Feb 17, 2009

ISSUE 395| صعلوك الجوائز | الهولوكوست في السينما | أوليڤر ستون | تاريخ أول فيلم أميركي صُوّر في مصر

Journal
في عدد يوم غد السبت

مقابلة مع براد بت
فلسطين والسينما سنة 1948

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صعلوك الأوسكار| بينما تقترب ساعة الفصل بالنسبة لجوائز الأوسكار
يوم الأحد المقبل، يوالي »مليونير صعلوك« التقاط جوائزه من جمعيات
ومؤسسات مختلفة٠
.........................................................................................................
أيام قليلة وتعلن نتائج مسابقة الأوسكار لأفلام وشخصيات العام الماضي وهناك بعض الدلائل التي تشير الى أن النتائج لن تكون مفاجئة. ها هو »مليونير صعلوك« يوالي إنتصاراته التي كان آخرها يوم أمس إذ نال جائزة جمعية مدراء التصوير (ذهبت طبعاً الى مدير تصويره أنطوني دود مانتل) وكان سابقاً نال الجوائز التالية
سبعة جوائز من البافتا: أفضل سيناريو (سيمون بيوفوي) أفضل مخرج (داني بويل)، أفضل فيلم (للمنتج كرستيان كولسون)، أفضل توليف (كريس ديكنز)، أفضل تصوير (دود مانتل)، أفضل صوت (غلن برمانتل، رسول بوكوتي وآخرين)٠
ثلاثة جوائز من جمعية الفيلم المستقل في لندن٠
أربع جوائز غولدن غلوب: فيلم درامي، سيناريو، إخراج وأفضل موسيقا (أ.ر. رحمان)٠
جائزة المنتجين الأميركيين٠
جائزة من جمعية الممثلين الأميركيين لمجموعة ممثليه
جائزة جمعية كتاب السيناريو الأميركيين لأفضل سيناريو مقتبس٠
وهذه جوائز من جمعيات رئيسية أضف عليها جائزة أفضل فيلم من مهرجان شيكاغو وجائزة الجمهور من مهرجان تورنو وما لا يقل عن ثمانية جوائز نقدية حول العالم٠
طبعاً من المحتمل كثيراً أن يختلف الأوسكار وتذهب الجائزة الذهبية الى فيلم »قضية بنجامين باتون المثيرة للفضول« او لفيلم »المصارع« او لفيلم »فروست/ نيكسون« او لفيلم »ميلك« (هناك شاذون ومخنّثون ومثليون كافون لمثل هذه الخطوة بالنسبة للفيلم الأخير)٠ لكن كون الجمعيات التي منحت »مليونير صعلوك« جوائزه في الإخراج والتصوير والسيناريو هي جمعيات أميركية معظم المنتمين اليها من الأعضاء منتمين أيضاً الى أكاديمية العلوم والفنون السينمائية، فإن ذلك سوف يقوّي احتمالات فوز هذا الفيلم البريطاني بالأوسكار. لن يكون كافياً لإلغاء الأفلام الأخرى، ولكن سوف يكون خير معين له. ونظرة الى السنوات الأخيرة تفيد أن كل فيلم نال واحداً من جوائز هذه الجمعيات نال جائزة الأوسكار او جائزة الإخراج او كليهما معاً٠
تفضيل هذا الناقد؟
The Curious Case of Benjamin Button *****
Frost/ Nixon ****
Slumdog Millionaire ****
The Wrestler ****
Milk **

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأزمة الإقتصادية | إذا استمرّت الأزمة الإقتصادية حول العالم، فإ
ن مهرجانات السينما
عربية وعالمية، ستتعرّض الى مشاكل أساسية
قد تقلّصها الى مجرد تظاهرات٠

.........................................................................................................

حين ألغى مهرجان دبي السينمائي الدولي بعض حفلاته التي سادت أجواءه الليلية في السنوات السابقة، تذمّر البعض من الوضع وكتب أن الوضع الإقتصادي أثّر عليه سلباً مع العلم أن شكوى هؤلاء حتى دورة العام الماضي كانت أن المهرجان مهرجان استعراض وحفلات وليس مهرجاناً حقيقياً٠
لكن الوضع المالي حول العالم بأسره في أزمة وما حدث مع مهرجان دبي، إذ ألغى حفلات كان يقوم بتمويلها واكتفى بحفلات تقيمها مؤسسات أخرى، سيحدث في أكثر من محطّة أخرى خلال العام والعام المقبل. وإذا ما استمرّت الحال على ما هي عليه او ساءت لأن بضعة لصوص آخرين استولوا على أموال الناس وصرفوا لأنفسهم علاوات ببلايين الدولارات كما فعلوا في الولايات المتحدة وبعض أوروبا، فإن بعض المهرجانات، الصغيرة والمتوسّطة، قد تتوقّف٠
لكن المسألة لا تتوقّف على المهرجانات الصغيرة والمتوسّطة٠
لأجل أن تكبر وتنمو وتفيد إقتصادياتها وإقتصاديات المدن التي تُقام فيها، سعت المهرجانات الكبيرة مثل كان الى ڤانيسيا وبرلين وتورنتو الى استيعاب كل ما يمكن أن يؤدي الى هذا الغرض: صارت تهتم بالأفلام القصيرة والطويلة والشبابية والمستقلة وغير المستقلّة وجذبت هوليوود المؤسسة كما أفلام من العالم الثالث وافتتحت أسواقاً تجارية وأقساماً مختلفة٠ صارت تريد عرض الأفلام الفنية (لكن تلك التي تحتوي على عناصر إبهار فقط) والأفلام التجارية والتسجيلية والكرتونية على حد سواء٠
حتى ولو كانت بعض هذه المهرجانات سوف تتحمّل الأزمة وميزانيّاتها لن تتأثّر بفعلها، فإن آثار الأزمة ستلاحقها وبل هي بدأت بالفعل: لأول مرّة منذ سنين عديدة كانت هناك نسبة 36 بالمئة من الغرف الشاغرة في فنادق مدينة بارك سيتي حيث يُقام مهرجان سندانس٠
هذا قد يحدث في الربيع المقبل مع كان . ربما بنسبة صغيرة لكن هل ستتوقّف؟ وهو إذا ما حدث مع كان سيحدث مع سواه لأن الشركات السينمائية ستعد للعشرة قبل أن تنفق ما كانت تنفقه عادة لحضور المهرجانات السينمائية٠
ربما هذا جيّد٠
لقد كتبت هنا مرّتين على الأقل حول موضوع تحوّل المهرجانات الكبيرة عن رسالاتها الأولى حيث كان الفيلم يُختار بناءاً على صلاحيته الفنية أوّلاً وليس لأنه إنتاج فرنسي او ألماني او أسباني بنجوم كبار، وحيث كان من غير الممكن تصوّر دخول فيلم مثل »ذ بينك بانثر 2« العروض حتى ولو كانت غير رسمية. أما وقد دخل، ومن قبله دخلت أفلام تجارية هوليوودية أخرى، فإن المسألة صارت تثير القلق وربما أزمة إقتصادية سوف تعيد الأمور الى نصابها حتى ولو أدّت الى إلغاء 500 مهرجان حول العالم ليست حالياً أكثر بكثير من تواريخ على روزنامة الأيام٠



SECTION 1 | تحقيقات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النازية و الهولوكست في بزنس السينما

Good
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Foreign Correspondent
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما اليوم | هل هناك موضوعاً يتعلّق بالهولوكوست لم
تنتجه السينما العالمية
أكثر من مرّة؟ | محمد رُضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مع نهاية كل عام تتدفّق مجموعة من الأفلام التي تنشد الإنتباه والنجاح على أكثر من مستوى، بما فيها المستوى السياسي. هذه المجموعة متّصلة مثل حلقات، كل حلقة لها لونها الخاص، لكن معدنها يكاد يكون واحداً فهذا المعدن هو ما يجمعها ويمنحها ذلك الرابط الدائم بينها٠
الى ذلك، تتيح هذه المجموعة فتح ملفّات لمرجعيات مختلفة ولتواريخ تذهب بعيداً وعميقاً في نواحي لم يكن المرء يعتقد إنها على ترابط او تواصل٠
نتحدّث عن أفلام الهولوكوست. ليس أنه ليس هناك أفلام هولوكوست على مدار السنة، لكن بما أن الموضوع عادة مُعالج برغبة في تحييده بعيداً عن الأعمال التجارية العادية (ولو أنه لا يعاديها) فإن الفترة الأفضل لدخول مسابقات الغولدن غلوب والأوسكار والبافتا والسيزار وجوائز الجمعيات النقدية المختلفة هي الممتدة من مطلع شهر أيلول/ سبتمبر حتى مطلع منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر. في ذلك لا تختلف هذه الأفلام عن سواها من الأفلام التي تجتمع، مثل غيوم الشتاء، لتمطر ما لديها من ظواهر ومدارس وأساليب فنيّة٠ المشكلة هي أن ليس كل ما يبرق هو فيلم فني، وليس كل فيلم هولوكوست هو بالضرورة فيلم لديه سبباً فعلياً لكي يُنتج- خصوصاً إذا ما أخطأ المخرج »كبس« الأزرار« وحقق الفيلم الخطأ٠
هذه الأفلام غالباً لا تحقق أهدافها. تنطلق للعروض وتنتقل من نهايات العام الفائت الذي أنتجت فيه الى بدايات العام الجديد حيث ستغيب، من دون أن تحقق ما تصبو إليه. فالموضوع لم يعد يمر من دون حسابات والبقرة أصبحت عجوزاً مهماً طالت أثداءها تلك الأيدي الراغبة في حلبها٠

The Reader
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الى ذلك، فإن موضوع الهولوكوست، في إطار ما يقع اليوم على صعيد عالمي، وفي إطار علاقته بموضوع السينما النازية (مع وضد) وسينما الحرب العالمية (مع وضد) لم يعد ذا أهمية قصوى كما كان الحال سابقاً، او كما يحلو لبعض المنتجين والمخرجين الإعتقاد٠

بزنس الهولوكوست
هذا العام هناك ما هو خاص: بينما كانت القوّات الإسرائيلية تقصف الغزاويين وتسجّل إنتصارات مبهرة على المواطنين العاديين وتدك بيوتاً ومدارس ومساجد على من فيها (وهي عادة عسكرية- فاشية لها امتداداتها التاريخية في كل الحروب) ، كانت صالات السينما تستقبل كل تلك الأفلام التي تتحدّث عن الهولوكوست الذي تعرّض إليه اليهود قبل أكثر من ستّين سنة٠
التقاطع هنا ليس مقصوداً. الأفلام تمر بمراحل مختلفة قبل أن يتم تحقيقها وربما كُتبت وصوّرت قبل أشهر عدّة لكن توزيعها تأخر لعوامل مختلفة من بينها عامل حشد الأفلام الطامحة لترشيحات الجوائز الكبيرة الى الفترة السابقة مباشرة لتلك الجوائز٠
لكن -من ناحية أخرى- ليس كل ما ليس مقصود هو محض صدفة٠
أفلام الهولوكوست لم تهدأ منذ أن انتهت تلك الحرب وهي سبقت إقامة الدولة الإسرائيلية في فلسطين بعد أربعة أعوام على نهاية الحرب العالمية الثانية، واستمرّت منذ ذلك الحين٠
كل عام من كل عقد يتم إنجاز أفلام تتعامل والهولوكوست تصوّر حال اليهود الذين تم قتلهم في الساحات، او حشرهم في القطارات المتّجهة الى معسكرات الإعتقال او إيداعهم في تلك المعتقلات بإنتظار موعد كل منهم مع خالقه٠ تتعامل مع اليهودي الذي خسر كرامته وعائلته ومستقبله بما يناسب وضعه من الرأفة والتعاطف، ومع النازي الذي لم يتوان عن القتل او الحرق تبعاً لسياسة »الحل النهائي« الذي تبنّتها النازية وهي تدرس كيفية تطهير ألمانيا والجوار المحتل من اليهود٠
لكن هذا هو المعدن المرتبط بعضه ببعض، أما حلقات هذه السلسلة فتختلف قليلاً وهي تختلف حالياً أكثر من السابق٠ نوع من الإدراك بأن المزيد من حكايات الأسى والذاكرة التي عليها أن لا تُنسى والألم الذي عليه أن يشعر به كل الناس، ما عاد يفي بالغاية من وراء »بزنس الهولوكوست«٠
مع نهاية العام المنصرم وبداية هذا العام، فإن الأفلام التي تداعت لكي تحتل الشاشات العالمية في الوقت الذي كان ضحايا الأمس يتحوّلون الى جلادين مماثلين لجلاديهم السابقين، تختلف من جوانب عدّة٠
في »طيب« نجد زلّة قدم ألماني بريء استولى عليه النفوذ والإغراء النازي فتحوّل الى رجل سُلطة٠
في »آدم منبعثاً« نجد اليهودي الناجي من المحرقة يعيش في مصحّة نفسية في صحراء النجف سنة 1961 تدفعه الظروف لتذكر (في عدد من الفلاشباكات) التجربة التي عاشها خلال تلك الفترة متعاوناً مع النازيين
فيلم »تحدٍ« هو فيلم حربي حول مقاومين يهود واجهوا الجيش النازي في غابات بروسيا بينما فيلم »القاريء« يتحدّث عن الشعور بالذنب إنما ليس عند يهودي متعاون (كما الحال في »آدم منبعثاً«) بل لدى إمرأة كانت، حسب الرواية، تعمل حارسة في معسكر إعتقال نازي٠

كتاب فنكلستين
في العام 2000 أصدر الكاتب نورمان ج. فنكلستين كتاباً عنوانه »صناعة الهولوكوست« كشف فيه عن أن مؤسسات يهودية أميركية تتاجر بالهولوكوست وتنجز أعمالاً وصفقات بعشرات الملايين من بينها ملايين كثيرة تدفعها شركات وهيئات وحكومات آوروبية نتيجة ابتزازها٠
حينها حورب الكتاب في أركان الأرض الأربعة، لكنه تعرّض في أوروبا للنقاش على الأقل، بينما أسدل عليه ستاراً كبيراً في الولايات المتحدة. لم يرد أحداً التحدّث عنه حتى بالسلب لأنه من تلك الكتب التي إذا ما تحدّث عنها أحد بالسلب أدى ذلك الى إنتشارها٠
تجربة سليمان رشدي وكتابه »آيات شيطانية« لم تكن بعيدة. فتحليل قتله من قبل فتاوى إيرانية منحت الكتاب فرصة أكبر لتسجيل مبيعات أعلى مما كان سيسجّلها لو أن الإيرانيين تركوا المسألة تتساقط لوحدها، او على الأقل لو صدر في حق المؤلّف منعاً ما عوض عن فتوى بالقتل وجائزة كبرى لمن يقوم بذلك٠
المهم، بالنسبة لكتاب فنكلستين هو أن الصمت انكسر لاحقاً حينما قامت صحيفة »ذ نيويورك تايمز« بنشر تعليقها على الكتاب وقارنته بكتاب »بروتوكولات قدامى صهيون« مشيرة الى أنه يماثله عدائية للسامية. ولم تترك الفرصة تمضي والمقال ينتهي قبل أن تطلق على الكاتب كلمات مثل »غبي« و»جاهل« و»غير أخلاقي«٠
هذا بعض ما حصده الكاتب الذي هو إبن يهودي قضى في أحد تلك االمعسكرات النازية بدوره. تُهَم مثل "أنه مريض نفسي و"يهودي مصاب بكره نفسه" و»رجل مليء بالقرف" قيلت فيه منذ ذلك الحين وربما لا تزال تتردد. لكن المرء لابد أن يتذكّر فحوى الكتاب ورسالته كلما شاهد فيلم هولوكوست- خصوصاً من تلك التي تريد الإنتعاش على حساب المأساة والعيش على حساب الموتى من اليهود. ذلك بالطبع تحت حجّة أن العالم عليه أن يتذكّر حتى لا تتكرّر المأساة٠

أذن موسيقية
الأفلام المذكورة، رغم ذلك، تتنوّع. وسينما الهولوكوست تنوّعت في الحقيقة منذ سنوات. تحديداً منذ أن قام ستيفن سبيلبرغ بإخراج فيلم »لائحة شيندلر« سنة 1993 . هناك شاهدنا جانباً آخر لم نشهده من قبل: إمكانية وجود ألماني في تلك الحقبة السوداء متعاطف مع اليهود. فحتى ذلك الحين وضعت أفلام الهولوكوست كل الألمان في سلّة واحدة وتلك التي تعاطفت مع الألماني، عبر تقديم شخصية مختلفة، كـ »ثعلب الصحراء« [هنري هاذاواي- 1951] وقبله »خمس مدافن الى القاهرة« [بيلي وايلدر- 1943] لم تدر حول الهولوكوست بل حول شخصيات ألمانية محضة٠
أما »لائحة شيندلر« ومن خلال تقديمه شخصية أوسكار شيندلر (ليام نيسَن) الذي شغّل اليهود في مصنعه لإنقاذهم من المحرفة، فقد عزف مقطوعة مختلفة بين أفلام الهولوكوست الى ذلك الحين. صحيح أن المخرج سبيلبرغ قدّم في المقابل شخصية الضابط غووَث (راف فاينس) العنصري الكاره لليهود، لكن المحور والبطولة في هذه الناحية كانا من نصيب شيندلر ذاته. طبعاً هذا لا يعني أن الفيلم لم يقصد الحديث عن النكبة اليهودية تحت ذات الراية التي أقدمت عليها الأفلام التي سبقته، وبل هو ينتهي بتلك الدعوة لاستعمار أرض فلسطين على أساس أنها ستكون البلد الحاوي لليهود المضطّهدين٠
من ناحيته أم المخرج رومان بولانسكي سنة 2002 فيلماً آخر من المنوال ذاته هو »عازف البيانو« الذي كان أذكى وأفضل معالجة من فيلم سبيلبرغ٠ فيه نجد اليهودي البولندي عازف البيانو ڤلادسلاڤ شبيلمان (أدريان برودي) يبحث عن مأوى ومنفذ من النازيين الذين يجمعون يهود مدينة وورسو. حين ينجح لحين يتم كشفه فيهرب مجدداً ويعيش في خراب مهجور لحين قيام كابتن ألماني أسمه هوزنفلد (توماس كرتشمان) باكتشاف وجوده، لكن عوض قتله او تسليمه يطلب منه عزف شيء ويقدّره لعزفه فيسهّل له عملية الهروب والبقاء حيّاً. في المشهد الأخير، وبعد التحرير، يمر العازف أمام مجموعة من الجنود الألمان المعتقلين ويرى بينهم الكابتن هوزنفلد، لكن ڤلادسلاڤ لن يستطع رد المعروف بمعروف مماثل٠
وقبل عامين قام بول ڤرهوڤن، وهو هولندي جرّب حظّه بنجاح في هوليوود ثم عاد الى بلاده، بإخراج »الكتاب الأسود« حول حكاية خيالية تحكمها فئتان: هناك المقاومون للنازية والنازيون، وليس كل المقاومين -وبينهم يهوداً- صالحين ولا كل النازيين سيئيين. عند ڤرهوڤن كله يعود الى أين تقف مما جرى ولماذا عليك أن تتخّذ موقفاً معادياً او مؤيداً إذا ما كان الفريقين متساويين٠

تشيخوف قبل الحب وبعده
الحكايات المطروحة على الشاشة اليوم تأخذ أبعاداً أخرى. بعضها يستمد موقفه من ذلك النفس التغييري الذي أخذت السينما تتجرأ بإعلانه، والبعض الآخر يلجأ الى المفهوم التقليدي ذاته باحثاً عن مزيد من الغطاء المناسب٠
ففيلم »القارئة« لستيفن دولدري يتحدّث عن إمرأة ألمانية نلتقي بها في الخمسينات عندما تتعرّف على مراهق وتمنحه حظوة التجربة الجنسية الأولى. هذا يتعلّق بها ويبدأ معها علاقة عاطفية ساخنة على الرغم من أنه يصغرها بأعوام كثيرة٠ المرأة (كيت ونسلت) لا تعرف القراءة لكنها لن تبح بهذا السر لأحد وتطلب من الشاب قراءة الكتب لها قبل او بعد مطارحته الغرام٠ يقرأ لها »الإلياذة« و»السيدة ذات الكلب الصغير« لأنطون تشيخوف . لكن بعد أن يبثّها حبّه الخالص تختفي تماماً ليلتقي بها بعد سنوات وهي تقف في محكمة مقامة للتحقيق مع مجموعة من الذين خدموا حرّاساً في معتقل نازي٠ خلال هذه السنوات كان بدأ يدرس المحاماة لكن القانون لم يكن السبب الذي من أجله اهتم بمتابعة الجلسات، بل حبّه لها ليكتشف هناك فقط أنها لا تجيد القراءة او الكتابة وبالتالي لا يمكن أن تكون أصدرت أوامر ارسال اليهوديات الى أفران الغاز كما تدّعي المحكمة. كبرياء المرأة يمنعها من البوح بهذا السر وتقضي فترة العقوبة وكل ذنبها أنها كانت وجدت عملاً كحارسة للمعتقل خلال تلك الفترة فتقدّمت إليه٠
في هذا الجزء نقد للمحاكمات العشوائية بقدر ما فيه أسف لحالها. لكن الرواية، كما وضعها المؤلّف الألماني برنارد شلينك تتناول ذلك الشعور بالذنب الذي يعيش داخل بطلة الفيلم مدركة أنها -مهما كان تبريرها لنفسها- كانت شاهدة على ما حدث٠ الفيلم يذهب خطوة إضافية الى الأمام حين يضع على لسان إبنة إحدى الضحايا اليهود عبارة »لا يستطيع أحد الخروج بدرس مفيد مما حدث« وهو دعوة لنسيان ما حدث وتجاوزه. في ذلك يبتعد الفيلم أكثر عن أن يكون فيلم هولوكوست ٠

Defiance
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن »تحدٍ« المأخوذ أيضاً عن رواية (ولو أنها حقيقية الجذور) وضعها نخاما تك، تختلف عن هذا الإتجاه لدرجة التناقض. إنه فيلم من تلك التي تطلب منّا أن لا ننسى لكنها، وفي الوقت ذاته، لا تتحدّث عن اليهودي كضحية بل كمقاوم٠
موضوع الرواية، والفيلم الحالي، هو المقاومة التي عمد اليها ثلاث أخوة من عائلة بييلسكي في غابات بلروسيا خلال الحرب العالمية الثانية٠ كان الأشقّاء الآتين من الزراعة والتجارة ألّفوا من هاربين يهود آخرين جيش مقاومة لكن -وحسب الفيلم- اختلف إثنان منهم على المنهج: توڤيا (دانيال كريغ) أراد إنقاذ كل اليهود الممكن إنقاذهم بينما فضّل شقيقه زوس (لييف شرايبر) الإنغمار في المقاومة عسكرياً فقط. الفيلم يتحدّث بإسهاب، لكن من دون حرارة كافية تحت إدارة إدوارد زويك، عن الحياة في الغابات النائية وكيف أدار توڤيا مجموعته مستوحياً من حياة موسى (عليه السلام) مناراً له. لكن في هذا الحماس للإحتفاء بالمجموعة المحاربة وتقديم نموذج على يهود لم يقفوا مكتوفي الأيدي بل قاوموا، هناك بضع مشكلات. واحدة منها أن هناك قدراً كبيراً من التأليف ساد السيناريو في معالجة هوليوودية تبتعد عن الغوص في العمق وتكتفي بالسطح العاطفي وحده. أيضاً هناك مشكلة أن الفيلم يخلط بين المقاومة والإنتقام في إحتفاء بالثاني وذلك من حين القيام بالعملية الأولى فيرقص فرحاً لمشهد مقتل الألمان على أيدي المقاومين كما لو أنه مجرد فيلم آخر من أفلام الحرب العالمية الثانية حيث كان الألمان يتساقطون كالذباب لمجرد أنهم معادون للجندي الأميركي٠
لكن أهم مشكلة هي إخفاء الحقيقة الأكبر: في العام 2000 رفع عدد من مواطني مقاطعة بلروسيا دعوة على الفرقة اليهودية بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وما كشفت عنه القضيّة أن الفرقة أقدمت في العام 1943، العام الذي حررت فيه القوّات الروسية بولندا، على قتل 130 شخصاً مسيحياً بريئا من أي ذنب٠

بطولة مرتجلة
طبعاً معلومة كهذه كانت ستنسف ما حاول الفيلم إنجازه من دعاية، وهذا على عكس المطلوب من فيلم قائم على التعاطف المطلق. مثله في ذلك، إنما من باب خلفي فيلم »طيّب« او
Good
الذي يتحدّث عن كاتب وبروفسور ألماني (فيغو مورتنسن) ينتقل من موقعه المحايد في الفترة النازية الى موقع يقرّبه من السُلطة أكثر وأكثر الى أن يضطر لغض النظر عما يقوم به الألمان حيال اليهود. في ذلك إدانة له كان فيلم »مافيستو« للمخرج المجري ستفان شابو قد تجاوزها قبل أكثر من 26 سنة٠
وفي الصدد ذاته فيلم»ڤالكيري« لبرايان سينجر٠
مأخوذ بدوره عن وقائع حقيقية لكن المعالجة الهوليوودية طاغية كالعادة وفيه قيام الضابط شتاوفنبرغ (توم كروز) بالسعي الدؤوب لتنفيذ مؤامرة إنقلاب على النظام النازي واغتيال هتلر في خلال ذلك. إنه نوع من المهمّة المستحيلة، تلك السلسلة التلفزيونية التي انتقلت الى السينما من بطولة توم كروز نفسه خصوصاً وأننا جميعاً نعلم أن هتلر لم يمت في أي من المؤامرات التي حيكت ضده والتي كانت مؤامرة شتاوفنبرغ وأعوانه آخرها، إذ انتزع هتلر حياته بيده حين تأكد من إطباق الحلفاء عليه٠
هتلر هنا شرّاً ماحقاً ولو أنه ليس في الصورة الأساسية. وكلمة يهود تتردد مرّتين او ثلاثة لكنها لا تشكّل ميزاناً من أي نوع. رغم ذلك، حالة التأييد (وهي مفهومة وربما مقبولة) تأخذ من الفيلم القدر الكبير من الصدق وتمنحه عوض ذلك شيئاً من ارتجال المشاهد البطولية في معالجة تشويقية تنفع في مشاهد وتخفق في أخرى٠
لكن في شكل منه، وشكل رئيسي، يقوم »ڤالكيري« باستكمال الدائرة التي رسمها سبيلبرغ حول شخصيات ألمانية إيجابية على قلّتها. لا يمكن مع فيلم برايان سينجر الحماسي إغفال أنه يتحدّث عن نحو 700 جندي وضابط تحمّسوا لفكرة التخلّص من هتلر. وهو إذا ما كان يتبع النفس الجديد الذي أرساه »لائحة شيندلر« الا أن فيلم سبيلبرغ ذاك لم يكن الأول في تناول الشخصية الألمانية في شكل إيجابي، بل كان الأول بين أفلام الهولوكوست ذاتها والفارق بين أفلام الهولوكوست والأفلام النازية (معها او ضدّها) كبير٠

الحرب والأوسكار
على شاشات التلفزيون البيضاء والسوداء غازلت هوليوود الشخصية النازية لأول مرّة على نطاق شعبي واسع٠
المسلسل الأميركي الذي امتد من منتصف الستينات ثم توقّف العام 1971 والذي لا زالت حلقاته القديمة تمر على شاشات محطّات متخصصة بالكلاسيكيات القديمة، تتحدّث عن شلّة من المسجونين العسكريين الأميركيين الذين يعيشون في معسكر نازي خلال الحرب. كل حلقة (من نصف ساعة) عبارة عن لعبة مهارة يقوم بها هوغان (بوب كراين) ومجموعته ضد قيادة المعسكر الألماني. بالتحديد ضد السيرجنت البدين شولتز، وقام به لاري هوڤيز، ورئيس المعسكر كولونيل كلينك (ڤرنر كلمبرر)٠ الألماني الأول غبي تسهل إدارته، والثاني أذكى قليلاً لكن مهارة الشلّة تتجاوز ذلك وتحوّله الى مطيّة سهلة القيادة لصالح نصف ساعة كوميدية ضاحكة٠
طبعاً المسلسل الهازيء لا يزال يسخر من النازيين لكن الشخصيّتين الألمانيّتين طيّبتي القلب وفي حلقات كثيرة متجاوبة ترضى بالعمل ضد قيادتها لصالح الشلّة٠
سينمائياً، ومن قبل هذا التاريخ، عرفت الشاشة الكبيرة انتقال التعامل مع النازيين كأعداء بالمطلق، الى تصنيف أكثر واقعية٠
من الجدير أولاً التذكير بأن الولايات المتحدة، قبل دخولها الحرب العالمية الثانية سنة 1941 كانت ملتزمة بموقف حيادي غالباً حيال حرب طحن العظام القائم في أوروبا. مثلها في ذلك هوليوود التي قلّما اكترثت لما يحدث في ذلك الحين٠
طبعاً هي كانت قدّمت أفلاماً حربية عدّة من بينها »أجنحة« [وليام ولمان- 1927] الذي فاز بأول أوسكار تاريخياً، ومثل »كل شيء هاديء على الجبهة الشمالية« [لويس مايلستون- 1930]. الأوّل عاطفي في الأساس والثاني معاد للحرب فعلياً لكنهما تعاملا مع الحرب العالمية الأولى التي كانت وضعت أوزارها في مطلع العقد الثاني من القرن٠
هوليوود كانت تخشى أن تتخذ موقفاً. وهوليوود كانت (كما لا تزال) يهودية في الأساس. على ذلك فإن يهودها لم يتبرّعوا بتحقيق أفلام معادية للنازية ومؤيدة لضحاياها خوفاً من أن تخسر السينما الأميركية حياديّتها فتخسر بذلك حصّتها الكبيرة في الأسواق٠
الغارة اليابانية على بيرل هاربر غيّرت كل ذلك. واشنطن قررت التدخل في الحرب وهوليوود تبعتها لكن لا لتقدّم أفلاماً عن الهولوكوست، بل أفلاماً حربية تؤازر، في معظمها الجهد الحربي لواشنطن٠
ما قدّمته هوليوود قبل دخول واشنطن الحرب هو أفلام معادية للنازية وفي طيّات ذلك معادية للمعاداة للسامية٠ هذا كان مصدره توغّل حلقات نازية في الولايات المتحدة في الثلاثينات وشيوع تأييد يميني لها. المخرج أناتل ليتڤاك، المهاجر من أكرانيا، أنجز فيلماً رئيسياً في هذا المضمار هو »اعترافات جاسوس نازي« سنة 1939
مخرج أفضل من ليتڤاك أسمه ألفرد هيتشكوك كان أوّل مخرج مهم يتصدّى للنازية. سنة 1940قام سيد التشويق بإنجاز »المراسل الأجنبي« تبعه بأفلام »قارب نجاة« و»مشهور« و»مخرّب« وكلها تدور حول مؤامرات تعمد حلقات تجسس نازية لمحاولة تنفيذها خلال الحرب الدائرة. حقيقة أن هيتشكوك تعامل مع هذا الموضوع في الأربعينات عائد الى أنه بريطاني وبريطانيا كانت انطلقت الى الحرب بكل
طاقتها منذ بداية تلك الحرب العالمية الطاحنة٠

The Great Dictator
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فنان آخر لا يمكن إغفال دوره هو تشارلي تشابلن الذي أنجز سنة 1941 »الدكتاتور العظيم«. الفيلم أكثر من مجرد عمل كوميدي رائع، إنه فيلم مشغول بحرفة فنيّة جيّدة وأفضل منها هي رسالاته المعادية للفاشية والتي تنتقد معاداة السامية من دون أن تتحوّل الى عنصر يوظّف ذلك كلّه توظيفاً محض سياسي. فيلم تشابلن، من هذه الزاوية، كان فيلماً إنسانياً من المرتبة الأولى
في الأربعينات أنتجت هوليوود أكثر من مئتي فيلم تحتوي على عنصر نازي اشتغل عليها مجموعة كبيرة من السينمائيين بعضهم أهم من عمل في هوليوود، مثل راوول وولش، هنري هاذاواي، هواركس هوكس، أورسن وَلز، ألكسندر كوردا، مايكل كورتيز، جاك تورنير وسواهم من منفّذين محترفين مرموقين. المشكلة هي أن هوليوود الراغبة دوماً مزج الرسالة بالفيلم الجماهيري، كان لابد لها أن تجد أشراراً آخرين في أفلام يقع غالبها بعيداً عن ميادين القتال. هنا تقدّم العربي ليصبح أحد الوجوه الذي استقر عليها ذلك الإختيار في أفلام مثل »معركة في أرابيا« و»صحراء« و»جواز سفر الى السويس« و»ليلة في كازابلانكا«، حيث تقع الأحداث في المغرب او ليبيا او مصر وتضع الأميركي او البريطاني وجهاً لوجه مع النازي المستتر والعربي المؤازر له٠

من حرب الى حرب
هذا -في الواقع- ليس سوى حصاد متسارع الإيقاع لقليل من فيض يحتاج الى كتاب خصوصاً إذا ما نظرنا الى حقيقة أن السينما المتعاملة مع الموضوع النازي لم تكن المعادية بل المؤيدة، ولم تنشأ في هوليوود بل انتقلت اليها بعدما نشأت في المانيا مع صعود النازية إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى٠
الى ذلك، فإن المعاداة للنازية في أفلام الغرب لم تستمر طويلاً. وكما كان »أبطال هوغان« إطلالة متسامحة على أعداء الأمس، كذلك فعلت عدّة أفلام أظهرت صوراً إيجابية. هاهو مايكل كاين في »ليلة الجنرالات« لجون سترجز يلعب شخصية كولونيل ألماني ذي قلب جسور وفي مكانه الصحيح إذ يدافع عن فتاة يهودية يريد ضابط آخر القبض عليها٠
في فيلم سام بكنباه »صليب من حديد« ، فإن الألمان ليسوا الأعداء الذي على العالم الخشية من قدراتهم وبل يصدر عن الفيلم ما يؤيد فحوى البذل الألماني لإنشاء ألمانيا جديدة قوية٠
و»غداً العالم« سنة 1944 يبحث في إمكانية التعايش مع ألمانيا جديدة بينما »يتمحور »النجمة الشمالية« للويس مايلستون (1943) حول احتمال أن يكون العدو الحقيقي ليس الألماني بل الشيوعي٠
والمثير في كل هذا أن الحرب العالمية الثانية ووقوف أميركا وروسيا في خندق واحد أثمر عن تغلل الحلقات الشيوعية في هوليوود على ذات النحو الذي سبق للنازية أن قامت به، وبل أكثر. وإذ اسدل الحلفاء الستار على الحرب العالمية وما شهدته، تباعد حليفا الأمس وأصبحا أعداء وأفاقت واشنطن على انتشار مفاهيم يسارية متطرّفة وأخرى أقل تطرّفاً في عقر دارها٠
إنه من المذهل كيف أن تاريخ العالم وتاريخ السينما يلتقيان في محطّات عديدة. كل منهما يحكي للآخر قصصاً ويعكسه في مرآته. وما كان تشجيعاً لتلك لحرب تحوّل الى نقد لها على أيدي مخرجي الخمسينات مثل روبرت ألدريتش (»هجوم«) وستانلي كوبريك (»دكتور سترانجلف« وجون هيوستون (في ثلاثيّته التسجيلية التي من بينها أشدها نقداً تحت عنوان »لمَ حاربنا«)٠
والموازي في غرابته أيضاً كيف أن الحرب اللاحقة التي خاضتها أميركا في ڤييتنام تسببت في اضطراب الموقف من الحرب ضد النازية، على أساس أن الأميركيين فجأة وجدوا أنفسهم يقصفون ويقتلون ولو لأسباب مختلفة٠

نشر في جريدة »النهار« اللبنانية يوم الأحد 15/2/09


SECTION 2 | ضيوف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوليڤر ستون وعقدة أوديب

Oliver Stone

مخرج | كل من أمير كوستاريتزا وأوليڤر ستون لديه من الموهبة
والذكاء
ما يجعلهما قادرين على إنجاز أفلام أفضل. لم لا يفعلان؟ |
هوڤيك
حبشيان

...............................................................................................

كان أوليفر ستون سينمائياً "خطيراً" في ثمانينات القرن الفائت وتسعيناته. ماذا بقي منه اليوم؟ حفنة من الأفكار الملتبسة لا تجد طريقاً الى الشاشة من دون أن تفقد معناها وتنهار قيمتها. هجمات 11 أيلول غيّرته الى أقصى درجات التغيير. ثم اندلعت حرب العراق. ثم كان بوش. لم يجد التكلم عن أي من الظواهر التي هزّت بلاده. واذا تكلم، إما بسّط الأشياء الى حدّ السذاجة وإما جعلها تراجيديا إغريقية. في حين أن موضوعه لا يستحق لا هذه التراجيديا ولا ذاك التبسيط. "مركز التجارة العالمي" سخّف العملية الارهابية الكبرى في التاريخ. أما "دبليو" فما هو الاّ تعظيم وتضخيم لا ارادي للرئيس الذي يُقال انه لم يبدِ اهتماماً كبيراً حين وصله خبر اصطدام الطائرتين بالبرجين. في هذا الفيلم، لم يقع ستون في الكاريكاتور. لكنه وقع في الأسوأ منه: التفخيم والتضليل. الأسوأ انه اختصر حكاية بوش باعتبارها عقدة أوديبية بين ابن (جورج دبليو) ووالده (جورج بوش)، جاعلاً منه ضحية محيطه غير السليم وأهله الذين لم يروا فيه إلا خاسراً وشاباً غير نافع. انها اذاً محاكمة للمجتمع الأميركي الذي ينتخب الغبي رئيساً، لكن هذا المغزى لا يُقرأ الا ما بين السطور٠
ينطلق ستون من قاعدة بسيكولوجية مفادها: كما تعاملوا أولادكم يعاملون أنفسهم. ولم نكن في حاجة الى ستون، لنعلم ذلك. كما لم نكن في حاجة اليه أيضاً، لندرك أن بوش كان كاوبوياً أكثر منه رئيساً، يأخذ من جون واين مثالاً أعلى. أما قوله ان بوش لم يكن كفوءاً وان العالم بالنسبة اليه كان مختبراً والناس فئران تجارب علمية (خدعة الديموقراطية)، فهذا كله لا يصنع فيلماً. الأسباب التخفيفية التي يمنحها ستون لبوش (تمثيل متقن لجوش برولين)، تجعلنا ننسى اننا أمام السينمائي الذي صوّر سيرة لرئيسين أميركيين هما جون كينيدي ونيكسون، وتجرأ قبل كوبريك وبعد كوبولا وتشيمينو على الغوص في مستنقع فيتنام. وكان فيلماً حربياً بارعاً اسمه "بلاتون" بعيداً من الدروس التربوية لنزيل البيت الأبيض التي قادته اليها "بورجوازيته" السينمائية٠
الأزمنة تتغير. والسينما كذلك. لكل زمن سينمائيون يفهمونه. واذا سبق لستون أن قال ما يستحق أن يقال في أميركا العقود الماضية، فأميركا ما بعد 11 أيلول لا تجد ضالتها فيه. كما هي الحال مع عالم لا يجد ضالته في رئيس مدمن كحول وليس مصدر اعجاب حتى من أقرب المقربين اليه. شعرت بامتعاض عندما صوّر كوستوريتسا مارادونا. والآن اشعر باستياء حيال "تساهل" ستون مع بوش. كنت أعرف أن لكليهما ذكاء يجعلهما يقفزان فوق أسوار الإدانة السهلة. اذاً لم يكن هذا ما كنت أخشاه. ما جعلني استاء هو اقدام سينمائيين على تخصيص أفلام لمن هم أقل منهم شأناً. لمن لا يستحقون فيلماً. مثلما لا أفهم اصرار ستون على انجاز شريط عن شخص يعتبره ابله، وننتظر تالياً نحو ساعتين لنرى من بلاهته شيئاً، لكننا نخرج من الصالة بسلة فارغة. الشيء الوحيد الذي يعطل نمطية الفيلم هو اعتبار ان غباء بوش أكثر تدميراً وتأثيراً في السياسة الخارجية من أي قنبلة ذرية!٠
لا يعلّق ستون على ما يريه. يكتفي بعرض وقائع. والمعطيات تتكلم عن نفسها. هذه تقنيته. لكنها تقنية فاشلة غير فاعلة وخصوصاً عندما تأتي من مخرج مسيّس بات عمله، بعد 11 أيلول، رد فعل وليس فعلاً. يتذاكى ستون عبر الاعتقاد بأن في وسعه، كسينمائي، ان يتعالى على صغائر الأمور السياسية، اذا رمى نظرة "موضوعية" (خدعة أخرى) على عهد بوش. لكن بوش لم يكن تفصيلاً، والسينما ليست نشرة أخبار...! ٠


SECTION 3 | تاريخ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جين غونتيير في أحد أدوارها الصامتة لشركة كالِم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوليوود المجهولة | لا يذكر مؤرخو السينما المصرية شيئاً عن أول فيلم
أميركي تم
تصوير جزء منه في مصر. كان هذا سنة 1912 | محمد رُضا

..........................................................................................................
في العام 1912 وصل الى القاهرة فريق تصوير أميركي قادماً من نيويورك فريق تصوير يقوده مخرج بإسم سيدني أولكوت لتصوير فيلم ديني روائي طويل٠
أولكوت كان مخرجاً أميركياً حقق من العام 1907 الى العام 1927 نحو 130 فيلماً قصيراً وطويلاً. في العام المذكور كانت السينما بدأت تطلق أفلاماً متوسّطة الطول ولو أنها كانت مبنية على اللقطة الواحدة التي تؤلّف مشهداً واحداً. لا تتحرّك الكاميرا ولا يوجد تنويع في اللقطات ذاتها٠
الفيلم كان من إنتاج شركة كالِم، ولو أن بعض المراجع يذكر أنه لشركة ڤيتاغراف. وربما سبب الخلط هو أن ڤيتاغراف اشترت حقوق مكتبة كالِم حين توقّفت تلك عن الإنتاج سنة 1915. كانت شركة صغيرة من تلك التي أنتجت لحين ثم غابت وكانت تقع في الجزء الشرقي من الولايات المتحدة. ومع أنها حاولت الإنتقال الى كاليفورنيا وأسست بالفعل ستديو في مدينة سانتا مونيكا، الا أن ذلك الاستديو لم يستمر طويلاً وعادت كالِم الى نيوجيرسي ونيويورك الى أن وجدت نفسها غير قادرة على تمويل الأفلام حين أصبحت تخطو صوب فترات عرض تزيد عن الساعة٠
آمنت كالِم منذ البداية بالتصوير في المواقع الطبيعية. في العام 1910 مثلاً أرسلت وفدها الى ايرلندا لتصوير فيلم »الفتى من ايرلندا القديمة« ألكوت عاد سنة 1911 وقابل راعي أبرشية كيلارني وطلب منه رفع الحظر الذي كانت الكنيسة فرضته بمنع الفلاحين والمواطنين من أن يقبلوا بتصويرهم. لا أدري إذا ما كان ذلك المنع دينياً او له أسباب أخرى، لكن نتيجة رفع الحظر سلسلة من الأفلام القصيرة التي استلهمت روايات وقصص أيرندية أشرف أولكوت على تحقيقها٠
بعد عودته طلبت منه كالِم الشروع في السفر الى مصر لتصوير فيلم فيها وفي فلسطين. لكن أولكوت رفع سعره ووافقت الشركة على طلبه (تقاضى 200 دولار في الأسبوع) وانطلقت السفينة من نيويورك الى أوروبا (حيث صوّر أولكوت في أسبانيا وفي إيطاليا مشاهد لأفلام أخرى) ثم وصل الى الاسكندرية حيث صوّر فيها ثم وصل الى القاهرة حيث صوّر أهرامات الجيزة٠ لم يكن تصويره سياحياً او تسجيلياً إذ كان لديه مشروعاً روائياً عنوانه
From Manger to the Cross من المعلف الى الصلب
فيلم ديني من 71 دقيقة يتولّى، كما هو واضح من عنوانه، سرد حياة السيد المسيح من المهد الى اللحد وقام بتمثيله (رجلاً) روبرت هندرسن بلاند في حين قامت ممثلة أسمها جين غونتيير، التي مثّلت نحو 110فيلماً صامتاً في حياتها، بدور السيدة مريم ومثل شخص بإسم مونتاغيو سيدني دور جوزف وهذا يبدو فيلمه الوحيد، بينما لعب سيدني أولكوت دور رجل أعمى٠
الفيلم (يمكن مشاهدته على اليو تيوب) مستوحى بأسره من أنجيلي متّى ولوقا ويروي القصّة مستعيناً بلوحات هي مقاطع من الإنجيل. كل مقطع يفصل بين اللقطات او المشاهد ليمهّد ما سيلي٠ يمكن ملاحظة محاولات تشكيل حركة مثير للإهتمام مثل اللقطة - المشهد رقم 16 حيث على جوزف ومريم مغادرة النزل الذي كانا يسكنانه مع المسيح طفلاً في بيت لحم بعدما أوحى الملاك لجوزف بأن الملك حيروت سيريد قتل المسيح لأنه يخشاه. يخرجان ليلاً. هناك مدخل في عمق الصورة ورجلين نائمين. يهرع جوزف صوب مقدّمة المشهد (صوب الكاميرا) وينظر حوله ثم يعود أدراجه الى حيث ترك مريم ليعود بها وبالطفل متقدّماً ثانية صوب الكاميرا٠
معظم الفيلم، بطبيعة الحال، مصوّر في فلسطين وبعض مشاهده في مصر لكن ما يعيد تذكيرنا به اللحمة التاريخية والدينية بين البلدين٠. تلك اللُحمة التي يُقال لنا اليوم أنها لا يجب أن تكون موجودة٠

كالِم لها تاريخ مهم على قصره٠
تألّف الإسم من أسماء أصحابها جورج كلاين، وكان لديها شركة كاميرات وبصريات في شيكاغو، وسامويل لونغ الذي كان مديراً لشركة سينمائية قبل كالِم هي بيوغراف، وفرانك ماريون، وكان أيضاً من كبار موظّفي شركة بيوغراف وهو الذي حين ترك تلك الشركة أقترح على المخرج سيدني أولكوت فعل الشيء نفسه. رأسمال الشركة كان خمسة ألاف دولار (ألفين من كلاين وثلاثة آلاف من الآخرين) وتم استئجار مبنى صغير في مدينة نيويورك وكان القرار منذ البداية التصوير في المواقع الطبيعية عوض إنشاء ستديو للغاية٠
أول أفلام الشركة كان
The Sleigh Belle | المركبة بيل (او المركبة الجميلة إذا أردت) ٠
سنة 1907 ومن بين أفلامها الأولى أول نسخة من »بن هور« الذي قامت جين غونتير بكتابته في يومين وأخرجه أولكوت سنة 1909 وفيلم »دكتور جايكل ومستر هايد« (قبل نسخة شركة يونيفرسال الأشهر والأكبر بسنوات عدّة) وأخرجه أولكوت أيضاً سنة 1910
في العام ذاته تم اكتشاف وجه جديد أسمه أليس جويس الذي تحوّلت الى نجمة صامتة لبعض الوقت وأول فيلم مثّلته وهو »إبنة ديكون« كان لحساب كالِم سنة 1911 اي قبل توجّه أولكوت الى أيرلندا كما تقدّم معنا٠

أليس جويس كما في
The Hazards of Helen
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأسماء التي عملت لحساب شركة كالِم كانت كثيرة والإنتاجات متعددة ومعظمها قصير ومتوسّط ومن بينها حلقات مسلسلة بعنوان
The Hazards of Helen | مخاطرات هيلين
تألّفت من 119 حلقة (كل حلقة من نحو 12 دقيقة)٠
من الممثلين الذين ظهروا في أفلام لكالِم ماري بيكفورد (التي أخرجت أيضاً أفلاماً لذلك الاستديو) ومن المخرجين ألان دوان ووليام بودين وجورج ملفورد وكل منهم أخرج أفلاماً عديدة صامتة وانتقل لاحقاً الى الناطقة لبعض الوقت٠
كالم رغبت، بعد نجاح »من المعلف الى الصلب« نجاحاً تجارياً كبيراً التوسّع في أعمالها. افتتحت ستديو في ضاحية لوس أنجيليس وهي سانتا مونيكا ثم أغلقته وافتتحت ستديو في مدينة نيوجيرسي وآخر في جاكسونفيل وكل ذلك ما بين 1914 و1915 في تغيير منهجي على ما يبدو.٠
في العام 1915 رفع فرانك ماريون راية حمراء متسائلاً عما إذا كان في مقدور هذه الشركة الصغيرة، التي كانت أنتجت عشرات الأفلام القصيرة وعدداً لا بأس به من الأفلام المتوسطة، الإستمرار في الوقت الذي بدأت فيها الشركات الأخرى انتاج أفلام طويلة٠ في العام 1919 تم تأجير الاستديوهات الى شركات أخرى وبيع الحقوق والمكتبة الى شركة فيتاغراف . آخر ستديو لكالم كان أسمه كليفسايد وهذا ابتاعته شركة أسمه أرتكو. في العام 1921 احترق الاستديو كاملاً وبذلك انتهت بقايا شركة كالِم باستثناء ما يمكن اكتشافه محفوظاً على ديسكات من أفلام قليلة٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular