أوراق ناقد

وصلتني رسالة شكر من الممثل البريطاني الشاب جيمس كوردون يقول فيها: "قد تكون المرّة الوحيدة التي سأكتب بها حول هذا الموضوع". والموضوع هو دوره في فيلم Into the Woods لجانب ميريل ستريب وكريستين بارانسكي وإميلي بلنت وآنا كندريك. الشكر لكون "جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب" وضعته على قمّـة ترشيحاتها لنيل الغولدن غلوبز المقبل: "شاهدت حفلات الغولدن غلوبز من لندن حيث عشت واستمتعت بالمشاهدة وتمنيّـت يوماً أن أقف على المنصّـة لاستلم هذه الجائزة".


Feb 2, 2009

Year 2| Issue 392|أناتول سولنتزن | قراءة في السيناريوهات المرشّحة للأوسكار | مهرجان كليرمون فيراند | أول فيلم عن حصار غزة | أفلام لبنانية |

COVER | STORY
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Taken
هو الفيلم الذي تسلّق قمّة الإيرادات الأميركية هذا الأسبوع محتلاً الرقم الل. ت
تشويقي يحمل تعاليم طراز جاد وقديم حول جاسوس سابق (ليام نيسون) يبحث
عن إبنته (ماغي غريس- الصورة) التي خُطفت في باريس




SECTION 1| Journal
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سنوات ضوئية | بين الحلم وتحقيق الحلم خط رفيع جداً لكنه بطول الحياة ذاتها٠
.........................................................................
لدي صديق بالمراسلة يحاول، منذأشهر إنجاز فيلم روائي قصير. إنه ليس إبن مستثمر مالي ولا موظّف براتب كبير وعلاوات، ولا هو وُلد وفي فمه معلقة ذهب.... بل هو مجرد شاب نظر الى الشاشة مرّة ومرّتين وثلاث وهو لا يزال ولداً وأحب ما رآه، ثم أحب ما سمع عنه ولم يستطيع أن يراه من أفلام الفن السابع المختلفة تماماً عن الأفلام السائدة٠
الشاب يريد ان يصبح مخرجاً. هل نلومه؟
يكتب لي ليقول أن ممثلون وممثلات في معهد السينما لم يظهروا بعد في الأفلام يطالبونه بأجر، وكل مصوّر هاو لم تتح له بعد فرصة تصوير فيلم من تلك التي تطلق على شاشات السينما هرب من طريقه حالما عرف أنه لا يستطيع الدفع٠
إنه في حين أن المطالبين بأجورهم لا يخرجون عن منطق الأشياء بل يمارسون مسألة في جوانب كثيرة منها هي حَقّة الا أن ما هو حق أيضاً تعاون الآملين والساعين الى ذات الوجهة مع بعضهم البعض٠

حين كنت صغيراً التقيت بصبي من عمري أسمه سمعان سمعان عرّفني على صديقين من عمرينا أيضاً والجامع بيننا نحن الأربعة أننا نحب السينما. والد أحدنا كان ميسوراً وهو اشترى لإبنه كاميرا سوبر 8 وآلة عرض سوبر 8 ومنحه حرية القيام بهذا اللهو ليحكم عليه لاحقاً٠ الحكم لم يكن في صالحنا، لكن الأب منحنا جميعاً فرصة تحقيق ذواتنا. حققنا أربعة أفلام روائية صغيرة. أخرجت منها ثلاثة وكتبت الأربعة ومثّلت في واحد وكانت تجربة دالّة٠ لا أدري ما حدث لهؤلاء الأصدقاء فقد باعدتنا الظروف من بعد إنما ليس من قبل أن ننجز ولو بعض ذلك الحلم الذي من حقّنا أن نمارسه٠
آمل أن ينبش صديقنا الميسور، الذي بطبيعة الحال استلم مهامه كمنتج، بعض أرشيفه ويجد تلك الأفلام. إذا كان من بينها ما هو صالح ربما تذكّر نفسه وتذكّرنا في لحظة من التاريخ أقدمنا فيه على إثبات حق كل واحد في هذه الدنيا الحلم وتحقيق الحلم٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشباح ناقد |لا أعرف كيف أكتب ذكريات. او ربما لا أريد أن أكتبها
لأن حياتي كلّها هي لقطات لي وللأفلام التي شاهدتها وما ز
لت
1
.........................................................................
المكان: بيروت٠
السنة: 1957
عيد الأضحى. أرتدي البذلة التي اشتراها لي والدي قبل أن يُسافر وأنطلق الى بيت جدّتي بصحبة أمي. هناك ألتقي بأولاد خالتي عبد ومحمود وأمل وحنان (الباقون كانوا لا يزالون في الغيب) . نقبض العيدية من أفراد العائلة. البنات يشترين الحلويات الصغيرة وأمشاط الشعر. عبد ومحمود يشتريان بلّورات زجاجية. أنا أذهب الى حيث يقف رجل ومعه آلة ملوّنة حمراء صغيرة. مقابل قروش قليلة يضع فيلماً داخل الآلة التي تشبه الكاميرا. تضع عينيك على فتحتين زجاجيّتين وكلّما ضغطت زراً في أعلاها تبدّلت الصورة التي تعرضها على نحو مسلسل. الفيلم الأول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

omar2nd@ .... لديك بريد | يسأل القاريء
إذا ما كانت لدي قائمة جاهزة بأفضل عشرة أفلام شاهدتها
في حياتي٠
........................................................................................................
أقرأ لك منذ فترة ولا أعرف إذا كان أحد من القراء سبقني الى هذا السؤال التالي: ما هي أفضل عشرة أفلام شاهدتها في حياتك؟
omar2nd

نعم سئلت هنا، وفي غير هذا المكان، عن أفضل عشرة. وذات مرّة قال لي قاريء التقاني في دبي: طيّب أفضل عشرين... لكن المسألة بالفعل صعبة ليس لكثرة الأفلام التي شاهدتها في حياتي فقط، بل لأنه من الصعب إختيار فيلم واحد لباستر كيتون إذا كنت معجباً بنصفها (هي أكثر من مئة) او كيف أختار فيلماً او إثنين من أعمال أندريه تاركوڤسكي إذا كانت كل أعماله مميّزة وستة من أصل ثمانية تحف؟ ماذا عن
كيروساوا، أوزو، إيتشيكاوا من اليابان او غودار، سوتيه، ملفيل، بواسيه، رنوار، من فرنسا؟ وماذا عن ثلاثة او أربعة من بريطانيا وثلاثة او أربعة من ألمانيا وثلاثة او أربعة من العالم العربي او عشرة الى خمسة عشر من السينما الأميركية؟ هل يمكن إغفال هوارد هوكس، آرثر بن، جون فورد، ترنس مالك، كلينت ايستوود، تشارلي تشابلن، جون كازفيتيس، روبرت ألتمَن، أورسن ولز؟
غالباً لن أستطيع تعداد لا عشرة ولا عشرين ربما مئة وسأنشرها حين أضعها٠
........................................................................................................
هنيئاً هذا الجهد المبذول في مدوّنتيك. هذا فائق للعادة وبل صدّقني حين أقول أنهما أفضل ما أطالعه على الإنترنت كل يوم٠
علاء سرحان- القاهرة

شكراً. هذا ما أحاول جهدي تحقيقه ٠



SECTION 2 | تحقيقات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة في السيناريوهات المرشّحة للأوسكار هذا العام - 1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعود الأوسكار ونعود الى عادة تصفّح السيناريوهات المرشّحة في مسابقتي
أوسكار أفضل فيلم مقتبس (وهو موضوع هذا الأسبوع) وأوسكار أفضل
فيلم كُتب خصيصاً للسينما (في الأسبوع القادم)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Curious Case of Benjamin Button
القضية المثيرة للفضول لبنجامين باتون٠


وضع ف. سكوت فتيزجيرالد هذه القصة القصيرة سنة 1921 ونشرتها مجلة كولييرز التي كانت تصدر أسبوعياً قبل أن تجد طريقها كواحدة من عدة قصص قصيرة للمؤلّف نشرت في كتاب جامع. وكانت هذه القصّة موضع رغبة المنتج الراحل راي ستارك لكنه توفّى قبل إنجازه إياها والفيلم حط بين يدي ديفيد فينشر الخبيرتين٠
الرواية غريبة إذ تتحدّث عن ولادة غريبة لطفل في ملامح رجل عجوز. الطفل يستطيع أن يتحدّث وبل أن ينمو وسط ظروف قاهرة. وكلّما نما جسدياً بمرور السنين كلّما تغيّرت ملامحه متراجعة. بذلك يسير، هو أيضاً، بإتجاهين معاً: يكبر ويصغر في ذات الوقت وبل مهدد أن يخسر عقله ولاحقاً معرفته النطق حين يصبح طفلاً٠
السيناريو يختلف عن الرواية الى حد ملحوظ لذلك نجد في البطاقة الفنية للفيلم أن إريك روث وروبين سويكورد تشاركا في كتابة قصّة سينمائية بمعنى أن النص السينمائي تحرر من الأصل في مناطق فرضت من أهميّتها اعتبار أن القصّة السينمائية اختلفت عن القصّة القصيرة. طبعاً لجانب أن القصّة في الأساس قصيرة ما يحبّذ شحنها بأحداث مستوحاة منها لكنها بعيدة عنها٠
إنه سيناريو صعب للكتابة ويتطلّب جهداً عاطفياً أيضاً إذا ما كان المطلوب التعامل مع الطروحات الذهنية للأصل. روث كان عالج مثل هذه المواضيع الصعبة حين كتب سيناريو »فورست غمب« سنة 1994 عن رواية لونستون غروم ونال الأوسكار في ذلك الحين بالفعل. أمر قد
يتكرر هنا ولو أن المنافسة أشد هذه المرّة مما كانت عليه حين تم ترشيح ذلك الفيلم ومن معه الى أوسكارات عدّة

Doubt ريب


كما تقدّم، كتب المخرج جون باتريك شانلي السيناريو عن مسرحيّته. وهو كاتب جيّد حين يتعامل مع الشخصيات (كتب »ضربة قمر« الذي كان أبرز ما فيه التنوّع في المواقف بين شخصيّاته المتعددة ومنها تلك التي لعبها نيكولاس كايج والممثلة شير وهذا الفيلم هو ثاني فيلم له مخرجاً بعد »جو ضد البركان« في العام 1990
مشاهدة »ريب« توحي بعدّة أمور مهمّة. منها أن المخرج يؤسس للبيئة التي تقع فيها الأحداث (ضاحية برونكس في نيويورك) سنة 1964 وبينما من الطبيعي أن يعمد الفيلم الى الإختلاف عن المسرحية بالتوسّع في مشاهده حتى يكسر شروط الخشبة، الا أن هناك حسّاً ملحوظاً مع المشاهد الخارجية ما يعني أن المخرج- الكاتب لم يتّكل على جهده السابق كمؤلف مسرحي. ليس في نصف الساعة الأولى، إذ بعد ذلك يتّكل شانلي على نصّه الأصلي حين يصبح المشهد قائماً على شخصيّتين متواجهتين (الراهب والأخت او الأخت وأم الطفل الخ..)٠
على أي حال هذا الإتكال في محلّه غالباً نظراً لقوّة النص والحوار في حكاية تتعامل وموضوع حسّاس حول
راهب في كنيسة كاثوليكية (فيليب سايمور هوفمن) تحوم حوله الشكوك من أنه يغوي تلامذته ويعتدي عليهم جنسياً. القضيّة المركزية هي علاقته بصبي أسود والأخت ألوسيوس (ميريل ستريب) التي تتميّز بإستقامة شديدة ما يجعلها كاريكاتورية الي حد. هذه الأخت التي تدير المدرسة الملحقة بالكنيسة هي التي تبدأ بفتح صفحات الراهب حين تبدأ بالريب من العلاقة بين الراهب والصبي٠
كثير من المحاولات لتقديم مبررات نفسية لدى الولد هي وليدة الرغبة في موازنة المبررات والتبعات، لكن عيب السيناريو الأكبر هو أن القصّة عليها أن تسبر غور الكثير من الشخصيات والمشاهد التأسيسية قبل أن تصل الى خلاصتها٠ شانلي وضع تحدّياً عالياً وكاد أن ينجزه لكنه لم يفعل

Fost/Nixon فروست/ نيكسون

سيناريو بيتر مورغن، الذي كان كتب فيلم »الملكة«، يشترك -والسيناريو السابق- في أنه قائم على أحداث مجتزأة من الوثائقيات. في »الملكة« علاقة الملكة الحالية اليزابث برئيس الوزراء السابق توني بلير، وفي هذا الفيلم علاقة الصحافي ديفيد فروست (مايكل شين الذي لعب دور توني بلير في الفيلم السابق) بالرئيس الأميركي المستقبل رتشارد نيكسون (فرانك لانجيلا). جيّد في الفيلمين الأزمة المشادة بين الشخصيتين المذكورتين في كل فيلم وكيفية تأسيس فيلم كامل بالإعتماد على وثائقيات ومشاهد تلفزيونية سواء أكانت واقعية او مصوّرة خصيصاً لهذا الفيلم كما الحال هنا٠
لكن في كينونته وخلاصته، سيناريو فروست/ نيكسون الذي يحكي كيف هزم الصحافي المعروف الرئيس الأسبق للولايات المتحدة في مقابلة أرادها الثاني نوعاً من استعادة قوّته السياسية فانقلبت عليه، أصغر من أن يُتاح له إظهار ملكية الكاتب الفعلية٠ فحسنات هذا النوع من الكتابة محدودة بإمكانية نجاح المخرج في استيعابها واستخراج عمل يتجاوزها نجاحاً. وهذا ما حققه رون هوارد الذي بقدر ما التزم بالمادة المكتوبة بقدر ما نجح في عرف الكيفية الصحيحة لاستغلالها موظّفا المونتاج في شكل جيّد. الفيلم بأسره علاقة متشابكة بين التأليف والتوليف علماً بأن السيناريو مأخوذ أيضاً عن مسرحية للكاتب- لكن التشابه مع »ريب« في هذه الناحية يتوقّف عند هذا الحد. فلكل كاتب طريقته المختلفة تماماً في نقل المسرحية الى سيناريو


The Reader القاريء

معظم من قرأ القصّة الأصلية التي وضعها الكاتب الألماني برنارد شلينك حول علاقة بين إمرأة وشاب في نصف عمرها انتقد فحواها كما أسلوب الكاتب. وإثنان من النقاد البريطانيين وصفها بأنها هزيلة وغير ذات قيمة. لكن رغم صحّة ذلك على نحو عام، الا أن موضوعها مثير للإهتمام، ليس بسبب تلك العلاقة بين مراهق وإمرأة أكبر منه، بل ما تطرحه الحكاية من مشاعر ذنب تعيشها تلك المرأة حول ماضيها كونها كانت حارسة في سجن إعتقال أيام النازية (تقع الأحداث في مراحل مختلفة ما بين الخمسينات والثمانينات)٠ ما وجده السيناريست هير لافتاً هو أن القصّة ليست عن الضحايا (كعادة الأفلام التي تتعامل مع موضوع الهولوكوست) بل عن الذين اختبروه٠ السيناريو يعمّق هذا المنحى جاعلاً الدور الذي لعبته كيت وينسلت (بطلة » ريفوليوشنري رود«) وهي مرشّحة لأوسكارين عنهما) مثيراً للتعاطف ومبتعداً عن لعبة اللوم التقليدية في هذا المجال٠
ديڤيد هير واجه معضلة مهمّة وتخلّص منها جيّداً: الرواية مُسردة باستخدام صفة المتكلّم. في الرواية هناك مساحة عريضة حين استخدام صفة المتكلّم تعفي المؤلف او المتكلّم او كليهما معا من تبرير السبب الذي يحكي فيه قصّته- ليس دائماً بل في كثير من الأحيان طالما أن السبب في النهاية رغبة السارد الذاتية في الكشف عما عاشه٠
في السينما، هذا لا ينفع. على الكاتب أن يجد التبرير الذي من أجله على المشاهد متابعة الحكاية بأسرها٠ وديڤيد هير وجده في محاولة بطل الفيلم (المراهق في مطلع الفيلم ثم الرجل من منتصفه وصاعداً مع كثير من النقلات بين الأزمنة) فهم ما الذي حدث معه ولماذا اختفت المرأة التي عرفها وكان أوّل من أحبّها ثم ماذا عن تلك الفترة التي سمع عنها ولم يعشها... فترة النازية٠
هذا السيناريو يبدو أحياناً أفضل من الفيلم نفسه لولا أنهما مسؤولان عن بعض التطويل معاً

Slumdog Millionaire مليونير الزقاق

سيناريو آخر جيّد حتى من دون معرفة خلفياته وتفاصيله٠ رواية فيكاس شواروب تدور حول شاب من الأزقة فاز بمليون روبية في النسخة المحلية من »مَن سيربح المليون«٠ القصّة مبنية على فصول كل فصل منها يفصح عن كيف عرف هذا الشاب الآتي من تلك الأزقة حيث الجريمة والفساد والحاجة عرف الإجابة عن كل سؤال وجّه اليه، لأن كل سؤال وجّه إليه له خلفية ما في حياته- هذا من دون أن يعرف مقدّم البرنامج ومعدّه ومن حيث لم يخطط الشاب لذلك٠ هذا البناء بحد ذاته تحدّياً كبيراً للكاتب من حيث أنها قد تكون زاوية مثيرة كتابياً، لكن هل ستكون مثيرة سينمائياً؟
في الرواية أيضاً ليس كل الأحداث متّصلة جيّداً بعضها ببعض. مشاهدة ما حققه الكاتب سايمون بيوفوي في هذا المنحى مهم جدّاً من حيث أنه تغلّب على هذه العقبة وجعل الأحداث تتبع منهجاً محدداً. صحيح أنه أبقى على الخط الأساسي من حيث أن كل سؤال من معد البرنامج ينقلنا الى مرحلة او جزء من حياة المتسابق، الا أن ما يحدث في هذه النقلات أصبح أكثر إتصالاً وشكّل أرضية روائية موحّدة وصالحة للعمل بأسره٠


SECTION 3 | ضيوف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عُلا الشافعي تكتب من القاهرة عن فيلم جديد لغزة شعبان هو الأول
عن مدينة الأبطال
الذي يعرض بعد توقّف المعارك الأخيرة٠
...............................................................................................

بين غزّة التي شاهدناها أخيراً في نشرات الأخبار، وغزّة التي أخبتني عنها أمي في ما مضى، مسافةٌ شاسعة، يُظهرها الشريط التسجيلي «من لحم ودم» الذي عرض أخيراً في مسرح «روابط» في القاهرة. شريط عزة شعبان، عبارة عن رحلة قصيرة إلى القطاع يُلقي نظرةً على تعقيدات الحصار وعلاقة مصر به. لكنه أيضاً يُظهر صمود أهل القطاع في محاولتهم التحايل على واقعهم المأساوي. تبدأ اللقطات الأولى مع صوت المخرجة «منطقة الحدود بين مصر وغزّة»، ثمّ ندخل للقاء نماذج وشرائح متباينة من المجتمع الغزاوي. هكذا، رصدت المخرجة مصادر الدمار نتيجة القصف الإسرائيلي المتكرر وعدم توافر الحاجات الأساسية والبطالة التي وصلت الى 80 في المئة. كل تلك المعلومات والصور تُروى على لسان بشر من لحم ودم يعرفون قيمة الحياة. لذلك لم يغب الحس الساخر والموجع في آن عن روايات وفاء وغيرها من الفتيات اللواتي صوّرتهن كاميرا عزة شعبان. تقول وهي تُفرغ البنزين من سيارتها إلى سيارة إحدى صديقاتها: «بدّي البنزين لصاحبتي من غير فلوس»، وتضحك مضيفةً: «مع أن الخليج مليان بنزين بس ببيعوه لنا». وتواصل عزّة مونتاجها الذكي على جملة لفتاة أخرى تقول لها: صار شعبنا قطيعاً من المتسولين». تحاول شعبان أن تلتزم بحدّ أقصى من الأمانة والموضوعيّة، إذ تعطي الكلمة « لمناصرين لـ«حماس» من دون أن تنسى شهادات الناس العاديّين. لكنّها تمنح المقاومين فرصة لشرح وجهة نظرهم، وخيار الجهاد لفلسطين، مع العلم أن ما يرغب به البشر العاديون هو العيش في سلام.
وتلهث كاميرا المخرجة وراء اللحظة، في محاولة للقاء أكبر عدد من النماذج والشرائح الإنسانية، وتطرح تساؤلاتها هنا وهناك كأنّ شبحاً يطاردها نشعر بحضوره الجاثم طوال الوقت. وهناك جملة ترددها من حين إلى آخر في الشريط: أرغب بأن أواصل رحلتي، لكنني أخشى أن تغلق الحكومة المصرية الحدود في أي لحظة... فلا أستطيع العودة». كأننا « بها تلمح إلى الموقف الرسمي المصري، وبعض الإعلام الرسمي الذي يصوّر الغزاويّين «شعباً متسولاً». ويسأل بعضهم: ليه الكهرباء مانخدهاش من السد العالي؟ مش مصر هتدي لتركيا؟ أعطونا الكهرباء وندفع ثمنها».«
ولأنّ عزة شعبان انطلقت من أنّ الغزاويّين شعب من لحم ودم تعرضوا لهجرات ونكسات مستمرة، وجذورهم ممتدة في المجتمع المصري رغم أنف الجميع، فقد رفضت أن تترك غزة وأهلها من دون صورة جميلة: ها هي عروس غزاوية تجلس في «الكوشة» بمفردها، فيما أهلها يرقصون ويضحكون... رغم غياب العريس الذي ترفض سلطات الاحتلال قدومه!
أي وجع ذلك الذي صاغته عزة شعبان خلال رحلتها التي استغرقت خمسة أيام بصحبة الأديب رؤوف مسعد الذي لم يتحدث طوال الفيلم، بل اكتفى بالحضور لتسجيل موقف؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان يكتب عن مهرجان الفيلم القصير المقام في
البلدة الفرنسية
كليرمون ڤيراند للمرة الحادية والثلاثين
...............................................................................................
Andong | Rommel Milo Tolentino فيليبين

Posrednikat | Dragomir Sholev | بلغاريا

Tarabatara | Julia Zakia| برازيل

Akbulak | Tatiana Korol | بريطانيا

لا يكاد يبدأ حتى ينتهي. هكذا نعرّف عن الفيلم القصير. لحظات قليلة قبل أن يطل الجنريك ونرى الخاتمة. هناك مساحة زمنية ضيقة لدى المخرج الذي يختار دقائق محدودة للتعبير عن حكاية. بضع لقطات أحياناً لالقاء نظرة على العالم الذي من حوله. ضيق المساحة هذا يفرض الاستعانة بأساليب بديلة للمعالجة. انه تحدٍّ بلا شك. صحيح أن الفيلم القصير لا يتجاوز الأربعين دقيقة حداً أقصى، لكن بعضها يعتمل بأفكار كبيرة على قاعدة "مختصر مفيد". مع ذلك، كان على الفيلم القصير أن يناضل كثيراً ليثبت مكانته، فناً قائماً بذاته، علماً أن السينما بدأت قصيرة.
ماذا يعني ان نصنع فيلماً قصيراً؟ مهرجان كليرمون فيراند، الذي يحمل اسم مدينة واقعة في وسط فرنسا، ويعقد في مطلع كل عام منذ نحو ثلاثة عقود، يملك الجواب. نجاح تصاعدي عرفته هذه التظاهرة منذ انطلاقتها في نهاية السبعينات. حمل الفيلم القصير على الراحات وصار منبراً يخاطب عبره الجمهور. هذا الجمهور لم يكن غائباً، وخصوصاً في مدينة تضم عدداً كبيراً من الجامعات وسكانها من الشباب. مع الوقت ذاع صيت المهرجان، الى حدّ ان طريق التكريس المهني بالنسبة الى المخرجين أصبحت تمر من خلاله. ولذلك يعتبر هذا المهرجان مرجعاً للفيلم القصير ومناسبة للقاء سينمات العالم. مع الأيام، أصبحت هذه المدينة مشهورة بمهرجانها، الذي لم يبلغ هذا الصيت بسحر ساحر. بل بعد سنوات من العمل لتقريب الثقافات بعضها من البعض عبر الفيلم القصير.
عندما انطلق "اسبوع الأفلام القصيرة" عام 1979، قلائل راهنوا على الحجم الذي سيكون له في ما بعد. بعض الارتجال كان ضرورياً والكثير من الشغف دفع بالأمور الى الامام. مذذاك كل الارقام المرتبطة بالمهرجان هي أرقام تتضخم لا تتضاءل. فمن 28000 مشاهد عام 1989، أصبح العدد أكثر من مئة ألف عام 1995، وغداً ربما أكثر. وكان ينبغي انتظار عام 1988 كي يكتسب المهرجان صفة العالمية ويتخطى اطاره المحلي الضيّق، ويخرج من اطار مهرجان المدينة الذي لا يرتاده الاّ الطاعنون في السن. مذ دخوله نادي الكبار، كرّت سبحة الانجازات القوية، وشهدت المدينة زحفاً لأفلام من كل بلدان العالم: عدد لا يحصى من الأفلام القصيرة كانت هنا في العام الماضي، من الولايات المتحدة، والنروج، وتايوان، والفيليبين، واذربيجان، والصين، والبرتغال.
كثر من السينمائيين يأتون الى هذا المهرجان آملين أن يخرجوا من دائرة التهميش التي تفرضها عليهم ظروف انتاج الفيلم القصير وعرضه وتوزيعه. من خلال مشاهدتنا، في الدورة الماضية، لأكثر من مئة شريط في هذا المهرجان، تبدى جلياً أن هناك، على الأقل، صنفين من الأفلام القصيرة: الصنف الاول ينطوي على مشاهد طويلة ونفس طويل. هذا النمط يمنح الانطباع بأننا أمام فيلم طويل، اذ لا بداية له ولا نهاية محكمة بحدث درامي. أما الصنف الآخر، فهو أكثر انتماء الى النكتة، يضرب من خلاله المخرج ضربته ويغيب، مع خاتمة تقلب المعطيات رأساً على عقب.
غالباً ما يكون الفيلم القصير تأشيرة عبور الى الفيلم الطويل. عناوين كثيرة تثبت ذلك. حتى أن البعض يعتبره بطاقة زيارة. منذ بداياته ساهم المهرجان في اخراجه من عباءة الفيلم الطويل، اذ لا يزال وسيلة أكثر منه غاية لعرض "عضلات" المخرج. صحيح أن القصير قد يكون الطريقة المثلى للكثيرين للتعبير عن أنفسهم وخياراً غير مفروض، لكن هناك جيل بالكامل يتمسك بالقصير، وفي الوقت نفسه لا يخفي ميله الى طموح أكبر يتجسد بالانتقال الى مشروع الفيلم طويل.
تُعرض في الدورة الحالية (31) التي تبدأ غداً وتستمر الى السابع من شباط المقبل نحواً من 176 فيلماً من 52 بلداً، وذلك في الأقسام الثلاثة الأساسية: المسابقة المحلية (فرنسا)؛ المسابقة الدولية؛ ولابو (الأفلام التجريبية)، الى جانب نشاطات أخرى موازية، من ندوات ولقاءات تحتفي بالفيلم القصير، الذي منه ستطير الأسماء المستقبلية الواعدة. أما لجنة التحكيم فتتألف من المغربي داوود أولاد السيد، الهولندي مينو دو نوير، الانكليزي جون سميث، الصيني زانغ زيان مين، المقدونية تيونا ستروغار ميتيفسكا. ويواجه "كليرمون" هذه السنة معضلة ادارية كبيرة متعلقة بالمتطوعين العاملين فيه والقرار الصادر في حقهم، مما يضع مستقبله على المحك، على ما جاء في بيان لادارة المهرجان.

...............................................................................................
نديم جرجورة يُعاين آخر سيل من الأفلام اللبنانية ويجد أن بعضها يتميّز بحساسية بصرية وإنسانية جميلة
...............................................................................................

ميلودراما حبيبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الثامن من تشرين الأول الفائت، اختتم »ميلودراما حبيبي« (تمثيل: باتريك شوني وبياريت قطريب وغبريال يمّين وجوليا قصّار وبيار شمسيان)، الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج اللبناني هاني طمبا، الدورة الثامنة لـ»مهرجان بيروت السينمائي الدولي«، في عرض هو الأول له لبنانياً. شارك في عدد من المهرجانات الدولية، وفاز بجائزتي الجمهور والمحطّة التلفزيونية الإذاعية البلجيكية »أر. ت. ب. أف.« في ٦ حزيران ـ ٢٨فئة أفضل فيلم، في الدورة السادسة لـ»مهرجان الفيلم الأوروبي في تموز/ يوليو في بروكسل. واختير للمشاركة في تظاهرة »نظرات على السينما في العالم العربي«، في الدورة الثانية والثلاثين. كما في مهرجان العالم في مونتريال. كما عُرض في تظاهرة »ليال عربية« في الدورة الخامسة لـ»مهرجان دبي السينمائي كانون الأول/ ديسمبر الماضي٠
بالإضافة إليه، هناك فيلمان لبنانيان آخران ينتظران انطلاقتهما التجارية في الصالات اللبنانية، يتميّزان بحساسية بصرية وإنسانية جميلة: الوثائقي الأول لسيمون الهبر »سمعان بالضيعة«، والروائي القصير الأول لكارلوس شاهين »الطريق إلى الشمال«٠
قبل أيام قليلة على انتهاء العام الفائت، نال فيلمان لبنانيان جديدان جائزتين أساسيتين في الدورة الخامسة لـ»مهرجان دبي السينمائي الدولي«. في فئة الأفلام الوثائقية العربية، فاز »سمعان بالضيعة«، الفيلم الأول لسيمون الهبر، بجائزة لجنة التحكيم الخاصّة (المؤلّفة من الأميركي جيوفري غيلمور والمصرية جيهان نجيم والفلسطيني هاني أبو أسعد)؛ وفي فئة الأفلام الروائية القصيرة، نال »الطريق إلى الشمال«، العمل الأول للممثل المسرحي والسينمائي كارلوس شاهين، الجائزة الأولى (تألّفت لجنة التحكيم من المصري خيري بشارة واللبنانية كارمن لبّس والألماني لارس هنريك غاس). لا يُمكن القول إن الجائزتين، على الرغم من أهميتهما، تأكيدٌ نهائي على الأهمية الإبداعية للفيلمين، إذ إنهما حصيلة نقاش بين سينمائيين ذوي أمزجة متنوّعة، أفضى (النقاش) إلى مقارنتهما بأفلام أخرى مشاركة في المسابقتين الرسميتين. مع هذا، فإن الفيلمين يمتلكان سمات إبداعية جدّية، ويطرحان (مجدّداً) مسألة تحويل الخاصّ إلى العام، وجعل الاختبار الفردي مرآة سينمائية شفّافة لواقع جماعي مفتوح على أسئلة الهوية والعلاقات والوجود والذاكرة والآنيّ. في الفيلمين، اللذين يلتقيان عند كونهما التجربة الإخراجية الأولى للهبر وشاهين، ويستنبطان من الذاتيّ ما يدفعانهما إلى التوغّل في الذاكرة والأحاسيس والتفاصيل، ما يوحي بحرفية مهنية جدّية، وبمخيّلة خصبة بالوعي المعرفي، القادر على جعل الصورة لغة حيّة، والذاهب بالمادة المختارة إلى المسافة الأبعد للتعبير الذاتيّ٠

على الرغم من الأهمية الدرامية والجمالية والفنية التي يتمتع بها الفيلمان، لم يتمّ تحديد موعد رسمي ونهائي لإطلاق عروضهما التجارية المحلية، مع أن كلاماً تردّد مؤخّراً، مفاده أن هناك إمكانية لإتاحة الفرصة أمام »سمعان بالضيعة« للعرض التجاري، ما يعني، في حال تحقّق هذا الأمر، أن الفيلم الوثائقي اللبناني قادرٌ على اختراق الجدار الروائي الطويل، المرتفع أمامه في الصالات المحلية (والمرتفع أمام أفلام روائية طويلة أيضاً، في بعض الأحيان). كما أن موعد بدء العروض التجارية اللبنانية لـ»ميلودراما حبيبي« لم يُحدّد رسمياً بعد، مع أن أفلاماً روائية لبنانية طويلة عُرضت تجارياً، منها »دخان بلا نار« لسمير حبشي، المستمرّة عروضه لغاية اليوم في صالات »زوق« و»أبراج« (فرن الشباك) و»سانت إيلي« أنطلياس) و»أمبير صوفيل« (الأشرفية). وإذا كانت مسألة العرض التجاري للأفلام اللبنانية المختلفة مهمة جداً، فإن الحيوية الإبداعية في الفيلمين الأولين، والبساطة الجميلة في الفيلم الثالث، تسمحان بمشاهدة سينمائية ممتعة، مع أن الوثائقي والروائي القصير استعادا حالات حزينة وتفاصيل حادّة من ذاكرة فردية/ جماعية، خصوصاً »سمعان بالضيعة«، الذي استلّ مادته الدرامية من أحد الفصول اللبنانية الدموية العنيفة، كي يُرمّم ذاكرة جماعية معطوبة، بسبب قسوة المحرّمات السياسية والاجتماعية، وقلق المرء من سرد الوقائع والحقائق كما هي، لأن خطاب النسيان مستفحل في لبنان. فهو، باختياره شخصية سمعان، العائد الوحيد إلى قريته عين الحلزون، استعاد محطّة أساسية وخطرة في تاريخ الحرب الأهلية إثر انسحاب الجيش الإسرائيلي بعد غزوه لبنان في العام السابق له)، ورسم معالمها ١٩٨٣اللبنانية (تهجير المسيحيين من الجبل في العام ، وأطيافها وأسئلتها المعلّقة، من خلال تفاصيل العيش اليومي لسمعان، وقصصه وعلاقاته وأفكاره وذكرياته، بالإضافة إلى شخصيات أخرى تزور القرية لوقت قصير٠
من جهته، ارتكز كارلوس شاهين على المبدأ الأجمل والأهمّ للسينما: الصورة، ولا شيء غير الصورة. ذلك أنه حرّر نصّه السينمائي من ثقل الكلام، تاركاً الشخصيات والمناظر والتفاصيل البصرية تُعبّر عن مكنوناتها بصمت وهدوء، وإن زيّنها بحوارات مقتضبة. فالرجل العائد من فرنسا بعد ثلاثين عاماً على هجرته (شاهين نفسه)، يريد نبش رماد الأب المتوفّى قبل أعوام، كي يدفنه مجدّداً، لكن في قريته الشمالية. في الطريق إلى هناك، يلتقي سائحَين فرنسيين اثنين، يُفاجآن بسلوك الرجل وغرائبيته وبساطته في آن واحد، قبل أن يبلغ قريته، ويحقّق ما أراده. اللغة المستخدمة في إنجاز الفيلم توهم المُشاهد ببساطتها، قبل أن تجعله مشاركاً فاعلاً في إعادة صوغ المشاهد، وربط التفاصيل والحكايات، والتمتّع بالعمق الإنساني الكامن خلف الصُوَر.
أنواع متداخلة
أما »ميلودراما حبيبي«، الذي يعود بشخصياته إلى زمن الحرب الأهلية (من خلال ذكرى أو صوت أو حالة، بشكل مبطّن)، من دون أن يغوص في أمورها المباشرة، فحافظ على بساطة لم تبلغ مرتبة الإبهار، ولم تسقط في فخّ العاديّ والساذج. بين هذين الفخّ والمرتبة، قدّم هاني طمبا قصّة إنسانية مزجت بعض الضحك بشيء من الرومانسية العتيقة، وربطت ذاكرة الحرب والموت والألم بلحظة الغرق في التمزّق والتيهان الحاليين. وعلى الرغم من بساطة الحبكة ومناخاتها الدرامية والجمالية، ظلّ الفيلم الروائي الطويل الأول لطمبا (أنجزه بعد نحو أحد عشر عاماً على تحقيقه فيلمه الذي أتبعه بثلاثة أفلام روائية قصيرة أخرى، هي: »مبروك مجدّداً« في العام ١٩٩٧الروائي القصير الأول »بيروت، حلاّقو هذه المدينة« في العام ٢٠٠٤ و»بيروت بعد الحلاقة« في العام ٢٠٠٢ ٠
و»وبر البهيمة«، ترجمة حرفية للعنوان الفرنسي
Du Poil De La Bete
ضائعاً بين الأشكال التي اختارها، من دون أن يفقد تلك السلاسة الهادئة في سرد التفاصيل وتصوير المشاهد وبناء شخصيات بدا بعضها كاريكاتورياً، وعكس بعضها الآخر ألم الفرد في ذاكرته المثقوبة وحاضره المفكّك وانسداد أفق المقبل من الأيام أمامه. ثم إن اختيار الممثلين ملائمٌ للمزيج الواضح بين التجاري والفني: من بيار شمسيان (مسرح الشانسونييه) وغبريال يمين (مسرح درامي وأعمال تلفزيونية كوميدية)، إلى جوليا قصّار (وإن في دور صغير)، التي شاركت في أفلام لبنانية متفرّقة، والمستمرّة في نشاطها التلفزيوني، مبتعدة قليلاً عن خشبة المسرح التي عرفتها سابقاً. إن »تركيبة« تمثيلية كهذه، التي أضيفت إليها وجوه شابّة وجميلة أخرى، »قد« تصنع علاقة ما بين الفيلم والجمهور السينمائي اللبناني !)، خصوصاً أن روحاً قديمة تشعّ منه (زمن الرومانسية المطعّمة بشيء فرنسي عتيق)، وسرداً مبسّطاً يجعله أقرب إلى مزاجية معيّنة لدى هذا الجمهور نفسه٠
لأنه منهمك كلّياً بأعماله وثرائه، لم يجد الصناعي اللبناني (شمسيان) أمامه إلاّ مغنيا فرنسيا قديما (شوني) لدعوته إلى بيروت، كي يغنّي في سهرة عيد ميلاد زوجته المشلولة (قصّار). لكن المغنّي منهار ومنعزل وتائه بين جسد مترهّل وعلاقات حب/ جنس عابرة أو معلّقة، والخمر أداة توازن موقّت له. في بيروت، تُخطف الزوجة، فيبحث سائق الصناعي (يمين) عنها، أثناء ترتيبه متطلّبات السهرة والإشراف على راحة المغنّي. تفاصيل متداخلة من دون عمق، وقصص يتوالد بعضها من البعض الآخر، في إطار مسلّ وجميل٠



SECTION 4| تاريخ وشخصيات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجوه الفترة الذهبية | لم يكن أناتولي سولونتزن من أفضل من أنجبتهم السينما
الروسية في
الستينات والسبعينات.... بل كان من أفضل من أنجبه فن التمثيل
في العالم أجمع٠

.........................................................................................................
Anatoli Solonitsyn
ممثل النقائض

كما لو أن التغيير لم يُناسب صحّته، مات أناتولي سولنتزن في العام 1982 ، العام الذي بدأت فيه المتغيّرات الجارفة تقع حول العالم وفي بلاده اقتصادياً وسياسياً ٠
أناتولي كان وٌلد قبل 47 سنة قبل وفاته. في 30/8/1934 بالتحديد وامتهن التمثيل من العام 1966 عندما اكتشفه أندريه تاركوفسكي وقدّمه في دور البطولة في »أندريه روبليف« ثم لاحقاً في »سولاريس« و»المرآة« و»المقتفي«. كان يريده لبطولة »تضحية« لكنه مات قبل البدء بتصوير الفيلم٠
السينمائيون الروس في الستينات ومطلع السبعينات كانوا يشكّون في أن أناتولي ممثل جيّد. دوره في فيلم تاركوفسكي الأول كان خاصّاً جدّاً -نسبة لأسلوب سرد المخرج- بحيث لم يكن هناك من يستطيع أن يجرؤ على الحكم لصالحه. تلك المساحات العريضة التي كان يتحرك فيها الممثل في ذلك الفيلم لم تكن، عند معظم السينمائيين الروس، نقاداً ومحترفين، لتعني الكثير. بالإضافة الى ذلك، كل خطوة تاركوفسكي في السينما عبر ذلك لافيلم الأول له كانت جديدة والسُلطة لم تشجعها٠
V ogne broda net| No Path Under Fire | دوره في الفيلم الثاني »لا ممر تحت النيران« ٠
سنة 1967 لغلن بانيفلوف (أحد شبّان السينما السوڤييتية حينها) لم يترك أثراً كبيراً وكان بانيفلوف الذي تزوّج من المخرجة الرائعة لاريسا شوبتكو لاحقاً قد اشتغل قبل تاركوفسكي مع سولونيتزن إنما في فيلم تلفزيوني قصير عنوانه »قضية كيرت كلاوزوفيتز«٠
رسالة »لا ممر تحت النيران« ربما كانت مثار حديث بين نقاد الفترة في روسيا أكثر من الممثل نفسه كما تشير مجلة »الفيلم السوفياتي« التي رغم أنها كانت ذات غاية دعائية (يا ليت لدينا مجلة عربية ذات غاية دعائية لسينما قومية) الا أنها كانت كنزا لمعلومات هذا الناقد عن السينما الروسية (او السوفييتية كما كانت آنذاك) ولا تزال٠
دور سولونتزن في »لا ممر تحت النيران« كان رمزاً لتساؤل البعض عن موقف الثورة من الذات الإنسانية التي دمّرتها الحرب الأهلية أيام الثورة ضد حكم القياصرة. لن أفتي إذ لم أشاهد ذلك الفيلم لكن حسب مقالة عن الفيلم في تلك المجلة فإن خلاص الشخصية من أزمتها كانت في الإنطلاق نحو جبهة المعارك والإطلاع على الحقيقة٠
رغم ذلك، يستطيع من شاهد »أندريه روبليف«، وهم قلّة في بلاد العرب أن يستلهم كيف يمكن لهذا الممثل تأدية شخصية رجل يبحث. ففي فيلم تاركوفسكي نجده في شخصية رسّام الأيقونات الذي يمضي باحثاً وسط مجتمع متلاطم وبيئة غير ملائمة٠ روحه الشفّافة لا تجد من تلتقي وإياه الا لماما. سولونتزن مثالي في مثل هذه الأدوار التي تتطلب منه تشخيص حالة رجل ممعن في البحث عن إجابات. إنه قادر على أن يمنح المشاهد تمثيلاً خارجاً من مخزونه الثقافي. وإذا كانت هناك أفلام مثقّفين، لم لا يكون هناك ممثلون مثقفين؟

سولونتزن يجسّد في »سولاريس« وعياً آخر حائر بين التقاليد الإنسانية التي عليه أن يحملها معه الى الفضاء لمجرّد أنه نشب على الإيمان بها، وبين المتغيّرات التي يواجهها حاملة اسئلة لغزوية غامضة تطالع المركبة المبتعدة٠ ثم راقب عيناه في »المقتفي«٠ الرجل حين ينظر الى الكاميرا يتحدّث بعينيه. وهناك الكثير من الهدوء في نفس تدرك أنها مضطربة مع دخوله ورجلين آخرين (يؤدي دور الكاتب لجانب ألكسندر كايدانوفسكي في دور المقتفي ونيكولاي غرينكو في دور العالم) الى المنطقة المعزولة التي ليس من المسموح لأحد دخولها٠
منذ تلك اللحظة التي يدخل فيها الثلاثة تلك المنطقة وتتبدل صورة الفيلم من الأبيض والأسود والرمادي الى الألوان يختار تاركوفسكي لقطة طويلة لوجه سولونتزن وهو جالس فوق العربة الصغيرة التي تشق طريقها فوق سكّة حديد مهملة، ينظر حوله. تمعّن كيف أنه -وبلا حرف واحد- يستطيع أن ينقل حالتي نقيض في داخله: عدم الإيمان بما سمعه عن تلك المنطقة وعن الغرفة التي سيتّجه إليها وبالتالي السخرية من تلك المفاهيم الروحانية التي لا يؤمن بها، وذلك القدر الكبير من الفضول وهو يرقب الأعشاب والأشجار والحياة بأسرها تمر أمامه تاركة -كلما تقدّمت المقطورة- فاصلاً أكبر بينه وبين العالم الذي جاء منه٠
وكنت تحدّثت عن دوره حين كتبت عن فيلم لاريسا شوبتكو »الصعود«. هناك لعب دور الروسي المتعاون مع الألمان. يا إلهي... إذا لم يكن هناك ذات القدر من التمزّق المبطّن في داخله بين حالتي رغبته في تقدير مواطنه الروسي وفي تبرير خيانته له٠ إذا لم يكن هناك ذلك الترقّب والحبور وهو يشاهد الجندي الروسي الذي يخاف الموت ويريد أن يبقى حيّاً بأي ثمن. كان ينظر اليه كما لو كان يقول له: تعطيني حقي في تبرير خيانتي وتسعدني بسقوطك لأن في ذلك تقدير لسقوطي أنا٠


في مهنته ذات الحياة القصيرة ظهر سولونتزن في نحو 40 فيلم لم أشاهد منها الا حفنة للأسف. لكن من بين أفضل ما شاهدت له ذلك الفيلم الذي عرضه مهرجان برلين في العام 1981 والذي لعب فيه شخصية الكاتب »فيودور دوستويفسكي. الفيلم هو 26 يوم من حياة دستويفسكي«٠
لا أدري إذا كنت سأجد مقالتي عن ذلك الفيلم لكي أعود إليها وأنشرها في عدد ما (أرشيفي مبعثر بين بيروت ولوس أنجيليس) لكني أتذكّر تلك القوّة في الأداء النابعة من تلك القوّة في البساطة. الفيلم للمخرج ألكسندر زارخي مثال على نوعية الأفلام التي لم نعد نرى منها ما يكفي. تلك التي إذ تتمحور حول أديب لا تنقل شخصيّته فقط، ولا حتى حياته فقط، بل عالمه الأدبي فإذا بالفيلم هو رواية مصوّرة مشبعة بكل الأجواء الزمنية والمكانية التي تحيط بالفيلم٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

1 comment:

  1. يا استاذ محمد يارب تكون بخير و جميع الامور تمام :D
    وحشتني القراءة في المجله دة و خصوصا في شكلها الجديد و مواضيعها التحفة و مستني علي نار حفلة الاوسكار :D
    ________________________________
    The Reader فيلم
    http://watch-movies.net/movies/the_reader/
    _______________________________
    Taken فيلم
    http://watch-movies.net/movies/taken_2008/
    _____________________________
    The Curious Case of Benjamin Button فيلم
    http://watch-movies.net/movies/the_curious_case_of_benjamin_button/
    __________________________
    Doubt فيلم
    http://watch-movies.net/movies/doubt/
    ____________________________
    Slumdog Millionaire فيلم
    http://watch-movies.net/movies/slumdog_millionaire/
    ___________________________
    woooooooooow :D
    Stalker فيلم
    http://watch-movies.net/movies/stalker/
    ________________________
    Voskhozhdeniye جزء من فيلم
    فيلم لاريسا شوبتكو
    اعتقد ان دة المشهد اللي حضرك وصفتة يا استاذ محمد
    هو للاسف مش مترجم بس التمثيل روعة
    http://www.youtube.com/watch?v=_gUWy7IMYDc
    ______________________________

    ReplyDelete