COVER * STORY | Nov. 12. 09

COVER * STORY | Nov. 12. 09

فيلم جديد لتشارلي تشابلن


كشفت صحيفة »ذ غارديان« عن أن بريطانياً كان يبحث عن صفائح معدنية خفيفة على موقع إيباي ليقوم بشرائها، عثر -وبطريق الصدفة وحدها- على فيلم مفقود (وبل لم يكن معلوماً) للممثل-المخرج- المنتج تشارلي تشابلن. في الحقيقة لم يكترث الشاري، وأسمه موراس بارك، للفيلم وموقع إيباي لم يأت على ذكره، بل هو اشترى العلبة التي تحوي بكرة الفيلم بثلاثة جنيهات و20 سنتاً (اي نحو خمس دولارات لا غير) وحين وصلت الى عنوانه وفتح العلبة وجد فيها الفيلم الذي تبلغ مدّته تسع دقائق ويظهر تشارلي تشابلن في مقاطع مختلفة تبدو ولو كانت مقاطع من فيلم أكبر. التاريخ التقريبي لهذا الإكتشاف هو العام 1914 وهو يحتوي على مادة معادية لألمانيا في غمار الحرب العالمية الأولى ما يعزز الإعتقاد بأنه قد يكون أول فيلم بروباغاندا في التاريخ. عنوان الفيلم
Charlie Chaplin in Zepped.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Nov 30, 2008

ISSUE 367 | Bushism | ممدوح شكري | مجلة فيلم | أفضل عشرة

Big City Cinema جديد
نقد 4 أفلام من »طائر على الطريق« الى
Charlie Bubbles & Julia
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


اليوم
استعادة | العدد الخامس عشر من مجلة سينمائية من نبات السبعينات
أحتفى العدد بالمخرج المصري الراحل ممدوح شكري واختار أفضل عشرة أفلام للعام 1974
.............................................................................
وثيقة | صبحي شفيق عن ممدوح شكري
المرثاة التي كتبها الناقد والمخرج المصري عن رفيقه وصديقه
.............................................................................
هوليوود وواشنطن | البوشيزم على الشاشة
تحقيق عن تأثير بوش على هوليوود والأفلام التي تحدّثت عنه


عناوين

أول أفلام المخرجة الفلسطينية نجوى نجّار هو فيلم افتتاح
قسم »ليالي عربية« في مهرجان دبي السينمائي الدولي.
الفيلم بعنوان »المر والرمّان«، وهذا هو عرضه الدولي الأول
كذلك
---------------



The International. كلايف أووَن وناوومي واتس
تقرر أن يكون فيلم توم تايكوَر
The International
هو فيلم افتتاح الدورة المقبلة لمهرجان برلين السينمائي الدولي
الذي سينطلق في الخامس من شباط/ فبراير المقبل٠
---------------
لليوم الرابع على التوالي أغلقت معظم صالات مدينة موباي في
القطاع التجاري أبوابها بعد العملية الإرهابية التي جرت في
العاصمة٠
---------------
إنتاج هندي- فرنسي تحت عنوان
The Conqueror
تم الإتفاق عليه بين شركتي هايلايت الهندية وروزن الفرنسية٠
التصوير مطلع العام المقبل٠
---------------
الإنتاج الأسباني- الألماني المشترك
The Anarchist's Wife
يشق طريقه الى مهرجان سندانس المقبل٠
---------------

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حدث ذات مرّة | مجلة "فيلم" عن فقيد السينما ممدوح شكري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوم الأحد في 13 كانون الثاني/ ديسمبر سنة 1974 صدر العدد الأسبوعي الخامس عشر من أول مجلة سينمائية لبنانية هي »فيلم«٠
إنها مجلة جيب من 64 صفحة (قبل أن تكبر حجماً بعد نحو عشرة أسابيع) وحمل العدد صورتين من فيلم
The Don is Dead
واحدة تمثّل إمرأة عارية الصدر يجثو أمامها رجل والأخرى لجثة رجل سقط لجانب سيّارة وقد خرقهما الرصاص٠
كنت رئيس تحريرها التنفيذي وكنت أنهي تعليمي واتجه كل ليلة الى الطابق السابع من بناية تقع في حي ڤردان لأكتب وأعد وأحرر- بلا مقابل٠
صاحبها كان جورج شمشوم والمؤسون هم محمد رضا وإدغار نجار وجيرار بولار. في التحرير حسان أبو غنيمة وفتيح عقلة عرسان (رحمهما الله) وسمير جبر وسمير حصني وبول دويهي وسايد مخلوف٠ وكان من بين المراسلين سامي السلاموني وسمير فريد والدكتور رفيق الصبّان٠
ما استوقفني قبل أيام وأنا أراجع العدد هو ما ورد على الصفحة 12
كلمة العدد الموقّعة بإسم »أسرة فيلم« كتبتها بنفسي وتنعي السينمائي الراحل فجأة ممدوح شكري وتقول
أحد الذين لمسوا المأساة التي نعيشها وحاول التعبير
عنها بصدق وحدس سليمين توفي في الأسبوع
الماضي. أسمه ممدوح شكري. حقق عام 1972 فيلما
ينتقد فيه السلطات المصرية ما قبل الثورة. وعندما أنهى
الفيلم وقف مفهوم الحرية في أنظمتنا منه موقفاً متشدداً
ومنع فيلمه من العرض. وبرغم محاولات المخرج المتكررة
بقي الفيلم حبيس العلب ومات وما زال فيلمه مسألة
عالقة٠
مجرد إبقاء فيلمه في العلب وعدم السماح له بالعرض يعطي
صورة صادقة عن مصير المحاولات السينمائية الجادة التي
تنتظر العديد من العاملين اليوم وغداً. الحرية التي نعتقد أنها
موجودة... كانت موجودة عندما كان العصر عصر شرائع
الغاب، أما وقد اتفقت القوانين والتقدم التكنولوجي على غزو
إنسانية الإنسان والحد من حرية تعبيره، فقد انحدرت الحرية
وبات الحواجز التي تمنع الإنسان من العمل. نطلب سينما
جادّة وما أكثر المطالب خاصة تلك البراقة التي يطلقها وزراء
ومسؤولون لكنها تبقى مطالب. هم يبقونها مطالب٠
وفاة ممدوح شكري بحد ذاتها قد لا تكون أكثر من مناسبة
لإثارة موضوع فيلمه، لكن الحسرة موجودة والشاب الذي مات
وفي نفسه هذه الحسرة ترك قسماً كبيراً منها في نفوسنا
أمانات علينا أن ندافع عنها ولو مات كل يوم منا واحد٠


هذا ما كتبته آنذاك. وإذ أنظر الى اليوم أدرك أن ما قيل حينها يمكن بسهولة أن يُقال اليوم وأكثر منه٠


وثيقة | صبحي شفيق حين رثى ممدوح شكري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ذات العدد خصّت أسرة التحرير الرثاء التالي كما كتبه الأستاذ صبحي شفيق ٠
.......................................................
انتهى كما ينتهي الشهداء

بعد ثلاثة أيام غاب فيها وعيه عن الحياة، غاب فيها شخصه عن مثقّفي مصر الذين أحبّوه جميعا، غاب فيها فكره السينمائي الذي احترمه حتى أعداء الفكر السينمائي. بعد ثلاثة أيام ظل خلالها ملقى بأحد عنابر الدرجة الثالثة بحميات العباسية، مجهولاً من الجميع، بعد ثلاثة أيام- ما أتعسها- فاضت روح الزميل، الصديق، الفنان، المخرج ممدوح شكري٠
انتهى كما ينتهي الشهداء عادة. ولقد كان بالفعل شهيداً: ففي بلده الفقير للغاية، وادي النعناع، بأقاصي صعيد مصر، لكي يتعلم إنسان، كان عليه أن يقطع مسافات ومسافات ويعبر نهر النيل كي يقطع المسافة مزدوجة: الطريق الوعر والتخلف. وحتىعندما وصل الى القاهرة كي يتعلّم بالمدارس الثانوية، ثم يلتحق بكلية الفنون الجميلة (فقد كان مصوّراً كما هو مخرج) وبعدها بالمعهد العالي للسينما، كان طريقه شائكاً على الدوام. إنه بلا موارد. يجوع ولا يشكو ولا يعرف أحد من زملائه بالمعهد ما يعاني منه. لكنه كان يشعر باستمرار بالثراء: ثراء ثقافته وثراء طموحه وثراء حبّه لبلده٠

وعندما تخرّج والتحق بمؤسسة السينما مساعد إخراج، أخذ يعمل تحت أوامر مجرجينا الكبار. لا يشعرهم بثقافته ولا بأن أفكاره تفوق بكثير جداً محصلة تجاربهم، وإنما قدم الدليل على التفاني في العمل، حتى أتاح له فنان آخر، كثيراً ما شعر بمشاكل شبابنا السينمائي، هو سعد الدين وهبة، أوّل فرصة لإخراج فيلم قصير٠
وككل جيله، كان على ممدوح شكري أن يعمل عاماً ويتوقّف عامين، فالسينما بلا تخطيط وهي في أزمات مستمرّة ولا أحد يفهم الى أي حد أصبحت في العالم كله أخصب الفنون وأكثرها جماهيرية٠ ولهذا قطع ممدوح طريقه بخطى متعثّرة: فبعد ثلث فيلم روائي عرض في إطار »٣ وجوه للحب« انتقل ممدوح الى مجال الفيلم الطويل، وكان الصعيد بمشاكله الحقيقية ما يزال يشدّه إليه. فكان فيلمه الأول »الوادي الأصفر« أول محاولة لنقل السينما الى تلك البيئة شبه القبلية، شبه الإقطاعية. وبعد ذلك جاء فيلمه الثاني »أوهام الحب« ليؤكد استاذيّته كمخرج (ولا أقول كسيناريست). إن الحس المرهف بتكوين الكادر، وكيف يسرد من خلال حركة الكاميرا وحدها، موضوعاً وكيف يدفعك الى أن تعايش فكرة وانفعالاً وشعوراً، كلها خصائص كشف عنها الفيلم- وللأسف قوبل بحملة عنيفة من مجموعة من النقاد بعضهم يخفي تخلّفه خلف قناع التقدم، هاجموه لكنه صمد كما صمد خلال طريقه الى العلم والمعرفة. كما صمد بعد ذلك خلال محن طويلة سببها أنه لا يقبل أن يكون مخرج أفلام عن التاري السري لعوالم مصر ولا يريد أن يضحك بأي ثمن بينما بلده تواجه قضايا مصيرية وهو اختيار كلّفه الكثير. حتى حياته، فقد مات بعد أزمة مالية حادة وأزمة نفسية أحد، وليس بجواره سوى أم شبه مشلولة نتمنّى لها جميعا الصبر٠
انتهى كما ينتهي الشهداء عادة، وهو ثمن اختياره لسينما قوامها الفكر والإلتزام بالواقع وحب مصر٠

غداً وثيقة ثانية: ما كتبه الناقد سامي السلاموني في رثاء ممدوح شكري٠



نقاد "فيلم" ينتقون أفضل 10 أفلام

بما أننا اليوم في حضرة مجلة "فيلم" نبقى فيها ، فالعدد ذاته حمل اختيارات نقّاد المجلة لأفضل عشرة أفلام وكل ألف لائحة. التالي أربع لوائح منها. الإضافة الوحيدة التي تصاحب هذه الإختيارات هي وضع إسم مخرج أمام كل منها وهوية الفيلم ومعلومة مختصرة حين تدعو الحاجة٠

حسّان أبو غنيمة
1- Andre Rublov | Andre Tarkovsky (USSR)
2- Harold & Maud | Hal Ashby (USA)
3- Slaughterhouse Five | George Roy Hill (USA)
4- Family Life | Ken Loach (UK)
5- Scarecrow | Jerry Schatzberg (USA)
6- The Seduction of Mimi | Lina Wertmuller (Italy)
7- The Discreet Charm of the Bourgeoisie| Luis Bunuel (France)
8- The White Bird Marked with Black | Yuri Illyenko (USSR)
9- العصفور | يوسف شاهين
10 - سوداء فلان
لا أذكر من مخرجه الأفريقي (ولم أر الفيلم أصلاً) وبحثت عنه في كل المواقع ولمأجد٠

سفيان رمحي
1- Family Life
الصورة: المخرج كن لوتش
2- Paper Moon | Peter Bogdanovich (USA)
3- Andrei Rublov
4- Day of the Jackal | Fred Zinnimann (USA)
5- Day for Night | Francois Truffaut (France)
6- Summer of 42 | Robert Mulligan
7- العصفور
8- Lady Caroline Lamb | Robert Bolt (UK)
9- Slaughterhouse Five
10- Duel | Steven Spielberg

جورج شمشوم
1- Straw Dogs | Sam Peckinpah (USA)
دستِن هوفمان في »كلاب من قش«٠
2- Harold & Maud
3- The Discreet Charm of the Bourgeouise
4- To Find a Man | Buzz Kulik (USA)
5- Family Life
6- Scarecrow
7- Andrei Rublov
8- Two People | Robert Wise (USA)
9- Culpepper Cattle Company | Dick Richards (USA)
10- A Gunfight | Lamont Johnson (USA)

أما أنا فخرجت عن المألوف وكتبت قائمتي (بأسماء مخرجيها من البداية) وفصلت العربي عن غير العربي وجاءت على النحو التالي

الأفلام العربية المفضّلة
الفحام | محمد بو عماري (الجزائر)٠
غرباء | سعد عرفة (مصر)٠
حمام الملاطيلي | صلاح أبو سيف (مصر)٠

الأفلام الأجنبية
1. Andrei Rublov
2- My Sweet Charlie | Lamont Johnson (USA)
3- The Discreet Charm of the Bourgeouise
4- Harold & Maud
5- Slaughterhouse Five
6- Family Life
7- Scarecrow
8- Duel
9- Culpepper Cattle Company
10- A Gunfight

إذ أذكر الآن كل هذه الأفلام ومخرجيها، هل تستطيع -صديقي القاريء- أن تتخيّل ثراء السينما حينها؟
من مخرجين كبار مثل أندريه تاركوفسكي وصلاح أبو سيف ويوسف شاهين وروبرت وايز ولوي بونويل الى مخرجين رائعين أقل شهرة منهم لامونت جونسون وجيري كاتزبيرغ ودك رتشارس وبين الفريقين مجموعة كانت معروفة آنذاك وأصبحت الآن مجهولة او منسية مثل لينا فرتمولر وروبرت موليغن الخ...٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البوشيزم على الشاشة| سنوات الرئيس الذي لم يُحبُّه أحد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ّI, Legend

أسابيع قليلة وتغيب شمس الرئيس الأميركي وراء الأفق وتبزغ شمس جديدة لرئيس جديد هو، كما سواه في هذه المرحلة المبكرة، سيبقى موضع تساؤل حتى يبدأ بممارسة حكمه٠
لكن الى حين استلام أوباما صلاحياته رسمياً في العشرين من الشهر الأول من العام المقبل، فإن المشهد اليوم لا زال لشمس غاربة٠ أمامها عالم يشبه رتل السيارات الآيلة الى السحق. تنسحب الكاميرا بعيداً فتكشف عن كتل الدمار الشاسع الذي خلفته سنوات عصيبة عصفت بأميركا والعالم. في ذلك فإن تلك السنوات أشبه بآلة الهدم المكوّنة من كرة حديدية واصلت ضرب أماننا وعالمنا (والأميركي منه قبل غيره) حتى أنهكته٠ الطريق الذي تخلفه مليء بالحفر. وعر. وعلى حافّتيه تعيش هياكل بشرية تحوّلت الى زومبيز٠ مشهد من جهنّم نجد له مثيلاً في فيلم الرسوم الرائع
Wall-E
الذي يبدأ بثلث ساعة أولى لنيويورك مهدّمة في مستقبل قاتم مقبل ما اضطر سكّان الأرض للرحيل مخلّفين المدن خاوية لجانب أرطال الزبالة التي لم يعد بالإمكان العيش معها. وحده الروبوت وول إ بقي يحاول تنظيف المدينة من مخلّفاتها قبل أن يصيبه سهم الحب مع روبوت أنثى فينطلق وراءها الى حيث لجأ باقي المواطنين. المستقبل الداكن هو جزء من فيلم »أنا أسطورة« أيضاً حيث البطل (ول سميث) وكلبه هما آخر الأحياء، بعد إنتشار الڤيروس وذلك باستثناء مخلوقات بشرية مفترسة تستغل ستار الليل لتخرج من أوكارها تبحث عنهما. في هذا الإطار لا يمكن الا أن تفسّر الڤيروس على النحو الذي يخدم الفيلم وما يحاول قوله: إنه رمز لأي فعل سياسي قلب هناء المدينة الى جحيم٠
لكن فيلم »وول إ« متفائل ودليل تفاؤله تلك النهاية التي ينهض فيها الناس من محيطهم الفضائي الشاسع والكسول ويعودون للأرض لكي يبنوها من جديد٠ أيكون هذا الفيلم الكرتوني سبق الجميع في قراءته المستقبل؟
في المقابل، فإن »أنا أسطورة« أقل تفاؤلاً. بطله يقضي على نفسه بنفسه كحل وحيد بعدما أدرك أنه إذا لم يفعل ذلك، أكلته الوحوش٠

الأفلام العسكرية
خلال ولاية جورج و. بوش كان لابد للسينما أن تتلوّن بألوان فترته وبمظاهر حكمه. الفيلمان المذكوران هما من بين عشرات من الأفلام، من كل نوع، حملت الى المشاهدين أما تأثيراً مباشراً لسنوات حكم الرئيس او نقداً لتلك السنوات. هوليوود -كما يتبدّى- ليست بمعزل عما يحدث في واشنطن ومنتجيها قد يكونوا في معظمهم ليبراليين وديمقراطيين لكنهم في النهاية يريدون بيع الجمهور ما يروج. وحين وقعت كارثة 11/9 وفي الوقت الذي وجدت فيه إدارة بوش الفرصة مواتية لإعلان الحرب على الإرهاب في كل مكان، وجدت هوليوود الفرصة المماثلة لإطلاق أفلام تحمل الظواهر الرئيسية للسياسة السائدة. أفلام تتنفّس المشهد الدامي والمؤثّر لانهيار المبنيين الشامخين في نيويورك، وأعمال تتعامل مع الخوف الوليد وأخرى تريد أن تقدّم ذلك الخوف في شكل قلق طاغ من الحاضر والمستقبل على حد سواء

ألوان
التلوّن بصبغ الحكم ليس جديداً٠
السينما الأميركية في الأربعينات الخمسينات من القرن الماضي اختلفت عن العقود السابقة بتأثير عاملي التخويف الذي مارسته الحكومة الأميركية في نطاق محاكمات مكارثي، كما بتأثير دخول الحرب العالمية الثانية٠ في الحالتين تجد الأفلام التي تطلب من المواطن الأميركي الحذر من أعداء الداخل ومن أعداء الخارج، كما تلك التي تشيد بالبطولات الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية. قليلة هي التي عارضت الحرب او انتقدتها او صوّرت الثمن الباهظ لها٠

فترة الرئيس رونالد ريغَن خلقت جوّاً من المناعة السياسية. لقد عزّز الشعور الوطني القائم على إثبات أن العالم هو كما تريده الولايات المتحدة أن يكون وساعده في ذلك إنهيار النظام الشيوعي في روسيا وبلاد شرقي أوروبا ما جعل هوليوود تنطلق للإستفادة من الشعور المتولّد بين الناس. وأول الموجات السينمائية التي عكست هذه المتغيّرات هو ما يمكن تسميته بالأفلام العسكرية، وهي ليست الأفلام الحربية بل تلك التي قد لا تحتوي جيوشاً لكنها تؤمن بالحل العسكري على أي حال، متمثّلاً بأبطال من طينة أرنولد شوارتزنيغر، سلڤستر ستالون، تشاك نوريس وسواهم٠

أحد الأفلام الأولى في هذا الصدد هو »توب غن« بطولة الشاب الجديد، حينها، توم كروز٠ أيضاً في السياق ذاته فيلم كلينت ايستوود »فايرفوكس« (حول الطيّار الأميركي الذي يتسلل الى ما وراء الستار الحديدي لسرقة طائرة حربية سوفياتية على القيادة الأميركية استحواذها بسبب مزاياها غير التقليدية). كذلك هناك الفيلم البوليسي »حرارة حمراء« مع أرنولد شوارتزنيغر و»فجر أحمر« (حول احتلال روسي لأميركا وكيف انتصر الأميركيون عليه) مع باتريك سوايزي٠
كذلك درجت في تلك الفترة (السبعينات) أفلام تجد أن الحل لمواجهة الإرهاب هو الهجوم العسكري وحده ولو متمثّلاً بشخصية تعود الى القتال تحت ظروف حالكة، وبما أنها تحكي عن الإرهاب، فهي تحكي أيضاً عن العرب ومن هذه الأفلام
Navy Seal و Iron Eagle
المتشابهان في رسالتهما المعادية لا للإرهاب وحده، بل لكل العرب بلا تفريق٠

رعب في الفضاء
إنه من الضروري في هذا المجال لفت النظر الى أن السينما الحربية التي كانت انطلقت كسجل لمواقع القتالية بين الجنود، تحوّلت -في فترة ريغن- الى أفلام عسكرية. والفيلم الحربي غير الفيلم العسكري. الأول عن حرب يرتفع فيها الولاء الوطني وثنائية الواجب والتضحية، والثاني هو عن الفرد الموغل في قراره كسب الموقعة حتى ولو كان وحيداً. في هذا الإطار فيلم »دم أوّل« (كما أخرجه تد كوتشيف من بطولة سلڤستر ستالون) مثالي، إذ يعود البطل فيه من حرب ڤييتنام التي خسرها الليبراليون أيام حكم كندي ونيكسون ليجد أن حرباً ضد الفساد من ناحية وضد الإستسلام الأميركي الذي أثمر عن الهزيمة الفييتنامية (حسب الفيلم) بإنتظاره٠

ولا تنحسر الموجة بذهاب الرئيس مباشرة. فيلم ريدلي سكوت
Alien
الذي أخرجه ريدلي سكوت سنة 1979 في عهد الرئيس جيمي كارتر حمل في طيّاته الصراع الكلاسيكي بين الإنسان وعدوّ من مخلوقات فضائية متوحّشة، لكن الجزء الثاني منه، الذي أخرجه جيمس كاميرون سنة 1987 قبل عامين من نهاية ولاية رولاند ريغن وجد الحل الوحيد في القوّة العسكرية، وهو حل استبعده الفيلم الأول كحل مطلق او منفرد٠
وفي المقابل، فإن الجزء الثالث من هذا المسلسل الخيالي- العلمي، تحت إدارة المخرج ديڤيد فينشر لم يحمل رسالة ريغن، ولم يظهر القوّة العسكرية كحل مثالي، بل جسّد واقعاً داكناً للفترة قبيل إنتهاء ولاية صاحبها٠

السينما خلال فترة بوش بدت -في الصورة الطاغية- كما لو أنها لا تتعاطى السياسة ولا تريد أن تتدخّل في أمور عويصة الشأن هي من صلب الحياة في البيت الأبيض وليس في ستديوهات باراماونت او صوني او سواهما٠ لكن هذا التمايز هو بعض التعاطي من ناحية أن اللا-إهتمام هو موقف سياسي بحت أيضاً. لكن كلّما بدت هوليوود غير مهتمّة، وكلّما أنتجت أفلاماً تبدو بعيدة كل البعد عن التطرّق الى اي من شؤون الحياة السياسية كلما بدا ذلك تعاملاً جوهرياً مع الحياة السياسية في أميركا البوشية٠

رئيس الجمهورية
حينما أطلقت شركة وورنر فيلم »سوبرمان يعود«، الفيلم الذي حقق إيرادات أقل مما كانت تطمح إليه تلك العودة، استبعدت، عن دراية مسبقة، اللازمة التي كانت تواكب أفلام سوبرمان السابقة. إنها شعار الفيلم ومفاده »العدل والديمقراطية على الطريقة الأميركية«٠
الى جانب أن الفيلم جاء محدود الطروحات بلا أهمية تُذكر على أي صعيد، الا أنه حاول كسب السوق الدولية باستبعاد نفسه عن المآخذ السياسية المتكاثرة التي كانت شعوب الأسواق السينمائية الكبرى في أميركا توجهها الى إدارة بوش. فشعبية رئيس "أكبر دولة في العالم" وصلت الى الحضيض في أوروبا وآسيا قبل زمن طويل من وصولها الى حضيض مماثل في الولايات المتحدة وشركة وورنر لم ترد إطلاق عمل يحمل تلك الدعاية التي كان الناس سيسخرون منها على نحو مؤكد٠
وفي الأساس، خرج الفيلم بسوبر هيرو مهلك لا يكن لعالمه الا القليل من الإنتماء على عكس »الفارس المظلم« (الجزء الجديد من باتمان) الذي نرى فيه البطل الأميركي وهو يطرح اسئلة حول ماهيّته ومسؤوليته وهويّته. اسئلة بدا كما لو كانت موجهة للرئيس الأميركي لعلّه يطرحها على نفسه٠

W.
مشكلة أوليڤر ستون في هذا الإطار هو أن فيلمه الجديد
W.
حاول الحديث عن الرئيس الأميركي اليوم ، اي خلال فترة حكمه، وليس -كما العادة- بعد زوال تلك الفترة. المحاولة نتج عنها عدم القدرة على استحواذ ناصية مثيرة للإهتمام لرئيس مقبل على مغادرة البيت الأبيض قريباً. هوليوود وستون لابد أنهما اكتشفا أن الحديث عن رئيس جمهورية في أحلك أيامه، وخلال مرحلة انخفضت فيها نسبة الموافقة الشعبية الأميركية على سياسته الى ما دون العشرين بالمئة من أكثر المناسبات إحتمالاً للفشل. فالفيلم الذي تكلّف أكثر بقليل من 25 مليون دولار، جلب نحو ذلك من عروضه العالمية في حين أن المطلوب عادة أكثر من ضعف هذا المبلغ من قبل إعتبار الفيلم رابحاً٠
على أن المسألة هنا ليست مسألة توقيت لأن معالجة ستون لبوش حاولت قضم أطراف الموقف السياسي وإرجاع الأخطاء الى مَعين من التصرّفات العاطفية القريبة من الكاريكاتورية وفي ذلك سذاجة وتبسيطاً لم يستطعا مواجهة الأرث الإقتصادي والسياسي الفادح الذي خلفه وراءه خلال ثماني سنوات من الحكم٠
وستون سبق له وأن لخّص مأساة الحادي عشر من سبتمبر 2001 الى حالة من الدمار فوق رجلي أطفاء، هما نيكولاس كايج ومايكل بيّا، فاقداً فرصة تقديم عمل عن الكارثة الفعلية مؤاثراً جانباً إنسانياً على جانب التحليل وإثارة تلك الاسئلة والطروحات التي لا زمت أفلامه السياسية الأولى مثل فيلميه المتلازمين »جون ف. كندي« و»نيكسون«٠

خطوط موازية
إنه من ثمرات هذه الفترة الآزفة على الرحيل أن هوليوود مالت الى الإكثار من طغمة أفلام الهروب (مثل أفلام الكوميديا والدراميات الخفيفة) وأفلام العنف. وحين نأتي الى ذكر الأخيرة فإن العنف ليس تماماً كما كان عليه عنف العقود القريبة الماضية٠ بل بات هذا يمتزج أكثر وأكثر مع المواضيع المطروحة ليعكس شيئاً من الرغبة في العدمية٠ في سلسلة أفلام
Saw
المؤلّفة من خمسة أجزاء وسلسلة أفلام
Hostel
جزأين الى الآن، نجد في العنف المفرط شكلا تعبيرياً عن فقدان الثقة والأمل ولو بغير وجهة فنيّة جديرة بالإعجاب. في لب المسلسل الأول أميركيون ينقلبون على أميركيين عاديين ويضعونهم في إختبار جهنّمي تحت الأرض فيه مقوّمات للصراع فوقها، وفي الثاني مجموعة من الشباب الأميركي في اوروبا تتعرّض للعداوة والعنف٠ كلاهما يقصدان الإيحاء بعنف سجن بوغريب٠
سينما الرعب في هذا الصدد دائماً ما عبّرت عن الحالة القائمة ولو على نحو متوار، وفيلم »مفكرة الأحياء الموتى« لجورج روميرو هو من بين تلك التي تتحدّث عن حالة مرعبة (الفيروس الذي حوّل معظم الناس الى آكلي لحوم بشر في مستقبل قريب). لكن الفيلم يعالج مسألة الإعلام الأميركي الذي -حسب الفيلم- يساعد في إخفاء الحقائق ما يؤدي الى كل هذه الفوضى٠
في الزمن الذي نعيش فيه فإن كل شاردة وواردة في مثل هذه الأفلام لا شك تؤدي بالعقل الباطني الى الربط بين موقف ما وبين الزمن الفعلي الذي نعيشه خارج الشاشة، وما تلبث رسالة هذا الفيلم- او أي فيلم آخر معروض - أن تثير في البال خطوطاً موازية مع الواقع٠ وكان الإعلام قد حظى بنصيبه من الهجوم عليه في فيلم برايان دي بالما »إعادة صياغة« وفيلم روبرت ردفورد »أسود كحملان«٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Nov 27, 2008

ISSUE 366 | BODY OF LIES Special. إبراهيم العريس ينشر هنا

التحديث المقبل: ظهر يوم الأحد 30 نوفمبر وتقرأ فيه ..... لا.... لن أقول٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Buster Keaton's Masterpiece "THE GENERAL"
is now on BIG CITY CINEMA.
filmreader.blogspot.com


يلاحظ أصدقاء المجلة أنها باتت تستضيف عدداً
ملحوظاً من النقاد الفعليين الذين يزيّنون فضاءها
بالفعل، ولا يزال هناك مجالا لزميل او إثنين مـن
مصر (دون أن ننسى الأخت هبة الله يوسف التي
كانت أول الوافدين)٠
من هذا العدد يسرّني أن
أنشر للزميل والصديـق
الناقد المعروف إبراهيم
العريس
زاويته المعروفة بـ
هوامش والمنشورة كل
يوم جمعية في صحيفة
الحياة اللبنانية شاكرا له
موافقته على ذلك
٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش| إبراهيم العريس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زحمة٠٠٠٠

* لو كان في مقدور الناقد السينمائي ان يلبي كل الدعوات المهرجانية التي يتلقاها بدءاً من انتهاء الصيف الفائت على الأقل، لكان عليه ان يقطع من الكيلومترات ما يزيد كثيراً عن دورة الكرة الأرضية. هذا في العالم العربي وحده. هي زحمة مهرجانات من الصعب تقديم تفسير أو تبرير لها. ومن الصعب التنبؤ بما اذا كانت ستتواصل سنوات مقبلة. ولكن من الصعب كذلك الافتراض أن ثمة عدداً من الأفلام (العربية بخاصة) التي يمكنها ان تبدو جديدة في أي مهرجان من هذه المهرجانات فتعرض عرضاً عالمياً أولاً. ففي نهاية الأمر، المدن «المهرجانية» كثيرة، من مشرق العالم العربي الى مغربه. لكن الأفلام هي نفسها دائماً. والضيوف هم أنفسهم دائماً، والنقاشات وضروب التأفف هي نفسها، بحيث يتساءل المرء لماذا هذا كله؟ وكيف ولماذا حدث ان مدناً عربية، بالكاد لها علاقة بالسينما، اكتشفت «فجأة» أهمية السينما، فراحت تحتفل بها. طبعاً لا يسري هذا الكلام على كل المهرجانات العربية، التي صارت تعد بالعشرات. فهناك مهرجانات راسخة يبررها تاريخها، وأحياناً الإنتاج السينمائي في بلدانها. والطريف ان هذه هي أفقر المهرجانات و... أنجحها، من دمشق الى قرطاج، ومن مراكش الى طنجة وإلى ... القاهرة (الذي صار حالة خاصة). فهذه، وبضعة غيرها، مهرجانات حقيقية وراسخة في علاقتها بالسينما. لكن هناك في المقابل مهرجانات أخرى يتساءل المرء بدهشة لماذا تراها تصرف أموالاً طائلة على ضيوفها وفعالياتها، طالما ان عدد جمهورها بالكاد يوازي عدد ضيوفها. لكن المشكلة الأساس تبقى في التوقيت: إذ، لسبب غامض، جرى توقيت كل المهرجانات في وقت واحد من كل عام، هو الممتد بين عيد الفطر ونهاية العام الميلادي. وهكذا يجد السينمائيون العرب انفسهم امام صعوبة الاختيار: مراكش أو القاهرة، دبي أو طنجة، دمشق أو قرطاج... وربما كان للأمر ان يبدو سهلاً وللاختيار ان يبدو بدهياً، لولا ان إغراء المال بات أقوى من إغراء الفن، بحيث يبدو ان المستقبل سيكون لمن يدفع أكثر للضيوف وللأفلام... ولمن يوفر الفنادق الأفخم وبطاقات الطائرات الأغلى. وكل هذا باسم السينما!

سعد الدين وهبة

* قلنا أعلاه ان مهرجان القاهرة صار حالة خاصة. ذلك انه، في الوقت الذي يجهد من اجل الإبقاء على ما له من تراث فني رسخه مؤسساه المتتاليان كمال الملاخ، وسعد الدين وهبة خصوصاً، بات ينحو أكثر وأكثر ليكون مهرجان علاقات عامة وسياحة، بحيث تخف فيه حصة السينما، أمام حصة رجال الأعمال والحفلات الصاخبة. في الماضي، ايام الراحل سعد الدين وهبة، لم يكن يمر يوم من أيام المهرجان، إلا وننتقده، ودائماً في حضوره. وكان هو يصغي بهدوء ويفسر ويبرر. يقنعنا أحياناً ويفشل في ذلك أحياناً أخرى. اليوم بعد كل هذه السنين التي مضت على رحيله المحزن، وبعد كل هذه السنين التي مضت على مهرجان القاهرة، الذي كان يرعاه ويحبه كابن له، لا بد من كلمة: رحم الله سعد الدين وهبة الذي لا شك في انه حزين جداً وهو في العالم الآخر «يرصد» ربما ما يحدث للمهرجان، ويتساءل أين هو هذا المهرجان؟ ماذا بقي منه؟ أين السينمائيون المصريون لا يحضرونه إلا من اجل صور الافتتاح؟ اين الصحافيون والنقاد الجادون لا يتابعون نقاشاته؟ مع سعد الدين وهبة الذي يمكننا اليوم، فقط، ان نفهم كل ضروب التقصير والهنّات التي كان يمضي وقته شارحاً لنا خلفياتها، يصدق بيت الشعر العربي الشهير: «رب يوم بكيت منه فلما / صرت في غيره بكيت عليه».

نقاد٠٠٠٠

* في زمنه، كان سعد الدين وهبة يخص النقاد السينمائيين بالمقدار الأكبر من الاحترام والتقدير، لا ليكتبوا عن مهرجانه ويمتدحوه، بل ليصارحوه في كل لحظة بما لهم من مآخذ، إضافة الى انه كان قارئاً من طراز مميز، يقرأ مقالات النقاد ويعرف مستويات كتاباتهم. ومن هنا كان نادراً ما يلفت ناقداً، وبخاصة ان كان من الذين يُقرأ لهم باحترام، الى انه «لم يكتب بعد عن المهرجان». في المقابل كان يطلب هذا وبإلحاح، من الصحافيين ولا سيما المبتدئين منهم. من هنا كان الناقد الحقيقي يشعر في مهرجان القاهرة انه في بيته وبين أهله. هذا كله تبدل اليوم. ولو كان وهبة ينظر إلى الأمور، ايضاً، من عليائه لأدهشه كيف تحول النقاد موظفين لدى المهرجانات التي تدفع أكثر، وكيف ان الصراعات بين النقاد، التي كانت في الماضي صراعات فكرية حول الأفلام وأشكالها السينمائية، صارت اليوم صراعات مؤسية، كتلك الناتجة عن إزاحة ناقد لزميل له من عمل في مهرجان للحلول مكانه...

نقاد... أيضاً

* وعلى سيرة النقاد، لفت أيضاً خلال مهرجان القاهرة السينمائي، ان الصراعات والخلافات والتنافس بين النقاد، وهي أمور كانت محصورة في عوالم هؤلاء الداخلية، فلا تظهر الى العلن، ليس فقط احتشاماً، بل لأنها لا تهم أحداً غيرهم، مثل مقالاتهم «النقدية» هذه الأيام، صارت علنية وعلى أعمدة الصحف، كما حال الصراعات بين الراقصات والمغنين وما الى ذلك. وآخر تجليات هذا الواقع الجديد، فصل شهدته صفحات جريدة «المصري اليوم». فهذه الجريدة كانت نشرت مقالاً لناقد احتج فيه على عرض فيلم مصري معيّن في مهرجان القاهرة على رغم إقراره بأنه هو نفسه لم يشاهد الفيلم. كاتب وصحافي يبدو انه هو صاحب ذلك الفيلم، كتب رداً في الصحيفة نفسها جاء مملوءاً بالشتائم وعبارات تدخل في خانة القدح والذم. من ناحية المبدأ كان هذا الكاتب محقاً في موقفه، لكنه لم يكن موفقاً في أسلوبه ولا في كمّ الشتائم و «الفضائح» التي ذكرها في حق زميله الناقد الآخر. ولما كانت لهذا الأخير مكانته وكرامته، أرسل الى الصحيفة نفسها مقالاً يرد فيه على شاتمه ويعلن فيه استقالته من الكتابة في الصحيفة. هذه الأخيرة اعتذرت مذكّرة الناقد بليبراليتها وليبراليته. وتشعب النقاش ليصبح واحداً من «أحداث» المهرجان القاهري، ما جعل منتجاً سورياً ظريفاً يعلق قائلاً: إذاً... لا يزال هناك نقاد. ولا تزال هناك معارك بينهم!

دمشق٠٠٠

* قبل مهرجان القاهرة مباشرة، كان السينمائيون قد عرّجوا على مهرجان دمشق. لاحظوا انه مهرجان صغير، يكاد لا يقارن، من ناحية البذخ والعلاقات العامة والنجوم المدعوين، بمهرجان القاهرة، فكيف بمهرجاني أبو ظبي أو دبي؟ لكنهم لاحظوا ايضاً، ان كل عرض من عروض أفلامه، كان يجمع من الجمهور، نوعاً وعدداً، ما يضاهي ضعفي ما يجمعه أي من هذه المهرجانات، منذ بدايته حتى نهايته. مهرجان دمشق صار سنوياً، وصار ثمة تدقيق أكثر في اختيار أفلامه. ولربما يصار في الأعوام المقبلة الى توسيع جغرافية مكان اجتماعه، فهو بدا ضيقاً على الحضور، حتى وإن لم يغيّب هذا دفء السينما الحقيقي الذي أمنه محمد الأحمد ورفاقه. وكذلك دفء الثقافة السينمائية الذي أمّنه ما لا يقل عن 25 كتاباً، بين مؤلف ومترجم، أصدرتها المؤسسة العامة للسينما، تحت إشراف محمد الأحمد، رئيس المؤسسة، وبندر عبدالحميد، الشاعر والناقد المعروف. بين دفء المهرجان وتنوع هذه الكتب، يشعر المرء في المهرجان الدمشقي انه حقاً في مكان صحيح، وأن هذا ما يصنع السينما وما يصنع مهرجاناتها، وليست ملايين الدولارات التي تنفق في أماكن أخرى، على مهرجانات أخرى، لتترك في الاختتام نفوس السينمائيين الحقيقيين على ظمأ سينمائي، حتى بعد ان ترتوي جيوبهم...! ترى، ألا يستحق مهرجان دمشق تحية على فقره!٠



أكثر من ناقد وفيلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Body of Lies

سمّيته »كيان من الأكاذيب« وسمّاه الزميل نديم جرجورة »كتلة من الأكاذيب« وسمّاه الزميل زياد عبد الله »متن الأكاذيب« . أما الزميل هوڤيك حبشيان فأطلق عليه »اكاذيب سُلطة« مهما يكن هو فيلم واحد أخرجه ريدلـي سكوت ومعروض حالياً في معظم العواصم العربية٠ نشرت مقالات الزملاء الذين أحترم وأقدّر بالنشر، وانهيت بإعادة نشر نقدي عن الفيلم الذي سبق ونشرته في »فيلم ريدر« لمن فاته٠


نديم جرجورة | الأكاذيب فيلما
.........................................................

يتميّز الفيلم الجديد للأميركي ريدلي سكوت، »كتلة من الأكاذيب«، بسمتين اثنتين، على الأقلّ: امتلاكه شروط الفيلم التشويقي، حبكة ومعالجة وأداءً وسياقاً وتصويراً وتوليفاً وإنتاجاً؛ وابتعاده المطلق عن استخدام الكليشيهات في معاينته قضايا عربية/إسلامية. فهو، بتسليطه الضوء على السعي الاستخباراتي الأميركي إلى القضاء على الإرهاب الأصوليّ الإسلاميّ، بدا متماسكاً في ثنائية درامية/سياسية واضحة: نقدٌ لاذع للأداء الأميركي السيئ والعنيف والأنانيّ، وتعاط موضوعيّ مع الإرهابيين ورجال الأمن والاستخبارات العرب/المسلمين. وهو، بتوغّله في عالم ما بعد الحادي عشر من أيلول والحرب الأميركية الغبيّة ضد الإرهاب، ظلّ وفياً لمعطيات ميدانية وحقائق ثابتة، سواء تعلّق الأمر بسلوك استخباراتي أميركي أو أردني، أو تناول واقع الصراع الدموي بين أصوليين إسلاميين والعالم الغربي.
لا يُعظّم »كتلة من الأكاذيب« الدور الأميركي في مكافحة الإرهاب هذا، ولا يسقط في فخّ التشهير المعمَّم بالعرب والمسلمين. تماماً كما فعل ريدلي سكوت في »مملكة الجنّة« قبل أربعة أعوام، عندما تعامل وشخصية القائد العربي/الإسلاميّ صلاح الدين الأيوبي (غسان مسعود) بواقعية وإنسانية واحترام ومصداقية، منتقداً، ضمناً، سلوك الصليبيين في تلك الحروب »المقدّسة«. ففي جديده، قال سكوت بوضوح إن هناك إرهابيين أصوليين ملتحفين بالدين الإسلامي، لكن هذا لا يعني أن العرب والمسلمين جميعهم إرهابيون؛ كما أن هناك عملاء أجهزة استخباراتية أميركية وعربية يتعاونون معاً في هذه المهمّة، لكن هذا لا يعني أن التعاون راضخٌ لمشيئة السيّد الأميركي فقط، لأن للعربيّ حقّاً في القضاء على الإرهاب، ومصالح خاصّة به في مكافحة الجريمة السياسية أيضاً.
بهذه الصورة، اكتمل المشهد الذي صوّره سكوت: واقعية يُدركها كثيرون، وحقائق عامّة لا لبس فيها. علماً أن ما يجري في الكواليس، رهنٌ بمخيّلة سينمائية ابتكرها مخرج »سقوط طائرة بلاك هوك« و»ثيلما ولويز« و»المُصارع« و»هانيبال« وغيرها، تاركاً لنفسه العنان في اختراع معالمها، التي بدت واقعية جداً، أو بالأحرى متماسكة في منطقها الدراميّ، على الأقلّ.
ثم إن الصراع في الفيلم ليس قائماً بين أصوليين وأجهزة استخباراتية فقط، لأن ريدلي سكوت بيّن حجم الهوّة الواقعة بين مدراء أمنيين أميركيين مقيمين في مكاتبهم، وعملاء ميدانيين يُدركون طبيعة الجغرافيا والمجتمع والناس. إنه نوعٌ من تشريح للأجهزة الأمنية الأميركية، ومحاولة جادّة لفضح »العنجهية« الأميركية في تعاطيها مع العرب والمسلمين، من دون الوصول إلى اعتبار هؤلاء الأخيرين »ضحايا« هذه العنجهية. بهذا، برع سكوت في رسم الملامح الواقعية للإرهابيين والأمنيين على حدّ سواء، وللوقائع المختلفة التي تعانيها منطقة الشرق الأوسط والعالم حالياً؛ وحافظ على حقيقة أن قوّة الأجهزة الاستخباراتية الأردنية لا تُضاهى؛ وتوغّل في عالم الاستخبارات ونزاعها الدموي مع الإرهابيين الأصوليين، جاعلاً »كتلة من الأكاذيب« فيلماً سياسياً بامتياز، عن عالم أميركي منهار تحت وطأة الخداع والكذب والعنصرية٠

ً
زياد عبد الله | لا أحد يحب الشرق الأوسط
.........................................................

إن كان للحيرة أن تعتري من يحاول الاقتراب من فيلم المخرج البريطاني ريدلي سكوت » متن الأكاذيب» الذي يعرض حالياً في دور العرض المحلية، فإن تبديدها يبدأ من عنوان الفيلم، ما دام هنا الإصرار على المتن بوصفه مليئاً بالأكاذيب، وعدم الالتفات إلى الهامش بوصفه نقيضاً أو صادقاً ربما، ما يقودنا مع ارتباط العنوان بمضمون الفيلم، إلى أن الحرب على الإرهاب مليئة بالأكاذيب.
لكن الحيرة سابقة الذكر لن تتبدد ما دامت الأكاذيب متعلقة بقيام عميل السي أي أيه روجر فارس (ليوناردو دي كابريو) باختلاق شبكة إرهابية وهمية من أجل الإيقاع بالشبكة التي يلاحقها في الأردن، ولدرجة تبنيها أي الشبكة الوهمية تفجيراً في تركيا يكون من إعداد السي أي أيه بحيث تكون الضحايا جثثاً مسبقة، وغير ذلك مما يخرج به روجر من جراء تعقبه لما يعرف بشبكة السليم.
يرتكز فيلم سكوت على ثلاث شخصيات رئيسة، هي أولاً روجر العميل سابق الذكر أو بطل الفيلم، الذي نقع عليه أولاً في العراق ثم ينتقل إلى الأردن، ويكون تحت أمرة ايد هوفمان (راسل كرو) الشخصية الرئيسة الثانية والذي يسأله روجر دائماً الاستقلالية وإطلاق يده في عمليته في الأردن المتمثلة بإلقاء القبض على "السليم" وشبكته الإرهابية التي تكون متهمة بتفجيرين الأول في مانشستر والثاني في امستردام كبديل عن تفجيري لندن ومدريد، وليحضر على الفور هاني (مارك سترونغ) ضابط الاستخبارات الأردنية، صاحب السطوة والخصوصية، والقادر على الامساك بكافة الخيوط.
بين هؤلاء الثلاثة تتضح ثلاثة آراء في الحرب على الإرهاب، فروجر يثق بهاني، ويرى أن تعاونه معه سيكون مثمرا، هوفمان لا يثق بأحد عربي أو شرق أوسطي، كما أن إصرار روجر على الوفاء مع المتعاملين معه يواجه دائماً هوفمان بالرفض معتبرا أنهم لا يستحقون شيئاً، لا بل إن جميعهم في النهاية إرهابيون، ولعل في هذا جزء أيضا من قناعات روجر الذي لن يتردد في التسبب بمقتل مهندس عربي بعد توريطه من حيث لا يدري بأعمال إرهابية.


هاني يشكل مربط الفرس، والمتمكن تماما من أوراق اللعب في هذه الحرب القذرة، وحواراته مع روجر تشي بالخصوصية الشرق الأوسطية كما يسعى الفيلم إلى تقديمها، فهاني يقول مثلاً "أنتم الأميركان لا تستطيعون الحفاظ على الأسرار لأنكم ديمقراطيون" وغير ذلك من ما له أن يضيء بحسب رؤية الفيلم التعارض بين مقاربة الاثنين.
وعلى صعيد مواز يمكن التعامل أيضا مع "متن الأكاذيب" بوصفه فيلما جاسوسياً وفق المعطيات الحاضرة الآن، ويمكن أن يكون روجر هو جيمس بوند دون خوارق، بل بوند على أرض واقع لا يرحمه، ويرى في تقنياته معبرا لهزيمته، كون هؤلاء الارهابين لا يستعملون التقنيات، تخلوا عنها تماماً ويعيشون في الماضي ويرون في عدوهم الأميركي مستقبلا غير مرئي بالنسبة إليهم حسبما بحلل هوفمان.
الفيلم مليء بأشياء كثيرة غير الأكاذيب التي يحاول وضعها أمامنا، ولدرجة يلتبس الأمر فيها وتبدو تلك الأكاذيب هي الحقيقة بعينها، والعكس بالعكس، لأنه أيضاً محتكم على قدر كبير من الأحكام المسبقة، والنظرة التقليدية للشرق والغرب، مثل أن يكون في كل من في الأردن خلفية تتسم بسحن عدائية وجاهزة للانقضاض على الآخر المختلف عنهم، الأمر الذي يخرج عنه في رصده علاقة روجر بعائشة التي يقع بحبها، ولتكون من أصول إيرانية، والسبب في تكبده عناء الخطف كرمى لعينيها، ونجاته من الذبح في اللحظة الأخيرة بمساعدة هاني.
لم يعط الفيلم دوافع التغيرات التي تطرأ على روجر في النهاية حقها، ولعلها جاءت على نحو مفاجئ، بمعنى أن نجاته من الذبح على يد هاني أو حتى حبه المركب لعائشة لم تشعرنا بأنها قد تكون سببا في قراراه البقاء في الأردن بعد قراره التخلي عن عمله في المخابرات، ولعل ما يقوله هوفمان له بعد مصارحته له بقراره هو تماماً ما يوحي به كل ما في الفيلم "ما من أحد يحب الشرق الأوسط، ما من شيء فيه يثير الإعجاب".
طبعاً تحضر اللغة العربية في الفيلم وعلى لسان دي كابريو الذي يرطن بها على نحو حذر، مثله مثل من معه من ممثلين، ولعلها تكون دائماً ركيكة عدا مع الممثلين الفلسطينيين علي سليمان وقيس ناشف، ودورهما القصيرين.
تبقى الحيرة التي بدأنا بها حاضرة، لا بل إنها تتصاعد بعد المشاهدة.. ريدلي سكوت وقد تجاوز السبعين ما زال بكامل حرفيته العالية، دي كابريو يواصل تألقه ويقدم دوراً يشبه أدواره الأخيرة الناضجة، لكن كم من الأكاذيب علينا أن نصدق لنكتشف الحقيقة؟


هوڤيك حبشيان | عميلان أميركيان في مواجهة
.........................................................

خلافاً لخياراته في التأويل والاجتهاد التي جعلت من "سقوط بلاك هوك" فيلماً خاطئاً، يؤكد ريدلي سكوت في جديده نظرة مسؤولة وشاملة ومنصفة حيال النزاع القائم منذ تاريخ 11 أيلول المشؤوم. نظرة عالمية للنزاع القائم بين أنصار الفوضى من جانب وأنصار الانضباط من جانب آخر، ليظهر على مدار ساعتين ونيّف مدة "أكاذيب سلطة" (هذه ترجمة للعنوان الفرنسي للفيلم) كم يكون ممكناً الحلم بعالم أفضل، من دون قتل ودم، ما دام هذا الحلم هو في الرأس وليس خارجه، وما دام خطاباً في فم جورج بوش وليس حرباً من أجل السلام والديموقراطية في صحراء العراق. الفيلم هو وليد سنوات الألفين، اذ يختصر عقداً من الزمن، من خلال غوصه في عالم المخابرات والمخبرين. عبر شخصيتي العميلين في وكالة الاستخبارات الأميركية، يحبك السيناريو التصادم القائم بين أميركا والعالم، وهو تصادم نابع من الفوارق في الايديولوجيا والدين والفكر والمفاهيم، ولكن هذا كله لا يمنع ريدلي سكوت من الدعوة الى خطاب معتدل ومتسامح يقف على عتبة الأشياء، مؤكداً شيئاً مهماً، مفاده أن التفاهم ليس مستحيلاً، لكن على الطرفين أن يتنازلا عن عنجهيتهما المفرطة وبرجهما العاجي، ليتركا الناس ينعمون باستقرار بات العالم في حاجة اليه، اليوم قبل الغد. ولا شكّ أن الفيلم أكثر من هذا كله، لكن المشاهدة وحدها هي التي تمنح فكرة حقيقية عن جوهره، ذلك أن تجربة سكوت هي تجربة بصرية وليس شفهية. أياً يكن، لا شيء مما نراه في الفيلم، عصيّ على الفهم أو الإدراك. لا يخفى على متابعي الحوادث السياسية منذ مطلع الألفية الثانية، أياً من التفصيلات المعالجة درامياً، على رغم اصرار الفيلم الغريب على الانتقال من مكان الى آخر، وهو شيء لا يكون دائماً في مصلحته.
منذ لقطة الافتتاحية، لا يوفر الفيلم في الامكانات: مشهد انفجار ضخم في مدينة مانشستر، يعيد الى الاذهان لحظات سوداء عشناها جميعاً على التلفزيون أو في الحياة. تسارع مجموعة ارهابية في تبني الجريمة. ويسارع أعضاء في وكالة الاستخبارات الأميركية في طلب رأس الرجل الأول في هذا التنظيم. لا شيء يخرج على المألوف الى الآن. هكذا يبقى الفيلم يسير على خط ثابت حتى الآخر. ثم يطل ليوناردو دي كابريو، المكلف ضمن خطة عمل بالتنسيق مع المشرف على أعماله راسل كرو، القضاء على "أعداء أميركا والعالم". يبتعد سكوت بقدر ما يستطيع عن الكاريكاتور، ممرغاً في الوحل صورة عميلين، يجهلان حقيقة الأرض التي يقتحمانها، وما تخفيه الواجهات البراقة من بؤس ومحن. فالأول، كرو، شخص لا يبالي بمهماته، وهذه اللامبالاة بادية في تصرفاته وطريقة كلامه وسلوكه مع العائلة والزملاء. سكوت يجعل منه شخصاً ذا كرش كبير، يمضي وقته في التنقل والحركة، لكن من دون فاعلية تحسب. أما الثاني، دي كابريو، فلا يهدأ للحظة، ويسعى الى تفكيك ألغاز الواقع، لكن مشاعره في لحظة انصياع تأخذه الى ارتكاب حماقة، فيقع في حبّ ممرضة عربية، سيكلفه كثيراً.
هنا، ثمة تمرد على الاطر التصويرية، واقتحام لثوابت تيماتيكية أفقدت السينما ميزة التصادم المفترض انه اساس كل عمل فني يستمد مشروعيته من نظرة الآخر. وتفرد في جميع المجالات، وأبرزها ما هو متصل بالخطاب السياسي الضمني الذي يظهر انفتاحاً شديداً يكاد يبلغ حدود الوقاحة، وما هو مرفوض سياسياً، عبر فضحه التواطؤ المنظم، ولكن غير المتفق عليه أو المقصود، بين السلطة واجهزتها والجريمة. عبر رفع الستارة على جرائم الاشرار من جانب وحماقات السلطة العميلة والمتواطئة والمتعاونة التي تعمل تحت وصاية زمرة من البيروقراطيين، لا يحمل الفيلم، وهذه مشكلته، همّ الجواب عن اسئلة كبيرة نتساءلها وسنظل نتساءلها، الى آخر الزمن. واذ يصعب علينا اتهام الفيلم بالبروباغندا الأميركية، هذا الاتهام الجاهز والسهل الذي ينصاع اليه بعض المتسرعين، فلا نستطيع مقاومة فكرة أن الفيلم، كان صار أكثر حكمة لو أنجز بعيداً عن الفوضى الحالية التي تجعلنا نشك في كل شيء، ولا نعرف من مع من ومن ضد من. علماً ان العظمة في السينما انها تلعب على هذا الغموض، لكن هذا شيء لا تستثمره سينما ريدلي سكوت، وهو موجه أولاً وأخيراً الى الجمهور الأميركي. على رغم المآخذ والهنات، يبقى صاحب "مملكة السماء" سينمائياً فريداً، سواء أبدع أو أخفق.


محمد رُضا | وجهان أميركيان متناقضان
.........................................................
فيلم ريدلي سكوت الجديد هو عنوان كبير لموضوع يحتل رقعة كبيرة على الشاشة ويمتد على خريطة تنتقل به من مدن أميركية الى مدن عربية وأخرى أوروبية. رغم كل شيء لا يخرج المرء من الفيلم أكثر إلماماً او أفضل إطلاعاً على رأي محدد بشأن المشكلة التي يُثيرها. الكثير من دخول وخروج الفيلم في عناوين مواضيعه المطروحة لا ينتج عنه أكثر من عمل آخر يمسح سطح المشاكل ولا يتعرّض لها. على ذلك، هناك كل ما يحتاجه الفيلم التشويقي صنع اليوم من عناصر وبل يوفّر قدراً كبيراً من التشويق ولو بشق النفس أحياناً٠


اقتبس كاتب السيناريو وليام موناهان (كتب فيلماً آخر أدى بطولته ديكابريو هو
The Departed
الذي أخرجه مارتن سكورسيزي) من رواية وضعها ديفيد إغناتيوس، وهو صحافي من »واشنطن بوست« تدور في آن واحد عن شغل المخابرات الأميركية ضد الإرهاب وعن الإرهاب الذي يعيش في بعض أنحاء الوطن العربي. ليس هناك ما هو ثابت في وقائع الرواية (ولا الفيلم) لكن استنتاجات خيالية مستمدّة من حقيقة واحدة: هناك إرهاب يعيش في أنحاء من دنيا العرب وهناك جهاز استخبارات أميركي عليه أن يواجهه٠ وهو لا يستطيع مواجهته وحده بل عليه الإعتماد على شخصيات عربية تشارك الغربية موقفها المعادي من الإرهاب٠
هناك شخصيّتان أميركيّتان رئيسيّتان متصلتان بالهاتف وبالكومبيوتر: هوفمان (راسل كراو) الذي يدير جهازاً في السي آي أيه. رجل عائلة على قدر ملحوظ من البدانة (وافق الممثل زيادة وزنه للدور) لا يكف عن العمل ولا شيء، بما في ذلك الصداقة، تحول بينه وبين تحقيق نتيجة تنفع الـ
CV
الخاص به، وروجر فيريس (ديكابرو) وهو عميل المخابرات على الأرض. الرجل الذي يضع حياته على كفّه طوال الوقت خدمة لذات الأهداف٠
إذ تتوقّع أن تشاهد أميركياً بشعاً (على حد تعبير غراهام غرين) الا أن روجر ليس هذا البشع. إنه رجل يجيد العربية (نسمعه يتحدّث بها من حين لآخر) ويعترف بثقافة الآخر ولا يطيق التعذيب (لا حين يراه على الآخرين او حين يتم تطبيقه عليه) ولديه قلب قد يعلق بحب إمرأة من خارج ثقافته وعالمه ودينه هي الممرّضة عائشة (غولشفته فرحاني) التي هي من أصل إيراني لكنها تعيش وتعمل في عمّان. هناك بعض الوقت تتساءل فيه إذا ما كان حب روجر لعائشة حبّاً حقيقياً او أن جبالاً من الإختلافات ستقع في الهوّة بينهما ويأتي الجواب في غضون الفيلم ليعكس حبّاً صادقاً (مع نهاية ملائمة) فحين يصل الى روجر خبر اختطافها من قبل الإرهابيين يعرض أن يتم استبداله بها معرّضاً كل المهمّة التي جاء من أجلها، ومعرّضاً حياته أيضاً، للخطر٠ لكن رئيسه يجد في ذلك فرصة كبيرة للوصول الى الإرهابي الكبير الذي كان من المفترض بالمخرج الصديق محمد خان لعب دوره ورفض فقبله الممثل الاسرائيلي ألون بوطبول. دور صغير أسم صاحبه السليم ووجهه يحمل كل تلك التعابير الشريرة المطلوبة في مواقف مثل ذلك الموقف الذي يكسر فيه »السليم« أصبعين من أصابع يد ديكابريو اليمنى٠ وإذ يحفل المشهد بالتوقّعات الا أن الفيلم في نهاية مطافه لن ينته ببطله بأكثر من تلك الإصابة ولو أن روجر يقرر في نهاية الأمر تسليم مهامه لكي يستمتع بحياة هنيئة في عمّان التي تقع فيها معظم الأحداث٠


يحاكي »كيان من الأكاذيب« الأفلام السابقة له التي تعاملت ومواضيع العلاقة الأميركية- العربية مثل
The Kingdom, Vantage Point, Syriana, Rendition
وبعض سواها ويشاركها القرار بأن المسألة هي أعقد بكثير مما تبدو على السطح. لكنه يذهب قليلاً أكثر في القول أن الحرب على الإرهاب ليست حرباً يحقق فيها الطرف المعادي للإرهاب أي نصر. رئيس الجهاز هوفمان يتعامل مع الوقائع على الأرض بسلسلة من الأكاذيب التي تجعل عمل عميله روجر معرّضاً للفشل والخطر وتفقد ثقة رجل المخابرات الأول في الأردن هاني (مارك سترونغ) الذي كل ما يطلبه من السي آي أيه ان لا تكذب فيجدها تكذب في كل مبادرة ومعلومة٠ بذلك ينتقد الفيلم هوفمان نقداً واضحاً، لكنه ليس بثبات من يريد أن يُدين، بل برغبة من يريد خلق حالة من الفوضى او التعبير عن فوضى كبيرة قائمة٠
في إداء ليوناردو ديكابريو دروساً لسواه من ممثلي الصف الأول. يقدّم إداءاً ينصهر فيها مع الشخصية كما يجب أن تؤدّى ولو أن الشخصية ذاتها كانت لا تزال بحاجة الى بعض الصياغة خلال الكتابة. هنا يقدّم ديكابريو شخصية حسّاسة تعبّر عن خجلها من ممارسات قيادته المخادعة وعن احترامه للآخر. إنه يعرف أنه يعمل في مهنة قذرة لكنه يعلم أيضاً أن إنقاذ الأرواح هو من بين ممارسات هذا العمل ويحاول إنجاز ذلك ويفشل وينجح لكن تبعاً لتشابكات كثيرة تقع بين الفرقاء الثلاثة: الأميركيون، السلطات العربية والإرهابيين٠ الأبرز في إدائه هو أنه واقعي الى حد كاف. سواه (لنقل توم كروز) كان سيفتعل ما يؤديه ديكابريو هنا بسلاسة او كان سيعتمد على وسامته ونجوميّته و»تعالوا شوفو بعمل إيه« كما هو السائد بين كثيرين عرباً وأجانب هذه الأيام٠
من الأسماء العربية في الفيلم علي سليمان لاعباً شخصية رجل عربي غير إرهابي يعمل في البورصة والبزنس العام تورطه المخابرات (بتخطيط من هوفمان) في عملية تفجير هو بريء منها لكنها تجذب إليه ذلك »السليم« الذي يقود عمليات القاعدة ما يعرّض الأول للموت. هذا الفيلم عن اللعب بالأرواح فعلاً. كذلك في الفيلم قيس الناشف في دور إرهابي طازج ينتقل للعمل لصالح المخابرات الأردنية. هذا الفيلم هو أيضاً عن مناطق خداع كثيرة٠
التوليفة بأسرها ناجحة، لكن الفيلم لا يضيف الى ما هو معروف وملموس سوى أسلوب المخرج المكثّف من دون أن يكون المعمّق او القادر على ايجاد رقعة لتحليل سياسي٠ صحيح أن كل ما يريد الفيلم قوله في هذا الشأن موجود في طيّات القصّة، لكن كم كان مفيداً لو أنه ذهب نصف ميل الى الأمام لكي يمنح الفيلم بعض الصدق. ربما كان ذلك سيستدعي إنفجارات والاعيب تقنية وخطوط متشابكة أقل، لكنه كان سيمنح الفيلم قدراً مما كان يحتاج اليه أكثر من سواه: الإنتقال من حالة فيلمية الى حالة واقعية ولو بحدود كافية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Nov 25, 2008

ISSUE 356 | Beyond VALKYRIE... the new Tom Cruise film

ا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هل يستطيع توم كروز إنقاذ نفسه
ومترو غولدوين ماير بعين واحدة؟


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خلال أسابيع قليلة يواجه الممثل والمنتج تـوم
كروز
تجربة جديدة إذا ما نجحت طاف فوق
سطحها وإذا
ما فشلت غرق في مياهها | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



في الخامس عشر من هذا الشهر توجّه بضع مئات من المشاهدين في نيويورك ولوس أنجيليس الى عرض خاص جدّاً لفيلم بعنوان »ڤالكَري«، بدعوة من شركتي يونايتد أرتستس ومترو غولدوين ماير. إنهم جمهور التجارب حيث يتم عرض الفيلم الذي تحيط به التساؤلات عادة على نخبة مختارة عشوائياً تقريباً لمعرفة ردّة الفعل الأولى لها. هل سيستحسن الجمهور المنتخب الفيلم؟ هل سيستاء منه؟ هل سيوافق على أحداثه؟ ما رأيه ببطله؟ هل تعجبه النهاية؟ هل يعتبر الفيلم مثيراً وجديراً بالمشاهدة أم لا٠

قبل ثلاثة أسابيع مثلاً، تم عرض فيلم آخر على نخبة من المشاهدين في مدينة سيدني تم على أثره تغيير نهاية الفيلم. الفيلم كان بعنوان »استراليا« مع نيكول كيدمان وهيو جاكمان في البطولة، وحسب النهاية السابقة التي أعجبت المخرج باز لورمان فإن بطل الفيلم، جاكمان، يموت في ختام الأحداث التي تقع في رحى الحرب العالمية الثانية. معظم الحاضرين انتقدوا هذه النهاية ووجدوا أن موته لم يكن ضرورياً ما دفع الشركة لتغيير النهاية ضماناً لنجاح الفيلم


لكن »ڤالكَري« يختلف من حيث أن الفيلم جميعه محط اختبار حاسم. ليس في علم صانعيه كيف سيتصرّف المشاهدون حياله والى أي مدى سيكون إقبالهم او رفضهم له خصوصاً وأن الشخصية التي يدور حولها الفيلم حقيقية متمثّلة بشخصية كولونيل ألماني حاول قتل هتلر ودفع حياته ثمناً لذلك. ما يعني أنه ينتهي بموت بطله أيضاً- على الأقل هذا إذا ما حافظ السيناريو على الأحداث من دون تعديل
خلال العرض، تفيد التقارير، بقي الحضور صامتاً وحين انتهى الفيلم قام الجميع مغادرين. حسب المصدر: لم يكن هناك صفير او تهليل. لم يكن هناك ما يعكس الرأي المباشر في الفيلم سلباً او إيجاباً٠ المراقبون أحصوا الأنفس وخرجوا بإنطباع أن عدم وجود خبر سيء هو وحده خبر مفرح. وبعد دراسة بطاقات الإستفتاء التي تم جمعها من الحضور بعد العرض، فإن الفيلم نال درجات أعلى من المتوسّط بنسبة تزيد عن الخمسين بالمئة ولو أن نسبة الذين أعجبوا به إعجاباً شديداً لم تزد عن عشرة بالمئة

عصابة الأربعة
واحد من الغيبيات التي كان على الفيلم أن يتعامل معها حقيقة الوضع الخاص لبطله توم كروز وذلك من ناحيتي الدور ومن الناحية الشخصية الخاصّة بالممثل أساساً٠
من ناحية الدور، يلعب توم كروز شخصية الضابط الألماني الذي يستخدم ضمادة سوداء على عينه اليسرى. ذلك النوع الذي اشتهر به المجرم الصهيوني موشي دايان٠ ومع أن كروز ليس الوحيد الذي لعب بطولة فيلم بعين واحدة، الا أن من سبقه إليها ربما لأول مرّة وهو الراحل جون واين في فيلم »جرأة نادرة« في السبعينات، ليس النموذج الصالح للتقليد. وأحداً لم يقلّده الا من خلال أدوار شريرة. وجون واين، كما تردد في ذلك الحين رغب في تسديد تحيّة لشرير الحرب التي دارت سنة 1967 بين العرب والكيان الإسرائيلي فكان أن اختار شخصية عجوز بعين واحدة يواجه عصابة من أربعة أشرار في منازلة ينتصر فيها كإنتصار اسرائيل في تلك الحرب على الدول العربية الأربعة التي تحيط بها

وسواء أكانت هذه القراءة صحيحة او مغرضة، فإن هوليوود لم تجد تقديم بطل سينمائي بعين واحدة أمراً يدعو للبهجة٠ فيلم جون واين، وهو من نوع الوسترن، نجح بين جمهور ممثل أفلام الغرب الراحل وليس لأنه مثّل بكلا عينيه او لا٠ هذا هو التردد الذي واجهه القائمين على مشروع فيلم »ڤالكَري« خصوصاً وأن توم كروز لم يحقق نجاحات تجارية كبيرة مؤخراً بكامل ناظريه، فكيف يمكن الركون الى أنه سيحقق النجاح بعين واحدة؟
من باب التأكيد على أن هذه المسألة كانت سؤالاً ملحّاً، فإن النسبة الأغلب من الإعلانات المنشورة في الصحف الأميركية استخدمت صورة لتوم كروز في ثياب الضابط الألماني إنما من دون العصبة السوداء على عينه اليسرى٠ وهذه رسالة واضحة بحد ذاتها تحاول جذب الجمهور بقوّة الممثل ونجوميّته وليس عبر شخصية الضابط الذي تحوّل، هو ومحاولته قتل هتلر، الى قصّة من الوقائع الغابرة التي لم يتوقّف التاريخ عندها الا قليلاً


مسببات الحذر
أما الجانب الشخصي فوضعه مماثل في أهميته لناحية المخاوف التي انتابت صانعي الفيلم ومنتجيه (بمن فيهم توم كروز كأحد منتجيه وكبطله) . فالممثل الذي حقق في التسعينات نسبة عالية من النجاحات التجارية، افتقد منذ مطلع هذا العقد الى المزيد منها. في واقع الأمر أن فيلمين فقط لتوم كروز تجاوزت إيراداتهما الأميركية سقف المئتي مليون دولار (وكل منهما تكلّف نحو مئة مليون او أكثر) هما
War of the Worlds و Mission: Impossible II
وذلك خلال السنوات الثماني الأخيرة٠
وفي حين أن »المهمة: مستحيلة 2« هو نوع ملتصق بشخصية بطله منذ البداية، الا أن »حرب العالمين« كان من الممكن نجاحه من دون توم كروز وذلك على قوّة مضمون الفيلم ونوعيّته الخيالية العلمية٠ دليل ذلك هو أن الممثل كروز كان مثّل قبله بسنوات قليلة فيلماً من إخراج ستيفن سبيلبرغ، مخرج »حرب العالمين« ، هو »تقرير الأقلية« ولم ينجز النجاح المأمول له٠
ليس أن كروز يسيء الإختيار بالضرورة او لأن النجاح قسمة ونصيب، بل لأن دروب الممثل الشخصية من حيث انغماسه في حياة دينية غامضة وغير محبّبة من قبل الأميركيين كونه من أتباع كنيسة السيانتولوجي، باعدت بينه وبين العديد من روّاد السينما التقليديين وتشكل الآن عبئاً على مهام الحفاظ على مكانته كنجم أوّل٠
لذلك كلّه فإن الخوف من إخفاق فيلم »ڤالكَري« خوف واقع وله مسبباته٠ وهذا كله من قبل أن يدخل الإعلام النقدي وسيطاً بين الفيلم وبين الجمهور ويعكس إعجابه او عدمه٠

برايان سينجر مع تومي

أخرج الفيلم برايان سينجر الذي اعتبر واعداً سنة 1995 حين أخرج »المشتبهون المعتادون« وأقل وعداً حين حقق »تلميذ نجيب« سنة 1998 ثم بلا وعد على الإطلاق حين ترك ما هو سينما ذاتية وجادّة وعلى قدر من الإبداع وحط في قلب الحركة الإنتاجية الاستهلاكية المحضة عبر فيلم »رجال إكس 3«. وهذا ليس من باب الحكم على الفيلم الجديد، بل من باب التساؤل حول ما إذا كان المخرج عاد الى عرينه الأول كمخرج حريص على المستوى الفني او ما زال في ركب الرغبة في تحقيق النجاح على حساب ذلك المستوى أصلاً٠
أما الكاتب فهو كريستوفر مكواري الذي كان كتب »المشتبهون العاديون« والذي كان أحد الذين قدّموا النصيحة للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد بخصوص سيناريو فيلمه »الجنّة الآن«٠
والفيلم هو الإنتاج الثاني لشركة يونايتد آرتستس تحت إدارة رئيسها الجديد .... توم كروز نفسه. وفي البداية ابتاع كروز وشريكته بولا واغنر حصصاً في الشركة المنهارة وتعاقدا مع مترو غولدوين ماير على إدارة شركتهما في مقر الشركة الأكبر٠ لكن بعد حين اضطرت باولا لتقديم استقالتها من العمل تحت ضغط من شركة مترو، في حين توقّف الممثل- المنتج عن الذهاب الى مكتبه في الشركة التي يملكها حين وجد أن أشغاله مديراً ستؤثر عليه ممثلاً٠
وأحد الأسباب التي أدت الى الطلب من شريكته كف ذات اليد عن العمل وتوجيه الممثل الى أن يعتني بعمله الأول وحده، يكمن في أن الإنتاج السابق ليونايتد آرتستس، وهو »أسود كحملان« من إنتاج كروز بمشاركته في البطولة ومن إخراج روبرت ردفورد لم يكن الفيلم الذي رغبت فيه مترو غولدوين ماير (التي تموّل حسب العقد المبرم وبالتالي تصبح ذات اليد الطولى في الإختيارات)، فالفيلم الجيّد وُلد لغير زمنه وانضم الى قافلة تلك الأفلام الجادّة (يتناول الحرب في العراق وأفغانستان وسياسة بوش الخارجية) التي انطلقت في العام الماضي ولم تصل الى خط النهاية٠

أزمة محتملة
حين بوشر بالتصوير واجه الفيلم مصاعب بسيطة كبّر حجمها الإعلام ليخلق هالة مسبقة. فقد حدث أن قامت الإدارات الرسمية المختصّة برفض منح الفيلم رخص تصوير في الأماكن التي تقع تحت مسؤوليتها، هذا قبل أن تتراجع وتوافق. وفي كلا المرحلتين، الرفض والموافقة، بدا كما لو أن الفيلم ضحية مهددة ثم ضحية منتصرة. لكن المشاكل الحقيقية هي التي لم تعلن والتي شهدها تنفيذ الفيلم الذي سيقدّم لنا ضابطاً نازياً بثياب تعاطفية لمجرد أنه حاول قتل هتلر (وسيداخله -على الأغلب- حديث عن الهولوكوست وما حل باليهود آنذاك)هي أن التصوير تعطّل في البحث عن صيغة مناسبة للعمل بأسره ما أدّى لحذف مشاهد تم تصويرها ليس لأعطال او عيوب فنية بل بسبب أن وجودها كان سيعيق الصياغة الكليّة محدثاً ارتباكاً في استقبال المشهد للشخصية ولبطولاتها ومواقفها وللفترة التاريخية عموماً٠
هذا ما تسبب في تأخير وانتشار الأخبار بأن الفيلم يعاني من صعوبات إنجازه وأن النتيجة الحتمية لذلك هو تأخير عروضه وارتفاع تكاليفه. وبالفعل تم تأخير مواعيد العرض التجاري مرّتين ثم استقدامها مرّة قبل أن يستقر الأمر على عرضه في مطلع الشهر المقبل٠
وفي كل الأحوال فإن إدارة واغنر لهذه الأزمة كانت السبب الكبير الآخر الذي سرّع بصرفها من الخدمة وعودتها الى شريك معنوي أكثر منه شريكا فاعلاً في الشركة التي أنشأتها مع كروز٠
ونجاح الفيلم او إخفاقه ليس من الأمور المعتادة او العادية بالنسبة لأي من المذكورة أسماءهم أشخاصاً او مؤسسات. إذا ما نجح الفيلم برهنت مترو عن جدارة وبرهن كروز عن أن شعبيته لا تزال محسوبة، أما إذا فشل فيعني ذلك أن مترو غولدوين ماير هي التي بحاجة الى تجديد مدراء وليس فقط يونايتد آرتستس كما يعني أن كروز سيواجه ، وهو في السادسة والأربعين من العمر، صخوراً عليه صعودها إذا ما أراد استعادة مكانته. أما المخرج سينجر فقد يودّع الإنتاجات الكبيرة بأسرها ويعود الى حين كانت أفلامه صغيرة ومقبولة من قبل النقاد٠

مستقبل على المحك
طبعاً توم كروز لن ينتظر النتيجة او يتوقّف عندها بصرف النظر عما ستأتي به. فهي إن ما جاءت ناجحة وظّفها لصالحه وإذا ما جاءت عكس ذلك، فإن اقدام كروز للبدء بفيلم آخر هو خير رد متاح لكي يردأ الحفرة التي سقط فيها٠
والمشروع الآخر جاهز٠
إنه فيلم بعنوان »السائح« ستموّله شركة
Spyglass
بميزانية ترتفع قليلاً عن الستين مليون دولار ومن المفترض أن يباشر بتصويره في الربيع المقبل وهو أيضاً من كتابة مكواري وهو من النوع التشويقي٠
لكن الآن وطوال الأسابيع القليلة المقبلة، فإن هم الشركاء المختلفين لفيلم »ڤالكَري« هو تبديد الإعلام السلبي الذي أحاط بالفيلم حين انتشرت أخبار متاعبه الفنية. والتجارب السابقة برهنت على أن مثل هذه الأخبار تقتل الفيلم وليس على توم كروز سوى النظر الى ما حدث مع فيلم »الغزو« الذي قامت زوجته السابقة نيكول كيدمان ببطولته والذي سقط أمام لا غزو المشاهدين قبل نحو عام٠
والمساعي لتغيير وجهة الفيلم تبدو الآن أكثر حضوراً مما سبق وقد اقترب موعد عرض الفيلم. وهي مساع لابد ستثمر وإن لم يكن معروفاً الى أي حد، فحتى الآن كل ما هو معروف بأن ظهور توم كروز في الإعلانات الصحافية وسواها بعينيه الكاملتين تمنحان الفيلم فرصة جديدة لتسجيل النجاح الذي يصبو إليه. من هذه الإعلانات واحدة يضع توم كروز في مقدّمة الممثلين الرئيسيين الآخرين المشاركين في الفيلم وهم كينيث براناه، بل نيفي توم ولكنسون وترنس ستامب٠
وبالنسبة للمشاهد المبثوثة عبر اعلانات الإنترنت (ترايلرز) فإن مترو غولدوين ماير سارعت، حال إنتهاء المخرج برايان سينجر من إخراج مشاهد القتال التي صُوّرت في ولاية كاليفورنيا الى تغيير تلك القديمة والتي أظهرت كروز بعين واحدة. الآن معظم المشاهد الجديدة منشغلة بتتبّع لقطات المعارك الحربية والفردية في محاولة لمحو الصورة المحفوظة في الأذهان سابقاً٠
أخيراً، فإن ظهور الفيلم في الشهر المقبل (بعد إسدال الستارة على ترشيحات الأوسكار) سيواجه بمنافسة أفلام رئيسية أخرى من بينها فيلم رعب بعنوان »الروح« يجمع بين سكارلت جوهانسن وسامويل ل. جاكسون، و»قضية بنجامين باتون المثيرة للفضول« الذي يجمع بين براد بت وكايت بلانشيت وتيلدا سوينتون٠ رحلة »ڤالكَري« إذاً لن تكون سهلة حتى ولو فتح الممثل كلتا عينيه طوال الفيلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقاط حوار

ما رأيك بتوم كروز ممثلاً او منتجاً؟ -
هل تنتظر أفلامه او يعتمد ذلك على -
الموضوع او المخرج؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Nov 23, 2008

ISSUE 364 | Cinematographer: Haskel Wexler | Cinema of... Bernardo Bertolucci

أكثر الأفلام رواجا
جولة إحصائية لستة أفلام في خمسة عشر سوقاً حول العالم

................................................................................

تحقيقات
هل كانت شخصيات برناندو برتولوتشي إنعكاساً لحياته وأين أصبح اليوم؟
................................................................................
مهن وشخصيات
مدير التصوير هسكل وكسلر: حوّل الكاميرا الى ذلك السلاح وبرع فنّاً ومضموناًً


INTERNATIONAL TOP FILMS
.....................................................................................

1 Quantum of Solace |Dir: Mark Forster [UK-USA] ***
This Week: $54,850,296
Total: $ 122,379,178
المغامرة الأخيرة لجيمس بوند متوفّرة في معظم الأسواق الكبيرة والصغيرة هذه الأيام باستثناء اليابان الذي ينجز فيها فيلم جديد لجون وو عنوانه
The Red Cliff
المركز الأول للأسبوع الثالث على التوالي٠ بالنسبة لبوند هو في المركز الأميركي الأول لكن الإحتمال الكبير هو أن يتعرّض لهجوم من فيلم الفامبايرز الجديد
Twilight
الذي بيعت تذاكر حفلاته المسبقة (تُقام فقط عند منتصف الليل) مسبقاً كلها٠
....................................................................
2 Madagascar: Escape 2 Africa | Dir.: Eric Darnell, Tom McGrath [USA] **
This Week: $41,392,548
Total: $165,123,170
فنياً ليس بقوّة سابقه وحسناته هي نوع من تكرار الحسنات السابقة. تجارياً لا يقل عن ذاك نجاحا٠
....................................................................
3 Changeling | Dir: Clint Eastwood [USA] ****
This Week: $8,710,756
Total: $28,088,448
فيلم كلينت ايستوود الدرامي الجيّد قد لا يحقق المنشود منه على الصعيد التجاري، لكنه آيل الى سباق الأوسكار والغولدن غلوب بلا ريب٠
....................................................................
4 High School Musical: Senior Year | Dir: Kenny Ortega [USA] **
This Week: $8,651,605
Total: $92,820,821
فيلم ديزني الشبابي هو الثالث في سلسلة اكتفت بالتوجّه الى رفوف الأسطوانات سابقاً. وسطي في كل شيء ودون ذلك لمن يبحث عن قيمة فنية٠
....................................................................

5 Dostana | Dir: Tarun Mansukhani [India] ?
This Week: $8,376,619
Total: $8,376,619
لا أرقام لدي حول كم أنجز هذا الفيلم في الهند أساساً، لكن العروض العالمية واعدة بعض الشيء وها هو في المركز الثالث علماً بأنه عرض بنجاح محدود جدّاً في الولايات المتحدة ربما لأجل دخول الأوسكار
....................................................................
6 Saw V | Dir.: David Hackl [USA] **
This Week: $7,446,331
Total: $88,695,106
السلسلة السادية تنجز نجاحاً لا بأس به لكن لا أعتقد إنه سيكون قريباً من النجاحات السابقة. في أميركا جاء الإستقبال فاترا


برناندو برتولوتشي: ما بعد قمّة النجاح؟ .... قمّة الحضيض؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أين أصبح برناردو برتولوتشي‮ ‬الـذي‮ ‬كان أنطلق في‮ ‬الستّينات والسبعينات
كواحـد من
مصممي‮ ‬السينما الأوروبية الحديثة وصاحب مجموعة من أفضل أفلامها؟‮
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


آخر مرّة شاهدناه فيها كان‮ ‬يلملم بصمات الأمس ليصنع بها فيلماً‮ ‬جديداً‮ ‬يعيده الى تلك الفترة الزاهية من حياته وحياة السينما الأوروبية بأسرها‭.‬‮ ‬النتيجة‮ »‬الحالمون‮« (‬2003‮) ‬الذي‮ ‬حوى عناصر من أفلام سابقة وظلالات من‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮« ‬و»إستراتيجية العنكبوت‮« ‬كما‮ »‬الملتزم‮« ‬والذي‮ ‬أخفق في‮ ‬الوصول الى ما كان وصل إليه كل من هذه الأفلام المذكورة ومعظم ما حقّقه برتولوتشي‮ ‬في‮ ‬فترة ما قبل إنتقاله من سدّة الفنانين الملتزمين بالبحث في‮ ‬نوازع ومرجعيات شخصيّاتهم الى السينمائي‮ ‬الذي‮ ‬يريد تتويج نفسه تجارياً‮ ‬وعلى الشاشات جميعاً‮ ‬وذلك منذ أن إنبرى،‮ ‬سنة‮ ‬1987‮ ‬لإنجاز‮ »‬الإمبراطور الأخير‮«‬‭.‬
في‮ ‬تلك المرّة الأخيرة وضع أبطاله في‮ ‬الفترة الحرجة من التاريخ السياسي‮ ‬والثقافي‮ ‬الحديث إذ هم ثلاثة‮ ‬يعيشون ظهيرة الثورة الثقافية الفرنسية ومظاهرات‮ ‬1968 الشهيرة‭.‬‮ ‬أي‮ ‬أنه حاول بالفعل العودة الى الفترة التي‮ ‬شكّلت أيضاً‮ ‬وعيه الخاص‭.‬‮ ‬تلك التي‮ ‬كان أيامها‮ ‬ينفّذ أفلاماً‮ ‬ذات وميض خاص بها‮ ‬يتحدّث فيها عن شخصيات تنطلق في‮ ‬طريق لتكتشف إنها خائفة من الإستمرار فيه فتنتقل بقرار ذاتي‮ ‬الى العالم الذي‮ ‬خلفته وراءها‭.‬‮ ‬بذلك رصف برتولوتشي‮ ‬نهايات مأسوية متعددة لأبطاله الحائرين‭.‬‮ ‬لتلك الشخصيات التي‮ ‬جاءت من كنف عائلة ترفضها ثم إذا بها تجد نفسها راغبة في‮ ‬مزاولة المفاهيم ذاتها لإنشاء حياة مماثلة إذا ما أمكن لهم ذلك‭.‬
بملاحظة أن شخصياته كانت تمشي‮ ‬الى الأمام لكي‮ ‬تعود،‮ ‬وتقدم لكي‮ ‬تتراجع وتبادر لكي‮ ‬تحجب،‮ ‬لا‮ ‬يمكن الا استخلاص تشابه بين هذه الشخصيات وبين شخصية مخرجها برتولوتشي‮ ‬كما نستخلص التشابه من تجربته السينمائية التي‮ ‬أنجبت تسعة عشر فيلماً‮ ‬من العام‮ ‬1962‮ ‬الى العام‮ ‬2003‮ ‬كما سبق‭.‬

برناندو خلال تصوير
Last Tango in Paris

الأب‭-‬‮ ‬المعضلة
الصراع الرئيسي‮ ‬في‮ ‬فيلم برتولوتشي‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮« (‬1972‮) ‬موجود في‮ ‬شخصية شاب‮ ‬يحاول الهرب من كنف وتقاليد ومفاهيم عائلته البرجوازية‭.‬‮ ‬وبرناردو برتولوتشي‮ ‬جاء من تلك المفاهيم والتقاليد ولو أن والده،‮ ‬الشاعر أتيليو،‮ ‬لم‮ ‬يكن من البرجوازية الأرستقراطية التي‮ ‬تراها مثلاً‮ ‬في‮ ‬أفلام لوكينو ڤيسكونتي‭.‬‮ ‬والمسألة ليست مسألة فيلم واحد‭.‬‮ ‬نفس شخصية الشاب المتطلّع لنبذ الحياة التي‮ ‬نشأ عليها موجود في‮ »‬قبل الثورة‮« (‬1964‮) ‬و»الملتزم‮« (‬1964‮) ‬ما‮ ‬يستدعي‮ ‬التأكيد على أن المخرج إنما كان‮ ‬يتناول شخصيات قريبة منه وغير خيالية المنشأ على الأقل‭.‬
لكن بؤرة الصراع في‮ ‬هذه الأفلام الثلاث المذكورة هي‮ ‬أن هؤلاء الأبطال المختارين لتولّي‮ ‬قيادة الفيلم والبحث في‮ ‬الموضوع‮ ‬يبدون أقل قدرة على إحداث التغيير المطلوب بسبب مما‮ ‬يودّون الإنقلاب عليه او ضدّه‭.‬‮ ‬التقاليد والإلتزامات تمسك بهم من‮ ‬ياقاتهم ولا تتركهم أحراراً‮ ‬في‮ ‬الإختيار او أكثر جرأة في‮ ‬الإقدام‭.‬‮ ‬لكن هذا هو تفسير من جانب معاد لتلك الشخصيات‭.‬‮ ‬حاول أن تقف في‮ ‬منتصف الطريق،‮ ‬كما‮ ‬يفعل برتولوتشي،‮ ‬ستجد أن تردّدهم في‮ ‬قبول الإختلاف ربما معذور‭.‬
في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬نجد أن بطله‮ ‬ينضم الى الحزب الشيوعي‮ ‬لكنه‮ ‬يعود عنه بعدما أكتشف نقوصاً‮ ‬فيه،‮ ‬هذا من وجهة نظر برتولوتشي‮ ‬الذي‮ ‬كان منتمياً‮ ‬الى اليسار بشدّة‭.‬‮ ‬في‮ »‬إستراتيجية العنكبوت‮« ‬يجد بطل الفيلم نفسه مشدوداً‮ ‬الى اللغز الذي‮ ‬يحيط بمقتل أبيه الذي‮ ‬‭-‬كما توحي‮ ‬الأحداث في‮ ‬البداية‭-‬‮ ‬مات نتيجة قيام قوى فاشية بإغتياله‭.‬‮ ‬هنا،‮ ‬ونحن نتحدّث أساساً‮ ‬عن المواقف‮ ‬غير الواضحة او النهائية لبرناردو برتولوتشي،‮ ‬نجد أن الإبن‮ ‬يتحوّل الى صورة لأبيه‭.‬
وصورة الأب ماثلة وبالتالي‮ ‬الهيمنة العائلية‭-‬‮ ‬تلك التي‮ ‬اختتم بها برتولوتشي‮ ‬فيلمه الأخير‮ »‬الحالمون‮«‬‭.‬‮ ‬الأب عنده هو المرجع الذي‮ ‬لابد من العودة إليها كما لو أن لا قدرة على الإبن الخروج عنها سواء أكانت مرجعاً‮ ‬يحتذى به او لا‭.‬‮ ‬في‮ »‬الملتزم‮«‬،‮ ‬على سبيل المثال،‮ ‬نجد بطل الفيلم في‮ ‬مطلعه‮ ‬يسعى جهده للخروج من تبعية أبيه مع منحى جديد هنا متمثّل في‮ ‬أن والده كان ممسوساً،‮ ‬أقرب الى المجنون،‮ ‬وبطل الفيلم‮ ‬يحاول أن‮ ‬يحافظ على منطقه الخاص ويبني‮ ‬سدّاً‮ ‬بينه وبين أبيه خوفاً‮ ‬من الإنزلاق إليه‭.‬‮ ‬وسيلته في‮ ‬ذلك الإنضمام الى الحزب الفاشي‮ ‬أيام روسيلليني‭.‬‮ ‬لكن حين‮ ‬يشهد نهاية روسيلليني‮ ‬يجد نفسه في‮ ‬صراع هويّة من جديد ولا‮ ‬يعد أمامه سوى الرجوع مستخدماً‮ ‬ذات الخطوات التي‮ ‬أوصلته الى وضعه الآن لكن هذه المرّة متوجّهاً‮ ‬بنفسه في‮ ‬الإتجاه المعاكس صوب أبيه‭.‬

سن مفتوح٠
إنه من المثير أيضاً‮ ‬كيف أن برتولوتشي‮ ‬يتعرّض للعلاقات العاطفية المحيطة ببعض أبطاله‭.‬‮ ‬ها هو بطله في‮ »‬الملتزم‮« (‬الفرنسي‮ ‬جان‭-‬لوي‮ ‬ترانتنيا‮) ‬متزوّج من إمرأة من الطبقة الوسطى لكنه‮ ‬يؤم عشيقته آنا التي‮ ‬تعمل مدرّبة رقص في‮ ‬إحدى المدارس ومتزوّجة من الرجل الليبرالي‮ ‬الذي‮ ‬يحاول إغتياله تبعاً‮ ‬لأوامر الحزب الفاشي‮ ‬الذي‮ ‬إنضم إليه‭.‬‮ ‬آنا لديها شيء من الطهارة المؤودة في‮ ‬سنوات ترفض أن تخرج منها هي‮ ‬سنوات الطفولة‭.‬‮ ‬مارشيللو‮ (‬تراتنيا‮) ‬يهجرها في‮ ‬المشهد الأخير‭.‬‮ ‬يتركها تبكي‮ ‬ومهدّدة بأن تُقتل على أيدي‮ ‬الفاشيين بدورها‭.‬
هذا قريب‮ ‬من نهاية فيلمه الأسبق‮ »‬ما قبل الثورة‮«: ‬فابريزو‮ (‬فرنشسكو باريللي‮) ‬سيتزوّج من فتاة سليليا التي‮ ‬أختيرت له منذ أن كانا صغاراً‭ ‬‮(‬عادات قريبة مما كان‮ ‬‭-‬ولا‮ ‬يزال‭-‬‮ ‬معمولاً‮ ‬به في‮ ‬بعض بقاعنا العربية‮) ‬لكن فابريزو منجذب الى عمّته في‮ ‬علاقة محرّمة‭.‬‮ ‬العمّة مهووسة بالطفولة أيضاً‮ ‬وتتصرّف كما لو أنها لا زالت مراهقة رافضة أن تكبر ورافضة إقامة علاقات مع كبار‭.‬‮ ‬في‮ ‬نهاية الفيلم‮ ‬يتزوّج فابريزو من سلسيا ويترك عمّته تبكي‮ ‬ويمضي‮ ‬في‮ ‬السيارة بعيداً‮ ‬عنها‭.‬
هذه المشاغل التي‮ ‬تلطم أبطالها هي‮ ‬جزء من شبكة واسعة من التداعيات النفسية والجنسية التي‮ ‬كانت تثري‮ ‬أفلامه‭.‬‮ ‬كان في‮ ‬الرابعة والعشرين من عمره حين أخرج ما قبل الثورة سنة‮ ‬1964‮ (‬هذا كان ثاني‮ ‬أفلامه‭.‬‮ ‬الأول أخرجه حين كان في‮ ‬الحادية والعشرين من العمر‮) ‬أي‮ ‬في‮ ‬سن مفتوح على تجارب من سبقه في‮ ‬العمل في‮ ‬السينما خصوصاً‮ ‬جان‭-‬لوك‮ ‬غودار ومايكلأنجلو أنطونيوني‮ ‬ناقلاً‮ ‬بعض تأثيرهما عليه‭.‬‮ ‬لكن في‮ ‬الوقت ذاته،‮ ‬كان طري‮ ‬العود بحيث أن طموحاته من وراء بعض الحلول الفنية لمشاهده،‮ ‬من حيث معالجتها او علاجها صورة ولوناً‮ ‬وإنسياباً،‮ ‬لم تكن مثالية طوال الوقت‭.‬‮ ‬على ذلك،‮ ‬لم تشكّل عائقاً‮ ‬يُذكر أمام تقدير أعماله التي‮ ‬زخرت بمزيج من التجارب الخاصّة والأبعاد التوّاقة الى تشكيل حالات وشخصيات ومضامين‭.‬
مراجعة تلك الأفلام تشي‮ ‬بما هو أكثر من مجرّد أمثلة حول سعي‮ ‬أبطاله للخروج من كنف الأب وفشله في‮ ‬ذلك،‮ ‬او حول العلاقات الجنسية مع نساء ممتنعات عن الإنتقال الى الرشد على نحو او آخر‭.‬‮ ‬واحد من المضامين الأخرى هو وجود معلّم لكل بطل‮ ‬يأخذ محل أبيه‭.‬‮ ‬في‮ »‬استراتيجية العنكبوت‮« ‬كما في‮ »‬الملتزم‮« ‬هناك هذه الشخصية التي‮ ‬تكاد أن تحل محل الأب بالنسبة لبطلي‮ ‬الفيلمين لكن البطلين‮ ‬يرفضان في‮ ‬النهاية هذه التبعية‭.‬‮ ‬في‮ ‬كلا الحالتين‮ ‬يقف الأبوين الجديدين لجانب السعي‮ ‬للتغيير وإنكفاء البطلين عنهما هو حين‮ ‬يقررا العودة الى مصدريهما الحقيقي‭.‬‮ ‬

حلول جريئة٠
حين أنتقل برتولوتشي‮ ‬الى تجربة مقتصرة على عدد قليل جداً‮ ‬من الشخصيات في‮ ‬الأساس،‮ ‬الا وهي‮ ‬تجربة فيلم‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮« ‬رأيناه‮ ‬يدمج الشخصيات المتعددة في‮ ‬شخصية واحدة‭.‬‮ ‬مارلون براندو في‮ ‬ذلك الفيلم رجل ناضج‮ ‬يختلي‮ ‬وفتاة في‮ ‬مثل عمر إبنته‮ (‬ماريا شرايدر‮) ‬بالنسبة إليها فإن بول‮ (‬براندو‮) ‬هو الأب كما الحبيب المؤقت‭.‬‮ ‬حين‮ ‬يحاول بول مدّ‮ ‬علاقته‮ (‬التي‮ ‬كان في‮ ‬مطلعها أصر على أن تبقى حكراً‮ ‬على تلك الفترة التي‮ ‬سيمضيانها في‮ ‬الشقّة‮) ‬منقلباً‮ ‬الى معلّم‮ ‬يمثّل الحقيقة وينسحب من صورة الأبوّة او رمزها،‮ ‬تخشاه وينتهي‮ ‬الفيلم بإنفساخ العلاقة‮ (‬للمناسبة فقط‮: ‬كل الأفلام المذكورة كما‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮«‬،‮ ‬تحوي‮ ‬مشاهد رقص مراد لها تكثيف للمشاعر والإيحاءات أقواها ذلك الذي‮ ‬في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬حين‮ ‬يراقص بطل الفيلم عمّته وسط أفراد العائلة‮)‬‭.‬
الواضح أن برتولوتشي‮ ‬كان لديه الكثير مما‮ ‬يقوله في‮ ‬الموضوع العائلي‮ ‬وهو قاله بينما كان‮ ‬يبحث في‮ ‬الهوية السياسية الإيطالية والأوروبية‭.‬‮ ‬وهو قاله بعد ذلك بسنوات حين أخرج‮ »‬القمر‮« (‬1979‮) ‬وفيه مشهد اضطرار أم لإثارة إبنها‮ ‬المراهق بلمسه‭.‬‮ ‬عند برتولوتشي‮ ‬الحواجز العائلية تتهاوى تبعاً‮ ‬لضروريات المرحلة التي‮ ‬يمر بها الفرد،‮ ‬وإذا ما كان الفيلم‮ ‬يحمل مضموناً‮ ‬سياسياً‮ ‬عالياً،‮ ‬فتبعاً‮ ‬أيضاً‮ ‬للمرحلة السياسية التي‮ ‬يمر فيها البطل والوطن‭.‬
لكن هذا الخليط من الخاص والعام وذلك الصراع الفردي‮ ‬بين الإنتماء الى الهوية المكتسبة ومغريات التغيير،‮ ‬ليس كل ما كانت أفلام برتولوتشي‮ ‬تحويه من خطوط موازية في‮ ‬أعماله السابقة قبيل وصوله الى الملحمة الرائعة التي‮ ‬أخرجها سنة‮ ‬1976‮ ‬بعنوان‮ »‬1900‮«‬‭.‬‮ ‬في‮ ‬الكثير من أفلامه‮ ‬يتحدّث عن السينما وثقافتها‭.‬‮ ‬صديق فابريزو في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬يشعر بالضيق والأسى فينصحه فابريزو بمشاهدة‮ »‬النهر الأحمر‮«‬‭ ‬‮[‬هوارد هوكس1948‭-‬‮] ‬ولاحقاً‮ ‬‭-‬في‮ ‬الفيلم نفسه‭-‬‮ ‬يدخل فابريزو الصالة التي‮ ‬كانت تعرض‮ »‬المرأة هي‮ ‬المرأة‮« [‬جان‭-‬لوك‮ ‬غودار1961‭-‬‮]‬‭.‬‮ ‬والإشارات الى أفلام أخرى تغزو مشاهد متناثرة في‮ ‬أفلامه الأخرى ما‮ ‬يضعنا أمام حالة المخرج الإيطالي‮ ‬الذي‮ ‬استطاع إبتداع أسلوب بصري‮ ‬جريء من دون التنكّر لمراجعه الثقافية‭.‬‮ ‬
مخرجو اليوم مدعوون لمشاهدة‮ »‬إستراتيجية العنكبوت‮« ‬و»قبل الثورة‮« ‬و»الملتزم‮« ‬بسبب حلول المخرج الجريئة تلك حين‮ ‬يريد أن الربط بين ما‮ ‬يدور بصرياً‮ ‬وبين ما‮ ‬يدور فكرياً‮: ‬في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬حين‮ ‬ينتقل برتولوتشي‮ ‬من لقطة متوسّطة في‮ ‬المشهد الموسيقي‮ ‬في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬فإن وسيلة إنتقاله هي‮ »‬زوم باك‮« ‬سريع الى بان سريع‮ ‬يلم بأرجاء دار للأوبرا‭.‬‮ ‬وفي‮ »‬استراتيجية العنكبوت‮« ‬يعود الى دار أوبرا لكن بمفهوم آخر‮: ‬ستكون مسرح الجريمة التي‮ ‬ستقع‭.‬‮ ‬

فضاء الداخل٠
على الصعيد الفني‮ ‬البحت،‮ ‬فإن‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮« ‬يشتغل طول الخط على تأليف الصور الخارجية‭.‬‮ ‬هناك تأليف مستمر في‮ ‬أسلوب الصورة العام وفي‮ ‬تشكيلها موزّعة في‮ ‬إستعارات رمزية متوالية وإيحاءات تبحر في‮ ‬الصورة المنتقاة للمكان بأسره مثل المباني‮ ‬المختارة لتصويرها في‮ ‬باريس وواجهة الفندق الذي‮ ‬تقع فيه بعض الأحداث وفي‮ ‬تفاصيل أخرى من نوع تلك الصور المتلاحقة حين‮ ‬يركب بطل الفيلم القطارت فتتحول المشاهد الصادرة من نافذته الى شيء أقرب من لمعان الصور‭.‬‮ ‬في‮ ‬المشاهد التي‮ ‬تقع داخل الشقّة فإن برتولوتشي‮ ‬يستعيض عن التنويع السابق بإدارة مثالية لتوزيع الكاميرا في‮ ‬المكان المغلق وتوزيع لقطاتها‭.‬
نصف الفيلم تقريباً‮ ‬يقع في‮ ‬ذلك المكان الداخلي‮ ‬حيث‮ ‬يلتقي‮ ‬العاشقين ويبدآن العودة الى طفولة شبقية‮ ‬غريبة‭.‬‮ ‬هنا على‭ ‬برتولوتشي،‮ ‬وأي‮ ‬مخرج آخر سواء أكان نبيل المالح في‮ »‬الكومبارس‮« ‬او محمد خان في‮ »‬زوجة رجل مهم‮«‬،‮ ‬أن‮ ‬يعتمد على الفضاء المتكوّن من المساحة المحدودة التي‮ ‬يشغلها المكان‭.‬‮ ‬وكثير من ذلك التكوين لا‮ ‬يعني‮ ‬لقطات بعيدة لإظهار كل الغرفة التي‮ ‬يقع فيها حدث ما‭.‬‮ ‬فذكريات بول‮ (‬براندو‮) ‬عن طفولته معبّر عنها بلقطات قريبة‮ (‬كلوز أب‮)‬‭.‬‮ ‬هنا الكاميرا وسيلة مزدوجة‮: ‬أولاً‮ ‬لتأكيد أهمية الحوار‭/‬‮ ‬الذاكرة وثانياً‮ ‬لتوظيف ما‮ ‬يحمله وجه الممثل من تعابير‭.‬‮ ‬وكلوز أب لإحتياجات أخرى في‮ ‬المشهد الشهير لبول وجين وهما في‮ ‬حوض الإستحمام‭.‬‮ ‬يظهر في‮ ‬الصورة رأس كل منهما وكتفاه‭.‬‮ ‬حين ترجع الكاميرا الى الوراء تكون أسّست لحاجة بول حين قال لها‮: »‬دعينا الآن ننظر الى بعضنا البعض‮«‬‭.‬‮ ‬اللقطة الأبعد هي‮ ‬أكثر تعاملاً‮ ‬مع ماديّة هذا الشبق إذ تتيح للفيلم إظهار المزيد من جسدهما العاريين‭.‬

الإنحدار
بعد كل ذلك الجهد في‮ ‬سبيل التكوين المازج بين ما هو ذاتي‮ ‬وبين ما هو عام،‮ ‬وبين كل السعي‮ ‬لإبتكار سينما خاصّة بالمخرج وتعمل بمنوال الهم الفني‮ ‬لنكس ما هو ضمني‮ ‬وبعيد او شخصي‮ ‬ودفين،‮ ‬نلحظ تراجع المخرج عما حققه الى مرحلة جديدة تكاد تكون مفصولة تماماً‮ ‬عن تلك السابقة‭.‬
خطأ إعتبار ولوج هذه المرحلة الجديدة نوعاً‮ ‬من التطوّر لسبب بسيط هو أن أفلامه‮ »‬السماء الساترة‮« (‬1990‮) ‬و»بوذا الصغير‮« (‬1993‮) ‬و»جمال خلاّب‮« (‬1996‮) ‬و‮ »‬محاصر‮« (‬1998‮) ‬ليست في‮ ‬أهمية أفلامه السابقة‭.‬‮ ‬وهي‮ ‬منحي‮ ‬جديد بدأ بفيلم فاصل في‮ ‬هذا الإتجاه هو‮ »‬الإمبراطور الأخير‮« (‬1987‮)‬‭.‬
‮»‬الإمبراطور الأخير‮« ‬قصّة حياة بو‮ ‬يي‮ ‬آخر إمبراطور صيني‮ (‬لعبه الصيني‮ ‬الأميركي‮ ‬جون لون‮) ‬منتقلاً‮ ‬من الرئيس القوي‮ ‬للصين الى رجل مخلوع تكرهه السلطة الشيوعية وتجبره الحركة الثقافية على العيش معوزّاً‮ ‬لحاجيات كانت تلقائية وفي‮ ‬متناول‮ ‬يده بمجرد التفكير فيها من المطالعة الى المضاجعة ومن الأكل الى الشرب و‭-‬بالتأكيد‭-‬‮ ‬الى كل ما‮ ‬ينتمي‮ ‬الى شؤون التعبير‭.‬
على المرء أن‮ ‬يفصل هنا بين العناصر التي‮ ‬استخدمها المخرج بطلاقة وسهولة لتقديم فيلم ملحمي‮ ‬وتاريخي‮ ‬في‮ ‬هذا النطاق،‮ ‬وبين الخط المختلف تماماً‮ ‬عن أي‮ ‬من الخطوط المميّزة لأفلامه السابقة‭.‬‮ ‬التوغل في‮ ‬حياة بو‮ ‬يي‮ ‬يختلف عن التوغل في‮ ‬حياة بطل فيلم‮ »‬الملتزم‮« ‬مثلاً،‮ ‬وهذا طبيعي‮ ‬جدّاً‭.‬‮ ‬ما هو مثار للتساؤل هو ميل المخرج لتحقيق هذا الفيلم بإعتماد أسلوب عمل أقل خصوصية من أساليبه الفنية السابقة‭.‬‮ ‬هنا كل شيء‮ ‬يبدو مصنوعاً‮ ‬وصناعياً‭.‬‮ ‬التصوير‭.‬‮ ‬الألوان،‮ ‬المستويات والأغراض التعبيرية بأسرها‭.‬‮ ‬بكلمة واحدة الـ‮ »‬لوك‮« ‬بأسره‭.‬‮ ‬إنه كما لو أن برتولوتشي‮ ‬الذي‮ ‬من بعد ملحمته الإيطالية‮ »‬1900‮« ‬أدرك أنه بحاجة الى التمدّد على المستوى الجماهيري‮ ‬وليس النقدي‮ ‬وحده فحقق فيلماً‮ ‬كان لابد أن‮ ‬يحقق كل ذلك النجاح الذي‮ ‬حققه‭.‬
ليس أنه بلا سياسة،‮ ‬لكن الفيلم من دون أن‮ ‬يرمش له جفن،‮ ‬يلغي‮ ‬ما سبق من مشاغل أبطاله ويوغل في‮ ‬مشاغل أخرى مستوحاة‮ ‬‭-‬بخط مستقيم‭-‬‮ ‬من البيوغرافي‮ ‬التي‮ ‬يتناولها‭.‬‮ ‬إنه الفيلم الذي‮ ‬سيكون بداية إستدارة المخرج برتولوتشي‮ ‬من سينماه السابقة ذات الإلتزام بالقضايا السياسية من أسلوب‮ (‬غالباً‮ ‬يساري‮) ‬الى سينما لا بحث لها في‮ ‬هذا المجال‭.‬
مباشرة بعده انتقل الى الصحراء المغربية ليصوّر فيها واحداً‮ ‬من أسوأ أعماله‮: »‬السماء الساترة‮«: ‬فيلم داكن الصورة وداكن النوايا أيضاً‮ ‬وكاشف جيّد لإنقلاب برتولوتشي‮ ‬بعيداً‮ ‬عن منواله السابق‭.‬‮ ‬
هذان الفيلمان وضعانا أمام مخرج‮ ‬يستلهم من شخصياته كما استلهمت نفسها منه‭.‬‮ ‬فهو إذا ما كان في‮ ‬السنوات السابقة مصدراً‮ ‬للشخصيات الحائرة بين الإتجاهات فإنه في‮ ‬السنوات اللاحقة أستلهم نفسه من تلك الشخصيات‭.‬‮ ‬بذا فإن المخرج الذي‮ ‬تحدّث أيديولوجياً‮ (‬وعلى نحو فني‮ ‬آسر‮) ‬عن نفسه وشخصياته وثقافة الجميع معاً،‮ ‬كما عن هواجسهم الجنسية والعاطفية،‮ ‬تحوّل الى مخرج مظهري‮ ‬استدار‮ ‬180‮ ‬درجة بعيداً‮ ‬عما شغله وشغل نفسه به من قبل‭.‬‮ ‬وهذا الإبتعاد تمرّس لاحقاً‮ ‬حين أخرى‮ »‬بوذا الصغير‮« ‬فبدا كما لو أن دفاعه عن البوذية هو رد على مواقفه اليسارية‮ ‬غير المتديّنة التي‮ ‬حققها سابقاً‭.‬
أمر واحد‮ ‬يبدو كما لو كان‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يشكّل عذراً‮ ‬لهذا الإنحدار‮: ‬في‮ ‬عالم اختلطت فيه الأوراق،‮ ‬وتفرّق فيه الرفاق وانتهى خلاله عصر القضايا الكبيرة،‮ ‬فإنه‮ ‬يكاد‮ ‬يكون طبيعياً‮ ‬أن‮ ‬يجد المخرج نفسه بلا هدف‮ ‬ينشده فيحاول الخروج من تبعاته كما خرج العالم بأسره من تلك التبعات‭.‬‮ ‬لكن‮ ‬‭-‬وفي‮ ‬النَفَسِ‮ ‬ذاته‭-‬‮ ‬هذه هي‮ ‬الهزيمة الفردية التي‮ ‬لا‮ ‬يجب أن تقع لـ‮ »‬ملتزم‮«‬‭.‬


Haskell Wexler | مدير تصوير بإمتياز
..................................................................................................‬
في هذه السلسلة، وبعد كريــغ تــود وغــوردون ويليس، يأتي دور مدير التصوير
هسكل وكسلر٠
سينماتوغرافر مختلف جدّاً قال عنه زميله ڤيلموس زيغمُند: "الأفضل
بين كل مدراء التصوير«
٠
..................................................................................................

الأفلام التي شوهدت لهذا الموضوع
Who's Afraid of Virginia Wolf? | Mike Nicols (1966) ***
In the Heat of the Night | Norman Jewison (1967) ***
Medium Cool | Haskell Wexler (1968) ***
One Flew Over the Cuckoo's Nest | Milos Forman (1975) ****
Bound for Glory | Hal Ashby (1976) *****
Coming Home | Hal Ashby (1978) ****
Matewan | John Sayles (1985) ****
..................................................................................................‬

ديڤيد كارادين في دور وودي غوثري
Bound For Glory
في سنة 1968 أخرج الأميركي الراحل جون كازاڤيتيس فيلماً صغيراً مستقلاً نيّراً أسمه
Faces
ونقرأ في العناوين أن مدير تصوير ذلك الفيلم هو آل روبان٠
آل روبان كان أحد مدراء التصوير المفضّلين لدى كازاڤيتيس إذ صوّر له بضعة أفلام أخرى كلها جيّدة منها
Husbands, Minnie and Moskowitz
The Killing of a Chinese Bookie و
لكن هسكل وكسلر اشتغل على هذا الفيلم أيضاً ولو أن إسمه لم يكن موجوداً. لذلك تراني أبحث كلما طالعني ذلك الفيلم لأجد فروقات في المشاهد وحساسيّتها وصياغتها لعلّي يمكنني أن أفصل عمل وكسلر عن عمل روبان، لكن الفيلم لا يتيح مثل هذه الفرص للأسف٠
رغم ذلك، ليس عجيباً أن يستعين كازاڤيتيس بوكسلر (قبل جلبه آل روبان كما أعتقد أنه فعل في هذه الحالة) فوكسلر عموماً، وآل روبان في أفلامه مع كازاڤيتيس كانا يوفّران الألفة التي يبحث عنها المخرج لأفلامه ويصر على تضمينها تلك الأفلام٠
وكسلر أكثر من سواه تعامل مع البيئة الإجتماعية والحدث الخلفي خلال التصوير واشتغل على أفلام ذات رسائل سياسية يسارية الخط في نظام يميني الخط٠ إذا كنت تريد تطبيقاً لمدير تصوير يستخدم الكاميرا كسلاح، كما كان شعار العديد من القوى الوطنية من لبنان الى اليابان في الستينات والسبعينات، فإليك مدير تصوير كان يطبّق ذلك تطبيقاً فعلياً. ولم يكن يطبّقه مفضّلاً الخطاب السياسي على الخطاب الفني، بل كان يعمد الى الإهتمام بفنّه أولاً. لم يكن قشيباً ولا مسرفاً بل حاول، ونجح في، التعبير عن البيئة التي تفرز المعطيات السياسية في مجمل أفلامه، أي بإستثناء
Medium Cool
حيث عمد، وقد اختار إخراج الفيلم بنفسه، منهج تعبير مباشر٠
إنه عن مصوّر تلفزيوني (روبرت فورستر) نتعرّف عليه من اولئك الذين يعتبرون أنفسهم بحل من تقديم المعونة إذا ما كانت الفرصة سانحة لتوظيف الحالة الطارتئة الى مادة خبرية٠ حادثة سيآرة قوية. ضحايا. لكنه سيصوّر فقط. تطوّره الشخصي (والسياسي) سيأتي لاحقاً حين يتعرّف على إمرأة (ڤيرنا بلوم) وإبنها وسيجد نفسه مطالباً بموقف يترك فيه موقعه السابق الى موقع ملتزم٠
موضوع سياسي يتطرّق فيه، وعلى نحو تجريبي مدروس، الى كل ما كانت تلك السنوات (1966-1969) تعج به من مواضيع وطروحات من حرب فييتنام الى سينما جان- لوك غودار مروراً بالعلاقات الإجتماعية التي تعيش على سطح صفيح سياسي ساخن٠ العنوان نفسه يعبّر عن رأي وكسلر في أن الوسيط الإعلامي الأميركي (لكننا اليوم نعرف أنه غير الأميركي أيضاً) وسيطاً بارداً وغير إنساني الا بحدود ما يمكن توظيفه من فرصة للتظاهر بالإهتمام٠
لكن وسط كل ذلك، راقب -إذا استطعت- التعامل مع الرجل- الشارع- الموقف- المدينة في تصويره٠ لاحظ تاريخ الإنتاج وكيف أن تصويره الشارع تجاوز ما حاول مخرجون آخرون التقاط نفسه بعد ذلك، الى التقاط ذلك النفس فعلاً وبأسلوب لا يخون لا نضج التصوير ولا فنّه٠

One Flew Over the Cuckoo's Nest
أعمال وكسلر شاسعة (82 سنة. بدأ 1958 ولديه فيلم من تصويره في العام المقبل) لكنه غالباً ما نجح في الإلتصاق بمبادئه السياسية من دون أن يخون تلك الفنية. حين فكّر المخرج ميلوش فورمان في مدير التصوير الذي يمكن أن يشاركه صرخته ضد النظام وتحويل مستشفى المجانين الى رمز للقمع لم يكن لديه سوى هسكل وكسلر والنتيجة تشهد عليها كل تلك اللقطات التي أولاً: تعاملت مع بيئة المستشفى على نحو دقيق وأثرت الفيلم باختيارات اللون والإضاءة والسياسة العامّة للتصوير٠
أخرج وكسلر فيلمين روائيين فقط، لكنه صوّر أكثر من 35 فيلماً روائياً ونحو 40 فيلم تسجيلي او وثائقي ونال الأوسكار عن
Who's Afraid of Virginia Wolf و Bound for Glory
أما بالنسبة لـ »واحد طارت فوق عش المجانين« فقد رٌشّح ولم يفز (نالها البارع الآخر الراحل جون ألكوت عن فيلم ستانلي كوبريك "باري ليندون«)٠
بداية وكسلر كانت في الفيلم التسجيلي، ولهذا تأثير مباشر على نوعيّة ما صوّره للروائي فإسلوبه، من تلك الأولى التى قام بتصويرها سنة 1962 مثل فيلم إرفنغ كيرشنر
A Face in the Rain
حتى تلك الحديثة مثل
Matewan
يستخدم المعايشة التسجيلية لتقديم القصّة الخيالية كموضوع واقعي٠ »ميتاوان« يدور عن عمّال المناجم والمخرج سايلس، في واحد من أفضل أعماله لليوم، أراد عملاً واقعياً. شيء مثل النسخة الأميركية من أفلام البريطاني كن لوتش٠ ووكسلر منحه ذلك »اللوك« وتلك المعالجة في آن٠
في الفيلم السابق، »وجه في المطر« عالج الموضوع بكاميرا محمولة الراكضة وراء بطله. الى ذلك الحين كان ذلك الإستخدام، بهذه الطريقة ومع كاميرا محمولة، محدوداً جدّا. ويمكن مشاهدة بعض قدراته في هذا المجال أيضاً في فيلم إيليا كازان
America, America
العام 1963 لكن الفيلم الذي جذب الأنظار إليه كان »من يخاف فرجينيا وولف« سنة 1966
أعتقد أن قيمة الفيلم من ناحية التصوير أمر يمكن الإختلاف من حوله على أساس قيمة كسر الأصل المسرحي باستقدام كاميرا محمولة واخذ لقطات قريبة لوجوه الشخصيات المشتركة في هذه الدراما حول زوجين (رتشارد بيرتون وإليزابث تايلور) يكابدان مرارة السنين وانهيار الحب السابق٠ في مقال لها عن هذا الفيلم ذكرت مجلة
The Movie Maker
قبل سنوات قليلة أن رتشارد بيرتون كان يخشى من أن تؤدي اللقطات القريبة للوجه الى إظهار علامات تشويه خلقي، لكن طريقة واكسلر لمعالجة ذلك كانت كسر الإضاءة بتعتيم او إضعاف مصدرها حتى لا تظهر تلك الأخاديد الصغيرة على وجه الممثل٠ لكن من يشاهد الفيلم اليوم سيلحظ أن هذا الإعتماد ساد ليس في تلك اللقطات بل في معظم لقطات ومشاهد الفيلم. بذلك خلق المخرج تناسقاً بين أسلوبه في تحريك الكاميرا ثم أسلوبه في إشراك الكاميرا تغيير الشكل الكامن في عملية الإقتباس المسرحي٠
حين قرر ميلوش فورمان بعد تسع سنوات انتخاب »واحد طارت فوق عش المجانين« لتكون أول أعماله الأميركية اختار عملاً يعكس تاريخه إذ سبق له وأن تصدّى، عبر أفلامه التشيكية السابقة، الى النظام الشيوعي بالنقد٠ وهو قال أن الغاية من وراء هذا الفيلم هو تقديم المستشفى كرمز للفاشية في النظم الشيوعية. لكن هناك ثلاثة جوانب كل منها تؤكد أن المخرج، بقصد او من دون قصد، تحدّث عن أي نظام فاشي او سُلطوي، وأن المنظور العام قد يجعل الفيلم معادياً حتى للنظام الأميركي. هذه الجوانب هي أن رواية كن كايسي، التي تم اقتباس الفيلم عنها، أميركية مجازاتها لا تقصد غير أماكن أحداثها الأميركية٠ أن النقاد عموماً يعتبرونه واحداً من أفضل الأفلام السياسية المعادية للنظام (أي نظام) تم لهوليوود إنتاجه. وأن الرمز المتعلّق بالشخصية التي يؤديها ول سمبسون (الهندي الأحمر) هو رمز أميركي بسبب جذور تلك الشخصية الضاربة٠
أمر واحد سعى وكسلر لتأكيده والمخرج فورمان هنا: الفيلم ليس دراما تتنفّس الأجواء الداخلية لمستشفى أمراض عصبية. بذلك هو ليس فيلم رعب او فيلم تشويق او حتى فيلم معالجات نفسية. لذلك الأجواء التي على وكسلر تأليفها عبر الكاميرا (كذلك تلك التي يبتكرها تصميم المناظر والإنتاج الخ...) عليها أن تكون بعيدة عن أي من تلك المعالجات. البديل، كما يلاحظ المشاهد، هو أن المستشفى، كغرف وكعنابر، مضاء جيّداً٠ الفيلم كوميديا ساخرة عن مرضى عصبيين في مستشفى تديره إمرأة لا قلب لها٠ وبين هؤلاء متمرّدين إثنين. مورفي (جاك نيكولسون الذي نال أوسكاراً عن هذا الدور) والزعيم (الهندي) برمدن (ول سيمبسون). في الرواية، برمدن هو المعلّق على الأحداث. في الفيلم اختير ليكون المعلّق الصامت. الكاميرا تلتقطه دائماً صامتاً يفحص بناظريه ويشهد من دون أن يتحدث كثيراً٠ وذلك -ولو أن هذا الكلام يصب في خانة الإخراج وليس مدير التصوير- يخلق تآزراً وتناقضاً في آن. تصوير وكسلر لكل الشخصيات متساو بالنسبة من حيث اهتمامه بعنصري الإضاءة والظهور خصوصاً وأن معظم المشاهد مضاءة بنوع ملحوظ من التوازن الا في الحالات التي يُراد منها تأكيد سلوك شخصية ما (مثل اختيار اضاءة غير محببة للممثلة لويس فلتشر التي لم يكن سبق لها أن ظهرت في السينما من قبل والتي قبلت الدور بعدما رفضته بضعة ممثلات قبلها) وشرورها فيعمد مدير التصوير الى تظليم الخلفية واللعب على الضوء المتسرّب الى الوجوه (كمشهد المواجهة الأولى بينها -كمديرة المستشفى القاسية- وبين مورفي)٠
حقيقة أن الفيلم -في معظمه- صُوّر حسب تتابع أحداثه (ونحن نعلم أن العادة جرت التصوير حسب ترتيب الأماكن أولاً) لابد منح وكسلر القدرة الأفضل على التحكّم بسياسة تصوير سلسة. ليس أن هذه السياسة لا تتأتّى الا عبر تصوير متتابع حسب الأحداث، لكنها تمنح مدير التصوير ميزة هو حر في استخدامها إذا شاء٠


على أكثر من صعيد، يتقدّم
Bound for Glory | جدير بالمجد
لهال أشبي على فيلم ميلوش فورمان ككل والتصوير فيه على التصوير في فيلم فورمان أيضاً٠
لأنه إذا ما كان هم »طارت فوق عش المجانين« (والطيران هنا حسب القصّة مقصود به الوزّة وليس البشر حسب كلمات أغنية وردت في الرواية الأصلية وتقول: ثلاث وزّات طارت.... واحدة طارت شرقاً والثانية طارت غرباً .... والثالثة طارت فوق عش المجانين) يتوارى خلف رمزياته مخلّفاً بعض الخلل في المدلولات وواقعاً في قدر من الإستعراضية، فإن »جدير بالمجد« هو تحديداً عما أراد الفيلم السابق الوصول اليه مجازاً إنما مع الغروق في الواقعية: هال أشبي، الذي كان مخرجاً لا يقل شعوراً ثورياً عن هسكل وكسلر قام هنا بتناول فترة الركود الإقتصادي في العشرينات عن طريق سرد حكاية (اقتبسها المغني الشعبي وودي غوثري عن سيرته) وهي حكاية من العوز والنضال الإجتماعي والإستفادة من القدر الكبير من الحريّة والإستقلالية الديمقراطية التي يتمتّع بهما النظام في الولايات المتحدة٠ غوثري، كما كان وكما نراه في الفيلم، كان يغنّي للنقابات العمّالية وكان يرحل من بلدة الى أخرى وعبر رحيلة يعيد المخرج تأليف الوضع الإجتماعي الذي كانت تمر به أميركا حينها بينما كانت تلتقط كاميرا وكسلر الإحساس بالبيئة لوناً ودفئاً ومعايشة٠
في هذا الفيلم استخدم وكسلر نظام الـ
Steadicam
وكان ربما أوّل مدير تصوير رئيسي (وإن لم يكن الأول عموماً) الذي يستخدم هذا النظام. المشهد الذي يثير الإنتباه في هذا الصدد هو ذاك الذي تهبط فيه الكاميرا الى الأرض من علو بسيط ثم تسير مع غوثري (كما مثّله ديفيد كارادين) الى حيث يمشي لحين قبل انضمامه الى مجموعة من العمّال المتحلّقين٠ كتابة هنا لا يبدو المشهد مميّزاً، لكن على القاريء أن يشاهد الفيلم بنفسه لكي يدرك التفاصيل التي تتكوّن منها الحركة ولماذا وكيف يتآلف تصوير المشهد هذا مع استخدام الكاميرا العادية (ثابتة او محمولة) في المشاهد الأخرى٠

نقاط حوار
هل تعتقد أن السيـنما العربية تمارس
مثل هذا البذل والجهد
في مجال التصوير؟
هل تعتقد أن نوعية الأحداث هي

التي تفرض نوعية التصوير أم أن
التصوير يبقى منفصلاً
؟


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Nov 21, 2008

ISSUE 362| Super Heroes vs. Public Taste

البطل الخارق الى صعود بفضل جمهور يقبل الكذب عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك سببا وجـيها وراء نـجاح أفـلام السوبرهيرو، وهو أن ثـقة المشاهدين
بالبطل العادي باتت معدومة. لكن ما ذنب تشارلي ولسون وشركاه؟ يسأل
محمد رضا٠
..........................................

النظر الى ما ستعلن هوليوود عنه من مجمل إيرادات الأفلام عن العام 2008 وذلك في مطلع العام المقبل، سيشير الى أن الأفلام التي أنجزت إيرادات أكثر من سواها وتربّعت على المراتب الخمس الأولى أفلام لها علاقة بالأكشن والسوبر هيرو والخيال الجانح الوارد من مجلات الكوميكس الشعبية٠

وهو أمر لن يثير العجب لأن الناس في بحثها عن البطل الذي يجيد الدفاع عنها، لم تعد تؤمن بأي بطل كان، او بشخص يحمل مواصفات أرضية ولو بأخلاقيات سماوية، ولا برجل بوليس يواجه الجريمة ويحسن مطاردة الخارجين على القانون، بل هو يريد سوبر هيرو بالمفهوم الكامل للكلمة: بطل فوق كل قدرة على التعريف. يتجاوز كل مواصفات الإنسان العادي. يتحدّى الجاذبية ويطير في الفضاء وإذا ما سقط من علو شاهق حط على الأرض بلا إصابات وإذا ما حاول قطار أن يدهسه، دهسه هو وخرج سالماً٠
هذا هو البطل المنشود وقد وجده الجمهور هذا العام في »الفارس المظلم« بطولة كرستيان بايل و»آيرون مان« مع روبرت داوني جونيور و»هانكوك« مع ول سميث و»مطلوب« بطولة جيمس ماكاڤوي، و»هلبوي 2« مع رون بيرلمان
Incredible Hulk
بطولة إدوارد نورتون٠
وكانت الأعوام السابقة حفلت بهذا النوع وأنجزت نتائج مالية عجزت عنها الأفلام ذات التعاطي الإنساني او حتى تلك التشويقية التي تبقى على صلة مع الواقع قدر الإمكان. من تلك الأفلام الخارجة من أوراق المطابع الى الشاشات الكبيرة في العامين الماضيين مثلاً: سبايدر مان 3« و»سوبرمان يعود« و»رجال إكس 3« و» باتمان يبدأ«٠ وهو، كما يعلم المتابعون، الفيلم الخامس الحديث من السلسلة والأول في إعادة صياغة السلسلة بعد الأجزاء الأربعة الأولى التي توقّف العمل عليها في منتصف التسعينات او نحوها٠ بالتالي فإن »الفارس المظلم« هو المغامرة الثانية على الشاشة لباتمان بعد »باتمان يبدأ«٠


وإذا أخذنا سلسلة »باتمان« مثالاً على النجاح وما يعنيه هذا النجاح العالمي الشاسع من تحبيذ صورة كاريكاتورية لبطل خارق لا يمكن أن يكون له وجود، على بطل مثلي ومثلك فإن الأرقام لها دلالاتها الأكيدة في هذا المضمار٠

تاريخ
فيلم »الفارس المظلم« افتتح العروض الأميركية، حين فعل، بحصيلة ضخمة في الأيام الثلاثة الأولى بلغت 158 مليون دولار من السوق الأميركية وحدها. وهو لا يزال معروضاً حول العالم في ثغور متعددة لكن أنجز حتى الآن عالمياً قرابة 994 مليون دولار٠
أما الجزء الخامس الذي خرج للعروض قبل عامين فقد أنجز أقل من نصف هذا المبلغ حول العالم. تحديداً 352 مليون دولار وافتتح عروض بـ 52 مليوناً فقط٠
‮وكان بدأ السلسلة المخرج النيّر تيم بيرتون وأجهز عليها المخرج الذي‮ ‬لا‮ ‬يعرف الكثير جوويل شوماكر‮. ‬ففي‮ ‬العام 1988 ‬انطلق المخرج تيم بيرتون ليصوّر الجزء الأول من المسلسل السينمائي‮ ‬المقتبس عن روايات الكوميكس الشعبية‮. ‬في‮ ‬العام 1989 ‬تم عرض ذلك الفيلم الذي‮ ‬تكلّف 35 ‬مليون دولار واسترجعها بومضة مسجلا إيراداً‮ ‬عالميا قدره 314 ‬مليون و200 ‬الف دولار‮. ‬البطولة في‮ ‬ذلك الفيلم كانت للممثل الجيّد‮ (‬وغير المقدّر حق تقديره‮) ‬مايكل كيتون‮.
‬وهو عاد في‮ ‬الجزء الثاني‮ ‬الذي‮ ‬أخرجه بيرتون أيضا تحت عنوان‮ »‬عودة باتمان‮« وذلك سنة 2991 ‬وهو كلف ضعف ما كلّفه الفيلم الأول وجمع أقل بقليل مما جمع‮ (‬اي اكتفى بـ 283 ‬مليون دولار حول العالم‮). ‬
هنا قرر بيرتون الإكتفاء بجزأين من الفيلم وتوجه صوب أفلام أخرى فاستلم المهمة عنه جوويل شوماكر،‮ ‬الذي‮ ‬كانت لديه أولويات مختلفة‮. ‬ففي‮ ‬حين أن بيرتون‮ ‬غاص الى الجو الداكن الذي‮ ‬تعيش فيه الشخصيات تبعاً‮ ‬للرسوم الشعبية الأصلية،‮ ‬حاول المخرج شوماكر التصرّف حسبما اعتقد أن الجمهور‮ ‬يريد‮. ‬النتيجة فيلم أكبر من حاجة هواة باتمان لأنه‮ ‬يخرج عن الشخصية وعالمها كما جاء في‮ ‬الأصل‮. ‬المهم أن الفيلم الثالث من السلسلة كلّف مئة ‬مليون دولار،‮ ‬غير لزوم الدعاية والإعلان وكلفة التوزيع،‮ ‬وجذب 235 ‬مليوناً‮ ‬بفضل الأسواق الخارجية إذ سجّل الفيلم أقل من نصف هذا المبلغ‮ ‬أميركيا‮. ‬فال كيلمر قبل‮ ‬البطولة في ذلك الفيلم مع تومي‮ ‬لي‮ ‬جونز وجيم كاري‮ ‬كوجهي‮ ‬الشر‮. ‬ ‬
الطامة الكبرى كانت في‮ ‬الجزء الرابع‮ »‬باتمان وروبين‮«. ‬ليس فقط أن شوماكر استنفذ‮ ‬سريعا وسائل التشويق،‮ ‬بل جعل البطولة من نصيب المجرم‮ (‬أرنولد شوارتزنيغر‮) ‬بينما وجد بطل الفيلم،‮ ‬جورج كلوني‮ ‬هذه المرة،‮ ‬نفسه في‮ ‬الصف الثاني‮. ‬هذا الفيلم كلف 130 ‬مليونا وجمع من أميركا 107 ‬مليونا ومن باقي‮ ‬أنحاء العالم 187 ‬مليون دولار‮. ‬ولأن كل دولار تكلفة بحاجة الى دولارين ونصف من العائدات قبل أن‮ ‬يتم تسجيل الأرباح فإن نتائج هذا الفيلم‮ ‬لم تضعه في‮ ‬خانة الأرباح‮.‬

المنتقم الأول
هذا التاريخ‮ »‬الباتماني‮« ‬ليس فريداً‮ ‬في‮ ‬هوليوود اليوم،‮ ‬فالكثير من أفلام الكوميكس التي‮ ‬تحوّلت الى أفلام سينمائية ركبت صهوة فرس‮ ‬يقفز مسافات طويلة حينا ويكبح حينا آخر‮. ‬لكن المثير هو أن الأفلام المأخوذة عن الكوميكس في‮ ‬ازدياد‮. ‬المسألة ما عادت‮ »‬سوبرمان‮« ‬و»باتمان‮« ‬و»سبايدر مان‮«‬،‮ ‬او‮ »‬هلبوي‮« ‬ ‬بل هناك حفنة كبيرة من الشخصيات الأخرى التي‮ ‬ستعلن عن نفسها‮ حيث يغازل الممثلون الذين لم يقوموا بعد ببطولة شخصية من هذا النوع بعض الأفكار المطروحة والمشاريع الجاهزة في محاولة لضمان وجودها على قمّة الإيرادات العالمية٠ من هؤلاء، كمثال فقط، هيو جاكمان توم كروز ونيكولاس كايج وڤال كيلمر (مرّة ثانية) وآخرين٠
في الواقع، هناك مشروع كبير يتم التحضير له لإطلاقه في العام 2011 بعنوان »المنتقم الأول: كابتن أميركا« الذي وافق جو جونستون على إخراجه عوض جو فافرو الذي كان وافق عليه بناءاً على قوّة إيرادات فيلمه »آيرون مان« قبل أن تجد هوليوود أن الأفضل لفافرو البقاء في نطاق سوبر هيرو واحد وليس إثنين٠

أساساً،‮ ‬سينما الكوميكس تستند الى تلك الشخصيات المرسومة في‮ ‬مجلات شعبية ملوّنة‮. ‬المادة المنشورة فيها ليست ببراءة‮ »‬دونالد دَك‮« ‬و»ميكي‮ ‬ماوس‮« ‬إذ تستهدف قراءا من سن السادسة عشر وحتى الثمانين‮. ‬ليست خلاعية،‮ ‬لكنها بالتأكيد عنيفة مع أبطال‮ ‬ينطلقون دفاعاً‮ ‬عن المظلومبن والمحتاجين للنصر والمؤازرة ضد الذين‮ ‬يغيرون على‮ ‬القانون ويطوّعون الحياة على النحو الذي‮ ‬يناسب مصالحهم‮.‬
واللافت في‮ ‬معظم هذه الشخصيات،‮ ‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬الشخصيات الأربعة الرئيسية المذكورة،‮ ‬هو أن البطل‮ ‬ينطلق من وضع بائس او‮ ‬غير مميّز الى وضع بطولي‮ ‬رائد‮. ‬كلهم‮ ‬يتمتعون بقوى‮ ‬يكتشفونها في‮ ‬ذواتهم على حين‮ ‬غرّة‮: ‬سوبرمان لا‮ ‬يعرف من أين جاء الى أن‮ ‬يبدأ باستغلال طاقات ليست أرضية‮. ‬سبايدر-مان كان شاباً‮ ‬عادياً‮ ‬جداً‮ ‬حينما لدغه العنكبوت فحوّله الى رجل خارق‮. ‬باتمان كان عادياً‮ ‬إلى أن وقعت له حادثة حوّلته الى بطل خارق‮. ‬أما‮ »‬العفريب‮« ‬او‮ ‮
Daredevil

كلهم،‮ ‬بالتالي،‮ ‬ينطلقون من وضع‮ »‬الزيرو‮« ‬الى وضع‮ »‬الهيرو‮« ‬مع اختلاف في‮ ‬القدرات خصوصاً‮ ‬حين النظر الى التفاصيل‮. ‬وإذا ما كان جمهور هذه الشخصيات‮ ‬يحب شيئا في‮ ‬الحياة،‮ ‬فهو‮ ‬يحب أن‮ ‬يشاهد أبطاله‮ ‬يحققون المعجزات التي‮ ‬يريد هو تحقيقها ولا‮ ‬يستطيع‮. ‬يريد أن‮ ‬يرى أن أحداً‮ ‬لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يسطو على حقه من دون عقاب،‮ ‬وأن أحداً‮ ‬ليس فوق القانون،‮ ‬وأن الدنيا‮ -‬رغم نشرات الأخبار‮- ‬لا زالت بخير‮. ‬

جمهور بحالتين
ما هو لافت جداً‮ ‬للنظر،‮ ‬إنه في‮ ‬زمن من الأوضاع الأمنية والسياسية والإقتصادية غير المستقرة، هناك مزيد من الراغبين في‮ ‬المضي‮ ‬سنوات ضوئية بعيدة في‮ ‬الخيال الجانح منتظرين بطلاً ‬خارقا للقوى العادية‮ ‬يستطيع المشاهد أن‮ ‬يثق بأنه سيدافع عن مصالحه ضد المعتدين‮ ما يفسّر السبب الذي من أجله فشلت أفلام تعرّضت لحرب العراق او لمناطق في السياسة الأميركية في مقابل نجاح تلك الأفلام الخارقة للواقع٠
سقط عملياً، كما نعلم، كل فيلم له صلة مع الواقع السياسي المحيط من
Charlie Wilson's War
بطولة توم هانكس الذي تناول موضوعاً سياسياً (وليس عسكرياً) يتعلّق بأفغانستان، الى
Redacted
إخراج برايان دي بالما الذي عالج موضوعاً من صميم ملفّات العراق (قيام جندي باغتصاب عائلة عراقية) ومن
Lions for Lambs
لروبرت ردفورد الذي طرح الوضع السياسي السائد متناولاً الحربين العراقية والأفغانية الى
W.
الفيلم الذي أخرجه أوليڤر ستون والذي انطلق قبل أسابيع قليلة في عروضه التجارية الأميركية ليحط في مركز متأخر ثم ليتوارى عن الأنظار بأسرع من لمح البصر٠
لكن الحقيقة هي أن هذه الأفلام، وسواها، المعنية بشؤون واقعية وأفلام السوبر هيروز الجانحة في كل لون من ألوان الخيال والفانتازيا، تتساوى ‬من حيث أن كليهما انعكاس لحالة القلق التي‮ ‬تعتمر نفوس القسم الغالب من الناس في‮ ‬أميركا او في‮ ‬سواها‮. ‬من ناحية‮ ‬هي أفلام تلبّي حاجة جمهور يحبث عن الحقيقة ‬ومن ناحية أخرى‮ ‬تطرح هروباً من هذا الواقع وتخيل واقع آخر‮ ‬يمكن فيه تحقيق العدالة فيه بعدما فشل تحقيقها في أرض الواقع، وإنقاذ أميركا من أعدائها٠‬

الى المزيد
مشروع فيلم »المنتقم الأول: كابتن أميركا« ليس وحيداً حين السباحة في بحر المستقبل المنظور٠
‮ ‬وورنر،‮ ‬صاحبة‮ »‬باتمان‮« ‬و»سوبرمان‮« ‬تعمل الآن على تحويل‮ »‬كونستانتين‮«‬،‮ ‬وهو شخصية كوميكس أخرى،‮ ‬وقد عيّن لبطولتها كيانو ريفز‮.‬
‬باراماونت تعمل على تجهيز مسلسل لشخصية أقل شهرة وليست أقل قوّة هي شخصية‮ »‬سكاي‮ ‬كابتن وعالم الغد‮« ‬مع جود لو في‮ ‬البطولة‮. .‬
وكانت ‬نيولاين سينما قبل توقّفها اشترت حقوق‮ »‬هاري‮ ‬وكومار‮ ‬ينطلقان الى القلعة البيضاء‮« والآن فإن هذا المشروع في قائمة ما تود وورنر انتاجه بعد عامين٠
وديزني انقذت مشروع فيلم » ويتش« وهو أيضاً من تلك الشخصيات الخيالية ولديها »كاليون« ، كلاهما من الصنف الأقل شهرة خارج نطاق هواتها المعنيين٠
وبالطبع هناك أجزاءاً جديدة من كل ما هو منتشر حالياً بدءاً من »سوبرمان« الى »باتمان« ومروراً بأخرى مثل »فانتاستيك فور« و»آيرون مان« و»سبايدر مان« (الرابع) وحتى »العفريت« الذي كان بن أفلك قام ببطولته قبل ثلاثة أعوام ولم يحقق نجاحاً ساطعاً آنذاك٠
إنه جزء مما‮ ‬يتم تحضيره على هذا المنوال في‮ ‬عصر‮ ‬يبدو واضحاً‮ ‬فيه أن الكلمة الأخيرة في‮ ‬تحقيق العدالة والقانون لم‮ ‬يعد بأيدي‮ ‬النظام ولا المؤسسات التابعة مباشرة له‮. ‬فهذه الأفلام إذا ما كانت،‮ ‬عبر أبطالها،‮ ‬تؤسس لشيء فلتأكيد أن الحياة اليوم لا تزال كما كانت أبداً‮: ‬غابة خطرة وأن القانون وحده ليس كافياً‮ (‬وأحياناً‮ ‬ليس مؤهلاً‮) ‬للتغلب على مخاطرها‮.... ‬إنه بحاجة الى سوبرمان‮.‬

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠



Nov 20, 2008

ISSUE 361: Internet Critics.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين يحارب الناقد السينمائي بسيف الساموراي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The Seven Samurai
في غير مكان، تتقلص حجم المادة النقدية السينمائية المطبوعة مع انتشار غير محدود للمادة المبثوثة عبر مواقع الإنترنت. لكن كأشياء كثيرة في حياتنا، هذا قد يكون مثل سكين المطبخ يعمل لصالحك او ضدك ٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين تم اختراع البارود وجد مقاتلو الساموراي اليابانيون أنفسهم بلا عمل. انتشرت البطالة بينهم لأن البنادق المحشوّة بالبارود تستطيع أن تختزل المعركة بثانية . عوض الإشتباك بالسيوف والكر والفر على العدو، فإن البندقية سهلة المنال تستطيع أن توقع المحارب الآخر من دون اشتباك يدوي او فعلي٠
السلاح الناري انتشر بين أزلام بعض اللوردات اليابانيين وبين العصابات الخارجة على القانون. لكن الساموراي، كونه فخر المحاربين كما كان عنترة بن شدّاد العربي، رفض البندقية وأصر على حسامه الممشوق الذي يفتخر بحدة نصله وقدرته على بتر المعركة سريعاً (وبتر الأطراف أيضاً). لذلك وجد نفسه أمام مصير لم يكن يخطر له على باب خمس سنوات قبل دخول أوّل بندقية الى اليابان: أما التأقلم بالتحوّل الى جندي بلا مهارات خاصّة او البطالة. اختار البطالة.... او لعلها، بمفهوم مواز، هي التي اختارته٠

المصير نفسه واجهه رعاة البقر في أميركا٠ بخلاف المعنى المسيّس لراعي البقر، راعي البقر لم يكن سوى .... راعي بقر٠ لم يكن ممثلاً للإمبريالية ولا حليف الصهيونية ولا حتى الرمز للرأسمالية. في غالب الأحيان لم يكن سوى رجل يستخدم مهارته في سوق البقر من موقع الى آخر. هو حارس للماشية حين ترتاح ومدافع عنها ضد العصابات في النهار وصديقها وقت الخطر او حين تشرد او تضيع٠ لكن مع نهاية القرن الماضي، وانتشار القطارات من ناحية وانشاء المزارع الثابتة من ناحية أخرى، وجد راعي البقر نفسه بلا بقر. ثم خسر كونه راع لأي شيء وانتهى وجهاً سابقاً افترش الأرض وتستر بالسماء ونجومها معظم حياته٠
الحالة الأولى عبّر عنها أكيرا كوروساوا أكثر من مرّة خصوصاً في فيلمه الرائع »الساموراي السبعة«، كما في نهاية فيلمه الموازي في قيمته »ظل المحارب«٠
الحالة الثانية عبّر عنها -أفضل تعبير- فيلم لوليام أ. فراكر عنوانه »مونتي وولش« مع لي مارڤن، جاك بالانس وجين مورو في البطولة٠

تباين الوجهات٠
نقاد السينما في الصحافة المكتوبة يواجهون المصير نفسه٠
هناك، حسب أحد الإحصاءات، 113 مليون موقع »بلوغ« حول العالم، نصفها يتطرّق الى الأفلام ونصفها لا يتطرّق الا للأفلام. هذا يعني نحو 25 مليون موقع سينمائي باللغات جميعاً تتعاطى السينما نقداً وعرضاً وثقافة وتعليقاً وفكاهة او هزوا حول العالم٠
سهولة الحصول على المواد من شركات الأفلام التي بات لكل منها موقعه الخاص، وتعاظم اعتماد الإنترنت كوسيط في كل ميدان وحقل يمكن التفكير فيه، جعل من الأسهل افتتاح مدوّنة او موقع والبدء بالكتابة فيه من دون مقدّمات٠ وبما أنه لا يوجد رئيس تحرير ولا نظام صحافي فإن الكاتب يجد نفسه متحرراً من قوانين سابقة وهذا التحرر لا ينعكس -تلقائياً- على كتاباته فحسب، بل يجعل القرّاء متحررين من شكليات الصحافة المطبوعة. يفتحون الموقع ويقرأون مباشرة ويتجاوبون مع الكلمات حتى حين تبدو، ككثير من الأحيان، غير منمّقة وبل غير صالحة للنظر اليها كأكثر من مجرد أفكار تم طبع أحرفها على الشاشة ونقلها في نقرة زر او إثنين الى العلن٠
المواد الأساسية هي ذاتها٠ الخلاف حول الأفلام والتباين في وجهات النظر أمر موجود في الصحافتين. مثلاً، الإختلاف في إعتبار فيلم »أحرق قبل القراءة« بين أن يكون فنّاً وأن يكون مهزلة هو واحد بين نقاد الصحافة المطبوعة ونقاد الصحافة الإنترنيتية. الإختلاف في الحجم وكثرة الآراء التي يحصدها المرء عبر الإبحار على الإنترنت٠

أضعف الحلقات٠
ولا ريب أن عدد كبيراً جدّاً، لا إحصاء لدينا له، من هذه المواقع والمدوّنات، مكتوب بلغة محترفة ويحمل هاجس الكاتب في المادّة والثقافة السينمائيتين٠ لا شك أن العديد من الذين يستخدمون هذا الحقل الإلكتروني الجديد يبغون الوصول الى أكبر قدر من الجمهور. الإنترنت وسيط كلمة ورأي وإعلام لم يكن منتشراً من قبل حين كانت الكلمة الأولى في العمل الصحافي مطبوعة في الجرائد والمجلات. ومعظم الجادّين يبغون الوصول الى أكبر عدد ممكن من القرّاء طالما أن العدد الأكبر من القرّاء تركوا الورق وأقبلوا على الشاشة الإنترنتية٠
قد لا يكون هناك داعياً للوم. وبالتأكيد المتحوّلون جزئياً او كليّاً من الصحافة الى الوسيط الجديد ليسوا مذنبين. هذا عالم شاسع ليس في المقدور او الممكن تجاهله الا إذا ما كان عمل الصحافي -في أي ميدان- مؤمّن ومجز ويقتضي منه عدم الإلتفات الى الوسيط الجديد الا تحت إدارة ورعاية الصحيفة ذاتها٠

نقاد السينما الذين كانوا الى حين قريب يحاربون الضحالة الثقافية بسيوف باترة مدافعين عن القيّم والجميل والمبدع في الفن السينمائي اكتشفوا أنهم أضعف الحلقات الفاصلة بين جيل الصحافة المطبوعة وجيل الإنترنت٠ في الولايات المتحدة وأوروبا تعددّت المناسبات التي وجد فيها نقاد السينما أمام حالة ذات أكثر من تحد٠

من ناحية هناك الصحيفة التي تواجه وضعاً إقتصادياً مجحفاً بسبب الوسيط الإلكتروني **
الجديد الذي جذب إليه العديد من القراء٠ بفعل هذا الجذب تتحرّك الإعلانات التي تعيش عليها معظم الصحف المطبوعة بعيداً عنها . ليس الى الحد المؤثر بعد، بل على نحو ملحوظ وذلك مع تحرّك القرّاء قبل ذلك. لهذا السبب، بات لكل صحيفة موقعها على الإنترنت حتى لا تخسر الزبون المعلن فيما لو قرّر البحث عن نافذته الإعلانية على الإنترنت٠
ومع أن الصحافة اليومية لا زالت تكتنز الكثير من السيولة الإعلانية، الا أنها، وفي الغرب خصوصاً، تدخل عنق زجاجة محكم. التكاليف ترتفع وعدد القراء ينخفض وهاهي »كرستيان سيانس مونيتور«، إحدى الصحف الأميركية المعروفة تغلق أبوابها وتقرر أن تظهر على الإنترنت وحده٠ 90 بالمئة من كتّابها، بمن فيهم نقاد مسرح وسينما وتلفزيون وكتب، قبضوا آخر رواتبهم في الشهر الماضي٠

من ناحية أخرى، هناك كثرة العاملين في حقل النقد السينمائي. الناقد المحترف الذي كان **
يكتب كل أسبوع في »الغارديان« او »لا فيغارو« او»إلموندو« او در شبيغل« او »نيويورك بوست« او سواها، مسيطراً على مساحته في صلة مباشرة مع جمهور الصحيفة يجد نفسه، إذا ما قرر الإنخراط في ركب النقد على الإنترنت، واحد من ألوف الكتبة سواء أكانوا نقّاداً حقيقيين، أشباه نقاد او لا نقاد على الإطلاق٠

سيف الثقافة٠
ليس هناك شطارة خاصّة للترويج. كل موقع يعتمد ذات الطرق للوصول الى حشد الباحثين عن الكلمة٠ هذا عوض التصميم الصحافي الذي كان قادراً على ترك الإنطباع الأول سائداً من عدد الى عدد. تنظر الى المجلة ومن دون الحاجة لقراءة الغلاف تعلم أن هذه هي المجلة التي جئت تريد شراءها. تلتقطها وتدفع ثمنها وهي لك طالما احتفظت بها.... هي وكل ناقد فيها وكل كلمة٠
على الإنترنت المسألة تختلف جذرياً. تفتح. تغلق. تفتح. تغلق. التصاميم قد تجذب وقد تتميّز هنا او هناك، لكن الكثير من المواقع لا تتميّز بتصميم خاص بها وعلى ذلك هي أكثر قراءة من تلك التي رغب اصحابها جعل التصميم اللافت الأول لها٠
ثم ليس هناك غطاءاً تحريرياً شاملاً (الا إذا كان الموقع تابعاً لصحيفة كبرى) ما يجعل المادّة المكتوبة في ذات الوقت مباشرة -كما ذكرت- وضعيفة الصياغة في الكثير من الأحيان. لكن الجانب الآخر هذا لا يبدو يهم الكثير من القراء. في وقت تخلّت فيه السينما عن البطل الأخلاقي الذي يرى بوضوح الإختلاف بين الأبيض والأسود، لم لا يتخلّى الجمهور أيضاً عن قيمة الكلمة المصاغة جيّداً والتي تحمل الثراء الثقافي لصاحبها؟
على الإنترنت، أنت لا تستطيع أن تحارب بسيف ثقافتك السينمائية الا إذا كان منافسيك أضعف شأناً من أن يجاروك في المعلومات وفي الرأي وفي الأسلوب . وفي حين أن هذا لا يزال ممكناً في العالم العربي، الا أنه هذه المجاراة حازمة وموجودة ومنتعشة في الغرب. الناقد السينمائي الغربي أدرك في السنوات الخمس الأخيرة أنه ليس المثقّف السينمائي الوحيد، بل أن بعض »التلامذة« الشبّان لديهم ذات القدرة على التمحيص والفحص والتحليل والوصول الى الغاية المنشودة من وراء الكلمة النقدية: إعطاء تقييم شامل للفيلم٠
كل ما يستطيع الناقد السينمائي هناك التسلّح به وقد وافق على الإنتقال الى الإنترنت وفتح دكّانته بين ملايين الدكاكين في سوق غير محدد الحجم، هو أن يستطيع أن يقنع القاريء أن أسلوبه اللغوي وثقافته التي تمتد لعقود كثيرة، تستحق من القاريء اختياره هو ناقده المفضّل٠ البعض يفعل بالتأكيد، لكن عدم الولاء هو السائد خصوصاً مع وسيط تستطيع أن تنتقل من موقع الى آخر في ذات اللحظة التي تقرر فيها ذلك٠

من ألف الى باء٠
في هذا الحيّز، بات واضحاً أن الناقد السينمائي التقليدي خسر ولم يكسب في جولته مع الإنترنت. خسر تجاه رصاصة البندقية الحديثة وهو بعد لا يزال يتمسّك بالسيف والنشّاب٠ وما خسره تحديداً وأوّلاً هي سُلطته ومركزه٠
لكن المسألة من التشابك بقدر ما هناك أثير تسبح فيه المواقع الـ 113 مليون ذاتها؟ أي سُلطة وأي تأثير؟ هل هما موجودان لدى الناقد فعلاً؟
هنا في عالمنا العربي من هم الذين يشاهدون فيلماً او يتغاضون عنه إيماناً بناقدهم المفضّل؟ هناك بالتأكيد جمهور أكبر يقرأه، لكن الجمهور الذي يستمع الى نصيحته هو أقل بكثير٠ ذلك أن المجال الذي يتناوب فيه الناقد والقاريء الحركة لا يمكن له أن يُقيّد أحدهما بالآخر. لا الناقد يكتب عن الفيلم لأنه يعرف أن معظم الناس تريده أن يشجعّهم على حضوره، ولا القاريء يطالع الناقد لأنه يثق به ثقة مطلقة٠ هذه الثقة هي عنصر آخر من عناصر التحوّلات التي خسرها الناقد عبر العقود. وهو خسرها حتى قبل الإنترنت عندما تحجّر -معظمهم- في مقعده وضمن لغته وكرّر كلامه ومفهومه إنما تحت عناوين أفلام مختلفة٠ لم يحاول الناقد العربي (على الأخص) أن يتعلّم وهو يبدأ ولا أن يتعلّم بعدما بدأ بل اعتبر نفسه وصل بمجرّد أن وجد نافذة يدلي بها برأيه٠ وصل من نقطة »أ« الى مطلع النقطة »ب« ووقف عندها في معظم الأحيان٠
الناقد السينمائي العربي بمجمله (اي بمعظمه) كان يريد نشر الثقافة السينمائية لكن حتى حين كان جادّاً في هذا الصدد، كان يعتقد -في معظم الأحيان- أنه ليس مطلوباً منه أن يتحرّك الى الأمام مواكباً المتغيّرات من حوله - من جهة- وفاحصاً موقفه من جهة أخرى. لذلك فإن ما نما عليه العديد من النقاد مفاهيمهم النقدية بقي على حاله وهو أمر غير مغفور، إذ ليس هناك من فرد يستطيع فعلاً أن يتوقّف عن العلم والرصد وتعديل معلوماته وآرائه بما يستقبله من معلومات ويطالعه من آراء أخرى٠
لكن إذا ما كان النقاد في مجملهم التوقّف عند اول محطة بعد الإنطلاق، فإن هذا الفعل لم يفت الجمهور الذي يتحرّك لا بفعل الإيمان بقضية واحدة، كما حال الناقد، بل الإيمان بعدّة قضايا تتنازعه ويريد الإجابة عليها، فهو أكثر إقبالاً على محاولة الوصول الى مصادر المعرفة وأكثر انتشاراً بين طبقات وأنواع كثيرة من الأفلام و-حالياً- أكثر إلماماً تقنياً ما يجعله وثّاباً أكثر الى التغيير وتجاوز المصطلحات والمفاهيم الثابتة. لذلك لم يستطع معظم نقاد الأمس مواكبة الجمهور وفحص متطلّباتهم ومحاولة تطبيقها صحافياً. صحيح كثيرون منهم لا يزالوا يكتبون النقد في عواميدهم، لكن قليلون جدّاً منهم من لديه سُلطة نقدية تمكّنه من القول أنه مؤثر في قرائه (بصرف النظر عن حجم قرائه الفعلي)٠


السُلطة الجديدة
إذا ما كان الإنترنت، بسبب من إنتشاره الحالي، بات النافذة التي على الكثير من النقاد السينمائيين، عرباً وغير عرب، النظر منها الى العالم و»دار النشر« التي يملكها او يشتغل لحسابها، فإنه من الخطأ التسليم بأن هذا الوافد الجديد هو أفضل لمجرد أنه جديد
في الواقع، هو مثل غيره من الوسائط (تلفزيون، صحافة مكتوبة، راديو الخ...) عليه أن يعود الى ملكية الكاتب ليثبت جدارته
صحيح أن الإنترنت يجعل من السهل على غير الناقد أن يطلق على نفسه كلمة ناقد (خصوصاً في الغرب حيث الكم أكبر) وصحيح أن الطرفين (الناقد وغير الناقد) يستخدمان الوسيط ذاته و-أحياناً- المعلومات نفسها مستقاة من مصادر موحّدة (ستديوهات وشركات الأفلام، المواقع الأرشيفية او الإخبارية الخ...) الا أن هناك قدراً كافياً من المتابعين الذين يضعون موقع الناقد في خانة المواقع المفضّلة ليعودوا إليها تماماً كما كانوا يفعلون (او يفعل آباءهم) حين كان يصر على شراء الصحيفة المعيّنة بسبب مقال محمد حسنين هيكل يوم الجمعة او المجلة ذاتها لأن سليم اللوزي يكتب الإفتتاحية في كل
عدد

بكلمات أخرى، القرّاء المستوعبون (أحياناً أكثر من النقاد) للحركة الإجتماعية والفنية النشطة لم يتخلّوا عن الطبيعة الإنسانية التي تجعل المرء منا قصد منتوج معيّن أكثر من سواه لأنه يفضّله ويثق به٠
ككل المجالات النقدية، هناك ما يثير الإهتمام بسبب جودته في المواقع المتخصصة بالنقد السينمائي والكتابة السينمائية الثقافية الجادّة وهناك ما لا يمكن له أن يكون أكثر من إضاعة وقت الكاتب والقاريء معاً. هناك الكتابة وهناك الطبع٠ المعرفة في مقابل الجهل. الثقافة في مقابل التقوقع. السعي لتحقيق هدف غير أناني ينشر المعرفة والثقافة بين الناس، مقابل التحجّر والإعتبارات الذاتية التي يخشى كاتبها السقوط في الهوّة إذا ما تخلّى عنها٠ لكن في الأساس، هناك الكتابة الصادقة وتلك الخاوية التي تقرأ كلماتها فترى من ورائها جهلاً متفشيّاً وكبرياءاً زائفاً٠
المحك هي تلك الفروقات المذكورة فهي التي تتكلم ما فيه الكفاية وتمنح جمهور السينما القدرة على الإختيار. لكن في الوقت الذي تقل فيه مساحات النقد السينمائي في الصحف الغربية ( وربما غيرها أيضاً في آسيا وأميركا اللاتينية مثلاً) وتزداد على شاشة الإنترنت من قبل حل المعضلات الثقافية الجديدة، فإن ما يضيع وسط زحمة الإتجاهات الدور الأساسي للناقد حتى ذلك المحترف في بعض الأحيان وهذا الدور هو حشد كل الجهود للتدليل على الفيلم القيّم والتيار الهادف والأسلوب الجيّد في العمل السينمائي، وما يجعل هذه العملية صعبة اليوم -في الغرب قبل الشرق- هو أن وصايا الصحف المطبوعة تصر على أن يخصص الناقد معظم كتاباته لعرض الأفلام الشعبية (التجارية) ليس لأنها بحاجة الى تشجيع بل لأن الجمهور الذي يشتري الصحيفة هو من تتوجّه اليهم هذه الأفلام. بذلك يصبح بعض النقاد عارضي أفلام لاضطرارهم التجاوب مع رغبات الصحيفة وقرائها متحوّلين عن إحياء كنوز السينما الى الحديث عن طروحاتها الفارغة حالياً، وعن الإلتفات صوب ما بقي مطروحاً من أعمال قيّمة
طالما أن هذه الأعمال ليست موزّعة تجارياً٠
كيفما نظرت الى الموضوع تجد أن الناقد أصبح مثل الساموراي الذي حتى حين يبقى في عمله، فإن كتابته لا تبقى، بل تسبح في بحر رغبات الآخرين٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Nov 16, 2008

ISSUE 360 | Gommorah & the Italian Mafia | Mostapha Akkad's in My Memory 2

A Journal of Criticism On Films, Filming & Filmmakers | Editor: Mohammed Rouda |
mohammedrouda@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباح الخير: أواصل سرد بعض ذكرياتي عن الراحل
الكبير مصطفى العقاد الذي أفتقده كثيراً هذه الأيام |
سينما الغانغسترز
تنتعش فجأة بسبب الفيلم الإيطالي






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذكريات | المخرج العربي مصطفى العقّاد
-2-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لماذا تختار أمّة العرب الموت انتحاراً وإندحاراً؟
أسأل نفسي اليوم وأنا أحاول أن أجمع بعض ذكرياتي مع المخرج العقّاد. حدث أني قرأت هجوم الزميل إبراهيم العريس على فكرة إطلاق إسم المخرج على أحد شوارع بيروت لكن سواء أتم إطلاق إسم مصطفى العقّاد على شوارع مدينة في بيروت او في هونغ كونغ.... ما الفائدة؟ أقصد ما الفائدة اليوم بعدما استبعدته الأنظمة من مشاريعها. لا هي عرفت كيف توظّفه لمزيد من الأفلام التي كنّا بحاجة إليها ولا هو عرف كيف لا يأبه لها


مصلحة ماديّة؟ طبعاً. كيف له أن ينجز أفلاماً ملحمية من دون تمويل؟ ولماذا ستقوم مترو او وورنر او كولمبيا بتمويل فيلم له هي لا تريده أصلاً؟ فيلم عن صلاح الدين؟ فيلم عن الإسلام؟ فيلم عن العرب؟
Who gives a damn?
إذا العرب لم يكترثوا ترجمة بعض دررهم التاريخية القليلة الى الشاشة الكبيرة بيد خبير من سيكترث؟ كان يقول: فيلم واحد لا يكلّف ثمن طائرة حربية واحدة من تلك التي يشترونها ويخزّنونها. على الأقل الفيلم تستطيع أن تعرضه وتوصل رسالتك وبعد 11/9 يدرك كل عربي في هذا الجزء من العالم او في خارجه كم كنّا بحاجة الى فيلم يعزز الصورة الصحيحة ويوفّر المفهوم الناضج عنّا وعن تاريخنا وعن قوميّتنا٠
منحوا السيناريو موافقتهم ثم منعوا عرضه..... واو.... تقدّم مذهل في علم العلاقات. لكننا نعرض أفلاماً مهينة لنا ونترك للتجار الموزّعين احتلال كل الشاشات بأسوأ ما يمكن جلبه من أفلام عقيمة وتافهة. لماذا وقف المنع عند فيلم »الرسالة« وهو لا يخرج عن نصوص الشرع وما سمح به وما لم يسمح به؟ ثم لماذا يا ترى نصرخ »لا تفريط بالقدس« ونرتجف فزعاً إذا ما حاول مخرج من شأنه تحقيق فيلم عن صلاح الدين الأيوبي الذي دافع عن القدس. فيلم يقدّم التاريخ الناصع؟
لا تفريط بالقدس؟
كلهم يفرّطون بالقدس بدءاً من الزعماء الفلسطينيين المنشقّين الذين يحاول كل طرف فيهم جذب البساط الى ناحيته٠ هم يتجاذبون وإسرائيل تضرب وتدمّر وتحتل المزيد من الأراضي وتبني المزيد من المستوطنات ليس بعيداً على الإطلاق من المسجد الأقصى٠
قال العقاد لمحطّة »الجزيرة«: "أتي (يقصد الى العالم العربي) بشوق وأغادر بدمعة" كما لو كان يتحدّث عني وعن كل مهاجر يريد الأفضل لهذا الجزء من العالم لكن هذا الجزء من العالم لا يريد الأفضل لنفسه. ارتاح على الإندحار .... ربما ينظر الى القاع ويقول "لم يبق سوى القليل ونصبح في القاع....جيد"٠


فيما أصبح زيارتي الأخيرة٠
أوقف السيارة. آخذ المصعد. أصعد الدرج الى المبنى الآخر. آخذ المصعد الى الطابق الحادي عشر وأدخل مكتبه وأنظر من النافذة العريضة الى مول السنتشري بلازا. نتصافح ونجلس ويسألني مباشرة
هل ستحضر مهرجان القاهرة؟
لا أدري. مهرجان القاهرة يدعو لخمسة أيام فقط ولا أرى نفسي آت من اميركا على طول طريقها لأحضر خمسة أيام وأعود٠ عادة ما أكتب رسالة الى رئيس المهرجان تطلب التمديد وهم عادة يمددون... لكن لماذا عليّ أن أفعل ذلك؟ لماذا لا تكون الدعوة لكل الأيام من الأول....؟

يقاطعني
سألتك سؤالاً واحداً٠
قلت وأنا أضحك من مطوّلتي: لا أدري. أريد أن أذهب لماذا؟
أجاب
سأسافر بعد أيام الى بيروت ومنها مدعو الى عمّان ثم الى القاهرة. لم لا أراك هناك؟
أعتقدت أن الداعين هم مموّلون محتملون وكان العقاد أمضى السنوات الخمس الأخيرة يقبل دعوات من مسؤولين ورجال أعمال وأثرياء عرب يخبرونه فيها أنهم يريدون إنتاج »صلاح الدين« لكنهم كانوا يرغبون في الإجتماع به ودعوته الى حفلات ومجالس ودواوين والحديث في المشروع من دون نتائج محددة٠
لكنه في تلك الجلسة أخبرني أنها دعوة خاصّة يحل فيها ضيفاً على حفلة عرس٠
كان يتمنّى أن آتي الى مهرجان القاهرة ويراني هناك٠
كنت أرتاب في أني سأفعل. ولم أفعل. الخبر جاء الى حيث أنا بعد أيام٠ مجرم من المتطرّفين الزرقاويين فجّر الفندق خلال الحفل وقضى على حياة وآمال وأحلام وسعادات ناس كثر٠ أحدهم كان مصطفى العقاد وإبنته٠ أنتهى فصل عربي٠
بذلك إنتهت، مرحلياً على الأقل، رسالة شخص عربي أحب العالم الذي جاء منه. هل هو عالم لا يمكن الوقوع في حبّه؟
كل يوم لنا فيه يكاد يبرهن ذلك٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث مع مصطفى العقاد حول متاعب تصوير
فيلمه الكبير الأول »الرسالة« : كيف بدأ وكيف
كاد أن ينتهي .... قبل أن ينتهي
٠

أريد أن أنشر هنا مقابلة نشرتها في مجلة »الصياد اللبنانية« حين كانت لا تزال تصدر في لندن في مطلع الثمانينات. كنت استطيع نشر واحدة من مقابلات أنجزتها في التسعينات مثلاً، لكن تلك وجدتها أشمل شأناً . فيها الموقف وفيها التاريخ وفيها الذات الإنسانية٠ وهي ليست مقابلة س وج، بل اتدخل شارحاً ومعلّقاً ما أعتقد أنه يزيدها فائدة٠
هنا نبدأ

منذ »الرسالة« و»عمر المختار« انقطعت اخبار المنتج والمخرج العربي مصطفى العقاد عن العالم العربي. البعض قال بأنه لم يعد يكترث لأفلام التاريخ رغم النجاح الهائل الذي حققه على صعيد ضخامة الإنتاج ونوعيّته، وأنه عاد الى لوس أنجيليس يائساً من كل العالم العربي لأنه (العالم العربي) لأنه لم يقدّر ما فعل وما قد يستطيع أن يفعل. البعض الآخر قال عكس ذلك تماما وأكد أن العقاد يتهيأ لإخراج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي وأنه يعد لسلسلة من المفاجآت في هذا الحقل. »الصياد« قامت بزيارة المخرج العربي الكبير في لوس أنجيليس، حيث حاورته حول كل شيء، بدءاً من خطواته الأولى في السينما وحتى يومنا هذه. ولكن من هو مصطفى العقاد لمن لا يعرفه تماما؟

ولد مصطفي العقاد في العام 1938 في حلب. والده رجل يؤمن بالسعي والعلم وقد أنجب الى صفّه عدد من الأشقاء الذين مالوا الى صنوف شتّى من الإهتمامات والثقافات. لكن مصطفى كان وقع في غرام السينما باكراً. تلك الأفلام الأميركية التي شاهدها في الصالات المحلية في حلب في بداية الخمسينات كانت تؤجج رغبته بدارسة السينما والعمل بها. شاهد أفلاماً عربية أيضاً لكن الفارق كان واضحاً وطموحه صار القضية التي يعمل لها٠
في سن التاسعة عشر من عمره سافر الى الولايات المتحدة ليدرس السينما. إثر تخرّجه من جامعة كاليفورنيا دخل جامعة ساثرن كاليفورنيا وتخرّج منها بماجستير في الفنون الجميلة٠

لم يكن الأمر هيناً خلال سنوات الدراسة ولا بعدها٠ في هوليوود مئات الخريجين في شتى أصناف العمل السينمائي، لكن قلّة منهم فقط التي تجد لنفسها مكاناً للعمل وتحقيق بداية الطموحات. ناهيك عن استكمال تلك الطموحات وبلوغ الأهداف البعيدة التي خططها لنفسه٠

عمل العقاد في أكثر من حرفة بعد تخرّجه. الستينات كانت الفترة التي كان التلفزيون فيها لا يزال ينمو سريعاً ويهدد دخل الصناعة السينمائية أكثر وأكثر. والعقاد وجد نفسه وقد دخل الوسط التلفزيوني من خلال العمل مع مخرج تلفزيوني فرض نفسه لاحقاً على السينما هو الراحل سام بكنباه
يقول العقاد متذكّرا

بكنباه كان صنفاً صعباً من المخرجين، لكنه كان من بين أفضل من يستطيع المرء التعلم منهم. كان حرفياً ماهراً لكنها لم تكن حرفة خالية من رؤية ذاتية عميقة٠ مثل شخصياته كان وحدانياً، ومال في أواخر أيامـه الى الشرب وتكاثرت عليه الأمراض. أما أنا فلا أقدر أن أنكر أني تعلّمت منه في مطلع عملي حين اشتغلت معه كأحد مساعديه٠

هل كنت تعلم بالعقبات التي واجهتها لاحقاً عندما بدأت التخطيط لمسيرتك؟

طبعاً، كنت أعلم أن انتاج وتنفيذ »الرسالة« ليس أمراً هيّناً. العالم العربي اعتاد سينما سهلة وعاطفية ولا يمكن لهاأبداً أن تنجح في حمل رسالتها الى جمهور غير عربي. وكما تعلم كانت هناك أفلام عن الإسلام من قبل »الرسالة« ولا شك أن عدداً منها كان مخلصاً لكنه لم يكن يمتلك وسيلة التعبير الصحيحة لمخاطبة العقل الغربي. أضف الى ذلك أن مجرّد طرح مسألة فيلم عالمي سوف يضع المرء في وَسَطٍ مختلفمن المشاكل لاحقاً. مشاكل التوزيع الخارجي والتعامل مع السوق وشركاته وهذه أمور على السينمائي أن يعيها ويكون مستعداً لها. من ناحية أخرى، كنت أعلم أن موضوعاً دينيناً لابد وأن يواجه بالتساؤلات والمحاذير. لذلك كنت مصرّاً على أن أنال موافقة الجهات الدينية الرسمية في المراكز الأساسية في العالم العربي٠

في سنة 1973 وصل العقاد الى بيروت وفي يده مشروعه. بيروت كانت نقطة انطلاق مثالية. والعقاد لم يضع وقتاً في الجلوس على المقاهي الثقافية ولا في المحافل الكلامية بل انطلق ساعياً وراء تحقيق مشروعه. في غضون أشهر انتهى من جمع تواقيع علماء الأزهر المصري ودار إفتاء بيروت. وكان اتخذ لنفسه مكاتب في بناية حديثة مواجهة لسينما الحمراء في شارع الحمراء، واستعان بإمرأة ذات إرادة وسعة إطلاع وقدرة على التنظيم أسمها تجون برقش للإعتناء بشؤون مكتبه ولاحقاً مارست المهمّة ذاتها أثناء تصوير »الرسالة« ثم »عمر المختار« من قبل أن تستقر في المكاتب التي افتتحها العقاد في ستديوهات تويكنهام القريبة من لندن٠


بعد إعادة كتابة السيناريو واستكمال الموافقات من المراجع الدينية المختلفة، ازداد تركيز العقاد على النواحي الإنتاجية ذاتها. الميزانية المقررة لفيلم من هذا النوع كانت نحو عشرة ملايين دولار وقد توفّرت من ممولين عرب مختلفين من بينهم محمد السنعوسي وكيل وزارة الإعلام الكويتي الذي كان بدوره درس السينما في كاليفورنيا وعاد الى الكويت باحثاً عن الأرضية المناسبة لممارسة وتطبيق ما درسه٠
فيلم »الرسالة« كان فرصة سانحة للإنخراط في معمعة العمل ودراسته. كما كانت لقاءات التعارف الأولى بينه وبين مصطفى العقاد قد أثمرت عن صداقة فورية وتفهم كامل٠
بوشر بتصوير الفيلم في الصحراء المغربية. أخيراً العقاد في سبيل إنجاز طموحه الكبير. الصحف، عربية وغربية، تناقلت التحقيقات المصوّر والمقابلات وبدا كل شيء على أفضل ما يمكن أن يكون. فجأة صدر قرار من مكتب ملك المغرب يقضي بإيقاف التصوير فواجه العقاد بذلك أوّل أزمة حقيقية٠
يقول

كان إيقاف التصوير في أوج العمل بمثابة فتح نوافذ القضاء على الفيلم برمّته.ذلك لأنه لو كان الفيلم من نوع صغير لكان الأمر هيّناً. لكنه كان من الإنتاج الضخم بميزانية تزيد عن عشرة ملايين دولار [توازي عند تلك المرحلة من الفيلم نحو ثلاثين مليون دولار حالياً] وفوق ذلك كان لدي مئات الجموع ومئات الفنيين والموظّفين وعشرات الجمال والخيول وأنواع العتاد والحمولات وكان نقلها من المغرب الى أي مكان آخر كفيلاً بإحداث خلل كبير في الميزانية٠

طار العقاد من المغرب الى ليبيا واجتمع مع العقيد معمّر القذّافي. قدم له نفسه وعرّفه على ما يريد وعلى ما حدث معه واطلعه على متطلّباته إذا ما وافقت ليبيا على استضافة الفيلم. استمع العقيد منصتاً . سأل ما أراد ثم عاد بعد أيام قليلة وأخبر العقاد أنه يستطيع الإنتقال الى ليبيا لتكملة الفيلم وأنه أيضاً يستطيع طلب الخدمات التي يريد ومن بينها توفير نحو خمسة آلاف عنصر من الجيش الشعبي الليبي لتحويلهم الى جموع العرب في المشاهد الكبيرة التي تتطلب الحشود والمعارك٠

لولا هذه البادرة لكان من المستحيل تكملة التصوير على ما اعتقد. لكن النتيجة الفورية هي ارتفاع الميزانية من عشرة ملايين الى الضعف علماً أننا كنا نصوّر فيلمين معاً. واحد عربي بممثلين عرب وآخر غربي بممثلين أجانب٠

يتبع٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملف فيلم | غمورا وأفلام المافيا الإيطالية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



العصابات (او الغانغسترز في إسمها الأشهر حول العالم) تتألّف من كل أشرار يتجانسون في أكثر من ناحية، بينها ناحية الخلو من الروادع الأخلاقية وناحية البزنس الذي يمارسونه أكثر من سواه، فيؤلّفون مجموعة تلتقي على الأهداف المناطة وتخطط لإنجازها٠
وهناك عصابات في كل أنحاء العالم تقريباً منها عصابات شوارع، وعصابات تجارة الممنوعات وعصابات السرقة وعصابات تنفيذ المهام الجنائية وعصابات التجارة بالرقيق والأجساد والكثير سواها في كل ناحية٠ والعصابات غير المنظورة ربما أكثر من تلك المنظورة. الأخيرة قد تقف عند ناصية شارع في هارلم، نيويورك او في إيست لوس أنجيليس. الشارع ينتمي اليها والشارع الآخر الى عصابة أخرى وكلاهما يتنافسان في فرض الخوّة او في بيع المخدّرات او إدارة بيوت الدعارة٠ لكن تلك غير المنظورة لا شوارع لديها. كل المدينة قد تقع تحت قبضتها. هي التي توفّر التجارة الممنوعة (أيما كانت) وهي التي تدير شبكة من مئات، او ربما عشرات ألوف الأعضاء في أنحاء العالم. بعضها من القوّة والنفوذ بحيث لا يستطيع البوليس فعل شيء حيالها سوى الإلتفاف بعيداً. وإذا كان البوليس قوي الشكيمة فإن الرشوة تجد طريقها وإذا لم تفعل فالحرب بين القانون والخارجين عليه هي التي تأخذ طريقها٠


هذا لا نجده في الحياة العامّة فقط، بل على الشاشة والسينما ألفته من الثلاثينات حين قدّمت أفلام العصابات القديمة من بطولة جيمس كاغني، جورج رافت، إدوارد ج. روبنسون، همفري بوغارت وسواهم٠ كانت أفلاماً تريد أن تظهر أن طريق الجريمة تنتهي بالقضاء على أصحابها، لكنها في الكثير من الأوقات كانت ايضاً تمد يد الإتهام للمجتمع نفسه: الحاجة الى ابتياع الحلم الأميركي الكبير، البطالة، التهمة البريئة التي يُسجن أحدهم بسببها وحين يخرج لا يجد بدّاً من الإنضمام الى العصابة طالما أن له سابقة الآن لا يستطيع محوها الخ....٠

العصابات المنظّمة العاملة في أميركا توزّعت أساساً بين ثلاثة أجناس: هناك العصابات اليهودية، وهي تلك التي تألّفت في مطلع القرن الماضي من المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا وانتشرت -خصوصاً- في المدن الشرقية للولايات المتحدة (نيويورك ودترويت وشيكاغو) قبل امتدادها الى لاس فيغاس في الغرب٠ وهناك العصابات الأيرلندية، التي تألّفت بدورها من مهاجرين وأبناء مهاجرين ايرلنديين بدءاً من القرن التاسع عشر. ثم هناك العصابات الإيطالية، وهي التي انتشرت في الثلاثينات وما بعد واقتسمت الولايات المتحدة مثل قطعة حلوى كبيرة، كل عائلة تهيمن على قطاع او مدينة كبيرة٠
طبعاً هي ليست كل شيء. هناك عصابات أميركية بحتة لكنها لم تكن منظّمة تماماً، مثل عصابات بوني وكلايد وعصابة دلنجر وعصابة بايبي فايس نلسون وسواها٠

وكلّها انتشرت على الشاشة الأميركية لكن العصابات المافاوية هي الوحيدة التي احتتت نصيب الأسد في الإنتاجات الإيطالية وهذا أمر مفهوم كون المافيا التي انطلقت قبيل صعود الفاشية الإيطالية ولازمتها وسياستها خلال الحرب ثم قوى ساعدها بعد الحرب حتى من بعد إنهيار الفاشية، جاءت من الجنوب الإيطالي أساساً. معظم هذه الإنتاجات دارت أحداثه في إيطاليا ذاتها، لكن هناك قدراً منها سافر عبر الأطلسي الى الولايات الشرقية من أميركا لتكملة القصّة التي أرادت سردها٠

ايطاليون في أميركا

حين قدّم فرنسيس فورد كوبولا »العرّاب« سنة 1972 عالج موضوع المافيا الإيطالية في الولايات المتحدة على نحو غير مسبوق. ليس الفيلم الأول عن المافيا الإيطالية في أميركا، بل سبقته كل تلك الأفلام السوداء- البيضاء في الخمسينات والستينات عن الموضوع مثل فيلم »مذبحة يوم فالنتاين« لروجر كورمان (1967) و»آل كابوني« لرتشارد ولسون (1959) ، لكن الجديد الذي وفّره كوبولا هو إلقاء نظرة لا تُدين مباشرة عائلة كارليوني، بل سواها من العائلات المافوية٠ كارليوني، حسب الفيلم، ربما كانت تدير الكازينوهات وتفرض ظلالها على ميادين أخرى، لكن المخدرات -مثلا- ليس من بين تلك الميادين، وحين تحاول عصابة مخدّرات التقدّم من دون كارليوني (براندو) بالسماح لها بأن توفر التجارة في مدينتها تعارض العائلة لأن الدون ليس مع هذه التجارة على الإطلاق. طبعاً هذا ما يؤدي الى محاولة قتله ثم الى قيام أحد أبنائه (آل باتشينو) بالإنتقام ليس فقط من رئيس تلك العصابة (آل لتييري) بل من البوليس المرتشي (سترلينغ هايدن) ورئيس العائلة المناوئة من المافيا (رتشارد كونتي) وكل من خان بقصد او بدون قصد والده٠
نجاح »العرّاب« فتح المجال أمام انتاجات أميركية وأميركية- إيطالية تناولت المافيا من زوايا أخرى من دون أن ننسى الجزأين الثاني والثالث من »العرّاب« ذاته٠
هناك- على سبيل المثال- فيلم
The Valachi Papers
الذي أخرجه ترنس يونغ لحساب المنتج الإيطالي دينو ديلارونتيس وعرض مباشرة بعد »العراب« وفيه يبحث العصاباتي جو فالاتشي (تشارلز برونسون) عن السبب الذي يحاول فيه رئيس عصابة المافيا فيتو (لينو فنتورا) قتله٠
المخرج الأميركي رتشارد فلايشر تناول المافيا عبر فيلم
The Don is Dead
للمخرج رتشارد فلايشر مع أنطوني كوين وفردريك فورست وروبرت فوستر. الأول يريد معرفة من يقف وراء محاولة اغتياله٠
وحين رغب المخرج المستقل جون كازافيتس تحقيق فيلم بوليسي عمد الى قصّة حول إمرأة تواجه المافيا وحدها وذلك في فيلم »غلوريا« سنة 1980 الذي أعاد سيدني لوميت إخراجه سنة 1999 في فيلم أقل جودة وأهمية من الفيلم الأول٠

فرانشيسكو روزي

كل هذه أمثلة لأفلام عرفت انتشاراً حينها لأن التوزيع آل الى شركات كبرى مثل باراماونت وكولمبيا ويونيفرسال، لكن هناك عدداً كبيراً من الأفلام الإيطالية المحضة التي عرفت شهرة من دون أن تعرف ذات النوع من الإنتشار كونها خرجت من بوتقة السينما المحلّية وتوجّهت، بسبب أسماء صانعيها كفنانين سينمائيين- الى مهرجانات السينما قبل أن تعرض على شاشات محدودة حول العالم. وسنجد، ، إذا ما بحثنا، أن المخرج الإيطالي فرنشيسكو روزي٠
روزي، المشهود له بأعمال في مجالات أخرى بينها المقتبس عن مسرحيات موسيقي مثل »كارمن«، عالج المافيا بدءاً من مطلع السبعينات في القرن الماضي. أحد أبرز أفلامه في ذلك الحين »قضية ماتاو« و»جثث لذيذة« وكلاهما يتعاملان مع الجريمة المنظّمة في صقلية وشمالها من خلال اسلوب شبه تسجيلي يعيد رصف الحقائق كما لو كان يقرأ في ملفات الشرطة (وهو استمد من هذه الملفات الكثير من معلوماته فعلاً). وستبقى أعماله -التي منها أيضاً »لوتشيانو المحظوظ« او
Lucky Luciano
الذي كان مادّة لبضعة أفلام أميركية أيضاً من بين أهم ما طرحته السينما الإيطالية في هذا المجال خصوصاً وأن منهج روزي كان جريئاً في محاولة الكشف عن منهج المافيا الدموي وارتباطها، في حقبة أولى، بمنهج الحركة الفاشية مؤيدة لها ومعتبرة أن سياستها اليمينية المتشددة تلتقي وإياها٠

مختلف

هناك أفلام أخرى عديدة في هذا الإتجاه، لكن إيطاليا وأوروبا اليوم تتحدّث عن فيلم واحد في هذا الصدد كان مهرجان »كان« السينمائي كشف النقاب عنه وألهب حماس النقاد منذ ذلك الحين هو
Gomorrah
المبني على كتاب لروبرتو سافيانو وهو على الرغم من أنه لا يتحدّث عن مافيا بالرمو او صقلية، بل ينتقل الى تلك التي تحيا في نابولي شمالاً، الا أنه يقترب من الموضوع على نحو كاشف عن أثر العصابة النابولية على المجتمع في تلك المدينة بأسره. ترهب الناس وتفتح النار على من تعتبره خطراً عليها وتروّع الأفراد والمؤسسات وتغتال الشخصيات وتتاجر بكل شيء٠ غامورا عصابة غارقة في القدم (يقال أن عمرها يزيد عن مئتي عام) لكن الكتاب، والفيلم كما أخرجه ماتاو غاروني، يذكران أن أعمالهما المخالفة للقانون لم تكن بذات الحدّة والإرهاب الممارسة اليوم. عصابة غامورا لا تملك اليد العليا في تجارة الرقيق والأجساد والمخدرات فقط، بل باتت تتدخّل في صناعات أخرى من بينها الأزياء٠
كلاهما - الكتاب والفيلم- أيضاً يذكران ناحية تجعل من العصابات المافوية في صقلية تبدو كما لو كانت إصلاحيات ومدارس تأديب في المقارنة: عصابة غامورا (وأسمها ليس بعيداً عامورا) لا تؤمن بنظام عائلي متعارف عليه ومؤلّف من طبقات وحلقات وفروع بل هي عصابات تنتمي الى الجسد الواحد لكن في وضع يتيح له محاربة بعضه البعض أيضاً. العجيب إذاً كيف أن الحروب الداخلية بين أطقمها لم ينهكها على الإطلاق٠
لكن غامورا يختلف مع معظم أفلام المافيا وإن كان يلتقي مع بعضها٠
إنه فيلم عنيف يتقصّد أن يظهر ما يدور بلا مجاملات وبلا حكايات تمجيدية، كما الحال في فيلم »العرّاب« او في أي من أفلام مارتن سكورسيزي، وبل يخلو من المظلّة الشكسبيرية التي عمدت اليها ثلاثية فرنسيس فورد كوبولا او الى النهل من التراجيديا اليونانية كما حال فيلم برايان دي بالما
Scarface
الذي بدوره كان إعادة صنع لفيلم عصابات آخر حققه هوارد هوكس سنة 1932 من بطولة بول ميوني٠
هذا الخلو من التمجيد لا يصنع منه عملاً أفضل من »العرّاب« لأن كل يمشي في وجهة، لكن يجعل منه أحد أفضل الأفلام الإيطالية المباشرة التي تعاملت ومافيا ما إيطالية٠ يلتقي في ذلك مع منهج فرانشيسكو روزي الذي قام على سرد الرواية بأسلوب تسجيلي٠ ربما فيلم ماتاو غاروني يتجاوز الحد المرسوم السابق في أنه لا يود حتى الإحاطة بكافة ألوان اللعبة (لا وجهات نظر متباينة مثلاً او شخصيات تعبّر عن جهات أخرى عديدة) بل يصب معظم اهتمامه على الشخصيّتين الرئيسيّتين الشابتين الغارقتين في تنفيذ المهام والحالمتين بالوصول الى مرتبة أعلى في مراتب الجريمة. إحدى تذاكر الوصول يبدو ارتكاب المزيد من مهام القتل٠ لكن هذا ليس فيلماً عن شخصيّتين او أكثر او أقل. ما فعله المخرج وكتّابه(ثلاثة) هو اختيار خمسة قصص من قصص المؤلّف ودمجها في عمل واحد ينتقل بين نماذج مختلفة. الشخصيتان المذكورتان ليستا سوى واحدة من تلك النماذج٠

واقعية موحشة

لقاء آخر من المنهج المفتوح والعريض للسينما الروائية بأسلوب تسجيلي يكمن في الواقعية التي يمارسها هذا الفيلم ويعمل على تشبيعها. الحواري، طرق القتل، العنف، الشخصيات كلها تشي برغبة المخرج التشبّع بواقعية الحياة الداكنة خلف تلك الشوارع الرئيسية لنابولي٠ وكل قصّة وكل شخصية او شخصيّتين تعرّفاننا على تجارة مختلفة تقريباً. البداية هي تجارة مستحدثة في عالم المافيا هي تجارة المخلّفات الكيماوية السامّة. من قال يوماً أن الإنسان سيجد في هذا النوع من الدمار تجارة؟
واقعية الفيلم ليست بدورها واقعية السينما الإيطالية المشهودة، بل هي تلغي المفاصل الدرامية السابقة من دون أن تلغي جمالياتها او تستبدلها بأخرى حديثة. تأخذ مثلاً مشهد تنفيذ حكم الإعدام داخل مبنى قديم. الكاميرا بعيدة. الضوء آت من الخارج عبر نوافذ زجاجية مغلقة. الموت على وشك أن يتم والجثّة سوف تموت في وحشة المكان كأرخص بضاعة ممكنة٠
في مشهد آخر نتابع ماركو (ماركو ماركوري - وسنجد أن العديد من الأسماء بقيت على حالها لممثليها) وسيرو (سيرو بتروني) يقفان على الشاطيء الهاديء مرتدين لباس البحر. إنهما كما لو كانا ينظران الى فاصل بعيد بين ما هما عليه وبين ما يطمحان اليه من قوّة وسُلطة. تقف على شاطيء البحر لكي تستلهم وهذا ما يفعلانه باستثناء أن ما يستلهمانه مخيفا خصوصاً وأنهما لا يتخليّان عن سلاحهما٠
لكن هذا فيلم من شخصيات غريبة بعض الشيء. لقد انهى المخرج عصر الشخصيات المافوية التي تبهر بقدراتها البدنية وشخصياتها الطاغية. البدين الذي يقطع أصابع الضحية والمرتدي الملابس والقبّعات الأميركية الذين ينتمون في ذات الوقت الى الطبقة الثرية والطبقة الشريرة معاً. هنا، عصابة من لون جديد غارق في عصرنة الحياة. في متاعب العالم من إرهاب وقتل وحروب وانهيارات اقتصادية. ربما »غامورا« عنّا جميعاً حتى ولو كنّا مسالمين- حتى الموت بدورنا٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠



Nov 14, 2008

ISSUE 359 | ما هي أفضل المهرجانات الدولية وأين موقع المهرجانات العربية منها؟ | ثلاث سنوات على رحيل مصطفى العقّاد


Film Reader اليوم في

وجهة جديدة لأفلام الرعب ما بعد
فضيحة سجن أبو غريب



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقاط حوار في هذا العدد
ما رأيك في مجلة »غود نيوز سينما«؟
| هل الخطأ في الندوات أم في
التنظيم ؟ | هل تدور مهرجانات السينما العربية
حول نفسها؟ | أثر مصطفى العقاد
في السينما العربية ... هل عامله العالم
العربي كما يستحق؟








ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلات | غود نيوز سينما
Very Good News Indeed
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما لا يزال المرء ينتظر الفيلم الجدير الآتي من شركة »غود نيوز سينما« في مصر، الا أن مجلّتها السينمائية بيد أمينة. يشرف على تحريرها الزميل علاء كركوتي الذي أول ما انضم اليها وعيّن في منصبه هذا، بذل فوق ما هو معهود مما يبذله أبناء المهنة الصحافية، لتمييز المجلة التي ترأسها. هذا رغم أنها لا تنافس أي مجلة أخرى، فالقليل النادر من المجلات السينمائية الصادرة في العالم العربي قشيبة وفقيرة ولا زالت تتساءل: "السينما العربية الى أين؟« وتطرح مواضيع بعناوين مفخخة مثل: "الشكل التكعيبي في الذائقة الحكائية« او أي ترهات من هذا النصيب٠
في البداية كان سهلاً القول أن المجلة استلهمت طفرة الثمانينات من المجلات الفرنسية والبريطانية مثل توتال فيلم وبرميير. اليوم صار يمكن الحديث عن مجلة لا زالت تنتمي الى تلك المجلات المحافظة علي خط وسطي بين البهرجة والقيمة، لكنها توازيها جذباً ومهارة وتنفصل عنها في منهج مستقل تماماً. ليس هناك ما لا يصب في بؤرة اهتمام المشاهد/ القاريء٠
علاء كركوتي يبعث قبل يومين بـ
Press Release
بمناسبة صدور العدد 50 من المجلة والإحتفال ببدء عامها الخامس مؤكداً أنه العدد الأضخم في تاريخ المجلة. لا أتصوّر نفسي سأسافر بها على ثقلها، لكن المهم هو أن مشحونة بمواضيع وملاحق وهدايا وتحقيقات . ويعد الزميل بأنه الى جانب الجديد، وهو يفنّده بحماس له الحق فيه، فإن هناك تطويراً في كل قسم لجانب »فكرة غير مسبوقة« لقرائها لمشاهدة الأفلام قبل موعد عروضها التجارية«. لجانب تغطية حصرية وخاصة لخمسة مهرجانات عربية وعالمية من بينها مهرجان »أيام بيروت السينمائية« (هذا المهرجان الذي له وجهة وهدف وليس مهرجان بيروت السينمائي الدولي الذي لا يزال يجرّب الماكياج محتاراً أي من الوجوه يعتمد) وتغطية لكواليس مهرجان الشرق الأوسط السينمائي- الذي أرجو أن تُقال فيه كلمة جسورة غير خائفة من البعبع الذي أخاف صحافيين آخرين محليين وعرب٠
لم أر العدد ولكن-كما تلاحظون- أنقل ما ورد علماً بأني أثق بما يعد به علاء كركوتي وأشد على يدي ناشر المجلة ورئيس مجلس إدارتها الأستاذ عماد الدين أديب. ربما هي ليست مجلة تنضح بعمق تخصصها، لكنها أفضل المجلات المتخصصة الى اليوم٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعقيب | تلك الندوات الفارغة من جمهورها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتب الزميل إبراهيم العريس كلمة في صفحته السينمائية الأسبوعية كلمة تستحق التوقّف عندها تحت عنوان: "من يحتاج الى النقاد؟" وهو ليس سؤالاً كالذي طرحناه هنا في مجال البحث عن الصفات الحقيقية للنقد والناقد، بل يتمحور حول الندوات التي أقيمت في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في الشهر الماضي في أبو ظبي٠
الزميل الآخر سمير فريد كتب عتاباً قبل أيام على ما ذكره الناقد إبراهيم العريس في معرض كتابته عن المهرجان، لكني لا أعتقد أن كلمة العريس الجديدة لها علاقة بذلك العتاب بل هي محددة بمسألة تلك الندوات التي كنت ذكرت هنا ما سمعته من أحد الحاضرين: كان هناك ثلاثة على المنصّة وأربعة من الجمهور بينهما إثنان من المهرجان نفسه٠
يقول الزميل إبراهيم العريس: " في اليوم الأول بلغ عدد الجمهور ستة أشخاص، أضافة الى صحافيين كلّفا بالتغطية لحساب نشرة المهرجان. ولم يكن من بين هؤلاء حتى الناقد منظّم الندوة. في اليوم التالي، بلغ عدد الجمهور خمسة أشخاص (بمن فيهم الصحافيان المذكوران للتغطية). في اليوم الثالث نقص العدد الى أربعة، في اليوم الرابع لم يأت أحد. وفي الخامس، وفي شكل غير متوقع، جاء ثمانية أشخاص٠ دهشناوقلنا لعل ختامها مسك، ولكن فجأة وفيما المحاضر الكريم يتحدث، انسحب أربعة من الحضور (ما نسبته 50 في المئة) ليتبين أنهم في الأصل كومبارس مستأجرون في شركة كان عليهم التنقل من أجل التصوير بين تظاهرة وأخرى"٠
إذاً الكلام الذي نقلته هنا عن لسان زميل ليس خيالاً ولا يحاول نفيه الا الذين عهد إليهما بالتنفيذ الفعلي، لأن الأمر الذي يمارسه السياسيون هو ذاته الذي صار يمارسه أصحاب المهرجانات العربية ومسؤولي النشاطات الثقافية: أبداً لا تعترف بالخطأ٠ أبداً٠
إبراهيم الذي أحييه لأني أعلم أن لا شيء يخيفه، أكمل قائلاً: "مهما يكن كاميرا التلفزيون المباشر كانت هناك، وكان هناك من بعيد مسؤولون يتحدّثون أمام الصحف وأجهزة الإعلام عن »النجاح الكبير« الذي حققته ندوات البحث تلك ناسين أن من بين المئة صحافي وإعلامي الذين دعتهم إدارة المهرجان لم يحضر أي واحد أي ندوة، بينما حضروا جميعاً صاخبين راقصين مزغردين حفلات العشاء التي كانت تقام في كل ليلة تكريما للسينما وأهلها، وكان الصراع الزكبر يقوم للحصول على بطاقاتها، وفي وقت كانت مراكز بيع او توزيع بطاقات حضور الأفلام خاوية خالية في معظم الأحيان"٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حال المهرجانات | لأن أحداً لا يريد الحقيقة قائمة بأفضل مهرجانات سينمائية دولية٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس هناك من مهرجان عربي بلا مشاكل٠ لكن معظم هذه المشاكل يمكن حلّها: هناك خبرات لا يؤخذ بخبراتها. وهناك عداوات وعدم ثقة والمهرجان الواحد صار مثل قطعة الحلوى أكثر من نصفها للقلة والباقي للمقرّبين منهم٠ المسألة صارت عناداً وامعاناً في الخطأ وعينا على المصلحة وحدها (لا مانع أن يكون هناك مصلحة لكن كجزء من مصلحة المهرجان والسينما وليس أكبر منهما او بعيداً عنهما. لسان الحال هو أنني لا أخطأ وإذا ما أخطأت فلن أعترف بأني أخطأت لأن الإعتراف بالخطأ هو الخطأ الوحيد٠ كلام تافه بات السائد في كل الخدمات والمجالات والميادين لذلك تجد أن من يخالف ويخطيء يبقى في منصبه بينما لا تتوانى الدول الأوربية عن محاسبة من لا يُجيد ومن يخطيء عن قصد او سواه٠
لكن المسألة الموازية في أهميّتها هي أن المهرجانات العربية المتلاحقة لا تنافس بعضها بعضاً كما قد يعتقد المرء. كل واحد منها وضع حوله سياجاً وأسس جمهوريّته ويعيش في وهم أن مهرجانه أفضل وأهم وأكبر وأكثر دولية٠ لا تفهموني خطأ: هناك شرفاء وخبراء في كل مهرجان من هذه، لكن التأثير الذي يمارسونه عادة لا يتقدّم النواقص التي يرتكبها الآخرون٠
المهرجانات العربية غير متنافسة فعلاً فيما بينها لأنه لو كانت متنافسة لسعت لكي يستحوذ الواحد منها على أفلام عربية له وحده ولكي تسد الثغرات التي من السهل تعيينها ولحاولت في كل صدق أن تنزع عن نفسها وهم الإعتقاد أنها بلغت شأنا كبيراً في عالم السينما العالمية وأنها فعلاً مهرجانات دولية٠
لا تريد المهرجانات العربية أن تعترف بأن الدولية ليست في عرض الأفلام ودعوة النجوم٠ مهرجانات ساراييفو ومهرجان باريس ومهرجان ريو دي جنيرو ومهرجان نيويورك وسواها تفعل ذلك، لكنها لا تتشدّق وتقول أنها عالمية الا من حيث أنها تعرض أفلام من القارات الخمس٠
المهرجان العالمي الحقيقي هو الذي - من باب الإيجاز في الوصف- الذي إذا غاب سنة، غابت شمس السينما عاماً كاملاً بدورها٠ المهرجان الذي هو الإختيار الأول للمنتجين. المهرجان الذي تكترث وكالات الأنباء العالمية لتغطيته ونشاطاته كل يوم. المهرجان الذي ينظّم نفسه مثل الساعة وينتظم مثل الساعة والذي تشهد كل عروضه وكل نشاطاته وندواته حشوداً هي التي تشهد بذلك وليس منظّمي تلك النشاطات٠ المهرجان العالمي هو الذي يقصد المنتج العالمي والمخرج العالمي بسبب ما سيوفّره له من حصاد اعلامي وفني وبسبب نوعية كل الأفلام التي فيه٠
والعالمية ليست الجودة. الجودة هي التي تتأتّى من النجاح على الوصول الى الأهداف جيّداً، سريعاً وبصورة متواصلة وبإدارة ذات علم وتجانس بين الكبار والصغار من العاملين٠
إذاً ما هي المهرجانات التي تشمل شروط العالمية؟ وما هي تلك التي تتضمن شروط الجودة على نحو لا خلاف عليه؟
هنا أكثر من لائحة، لأن المزج بينها هو إنزلاق صوب التعميم. لا مكان هنا للتزلّف او للإنحياز هنا٠

المهرجانات الأكثر عالمية او الدولية بالمفهوم الشامل للكلمة
1. Cannes
2. Berlin
3. Venice
4. Toronto

المهرجانات الأفضل تنظيماً عاماً وجودة والتي تنجز أهدافها بنسب نجاح تفوق الـ 95 بالمئة٠
1. Cannes
2. Berlin
3. Toronto
4. Locarno
5. Venice
6. Karlovy Vary
المهرجانات القادرة على الإستقطاب بنجاح نظراً لموقعها الإقتصادي او السياحي او العملي
1. Cannes
2. Toronto
3. Berlin
4. Venice
6. Karlovy Vary
6. Dubai
المهرجانات المؤثرة في حركة السينما العالمية التي لا يمكن تصوّر العام السينمائي من دونها
1. Cannes
2. Berlin
3. Toronto
4. Locarno
5. Venice
6. San Sebastian
المهرجانات الأكثر شعبية اي تلك التي نجحت في أن تشكّل أهمية كبيرة لجمهورها مشتري التذاكر محليين او وافدين [لا يصح دخول عدد السكّان في الحسبانّ]٠
1. Toronto
2. London
3. Sundance
4. San Francisco
5. New York
6. Berlin
7. Montreal
8. Cannes
9. Locarno
10. Dubai

المهرجانات الأكثر تنظيماً من بين تلك الكبيرة [تلك التي تعرف أن التنظيم جزء من الجودة واحترام الآخر وتجيده في آن معاً]٠
1. Berlin
2. Cannes
3. Toronto
4. Locarno
5. San Francisco
6. Rotterdam (international)
المهرجانات الأقليمية او المتخصصة التي نجحت عالمياً رغم ابتعادها عن أن تعرض سينمات دولية كشرط أساسي لها٠
1. Sundance (USA)
2. Palm Springs (USA)
3. Annecy (Animation- France)
4. Nanntes (Afro/Asian/ Latin films- France)
5. Hungarian Film Week

المهرجان الأفضل لهاوي السينما [يشمل التقييم عدد وتنوّع الأفلام وقيمها الفنية وسهولة ارتيادها]٠
1. Toronto
2. San Francisco
3. Locarno



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبات: 3 سنوات على رحيله | المخرج العربي مصطفى العقّاد وأنا٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مفاتيح
تاريخ المخرج | تاريخ المهنة | الجهل
العربي بالسينما (وبالسياسة)| الرسالة|
ذكريات خاصّة
٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت الذكرى الثالثة لرحيل السينمائي العربي مصطفى العقاد في الحادي عشر من شهر تشرين الأول/ نوڤمبر من دون أن يتوقّف عندها أحد. لكن محطة »الجزيرة« لديها مساء غد السبت برنامجاً خاصّاً مؤلّفاً من حديث عنه وعن تركته وحوار٠
هنا تجد كلاماً من العين السينمائية ومن القلب الذي أحبّ الإنسان والطموح والنجاح في هذا الرجل٠ مصطفى العقّاد حلم بأكبر مما استطاع إنجازه، لكن يكفيه أنه حاول وأن العالم العربي بأسره هو الذي خذله كما اعتاد هذا العالم أن يفعل مع معظم مثقّفيه المختلفين عن السائد٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت آتي بالسيارة من مسافة غير بعيدة. أوقفها في كاراج مبنى من سبع طوابق خاصّة بإيقاف السيارات. أحياناً لا أجد لسيارتي مكاناً الا على سطح المبنى من كثرة اكتظاظه٠ أنزل من سيارتي واجتاز المسافة الى المصعد الى الطابق الأرضي. أصعد درجاً الى البناية القريبة. أعرف هذه البناية من قبل تجديدها. طالما زرتها٠ أدخل المبنى الى مصاعدها. آخذ المصعد الى الطابق الحادي عشر . أستدير حين الخروج الى اليسار ثم الى اليسار مجدّداً وآتي الى المكتب رقم 1145 . أدق وأدخل وأحيي الموظّفة الحالية. قبلها كان هناك عدداً من الموظّفات واحدة منهن ماتت من دون موعد قبل أربع سنوات. الثانية بعدها ارتكبت مخالفات ماديّة وهذه الثالثة محترفة دائماً مبتسمة٠
باب مصطفى العقاد مفتوح الا في حالات استثنائية. ينظر إليّ من وراء مكتبه ويشير لي أن أدخل٠ أجلس على ذات الكنبة . الجدار الزجاجي يطل على مول سنتشري بلازا حيث كنت أفضل مشاهدة أفلامي في صالاتها٠
في ذلك اليوم من مطلع شهر تشرين الثاني/ نوڤمبر كان مرتاحاً وراء كنبته. غليونه على المكتب. كلما أراد تدخينه انتقل لخارج العمارة تبعاً
للقانون٠ ذات مرّة أخبرني أنه كان في الطائرة متّجهاً لبلد عربي مع أصدقاء له وحين أعلن الكابتن عن بدء انحدار الطائرة للهبوط٠٠٠٠

رفعت يداي وصحت
Freedom at Last....
Freedom at Last
استعجب من معي كيف أقول ذلك ونحن سنحط
في دولة عربية لا حرية فيها فقلت: "لأني أستطيع
أن أدخّن غليوني أينما أشاء"٠


يسألني دائماً عن حالي ودائماً ما كنت أتحدّث معه كما لو كان أبي، وبل كنت أشعر بأنه أب روحي. كان ساعدني ولاحظ أن الطرق التي مشيتها للوصول لم تختلف عن تلك التي مشى فيها هو. أعلن هنا أن الأعداد السابقة من أصداري المعروف بـ »كتاب السينما« (الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس من أصل السبعة التي صدرت للآن) حملت إسهامه. لم يكن ذلك إيماناً منه بمشروع اقتصادي، فهو يعلم أن كتب السينما أرخص من رغيف الخبز عندنا والمؤلّف لا يستطيع أن يعيش عليها، بل فعل ذلك رعاية لطموحاتي وفهماً لما تحاول إنشاءه من ثقافة سينمائية. كنت أطلب منه أن يجعل إسهامه على شكل إعلان، لكنه كان يقول، رحمه الله:٠

لا. لا نيّة لدي لوضع إعلانات . فقد إسهامات
لكي يرى مشروعك النور٠

طبعاً أحد أسباب تمنّعه عن نشر إعلان يعود الى أنه لم يكن لديه ما يضعه في إعلان. لم يكن هناك مشروعاً جديداً يعمل عليه٠ آخر مشاريعه العربية كان »عمر المختار« سنة 1981، وبعده حاول تحريك مشاريع عربية عديدة لكنه أخفق. لا .... سأعيد صياغة العبارة: أخفقه الجهل العربي المطبق بأهمية السينما وأهمية أن يكون للعرب سينما بانورامية تعني كل عربي وتعني العالم في آن معاً. الجهل لم يكن من قبل زعماء عرب أتعبوه من كثرة ما دعوه لحضور اجتماعات لا طائل منها فقط، بل جهل ذلك اللون الأصفر من المثقّفين الذي كان يريدونه أن يشق الطريق الذي يعجبهم هم. أن يصنع أفلاماً محليّة حتى ولو كانت فقيرة. أن يترك هوليوود وأسلوب العمل فيها ويعود الى الوطن العربي لكي يعيش ويتعرّض لما يتعرّضون اليه من جهل وكبت والتزامات وتنازلات او بطالة٠

في الحاجة تكمن العبودية

كان يردد فإنت إذا كنت محتاجاً لست حرّاً. وإذا كنت مستقلاً فأنت حر. وهذا ما لم يعيه كثيرون من السينمائيين والمثقّفين العرب وأعابوا عليه إنتاجه سلسلة أفلام هالووين، كما لو أن الرجل كان يتاجر بالمخدّرات او بالسلاح او يعمل في أفلام البورنو او كما لو كانوا سيحترمونه أكثر لو صنع أفلاماً مؤجّرة ومجيّرة لهذا الزعيم العربي او ذاك، كما كان هؤلاء يريدونه أن يفعل٠

الغلاف الأول من »كتاب السينما« حمل صورة أنطوني كوين ملتفّاً بالرداء الأبيض الليبي التقليدي. لقطة من »عمر المختار«٠ لم أكن أعلم ولم يكن أحد يعلم أنه سيكون الفيلم الروائي العربي الأخير له من العام 1981 ، بل بدا أن العقاد استطاع في نهاية المطاف منح السينما العربية الشكل العالمي الذي لم تعرفه من قبل٠
ودعوني يا أخوتي تحديد ما أعنيه

يوسف شاهين عالمي، رضا الباهي عالمي، أمير كوستاريتزا عالمي، أكيرا كوروساوا عالمي، لا جدال في ذلك. لكنها عالمية المهرجانات وبعض الأسواق. العالمية التي أرادها العقاد للعالم العربي هي عالمية ديڤيد لين: السينما الكبيرة ذات المقوّمات الإنتاجية المتكاملة والضخمة والعناصر الفنية المناسبة لتلك الإنتاجات التي تتيح للفيلم أن يعرض في صالات السينما من البرازيل وحتى جنوب أفريقيا ومن السويد الى استراليا٠
كل ما في الأمر هو أن يكون الموضوع عربياً

عُرض عليّ أن أنجز أفلاماً عن هذا الزعيم وذاك
الزعيم او إخراج أفلام محليّة، لكني دائما أردّد
أنني لا أستطيع الإنتماء الى بقعة واحدة من العالم
العربي. الى بلد او حزب او سياسة. أنا إنسان
ناصري قومي أؤمن بالوحدة العربية وعلى أفلامي
أن تعكس هذا الإيمان وأن تكون »بان عربية« تنطق
بإسمه وبتاريخه وثقافته٠

أحد المشاريع التي لازمت طموحاته طويلاً كان »صلاح الدين الأيّوبي« استأجر من يكتب السيناريو ثم من يعيد كتابته بعد مرور سنوات على الكتابة الأولى

أريده فيلماً يعكس الحالة الفلسطينية اليوم. صلاح الدين
كان بطلاً قومياً وهو حرّر القدس القابعة الآن تحت
الإحتلال٠ الرموز التي يحملها الفيلم تنعكس على الوضع
الحالي وكل ما أنا بحاجة اليه هو تقديم الحكاية التاريخية
وحقيقة الأطماع التي وقفت وراء الحملة الصليبية٠

أنت، عزيزي القاريء، وأنا لا يمكن أن نرى ما هو خطأ في هذا الهدف، لكن جهابذة السياسة في العالم العربي أدركوا أن الفيلم لن يواجه الغربيين فقط متّهماً إياهم بالمعاداة والطموحات الإستعمارية وفقدان المعايير الإنسانية، بل سيواجههم هم في مرحلة كانوا يخططون فيها الى ما يحدث اليوم: أنس فلسطين وانس القدس وانس الحق ودعنا نخطط لمرحلة ما بعد ذلك. لمرحلة نسمّيها سلاماً وهي في واقعها استسلاماً. وكم من مرّة قلت لمصطفى: "لكن يا أستاذ مصطفى لم تواصل طرح هذا المشروع وأنت أدرى بأن الدول العربية لا تريد إنتاج فيلم يتحدّث عن فلسطين من أساسها؟". لكن المرحوم كان يرد

أعلم ذلك، لكن هذا موقفي وهو ليس موقفاً سياسياً
فقط. أنظر إليه من الناحية السينمائية. أنا أحب هذا
اللون الملحمي من الأفلام والتاريخ العربي مليء بمثل
هذه الملاحم التي تستحق الإنتقال الى العالم عن طريق
السينما٠ كما أنني لست راغباً في فيلم سياسي ولو
أنه سيعكس بالطبع مضامين سياسية٠

عرفت مصطفى أوّل مرّة في 1976 حين زار لبنان. كنت أعمل في المجلة الأسبوعية »بيروت المساء« التي طلبت مني التعرّف إليه وإجراء الحديث معه حول طموحه تحقيق فيلم عربي بعنوان »الرسالة«. لم أكن أعلم حينها أن التصوير كان بدأ في المغرب ثم انتقل الى ليبيا حين سحب المغرب موافقته على تصوير الفيلم فيه (لاحقاً ما تم تصوير أفلام معادية للإسلام وللعرب فيها. يكفي »جوهرة النيل« مثلاً)٠
جلسنا على مقهى الهورس شو وكلّمني عن تاريخه في هوليوود. عرفت أنه عمل، حين تخرّج من الجامعة في التلفزيون وعاون المخرج ألفرد هيتشكوك حين كان ذاك ينتج مسلسل
Alfred Hitchcock Presents
كما مع المخرج سام بكنباه الذي بدأ -كالعقاد- حياته الفنية تلفزيونياً. قدّمت الموضوع الى رئيس تحرير القسم الثقافي (الراحل العزيز الشاعر بلند الحيدري) ونُشر بعد أسبوع او إثنين خلالهما كان العقاد أصبح في ليبيا٠
عنوان المقالة كان يوعز بالريبة. لم يكن العنوان الذي كتبته بل العنوان الذي استوحاه رئيس القسم من المقالة وكان قريباً من: "كيف يمكن لمساعد تحقيق فيلمه الأول بثلاثين مليون دولار؟"٠
ذات يوم استلمت مكالمة هاتفية تدعوني الى مكتب شركة »فالكون« في شارع الحمراء٠ ذهبت إليها متردداً بسبب العنوان المذكور الذي كان يوحي بأن العقاد إنما يحاول أن يأكل بعض العقول المحلية وأن نوعية الفيلم ستكون استغلالية وربما رديئة٠
في المكتب قابلت للمرّة الأولى نبيل ضو. شخص متفان في عمله. لازم مصطفى العقاد طوال حياته المهنية وأشرف على أعماله من ستديوهات العقاد شمالي لندن٠ أراني نبيل طلباً من المخرج والمنتج يقول: أحضروا لي الكاتب الذي سأل كيف يمكن لمساعد مخرج تحقيق فيلم كهذا لكي يرى كيف٠

وسافرت الى ليبيا للمرّة الأولى وعوملت بطريقة محترفة تماماً (وجديدة جدّاً عليّ) ومن هنا نمت صداقتنا. »الرسالة« فيلم جيّد في نواحي كثيرة ومشكلته هي القيود المفروضة لكن طريقة العقّاد في حل معضلة عدم السماح بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلّم كانت، سينمائياً، أفضل طريقة ممكنة الا إذا كان التغييب سيتم على طريقة تلك المسلسلات التلفزيونية حين يقف الشخص غير ممنوع الظهور ليتلوا عن لسان النبي ما سمعه عنه٠
تعرّفت هناك أيضاً على صداقات أخرى وقابلت أنطوني كوين وحمدي غيث للمرّة الأولى. هناك في الصحراء كان يتم صنع تاريخ مشرق: أهم فيلم روائي في تاريخ العالم عن الأسلام... أنظر من قتل مصطفى العقّاد في النهاية.... مجرمون سفلة يدّعون إنهم يحاربون في سبيل الإسلام٠

الباقي غداً٠٠٠٠٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصطفى- هوليوود| اللقاء الأول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وُلد مصطفى العقّاد في عام 1938 في مدينة حلب. والده رجل يؤمن بالسعي والعلم وقد أنجب إلى صفّ مصطفى عدداً من الأشقاء الذين مالوا الى صنوف شتّى من الإهتمامات والثقافات، لكن مصطفى كان وقع في غرام السينما باكراً٠ بدأت مشاهدة الأفلام وأحببت السينما لكن لم يكن بالمستطاع تحويل هذا الحب الى فعل حقيقي الا بالهجرة الى هوليوود٠ في سن التاسعة عشر من عمره سافر الى الولايات المتحدة ليدرس السينما وفي جعبته نحو ثلاثمئة دولار لا أكثر

حين أدرك والدي رحمه الله جدّيتي في الرحيل
أعطاني ما
استطاع جمعه من مال ومصحفاَ
وتمنّى لي التوفيق٠

تسلّح العقاد بالمصحف الشريف وبالمال غير الوفير ودعاء والده وبالكثير الكثير من الثقة بالمستقبل وهاجر الى هوليوود ليدرس السينما في
UCLA جامعة

حين وصلت الى هوليوود كنت تائهاً. هوليوود في الستينات
لم تكن على ما هي عليه اليوم. اليوم هي
مدينة كبيرة
متّصلة، لكن حينها كانت عبارة عن مدن
تفصل بينها مزارع
البرتقال. وقفت في محطّة القطار
حائراً ثم التقيت بشابّين
سألتهما أين منطقة وستووود
فيلاج (حيث الجامعة) فدعاني
الى ايصالي بالسيارة٠
عندما انطلقت السيارة وغادرت المحطّة
وجدت أننا
نمر في حقول وبيوت متناثرة وفي الحقيقة اعتقدت
أن في الأمر مكيدة، لكنهما هدّا من روعي وأوصلاني
الى حيث أقصد٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Nov 11, 2008

ISSUE 358 | Gordon Willis مدير تصوير العرّاب

Film Reader اليوم في
نظرة تحليلية لفيلم جيمس بوند الجديد:
العامل الجنسي في »كم العزاء« وأشياء أخرى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينماتوغرافي | غوردون ويليس: أمير الظلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Manhattan من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كونراد هول، مدير التصوير المبدع الآخر الذي رحل قبل حين، أطلق على زميله غوردون ويليس لقباً لا يزال يحمله هذا الى اليوم: أمير الظلام.
هذا لأن ويليس يحب التصوير بأقل إضاءة ممكنة وكان يقول: "لم أحتاج لإضاءة إضافية إذا كنت أستطيع تصوير مشهد مستخدماً مصباحاً
واحداً؟"٠

غوردون ويليس
والده كان يعمل في الماكياج تابعاً لشركة وورنر في نيويورك وهو ولد سنة 1931 وبدأ ممثلاً لفترة ثم اتجه للتصميم المسرحي قبل أن ينضم لسلاح الجو ويحارب في كوريا. بعد الحرب عاد غوردون الى نيويورك في منتصف الخمسينات وأخذ يعمل مساعد مصوّر وانضم الي التلفزيون الذي كان انتشر من مطلع الخمسينات٠
هذا ما عرفته من بعض المواقع عن تاريخه. باقي المعلومات تأتي من غوردون ويليس نفسه. من النظر الى مشاهده ولقطاته ومحاولة قراءتها. ولن يطول الأمر قبل أن تعرف أن هناك صياغة واحدة تشمل كل أفلامه، وخيطاً معيّناً يربطها بعضها ببعض٠ الصورة عند غوردون ويليس ليست تماماً كالصورة عند كونراد هول او لوسيان بالارد، جون ألكوت، نستور ألمندروس، جون ألونزو، وليام كلوثيير، هسكل واكسلر ولا حتى سڤن نيكڤست الذي يشاركه حب التصوير بأقل نور ممكن٠
غوردون ويليس كان صديقاً للإنتاجات المستقلّة او الصغيرة كما عمل لحساب هوليوود وشركاتها الكبيرة. في الحالتين تجد لديه ألفة وصدق مع المكان٠ بدأ التصوير كمدير سنة 1970 بفيلمين صغيرين
End of the Road | Dir: Aram Avakian
وهو فيلم مستقل أنتجته شركة في مدينة فيلادلفيا آلت بطولته الى ستايسي كيتش وهاريس يولين وجيمس إيرل جونز، ثلاثة من ممثلي الفترة الجيدين، ونال الجائزة الأولى في مهرجان لوكارنو في السنة ذاتها لجانب ثلاثة أفلام أخرى شاركته تلك الجائزة هي
Soleil O | شمس أو
إخراج الموريتاني مد هوندو وتصوير الفرنسي فرنسوا كاتوني
Lilika | ليليكا
إخراج اليوغوسلافي برانكو بليسا وتصوير مواطنه ألكسندر بتكوفيتش
Mujo | This Transit Life | هذه الحياة المارة
وهو ياباني لأكيو جيسوجي وليست لدي فكرة من مدير تصويره ولا كيف شاركت أربعة أفلام الجائزة الذهبية٠
الفيلم الثاني لويوليس كان أبسط شأناً وهو
Loving
إخراج إرڤن كيرشنر لحساب كولمبيا مع جورج سيغال وإيڤا ماري سانت وستيرلنغ هايدن٠ فيلم منسي ولا يحمل ما يستحق أن لا يكون كذلك٠
لكن تستطيع أن تلحظ الفارق سريعاً حين قام بتصوير
The Landlord | المالك
هو فيلم من إخراج هال أشبي ولجانب تطوّر ويليس لابد أن هناك المخرج الذي يعرف أي
Look | نظرة
يريد منحها للفيلم. أشبي كان من النوع الذي يعتني بالتصوير وأفلامه اللاحقة صوّرها هسكل وكسلر ثالث مدراء التصوير الذين تم سؤالي عنهم والذي سأتحدّث عنه في مرّة مقبلة٠
تستطيع في هذا الفيلم أن تلحظ بدايات تكوين ويليس لأسلوبه. اللقطات الطويلة. الدكانة في المشاهد الخارجية والداخلية على حد سواء، كل بشروط المكان٠ وهذا ينسحب على ثاني أفلامه الجيّدة وأول أعماله لحساب مخرج رائع آخر هو ألان ج. باكولا. الفيلم هو
Klute
وما يخطر ببالي حين أذكره هي تلك اللقطات التي يأخذها مدير التصوير من مسافات بعيدة. دونالد سذرلاند وجين فوندا داخل بيتها وهي مهدّدة من قبل مجهول يريد قتلها. لكن وجود سدرلاند ليس ضمانة أكيدة من أن القاتل (تشارلز سيوفي)، الذي لاحقاً ما نعرف أنه زبونها، لن يصل إليها. اللقطة البعيدة لهما في منزلها تعرّفنا بالصمت الرائع بأنهما محاصران فعلاً٠
ذات نوعية اللقطات سنشاهدها لاحقاً في تحفة باكولا
The Parallax View | منظر متواز
سنة 1974 الذي هو ثاني فيلم لباكولا مع ويليس. لكن قبل باكولا الأول وباكولا الثاني هناك كابولا سنة 1972


The Godfather
معظمنا شاهد »العرّاب« واكتشف حسناته. كل مشهد قد يخطر على بالي وأنا أكتب الأسطر المقبلة هو نسيج جميل من التفاصيل٠ في مطلع الفيلم هناك طبعاً مشهد تعريفنا بالدون كارليوني (مارلون براندو) داخل مكتبه٠ التمهّل في تقديمه قبل التوسّع بتعريفنا بالشخصيات الأخرى في مكتبه٠ لاحظ خفوت الإضاءة على النحو الذي ذكره في مطلع هذا المقال٠
لكن كل الفيلم مشاهد رائعة في تصميمها وفي إدارتها وفي تنفيذها وفي تصويرها٠ مشهد دخول آل باتشينو المستشفى الخالي من الزوّار في ذلك الممر العريض هو مشهد تنفيذ لشروط معيّنة من نص وتأليف المخرج: يريد ممرّاً نظيفاً. خالياً من الناس. مع حركة كاميرا بطيئة تسهم في خلق التشويق الناتج عن تأليف حيثيات المشهد بين المشاهد السابقة والتالية٠
لكن مشهداً مثل ذاك الأول الذي نتعرّف فيه على دون كارليوني هو مشهد فيه من ويليس بقدر ما فيه لكابولا إذا لم يكن أكثر٠
وأجد نفسي من دون الوقت والمساحة لأراجع الفيلم بأسره بقصد تناول إسهام ويليس فيه، لكن من حسن الحظ أن الفيلم شوهد على نحو شاسع ما يجعل أي مثال عنه صالحاً لأمثلته الكثيرة٠ في المجمل، وبما أن الفيلم فيه من المشاهد الداخلية بقدر ما فيه من المشاهد الخارجية، كان ضرورياً التنسيق بين شروطهما لناحيتي الإضاءة واستخدام نوعية الفيلم ولأي غاية٠ ولا نجد تفاوتاً بين التناولين. الفيلم -بفضل ويليس- يختلف عن أفلام العصابات الملوّنة قبله وبعده بأنه واقعي على الرغم من حجمه ودراميّته. واقعية تختلف -بالطبع- عن واقعية السينما الإيطالية مثلاً٠
ويليس صوّر لاحقاً فيلم وسترن تحت إدارة روبرت بنتون هو
Bad Company
وفيه معالجة كانت بدأت تنتشر في السبعينات تمنح فيلم الوسترن اللون غير المبهرج والنظرة الواقعية٠ بذلك هو شريك مع أفلام أخرى مثل
The Culpepper Cattle Company | شركة مواشي كالبيبر
إخراج دك رتشاردس (الذي كان بدوره مدير تصوير) وتصوير لورنس ويليامز
Monte Walsh | مونتي وولش
إخراج وليام أ. فرايكر (مدير تصوير آخر اكتفي بالإخراج هنا) وتصوير الجيّد
ديڤيد وولش٠
The Stalking Moon | القمر المقتفي
إخراج روبرت موليغن وتصوير تشارلز لانغ (عن قصّة كتبها ألان ج. باكولا)٠
حين أم ويليس العمل الثاني له مع باكولا وهو »المنظر المتوازي« سنة 1974 مارس المزيد من تلك اللقطات البعيدة٠ الكاميرا تستطيع أن تكون صامتة وتستطيع أن تنطق بصمت. معه ومع تصوير المبدعين أمثاله، هي ناطقة بصمت٠ تشارك في تأليف دقيق لفيلم متمحور حول مؤامرة سياسية (كما كان »كلوت« على أصغر). باكولا كان أفضل من حاك هذه الأفلام في فترة السبعينات وويليس كان من أفضل من صوّرها. بعد هذا الفيلم عملا معاً على
All the President Men | كل رجال الرئيس
وهذا ورد بعد »العراب الثاني« وقبل أول تعاون بين ويليس وبين وودي ألن عبر فيلم
Annie Hall
وهو تعاون امتد ليشمل بعد ذلك
Manhattan, Stardust Memories, A Midsummer Night's Sex Comedy, Zelig, Broadway Danny Rose, The Purple Rose of Cairo
الذي كان آخر تعاون بينهما على ما أعتقد٠ مع ألن وجد ويليس من لا يرغب منه الا في نقل طبيعي للشارع وللمنزل ولنيويورك وهو أفلح في ذلك ولو أن أكاديمية العلوم والفنون السينمائية اكتفت بترشيحه ولم تعطه جائزة٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Nov 10, 2008

ISSUE 357 | Ridley Scott in "Body of Lies".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مخرج وفيلمه | ريدلي سكوت ونظرته الى العالم العربي في
Body of Lies
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعامل المخرج الأميركي ريدلي سكوت مع مواضيع عربية وإسلامية أكثر من مرّة٠ إنه مخرج الفيلم التشويقي الجديد »كيان من الأكاذيب« او
Body of Lies
الذي يبحث والعلاقة التي تربط بين عمل الإستخبارات الأميركية في الشرق الأوسط والحرب على الإرهاب في فترة ما بعد 11/9 وعدم تحقيق نتائج فعّالة في تلك الحرب لأسباب لها علاقة بسوء قراءة المسؤولين الأميركيين للثقافة العربية وعدم ثقة كل طرف بآخر٠
وهي ليست المرّة الأولى التي يقوم فيها المخرج سكوت بالتطرّق الى موضوع عربي إذ لديه في هذا الصدد فيلمه عن الحملة الصليبية »مملكة السماء«، سنة 2005. في كلا الفيلمين نجده يحاول هو بنفسه قراءة العالم العربي قراءة أفضل من سواه. منح الشخصيات العربية، سواء أكانت حقيقية مثل صلاح الدين الأيوبي في الفيلم الأول، او خيالية كما في هذا الفيلم وجوداً ملموساً يعبّر عن وجهة غير نمطية . وإذا ما كان لديه عدّة أمثلة وأنماط، فإن واحداً منها هو الشرير بينما للشخصيات الأخرى تدرّجاتها إنتهاءاً بالشخصية التي تستحق التأييد والإعجاب. صلاح الدين الأيوبي (الممثل السوري غسان مسعود) في »مملكة السماء« ومسؤول المخابرات الأردنية هاني (مارك سترونغ) ٠

فيلم ريدلي سكوت الجديد هو عنوان كبير لموضوع يحتل رقعة كبيرة على الشاشة ويمتد على خريطة تنتقل به من مدن أميركية الى مدن عربية وأخرى أوروبية. رغم كل شيء لا يخرج المرء من الفيلم أكثر إلماماً او أفضل إطلاعاً على رأي محدد بشأن المشكلة التي يُثيرها. الكثير من دخول وخروج الفيلم في عناوين مواضيعه المطروحة لا ينتج عنه أكثر من عمل آخر يمسح سطح المشاكل ولا يتعرّض لها. على ذلك، هناك كل ما يحتاجه الفيلم التشويقي صنع اليوم من عناصر وبل يوفّر قدراً كبيراً من التشويق ولو بشق النفس أحياناً٠

الأميركي البشع
اقتبس كاتب السيناريو وليام موناهان ( كتب فيلماً آخر أدى بطولته ديكابريو هو
The Departed
الذي أخرجه مارتن سكورسيزي) من رواية وضعها ديفيد إغناتيوس، وهو صحافي من »واشنطن بوست« تدور في آن واحد عن شغل المخابرات الأميركية ضد الإرهاب وعن الإرهاب الذي يعيش في بعض أنحاء الوطن العربي. ليس هناك ما هو ثابت في وقائع الرواية (ولا الفيلم) لكن استنتاجات خيالية مستمدّة من حقيقة واحدة: هناك إرهاب يعيش في أنحاء من دنيا العرب وهناك جهاز استخبارات أميركي عليه أن يواجهه٠ وهو لا يستطيع مواجهته وحده بل عليه الإعتماد على شخصيات عربية تشارك الغربية موقفها المعادي من الإرهاب٠
هناك شخصيّتان أميركيّتان رئيسيّتان متصلتان بالهاتف وبالكومبيوتر: هوفمان (راسل كراو) الذي يدير جهازاً في السي آي أيه. رجل عائلة على قدر ملحوظ من البدانة (وافق الممثل زيادة وزنه للدور) لا يكف عن العمل ولا شيء، بما في ذلك الصداقة، تحول بينه وبين تحقيق نتيجة تنفع الـ
CV
الخاص به، وروجر فيريس (ديكابرو) وهو عميل المخابرات على الأرض. الرجل الذي يضع حياته على كفّه طوال الوقت خدمة لذات الأهداف٠
إذ تتوقّع أن تشاهد أميركياً بشعاً (على حد تعبير غراهام غرين) الا أن روجر ليس هذا البشع. إنه رجل يجيد العربية (نسمعه يتحدّث بها من حين لآخر) ويعترف بثقافة الآخر ولا يطيق التعذيب (لا حين يراه على الآخرين او حين يتم تطبيقه عليه) ولديه قلب قد يعلق بحب إمرأة من خارج ثقافته وعالمه ودينه هي الممرّضة عائشة (غولشفته فرحاني) التي هي من أصل إيراني لكنها تعيش وتعمل في عمّان. هناك بعض الوقت تتساءل فيه إذا ما كان حب روجر لعائشة حبّاً حقيقياً او أن جبالاً من الإختلافات ستقع في الهوّة بينهما ويأتي الجواب في غضون الفيلم ليعكس حبّاً صادقاً (مع نهاية ملائمة) فحين يصل الى روجر خبر اختطافها من قبل الإرهابيين يعرض أن يتم استبداله بها معرّضاً كل المهمّة التي جاء من أجلها، ومعرّضاً حياته أيضاً، للخطر٠ لكن رئيسه يجد في ذلك فرصة كبيرة للوصول الى الإرهابي الكبير الذي كان من المفترض بالمخرج الصديق محمد خان لعب دوره ورفض فقبله الممثل الاسرائيلي ألون بوطبول. دور صغير أسم صاحبه السليم ووجهه يحمل كل تلك التعابير الشريرة المطلوبة في مواقف مثل ذلك الموقف الذي يكسر فيه »السليم« أصبعين من أصابع يد ديكابريو اليمنى٠ وإذ يحفل المشهد بالتوقّعات الا أن الفيلم في نهاية مطافه لن ينته ببطله بأكثر من تلك الإصابة ولو أن روجر يقرر في نهاية الأمر تسليم مهامه لكي يستمتع بحياة هنيئة في عمّان التي تقع فيها معظم الأحداث٠

الشخصيات العربية


مارك سترونغ في دور رئيس المخابرات الأردنية: نظرة عادلة

ريدلي سكوت هنا بين نوعين من العرب وهذا ليس بالمستعجب٠
هناك العربي الجيّد، يمثّله رئيس المخابرات الأردنية الذي لا يطيق كذب الأجهزة الأميركية والمحاط بأناس مخلصين لعمله في مكافحة الإرهاب- وهو بذلك، من حيث الرسم العام للشخصية- قابل للتصديق ومطلب أساسي في عملية التوازن في فيلم يغطّي نواحي كثيرة من إرهاب المتطرّفين الإسلاميين الى حياة العرب العاديين الى اولئك الأبرياء منهم الذين يجدون أنفسهم فجأة محط تهمة، او اولئك الذين تورّطوا والآن يريدون الخلاص من هذه الورطة٠
الفيلم يذهب الى حد الإشارة الى أن طريقة رئيس المخابرات الأردنية في التعامل مع المتورّطين سابقاً أفضل بكثير من تلك التي يعامل فيها هوفمان (كراو) عميله (ديكابريو)٠
تبقى الحفنة الشريرة التي لابد منها، والتي لا يضير وجودها في الفيلم لأنها في الحقيقة موجودة. هي التي فجّرت فندقاً في عمّان وقتلت وجرحت نحو 400 بريء بينهم الراحل مصطفى العقاد وإبنتيه رحمهما الله٠ وهما المنتشرين في غير الأردن طبعاً ينظرون الى العالم نظرة من يريد الإنتقام من جميع من فيه بلا تفريق او رادع٠ كل ما توفره بعض الأفلام الغربية من صور نمطية وشريرة في بعض الأحيان، ما هي الا إنعكاسات للواقع. إنعكاسات وليست مبتكرات او اختلاقات. هؤلاء فينا نحن . منتشرون بيننا ويكنون لي ولك الضغينة وليس فقط للغرب٠ ماذا نتوقّع من الأفلام التي تبحث عن ارضاء المشاهد الساذج في الغرب أن تفعل؟ هذا شرير جاهز وكامل المواصفات٠
في هذه الناحية »كيان من الأكاذيب« أبعد من أن ينضم الى هذه الفئة، بل يعرض ما يدور، ولو من بنات خياله، مستنداً الى جانبين، خيّر وشرير، كلاهما يمثّلان حاضراً عربياً. واحد مشرف والآخر ٠٠٠٠

ممثلون عرب
يحاكي »كيان من الأكاذيب« الأفلام السابقة له التي تعاملت ومواضيع العلاقة الأميركية- العربية مثل
The Kingdom, Vantage Point, Syriana, Rendition
وبعض سواها ويشاركها القرار بأن المسألة هي أعقد بكثير مما تبدو على السطح. لكنه يذهب قليلاً أكثر في القول أن الحرب على الإرهاب ليست حرباً يحقق فيها الطرف المعادي للإرهاب أي نصر. رئيس الجهاز هوفمان يتعامل مع الوقائع على الأرض بسلسلة من الأكاذيب التي تجعل عمل عميله روجر معرّضاً للفشل والخطر وتفقد ثقة رجل المخابرات الأول في الأردن هاني (مارك سترونغ) الذي كل ما يطلبه من السي آي أيه ان لا تكذب فيجدها تكذب في كل مبادرة ومعلومة٠ بذلك ينتقد الفيلم هوفمان نقداً واضحاً، لكنه ليس بثبات من يريد أن يُدين، بل برغبة من يريد خلق حالة من الفوضى او التعبير عن فوضى كبيرة قائمة٠
في إداء ليوناردو ديكابريو دروساً لسواه من ممثلي الصف الأول. يقدّم إداءاً ينصهر فيها مع الشخصية كما يجب أن تؤدّى ولو أن الشخصية ذاتها كانت لا تزال بحاجة الى بعض الصياغة خلال الكتابة. هنا يقدّم ديكابريو شخصية حسّاسة تعبّر عن خجلها من ممارسات قيادته المخادعة وعن احترامه للآخر. إنه يعرف أنه يعمل في مهنة قذرة لكنه يعلم أيضاً أن إنقاذ الأرواح هو من بين ممارسات هذا العمل ويحاول إنجاز ذلك ويفشل وينجح لكن تبعاً لتشابكات كثيرة تقع بين الفرقاء الثلاثة: الأميركيون، السلطات العربية والإرهابيين٠ الأبرز في إدائه هو أنه واقعي الى حد كاف. سواه (لنقل توم كروز) كان سيفتعل ما يؤديه ديكابريو هنا بسلاسة او كان سيعتمد على وسامته ونجوميّته و»تعالوا شوفو بعمل إيه« كما هو السائد بين كثيرين عرباً وأجانب هذه الأيام٠
من الأسماء العربية في الفيلم علي سليمان لاعباً شخصية رجل عربي غير إرهابي يعمل في البورصة والبزنس العام تورطه المخابرات (بتخطيط من هوفمان) في عملية تفجير هو بريء منها لكنها تجذب إليه ذلك »السليم« الذي يقود عمليات القاعدة ما يعرّض الأول للموت. هذا الفيلم عن اللعب بالأرواح فعلاً. كذلك في الفيلم قيس الناشف في دور إرهابي طازج ينتقل للعمل لصالح المخابرات الأردنية. هذا الفيلم هو أيضاً عن مناطق خداع كثيرة٠
التوليفة بأسرها ناجحة، لكن الفيلم لا يضيف الى ما هو معروف وملموس سوى أسلوب المخرج المكثّف من دون أن يكون المعمّق او القادر على ايجاد رقعة لتحليل سياسي٠ صحيح أن كل ما يريد الفيلم قوله في هذا الشأن موجود في طيّات القصّة، لكن كم كان مفيداً لو أنه ذهب نصف ميل الى الأمام لكي يمنح الفيلم بعض الصدق. ربما كان ذلك سيستدعي إنفجارات والاعيب تقنية وخطوط متشابكة أقل، لكنه كان سيمنح الفيلم قدراً مما كان يحتاج اليه أكثر من سواه: الإنتقال من حالة فيلمية الى حالة واقعية ولو بحدود كافية٠

تنويع
الفيلمان، »كيان من الأكاذيب« و»مملكة السماء« مختلفان في تربة السينما الهوليوودية٠ الأول تشويقي- سياسي والثاني ملحمي تاريخي٠ لكن هذا الإختلاف ميّز كذلك بين العديد من أعماله. فهو انتقل من الصراع التاريخي، الفردي في أوّل أفلامه
The Duelists
سنة 1977 الى سينما الخيال العلمي في فيلميه المتعاقبين
Alien و Blade Runner
الى التاريخي مرّة أخرى في
Legend (1985), 1492: Conquest of Paradise (1996)
الى التشويق البوليسي في
Someone to Watch Over Me (1987), Black Rain (1989)
ومر في سياق سينما التاريخ مرّة أخرى حين أخرج
Gladiator
ثم عرج على سينما الرعب في »هانيبال« (2001) وخاض الحرب في
Black Hawk Down
والدراما في
Thelma and Louise و Matchstick Men, G. I. Jane, White Squal
ومن يتطلّع الى مشاريعه المستقبلية سيجد المزيد من هذا التنويع، كما أن فيلمه السابق مباشرة لـ »كيان من الأكاذيب« لم يكن سوى فيلم ينتمي الى سينما العصابات وهو »أميركان غانغستر«٠

وهو جيّد بشكل عام . جيد على النحو الحرفي وجيّد في تضمين سلعته قدراً من الفن عموماً وفنيّة المعالجة على الأخص مانحاً أعماله، في شكل عام، غطاءاً من ظلمة الليل كما لو أن أبطاله يعيشون كابوساً في أزمنة مختلفة ومواقع متعددة٠
Blade Runner
على سبيل المثال هو أحد أفضل أعماله وأحد أفضل أفلام الخيال العلمي في السنوات العشرين الأخيرة الأخيرة. بطله (هاريسون فورد) رجل يبحث عن أعدائه من الفضاء الذين يستطيعون التحوّل الى أشكال آدمية ليكتشف أنه هو ذاته منهم٠
Alien
عن إمرأة (سيغورني ويڤر) المشاركة في رحلة فضائية بعيدة يقتحم مركبتها وحش لا يمكن قهره ويستطيع إتخاذ أي شكل يريد٠
والوحشة والدكانة ليست حكراً على أفلام سكوت الخيال- علمية بل على العديد من أفلامه ودائماً مع وجهة نقدية لا ينسى خلالها الإعراب عن ريبته في السلوك الذي يمارسه الأميركيون ليس ضد الآخرين كما في فيلمه الحالي »كيان من الأكاذيب« وفيلمه البوليسي السابق »المطر الأسود« مع مايكل دوغلاس وآنذي غارسيا الذي تقع أحداثه في اليابان، بل كما في فيلمه المؤيد للمرأة »ثلما ولويس« مثلاً٠ لكن في الوقت الذي يريد أن يكشف فيه عبر أفلامه عن أميركيين لا يرون أبعد من حاجز اختلقوه (وهذا موجود حتى في فيلمه الحربي »سقوط بلاك هوك«) فإنه لن يجيّر الفيلم ليخدم الآخر، فقط يريد أن يفتح له نافذة مختلفة يطل منها ويعبّر فيها عن ثقافته ومفهومه- إذا ما سمحت قصّة الفيلم بذلك٠

في مؤتمر صحافي عقده في الدورة الأخيرة من مهرجان ڤنيسيا السينمائي الدولي قال لصحافة حين سألته عن رأيه في هوليوود اليوم كلاماً مهمّاً: "أعتقد أن الأفلام أصبحت أكثر غباءاً من قبل. لقد كان ممكناً في الماضي من مشاهدة خمسين بالمئة من الأفلام الجيّدة وخمسين بالمئة من الأفلام الغبية. الآن هناك ثلاثة بالمئة فقط من الأفلام الجيّدة. الباقي كله غبي"٠
وهو أكمل مشيراً الى حقيقة تجيب كل من قد يسأل عن السبب: "هوليوود هي صناعة. إنها ليست شكلاً فنياً، لذا على من فيها تأمين الحاجة الأساسية". وكما نعرف فإن الحاجة الأساسية هي التجارة، والفن الوحيد الذي تمارسه هوليوود، وليس بنجاح دائماً، صار فن التجارة٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠



Nov 8, 2008

ISSUE 356 | Gregg Toland: The Master of Cinematography & Citizen Kane

العدد الجديد من
Film Reader # 34

يحتوي على مراجعة
لأفلام وتيارات جديدة
*************************************************
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينماتوغرافي | غريغ تود وتصوير المواطن كاين٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقطة ظلالية مُعنى بتفاصيلها رغم عتمتها، وتتيح إضاءتها مزيجاً من التأليف البصري
والدرامي مع عناية خاصّة لوضوح الشخص في الخلفية. من فيلم
Citizen Kane

في إستجابة للصديق أيمن هاشم علوي الجارودي من المملكة العربية السعودية الذي كتب مستفسراً عن التصوير في ثلاثة أفلام هي
One Flew Over Cuckoo's Nest
إخراج ميلوش فورمان. تصوير: هسكل وكسلر (1975)٠
The Godfather
إخراج: فرنسيس فورد كوبولا. تصوير: غوردون ويليس (1972)٠
Citizen Kane
إخراج: أورسن وَلز. تصوير: كرغ تولاند (1941)٠
أنشر سلسلة مقالات حول تصوير كل فيلم على حدة ما سيكشف بالتالي عن المزايا الخاصّة بكل فيلم في ميدان التصوير٠ وأبدأ بالفيلم الأقدم بينها: »المواطن كين«٠
...................................................................
Gregg Toland


مدير التصوير كرغ تولاند ولد في 1904 وعاش حتى العام 1948 أي مات في سن شاب هو الرابعة والأربعين من العمر. وكان له تأثير كبير على السينما الأميركية من خلال عمله مدير تصوير. كان موهوباً منذ صغره وانضم الى جمعية المصوّرين الأميركيين وهو في العقد الثالث من عمره وذلك بعد أن كان بدأ التصوير في عشرينات القرن الماضي فعمل مع نخبة من أفضل مخرجي هوليوود العشرينات والثلاثينات والأربعينات، بينهم، لجانب عمله مع وَلز، هوارد هوكس، كينغ ڤيدور، وليام وايلر وجون فورد٠ يكفي أنه في سبع سنوات امتدت من 1936 الى 1942 رُشّّح خمس مرّات للأوسكار عن الأفلام التالية
Les Miserables |Richard Boleslawski (1936)
Dead End | William Wyler (1937)
Wuthering Hights | William Wyler (1938)
The Long Voyage home | John Ford (1940)
Citizen Kane | Orson Wells (1941)
وهو نالها في المرّة الثالثة عن فيلم »مرتفعات وذرينغ«٠

إسهام غرغ تولاند في»المواطن كاين« محط نزاع بين بعض النقاد والمؤرخين إذ يعتبره البعض المسؤول الأول عن نجاح الفيلم بصرياً، بينما يرى الآخرون أن الفن التعبيري بالصورة تبع أسلوب المخرج ولز ببرهان أن أفلام ولز اللاحقة اعتمدت ذات المفاهيم وأسلوب التعبير٠ وشخصياً أميل للرأي الثاني واجداً أن ملكية الصورة موزّعة عادة بين مدير الفيلم (المخرج) ومدير التصوير. الأول لديه سُلطة فنية أعلى من سُلطة الثاني ولا يضير مطلقاً أن الثاني -إذا ما كان مصوّراً مبدعاً كما حال غرغ تولاند- هو المبدع الفعلي لكل ما يتعلّق بحيثيات الصورة. والحال هكذا في »المواطن كاين«٠
في هذه الناحية فإن الفيلم مشهود له باستخدام ما يُسمّى بـ
Deep Focus
وهو القدرة على جعل خلفية المشهد تنضح بذات التركيز والتكثيف والوضوح كما مقدّمة المشهد. إنه أسلوب جعل كل ما في الصورة يبرز على قدر متساو٠ هذا من ابتداع غرغ تولاند الذي عمل على تطوير الكاميرا (لذلك يسمّونه أيضاً المخترع غرغ تولاند) بحيث يجعلها قادرة على استيعاب العمق بينما تقوم بحركتها (أيا كانت هذه الحركة) من دون الإخلال بالفوكاس العميق وتوازنات المشهد. وأستطيع أن أفنّد التفاصيل التقنية لمن يرغب من نوعية العدسات التي استخدمها الى نوعية الإضاءة وكيف استطاع ترشيح تلك الإضاءة من دون التقليل منها الى نوعية الفيلم الخام الذي استخدمه لكن مجرّد الإتيان على ذكر هذه العناصر الرئيسية كاف للتدليل على أن شغل تولاند لم يكن مجرد ضبط الإضاءة وبؤرة الكاميرا ومتابعة المشهد بل الإسهام في خلقه متعاوناً مع مدير التصميم (مدير المناظر في تسمية أخرى) في الكثير من شؤون الفيلم، فالتصوير بالعمق المطلوب سيؤدي الى ظهور وتوضيح تفاصيل المكان والديكور، ما يتطلّب إعتناءاً إضافياً بهما٠

كيف آستفاد الفيلم من أسلوب تولاند في العمل؟
بما أن الأسلوب المعروف بـ
Deep Focus
يتطلب قدرة مدير التصوير على دمج عناصر الحركة والتأليف البصري والإضاءة، فإن الطبيعي بعد ذلك هو أن يتشرّب الفيلم كل هذه الطاقة ويتلوّن بها. الفيلم هو سيرة حياة غير رسمية لوليام هيرست، وهو إمبراطور للصحافة في الثلاثينات، ومن خلال السيرة نوى المخرج ولز في فيلمه الأول هذا تصوير صعود وهبوط رجل أعمال وحالم وإعلامي ونافذ سياسي ومخدوع والمحيط العاطفي والإجتماعي ثم السياسي المحيط به، واستطاع بالفعل تقديم كل ذلك في فيلم لم يتكوّن من الرغبة في السرد وحدها، بل صياغة أسلوب عمل بصري و»ميزانسين« بيئي (في التعريف الرئيسي لهذه الكلمة) للشخصية والفيلم حقق هذه الغاية على أفضل وجه٠
هناك مشاهد مميّزة كثيرة في إطار العمل. المشهد الذي يجتاز فيه أورسن وَلز (لاعباً الدور الرئيسي) او جوزف كوتن (دور صديقه والناقد الدرامي في صحيفته) مؤخرة المشهد الى مقدّمتها منتقلاً من منطقة مضاءة الى أخرى مضاءة ماراً بمسافة بينهما مظلمة٠ بذلك وصوله الى أمام الكاميرا ينقل حالة من الإنذار والحتمية٠
في الحقيقة الإبداعات التصويرية في هذا الفيلم لا تنتهي. التصوير من خلال الزجاج وجعل الزجاج شريكاً في تأليف معنى المشهد. الإضاءة او عدمها في كل لقطة. الظلال التي تتكثّف هنا وتتضح هناك. حركة الكاميرا التي تنتقل في اتجاهات غير محسوبة للمشاهد وتقنيات متّصلة مثل استبدال صورة بأخرى عن طريق »المسح« الذي لم يكن استخدم قبل ذلك٠

إذاً، إسهام غرغ تولاند مقارنة بإسهام مديري التصوير ويليس ووكسلر نابع من أنه أسهم في تأليف العمل وليس فقط صياغته على نحو جيّد. كونه سبقهما يجعل ما قاما به هو توظيف الفن الذي ورثوه منه ومن أمثاله - لكن هذا ليس من باب تقليص حجم إسهامهما وإبداعهما، بل سنرى كيف أن كل منهما هو أستاذ مهنته الرفيع ومبدع في حقله أيضاً٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008

Nov 7, 2008

ISSUE 355 | You've got mail

FIILM READER: زوايا جديدة على الـ
اليوم
*******************************************************************************
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لديك بريد | ردود وتعليقات على التعليقات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-1-
حسب اقتراحي قبل أيام، بعث الصديق البحريني مشكوراً صالح الجارودي بقائمته لأفضل ما شاهده من أفلام في مهرجان الشرق الأوسط المنتهي قبل أيام مشيراً الي أنه لم يحاول مشاهدة أفلام أميركية او بريطانية لأنه يستطيع مشاهدتها لاحقاً٠
هنا إذاً: الفيلم متبوعاً بإسم المخرج وبلد المنشأ

حصان بساقين | سميرة مخملباف (إيران)٠
السجين | برياس غوبت (الهند)٠
فوضى منظّمة | أنطونللو غريمالدي (إيطاليا)٠
موسكو، بلجيكا | كرستف ڤان رومباي (بلجيكا)٠
دنيا، ديزي | دانا نيكوشتان (هولندا)٠
عار | ستيف جاكوبس (استراليا)٠
أربعة عشر كيلومترا | غيرادوس أوليفاريز (أسبانيا)٠
حب أعمى | يوري ليوتسكي (جمهورية تشيك)٠
أو هورتون | بنت هامر (نروج)٠
ميلاد ليلى | رشيد مشهراوي (فلسطين، تونس، هولندا)٠

-2-
والأخ أيمن هاشم علوي الجارودي بعث مستفسراً عن سبب عدم الإجابة على اسئلته التي أرسلها تعليقاً على العدد 351 وهو يعرف بالطبع أني لا أغفل رسالة، لكن ما حدث أنها أُرسلت في طيّات العدد 350 الذي كان انتقل من الصفحة الى الأرشيف ولم أعلم بها حينها٠
المهم أني وجدتها وهي تقول

احسست ببرودة (و ليس ببرود) بعد ان عرفت بعودة الموقع الرديف قارئ الأفلام. غيفمي فايف على العودة٠
اتحفتنا بحديثك الشجي عن الممثل العظيم براندو. و واضح كتابتك العاطفية جداً، و هو ليس عيبا، عن الممثل و سيرته الاحترافية، و بطريقة احترافية٠
اتذكر كيف ان الممثل مارلون براندو، في فيلم المخرج فرانسيس فورد كوبولا المدعو القيامة الآن، كان كل شيء فيه يمثل بداية من عينيه و صوته المعبر عن ما بداخله إلى (كُم قميصه) و كيف كان يوظفه بطريقة استعراضية و هو يكلم الممثل مارتن شين٠
مزيدا من أحاديثك التي تحبب مشاهدة الأفلام الحقيقية بعيدا عن الأفلام مزيداً من الأفلام و الهابطة و التي اصبحت تسوق لها على أنها هي حديث العصر٠
اتمنى أن أعرف رأيك في أفضل فيلم من حيث التصوير هل هو "العراب" أو "طار فوق عش الكوكو" أو "المواطن كين"، و هو ما اعرفه فقط من المشاهدات أو ما ركزت عليه أو أن هناك فيلماًآخر غيرها يعد أفضل فيلم من حيث التصوير وإلى الآن لا يجارى؟ رجاءً أخبرنا٠
شيء أخير ما رأيك في أفلام هونغ كونغ القتالية من بدايتها إلى الآن هل تحبها أو ترفضها ٠

شاكرين لك صبرك و جمال روحك السينمائية و الإنسانية ٠

مع تحياتي
أيمن هاشم علوي الجارودي

Cool
وسيكون الموقع
Moor cool
حين أنجز ما في بالي.... هذه خمسة٠

هناك موضوع آخر عن مارلون براندو سأنشره خلال شهر تشرين الأول/ نوڤمبر الحالي إن شاء الله٠ هذا الموضوع يتكفّل بسرد سيرته المهنية من منتصف الخمسينات وحتى
Apocalypse .... Now
براندو، حين كنت أبحث في حياته لكي أكتب الموضوع الجديد، أكّد ما ذهبت اليه في موضوعي الأول عنه: كان هدية من الموهبة التي لم تعرف هوليوود ماذا تفعل بها. ولولا أن فرنسيس فورد كوبولا أسند إليه دوريه في »العراب« و»سفر الرؤيا الآن« لكانت آخر أفلامه المهمّة تعود الى مطلع الستينات او منتصفها٠

تجد ما طلبت من مقارنات بين مدراء تصوير »العرّاب« و»طار فوق عش الكوكو« و»المواطن كاين« موضوعاً أساسياً في الأيام القليلة المقبلة. شكراً لاهتمامك٠

قبل بروس لي لم أشاهد فيلم كونغ فو او نينجا وفنون قتال شرقية٠ كان ذلك في بيروت حين حضرت
Fist of Fury
كنت شاباً في الحادية والعشرين وكان من المفترض -ربما- أن أخرج من الصالة وأمارس على الناس ما تعلّمته من حركات، لكن لسان حالي كان: ما هذا الهراء؟ لكن مستوى ذلك الفيلم -حينها- ومستوى فيلم بروس لي اللاحق
Enter the Dragon
الذي لا زلت أراه باستمتاع غريب، أفضل عشرات المرّات من معظم ما طُبِع على أفلام خام فيما بعد٠ على عكس نقاد آخرين لا أقبل او أرفض فيلماً تبعاً لنوعيّته، بل على أساس واحد فقط: مدى جودته علماً بأن فيلماً ضعيفاً من -لنقل- مارتن سكورسيزي يبقى أفضل حالاً من فيلماً جيّداً من نوعية شعبية كهذه الأفلام٠

-3-
الصديق حسين الخبّاز من البحرين أيضاً بعث يقول
أكتب لأسألك حول إسم »الفيلم السينمائي« باللغة العربية، فقد لفت انتباهي أن هناك من يسميه "شريط" فهل هذه هي التسمية الصحيحة؟. مثلاً بدل أن يُقال فيلم
Bride Corpse
لتيم برتن يُقال »شريط ....«، وبدل أن يُقال »أفلام فديريكو فيلليني« يقال »أشرطة فديريكو فيلليني« ما رأيك؟ عني لا أجدها صحيحة أبداً

إن لله في خلقه شؤون وأحياناً هؤلاء الخلق يحاول تعريب ما يمكن تعريبه والأولى بالطبع أن ينجزوا سينما صحيحة او يساهموا في إنجازها ولا يهم إذا ما وجدنا كلمة مرادفة لكلمة فيلم او مونتاج او سواهما٠
الكلمة بحد ذاتها ليست خطأ شنيعاً إنما من يحب السينما حبّاً جمّاً يستخدم كلماتها الأصلية. إذا كانت محبوبتي أسمها غادة او سمر، لما سأناديها بطّوطة؟

-4-
ويغمرني دائماً الصديق محمد العسكري بمتابعاته وهو أرسل كالعادة مواقع لمشاهدة الأفلام التي ورد ذكرها في عدد يوم أمس (منشورة على نحو منفصل)٠
لكن في رسالته الأخيرة هذه سؤال حول مشد من فيلم أمير كوستاريتزا يحتّم عليّ مشاهدة المشهد محور السؤال قبل الإجابة عليه قريباً٠


شكراً لإسهاماتكم واسئلتكم وعلى تواصل إن شاء الله٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Nov 6, 2008

ISSUE 354 | Michael Chrichton Dies.

ُThis cinema is open 24/7.















ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لديك بريد | العين والقلم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصديق زياد دندن من أبو ظبي يسألني إذا ما كنت أكتب ملاحظات خلال مشاهدة الفيلم وإذا لم أكن أكتب ملاحظات، كيف لي لاحقاً أن أتذكّر٠

هذا سؤال تردّد كثيراً في سنوات الحرفة والجواب: لا٠ أكتب فقط حين يكون الفيلم مؤلّفاً من عدّة فصول كل فصل بعنوان فأكتب حينها أسماء العناوين، او أن يكون الفيلم مؤلّفاً من عدّة أفلام (مثل »باريس أحبّك« او»9/11« ) رغم أني أعلم أنني استطيع العودة الى معلومات الفيلم واستقي عنوان كل فيلم فيه
حين كنت في السادسة عشر من عمري وكنت أهوى كتابة النقد دخلت ذات مرّة إحدى صالات بيروت وحين بدأ الفيلم أخرجت دفتراً وقلماً وبدأت أكتب ما أراه. سمعت شابّاً غير بعيد عني يقول لصديقه: "شوف... شوف عمبيكتب الفيلم" وسمعت صديقه ينظر إلي ويضحك ويقول: "اتركو .... هيدا مجنون"٠ من يومها لم أعد الكرّة. لكن الحادثة مسؤولة عن السنوات الأولى من المهنة. لاحقاً هو قرار مني أن لا أكتب ملاحظات بل أحفظها وأسجّل رأيي في الفيلم (على دفتر حتى مطلع التسعينات ثم على الكومبيوتر من آنذاك) حال عودتي الى البيت٠
حين تكتب خلال العرض فإنك تصرف جزءاً من اهتمامك على ما تكتب فيفوتك ما على الشاشة بنفس حجم ما تكتبه٠ العين هي التي عليها أن تلحظ كل الشاشة كل الوقت والعقل هو المستوعب والذي يستوعب كذلك إحساسك أيضاً قبل أن يكوّن رأيك٠ الكتابة ستشتت الإهتمام والأولويات وتجعلك على مسافة أبعد من الفيلم٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوداع الطويل | مايكل كريتن أَحب الخيال العلمي ، كتبه وأخرجه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توفي الكاتب والمخرج مايكل كريتن يوم أمس الأربعاء وهو الذي كان أنجز العديد من سيناريوهات الخيال العلمي بينها على سبيل المثال
Jurassic Park, The Adromeda Strain, Westworld, Sphere
وسواها٠
كتب الخيال العلمي بلغة درامية غير معقّدة وبنى دوماً أفكاره على صدام الآلة والإنسان متحيّزاً للأخير كما في فيلم
Westworld
الذي أخرجه سنة 1973 من بطولة يول براينر وجيمس برولين ورتشارد بنجامن٠ كان ذلك الفيلم الذي تحدّث عن مدينة ترفيه يتم فيه تحريك روبوتس لتؤدي شخصيات تبدو حقيقية مع زوّار المدينة لكي يعيشوا الفترة التي يريدون وكيف أن النتيجة كوارثية حين ترفض الروبوتس تنفيذ الأوامر وتنطلق لقتل السياح، كان أول إخراج له وهو حقق بعض أعماله الأولى، لكنه ارتاح لاحقاً الى الكتابة وحدها وكان آخر ما أخرجه فيلماً بعنوان
Physical Evidence
مع بيرت رينولدز وتيريزا راسل وند بيتي وتصوير أحد مبدعي الفن الراحل جون ألونزو٠
إذا أردت إختيار ثلاثة أفلام تمثّله كاتباً او مخرجاً فإن النتيجة هي
Westworld | Michael Crichton (1973) ****
Coma | Michael Crichton (1978) ***
Jurassic Park | Steven Speilberg (1997) ***

إذا أردت إختيار خمسة أفلام هي أفضل ما اشترك في صنعه فإن هذه الخمسة هي
The Andromeda Strain | Robert Wise (1971) ****
Westworld | M. Chrichton (1973) ****
Runaway | M. Chrichton (1984) ***
Twister | Jan de Bont (1996) ***
Jurassic Park (1997) ***

مات كريتن عن 66 سنة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبات | سوق الفيلم الأميركي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



في مثل هذه الأيام من كل سنة كنت أمضي صباح كل يوم في سوق الفيلم الأميركي الذي يقام في ضاحية سانتا مونيكا كل سنة٠
ليس لأني أوزّع الأفلام او لأني أرغب في مشاهدة واحد من تلك الأفلام التجارية جداً التي يتم عرضها في ذلك السوق، بل للقاء عدد من الموزّعين العرب الذين كانوا يختارونه مكاناً للعمل ومناسبة لزيارة المدينة الجميلة مرّة بعد مرّة٠
قبل عامين انقطعت إذ استلمت عملي في مهرجان دبي. في العام الماضي إنقطعت لأني واصلت العمل في مهرجان دبي، وهذا العام ها هو يقام هناك وأنا هنا في أبو ظبي... الأرض دائماً أكثر خضرة ونضارة على الجانب الآخر٠
لكن سوق السينما متوعّكة في هذه الأيام كما كل سوق أخرى٠ الحضور، كما قرأت في مجلتي »ذ هوليوود ريبورتر« و»فاراياتي« منقسمين بين مشترين لا يشترون وبائعين لا يبيعون. هناك، حسب مقال، ركوداً صاحب إنطلاقة المناسبة هذا العام مع أمل في أن تنفض الأيام القليلة المقبلة هذا الركود ويرتفع حماس المشترين٠
بالمناسبة، مهرجان دبي قرر افتتاح سوق للأفلام هذه السنة وهذا جيّد لكن نجاحه مرتبط بما إذا كان السوق سيأتي منظّماً. والتنظيم هنا ليس في جغرافية المكان وتبويبه وتصميمه ولا في المنشورات والوثائق الموزّعة وتعيين موظّفين ومتطوّعين لمساعدة القادمين، بل في
تحويله الى مقر لسينمات المنطقة بأسرها بحيث يأتي كل اولئك الذين يرغبون في قصر المسافة بين مواقعهم وموقعه. وحتى يرغبون بذلك، عليهم معرفة أنه سيعرض عليهم منتجات يطلبونها ويوفّر لهم بديلاً عن قصد مهرجانات وأسواق أبعد٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Nov 4, 2008

353 | Clint Eastwood Early Years


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفيلم المقبل | توم كروز يدخل سباق الأوسكار بعين واحدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحق صحيفة نيويورك تايمز الصادر في مطلع الأسبوع عن أفلام عطلة الكريسماس ورأس السنة المقبلة أقل حجماً من المعتاد. في العام الماضي كان سميكاً مليئاً بالإعلانات التي توفّرها الاستديوهات وشركات هوليوود لمثل هذه الملاحق الدعائية.... لكن هذا العام الإعلانات ضئيلة وفي ذلك إيحاء بأن هوليوود تريد ضبط النفقات إذ بدأت تحس بلهيب الوضع الإقتصادي الماثل هذه الأيام٠
وإذ تصفّحت العدد وإعلاناته، لأن الإعلانات لا تقل إثارة خصوصاً حين تحاول أن تبيع الأفلام بأي وسيلة، لاحظت أن من بين الأفلام التي ستطرح في السوق خلال الشهر المقبل، لكنها غير واردة في حملات الترويج فيلم
Valkyrie
جديد الممثل توم كروز٠ مترو غولدوين ماير ويونايتد آرتستس مموّلا وموزّعا الفيلم ارتأيا وضع الإعلان في الجريدة نفسها وليس في الملحق أسوة بباقي الأفلام. ولا أدري أهمية ذلك الا من خلال أن الشركتين ربما تعتقدان أن فيلماً من بطولة توم كروز هو حدث وليس ترفيهاً٠
رئيس تحرير »ڤاراياتي« الذي سبقني في الإشارة الى هذه النقطة يشير الى أن أحد كتّاب البلوغز، في أميركا طبعاً وليس هنا، تساءل مؤخراً: من منا يريد مشاهدة توم كروز بعصبة عين؟ فتحت صفحة الإعلان مجدداً لأجد توم كروز يبحلق فيّ بعينيه الإثنتين. ما القصّة؟
طبعاً الذين تابعوا هذا الفيلم الذي تعرّض لمتاعب خلال التصوير وبعده والذي يخرجه برايان سنجر ويشارك في بطولته كينيث برانا وتوم ولكنسون وكاريس فان هاوتن التي تفوز بقبلة في الفيلم يطبعها على شفتيها توم كروز، يدركون أن كروز تحمّس لوضع تلك العصبة السوداء على عينه اليسرى حين وافق على بطولة الفيلم نظراً لأن يلعب شخصية ضابط ألماني كان بعين واحدة٠
وكان من جملة متاعب الفيلم أن تم إرجاء عرضه أكثر من مرّة وفي إحداها قُرر له أن يعرض بعد إغلاق ترشيحات الأوسكار ما يعني أن حظ كروز في الجنّة عن هذا الفيلم معدوم. الإنتقال مجدداً الى موعد جديد يعني أن كروز (وهو المنتج) يريد فعلاً أن يدخل سباق الأوسكار ولو بعين واحدة٠
لكن تساؤل كاتب البلوغ الأميركي في محلّه حقيقي: من يريد مشاهدة توم كروز بعين واحدة؟ حين كان بعينين كان يجد صعوبة في جمع المشاهدين حوله، كيف وهو يلعب بنصف عينين؟ هل سيحصد نصف إقبال؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سباق الأوسكار | شون بن يسبح في الحليب ٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحد الأفلام التي سنقرأ عنها هنا مستقبلاً هو
Milk
ليس بمعناها (حليب) بل كنية بإسم شخصية هارڤي ميلك الحقيقية الذي كان أوّل لواطي يصل الى منصب رسمي بانتخابات جرت في مدينة سان فرانسيسكو في السبعينات،، على ما أعتقد٠
مخرج الفيلم غس ڤان سانت (منهم) وبطله شون بن بقصّة شعر فرضتها ضرورة محاكاة الشخصية الحقيقية لكنها سأحاول نسيان أن شون بن، وهو أحد الممثلين الأذكى في هوليوود هذه الأيام، قد ظهر بها. الفيلم سياسي النبرة من حيث أن هناك شد وجذب في الولايات المتحدة بين الممانعين للزواج بين الجنس الواحد وبين المحبّذين لذلك والفيلم يدخل على الخط في عام سيجد سباق الأوسكار نفسه وقد حوى على عدد من الأعمال السياسية الأخرى٠
مثلاً هناك فيلم »نيكسون« لرون هوارد. الآن معظمنا متفق على أن هوارد ليس المخرج المبدع بل هو منفّذ جيّد لشروط العمل الفنية في أفضل الأحوال (في باقي الأحوال لا يبلغ هذا الحد) لكنه هوليوودي تقليدي من اولئك الذين يفوزون عاجلاً او آجلاً وهو فاز عاجلاً بالفعل حين عرض على أعضاء الأكاديمية فيلمه
A Beautiful Mind
سنة 2002 وخرج بجائزة أفضل مخرج، كما خرج الفيلم بجائزة أفضل فيلم ويتمنّى كثيراً أن يعيد التاريخ نفسه الآن٠
هناك أيضاً فيلم أوليڤر ستون
W.
عن أسوأ رئيس عرفته الولايات المتحدة في السنوات الخمسين الأخيرة. فيلم ستون قد يصل الى الترشيحات الرسمية الأخيرة، لكني لا أعتقد مطلقاً أنه سينجز النقلة بعد ذلك الى الأوسكار نفسه٠
في مواجهة شون بن في سباق أوسكار أفضل ممثل، فرانك لانجيلا الذي يؤدي شخصية نيكسون في فيلم رون هوارد. أما الحديث عن روبرت داوني في »آيرون مان« فمن الأفضل أن يكون مزحة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جيمس بوند | الفيلم الجديد يحطّم أرقاماً قياسية في موطنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في وسط الأزمة الإقتصادية، بريطانيا بحاجة لمنقذ. المنقذ هو جيمس بوند بفيلمه الأخير
Quantum of Solace
الذي جمع أكثر من 25 مليون دولار في أيام عروضه الثلاث الأولى منتشراً على 1150
صالة في طول وعرض البلاد. بذلك حطّم الرقم الذي كان سجّله
Harry Potter and the Goblet of Fire
في الشهر ذاته من سنة 2005 والذي بلغ أقل بقليل من 25 مليون دولار. ونسبة الإقبال على فيلم جيمس بوند هذا شكّلت 70 بالمئة من حجم الإقبال على كل الأفلام المعروضة و35بالمئة أكثر مما أنجزه فيلم جيمس بوند السابق »كازينو رويال« قبل عامين٠
الفيلم يفتتح في هذا الويك- إند المقبل في الإمارات والكويت ولبنان ولم أستطع التأكد من موعد عرضه في مصر لكني لا أظن أن الموزّعين سيتركونه ينتظر طويلاً قبل عرضه هناك أيضاً٠


مسيرة ممثل | كلينت ايستوود - السنوات الأولى

----------------------------------------
أعرف أنني كتبت مكثّفاً عن كلينت ايستوود
مؤخراً. تناولت في موضوع كلينت ايستوود
والمرأة، وفي موضوع آخر كلينت ايستوود
من خلال فيلمه الأخير
Changeling
لكن ايستوود، كأي مخرج جيّد آخر، سينمائي
متعدد الزوايا. التالي ذكرياتي عنه في بداياتي
وبداياته٠
---------------------------------------
أول فيلم رعب شاهدته في حياتي كان
The Creature From the Black Lagoon
الذي أخرجه جاك أرنولد سنة 1954 وشاهدته معاداً بعد ست او سبع سنوات من ذلك التاريخ. قصّة مخلوق هو منتصف الطريق بين الإنسان والسمكة يصطاد الآدميين على ظهر مركب عالق في بحيرة سوداء في منطقة الأمازون ويقع في حب الجميلة جوليا أدامز التي ربما تكون أوّل ممثلة وقعت أنا في حبّها وكان عمري آنذاك نحو ثماني سنوات٠
ثاني فيلم رعب شاهدته في حياتي كان
Tarantula
الذي أخرجه أرنولد نفسه في العام التالي ودار حول عنكبوت ضخم كان صغيراً وعادياً حين كان في مختبر الدكتور هاستينغز (جون أغار) لكن بعد إصابته بإشعاع نووي يكبر حجماً ويتسلل خارج الصندوق الزجاجي الذي كان فيه وبعد أقل من ساعة على شمس الطبيعة يصبح عنكبوتا عملاقاً. وهناك مشاهد مخيفة عدّة لولد صغير مثلي (على الأقل) أشدّها تشويقاً هو مشهد سائق شاحنة ومساعده وهما يجلسان على حافة الطريق الريفي في الليل ليأكلان. فجأة يطلع العنكبوت من ورائهما على قمّة جبل وهما لا يشعران به. يقف العنكبوت هناك قليلاً ويحرّك تلك الأطراف ثم يهبط إليهما. يحاولان الهرب لكن الوحش المخيف ذي الشعر الأسود الكثيف جائع بدوره ويريد أن يأكل٠
لم أكن أعلم آنذاك أن الشاب الذي في قمرة الطائرة الحربية التي تغير، في نهاية الفيلم، على العنكبوت لرميها بوابل من القنابل سيصبح نجماً ثاقباً. لكني لاحقاً علمت أن هذا الشاب الذي يظهر في لقطتين فقط هو كلينت ايستوود وأسمه لم يكن حتى في العناوين بين الممثلين٠
كان أيضاً في أدوار صغيرة كثيرة معظمها بلا ذكر لإسمه. لكن هذا الفيلم كان الرابع له على الشاشة. الثلاثة الأولى كانت جميعاً من إنتاج العام ذاته (1955) وأولها كان من إخراج جاك أرنولد أيضاً وهو
Revenge of the Creature
الذي كان تكملة لفيلم أرنولد
Creature from the Black Lagoon
الثاني كان كوميديا من إخراج آرثر لوبين عنوانها
Francis in the Navy
والثالث دراما تاريخية من إخراج آرثر لوبين أيضاً تحت عنوان
Lady Godiva of Coventry
إسم ايستوود كان غائباً عن هذا الفيلم الأخير، كما كان غائباً عن »تارانتولا« ومعظم ما مثّله سنة 1956 وسنة 1957 وسنة 1958
وذلك لصغر أدواره٠
أحد هذه الأفلام كان أوّل وسترن له وشاهدته قبل نحو سنتين على التلفزيون وهو
Law Man
وهو طبعاً غير
Lawman
لمايكل وينر في منتصف السبعينات. جون أغار من »تارانتولا« كان هناك كما مامي ڤان دورن والشرير رتشارد بون٠ تجد ايستوود في دور شاب يعمل في الحقل. ثم هو طيّار مرّة أخرى في
Escapade in Japan
سنة 1957 [لآرثر لوبين أيضاً] وأمامه بمراحل تيريزا رايت وكاميرون ميتشل ومجموعة كبيرة من الممثلين اليابانيين في هذه الدراما العائلية في زمن الحرب٠
فيلم ايستوود الوسترن الثاني كان
Ambush at Cimarron Pass
وهذا أيضاً شاهدته على محطة
TCM
التلفزيونية وذلك قبل سنة تقريباً٠
أسمه مذكور في هذا الإنتاج الذي يعود الى العام 1958 والذي أخرجته جودي كوبلان٠ ليس البطل (بل ذهب هذا الدور الى سكوت برادي) لكنه أحد الجنود الذين حاربوا مع الجيش الجنوبي ويكره الجيش الشمالي وهو يدخل في عراك مع بطل الفيلم ويأكل علقة تعلّمه لاحقاً إحترام من يخالفونه الرأي فعدوّهما المشترك هم الهنود الحمر الذي لا يفرّقون بين أبيض من ولاية جنوبية وأبيض من ولاية شمالية٠
فيلم مسل ومثير كون مخرجته إمرأة. لكن علمت في مجال بحثي عنه أن الإنتاج كان من الفقر بحيث قرر التضحية بالجياد خفضاً للتكاليف. وفي الفيلم فعلاً مشهد يقع في منتصفه لابد أنه حُشر في السيناريو خلال التصوير وفيه أن الجياد تختفي بعدما أغار عليها الهنود٠
لا أدري إذا ما كان الإستغناء عن الجياد وعلفها والقائمين عليها وفّر كثيراً لكنه لم يصنع فيلماً جيّداً على أي حال٠
هذا كان آخر فيلم سينمائي مثّله ايستوود قبل تمضية ست سنوات في العمل التلفزيوني في حلقات
Rawhide
قبل أن يطلبه الإيطالي سيرجيو ليوني ليمنحه بطولة أوّل فيلم له
A Fistful of Dollars

------------------------------
تقييم ما شوهد من الأفلام الوارد ذكرها
Creature from the Black Lagoon ***
Tarantula ***
Revenge of the Creature **1/2
Francis in the Navy **
Law Man **
Ambush at Cimarron Pass **
A Fistful of Dollars ***
------------------------------------
Video Clips
تريلر من »ترانتولا«٠
http://www.pro.imdb.com/video/screenplay/vi884211993/



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠



Nov 1, 2008

ISSUE 351| The Name is Bond.... James Bond.





جديد: الحلقة السادسة من "أيام"٠
إقرأ: عدنان مدانات حول الإقتباسات الروائية (العمود الأول)٠





أيام | جيمس بوند في مفهوم المتلقّي
زوايا | سنوات ضوئية: داني لويد ... بلا ألقاب





أيام | خوف في شارع الدنيا
-6-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سأسمّيها لولا٠
لماذا لولا؟
لأن هناك أغنية تتردد على بالي الآن لفرقة
Kinks
البريطانية أسمها لولا وتقول في مطلعها


I met her in a club down in old Soho
where you drink champagne and it tastes just like Cherry Cola
C-O-L-A Cola.
She walked up to me and she asked me to dance.
I asked her her name and in a dark brown voice she said, "Lola"
L-O-L-A Lola, lo lo lo Lola
Well, I'm not the world's most physical guy,
but when she squeesed me tight she nearly broke my spine
Oh my Lola, lo lo lo Lola, lo lo lo Lola

وهذه الفتاة كانت ملحاحة بالفعل. والرجل منّا لا يحب -في العادة- أن تقود إمرأة سيّارته٠ لذلك قررت أنني لا أرغب بصحبتها وتمنّعت بالفعل عن مجاراتها الى أن جاءت بعد يومين من قبضي اول راتب وقالت لي بصراحة
I want to see a movie with you.... take to a movie
قفزت الى الوراء ملمترين جسدياً وعشرين كيلومتر عاطفياً، ليس لأنها بادرت، وليس لأنها تحدّثت بالإنكليزية بل لأنها استخدمت كلمة
movie
Movie و
Film غير كلمة فيلم
كلمة فيلم تحمل في ذاتها قيمة السينما. كلمة »موڤي« هي استنساخ شعبي. لكني لا أجيد أن أقول لا. ليس في وضع حرج كهذا: هي تعرض وأنا إنسان ضعيف٠
كان في الفيلم الذي أخترته إمتحان لها. كانت في فرع من الأرك دو تريومف هناك صالة أسمها مكميلان. تقفل صيفاً وتفتح في باقي المواسم واختصاصها كان وإلى اليوم عرض الأفلام القديمة. والفيلم الذي كانت تعرضه كان وسترن لأوتو برمنجر عنوانه
River of No Return
بطولة نجمي المفضّل من سينما قبل ولادتي روبرت ميشتوم والممثلة التي انتحرت ربما بسبب اولئك الذين اعتبروها مجرد دمية جميلة مارلين مونرو٠
أوّل ما جلست مع لولا وبدأ الفيلم. صرخت .... هذا فيلم قديم. قلت لها إني أعرف ذلك. وحين شاهدت أول حصان قالت: فيلم كاوبوي.... قلت لها.... طبعاً، لكني أتوقع أنه جيد وأريد أن أراه٠
بس أنا بدّي فيلم جديد يا محمد.....٠
رددت: نستطيع أن نرى فيلماً جديداً غداً او بعد غد٠
تبرّمت وابتعدت عن كتفي وجلست غير سعيدة ما جعلني أشعر بالضيق. بعد قليل سألتني مكان التواليت، نظرت الى يميني. كان هناك سلّماً يؤدي الى الشارع. أشرت لها بذلك. نهضت من مكانها وصعدت السلم. فتحت الباب و..... خرجت ولم تعد٠
فيلم برمنجر ليس أفضل وسترن لكنه مقبول خصوصاً وأن مفارقاته غير متوقّعة كما مجرى النهر الذي يجرف أبطاله في مشاهد جيّدة التنفيذ. بالنسبة إلي نسيتها لساعة ونصف وتذكّرتها بعد ذلك٠
في اليوم التالي في المكتب اعتذرت منها. لم تحاول أن تخفي حزنها . نظرت إليّ وشهقت بالبكاء: "كان فيك تقوللي إنك ما بتحبني". قلت لها: لكن ما هو مطروح ليس إذا كنت أحبك او لا. لم أكن أدرك أننا وصلنا الى تلك الحالة"٠
لم يوقفها ذلك عن البكاء. خرجت من المكتب الى بائع زهور ليس بالبعيد. اشتريت رزمة وعدت بها وقدّمتها لها. ضحكت وصفّق الموظّفون الموجودون وكل شيء صار على ما يرام- لكنها لم تصادقني بعد ذلك٠ أعتقد أن الخسارة خسارتي٠

مرحبا. شو أسمك؟
محمد
وأنا إسمي ميشيل٠
قال ذلك وجلس من دون دعوة. كان رجلاً يكبرني سنّاً والمكان مطعم كويك فود كان موجوداً قرب مركز البريد في الشانزليزيه. في الحقيقة حين سألني عن إسمي كنت أهم بتناول الهمبرغر الذي كان بين يدي. بعد أن ذكر أسمه عضضت اللحم والخبز ونظرت إليه منتظراً معرفة ما يريد٠
حضرتك لبناني أليس كذلك؟ -
نعم
نحن اللبنانيين في المهجر علينا أن نقف مع بعضنا البعض. تصوّر شو صار ببلادنا على أيدي الغرباء. أين كنا وأين أصبحنا اليوم. العالم بأسره يضحك علينا ونحن نقتّل بعضنا البعض ليس لأن هذا ما نريد بل لأن هذا ما فرضه علينا الغرباء. قبل أسبوع في هذا المكان التقيت بصديق لبناني مسلم مثلك. هو أخي وأعز من أخي وسألني: يا حنا شو عمتعمل هون. قلت له أنا محشور مادياً وعرض عليّ مساعدتي ريثما يصل التحويل من لبنان، لكن في اليوم التالي ضربته سيّارة وهو الآن في المستشفى. نحن اللبنانيين علينا أن نساعد بعضنا البعض لذلك سأطلب منك قرضاً يا أخي محمد ولن أستحي٠
وضعت الهمبرغر في الصحن ومسحت فمي بالمنديل الورقي وقلت له: يا حنا٠
رد سريعاً: نعم٠
إذاً أنت حنا ولست ميشيل، لكن أتعرف شيئاً يا حنا ميشيل؟ لو كان أسمك محمد فإن جوابي واحد: آسف. آسف لي وآسف لك وآسف لكل لبناني. أعتقد أن أكل هذه الزبالة التي بين يدي تخبرك في أي وضع أنا فيه٠ ولا داعي لبيعي حب الوطن ومساعدة بعضنا البعض. خلينا رايقين٠
نهض من مكانه من دون كلمة وانصرف٠

نهضت بدوري بعد قليل. اجتزت الشارع الى محطة المترو ونزلت تلك الأدراج التي تأخذك الى الجزء الصامت من الليل. يأتي القطار. أصعد إليه. يخال لي أن الوجوه ذاتها. الصحيح هو أن الأنماط هي التي ذاتها. العازف الذي يسترزق آخر الليل. النائم. المهاجر الجزائري الذي يرتدي في البرد صندالاً مكشوفاً. القرّاء والقارئات وكل اولئك الذين ينتقلون خلال رحلتهم في أنبوب إنتظار. هناك فترة ما بعد ركوب المترو وفترة ما بعد الخروج منه٠ جلست جانباً وعاودتني ذكرياتي في القاهرة٠

استضافني فتحي فرج في منزله المتواضع. كان مؤلّفاً من غرفتي نوم وصالون٠ الصالون لم تكن فيها صوفا كبيرة يمكن الاستلقاء عليها، وأعطاني سريراً في غرفة النوم الصغيرة٠ أمضيت عنده يومين قبل أن أصحو في الساعة الثانية والنصف صباحاً او نحوها شاعراً بالعطش. فتحت باب الغرفة وشاهدته نائماً على أرض الشقّة بالقرب من باب غرفة النوم الكبيرة. صدمني المشهد وهزّني ذلك التطوّع. عدت الى حجرتي شاعراً بالإمتنان له. كما علمت لاحقاً كان على خلاف مع زوجته وكان يستخدم الغرفة الصغيرة لكي ينام فيها، لكنه لم يقل لي ذلك٠
في الصباح خرجت من غرفتي بحقيبتي. قلت له وعلى وجهي إبتسامة: نسيت أن أقول لك يوم أمس. لقد التقيت بصديق يسكن قريباً من هنا ودعاني لأن أشاركه الإقامة ووافقت. قال فتحي لي: هذا البيت بيتك ويا ليتك تبقى٠
لكني شكرته وخرجت بحقيبتي الى الشارع لا أدري أين أذهب٠
ولا أدري الآن الى أين ذهبت. لكن المشهد في بالي ينتقل بي الى غرفة كان الناقد الأردني الراحل حسّان أبو غنيمة استأجرها لنفسه ولأخيه علي وكان فيها متّسع فشاركتهما الشقّة لبضعة أيام. في اليوم السابق مباشرة لعودتهما الى الأردن التقيت بسامي السلاموني وفتحي فرج وبضعة آخرين كانوا في طريقهم الى معرض الكتاب في السيدة زينب. حاولت الإعتذار لكن سامي (على ما أعتقد) هو الذي قال لي: تعال روّح عن نفسك٠
وصل التاكسي الى المكان وخرج الجميع وكنت آخر الذين تركوا التاكسي وسمعت صرخة رجل يطلب التاكسي نفسه.... في ذلك الزحام الشديد للسيدة زينب وللمعرض من تراه يكون ذلك الرجل؟ زوج خالتي توفيق الملقي٠
صرخت بإسمه فانتبه إليّ. تحاضنا وسألني كيف أحوالي فاختصرت الحالة بكلمتين او ثلاثة لابد أنهما كانا كافيين للتعبير عن مأزقي. مد يده الى بعض المال وحشره في جيب القميص وأخبرني عنوانه وأخبرني أين أجده في صباح اليوم التالي٠
فجأة تغيّرت الألوان وأصبحت إنساناً سعيداً. لم أشتر كتاباً من المعرض لكني استمتعت بوجودي فيه٠

كان وليد أبو ظهر أعطاني رسالة توصية الى رئيس تحرير جريدة عراقية لكي أعمل فيها إذا ما قررت الذهاب الى بغداد. ومع أني ارتحت من عناء القلق وتهديد النوم في الشوارع لنحو أسبوع، الا أنني أيقنت أن حبي للقاهرة لن ينفعني كثيراً ولن يحل ضائقتي. فتوجّهت في مطلع ذلك الأسبوع الى رياض العقّاد الذي كان لديه مكتب إنتاج وهو شقيق مصطفى العقاد٠
أول ما دخلت وجدت وجهاً مألوفاً من الشاشة. في الأفلام جميعاً، الوجه الشرير يتميّز بأنه عادة ما يكون غير متناسق حتى حين يكون وسيماً. فيه شيء نابق او أنف كبير او عينين غائرتين او نافذتين او شيء يعكس الشر والخسّة والعنف. طبعاً لا يمكن تصديق أنهم في الحياة العادية يحملون أي قدر من هذا الشر، لكن كل ما في الأمر أنهم وجدوا أنفسهم، في مصر كما في الهند كما في فرنسا واليابان والقارة الهوليوودية، في أدوار لابد أن يلعبها أحد. إنهم أشرار الشاشة٠
دائما، ومنذ أن كانت صالة بلازا هي السينماتيك الوحيد عندي وأنا أحب التعامل مع تلك الشخصيات الشريرة. أثروا الأفلام كلها: كاوبوي وبوليسية وفي كل مناسبة كان فيها هناك صراعاً بين الخير والشر. على عكس هذه الأيام، لاعبو أدوار الشر كانوا متخصصين في أدوارهم. اليوم توم كروز مستعد لكي يلعب دور الشرير إذا ما كان الراتب جيّدا، علماً بأن ليس تمثيل الشر ليس لكل الممثلين٠
أحد الذين استرعوا انتباهي في هذه الأدوار كان المرحوم محمد صبيح وها هو محمد صبيح يجلس بإنتظار مقابلة رياض العقّاد. تقدّمت إليه وصافحته . كان سعيداً بأن يجد عربياً يتعرّف إليه ويمدح إداءاته ويعكس له اعجابه٠ ابتسم كاشفاً عن روح جميلة ودخلت أنا مكتب رياض العقاد وفي بالي عرض بزنس٠

يتبع٠٠٠٠


جيمس بوند في مفهوم المتلقّي
إبن التاسعة والسبعين لا يزال شاباً بلا قلب
٠
.........................................................
هل خطر لك أن جيمس بوند يمكن
أن
يكون حقيقياً؟ طبعاً، لكن الأسباب
التي
أوردها هنا ليست هي ذاتها التي
في
بالك٠
.................................................
مفاتيح
الفيلم الجديد | بوند الأول | ممثلو
بوند | أشرار بوند | شباب بوند٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع خروج الفيلم الثاني والعشرين من سلسلة جيمس بوند (في الحقيقة هو الفيلم الرابع والعشرين على اعتبار أن هناك فيلمين هما »كازينو رويال« الأول و»أبداً لا تقل أبداً« تم إنتاجهما خارج السلسلة الرسمية) تعود شخصية جيمس بوند السينمائية لكي تواجه كل أنواع المستحيلات في عالم الجاسوسية والمؤامرات التخريبية والعمليات الإرهابية٠
كثيرون جاؤوا في أعقاب انطلاقته في العام 1962 بعضهم في أفلام جادّة هدفت لإزاحة بوند عن عرشه، وبعضها في أفلام حاولت السخرية منه والتقليل من صورته، لكن لا الأولى نجحت ولا الثانية أثّرت وجيمس بوند لا يزال جيمس بوند وسيبقى جيمس بوند. سوبر هيرو وحيد من نوعه٠
دانيال كريغ
الفيلم الجديد هو
Quantum of Solace
يلتقط انفاسه حيث انتهى الفيلم السابق »كازينو رويال« (الذي حمل ذات عنوان الفيلم السابق لكن مع قصّة مختلفة تماماً) ليستكمل تعرّض بطله بوند (كما يؤديه للمرة الثانية دانيال كريغ) لعملية تصفية كانت بدأت مع نهاية الفيلم السابق عند شواطيء بحيرة غاردا الإيطالية٠ إنها المرّة الأولى في تاريخ سلسلة بوند التي تبدأ الأحداث فيها من حيث انتهت أحداث الفيلم السابق عوض أن تكون الأحداث الجديدة منفصلة تماماً تابعة لقصّة مختلفة بالكامل٠

في هذا الفيلم على بوند أن يبحث عن ويقضي على منظّمة إرهابية أكبر من أي منظّمة أخرى ومنتشرة-كما يقول له أحد أعضائها- حول العالم. لا. ليست القاعدة بل واحدة أخرى من تلك التي تتمتّع بالقدرة على النفاذ في المؤسسات الكبيرة وفي الحياة الإجتماعية الغربية من دون أن تثير أي شكوك. وبعد مرور أكثر من نصف ساعة بقليل نكتشف أن »كوانتوم« هو إسم تلك المنظّمة وها هو بوند ينتقل وراءها من باناما الى بوليفيا ومن بوليفيا الى النمسا حيث تعقد إجتماعاً طارئاً لبحث الوضع الناجم عن محاولة المخابرات البريطانية، عبر جيمس بوند، الوصول إليها٠
كل ذلك في منهج من دخول وخروج جيمس بوند من رحى مطاردة او معركة او مشهد خطر الى آخر وبسرعة شديدة ومنهج تقني لا يقل تنظيماً عن منهج المنظّمة. إنه فيلم أكشن من الدرجة الأولى وربما أكثر أفلام بوند على هذا الصعيد. وأعداء بوند هذه المرّة مختلطين أكثر بمن فيهم فرع من السي آي أيه يود إفناءه. لكن في حين أن ذلك يؤمّن حرارة وحماسة وإثارة، الا أنه يقرّب الفيلم من منطقة مغامرات بورن التي وردت في ثلاثة أفلام جيّدة من بطولة مات دامون، حيث صراع بورن الرئيسي هي المخابرات المركزية الأميركية... تلك التي هو عضو فيها٠
كذلك، فإن ما يبرزه هذا الفيلم هو أن المخابرات البريطانية، تلك التي ينتمي اليها بوند، هي أفضل من سواها وبلا فساد يُذكر٠
كل ذلك على حساب بوند الذي عرفناه. ليس هناك شخصية في الشخصية الشهيرة. إنها فارغة من الهوية الخاصّة. من المتطلّبات البشرية. من الريبة. من السخرية أحياناً. خالية من ملامح جيمس بوند السابقة٠

كل بوند (تبعاً لظهورهم ومن اليسار): شونيري، لازنبي، مور، دالتون، بيرس وكريغ

الشخصية الخرافية
في مفهوم صانعي الفيلم الذي أخرجه مارك فورستر فإن المطلوب هو جيمس بوند أكثر ميكانيكية من السابق لأن الجمهور الجديد هو، بدوره، أكثر ميكانيكية. جمهور ألعاب فيديو واختراعات تكنولوجية وكبس أزرار متواصل وابتكارات اوتوماتيكية لا يفعل المرء شيئاً لها بل تفعل هي كل شيء له٠ وربما هذا صحيحاً الى حد بعيد، لكنه حال ترمي النظر الى حيث الجموع الأكبر من هواة بوند، تتكشّف لك المسافة البعيدة جداً التي باتت تفصل بين بوند مطلع الستينات وبوند أواخر العقد الأول من هذا القرن٠ بوند لم ينطلق على هذه الصورة التي نراها اليوم ومفهومه لدى المتلقّي كان مختلفاً وبعض هذا المتلقّي لا يزال موجوداً لكن إما آثر الإبتعاد عن بوند جديد لم يعد يرتبط به عاطفياً، او لا يزال في الجوار يبحث عن بقايا لشخصية قديمة فيها أثر من بوند- الإنسان٠
بوند في الأساس شخصية تحمل واحدة من ملامح الشخصية البريطانية وهي السخرية اللامعة من دون أن تكون مدوية او خاطفة للبصر٠ سخرية من تحت الى تحت تُقال فتثير الضحك وبعضه يطال بوند نفسه. ومن الموقع الساخر نفسه كانت هناك من الطروحات ما يكفي لتكوين نظرة مماثلة الى بوند. فمن خلال قيامه بالمغامرات المبالغ فيها، نظرنا الى هذه الشخصية كخرافة. والنظر الى شخصية ما كخرافة هو تتويج للسخرية منها. لا يعني ذلك كرهها او رفضها، بل يعني النظر اليها كلهو لا يمكن النظر اليه جدّياً مهما حاولت أن تكون٠
للإيضاح، الفارق بين جيمس بوند يلقي بنفسه من عل ليحط بسلام على الأرض في أي من الأفلام القديمة، وهي طالما وضعته في مثل هذا التحدي، وبين هذا الفيلم، هو أن الحالة السابقة والتالية كلها معالجة بمزيج من شروط التشويق والإثارة جنباً الى جنب ذلك المرح الناتج عن إقتناعنا بأن بوند سيجد طريقة حتى وسط الفضاء لكي يهبط الأرض، بلا مظلّة طيران، سالماً. في »كوانتوم العزاء« يطير بوند في الفضاء قافزاً من عل قاصداً أن يتمسك بصارية لإحدى آلات المباني العالية لأنها الطريقة الوحيدة التي ستمكّنه من مواصلة مطاردة المجرم والبقاء حياً- بطبيعة الحال. إنها ثانية واحدة التي يصبح فيها بوند طليقاً في الهواء، قبل أن يصل الى الصارية ويخبط بها متمسّكاً بيديه حتى لا يقع عنها. مع غياب الروح المرحة لابد أن تقبل الجد بجد مماثل فتسأل نفسك -على تفاصيل الحركة كلها- ماذا لو تحركت تلك الصارية بعيداً عنه فجأة، او ماذا لو تمزّقت ألياف ساعديه بتأثير الصدمة البدنية ذاتها؟ وسيجد المشاهد نفسه أمام كم كبير من هذه الاسئلة التي كان من الممكن تحاشيها لو نُفّذت بقدر من الإستخفاف المسبق٠

بوند في التاسعة والسبعين
علي أن مفهوم المتلقّي لحكايات بوند كافّة لها جانب آخر مثير وساخر أيضاً. الذين واكبوا سلسلة جيمس بوند التي بدأت سنة 1962 رسمياً بفضل روايات وضعها الراحل إيان فليمنغ لم تحتو على معظم هذه المشاهد الخطرة بهذه الطريقة، لابد يتساءلون أحياناً عما إذا كان هناك خداعاً سينمائياً أكبر حجماً من ذلك الذي توفّره أفلام العميل المعروف٠
فلو اعتبرنا أن بوند سنة 1962 كان في الثالثة والثلاثين من العمر وأنه في العام 1973 أصبح في الثالثة والأربعين، فإنه بعد عشر سنوات أخرى يكون تجاوز الخمسين. ما يعني أن عمره الآن في العام الذي يخرج فيه هذا الجزء الثاني والعشرين أصبح في التاسعة والسبعين من العمر. لكن بوند الذي نراه لا يزال في ذات الدائرة الثلاثيناتية من العمر وبل يبدو، بفضل دانيال كريغ الذي يستلم المهام للمرة الثانية هنا، أصغر سنّاً مما كان عليه شون كونيري حين لعب بطولة الفيلم الأول »دكتور نو« قبل 46 سنة٠
السلسلة لا تقول أن هذا العميل صفر صفر سبعة يحمل إسم جيمس بوند ورقمه لكنه ليس جيمس بوند الأول، بل أنه في »كازينو رويال« قبل عامين يعيد طرحه هو نفسه. كل ما في الأمر أن بعض هذه الأفلام تتحدّث عن عملاء آخرين مثل صفر صفر ثمانية من دون أن نراهم (الا مرّة واحدة بين كل هذه الأفلام)٠
منطقياً، لا يستطيع بوند البقاء على حاله خصوصاً وأن دانيال كريغ هو بالفعل أصغر سنّاً لا من كونيري فقط بل من روجر مور الذي استلم المهام البوندية سنة 1973
بذات المنطلق لابد من النظر بالريبة حيال شخصية لا تتغيّر سنّاً او تفقد شباباً وقدرة على الحركة كحال طبيعي مع التقدّم في السن، وذلك من زاوية أن هذا العميل الذي يحل الآن -في فيلميه الأخيرين »كازينو رويال« و »كوانتوم العزاء« - مشاكل ما بعد 11/9 هو ذاته الذي كان في الستينات يحل مشاكل الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ثم -في الثمانينات- الناتج السياسي عن إنهيار القوّة الشرقية ما فرض البحث عن قوى جديدة يمكن للسلسلة معاداتها٠
بفحص هذا التاريخ، فإن أفلام جيمس بوند كانت أكثر علاقة بموقع الإنسان الغربي حيال مستجدّات المراحل السياسية في تلك الآونة أكثر مما هي أفلام جيمس بوند منذ أن غزتها الرغبة في دمجها بأعلى ما لدى التكنولوجيا والكومبيوتر غرافيك من قدرات٠ طبعاً حينها بدت خيالية غير قابلة للتصديق، لكن الروح التي حملتها كانت من الخفّة بحيث يمكن قبولها على الرغم من شططها المنطقي. أما الآن فالزاوية الوحيدة لقبولها هي الإنصهار بمزاياها التقنية ما يجعلها قريبة من العديد من الأفلام المنفّذة على ذات القدر من الحنكة والفذلكة كما »عين الصقر« مع شاي لابوف او »مطلوب« مع جيمس مكفوي او »إنذار بورن« مع مات دامون٠

شون كونيري بين أفضل شريرين : غيرت فروبي (اليمين) والياباني هارولد ساكاتا٠
Goldfinger
أشرار بوند
حين لعب شون كونيري »دكتور نو« وتبعه بخمسة أفلام أخرى قبل اعتزاله، حمل معه الى الدور فهماً للشخصية كما رٌسمت بقلم إيان فليمنغ. حين ترك الخدمة وحل مكانه الأسترالي جورج لازنبي في فيلم بعنوان »في خدمة صاحبة الجلالة« سنة 1969 عكس جانباً من بوند لم يعكسه من قبل فيلم آخر من السلسلة هو بوند الذي من الممكن أن يصبح إنساناً عاطفياً. لم يبتعد الفيلم عما ورد في الرواية ذات العنوان المشابه، لكن المنتجين أدركوا أن هذا المنحى لا يمكن تكراره لأن الناس عبر »دكتور نو« و»من روسيا مع الحب « و»غولدفينغر« وسواها، يريدون بوند دون جوان وليس روميو. رجل متحرر من الإلتزامات العاطفية لا يفكّر في الحب او في الزواج بل يشبه النحلة وهي تنتقل من زهرة الى أخرى٠
هذا ما فرض على كونيري العودة في »ماس للأبد« واستقبلت هذه العودة بترحاب كبير. لكن كونيري كان أصر على أن يطلّق هذه الشخصية قبل أن تستولي على مستقبله بأسره كما فعلت شخصية دراكولا مع الممثل كريستوفر لي٠
البديل هو روجر مور الذي أمسك زمام الشخصية بأسلوب مشابه إنما أكثر هزواً مما سبق. كونيري أعتمد على إداء حاد للشخصية يقف على الحافّة طوال الوقت. مور اعتمد إداءاً مرتاحاً أكثر ، ساخراً أكثر وإن كان متوافقاً في الوقت ذاته مع متطلّبات الدور الجسدية٠
وهو لعب الشخصية سبع مرّات بدءاً من »عش ودع الموت« (1973) وصولاً الى »منظر للقتل« (1985) وهو الفيلم الذي بدا فيه واضحاً أن لياقة مور البدنية (وقد أصبح في الثامنة والخمسين من العمر آنذاك) لم تعد تخدمه جيّداً- او بالأحرى مطلقاً٠
لكن اسأل المخضرمين من المشاهدين تجدهم لا زالوا منقسمين بين شون كونيري وروجر مور بالنسبة لأيهما كان أفضل بوند. وهذا كان السائد حتى من بعد انضمام تيموثي داتون وبيرس بروسنان والآن دانيال كريغ الى عداد لاعبي الشخصية٠
طبعاً عصب الحياة بالنسبة لكل أفلام جيمس بوند هو مشاهد الخطر. لكن هناك دائماً عناصر مهمّة جدّاً لشخصية تؤمن بأن عليها أن تبزّ كل الشخصيات المرتاحة على المقاعد لتتابع مغامرات بوند في أي من أفلامه٠
مثلاً، هناك المقدّمة التي غالباً، وليس دائماً، كانت بلا علاقة مع القصّة التي سنتابعها بعد قليل. مشاهد خطر يفتتح بها الفيلم تُظهر بوند وهو يطارد أعداءاً ما في الفضاء او على قمم الجبال الثلجية او على الطرقات السريعة او في أي موقع يشكّل خطراً جاسماً وأكيداً. حال انتهاء المقدّمة المصوّرة. تبدأ المقدّمة التي ستحمل عنوان الفيلم وأسماء المشتركين فيه وهذه دائماً على خلفية أغنية يؤدّيها نجم معروف مثل تينا تيرنر او بول مكارثي او شيرلي باسي مع موسيقى تحت اشراف المايسترو بل كوني او مايكل كامن او جون باري٠
ثم هناك الشخصيات التي تعمل لحساب جهاز المخابرات البريطانية مثل »مستر م« (الذي تؤديه في الآونة الأخيرة الممثلة جودي دنش) ومثل شخصية »مس مونيبيني« وهي سكرتيرة داخل المؤسسة تحلم ببوند وتعجب به لكن بوند لن يحقق لها أمنيتها بدعوتها الى العشاء يوماً. هناك أيضاً المستنبط العجوز الذي كنا نراه في أفلام بوند الأولى وهو يعرّف العميل على آخر الأدوات التي سيستخدمها بوند في مغامراته المقبلة. هذه ساعة يد تستطيع أن تطلق حبلاً يساعده على الإنتقال بين موقعين شاهقين، وهذه سيارة تستطيع أن تتحوّل الى غوّاصة وهذا قلم حبر يطلق رصاصاً الخ....٠
.هناك أيضاً طرف يتغيّر على الدوام هو العنصر الرابط بين جهاز المخابرات البريطانية والمخابرات الأميركية
وهذا ما يجرّنا الى نساء بوند وأشراره٠
في الفريق الأول نوعين. المرأة في أفلام بوند أما زميلة لا تهاب التضحية بنفسها في سبيل نصرة بوند، او شريرة تريد، دوما، الإيقاع به خدمة للأشرار الذين أرسلوها٠ الأولى قد تموت وقد تبقى على قيد الحياة. في »غولدفينغر« مثلاً تموت بعد نصف ساعة لكن في »دكتور نور« تبقى حيّة لآخر الفيلم. الثانية بالتأكيد ستموت لكن غالباً بحادثة او على يدي الأشرار٠
ثم أن مجموعة الأشرار تثير الإعجاب أحياناً أكثر من بوند نفسه٠
لا ينسى هذا الناقد شريرا فيلم »غولدفينغر« (ثالث أفلام بوند وذلك سنة 1964) الممثل الألماني غيرت فروبي لعب شخصية المجرم الدولي أوريك الذي يعيش لطموح وحيد هو الذهب ورجله الأول في مؤسسته الشريرة الياباني هارولد ساكاتا الذي يعتمر قبّعة من حديد ذات نصل يستطيع قطع رجل الى نصفين٠
إنه في ذلك الفيلم (الذي هو عندي أفضل أفلام بوند لليوم) يسأل بوند (كونيري) يسأل بوند المقيّد على طاولة عرضة لشعاع ناري قاتل، عما يتوقّعه فيرد عليه أوريك بأسلوب الواثق: أتوقعك أن تموت، مستر بوند. إنه ذات التوقّع الذي لا زالت الأفلام اللاحقة كلها تريد أن توهمنا به عبر مشاهد المخاطر التي يتعرّض لها بوند وهي- منذ ذلك الحين- بالمئات. لكن الى الآن لا يزال بوند ينجو من كل خطر طامحاً الى 22 فيلم آخر

نقطة حوار
هل جيمس بوند ضروري؟
عبّر عن رأيك



أيام | خوف في شارع الدنيا
-5-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المترو واصلت تذكّر ما حدث لي قبل وصولي الى باريس بشهور٠
تركت المطار الى العنوان الذي أعطاني إياه الزميل سمير فريد٠ وحين وصلت ودفعت الأجرة بدولارين كانا معي، وقفت أمام مبنى صغير مضاء جيّداً من الخارج. تقدّمت منه المدخل وتوجّهت الى رجل الإستقبال٠ نهض من مكانه وردّ التحية وحين بدأت بالسؤال عما إذا كان لديه غرفة قاطعني وسأل: "حضرتك محمد رضا؟" ومن دون أن ينتظر الإجابة: "الأستاذ سمير فريد حجز لك"٠
سألته عن سعر الغرفة فقال جنيهان، أرخص من التاكسي الذي جلبني الى هنا٠ أدركت أنه فندق وضيع لكن ما الحيلة٠ أعطاني المفتاح وصعدت السلم الى الطابق الأول وفتحت الباب وأضأت الغرفة التي انبسطت أمامي٠
الساعة كانت قرب منتصف الليل. فحصت السرير والمخدات وقررت أنني لن أستطيع النوم. لن أضع رأسي على واحدة من هذه المخدّات. جلست على السرير وما لبث أن وجدت أن هناك نزلاء آخرين.... صراصير حمراء كبيرة تسرح في أرض الغرفة. فحصت الجدار ورائي خشية أن تكون هناك خطة لالتهامي تقتضي بمهاجمتي بالإنقضاض على رأسي من الخلف٠
في الصباح استيقظت لأجد نفسي نمت جالساً٠ لم تكن هناك حاجة لإعادة ترتيب الشنطة. حملتها ونزلت وحاسبت الفندق وخرجت٠
الى يمين الباب اتجهت وشاهدت بسطة من الصحف وشاباً يفحص جريدة »النهار« اللبنانية. ومعه حقيبة وضعها قرب قدميه٠ أدركت أنه لبناني من خلال الصحيفة التي اختار قراءتها. تقدّمت منه وقلت له باللبنانية: "صباح الخير"٠
رد التحية ونظر الى الحقيبة التي أحملها. سألني: "هل تبحث عن مكان تبيت فيه؟"٠
أنا: نعم
هو: أنا في طريقي لهذا الفندق (وأشار الى حيث كنت)٠
أنا: لا تتعب نفسك. الفندق قذر وفيه صراصير لا تدفع الأجرة٠
نظر كل منا الى الآخر... شابان مهاجران من جحيم الحرب لا يعرفان أين يذهبان. ثم جاءته فكرة فقال: "كنت أنزل في فيلا يعيش فيه شابان لبنانيان استأجرت منهما غرفة. إذا أردت تشاركنا في تلك الغرفة. فيها سريرين"٠
وجدتها فكرة مناسبة. على الأقل سأستطيع دفع أجرها الرخيص لنحو أسبوع أدبّر نفسي بعدها٠
كانت الفيلاّ في مصر الجديدة٠ أخذنا تاكسي وتشاركنا في دفع قيمته ثم وصلنا. كل شيء بدا على ما يرام٠ الآن .... فكرت.... عليّ أن أتصل بالأصدقاء الحميمين: فتحي فرج، فاروق عبد العزيز، سمير فريد، سامي السلاموني، خيري بشارة (الذي تعرّفت عليه قبل تعرّفي على محمد خان)، عزّت العلايلي، صلاح أبو سيف وسواهم٠
أمضيت الأيام الأولى في مثل هذه اللقاءات. الجميع أحاطني بالرعاية والحب. لم يتخلّف أحد عن الإهتمام بي ووجدت نفسي أجول شوارع القاهرة ما بين مركز الصور المرئية ونادي السينما والصالات الأخرى او في المقاهي مع هؤلاء الأصدقاء وغيرهم٠
لكن إقامتي لم تكن على ذات اليسر والسهولة٠
الشاب الذي التقيت به كان سُنياً مثلي، لكن الشقيقين اللذين أجّرانا الغرفة كانا درزيين، وكنت تستطيع، لو أتيح لك أن تجلس بيننا نحن الأربعة، قدراً كبيراً من الإختلاف في السلوك٠ لا أدري، ربما كنت أتخيّل الآن وربما لا، لكني شعرت بأنهما لا يكنّان لنا ذلك الشعور ذاته الذي كان أصدقائي المصريين يكنونه لي٠ لماذا هذا؟ بعد ثلاثة أيام من بقائي في هذا المكان صحت توقّعاتي. الشقيقان أخبرا الشاب أنه يستطيع البقاء إذا ما أراد أما أنا فعلي أن أمشي٠
ومشيت.... إنما من دون أي وجهة. المال الذي كان معي انتهى. أن أسأل أحداً عن مال لن أفعل. أن أطلب من أحد أن ينزلني عنده لفترة... ربما. التقيت بفاروق عبد العزيز واصطحبني هذا الى شقّة يشترك فيها مع شابّين آخرين (في مصر الجديدة أيضاً) وهناك لبثت بضعة أيام، ثم أصر فتحي فرج على أن أنزل عنده٠
فتحي كان محبّاً بلا حدود. نوع من الصفاء البشري الذي كان نادراً آنذاك٠ كنت أعرف ذلك عنه من لقاءاتنا القصيرة... لكن ما حدث بيننا حين قبلت دعوته لم يحدث مع شخص آخر من قبل٠

توقّف المترو في محطّتي وغادرته. الوقت متأخّر. أنا تقريباً وحدي في هذا النفق ثم وحدي تماماً حين خرجت الى الشارع الصغير الموصل الى الفندق٠ أنحدرت في ذلك الطريق ولم أعبأ بمتشرّد حادثني من على الرصيف الآخر وقطّة ماءت بالقرب مني٠
الذي يملك ذلك الفندق كان موجوداً. قال لي ذات مرّة أن لا شيء آخر لديه يقوم به سوى أن يشتغل مع موظّفيه. دردشنا وأنا في طريقي الى غرفتي ولم أستطع الا وأن أسأله: لماذا غرفة الحمّام عندي أكبر من غرفة النوم؟
ضحك وقال: الغرف الأخرى كلها صغيرة ... غرفة النوم صغيرة وغرفة الحمام -إذا وُجدت- صغيرة.... هل تريدني أن أنقلك٠
قلت له أن رسالته وصلت وتمنيّت له ليلة سعيدة٠
في اليوم التالي. في المكتب وبات عليّ أن أفعل شيئاً٠ سوف لن أستطيع الإتكال على الحظ الحسن لكي أتعرّف على إمرأة من خارج المكتب. بدأت أفحص النساء اللواتي في المكتب٠ كانت هناك السكرتيرة الفرنسية وهذه تعيش على مرتّب أعلى من مرتّبي عشرين مرّة. جميلة٠ ترتدي الأحمر وتتذوّق وممتنعة٠ لا علاقات لها داخل المكتب مع أحد٠
هناك صحافية لبنانية جميلة تبدو دائماً هائمة تتحدّث في الفضاء بينما الموضوع أرضي. شاهدتها مع لبناني آخر فلم أسع٠ ثم هناك لبنانية أخرى. لم تكن جميلة لكنها تتمتّع بصوت عال وجسد ساخن. هذه معقولة لولا أنها ملحاحة٠ ثم هناك إمرأة فرنسية تعمل في الحسابات. جميلة لو اعتنت بنفسها ورسمت إبتسامة على وجهها٠ إذاً لديّ خيارين٠
وهذا ما حدث مع اللبنانية أولاً .....

يتبع٠٠٠٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠