير ما بحث فيه كوبريك (وبعده أندريه تاركوفسكي في »سولاريس« سنة 1972)٠ عند لوكاس ميدان مفتوح ولا نهائي لمزيد من الحروب بين الخير والشر، وفي فيلم سبيلبرغ هو فضاء مسالم لا يود ضرراً بالأرض٠
بذلك يختلفان من حيث الجوهر عن فيلم كوبريك لناحية أن فيلم كوبريك لم يتبع الأعمال الأفلام التي دارت حول وحوش المريخ والكواكب الأخرى، ولا عن نقل الحروب الدموية بين المخلوقات الى الفضاء، بل عن الفكرة الفلسفية المتعلّقة -كما مرّ معنا حين تحدّثت عن »أوديسا الفضاء« منفصلاً قبل أشهر- بالإدراك. ما هو. كيف بلغ ومن سيواصل التنازع عليه والسيطرة عبره على الآخر٠

Close Encounters of 3rd Kind
مثل هذه المسائل (ومثل المسائل الفلسفية المتعلّقة بجذور الإنسان وصراعه من أجل الحفاظ على طبيعته وذكرياته في قلب الفضاء كما ورد في فيلم تاركوفسكي لاحقاً) ليست الموضوع الذي رغب المخرجان الزميلان الآتيان من فوج سينمائيي الفترة كحال فرنسيس فورد كوبولا، مارتن سكورسيزي، وودي ألن، هال أشبي، الان ج. باكولا، برايان دي بالما وسواهم، التعامل معه٠
التقنية المستخدمة في فيلم جورج لوكاس وإدارة تلك التقنية وتطويعها تختلف عن تلك التي في فيلم كوبريك اختلافاً جذرياً تبعاً لاختلاف المفهوم صوب الفضاء لدى كل من هذين الفيلمين: »أوديسا الفضاء« فيلم باحث لذا الكاميرا مثل عين المشاهد المفتوحة وكل ما يعرض عليها جديد في فحواه كما في بؤرته الواسعة٠ لكن في »ستار وورز« فإن لا بحث يذكر بل سرد قصصي تقع أحداثه في الفضاء. والفضاء وكواكبه ليست داكنة، كما الحال عند كوبريك، بل مضاءة وهناك نهار كامل وشموس وقدرة متوفّرة للمشاهد لأن يرى ما يتحدّث عنه الموضوع وليس أن يفكّر به٠
التكنولوجيا خدمت كل منحى من الفيلم منفصلاً عن الآخر٠ في »أوديسا الفضاء« صمّمت ووُضعت لتابلوات من المشاهد الطويلة الموحشة بقدر ما هي خلاّبة. طٌلب منّا أن نرى ونتمعّن ونفكّر ونحفظ ونحاول التحليل حتى وإن لم نستطع فك الطلاسم. في »ستار وورز« هي عبارة عن تصوير معارك تم استبدال الدبابات الأرضية بالمركبات القتالية والأرض ذاتها بكواكب غريبة والمسدّسات بأنواع مختلفة من الأسلحة اليدوية بما فيها السيوف الإشعاعية٠ بإختصار: »ستار وورز« هو فيلم كر وفر فضائي جديده آنذاك أن معاركه تدور في قلب الكواكب البعيدة وليس على الأرض٠ بالتالي، المعالجة هي في الأساس بصرية-حسيّة لا أكثر. وعن قصد فإن ليست هناك ألغازاً للحل وأساساً ليست هناك من مشاهد او شخصيات للتفكير بها او مواقف للتحيل٠

Star Wars: النهاية العسكرية لفيلم

الإفتقاد الى التواصل بين الآدميين وسكّان الكواكب الأخرى يؤدي الى الحرب ومنهج الفيلم لا يخلو من الفاشية. وقد قيل في فصل مشاهده الأخيرة أنه يشبه تلك المشاهد في الأفلام التاريخية الرومانية حين ينتصر العنصر العسكري على سواه فتُقام حفلة استقبال يقودها أهل السُلطة وينتمي اليها المحاربون الشجعان٠
على الأقل فصل ستيفن سبيلبرغ نفسه من هذا المعنى والإفتقاد الى التواصل بين الآدميين وسكّان الكواكب الأخرى في فيلمه
Close Encounters of the Third Kind
يؤدي الى قيام بعض الآدميين بالسعي لاستحداث هذا التواصل ولحسن استقبال المركبة الفضائية والإحتفاء بالتواصل وبالعلم وفتح مرحلة جديدة بين أهل الفضاء وأهل الأرض. لكنه، وبسبب ذلك، هو فيلم ساذج في طرحه من حيث أن سبيلبرغ يتمنّى هذا الوضع غير القابل للتطبيق لأسباب مختلفة منها أن لا أحد منا واثق، حتى ولو صدّق أن هناك مخلوقات فضائية، من أن هذه المخلوقات طيّبة لا تريد الضرر بالأرض٠
مسألة أخرى تعترض الإعجاب المطلق بفيلم سبيلبرغ ذاك وهو تخصيص قدرة التعاطي والحلم والرغبة في التواصل السلمي لمجموعة يتراءى لها جبل على نحو غير بعيد عن الجبل الذي صعده موسى بعدما قرر الله تعالى الحديث إليه. بذلك فيلم سبيلبرغ ليس بعيداً عن فكرة الشعب المختار. قسم ضئيل من البشر سيكون قادراً على التواصل مع المخلوقات الأخرى. الدعوة ليست عامّة٠
على ذلك، فيلم سبيلبرغ واقع، من حيث حسن صفاته الفنية ورسالته، بين فيلمي كوبريك وتاركوفسكي وفيلم جورج لوكاس كقيمة٠ في الوقت ذاته ينتمي الى نوع آخر من سينما الفضاء الترفيهية المسليّة إنما ذات الرسالة التي عليه تأديتها مميّزاً نفسه عن أفلام ثلاثية لوكاس آنذاك وثلاثيّته اللاحقة في التسعينات والعقد الأول من القرن الحالي٠
ستار وورز، كما نعلم اليوم لم يؤد فقط الى ظهور جزئين آخرين، ثم ثلاثية جديدة (بالإضافة الى استغلال كل وسيط تقني ممكن من الأنيماشن الى ألعاب الفيديو وعلى الشاشات السينمائية والتلفزيونية والفيديوية) بل الى بضعة أفلام مماثلة منها
Battlestar Galactica و Star Trek
هذا الى جملة من أفلام قتال في الفضاء تبدو اليوم على بعد نحو عشرين سنة كما بدت أفلام السباغتي وسترن بالنسبة للوسترن. الأكثر من هذا أن النجاح الذي أنجزه »ستار وورز« فاجأ »ستار ترك« كون هذا كان مسلسلاً تلفزيونياً ناجحاً بدءاً من العام 1966 أي قبل خروج »ستار وورز«. كيف حدث أن المسلسل الأكثر والأقدم وجوداً آنذاك جاء ثانياً على الشاشات من حيث الشهرة والنجاح؟

السنوات العشر التي بدأت بفيلم »أوديسا الفضاء« وانتهت ببداية أخرى عنوانها »ستار وورز« شهدت ظواهر عديدة متّصلة. في الأساس شهدت تحديداً بداية نوعية مختلفة من أنواع سينما الرعب حين قدّم جورج أ. روميرو فيلمه المهم في نوعه (والمهم تاريخاً) »ليلة الموتى- الأحياء« او
The Night of Living Dead
الذي خرج في ذات سنة خروج فيلم ستانلي كوبريك٠
كذلك انتشرت في تلك الفترة أفلام الكوارث التي شملت
The Poseidon Adventure, Avalanche, Meteor
من بين آخرى٠
ونستطيع مناقشة كل نوع على حدة (وسأفعل) لكن هنا لابد من التوضيح أن هذا القول لا يعني أن أول فيلم رعب عن فيروس يحوّل الموتى الى آكلي لحوم هو »ليلة الموتى الأحياء« وليس أول فيلم كوارثي هو »مغامرة السفينة بوسايدن«، لكن كما الحال في سينما الخيال العلمي- الكثافة التي خرجت بها تلك الأفلام مجتمعة تقول الكثير عن تاريخنا كبشر٠
بالنسبة لنوع الخيال العلمي، موضوعنا هنا، فإن ذلك القدر من غير الثقة حول كيف كان العالم يعيش في تلك الفترة وبما يؤمن ولماذا تتبدّى في كل تلك الأفلام المذكورة. فيلم كوبريك يطرح السؤال حول الإدراك وماذا نصنع به (نمضي به الى تهلكتنا) بينما »سُلالة أندروميدا« لروبرت وايز طرح موضوع العلم وعلاقته بالإنسان (سلباً غالباً) وكذلك فعل »وستوورلد« كما حققه مايكل كريتون (1972) و»سوليانت غرين« لرتشارد فلايشر (1973) وصولاً الى فيلمي لوكاس وسبيلبرغ ومعهما نسخة فيليب كوفمن من
Invasion of the Body Snatchers | غزاة ناهشو الجسد
تلك التي كانت إعادة صنع لفيلم دون سيغال سنة 1956 وسط ظروف سياسية مختلفة تماماً٠

السنوات القابعة بين 1968 و1978 شهدت تعاقب أربع رؤساء للولايات المتحدة، كل منهم بأجندة وتأثير خاص: ولاية ليندون جونسون انتهت مطلع عام 1969 وفترة رتشارد نيكسون أعقبتها من 1969 وحتى استقالته سنة 1974 ثم خفه جيرالد فورد لثلاث سنوات ومن العام 1977 الى العام 1981 الرئيس جيمي كارتر٠
مع جونسون في أعقاب كندي الذي تم اغتياله ورتشارد نيكسون الذي تجسس على حكومته والقوى السياسية لا عجب أن الفترة كانت فترة عدم ثبات الى أن قفز اليمين ثانية الى الواجهة بدليل وصول »ستار وورز« في سينما الخيال العلمي وأفلام الكوارث التي كانت دائماً ما تنتهي بإنتصار القيم التقليدية على تلك الليبرالية٠


إقرأ أيضاً: موضوع إدغار نجّار عن سينما الرعب أدناه *

SECTION 4 | ضيوف


تشريح سينمات الرعب والإثارة | إدغار نجّار
.........................................................................................................
السينما الغرائبية الحديثة ما بين الرعب والقرف

Frankenstein | James Whale (1931)

المثل اللبناني الشعبي القائل: "رزق الله على ايام العربيات" – أي على أيام ما قبل السيارات- ينطبق تماماً على سينما الرعب التي نشاهد انتاجاتها مؤخراً. فبألطبع تقدمت السينما تقنياً بشكل ملفت. وما كان غير ممكن اصبج شيئاً روتينياً سهلاً وإن كان مكلفاً مادياً. فالمؤثرات الخاصة صوتاً وصورة وما تتمكن برامج الكومبيوتر من إنجازه تُذهل. لكن يبدو إن كل هذا ليس كافياً أو كفيلاً لإنتاج فيلم يضاهي قوة وحرفية بعض أفلام "أيام زمان" بالرغم من تسامح الرقابة و تساهل المجتمعات في تقبّل بعض الموضوعات والمعالجات والمشاهد الدامية أو العارية ألتي لم تكن مباحة أو مسموحة من قبل٠

وأول ملاحظة على معظم أفلام رعب اليوم هي أنها ليست "مرعبة" بقدر ما هي مقرفة تثير الاشمئزاز أكثر مما تخفيف إذ تعتمد على التشويه الجسدي أكثر من أي شيئ آخر. أعضاء مبتورة دامية وأحشاء مبقورة وكأنك في المسلخ أو بالأحرى في المشرحة. وبمعنى آخر هذا العرس المجاني من العنف هو تافه من جهة ماهيته وهدفه إذ يقتصر على اللحم ويتجاهل أو يتناسى العقل والنفس وهواجسهما. فألخوف النابع من الخطر على الجسد وتشويهه هو عادة ودائماً آني وقصير المدى في حين ان الخطر على التوازن النفسي والعقلي هو أكثر حدة وأطول أجلاً وبالتالي أكثر فعالية على المشاهد إذ أنه يتوجه الى هذا التهديد على الحياة وما بعدها وليس فقط على لحظة الموت٠

الكاتب الفرنسي غي دوموباسان (1850-1893) في إحدى قصصه الغرائبية حدد الرعب بقوله: "ما يخيفنا هي الأمور التي لا نتمكن من فهمها وتفسيرها منطقياً". وبذلك عرّف الرعب النفساني او الوجودي وميزه عن الخوف الناتج عن مواجهة خطر مادي معروف وإن كان يحدق بنا مثل إمكانية السقوط في هاوية أو لدغة ثعبان سام أو جرح قاتل من رصاصة بندقية قد تطلق علينا. فالرعب هو ما يبقى بعد مشاهدة الفيلم أو قراءة الرواية أو الأقصوصة لا ما ينتهي عند آخر سطر أو آخر صورة. فالنهاية ليست "مغلقة" بل "مفتوحة" لأنها لاتفسّر كل الغموض الذي تحتويه وتبقى عالقة ما بين الشك واليقين. وهذا ما يُقلق و يخيف اكثر من لحظة تواجه أو ريبة عابرة تفسّر لاحقاً أي في نهاية العمل ٠
وهنا يجدر بنا أن نحدد ماهية ومعنى الأعمال "الغرائبية" التي تضم فئة الرعب الصرف وبعض الأفلام العلمية-الخرافية (يمكن إعتبار فرانكنشتين أحدها) وذلك من أجل تقييم ظاهرة شعبية استمرت مئة سنة منذ إختراع السينما. ويحدد المفكر تزفيتان تودوروف الغرائبية بأنها "التردد الذي يعيشه كائن بشري لا يعرف إلا القوانين الطبيعية أثناء مواجهته حدثاًًًًًًًًًًً يبدو ظاهرياً غير مألوف". وتقف الغرائبية ما بين النوع "الغريب" الذي يروي أحداثاً غير عادية يمكن تفسيرها منطقياً والنوع "العجيب" الذي يعرض ببساطة أحداثاً غير مألوفة دون أن يهدف حتى الى إثارة الدهشة. لذلك توجب على النوع الغرائبي ان يحافظ على معادلة خاصة تقف كنقطة إتزان ما بين النوعين المذكورين ليبقى المشاهد أو المتلقي في دائرة الارتياب (إحدى خصائصه المميزة)٠

وتدفع الحكاية الغرائبية المتفرِج أو القارئ على إدراكها وكأنها تجسيد لعالم مؤلف من شخصيات حية. وبمعنى آخر فإن النص الغرائبي هو تشخيص للأشياء، لذا تتوجب قراءته حرفياً وليس حسب مدلوله الإستعاري. إلا أنَّ ما يفرّق الغرائبية عن غيرها من الأنواع هو ذلك الاختلاف في التكثيف الذي ارتكز الى أبعد حد على العنصر الغرائبي. وقد قسم تودوروف موضوعات الغرائبية الى مجموعتين كبيرتين: موضوعات "الأنا" أو موضوعات الابصار وموضوعات المخاطب ("الأنت") أو موضوعات العرض التعليمي المنطقي. وموضوعات الأنا تنطلق من الادراكية الحسية حسب مبدأ الحتمية التي ترفض الصدق لتقطع الحدود ما بين الواقع والخيال. أما موضوعات المخاطب فإنها تنطلق من علاقات الإنسان برغباته وباطنه.
Dracula |Tod Browining (1931)

من هنا نصل الى الوظيفة أو الدالة الإجتماعية لكل ما هو "طبيعي". فالمجتمع يرفض الجنون أي موضوعات الأنا ويرفض الجريمة أي موضوعات المخاطب لتصبح وظيفة الفوطبيعي عملية خرق للقانون والممنوعات. أما بالنسبة إلى الدالة الفنية فنلاحظ على انَّ السينما كفن تقتات وتعيش بالصوت والصورة. لكن نزعتها الجدلية تفرض عليها أن تقول أكثر مما تقوله اللغة المعتمدة. ومن هنا ينبع ذلك الشعور بالقلق الناتج عن المشاركة في النوع الغرائبي حيث يتداخل، ضمن حركة توازنه الدرامي، الواقع باللاواقع٠
واذا كانت الذاكرة الشعبية لا تسجل الفارق ما بين الغرائبية والنوع العلمي الخيالي، نلاحظ أن القاسم المشترك للنوعين (المسوخ والمخلوقات الغريبة) تبتدعه رؤيتان مختلفتان كلياً في الجوهر. فالوحش (مصاص دماء أو غيره) في النوع الغرائبي ينتج عادة عن هواجس ومخاوف معينة (دراكولا مثلاً يجسد تلك الارادة الشيطانية أو ذلك الحلم المريض بالشباب الأزلي الذي يبعد شبح الموت عنه بعيشه على دماء ضحاياه). أما الوحش في النوع العلمي الخيالي فينتج عن تطبيق مضخم لأحدى الأسس العلمية.

والسؤال: من يخيف أكثر؟ والجواب هو أنَّ مصاص الدماء أو الرجل الذئب أو الميت الحي لا يميتك فحسب بل يقتات منك وأنت حي ومن بعدها يجعلك مثله أي يفرض عليك (أو بالحري على روحك) حياة أخرى جديدة تعيشها في القتل والشر أي أنَّ خطره يمتد إلى ما بعد الموت. فهو يزجك في الظلام الأبدي ويبعدك عن النور والخير وبالتالي عن خالقك وباريك أي الله سبحانه وتعالى. أما الوحش العلمي فهو يخيفك لأن باستطاعته أن يقتلك أو يسحقك لكن امتداد خطره يقتصر عادة على الجسد وليس كثيراً على النفس. هناك بالطبع بعض الأفلام العلمية-الخيالية التي تتناول "خطر" العلم وتطبيقاته على الحياة البشرية. نذكر منها تحفة ستانلي كوبريك "أوديسة الفضاء 2001" (1968) العميقة المقلقة بطرحها تساؤلات حول مستقبل الإنسان وتعايشه مع تفوق الآلة وتطور التكنولوجيا ليعالج بذكاء سلوكية الانسان المعاصر وتفاعلاته حيال ذلك٠

ويجدر بنا هنا ان نسجل بعض الملاحظات حول ما يحدد الإثارة أو التشويق من جهة والرعب من جهة مقابلة. إذ أن هناك فارق كبير بين النوع المثير المشوق والنوع المرعب أو الغرائبي الناتج عن البناء والعرض. فهنالك من "يخلط" بين النوعين ربما لأن بعض الأفلام "التشويقية" هي أكثر عنفاً ودموية من أفلام الرعب٠
فبالنسبة إلى البنية الدرامية نسجل بعض المعادلات الخاصة بتركيبة الحبكة وتسلسلها وفكّها. الفيلم المثير المشوق (عادةً البوليسي) هو مغلق بينما الفيلم الغرائبي مفتوح ولا ينتهي مع آخر صورة وذلك بسبب وصفة البناء بالرغم من أن نقطة الإنطلاق هي دائماً المجهول٠

ففي القصة البوليسية المعادلة هي التالي
مجهول أو غموض ← الإثارة أو اللذة← الوضوح أو المعلوم٠

بينما في القصة الغرائبية
مجهول ← التأمل (إتحاد المجهول + المعلوم) ← المجهول أو القلق

ليتضح لنا أن مجهول + إثارة + معلوم← القصة البوليسية (أي مغلقة)٠
بينما
مجهول + تساؤل + مجهول ← القصة البوليسية (أي مفتوحة)٠
وهكذا نتمكن من تحديد نوع الإثارة في النوعين واكتشاف مدى الاختلاف ما بين الإثارة والتشويق وما بين الالتباس أو القلق
اثارة = مجهول ← معلوم٠
التباس= مجهول ← معلوم

أي ان: الاثارة = (مجهول ← معلوم)٠
بينما: الالتباس = (مجهول ← معلوم)٠

الجزء 2 في العدد المقبل٠

SECTION 5 | سينما من ٠٠٠٠

السينما البريطانية تبحث عن هويّتها | محمد رُضا
..........................................................................................................
كما كان متوقّعاً هنا في الأسبوع الماضي، فاز الفيلم البريطاني »مليونير صعلوك« بأوسكار أفضل فيلم وأوسكار أفضل مخرج (داني بويل) علاوة على ستة أوسكارات أخرى من بينها أوسكار أفضل تصوير وأوسكار أفضل سيناريو مقتبس. ولا يغيب عن البال أن حضور السينما البريطانية الآخر تمثّل في فيلم ستيفن دولدري »القاريء« وفي فيلم مايك لي »سعيدة محظوظة«. الأول نجح في منح بطلته كيت وينسلت أوسكار أفضل ممثلة والآخر لم يتردد ذكره على الإطلاق٠

وفي حين صدحت بعض التعليقات السريعة حول فوز السينما البريطانية هذا العام الا أن هناك خلطاً كبيراً في هذا الموضوع، فالسينما البريطانية تفوز منذ عقود وليس من اليوم وحسب وحضورها الأميركي موجود منذ سنوات بعيدة. المشكلة ليست في أن تفوز او لا تفوز بجوائز أوسكار -على أهمية ذلك بالنسبة للمنتجين والمخرجين وباقي السينمائيين- بل في كم هي الأفلام المنتجة في بريطانيا.... بريطانية٠

فيلم داني بويل »مليونير صعلوك« هو بريطاني الإنتاج تقع أحداثه في الهند وشخصياته كلها هندية ومقتبس عن رواية لكاتب هندي. هذه النقلة الملحوظة هي دعامة تميّز الفيلم عن الأعمال البريطانية في معظمها. ليس أنه أول فيلم بريطاني تم تصويره في الهند بصورة كاملة (بل هناك سوابق من بينها بعض أفلام اسماعيل مرشنت وجيمس أيفوري مثلاً) بل هو أول فيلم بريطاني لا يحتوي بريطانيين او أجانب غير هنود أمام الكاميرا تم تصويره في الهند- وإن لم يكن الأول فمن القلائل جدّاً٠

على ذلك، فإن الفيلم بريطاني الإنتاج والإخراج والهوية الثقافية خلف الكاميرا وإن لم يكن أمامها أيضاً. وفوزه يبعث السعادة بلا ريب في أركان السينما البريطانية لكن على نحو محدود. ذلك أن السينما البريطانية لا تزال تقبع في سلسلة من المشاكل التي تحد من طاقاتها الإنتاجية وفي مقدّمتها السؤال الكبير حول من يريد مشاهدة فيلم بريطاني؟

في مطلع العام الحالي تم الإعلان عن بعض الأرقام المفيدة الخاصّة بصناعة السينما البريطانية: 111 فيلم طويل تم إنتاجه في العام 2008 لكن مقابل 126 فيلما في العام الأسبق٠ هذا التراجع ليس وبالاً، لكن المشكلة هو فيما يلي: هناك إنحسار في التمويل البريطاني (الخاص والرسمي) لإنتاج أفلام بريطانية يصل الى 35 بالمئة عما كان الوضع عليه في العام 2007
أكثر من ذلك: في حين أن صالات السينما في بريطانيا سجّلت 949 مليون و500 ألف جنيه استرليني من خلال بيع التذاكر في صالات السينما، ما يعني زيادة خمسة في المئة عن معدّل العام 2007، الا أن معظم الإقبال كان من نصيب الأفلام التي إما هي إنتاج أميركي، وإما هي تمويل أميركي لإنتاج بريطاني. بالتالي هي أفلام مشتركة٠
مجلس الفيلم البريطاني نظر الى الوجه المضيء من الصورة وهو ارتفاع الإقبال كما نظر ايضاً الى حقيقة فوز فيلم »مليونير صعلوك« بالأوسكار بالطريقة ذاتها. ولم يفته إعلان حبوره لقيام شركة تونتييث سنتشري فوكس الأميركية بقرب تصوير فيلم كبير بعنوان »أسفار غوليڤر« في بريطانيا مستخدمة طواقم عمل وخبرات بريطانية٠
كذلك لم يفته سابقاً أن فيلم »كم العزاء«، الذي هو آخر فيلم جيمس بوند الى الآن، حصد نجاحاً كبيراً في الأسواق البريطانية والعالمية٠ كل هذا أخباراً سعيدة وبالتأكيد هي من وجهة نظر المنتجين البريطانيين مهماً للغاية٠

لكن في المقابل هناك حقيقة أن أفلاماً مثل »محظوظة سعيدة« لمايك لي و»أربع ليالي مع آنا« لييرزي سكولوموفسكي و»سرقة بنك« لروجر دونالدسون و»كن للآخرين« لتاناز ايشاغيان و»إعادة زيارة برايدسهد« لجوليان جارود و»الدوقة« لساول ديب لم ينتج عنها أي نجاح تجاري يُذكر٠
الجامع بينها هي أن بريطانية من دون اسهامات تمويل أميركية وهي تشترك في هذه الخصية مع معظم الأفلام الـ 111 التي أنتجت في العام الماضي، ما يعني أن الفيلم البريطاني- البريطاني يواجه مأزقاً ليس فقط على صعيد عالمي، بل أيضاً على صعيد محلّي٠
حتى ولو أننا نظرنا الى »كم العزاء« على أساس أنه في نهاية المطاف من بيت انتاج بريطاني حتى ولو موّلته ووزّعته شركة مترو غولدوين ماير الأميركية، الا أن الحقيقة هنا هي أنه مصنوع لإرضاء المشاهد الأميركي والمشاهد العالمي ما ينفي عنه جزءاً كبيراً من الهوية البريطانية الخاصّة٠
هذا هو الوضع ذاته الذي تعيشه سلسلة »هاري بوتر« التي تحضّر نفسها لإطلاق جزء سادس عما قريب٠ هي بريطانية التأليف وبريطانية التمثيل والإخراج لكنها مصنوعة لأن تبهر الدنيا وتحقق الإيرادات ما يخضعها لنوع من السينما الذي يفصل ما بين الهويّة الثقافية للبلد المنشأ والنتاج التابع له. بذلك هي أفلام بريطانية من حيث أن المؤسسين لها، أي البيت الإنتاجي الذي أوجدها، بريطاني بالفعل، لكن اعتماد كل هذا القدر من المؤثرات الخاصّة وارتفاع الميزانية الى أكثر من مئة مليون دولار في كل مرّة ، وهو مبلغ ما كان بالإمكان توفيره من داخل الصناعة السينمائية البريطانية لو سعى المنتجون، كفيل بأن يُلغي الهوية الثقافية ويستبدلها بهوية مشتركة٠ بل حقيقة أن وورنر الأميركية هي التي تضع المبلغ في متناول المنتجين البريطانيين لكي يصنعوا أفلام السلسلة بها تعني أن هذه السلسلة هي أقرب لأن تكون استثماراً أميركياً خارج أميركا منه أعمالاً بريطانية تبعاً لتأليفها وإنتاجها٠

حالها أفضل
والحقيقة أن السينما البريطانية دائماً ما واجهت معضلة غريبة من حيث طبيعتها٠ فهي ضحية أنها تنطق الإنكليزية في حين أن اللكنة المنتشرة هي أميركية٠ ذلك الإدراك حدث حينما تغيّرت الأوضاع الإقتصادية البريطانية من نظام اشتراكي في غالبه الى نظام رأسمالي في غالبه منذ وصول مرغريت تاتشر الى الحكم. السينما في هذا المجال لم تكن سوى واحدة من مجالات وميادين عمل كثيرة وجدت نفسها عارية من دعم حكومي بسبب هذه النقلة. تدخل في الخانة ذاتها مؤسسات النقل (كالقطارات) وصناعة المناجم على حد سواء٠
في الستينات كانت الحال أفضل بكثير من نواحي عديدة٠
أولاً على الصعيد الإبداعي، كانت السينما البريطانية ذات وضع عالمي قائم على مشاركة عدد من المخرجين البريطانيين الفورة العالمية لسينما المؤلّف وأساليب التعبير المتحررة من السرد القصصي التقليدي. مخرجون من أمثال توني رتشاردسون، كارل رايز، جوزف لوزاي، ييرزي سكولوموفسكي، لندساي أندرسون، ولاحقاً في السبعينات كن راسل ، رتشارد لستر، ستانلي كوبريك وسواهم، سادوا الوضع السينمائي بقصص ومواضيع بريطانية مئة في المئة وبتمويل بريطاني (كان الفيلم، معظم الأحيان، يُباع بعد انجازه الى الشركات الأميركية لتوزيعه في الولايات المتحدة وكندا فقط. لا ضير أن بعض السينمائيين المذكورين لم يكونوا بريطانيين مثل كوبريك ولوزاي الأميركيين وسكولوموفسكي البولندي وكارل رايز التشيكي. فبإستثناء كوبريك، الذي كان له دائماً وضعاً خاصّاً نتج عنه أعمالاً بريطانية صميمة (مثل »كلوكوورك أورانج«) لجانب أخرى أميركية نفّذها في بريطانيا (مثل »سترة معدنية واقية«) ، كان الجميع يساهمون في إرساء نقلة نوعية للفيلم البريطاني لم تكن مسبوقة وهم مسؤولون عن نقلة في التمثيل أيضاً نتج عنها ظهور عدد كبير من المواهب التي سطت على اهتمام هواة ومحترفي السينما حول العالم مثل جولي كريستي وفانيسا ردغراف وغليندا جاكسون وأوليڤر ريد وألان بايتس ومالكولم مكدووَل وترنس ستامب من بين آخرين كثيرين٠

مخرجون بلا عمل
لكن السينما البريطانية حينها كانت مطروحة بقوّة فاعلة ليس فقط بسبب نوعية بعض مخرجيها الذين آثروا الإبداع على التجارة، فإذا بهم يحققون الإبداع والتجارة وتأسيس المكانة المهمّة للسينما البريطانية ولفترتها الخاصّة تلك، بل أيضاً بسبب لون من الإنتاج كان -في وجهته- تابعاً لسينما الجمهور العام، لكنه في الوقت ذاته كان بريطانياً خالصاً وناجحاً في الأسواق الدولية٠
بالتحديد، يستعيد المرء الآن أفلام شركات مثل رانك وإيلينغز وهامر٠
في حين أن رانك تخصصت في اللاتخصص وأنتجت أفلاما ذات أنواع متعددة ومختلفة، اتجهت إيلينغز الى السينما الكوميدية بينما عرفت هامر بأفلام الرعب. في الحقيقة تم تتويجها، وعن حق، بـ »بيت أفلام الرعب« دولياً٠
وفي حين كانت النسبة الغالبة لإنتاجات رانك هي نسبة ترفيهية عالية العناصر الإنتاجية، لذلك تختلف قيمها الفنية من فيلم لآخر تبعاً لصانعي تلك الأفلام، فإن غالبية إنتاجات إيلينغز كانت خفيفة، بينما استدعت معظم أفلام هامر الإنتباه بسبب موهبة مخرجيها في صياغة معالجات جديدة لأفلام الرعب بفضل مخرجين عملوا لها دائماً من بينهم بيتر ساسدي وترنس فيشر وفريدي فرنسيس من بين آخرين عديدين٠
كل ذلك مضى بأسرع مما تم تأسيسه ونشره لتجد السينما البريطانية نفسها أمام أزمة لا تزال مستمرّة الى الآن وتتعلّق بماهية الهوية الخاصّة. او كيف يمكن للفيلم البريطاني أن يحافظ على »بريطانيّته« إذا ما تم الإستغناء عن كل تلك العناصر الثقافية والإنتاجية التي شكّلته؟

ليس أن السينما البريطانية خالية من مبدعيها لكنهم في واقع الأمر على نوعين: نوع لن يرض إنجاز أفلام هوليوودية (حتى وإن سبق له وأن غامر وفعل ذلك في الماضي) ومن هؤلاء مايك فيغيس الذي أنجز عدداً من الأفلام الجيّدة الملحوظة من بينها »مس جولي« و»فندق« ومؤخراً فيلمين تسجيليين طويلين، ومايك لي، صاحب الفيلم الكوميدي »السعيدة محظوظة«، و كن لوتش صاحب العدد الأكبر من الأفلام ذات الطروحات الإجتماعية المناوئة للوضع السياسي الحالي. ولا ننسى كن راسل الذي آثر الإنزواء في كاراج منزله يحقق أفلاما قصيرة غير آيلة للتصدير (ولا حتى للتوزيع) فقط ليستمر في العمل بعد تألّقه الوجيز من آخر الستينات لمطلع الثمانينات٠
هذا من دون أن ننسى أن عدداً كبيراً من الذين أمّوا السينما التجارية الكبيرة في بريطانيا هم أيضاً بلا عمل حالي وفي مقدّمتهم رتشارد أتنبورو صاحب »غاندي « والذي كان كتب مقالة صحافية قبل عامين شكا فيها من أن شركات التوزيع البريطانية المحلية انقلبت على الفيلم البريطاني- غير الأميركي بحيث لم يعد ممكناً عرض سواها٠ شكوى في مكانها وليس لها حل على خلفية أن الفيلم البريطاني في هذه الأيام بات مكلفاً إذا ما أراد أن يشق طريقه الى العالمية٠
مثلاً إذا أخذنا في عين الإعتبار أن غالبية الشركات العاملة اليوم في الإنتاج، ومن بينها بي بي سي فيلمز وتشانل فور فيلمز وحتى »ووركينغ تايتل« تستطيع أن تتحرّك فقط بميزانية لا تتجاوز الخمسة مليون دولار للفيلم الواحد، يتبدّي عمق الأزمة التي يعانيها الفيلم البريطاني إذا ما أراد أن يكون بريطانيا فعلاً٠


نشر في صحيفة »الجزيرة« السعودية بتاريخ 27/2/2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular