Feb 26, 2009

Help for "Help" | Vittorio Storaro | A Brief History of Korean Cinema

ISSUE: 398



في هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قضية | منع الفيلم اللبناني »نجدة« من العرض في لبنان
يُثير ضجّة كبيرة بسبب مشاهده الجنسية وموقف المناوئين.
مقالتان حول الموضوع



.......................................................................
شخصيات | محمد رُضا يعلن إنه لا يستطيع الكتابة عن
مدير التصوير ڤيتوريو
ستورارو.... هل يمكن أن يكون
السبب أن جماليات الفنان بلا روح
؟


......................................................................
سينما من .... | التاريخ القريب للسينما الكورية يكشف
عن فن متعدد التوجّهات
ومثير للمعرفة خرج لتوّه من
حلقات البحث عن الذات الى تأكيده
| محمد رُضا



SECTION 1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قضية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصل الأفراد كما المؤسسات كما الدول الى الوقت الذي على كل واحد أن يقرر: نعم أو لا ٠
نعم للتقدّم او لا ٠
نعم للتقوقع او لا ٠
نعم او لا في كل إتجاه ٠
هل هناك خيار وسط؟
إذا كان خيار وسط من يقيسه ويقرره؟
الأمن العام اللبناني تدخّل قبل أيام وسحب ترخيصاً كان منحه لفيلم بعنوان »نجدة« (او »مساعدة« لأن العنوان الإنكليزي هو
(Help
وهو فيلم لبناني لشاب جديد إسمه مارك أبي راشد٠
الفيلم خارج عن المألوف لأنه يتحدّث عن عاهرة وشاذّين جنسياً في لقاءات حميمة. هناك عري ومشاهد جنسية وما إلى ذلك. الأمن العام اللبناني المخوّل له أمر الرقابة لم يسحبه الا من بعد أن ثارت على الفيلم ثائرة عدد من الصحافيين الذين هبّوا الى سلاح العفّة والأخلاق٠
لم أر الفيلم ولا أعرف إذا كان جيّداً أو لا. ولو شاهدته لانتقدته وحين يأتي ذكر المشاهد الجنسية أما أن أقول فيها أنها كانت في أماكنها الصحيحة ومعالجة فنيا ورقيقة او أن أقول أنها كانت مقحمة او بورنوغرافية ما يُعيب الفيلم. لكن حتى في هذا الإحتمال الثاني لن أثير الرأي العام والرقابة وأطلب تدخّل الأمن العام لكي يوقف عرض الفيلم٠
نعم للحرية او لا. نعم٠

تابعت المسألة عبر الصحف وأنقل هنا ما كتبه كل من الزميلين نديم جرجورة في »السفير« وهوڤيك حبشيان في »النهار« مع الأمل في أن يتم الآن او في المستقبل القريب معالجة مثل هذه الأوضاع بطرق أخرى غير المنع لأنه سلاح الضعيف ونأبى على أن يكون المجتمع اللبناني، او أي مجتمع عربي آخر، ضعيفاً٠

المقالان المنشوران يلقيان ضوءاً متجانساً على الفيلم وخلفيّته وموضوعه لكنهما أيضاً يثيران نقاطاً تصلح للتداول والحوار: هل نحن -شباب الأمس القريب او شباب اليوم- نستطيع أن نتحرر من هذه القيم التقليدية والمحافظة عبر تنظيم الرقابة فتتحوّل الى حافز عبر تحديد سنوات للداخلين الى أي فيلم (تماماً كالأفلام الأميركية مثلاً)؟ هل نحن راشدون فعلاً ونستطيع أن نعي ما نفعل او أننا لا زلنا بحاجة الى سنوات وعقود وبحاجة لمن يرشدنا ويُشير علينا كيف نفكّر وكيف نتصرّف وماذا نقول او نبدع؟

حرمان المُشاهد من سينما ذات مستوى ومضمون | نديم جرجورة


هناك خطأ ارتُكب بحق الفيلم اللبناني الجديد «النجدة« لمارك أبي راشد: إطلاق «نقاش أخلاقي»، بدلاً من التنبّه إلى الجانب السينمائي. والخطأ، إذ أساء إلى الفيلم ومخرجه الشاب والعاملين فيه، نتج من غياب القراءة النقدية السليمة له. فقد تناول زملاء صحافيون وإعلاميون هذا الجانب فقط، مبتعدين كلّياً عن مفردات النقد السينمائي والجماليات الإبداعية المتفرّقة. والنقد الجدّي، بغيابه غير المقصود عن إشاعة مناخ صحي في مقاربة العمل الأول لصاحبه، «اتُّهم» بالترويج السلبي في تقارير صحافية ذكرت أن نقّاداً هاجموا الفيلم، واعتبروه عملاً «وقحاً»، في حين أن صحافة فنية (بالمفهوم اللبناني/ العربي) وإعلاماً مرئياً مسؤولان عمّا حصل: سحب إجازة العرض الممنوحة له من دائرة الرقابة اللبنانية، وتنصُّل مسؤولين في وزارة الثقافة من «دعمه» المعنوي/ المالي (!) السابق، وعدم رغبة الموزّع في الدفاع عن حقّ الفيلم في التواصل مع الجمهور. في حين أن هذين الصحافة والإعلام اهتمّا بجانب أخلاقي متزمّت ضد الفيلم ومضمونه، بينما تردّد أن نزاعات سياسية/ مذهبية/ انتخابية أفضت إلى إلغاء عروضه التجارية٠

تكمن المشكلة الأولى في مهاجمة الفيلم انطلاقاً من المشهد الجنسي، ومن اختياره شخصيتي عاهرة ومثلي الجنس كركيزتين أساسيتين لمضمونه الدرامي. لم يشأ أصحاب الأخلاق الحميدة أن يُسلَّط الضوء على وقائع اجتماعية وإنسانية حيّة وموجودة في صلب المجتمع اللبناني، لأن المرض الفكري والثقافي والتربوي متفشّ بقوّة في جسد هذا المجتمع وروحه. ببساطة شديدة، يُمكن القول إن رفض مهاجمي الفيلم لهاتين الشخصيتين نابعٌ من تزمّت أخلاقي/ اجتماعي ضاغط، بقوّة، على المجتمع وناسه؛ في حين أن الغرف المغلقة تشهد فساداً عنيفاً في شتّى أمور العيش اليومي في هذا البلد الموبوء بألف أزمة ومأزق. ببساطة أشدّ، يُمكن القول إن المنطق الأخلاقي في مناقشة الفيلم أمرٌ مرفوضٌ، لأن الفيلم مشغول بحرفية فنية وجمالية ودرامية جيّدة ومتماسكة إلى حدّ بعيد، ولأن النصّ السينمائي طالعٌ من داخل البيئة الحياتية والتربوية والاجتماعية اللبنانية، ولأن شخصيتي العاهرة والمثلي الجنس إنسانان مقيمان في حياتنا اليومية، ولا يحقّ لأحد التغاضي عن إنسانيتهما ووجودهما، ولا يجوز عدم احترامهما، إطلاقاً٠

هناك مشكلة ثانية: قول البعض (صحافيين/ إعلاميين، عاملين في الحقل السينمائي، أناس عاديبن...) إنه "لا يسمح لأولاده بمشاهدة هذا الفيلم"، على الرغم من أن معظم رافضيه لم يُشاهدوه كاملاً، بل بنوا رفضهم على ما سمعوه في الإعلام المرئي، أو ما قرأوه في الصحافة. فهل الأفلام كلّها صالحة للمُشاهدة من قبل الجميع؟ وهل الأعمال الفنية والأدبية كلّها موجّهة للأعمار كلّها؟ ألا يعتمد الغرب (العلماني، الديموقراطي، المنفتح، العصري) مبدأ الأعمار، فيمنع من هم دون عمر محدّد من مشاهدة هذا الفيلم أو تلك المسرحية مثلاً، تماماً كما تفعل إدارات المحطّات التلفزيونية الغربية، التي تتحمّل مسؤولية ما تبثّه شاشاتها الصغيرة، بالتوافق والتكامل مع مسؤولية الأهل والمجتمع وقوانين التربية اليومية؟ ألا يُمكن تطبيق هذا المبدأ في العروض السينمائية التجارية؟ وبالتالي، أليس الفساد المتنوّع (في الغالبية الساحقة من السياسة والثقافة والإعلام والاقتصاد والتربية والعلاقات والحياة اليومية) منتشرا بقوّة في الأروقة المعتمة للنظام الطائفي اللبناني هذا؟ وهل المنع قادرٌ على إلغاء الحقائق والوقائع الموجودة فعلياً؟ والمشهد الجنسي نفسه، هل هو مُسقط على الفيلم من خارج المجتمعات الإنسانية/ البشرية والحيوانية أيضاً، أم جزء أساسي من حياة البشر والحيوانات؟ هل هو فعل فاضحٌ إذا صُوّر سينمائياً، بينما يبقى فعلاً مقبولاً به إذا مورس في الخفاء؟ أليس المشهد الجنسي هذا أحد الوجوه الأساسية والمهمّة في السياق الدرامي لفيلم لم يُشاهده معظم مهاجميه ومروّجي رفضه؟

قيل كلامٌ شبيهٌ بهذا إثر صدور العدد الأول من مجلة «جسد»، لأن المجلة «كسرت» شيئاً مهمّاً من المحرّم الجنسي، بتوغّلها في شؤون الجسد، ثقافة وتعاطياً وفكراً وجمالاً. والدليل على هذا: لم يُناقش العدد المذكور نقدياً، ولم تُنشر كتابات جدّية «تتحاور» و»تتواصل» مع المواضيع المنشورة فيه ومع كتّابها؛ بل هوجمت المجلة قبل صدورها وبعده، من منطلقات «أخلاقية» بائسة فقط. في المقابل، فإن عدم السماح لمن هم دون عمر محدّد من مشاهدة فيلم أو قراءة مجلة أو متابعة برنامج تلفزيوني يبقى المبدأ الأسلم وسط الانهيارات الجمّة التي يُعانيها لبنان واللبنانيون، في ظلّ النزاعات الخطرة المقيمة بينهم منذ دهور؛ بينما يؤدّي منع الرقابات المتزمّتة والمتفرّقة إلى مزيد من تشويه المجتمع وناسه، ومن إدامة العصر الظلامي والجهل والعزلة.
سينما
لا يعالج فيلم مارك أبي راشد أموراً غريبة أو منزلة من فضاء مهجور، لأنه توغّل في متاهة العيش اللبناني، وعاين مواقع حياتية جديرة بالاهتمام والمتابعة، بعين سينمائية بحتة. فالعاهرة والمثلي الجنسي شخصيتان حقيقيتان، سواء تشدّق الأغيار على الأخلاق الحميدة بتمسّكهم (الملتبس) بهذه الأخلاق، أم لا. وهما شخصيتان تعيشان ظروفاً صعبة وقاسية، لأن المجتمع اللبناني يعاني أمراضاً جمّة تحول دون تطوّره، بل تمنعه من الخروج النهائي من ورطة النظام المتحكّم بشؤون الناس في حياتهم ومماتهم؛ تماماً كبقية شخصيات الفيلم (الصبي الفقير، رجل الأعمال الثري، سائق سيارة الأجرة، شباب يسهرون ويرقصون ويشربون الخمر ويتعاطون المخدرات ويمارسون الجنس). والفيلم، إذ أمعن النظر في تفاصيل الحياة اليومية لهاتين الشخصيتين، ولشخصيات أخرى غارقة في الفقر والألم والتمزّق والعيش على تخوم اللعبة الخطرة للقدر، بدا جميلاً في رسمه الملامح الإنسانية والمعالم الاجتماعية، من دون زيف اجتماعي أو ادّعاء ثقافي أو تصنّع فني. والنصّ السينمائي، إذ لامس حقائق ووقائع معيشة ومعروفة (وإن تمّ التغاضي عن غالبيتها في التداول الثقافي/ الفني، بسبب طغيان القوانين الاجتماعية والقواعد الرقابية في النظام الطائفي المترهّل)، شكّل من صُوَره ومساره الدرامي وتوليفه وألوانه وفضائه الإنساني شهادة بصرية جادّة ومهمّة، تُضاف إلى لائحة الأفلام اللبنانية القليلة التي يسعى صانعوها، من خلالها، إلى كسر الحصار القائم على المجتمع والناس، وإلى مقارعة المحرّمات، بالتزام واضح وجدّي بالفن السينمائي وبقواعده الجمالية والفكرية والفنية والتقنية. إنه إضافة نوعية للسينما اللبنانية الجديدة، لأنه اختار، بإنتاجه القليل وأدواته التقنية المتواضعة، أن يكون انعكاساً لبعض ما يعتمل في قلب المجتمع اللبناني، من دون خطابية أو ثرثرة بصرية أو كلامية. فهو يروي، باختصار، قصّة عاهرة مهدّدة بالقتل من رجل أعمال ثري، يعاني ألماً داخلياً جرّاء مقتل ابنه أمام عينيه في حادث سير. تلتقي العاهرة، التي ترتبط بعلاقة صداقة بمثلي الجنس، صبياً فقيراً يعيش وحيداً ومتشرّداً؛ في حين أن الصدفة تجمع رجل الأعمال هذا بسائق سيارة أجرة، يكتشف أن شبهاً بينهما كبيرٌ للغاية. حكايات من قلب المجتمع، وتفاصيل مشغولة في مشاهد صامتة غالباً، وملامح وجوه تسرد القصص بجمالية أكبر من أي كلام أو حوار، ومسار درامي يعكس قوّة القدر والصدف في تلاعبهما بالناس وبمصائرهم٠
هناك تفاصيل درامية مهمّة في السياق العام للحبكة. هناك اشتغال تقني جميل، محتاج إلى بعض التشذيب الفني، كي تكتمل الصورة البهيّة للعمل، خصوصاً أن طريقة التصوير وبناء الشخصيات وكتابة القصّة وإدارة الممثلين غير المحترفين أساساً، وبالتالي بنية التمثيل بحدّ ذاتها؛ أمور مشغولة بحرفية واضحة. وإذا بدت الموسيقى طاغية بشكل نافر، في أحيان عدّة، فإن المشاهد الليلية محكمة البناء والتصوير، والتفاصيل اليومية تظهر على الشاشة من دون تصنّع أو مباشرة، بل بمواربة فنية جميلة. لهذا كلّه، يُفترض بفيلم مارك أبي راشد أن يُعرض كاملاً في الصالات اللبنانية، وأن تواكبه قراءات نقدية سوية ومتحرّرة كلّياً من أي خطاب أخلاقي مرفوض، أصلاً، في مناقشة الأعمال الفنية كلّها (على الأقلّ)٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ســيــنــمــا الــوشـــايــة يــرجــمــونــهـــا بـالــحــجـــار | هوڤيك حبشيان


بهذا الفيلم لمارك أبي راشد، يخرج ما يُعرَف بالسينما اللبنانية، الى حدّ ما، من الغيبوبة التي سقطت ضحيتها فيلماً بعد فيلم. بعد "البوسطة" و"سكر بنات"، اللذين ندرك تمام الإدراك انهما ينتميان الى نوع ثانٍ من السينما، ها نحن أمام تجربة جديدة ومختلفة، تناقض في اطروحاتها ما استنتجه الفيلمان المذكوران عن جزء من المجتمع اللبناني، بخطابين يلتقيان في مكان ما، وكانا قريبين الى درجة كبيرة من الخطاب الرسمي العام، والدليل ان أحداً لم يزعل منهما بل رُفعا على الراحات، وأظهرا لبنان مكاناً يحلو فيه العيش، على رغم كل الأزمات التي كان عرضة لها. فيلم أبي راشد ليس من النوع الذي يرضي وزارتي الثقافة والسياحة، وهذا شيء ايجابي. من السياحة فيه لا شيء، ومن الثقافة (والوشاية) فيه ما يكفي ليُغضب المسؤولين الذين منحوه "قرشين" كمساهمة في انجازه، ثم ابتعدوا عنه قدر المستطاع. الشريط هو باكورة سينمائي شاب، عاشق لأفلام روي أندرسون ووودي آلن (يقول عن الأخير: حين يطعن بسكين في ظهره، يصبح المشهد هزلياً ومأسوياً في الحين نفسه)، كان لا بدّ أن يأتي عاجلاً أو آجلاً، ومجيئه ضروري ويشير الى الكثير، منه أن سينما البلدان المتخلفة والنامية لا يسعفها واقع أن تكون أحادية الجانب ودائماً في يد "المحظوظين" ممن ينتزعون التمويل من الشركات الأجنبية. ولا يسعفها أيضاً أن تبقى رهينة لنزوات المنتجين الفرنسيين. الفيلم كان يجب أن يكون، أقله ليكذّب هذين الفيلمين، ويقول أشياء في الواقع اللبناني غابت عن بال الأفلام الأخرى التي انجزت بدءاً من النهاية المزعومة للحرب الأهلية٠

السينما بركان يصب غضبه على المُشاهد. والمتعة التي يشعر بها السينيفيلي الحقيقي كثيراً ما يكون مصدرها الانزعاج جراء متابعة فيلم لا تسلية فيه. ولعل الاستقبال السيئ الذي حظي به الفيلم، في بلد صغير وعقليات ضيقة، يؤكد ما قاله مراراً وتكراراً برهان علوية عن الجمهور اللبناني في انه لا يحبذ أن تنعكس صورته على الشاشة. "هَلْب" لا يفعل الاّ أن يضع الفاعل والمفعول به وجهاً لوجه. اذاً هناك مواجهة معلنة، وعداء وضغينة، وما من ظاهرة أكثر صحية من هذا كله في السينما. واذا رأينا هؤلاء المهمشين الذين يصوّرهم أبي راشد في فيلمه، قد همّشوا الى أقصى درجات التهميش، فذلك لأن هناك من بين المشاهدين، واحدا أو إثنين أو أكثر، ممن ساهموا في تهميشهم. لكن لا أحد (لنقلْ قلة) يريد أن يلتفت اليهم أو يستمع الى خبرياتهم. الكل بريء من جريمة أن يهمّش البعض في مجتمع ينادي بالتنوع ويدّعي العفة والطهارة. الفيلم يفضح جزءا كبيرا من هذه الاكذوبة الجماعية. لكن الفضيحة، الشيء الأعز الى قلب السينما، هي الأخرى مدانة!٠
أشياء كثيرة، جزء منها مكتوب وآخر مسموع، قيلت في هذا الفيلم، ومعظمها ينم عن جهل وتخلف وعدم معرفة بثقافة السينما، لا بالسينما فحسب. نحن في شباط 2009، ولا يزال يرد على بال البعض "بياع الخواتم" (يوسف شاهين ــ 1965)، عندما تُلفظ أمامهم كلمة "سينما لبنانية". في حين أن كثراً يناضلون، كلٌّ على طريقته، للقضاء على الرقابة اللبنانية، بعض من حملة الأقلام الرديئة يساهمون في أن ترفع الرقابة رأسها وتقول: "أرأيتم، هناك من يؤيدنا". حراس الأخلاق الحميدة يؤكدون بمنطقهم هذا أن الرقابة هي حقاً بدعة مجتمع لا بدعة سلطة وأن الرقابة الرسمية أكثر رحمة من رقابة الناس. بعض الكتابات تدمّر اليوم ما صنعته أيادي النقاد الكبار في هذا البلد، عاماً بعد عام، وما ناضل من أجله أمثال سمير نصري. وفي بلد مثل هذا، مزنر بالجهل والعفن والعنف، لا تستطيع ان تلقي اللوم على هؤلاء، فيما الناشر هو الذي يفترض فيه أن يتحمل مسؤولية ما يُنشر في مطبوعته. وعليه، من غير الطبيعي أن تكون الصحافة، بعدما كانت قدوة، قد وصلت الى هذه الحال من الانحطاط: "أولاد" يُسمح لهم بأن يكتبوا عن فيلم، ليقولوا مثلاً أن "الكادر يرتجف لأن الكاميرا محمولة على الكتف"، وأنا على يقين، لا بل أؤكد، أن صاحب جملة من هذا النوع لا يعرف ان "دوغما" لارس فون ترير موجود. وآخرون، على التلفزيون هذه المرة، يتوجهون الى المخرج بأكثر الأسئلة غباء وسذاجة في تاريخ الصحافة: "ألا تعتقد أن هذا الفيلم يسيء الى صورة المجتمع اللبناني؟". كأن المجتمع اللبناني أفضل من أي مجتمع آخر. وأنه مجتمع نموذجي لا شوائب فيه ولا غبار عليه. واذا مشينا بمنطق هؤلاء، فهذا يعني أن المجتمعات كلها شوِّهت صورتها من خلال السينما! نحن أمام حالة غريبة اذاً. نخجل أن نقول إن حالة بنجامين باتن لا شيء قياساً بهذه الحالة!٠

أياً يكن، أميل الى الاعتقاد أن الفيلم فضح خارج الشاشة أكثر مما فضح داخلها: الكل تبرأ منه، ما ان شاهدوا نهدين لممثلة شابة حتى صرخوا "يا للفضيحة والجرصة!"، بدءاً من جهات يفترض أنها تدعم الفيلم وصولاً الى أطراف آخرين اعتبروا أنفسهم "خُدعوا" وتورطوا في صناعة هذا "العمل المشين". نكتب ما نكتبه ونحن مصابون بالذهول، لأن الفيلم أعادنا سنوات الى الخلف. بعد ما سمعناه، هنا وهناك من كلمات تنم عن تخلف عميق لا شفاء منه، بتنا نخجل من مطالبة الرقابة بأن تذهب الى أمكنة أخرى. الحجة نفسها تنزل على رؤوسنا مع كل فيلم يفضح هذا المجتمع المريض ويعرّيه: "هذا ليس مجتمعنا... هذا ليس نحن... هؤلاء ليسوا أولادنا". هذا المستوى من التفكير، الذي يعالج ويستنتج ويحسم نيابة عن كل فرد، يذكّرنا ببعض النقاد في مصر ولا سيما الذين لا يزالون يناقشون ما اذا كان يجب أن يكون في السينما، 47 عاماً بعد رحيل ماريلين مونرو، اغراء أم لا. وقال لي أحدهم في معرض الحديث عن الفيلم: "لي بنات، ولن أسمح لهن بمشاهدة هذا الفيلم". وبمَ نرّد على هذا الكلام؟ ألا يكفي أن يكون الفيلم ممنوعاً لمن هم دون الثامنة عشرة؟ ولأن النقد أنزلق شيئاً فشيئاً في خانة الرأي، ولأن الرأي محصن بألف ذريعة وذريعة تعوق امكان المناقشة، فـ...
ماذا اذاً في هذا الفيلم الشيطاني الذي يغضب الى هذا الحدّ اللبناني المحافظ وكل من يصنف نفسه طاهراً ويعيش في بلد لا مثليين فيه ولا عاهرات ولا أولاد تأكل من القمامة؟
هنا بيت القصيد: هؤلاء المحافظون يريديون سينما على شاكلة أفكارهم، تكون انتقائية الطرح، تستر أكثر مما تعري. ذلك لأن الحالة تكبر وتزدهر حين تصل الى الشاشة الفضاحة. التعرية هي ما يفعله أبي راشد في فيلمه هذا عبر مجموعة شخصيات. هناك أولاً علي، صبي في الرابعة عشرة، ثمرة الفقر المدقع ولامبالاة الدولة ورعايتها لهذه الفئة. هناك أيضاً ثريّا (جوانا أندراوس)، عاملة الجنس التي تجني المال من خلال تأجير جسدها في مقابل خمسمئة دولار أميركي. هناك أيضاً جانو، ذو الميول الجنسية الواضحة. وهناك توأمان كبيرا السنّ يلتقيان، من ضمن لقاءات أخرى تجري في خلال الحوادث. هؤلاء نماذج عن اقصاء الأكثرية للاقليات٠
يولد هذا الفيلم من خلاصة اللقاءات بين هؤلاء، على طريقة الفيلم الكورس الذي راج في الغرب (ألتمان، ب. ت. أندرسون، أرجوكم أعفونا من المقارنات) الذي وصل أوجه مع "بابل" لايناريتو و"الهضبة المشتعلة" لأرياغا. وانتظروا من الفيلم أن يلد ثانية وثالثة، عند كل مفترق جديد، وكل لقاء في مدينة يسهل فيها ترتيب حوادث فيلم كورس لأن "الكل يعرف الكل". مع ذلك، فالحبكة بسيطة وهشة: أحد التوأمين لا ينطق الاّ بعبارة واحدة: "على ثريا أن تموت". ويريد أن يقتل ثريا لقصة غامضة لا يطلعنا النص الاّ على شذرات منها، رغبة منه في أن ينام الفيلم على هذا السر. أياً يكن، ليست الدوافع مهمة، بقدر ما هي النتيجة. على ثريا أن تموت لأنها ليست كمثيلاتها اللواتي لا نراهن في أي حال. نحن في قلب الواقع اللبناني: من لا يعجبك، تلغيه!
يمكننا أن نذهب الى أبعد في ذكر المراجع السينمائية التي يوحي بها الفيلم، لكن نخشى الوقوع في المغالاة. "هلب" لا شك انه يذكّر ـــ وأقول يذكّر ـــ برعونته وعفويته وحلوله التقنية (صوت غير مسموع أحياناً، كاميرا غير مضبوطة كلياً، خيارات أمكنة التصوير، نوعية الحوارات، نمط التمثيل، الخ)، بـ"الموجة الجديدة الفرنسية" والـ"فري سينما" الانكليزية. ولا يمكننا أن نرى في البيئة التي يصفها، وطريقة غوصه في أعماقها، الا امتداداً منطقياً لسينما "أندرغرواند" تحتاج الى أن تجد لها منبراً في لبنان، لأن ثمة عالما سفليا مهمشا تماماً، ساقطا عن السينما اللبنانية النظيفة٠
لم أقل الى الآن أن الفيلم تحفة. وهو ليس عملاً نهائياً أو طليعياً ينسف المعتقدات والمفاهيم (ونحن لا نزال في انتظار هذا الفيلم العجيب الذي سيفعل ذلك). بل ليس حتى فيلماً كاملاً متكاملاً من حيث الصيغة التقنية أو البنية السردية. أبي راشد ليس مارون بغدادي أو غسان سلهب. لكن لا يمكن أن نقطع الطريق عليه. وخصوصاً أنه يأتي من مكان آخر، من السينما المحمولة على الظهر التي تجرّب أمامنا، ولا تخشى من التهور على مرأى من المُشاهد. ولعل الفيلم محض محاولة للمضي في اتجاه غير مضمون. اتجاه لا يسلكه الجميع. ولا شكّ أن رجمه بالحجار يزيده أهمية. لأن وحدها الأشياء التي تحمل مبلغاً من الحقيقة تُشتَم لدى ظهورها الى العلن. أليس كذلك؟
لعل أهم ما يظهره الفيلم هو البيئة التي تجري فيها الحوادث ويخرج منها الشخوص. حسبي أن الحكاية برمتها ليست أكثر من حجة للغوص في هذه الجماعة، التي لها الحق في أن تكون. البيئة هي أهم ما في نظرة المخرج، اذ تتضمن الحركات الطبيعية لشخوصها، بلا تقليد سهل أو تجسيدية كاريكاتورية. وتبدو فكرة لامعة لجوء المخرج الى بعض الشخصيات التي هي فعلاً من هذا المحيط. في نظرته أيضاً شيء من هذا الغول الذي يخافه الجميع: الواقعية. يأتي أبي راشد من سينما مطلع الستينات، يسيطر عليه انبهار التسعينات لجهة اللجوء الى الحبكة المركبة والسقطة المخادعة. لكن تقطيعه، المتنقل مثلاً بين إثنين يتحدثان على الهاتف، ليس ستينياً على الاطلاق. وهذا ينسحب على إفراطه في استخدام الموسيقى التصويرية (أهو فرض ام خيار؟) التي تجعل لحظات الصمت شبه معدومة، واللقطات كأنها عائمة في الفراغ٠

استيتيكية الفيلم بلونيها المائلين الى الأزرق والأخضر، تمنح الصورة طابع "غلوك". يبرع المخرج في مشاهد العتمة أكثر مما يبرع في المشاهد الملتقطة نهاراً. أبجديته السينمائية لا تزال محدودة، تصل، في بعض الفصول، الى البدائية: نسمع أحدهم يقول عن الدعارة إنها مهنة "وسخة"، ثم نرى صاحبة الشأن تستحم! جوانا أندراوس تستعجل قليلاً في التمثيل والمشي، ملزمةً الفيلم ايقاعها الخاص المرتبك. أداؤها على الحافة، ظهورها الأول وهي تقود، تضخيم واسقاط، وكان يمكن أبي راشد ضبط تجاوزاتها المسرحية. على رغم ذلك، نحيي جرأتها في الدور، ومشهد المجامعة الثلاثية (هي وشابان) لا يصدم الاّ السذّج الذين لم يشاهدوا فيلماً ايروسياً واحداً في حياتهم. كادرات الفيلم ضيقة من باب عدم اهتمامه ببيروت وجماليات المدينة. شغله الشاغل هو الشخوص وكيفية مواجهتم الواقع اللبناني الذي لا رغبة له في استيعابهم. هناك بعض الهنات التقنية الخاصة بالفيلم الأول التي لا تنفك تطفو على السطح، وأهمها الوصلات الخاطئة للمونتاج والميكساج: عيار صوت الراديو في السيارة يبقى مرتفعاً عندما تنتقل الكاميرا من داخل السيارة الى خارجها. أياً يكن، فنحن ازاء سينما وشاية من نوع آخر. لا تتهكم ولا تشفق ولا تدين. روائية لكن وجعها وثائقي. تنقّب في بيئة لبنانية موازية لعلها تعثر على شيء. وتعود من المهمة سلّتها فارغة وحزينة، وفي قلبها حكاية من لا يحظون بمستمعين٠

SECTION 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شخصيات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيتوريو ستورارو‮ | ‬جمال بلا وجه؟ ‬


لست مخوّلاً‮ ‬ما فيه الكفاية للكتابة عن ڤيتوريو ستورارو‮. ‬ولا أرضى أن استوحي‮ ‬من‮ ‬مقالات الغير لا عنه ولا عن أي‮ ‬شخص آخر وأنسبها لنفسي‮. ‬وإذا لم أفعل وأشرت كل قليل الى أن هذا قال كذا،‮ ‬وذاك أعتقد كذا،‮ ‬فما فائدة الكتابة؟
لقد تحدّثت عن عدد من مدراء التصوير سابقاً‮. ‬وجدت أن لديّ‮ ‬الكثير لكي‮ ‬أسهم به وأتولى تحليله من وجهة نظر فردية تخصّني‮ ‬وتنتمي‮ ‬الى ما‮ ‬يجب على الناقد أن‮ ‬يعرفه‮٠ ‬لكن مع ڤيتوريو ستورارو لم أعرف كيف أبدأ‮٠‬
لقد أنجز حتى الآن‮ ‬55‮ ‬عملاً‮. ‬وعمل مراراً‮ ‬مع إثنين من مخرجي‮ ‬السينما الكبار وهما برناردو برتولوتشي‮ ‬وفرنسيس فورد كوبولا‮. ‬وعمل قبل ذلك وبعده مع عدد من الموهوبين الجيّدين الآخرين بينهم وورن بايتي‮ (‬أفلامه مخرجاً‮ ‬تكشف جانباً‮ ‬غير منظور كممثل‮) ‬ولكتابة موضوعي‮ ‬عنه أعدت مشاهدة عدد من الأفلام التي‮ ‬توفرت لي‮ ‬من‮ »‬المطيع‮« ‬و»لا لونا‮« ‬لبرتولوتشي‮ ‬الى‮ »‬واحد من القلب‮« ‬و»سفر الرؤيا‮ ... ‬الآن‮« ‬لفرنسيس فورد كوبولا مروراً‮ ‬بـ‮ »‬حمر‮« ‬و»دك ترايسي‮« ‬لوورن بايتي‮ ‬و»لادي‮ ‬هوك‮« ‬لرتشارد دونر و»أغاثا‮« ‬لمايكل أبتد وكنت أريد مشاهدة أفلام إيطالية له‮ ‬غير تلك المجموعة التي‮ ‬صوّرها لبرتولوتشي،‮ ‬لكن المتوفّر على اسطوانات من تلك الأفلام‮ ‬قليل والأقل هو المترجم الى الإنكليزية‮٠‬
كنت أعلم ما سأخرج به من إنطباع‮. ‬كل فيلم جلست وشاهدته كنت شاهدته أكثر من مرّة من قبل فوجدت نفسي‮ ‬أحياناً‮ ‬ما أتابع عناصر العمل الأخرى من سيناريو وإخراج وتوليف‮٠ ‬ليس لأن إدارة ستورارو‮ ‬غير لافتة بل‮ -‬وهذا ما خرجت به‮- ‬تؤلّف حياتها كشريك آخر لحياة الفيلم‮٠ ‬تستخرج مكوّناتها من طبيعة القصّة وطبيعة الفيلم‮. ‬هو في‮ ‬فيلم‮ »‬دِك ترايسي‮« ‬يزاوج المطلوب وهو مطلوب مختلف عن فيلم‮ »‬حمر‮« ‬ومطلوب مختلف عن فيلم‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮« ‬وهذا مطلوب مختلف عن‮ »‬واحد من القلب«‮٠‬
هل أعني‮ ‬بذلك أنه منفّذ؟ لا‮. ‬موهبته مبالغ‮ ‬فيها؟ لا‮٠ ‬
أعني‮ ‬أن تصويره مبدع لكنه بالنسبة إليّ‮ ‬يمر،‮ ‬كما‮ ‬يقولون بالإنكليزية،‮ ‬فوق الرأس‮. ‬لا‮ ‬يترك عندي‮ ‬سوى جمالياته على عكس تصوير من تناولتهم سابقاً‮ ‬في‮ ‬مقالات مختلفة مثل هاسكل وكسلر وغوردون ويليس والمصوّر المفضّل لدى إنغمار برغمان سڤن نكڤست‮ (‬مقالة كبيرة عنه في‮ ‬الطريق إليك)‮٠‬
هناك شعرت أني‮ ‬أستطيع المشاركة مع ذلك الوجدان الذي‮ ‬ألهبني‮. ‬هنا وجدت ما هو مرتسم على الشاشة رائع جمالياً‮ ‬ومناسب عضوياً،‮ ‬لكن ليس لدي‮ ‬ما أستخرجه منه وأضيفه الى علمي‮ ‬ومداركي‮ ‬وأتداوله معكم‮ . ‬لذلك أقول ربما لست مخوّلاً‮. ‬ربما لديه مفاتيح خفية لا أفهمها‮. ‬وإذا كنت مخطئاً‮ ‬في‮ ‬ذلك،‮ ‬فأن المسألة‮ ‬غالباً‮ ‬تكمن في‮ ‬أنه‮ ‬يمسح عن موهبته ما هو مؤلّف بذاته ويضع خامته وموهبته فيما هو جو الفيلم والمرغوب منه‮٠ ‬لذلك‮ ‬يستجيب لمعطيات مكان تصوير شمسي‮ ‬مثل لاس فيغاس في‮ ‬فيلم كوبولا‮ »‬واحد للقلب‮« ‬على نحو مختلف عن تصويره الطبيعي‮ ‬الداكن كأدغال فيليبين حين صوّر لكوبولا أيضاً‭ ‬‮»‬سفر الرؤيا‮... ‬الآن‮«. ‬طبعاً‮ ‬كل مدير تصوير كان لابد أن‮ ‬يمر بذات القدر من التغيير تبعاً‮ ‬للمكان‮. ‬لكن هل أنا على خطأ إذا اعتقدت أن معضم المخرجين الذين هم في‮ ‬مستوى ستورارو‮ ‬يستطيعون فرض منهج خاص رغم ذلك؟
إذا كان هناك منهجاً‮ ‬خاصّاً‮ ‬لستورارو ولم أدركه فالخطأ خطأي‮ ‬وأنا أعتذر،‮ ‬لكني‮ ‬لم أشعر بذلك حين شاهدت تلك الأفلام مجدداً‮ ‬بغاية كتابة الموضوع الذي‮ ‬وعدت به أكثر من مرّة‮. ‬على الأرجح‮ -‬في‮ ‬هذه الحالة‮- ‬أن تلك الأعمال لا زالت تزخر بأهميات تتعدى أهمية التصوير وحده المنضوي،‮ ‬كما ذكرت،‮ ‬ضمنها وليس ناتئاً‮ ‬عنها‮٠‬


SECTION 3
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سينما من‮ ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السينما الكورية تكتشف وجهاً‮ ‬جديداً‮ ‬بعيداً‮ ‬عن متاهات البحث عن الهوية‮ | محمد رُضا٠


في‮ ‬العام ‮٨٨٩١ ‬تم رفع الحظر عن الأفلام الأميركية بعدما كانت الحكومة الكورية منعت انتشارها على أساس أنها تهدد الإنتاج المحلي‮. ‬في‮ ‬ذلك التاريخ قام لفيف من المنتجين السينمائيين في‮ ‬مقاطعة تشونغمورو بإرسال تحذير للصالات التي‮ ‬ستعرض أول طلائع الأفلام الأميركية بعد رفع الحظر‮ (‬وكان‮ »‬جاذبية قاتلة‮« ‬لأدريان لاين‮)‬‭ ‬‮ ‬مفاده أن ثعابين فتّاكة سوف‮ ‬يتم إطلاقها في‮ ‬الصالات التي‮ ‬ستقدم على عرض هذا الفيلم‮.‬
طبعاً‮ ‬الفيلم عُرض والصالات أخذت المخاطرة ومن حينها والسينما الأميركية تتولى تسجيل قصب السبق لا في‮ ‬كوريا الجنوبية وحدها،‮ ‬بل في‮ ‬معظم أنحاء منطقة جنوب شرق آسيا والعالم،‮ ‬حيث تصل نسبة المعروض الأميركي‮ ‬من الأفلام حول العالم الى ‮٥٨ ‬بالمئة،‮ ‬نسبة لأن العديد من الأسواق الكبيرة،‮ ‬مثل أسواق أوروبا الشرقية والعديد من الأسواق العربية والأسيوية،‮ ‬ليس لديها نسبة مرتفعة من الإنتاجات المحلية تواجه به الغزو الهوليوودي‮.‬
لعشر سنوات عانت السينما الكورية من جرّاء هذه المنافسة،‮ ‬وتبدّى ذلك بضمور نجاحات أفلامها محلياً‮ ‬بالقياس مع نجاحات الأفلام الأميركية،‮ ‬كما بعدم وجود أي‮ ‬قدر ملموس من الأفلام الفنية في‮ ‬المهرجانات العالمية‮. ‬لكن الأحوال بدأت تتبدّل من العام ‮٨٩٩١ ‬وخلال السنوات السبع الماضية بدا واضحاً‮ ‬حجم هذا التبدّل‮. ‬ليس فقط السينما الكورية بدأت تشهد نجاحات مطلقة في‮ ‬أسواقها المحلية وفي‮ ‬محيطها القريب،‮ ‬بل ازدادت عدد الأفلام المعروضة لها عالمياً‮ ‬ومن خلال المهرجانات الدولية‮. ‬وإذا كانت السينما اليابانية هي‮ ‬التي‮ ‬سادت الفترة الممتدة من العام ‮٠٩٩١ ‬الى العام ‮٨٩٩١ (‬او نحوه‮) ‬وإذا كانت السينما الإيرانية خلبت الأنظار وحققت عشرات الجوائز العالمية من العام ‮٧٩٩١ ‬الى ‮٣٠٠٢ ‬قبل أن‮ ‬يبدأ الإعجاب بها‮ ‬يستوي‮ ‬على وضع هاديء في‮ ‬العامين الأخيرين،‮ ‬فإن السينما الكورية‮ (‬الجنوبية‮) ‬هي‮ ‬التي‮ ‬استحوذت في‮ ‬السنوات الخمس الأخيرة على الساحة التي‮ ‬خلفتها السينما اليابانية وراءها،‮ ‬وهي‮ ‬اليوم السينما الأكثر طلباً‮ ‬من المهرجانات الباحثة عن الجديد والجيّد‮. ‬وجهان لعملة لا حياة لسينما فنياً‮ ‬وصناعياً‮ ‬من دونهما‮.‬

تاريخ
المؤرخون الكوريون‮ ‬يجمعون على أن السينما الكورية الجنوبية شهدت إزدهارها الأول مباشرة بعد الحرب الكورية‮- ‬الكورية التي‮ ‬إمتدت من العام ‮٠٥٩١ ‬الى العام ‮٣٥٩١ ‬والتي‮ ‬تعرّضت إليها نتائجها العديد من الأفلام لاحقاً‮ ‬وحتى اليوم‮- ‬كما سيمر معنا‮. ‬ولم تكن الحرب الأهلية هي‮ ‬الوحيدة التي‮ ‬عانت كوريا منها،‮ ‬فتلك الحرب وقعت بعد حرب تحرير خاضتها كوريا خلال الحرب العالمية الثانية في‮ ‬سعيها للخلاص من الإحتلال الياباني‮. ‬ومثل الحرب الأهلية،‮ ‬تعرّضت الكثير من الأفلام الكورية لتلك الفترة والشعور الحذر من اليابان والنظرة‮ ‬غير الودودة تجاه اليابانيين حالة سائدة بين من قابلهم هذا الناقد من سينمائيين وأصدقاء،‮ ‬كذلك مُعبّر عنه في‮ ‬العديد من الإنتاجات السينمائية خلال العقود الماضية‮.‬
من الكنوز المنسية هذه الأيام،‮ ‬والتي‮ ‬أعاد مهرجان هونغ‮ ‬كونغ‮ ‬في‮ ‬العام ‮٢٠٠٢ ‬فتحها عبر إحتفائه بالسينما الكورية بعرض إثني‮ ‬عشر فيلماً‮ ‬من إنتاجاتها بينها ستة أفلام من إنتاج الخمسينات والستينات‮. ‬ثلاثة منها من بطولة شخصيات نسائية هي‮ »‬المرأة الحرة‮« ‬لهان هيونغ‮- ‬مو‮« (٦٥٩١) ‬و»الخادمة‮« ‬لكيم كي‮-‬يونغ‮ (٠٦٩١ ‬و»الضيف وأمي‮« ‬لشين سانغ‮-‬أوك‮ (١٦٩١). ‬الأفلام الثلاثة تدرس ثلاث حالات مختلفة كل منها تعبير عاطفي‮ ‬عن إمرأة في‮ ‬مأزق‮. ‬
في‮ »‬المرأة الحرّة‮« ‬نجد عملاً‮ ‬من تلك السبّاقة في‮ ‬مهام البحث عن هوية خاصة لما هو كوري‮ ‬بعد حربين منهكتين‮. ‬في‮ ‬ذلك الفيلم هناك تلك المرأة التي‮ ‬تعيش حياتها على نمط‮ ‬غربي‮. ‬تحب كل ما هو مستورد من الغرب سواء أكان سلوكاً‮ ‬وترفيهاً‮ ‬او أغاني‮ ‬وأزياء‮. ‬منوال حياتها ذاك‮ ‬يعرّضها لأزمة عاطفية عندما ترضى بمعاشرة رجل متزوّج ما‮ ‬يهدد حياته العائلية بالإنهيار‮. ‬قبل نصف ساعة تقريباً‮ ‬من نهاية الفيلم تتعرّض الى‭ ‬صفعة من زوجة ذلك الرجل تعيدها الى رشدها،‮ ‬وبالتالي‮ ‬الى إستقرار لم تشعر به من قبل‮. ‬تودّع المؤثرات الغربية التي‮ ‬عاصرتها‮ ‬وتنضوي‮ ‬تحت تقاليد الثقافة الكورية وهويّتها التي‮ ‬كانت أهملتها‮.‬
‮»‬الخادمة‮« ‬فيه رحيق من‮ »‬الخادم‮« (‬جوزف لوزاي‮- ٣٦٩١) ‬او‮ -‬تبعاً‮ ‬لحقيقة أن هذا الفيلم الكوري‮ ‬أنتج قبل مماثله البريطاني‮ ‬بثلاثة‭ ‬أعوام،‮ ‬فيلم جوزف لوزاي‮ ‬هو الذي‮ ‬فيه رحيق من‮ »‬الخادمة‮«. ‬فهناك تشابه في‮ ‬الفكرة القائمة على سيطرة الخادمة‮/ ‬الخادم على مقدّرات الأمور في‮ ‬بيت اعتقد صاحبه إنه ملكه وتحت سيادته‮. ‬هنا تنتهي‮ ‬التشابهات‮. ‬في‮ ‬الفيلم الكوري‮ ‬يعرض المخرج‮ ‬كيم كي‮- ‬يونغ‮ ‬قصة خادمة تستولي‮ ‬على مقدّرات المنزل البرجوازي‮ ‬بمجرد أن تُتاح لها الفرصة،‮ ‬والفرصة أتيحت حينما فقد رجل البيت سيطرته على العائلة تبعاً‮ ‬لشعوره بالهزيمة إجتماعياً‮. ‬دوره الذكوري‮ ‬في‮ ‬البيت لم‮ ‬يعد سائداً،‮ ‬زوجته هي‮ ‬التي‮ ‬تحقق المدخول الأعلى بينهما وهو،‮ ‬علاوة على ذلك،‮ ‬يجد في‮ ‬الخادمة ملجأ عاطفياً‮ ‬تستغله لأجل الوصول الى المركز الذي‮ ‬تطمح إليه‮. ‬في‮ »‬الخادمة‮« ‬كلاهما،‮ ‬الخادمة والزوج مدان،‮ ‬لكن التركيز على الخادمة التي‮ ‬تشبه‮ -‬الى حد‮- ‬بطلة‮ »‬المرأة الحرّة‮« ‬حيث تقود خطواتها في‮ ‬الحياة الى فقدانها الصلة بالرحم الثقافي‮ ‬والأرثي‮ ‬للمجتمع الكوري‮.‬
يختلف الوضع كثيراً‮ ‬في‮ ‬فيلم‮ »‬الضيف وأمي‮« ‬لشين سانغ‮- ‬أوك فهو حول تلك الأرملة‮ (‬تؤديها نجمة كورية تألقت خلال تلك الفترة أسمها تشو أون-هوي‮) ‬التي‮ ‬عليها أن تختار بين البقاء أمينة لذكرى زوجها الراحل او أن تستجيب لعواطف مستأجر‮ ‬يشغل إحد الغرف ويبث عواطفه نحوها عبر إبنتها‮. ‬أريد أن أذكر هنا أن المخرج شين كان أحد أكثر السينمائيين الكوريين‮ ‬غزارة في‮ ‬الإنتاج وذلك من العام ‮٢٥٩١ ‬عندما أخرج أول أفلامه‮ »‬ليل شرير‮«. ‬في‮ ‬أواخر السبعينات طلب اللجوء السياسي‮ ‬الى الولايات المتحدة بعدما تعذّر عليه العودة الى كوريا الجنوبية مدّعياً‮ ‬أنه اختطف وزوجته الى كوريا الشمالية حيث طلب منه كيم إيل سونغ‮ ‬إنجاز فيلم عن إبنه كيم‮ ‬يونغ‮ ‬الثاني‮. ‬بعد ذلك استقر المخرج الياباني‮ ‬في‮ ‬هوليوود مستخدما إسم سايمون س‮. ‬شين ومنجزاً‮ ‬أفلاماً‮ ‬عدة كمنتج ومخرج آخرها‮ »‬صرخات صامتة‮« (٨٩٩١). ‬لكن المخرج عاد الى إطار السينما الكورية أكثر من مرة خلال السنوات الخمسة عشر الماضية وفي‮ ‬العام ‮٢٠٠٢ ‬أخرج واحداً‮ ‬من أفضل ما شوهد مطبوعاً‮ ‬على سيليلويد في‮ ‬إطار تلك السينما وهو‮ »‬تشونيانغ‮« ‬
Chunhyang
‬قصة مفرطة في‮ ‬جمال مناظرها وألوانها حول حب بين إمرأة ورجل حسابات الإمبراطور،‮ ‬في‮ ‬زمن‮ ‬غابر،‮ ‬حافظت فيه المرأة على وعدها لزوجها بإنتظاره بعدما تم‭ ‬إرساله الى أقاصي‮ ‬الأرض الكورية لكي‮ ‬يخلو الأمر لأحد الأعيان التقرب الى تلك المرأة‮. ‬ككل الحكايات التراثية،‮ ‬هناك قدر كبير من الميثالوجيا والمأساة ممتزجان ومنحدران من كل الآداب والثقافات العالمية الماضية‮. ‬هنا تتمتع بمساحة كبيرة‮ ‬يعبّر فيها المخرج عن حبّه وأبطاله للأخلاقيات والمباديء‮. ‬كل ذلك مروي‮ ‬بلسان حكواتي‮ ‬يقف على المسرح‮ ‬يغني‮ ‬حكايته‮. ‬في‮ ‬البداية تعتقد إنه جزء من تاريخه،‮ ‬ثم حين تتكشف الكاميرا عنه قليلاً‮ ‬في‮ ‬كل مرة تستطيع أن تكتشف إنه في‮ ‬الزمن الحالي‮ ‬يسرد علينا،‮ ‬كالمخرج،‮ ‬قصة من الزمن الغابر‮.‬

‮ ‬الواقعية الكورية
في‮ ‬الستينات بان تقارب بين السينما الواقعية الجديدة التي‮ ‬أسسها مخرجون إيطاليون أمّوا السينما في‮ ‬أواخر الأربعينات،‮ ‬مثل روبرتو روسيلليني‮ ‬وفيتوريو دي‮ ‬سيكا ولوكينو فيسكونتي،‮ ‬وبين بعض السينمائيين الكوريين الذين تأثروا بأترابهم الإيطاليين بعدما كان عليهم الإنتظار سنوات قبل أن‮ ‬يشاهدوا أفلام هؤلاء في‮ ‬صالاتهم المتخصصة‮. ‬والمثير للملاحظة أن الواقعية الجديدة في‮ ‬إيطاليا نشأت بعد الحرب مباشرة،‮ ‬كذلك فعلت مثيلتها ولو على بعد أطول قليلاً‮. ‬في‮ ‬السعام ‮٦٥٩١‬،‮ ‬ثلاث سنوات بعد الحرب،‮ ‬أعتبر أسلوب‮ »‬المرأة المتحررة‮« ‬واقعياً‮. ‬لكن فيلم‮ »‬المدرّبة‮« ‬لكانغ‮ ‬تاي‮-‬يين أعتبر وفيلم‮ »‬رصاصة طائشة‮« ‬ليو هيووِن‮- ‬موك،‮ ‬الوريثان الأولان للواقعية الإيطالية الجديدة‮. ‬أحدهما‮ (»‬رجل الكنبة‮«) ‬كان ترجمة سوداء‮- ‬بيضاء لأسلوب دي‮ ‬سيكا في‮ »‬سارق الدراجة‮« (٨٤٩١)‬،‮ ‬الفيلم الأشهر بين أعمال السينما الإيطالية الواقعية الجديدة‮. ‬
‮»‬رصاصة طائشة‮« ‬على الأخص‮ ‬يقف بارزاً‮ ‬بين الأعمال الكورية الأولى على أساس إنه‮ ‬يبحث في‮ ‬نتائج الحرب مباشرة بعد نهايتها‮. ‬بطله إنسام معدم هرب من شمالي‮ ‬كوريا واستقر في‮ ‬سيوول‮. ‬موظف‮ ‬يشكو دائماً‮ ‬من ألم ضرسه‮ (‬الذي‮ ‬يحمل مجازاً‮ ‬لآلام الوجود بأسره‮) ‬لكنه ليس الألم الوحيد‮. ‬لقد فقد زوجته خلال طرحها،‮ ‬وإبنته فتحت ماخواً‮ ‬للجنود الأميركيين ووالدته مجنونة،‮ ‬بسبب الحرب،‮ ‬أما أخيه فيسرق مصرفاً‮ ‬لكي‮ ‬يردم مساحته من الفقر‮. ‬كل شيء سوداوي‮ ‬وداكن لكنه معبّر عن الحالة التي‮ ‬تمر بها شخصيات الفيلم حيث لا أمل والأحلام معدومة بإستثناء حلم صغير لإبنة بطل الفيلم بحذاء جديد‮.‬
والوضع المتعثّر إجتماعياً،‮ ‬والبحث في‮ ‬الفوارق بين الطبقات،‮ ‬موجود في‮ ‬أفلام عدة خلال الستينات،‮ ‬واقعية كانت أم لا‮. ‬الى جانب‮ »‬رصاصة طائشة‮«‬،‮ ‬نجد‮ »‬المدرّبة‮« ‬شريك في‮ ‬الهم الإجتماعي‮. ‬كذلك‮ »‬فتيات الصيدلي‮ ‬كيم‮« ‬ليو هيون-موك حيث العائلتان في‮ ‬صدارة هذين الفيلمين تعانيان من جراء مشقة تحقيق خطوات الحفاظ على القليل الذي‮ ‬تملكه‮. ‬كلاهما أيضا نقديان لما رآه المخرجان من أوجاع إجتماعية واقتصادية تنوء تحت ثقلها الحياة‮- ‬او حياة شخصيات الفيلمين على الأقل‮.‬
في‮ ‬السبعينات بدأت فترة جديدة تبعاً‮ ‬للتحوّلات التي‮ ‬كانت كوريا أخذت تخطوها في‮ ‬ذلك الحين‮. ‬كانت البلاد جميعاً‮ ‬في‮ ‬طور تحوّل من التقاليد الى العصرنة ومن التراثيات الإجتماعية الى قدر كبير من الإنفتاح على الغرب‮. ‬وبضعة أفلام عبّرت عن هذا التحوّل ربما كان‮ »‬الطريق الى سامبو‮« [‬إخراج‮ ‬يي‮ ‬مانهوي‮- ٥٧٩١] ‬أولها‮. ‬إنه‮ »‬فيلم طريق‮« حول رجلين‮ ‬يقطعان مسافات بين القرى والمدن الكورية مطّلعان على المتغيرات الحادثة بسبب التحوّلات الصناعية والعصرية المطروحة آنذاك بنتائج ملموسة‮. ‬
هذا الفيلم كان أحد الأفلام القليلة الجيدة التي‮ ‬خرجت لا حول هذا الموضوع فحسب بل من إطار السينما الكورية بأسرها‮. ‬ففي‮ ‬العام ‮٣٧٩١ ‬تم إنشاء جهاز حكومي‮ ‬للنظر في‮ ‬شؤون الصناعة السينمائية التي‮ ‬كانت وصلت الى حضيض في‮ ‬نهاية الستينات ومطلع السبعينات‮. »‬تعاونية ترويج الأفلام‮«‬،‮ ‬كما كان أسمه حاول الحد من التدهور الناتج في‮ ‬مستوى الصناعة السينمائية،‮ ‬لكن آثار تلك المحاولة لم تكن حتمية‮. ‬ولا‮ ‬يجد السينمائيون الكوريون الذين تحدّثت إليهم في‮ ‬هذا الشأن‮ (‬ومن بينهم المنتج ميونغ‮ ‬تشاي‮ ‬شوي‮) ‬علاقة حقيقية بين هذا الجهاز وبين إعادة الإنتعاش الذي‮ ‬أصاب السينما الكورية في‮ ‬التسعينات والذي‮ ‬لا‮ ‬يزال واقعاً‮ ‬الى اليوم‮.‬

OLD BOY
‮ ‬ ‮ ‬الأزمة
السينما الواقعية في‮ ‬كوريا لم تعش طويلاً‮. ‬الثمانينات حين تبلورت صوب سينما جديدة ذات زخم تجاري‮ ‬وفني‮ ‬حفلت بتنوّعات عديدة بعضها‮ -‬مثل الأفلام الإثارية‮- ‬تجاري‮ ‬بحت،‮ ‬لكن بعضها جال في‮ ‬فانتازيا الأمس البعيد‮ (‬طريقة هونغ‮ ‬كونغ‮ ‬واليابان‮) ‬وبعضها الآخر عاد الى قصص الحرب‮ ‬يرويها والى الهوية الكورية‮ ‬يبحث فيها بإتجاهات ومدارس أكثر تنوّعاً‮. ‬الى المخرج إم كوون-تايك‮ ‬يعود فضل أكيد في‮ ‬إخراج السينما الكورية من سباتها‮. ‬في‮ ‬العام ‮٤٩٩١ ‬عرض هذا المخرج المخضرم فيلما بعنوان‮ »‬سوبيونجي‮« ‬والكلمة تطلق على نوع من الأغاني‮ ‬التراثية الحزينة التي‮ ‬تميّزت بها بعض أنحاء البلاد‮ (‬تحديداً‮ ‬جنوب‮ ‬غربي‮ ‬كوريا‮). ‬
‮»‬سوبيونجي‮« ‬مهم على أكثر من نحو‮.‬

إم كوون-تايك

إنه الفيلم الذي‮ ‬أيقظ السينما الكورية من سباتها محققاً‮ ‬نجاحاً‮ ‬تجارياً‮ ‬فائقا‮ (‬تقول الأسطورة إنه عرض كفيلم ثانوي‮ ‬في‮ ‬صالة واحدة،‮ ‬لكن الجميع‮ - ‬وأولهم صانعوه‮- ‬فوجئوا بالإقبال الكثيف عليه حيث استمر عرضه في‮ ‬تلك الصالة أشهراً‮ ‬عدة وبلغ‮ ‬عدد مشاهديه أكثر من مليون‮. ‬هذا وحده شجّع المنتجين ليس فقط على التعامل مع مخرج كان بدأ العمل في‮ ‬السينما سنة ‮٢٦٩١‬،‮ ‬بل العودة الى الإستثمار في‮ ‬الأفلام ذات المواضيع الجادة والمزدانة بالفنون التراثية‮. ‬
فيلم كوون-تايك‮ (‬الذي‮ ‬ولد في‮ ‬بلدة تشانسونغ،‮ ‬مقاطعة شولانام-دو في‮ ‬العام ‮٦٣٩١) ‬مهم أيضا لأنه‮ ‬يتعامل مع أهم وجوه السينما الكورية الى‭ ‬اليوم‮: ‬الفن التراثي‮ ‬وسنوات الحرب او ما بعدها‮. ‬هنا قصة تقع أحداثها في‮ ‬الخمسينات حول مغني‮ ‬سوبيونجي‮ ‬يبحث عن دواء من الأعشاب لإبنه المريض،‮ ‬وفي‮ ‬ذات الوقت عن المرأة التي‮ ‬أحب ذات مرة وفقدها‮. ‬
الفرصة مناسبة لتعامل المخرج مع الحرب التي‮ ‬في‮ ‬بال العديد من أعماله‮. ‬بل أن خلفيته الشخصية متصلة،‮ ‬كملايين‮ ‬غيره،‮ ‬بالواقع الناتج عن الحربين الكبيرين في‮ ‬تاريخ كوريا المعاصرة،‮ ‬حرب الإحتلال الياباني‮ ‬وحرب الإنقسام بين الكوريتين‮. ‬ولد وترعرع في‮ ‬الجنوب الكوري‮. ‬عائلته خسرت أملاكا بسبب الحرب الكورية‮ ‬ما استدعى إنتقاله الى بوسان بحثاً‮ ‬عن عمل‮. ‬في‮ ‬مطلع الخمسينات كان‮ ‬يشتري‮ ‬ويجمع‮ »‬البوتات‮« ‬العسكرية الأميركية ليعيد صناعتها كأحذية‮. ‬لكنه في‮ ‬العام ‮٦٥٩١ ‬إنتقل الى العاصمة سيوول واستهوته السينما فعمل مساعدا للمخرج تشونغ‮ ‬تشانغ‮- ‬هوا الذي‮ ‬منحه فرصة إخراج أول فيلم له سنة ‮٢٦٩١. ‬من‮ ‬يومها هو مخرج لا‮ ‬ينقطع عن العمل وعدد أفلامه الى اليوم ‮٩٩ ‬عملاً‮.‬
نجد إهتمامه بنتائج الحرب بين الكوريتين ووقعها على الناس البسطاء في‮ ‬فيلم‮ »‬جبال تايبك‮«‬،‮ ‬أحد إكتشافات مهرجان برلين والفيلم التالي‮ ‬مباشرة لـ‮ »‬سوبيونجي‮« ‬بالنسبة لمخرجه‮. »‬جبال تايبك‮« ‬يدور حول الحرب الأهلية تحديداً‮ ‬ودور الحزب الشيوعي‮ ‬في‮ ‬كوريا الجنوبية في‮ ‬إشعال فتنة بين مواطني‮ ‬قرى تلك الجبال لدفعهم الى الإنخراط في‮ ‬الحرب ضد الجنوب‮. ‬مقتبس،‮ ‬كحالات كثيرة في‮ ‬سينما المخرج،‮ ‬عن رواية منشورة،‮ ‬لكن‮ -‬وكمعظم ما شاهده هذا الناقد من أفلام المخرج‮- ‬ينتمي‮ ‬الى السينما أكثر من إنتمائه الى الأدب،‮ ‬خصوصاً‮ ‬وأن الجماليات التي‮ ‬تنمو على جانبي‮ »‬سوبيونجي‮« ‬و»جبال تايبك‮«‬،‮ ‬بسبب من البيئة الطبيعية التي‮ ‬تدور فيها الأحداث،‮ ‬خلابة وإن لم تكن مستغلة للبيع عاطفياً‮.‬

Chihwaseon

قصة فنان
في‮ ‬العام ‮٣٠٠٢ ‬تم عرض فيلم آخر لكوون‮- ‬تايك،‮ ‬الذي‮ ‬أصبح الآن واجهة السينما الكورية الحديثة،‮ ‬رغم إنتمائه الى الجيل ما قبل الحديث،‮ ‬هو‮ ‬
Chihwaseon
‮ ‬وفيه أقدم المخرج على‭ ‬تطوير نفسه أسلوبياً‮ ‬وفنياً‮ ‬الى حيث لم‮ ‬يصل من قبل‮. ‬سيرة حياة الرسّام أوهوون‮ ‬يانغ‮ ‬سيونغ‮ ‬الذي‮ ‬ولد سنة ‮٣٤٨١ ‬ومات سنة ‮٧٩٨١. ‬حياة سيونغ‮ ‬كانت بائسة وهو كالكثير من الفنانين عانوا الأمرّين في‮ ‬سبيل فنهم وخسروا في‮ ‬كل المواجهات التي‮ ‬حاولوا فيها الإمعان فناً‮ ‬كنوع من تأكيد التميّز والعناد في‮ ‬سبيل عشقهم الروحي‮ ‬له،‮ ‬او تلك المواجهات التي‮ ‬تنازلوا فيها عن سموّهم إستجابة لضرورات العيش او نتيجة إنعكاس قدر من تدمير الذات‮. ‬سيونغ‮ ‬جرب المواجهتين وخسر ومات مدحوراً‮ ‬غير مكتشف حتى السنوات العشر الأخيرة‮. ‬بل وعلى اعتبار أن‮ ‬غير الكوريين‮ ‬يجهلونه تماماً،‮ ‬في‮ ‬جلّهم الأعظم،‮ ‬يمكن القول إنه بقي‮ ‬مجهولاً‮ ‬حتى سلط عليه المخرج كوون‮- ‬تايك الضوء‮.‬
غير كوون-تايك هناك كثر‮. ‬المخرج أوه ميونغ‮-‬هون قدّم في‮ ‬العام نفسه‮ »‬ساوول‮ ‬يوم الأحد‮«‬،‮ ‬وكيم شييغي‮ ‬وجد ضالته‮ -‬بعد إنقطاع عمل‮- ‬في‮ »‬تحوّل تدريجي‮ ‬إليك‮« ‬وكلاهما‮ ‬يتميزان برغبة في‮ ‬سرد أكثر من خط روائي‮ ‬ضمن القصة الواحدة‮. ‬بأسلوب مركب من تقاطعات قصصية وخيوط تظهر وتختفي‮ ‬لكنها تلتقي‮ ‬في‮ ‬صياغة مثيرة للإهتمام‮.

WOMAN IS FUTURE OF A MAN
‬فيلم هونغ‮ ‬سانغ‮-‬سو‮ »‬المرأة مستقبل الرجل‮« ‬هو أكثر إثارة للإهتمام كونه‮ ‬يبدأ منوالاً‮ (‬من القصة وحتى من التنفيذ‮) ‬لينقلب الى منوال آخر سريعاً‮ ‬ما‮ ‬ينبثق عن فيلم مختلف عما كانت الأنظار تتجه اليه‮. ‬قصة صديقين‮ ‬يلتقيان بعد فراق‮ (‬أحدهما عاد من أميركا بعد دراسته السينما‮) ‬وينطلقان في‮ ‬البحث عن فتاة كانت الحب الأول لكل منهما‮. ‬هذا الموضوع‮ ‬يأتي‮ ‬بعد تمهيد‮ ‬يقع بين أحدهما وفتاة ثانية لا‮ ‬يبدو متصلاً‮ ‬بالحكاية التي‮ ‬تشكل صلب الفيلم،‮ ‬لكن في‮ ‬النهاية تلتقي‮ ‬الأطراف الروائية جميعاً‮ ‬لتشكل الفيلم الذي‮ ‬وجد رواجاً‮ ‬كبيراً‮ ‬في‮ ‬الغرب‮. ‬حين‮ ‬يجد فتاة الأمس‮ ‬يكتشفان ما هو أقرب لما هو‮ -‬مجازياً‮- ‬أقرب لأن‮ ‬يكون زيف الأمس وحنينه‮. ‬لقد تحوّلت من فتاة هائمة حباً‮ ‬وسعادة وآمالاً‮ ‬الى مديرة حانة‮. ‬هذه النقلة ليست منصبية فقط،‮ ‬بل هي‮ ‬تطال كل ما كانت الفتاة تمثّله لهما‮. ‬على‭ ‬ذلك،‮ ‬هل‮ ‬يستطيع بطلا الفيلم نفي‮ ‬الذاكرة؟ هل ستبقى المرأة في‮ ‬البال حلماً؟ أم أنهما سيكتشفان أن الحاضر هو الوحيد الممكن الإمساك به؟

عنف الحياة
السينما الكورية الجديدة ليست كلها أفلاماً‮ ‬فنية من هذا المنوال او ذاك‮. ‬ليست كلها ملاحم فانتازية او أسطورية او بحث عن الذات والهوية‮. ‬ولا هي‮ ‬جميعاً‮ ‬حكايات سلسة مشتاقة لدخول عالم من الروحانيات البوذية كما في‮ »‬ضوء‮ ‬غير مرئي‮« ‬لجينا كيم،‮ ‬وهو فيلم من أعمال متكاثرة في‮ ‬هذا المجال‮. ‬هناك كم كبير من الأفلام الكورية القائمة على الجنس والعنف‮. ‬قليل منها‮ ‬يحاول أن‮ ‬يسرد ما‮ ‬يسرده بأسلوب فني‮ ‬جيد،‮ ‬لكن العديد منها هو ضرب في‮ ‬الرغبات الإثارية من دون أن‮ ‬يكون بالضرورة رخيصاً‮. ‬طبعاً‮ ‬هناك ما هو رخيص في‮ ‬هذه الأفلام،‮ ‬لكن‮ »‬مفكرة جريمة‮« ‬و»الأروقة الهامسة‮« ‬و»الفراشة القاتلة‮« ‬وسلسلة‮ »‬قضايا داخلية‮« ‬تأخذ شكلي‮ ‬الفيلم البوليسي‮ ‬وفيلم الرعب‮ ‬غالباً‮ ‬لتسرد حالات منكبّة على تصوير دموي‮ ‬وداكن للفرد في‮ ‬مجتمع اليوم‮. ‬ليس أن هذه الأفلام تحاول البحث في‮ ‬قضايا المجتمع او تحليل خصائصه،‮ ‬لكن هناك صلة،‮ ‬في‮ ‬عرفانها،‮ ‬بين ما هو عليه المجتمع‮ -‬كحقيقة‮- ‬وبين انهيار الإلتزامات الأخلاقية كحقيقة أخرى‮. ‬
أحد هذه الأفلام،‮ ‬وهو‮ »‬انقذ الكوكب الأخضر‮«‬،‮ ‬ليانغ‮ ‬يون‮- ‬هوان‮ ‬يتخذ شكل الفيلم المستقبلي‮ ‬وهو أكثر الأفلام المذكورة صلة بمحاولة التعليق على هذا الرابط بين المجتمع وحال الفرد‮. ‬إنه عن الأيام الأخيرة من حياة رجل هو ضحية عصر الصناعة الذي‮ ‬يتعامل مع كل الناس بلا تميّز قبل أن تدلف به الأحداث الى مواجهة بينه وبين مخلوقات من الفضاء‮.‬
الفيلم الذي‮ ‬يجول المواقع المتخصصة من صالات السينما الغربية هذه الأيام،‮ ‬وبنجاح هو‭ ‬‮»‬فتى مُسن‮« ‬لبارك تشا-ن ووك‮. ‬في‮ ‬صميم حكايته،‮ ‬التي‮ ‬تدور حول رجل تم إختطافه وإيداعه حجرة بجدران معدنية بقي‮ ‬حبيساً‮ ‬فيها لخمسة عشر سنة،‮ ‬هناك المواجهة بين الرجل‮- ‬الفرد الذي‮ ‬فقد كل قوامه الإجتماعية والأخلاقية نتيجة ما تعرّض له كما فقد هويّته الذاتية،‮ ‬وبين المجتمع المتمثل برموز طاغية دبّرت له هذا الإنتقام الذي‮ ‬تعرّض له والذي‮ ‬نجح فقط في‮ ‬جعله أكثر اندفاعاً‮ ‬في‮ ‬إنتقام مضاد‮.‬



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular