أوراق ناقد

وصلتني رسالة شكر من الممثل البريطاني الشاب جيمس كوردون يقول فيها: "قد تكون المرّة الوحيدة التي سأكتب بها حول هذا الموضوع". والموضوع هو دوره في فيلم Into the Woods لجانب ميريل ستريب وكريستين بارانسكي وإميلي بلنت وآنا كندريك. الشكر لكون "جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب" وضعته على قمّـة ترشيحاتها لنيل الغولدن غلوبز المقبل: "شاهدت حفلات الغولدن غلوبز من لندن حيث عشت واستمتعت بالمشاهدة وتمنيّـت يوماً أن أقف على المنصّـة لاستلم هذه الجائزة".


Jul 26, 2008

ISSUE 298- VOL. 2| David Fincher | Hero VS. heroism, the complete feature | The Westerns

Film*Reader صدر العدد التاسع من مجلة
وفيه نقد لفيلم »الفارس المظلم« و»الريس عمر حرب« و»بلاد رقم واحد« ومقالات نقدية مختلف(اللينك الى اليمين)٠
<><><><><><><><><><><><><><><><><><>


THE DAILY CHRONICLE |5| المفكرة اليومية

سكارلت جوهانسن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يوسف شاهين في لوكارنو <> سكارلت جوهانسون مع أوباما <> الذكرى
السنوية الأولى لرحيل عملاقي السينما برغمان وانطونيوني <> النقـآد
المحترفون الى زوال؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أعلنت إدارة مهرجان لوكارنو عن أنها ستخصص برنامج تحيّة للمخرج الراحل يوسف شاهين *
تعرض فيه عدداً من أفلامه وذلك في دورة المهرجان الحادية والستّين. لا أعرف كم من افلام يوسف شاهين سيختار المهرجان لعرضه، لكن أحد الأفلام التي ستعرض في هذه التحية هو »المصير« الذي تتبدّى رسالته حول مفهوم الحرية واضحة في هذا الزمن الذي ينهال فيه الجميع عليها يمينا ويساراً٠

معظم هوليوود مع باراك أوباما لأن معظم هوليوود ديمقراطية الإتجاه (في مواجهة الحزب *
الجمهوري) هذا على الرغم من أن محافظ كاليفورنيا جمهوري وهو كما يعلم كثيرون ليس سوى أرنولد شوارتزنيغر٠ مؤخراً قرأت أن باربرا سترايسند مع باراك أوباما كذلك ول سميث ومن قبل كان شون بن ومات دايمون أوحيا بأنهما يفكّران باراك٠ اما سكارلت جوهانسن فهي متعصّبة للمرشّح الديمقراطي ولن تجد ممثلاً أفرو- أميركي واحد سيصوّت لجون ماكّان٠
وكان توم هانكس أعلن في أيار/مايو هذا العام أنه مع باراك أوباما طول الطريق٠ وسأسعى لتأليف لائحة من الممثلين والممثلات الذين يقفون مع اوباما وأخرى من الذين يقفون مع ماكّان٠
طبعاً لا أقصد أن أوحي بأن كل الممثلين مع أوباما. هاك لائحة قصيرة من الذين يقفون مع ماكّان:
أرنولد شوارتزنيغر، تشاك نوريس، سلفستر ستالون وجون فويت٠


السؤال الذي أطرحه عليكم أعزائي هو التالي *
ما الذي يجمع بين ثلاثة من هؤلاء الممثلين الذين يؤيدون ماكّين؟
الجواب هو أنهم ممثلو أدوار قوّة وعضلات. وهؤلاء هم شوارتزنيغر ونوريس وستالون٠ الآن يعزز ذلك سؤالاً آخر هو: لماذا ممثلي أدوار القوّة يميلون لليمين الأميركي؟
هذا سؤال وجيه بوجاهة السؤال الذي كنت لاحظته بين ممثلي الأدوار الكوميدية في هوليوود وفي القاهرة : معظم هؤلاء يحبّون لعب الأدوار التي تصوّرهم ذوي قدرة جنسية كبيرة وجاذبية أقوى مع الجنس الآخر٠
سأعود الى عضلات السواعد لأقول أن لاعبي أدوار القوّة (ربما في غالبيّتهم) يستمدّون من شخصياتهم السينمائية الوجهة السياسية التي يحبّذون. الضرب والعنف والفاشية٠ الممثلون الآخرون، خصوصاً الذين يعتمدون على موهبة دفينة، عادة ما هم أوسع إدراكاً وثقافة٠ ومن هو أوسع إدراكاً وثقافة لا يمكن أن يكون لا فاشياً يمينياً ولا فاشياً يسارياً ولا متطرّفاً مسيحياً او مسلماً او يهودياً. نقطة على السطر٠
الآن الى السؤال الأخير في هذا الشأن: ما الجامع الثاني بين أرنولد وتشاك وسلفستر؟
هل ذكرتُ شيئاً عن الموهبة...؟

طبعاً مرّت الذكرى السنوية الأولى لرحيل كل من المخرج السويدي إنغمار برغمن والمخرج الإيطالي *
مايكلأنجلو أنطونيوني من دون أن يتذكّرها النقاد . كل من قرأت لهم في الأيام القليلة الأخيرة كانوا في غمار الحديث عن أمور مختلفة وانتظرت أن يسبقني أحد الى التذكير بأنهما رحلا على بعد ساعات قليلة كل من الآخر في الثلاثين من شهر تموز/ يوليو العام الماضي٠

إنغمار برغمن رحل قبل سنة كاملة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد حضّرت مجموعة من المقالات التي سأنشرها متوالية خلال الشهر المقبل حولهما والزميلة هبة الله يوسف تحضّر لمقالة شاملة عن سينما يوسف شاهين ربما ستصلح أكثر للعدد المقبل من »كتاب السينما«، لكني قد آخذ منها مادة لهذه المجلة. يعتمد ذلك على كيفية معالجة المادة/ الملف٠
بالأمس فقط شاهدت، للمرّة الأولى، فيلم برغمان »الختم التاسع«، وهو ليس أفضل أعماله، لكن من بين أوّلها لكني قد أبدأ بفيلمه الغريب »الفراولة البريّة«٠ لنرى٠

أتحدّث الى ناقد سينمائي أميركي معنا في جمعية مراسلي هوليوود الأجانب عن النقد وحالة *
فيقول أن مهنة النقد السينمائي المحترف في طريقها الى الزوال- وهذا ما يردده كثيرون على أساس أن
الجمهور بات يفتح مواقع الإنترنت ويقرأ لكل الناس ومعظم هؤلاء الناس ليسوا نقّاداً بل أصحاب آراء٠
أهز رأسي موافقاً على أن النقد المحترف محاصر، لكن في المسافة بين مركز الجمعية ومنزلي وأنا أقود سيارتي موديل 1992 على السانست بوليڤارد بين سيّارات العام والعام المقبل، خطر لي أن واحداً من المشاكل التي تعتري الناقد المحترف هو أنه يكتب بلا جمهور٠
الى حين قريب كان هواة السينما يتحلّقون حول نقادهم المفضّلين: هذا الفريق يفضل كولين بول، ذلك ديفيد دنبي، الآخر ركس ريد وفريق يفضل روجر إيبرت وحين كنت فتى كان العرب متحلّقين حول سامي السلاموني وفتحي فرج (رحمهما الله) وسمير فريد (أمد الله في عمره) وسمير نصري وقلّة أخرى . وفي لندن ألكسندر ووكر (مات) وديريك مالكولم (لا يزال) من بين آخرين٠
اليوم، ليس هناك ناقد مفضّل على نحو واسع الإنتشار وحسب إحصاء تم هنا في لوس أنجيليس فإن نحو خمس وستين بالمئة من روّاد السينما يشعرون بأنهم ليسوا بحاجة الى النقد السينمائي٠
وإذا أضفت الى هذه المعلومة حقيقة أن عدداً كبيراً من الصحف اليومية أشترت تذاكر خروج لنقادها وصرفت لهم تعويضات فإن النقد الجيّد سيصبح فعلاً عملة ماسّة... لكني أعدكم بشيء: هذا الناقد لن يترك مهنته مهما يكن٠


So what else is new?




|*| FIRST LOOK |*|

Man on Wire
فيلم تسجيلي لجيمس مارش يؤرخ فيه لشخصية الفرنسي فيليب بيتيت الذي سار على كابل ممدود بين برجي مركز التجارة الدولي في نيويورك سنة 1974



الأفلام الجديدة هذا الأسبوع


The X-Files: I Want to Live
DIR: Chris Carter
CAST: David Duchovny, Gillian Anderson
عروض عالمية. العرض العربي الأول: مصر والإمارات ( 08/7/30)٠
***: مجمل تقييم النقاد
..............................................

The Step Brothers
DIR: Adam McKay
CAST: Will Ferrell, John C. Reilly, Mary Steenburgen
عروض شبه محدودة تبدأ في أميركا ولا تصل أوروبا الا في مطلع أيلول/ سبتمبر٠
**1/2: مجمل تقييم النقاد
.............................................

Le Premier Jour de Rest de ta Vie
DIR: Remi Bezancon
CAST: Jacques Gamblin, Zabou Breilman
كوميديا فرنسية عن خمسة أيام تحدد مصير عائلة. عروض محدودة
**: مجمل تقييم النقاد
..............................................

Before the Rains
DIR: Santosh Sivan
CAST: Linus Roache, Rahule Bose
فيلم هندي باللغة الإنكليزية في دراما تعود الى الثلاثينات- عروض شبه محدودة. حالياً: لندن٠
**1/2: مجمل تقييم النقاد





|*| مخرج وأفلامه |*|

ديڤيد فينشر: يطرح مسائل عائلية في أفلام جنائية
......................................................................


ديڤيد فينشــر من أفضل مخرجي هوليوود
الحاليين. لدى أفلامه طابعــاً خاصّاً به وهو
شديد التمسّك بأفلام تحمل نظرة إجتماعية
حتى ولو كانت بوليسية وفانتازية عنيفة٠
هذه لمحة عن أعماله الرئيسية من 1985
والى اليوم٠
........................










* Filmography:
1985: The Beat of the Live Drum ---
1992: Alien 3 ***1/2
1995: Se7en ****
1997: The Game ***1/2
1999: Fight Club ***
2002: Panic Room ***1/2
2007: Zodiac ****

زودياك، الفيلم الذي هُضم حقّه من الجوائز العالمية بما في ذلك الأوسكار بعدما تم أفتتاح عروضه في مطلع العام الماضي، والذي أخرجه ديڤيد فينشر من بطولة مارك روفالو، جايك جيلنهال وروبرت داوني جونيور، هو عبارة عن بحث في قضية جنائية بقيت غامضة الى اليوم: من هو القاتل المتسلسل الذي روّع مدينة سان فرانسيسكو في أواخر الستينات وحتى مطلع السبعينات فقتل عدة ضحايا من دون هدف واضح او معرفة مسبقة بهم، ثم اختفي بعدما كتب عن نفسه وعن جرائمه لصحيفة »سان فرانسيسكو كرونيكل« وأطلق علي نفسه إسم »زودياك«

اسئلة
قبل هذا الفيلم تم إنجاز أفلام قليلة عن هذا الموضوع من بينها فيلم دونالد سيغل البوليسي المعروف
Dirty Harry
بطولة كلينت ايستوود، سنة 1971 وحلقات تلفزيونية أميركية بذات الإسم. وهو العام نفسه الذي قام فيه توم هانسن بإخراج فيلم قصد به أن يدور عن القاتل فعلاً تحت عنوان
Zodiac Killer
وهناك فيلم سينمائي ثالث، لكنه مرّ مباشرة الى رفوف الدي ڤي دي أخرجه ألكسندر بالكلي سنة 1975. قبله بعامين قام الألماني الأصل أولي لومَل، الذي أنقذته من نار شبّت به ذات يوم، بإخراج فيلم أميركي حمل عنوان
Zodia Sign
فيلم فينشر هو الأكثر فنيّة مما شاهدته من هذه الأفلام والأكثر تواصلاً مع المحيط الإجتماعي أيضاً. فيلم يحمل عالماً مسكوناً من دون أن يكون مظهر هذا العالم، والفيلم بالتالي، قاتماً او غرائبياً٠
حين توقّف زودياك فجأة عن ارتكاب جرائمه أثيرت عواصف من الاسئلة
هل توقف بمحض إختياره؟ هل ألقي القبض عليه لتهمة بعيدة عن القتل فدخل السجن من دون أن يتم الربط بينه وبين جرائمه؟ هل لا يزال حيّاً؟ أم هو انتقل الى »العمل السرّي« بعدما سعى لسنوات للحديث عن نفسه وعن جرائمه علناً؟

صور بديلة
من المشهد الأول‮ ‬يعيدنا المخرج فينش الى مطلع السبعينات عن طريق أغنية من تلك الفترة،‮ ‬لكن الأمر‮ ‬يتطلّب بالطبع أكثر من أغنية‮. ‬هناك كل شيء آخر من تصميم الملابس الى تصميم المناظر ومن العناية بالسلوك العام وكيف كان المرء‮ ‬يتصرّف وماذا كان‮ ‬يقول وكيف الى الأجواء والديكورات‮. ‬لكن في‮ ‬الصميم طبعاً‮ ‬هناك طريقة الإخراج‮: ‬من‮ ‬ينتظر من ديفيد فينشر تخويفه على النحو الذي‮ ‬فعله في‮ ‬فيلمه المشهور الأول‮ »‬سبعة‮« ربما أصيب بخيبة أمل‮: ‬عوض الصدمات هناك المشاهد التي‮ ‬تُقرأ فنياً‮ ‬وموضوعياً‮. ‬عوض المطاردات الكبيرة،‮ ‬هناك الصياغة الهادئة‮. ‬العنف بلا عنف والتشويق بلا إثارة‮.‬
عوض البطل الطائر في‮ ‬الأجواء،‮ ‬هناك البطل المنتمي‮ ‬الى قاع المدينة‮. »‬زودياك‮« ‬كما كان‮ »‬سبعة‮« ‬من قبله عن التحرّي‮ ‬الآتي‮ ‬مما كان‮ ‬يُعرف آنذاك بـ‮ »‬الطبقة العاملة‮«. ‬وفي‮ ‬صلب الملاحظات المصوّرة في‮ ‬فيلميه سؤال حول تلاشي‮ ‬البؤر الضوئية من العالم وظلمة الآمال بدل بصيصها الصغير‮.من المشهد الأول‮ ‬يعيدنا المخرج فينش الى مطلع السبعينات عن طريق أغنية من تلك الفترة،‮ ‬لكن الأمر‮ ‬يتطلّب بالطبع أكثر من أغنية‮. ‬هناك كل شيء آخر من تصميم الملابس الى تصميم المناظر ومن العناية بالسلوك العام وكيف كان المرء‮ ‬يتصرّف وماذا كان‮ ‬يقول وكيف الى الأجواء والديكورات‮. ‬لكن في‮ ‬الصميم طبعاً‮ ‬هناك طريقة الإخراج‮: ‬من‮ ‬ينتظر من ديفيد فينشر تخويفه على النحو الذي‮ ‬فعله في‮ ‬فيلمه المشهور الأول‮ »‬سبعة‮« ربما أصيب بخيبة أمل‮: ‬عوض الصدمات هناك المشاهد التي‮ ‬تُقرأ فنياً‮ ‬وموضوعياً‮. ‬عوض المطاردات الكبيرة،‮ ‬هناك الصياغة الهادئة‮. ‬العنف بلا عنف والتشويق بلا إثارة‮.‬
عوض البطل الطائر في‮ ‬الأجواء،‮ ‬هناك البطل المنتمي‮ ‬الى قاع المدينة‮. »‬زودياك‮« ‬كما كان‮ »‬سبعة‮« ‬من قبله عن التحرّي‮ ‬الآتي‮ ‬مما كان‮ ‬يُعرف آنذاك بـ‮ »‬الطبقة العاملة‮«. ‬وفي‮ ‬صلب الملاحظات المصوّرة في‮ ‬فيلميه سؤال حول تلاشي‮ ‬البؤر الضوئية من العالم وظلمة الآمال بدل بصيصها الصغير‮.

سيغورني ويڤر فوق كوكب الكوابيس في
Alien 3
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عائلة في الفضاء
انطلق المخرج فينشر بخلفية تشمل خمس سنوات من العمل كمساعد في المؤثرات وتصوير الخدع السينمائية لدى مصنع جورج لوكاس وذلك من العام 1983. إنه في تلك الفترة، أخرج فيلمه الأول وكان عن المغني ريك سبرينغفيلد بعنوان
The Beat of the Live Drum
الفيلم لم يعرض في صالات السينما وربما توفّر على أشرطة فيديو (لم أجده بين الأسطوانات). ثم مرت سبع سنوات من قبل أن يعود فينشر للوقوف وراء الكاميرا من جديد بعدما تمّت الإستعانة به لتحقيق
Alien 3
كجزء ثالث من المسلسل الخيالي- العلمي - الفضائي- المرعب٠ هذا الفيلم يختلف عن سابقيه من السلسلة في موضوعه أوّلاً حيث مجموعة من المساجين، وليس من العلماء كما في الفيلم الأول الذي أخرجه جيمس كاميرون، ومن العلماء والجنود، كما في الفيلم الثاني الذي أخرجه ريدلي سكوت، عليهم خوض معركة حياة او موت بعدما تم إقصاءهم الى كوكب بعيد يغزو ذلك الشيء القاتل. المخلوق الوحشي الذي لا يمكن صدّه٠
سيغورني ويڤر للمرّة الثالثة في المسلسل وبل أحد منتجيه وهي كانت صرّحت بلا خشية من أحد أن شركة فوكس كانت عارضت الكثير من إتجاهاتها واتجاهات مخرجها فينشر الفنية. فوكس أرادت فيلماً مشبعاً بالتخويف المباشر، بينما كانت النيّة لدى ويڤر وفينشر تقديم ما هو أعمق من ذلك بقليل. وقد تسنّى ذلك ولو على نحو ليس متكاملاً. ما نجده في هذا الفيلم هو مفهوم سيتكرر لاحقاً في أفلام أخرى لفينشر هو العائلة. الذي يربط الرجال فيما بينهم هو العائلة. الصورة التي تتعزّز في رؤوسهم (او رؤوس من تبقّى منهم حياً في النصف الثاني من الفيلم) حيال المرأة الوحيدة بينهم هي النظر إليها كأخت، كأم وكزوجة. أيضاً العائلة٠ الى ذلك، ما يريد المخلوق المتوحّش فعله هو زرع بويضاته في تلك المرأة التي أخفق سالفه في قتلها. العائلة٠

الخطايا السبعة
حين أخرج فينشر فيلمه التالي »سبعة« كان استطاع إقناع هوليوود برؤيته الى حد منحه القدرة على تنفيذها وبل تحويل الفيلم الى أحد أهم الأعمال البوليسية في السنوات العشرين الأخيرة. هنا يتحدّث عن سلسلة منعاقبة من الجرائم ذات القاتل المجهول. كل ما هو معروف لدى التحريين مورغن فريمان، الذي سيتقاعد بعد أيام، وبراد بت، الأصغر سنّاً وتجربة، هو أن القاتل يتحرك بشيفرة دينية متطرّفة تجعله يختار سبعة ضحايا كل منها يرتكب الإثم الذي ورد ذكره في الإنجيل وهذه الآثام هي: الشهوة، الشره، الطمع، الكسل، الغضب، الحسد والتكابر٠
الصور التي يقدم فينشر على تقديمها، مصمّمة على أن تكون واقعية، قشيبة، موحشة وتكتنز العالم الخارجي على هذا النحو حتى ولو كان التصوير داخلياً. حين تخرج الكاميرا الى المدينة فإنها لا تقل دكانة. وحين تخرج الى الطبيعة الشاسعة خارجها فليس هناك من جمال خاص٠ ضمن هذه الصور يستخرج فينشر التناقض بين شخصيّتيه الرئيسيّتين وكيف سيندفع براد بت ليكون الضحية الأخيرة من دون أن يدري٠ القاتل (كَڤن سبايسي) هو القاتل الذي ستبقى له الكلمة الأخيرة حتى من بعد إلقاء القبض عليه تماماً كمصير أسود ينتظر كل خاطيء، بإستثناء إنه يعتقد أنما ينفّذ كلمة الله سبحانه على الأرض٠
ضمن كل ذلك، هناك فرصة للوقوف على الوضع العائلي للتحريين. فريمن يعيش منفرداً في شقّة صغيرة كئيبة تعكس عالمه الصغير الكامن في العالم الكبير ذي الكآبة. زميله الشاب براد بت يعيش مع زوجته الحامل غوينيث بولترو في شقّة متوسّطة الحجم لكنها متواضعة. كلما مر القطار بالقرب منها اهتزّت. هذا هو العالم الحقيقي للتحري على عكس تلك الصور الزاهية التي كثيراً ما رُسمت من قبل ومن بعد له٠ العائلة أيضاً هي في الضربة الكبيرة التي خطط لها القاتل: تنفيذ الجريمة بزوجة التحري الحامل يعني تدمير البنية الأساسية للحياة الإجتماعية التي- للسخرية- يحاول القاتل الدفاع عنها بتنفيذ حكم الإعدام بمن وجدهم اثمون مذكّراً في حديث له في السيارة التي تقلّه بعدما ألقي القبض عليه (وقبل نحو عشر دقائق من نهاية الفيلم) بأن هناك »خطيئة ترتكب عند كل ناصية في كل مدينة«٠

كونترول وفوضى
مع »اللعبة« تتخذ القضية موقعاً مغايراً ولو أنه غير منفصل٠
في ذلك الفيلم نتعرّف على نيكولاس (مايكل دوغلاس) رجل بالغ الثراء سيحتفل بيوم ميلاده الثامن والأربعين بعد أيام. لاحظ هنا: والده صاحب القصر الذي يعيش فيه نيكولاس اختار الإنتحار في يوم ميلاد نيكولاس قبل عدّة سنوات. إنه فصل من حياة عائلية نجهلها لأنها في ماضي نيكولاس وهو ليس منفتحاً على أحد. أكثر من ذلك، هو شخص متيّم بالكونترول لدرجة أن لا حياة أخرى لديه سوى ذلك. الباقي كله يمكن فعله من خلال او ضمن تلك الدرجة من الإحكام الشديد لعالمه٠ المفارقة التي نشدها الفيلم ونجح أيّما نجاح في معالجتها هي أن كل هذا الإحكام والممارسة المنضبطة لكل ما يتّصل بحياته يتهاوي أوّل ما يدخل لعبة سيقت إليه بمناسبة عيد ميلاده٠
شقيقه الأصغر سناً كونراد (شون بن) يقول له إنها لعبة تديرها منظّمة مجهولة بلا قوانين معروفة او أهداف. في حقيقة الأمر إنها لعبة فيها من المخاطر ما يعجز نيكولاس عن التصرّف حيالها في معظم الأحيان. إنها تنتزع منه القدرة على إدارة حياته وترميه الى عالم لم يكن يعرف عنه شيئاً رغم أنه محيط به٠ كل هذا ضمن حالة من الفوضى التي تعصف بكيانه . كل ما كان يقوم به أصبح يقع عكسه حتى يصبح الأمر من الخطر بحيث يكاد يفقد حياته٠
العلاقة بين نيكولاس وشقيقه مثارة وبينه وبين زوجته الحالية أيضاً وبينه وبين زوجته السابقة في مطلع الفيلم. والمفاد هو أن الرجل الذي اعتقد نفسه في مأمن من الإنزلاق كان يحتاج الى الحب يبثّه ويستقبله قبل أن يقتنع بصواب أسلوبه الحياتي٠
ذات القدر من التفاصيل التي في »سبعة« حين يأتي الأمر الى تلك المشاهد الباحثة في ذهن نيكولاس وفي أذهان المشاهدين، نفس الدكانة ونفس النظرة المخيفة لعالم فقد الزنبرك وأخذ ينتفض في كل إتجاه٠

فلسفة عنيفة
معظم النقاد العالميين أشاد بـ »نادي العراك« (فيلم فينشر الخامس) ، لكني لم أستطع الإندماج فيه. على ذلك أقدّر منحاه الفني وليس الضمني٠ إنه عن مجموعة من الشخصيات التي ألّفت عصبة (لا تختلف كثيراً عن العصبة التي ألّفها مساجين »أليان ٣«) تقوم بأعمال عنف متبادلة بين أفرادها. إذا كان ذلك صورة عن تداعي العالم الحالي، فإن هذا شيء، أما أن يكون على هذه الصورة ممارسة العنف لغاية الوصول الى إدانته او مجرّد إظهاره، فإن ذلك لا يمكن قبوله على النحو المأمول٠
إنه عن إدوارد نورتون الذي يحاول معالجة نفسه من الكآبة عبر مساعدة الغير بعدما قيل له أن هذه أفضل وسيلة للتعرّف على أن مشاكله ومعضلاته ليست سوى نذر يسير من الهموم إذا ما التقى بالعيّنة التي لديها مشاكل أكبر (على طريقة من عرف مشاكل سواه هانت عليه مشاكله)٠ لكن قبضة الحياة لا تتركه يتغيّر ويلتقي بشاب (براد بت) يضمّه الى ناد سرّي قوامه رجال يبحثون على الحريّة في ممارسة كل شيء بما في ذلك العنف ضد بعضهم البعض٠
هناك فلسفة تنتظر أن تطل برأسها وسط هذا العنف. رسالة ضد العنف إنما تتخّذ منه وسيلة لأنه في النهاية، وبالنسبة للشخصية التي يؤديها برات بت على الأقل، ربما كان الحرية من النظام الإجتماعي الذي يدّعي إنه ضد العنف إنما يمارسه على أشكال شتّى. مهما يكن من أمر، لم أجد -وربما أكون على خطأ- عملاً موازياً لأفلام ديڤيد فينشر الأخرى٠

صور عائلية
فينشر يعود الى ركاب الفيلم الأكثر قبولاً في »غرفة الفزع« حيث تنتقل الأم الوحيدة (جودي فوستر) وإبنتها (كرستين ستيوارت) للعيش في بيت كبير في مانهاتن (منطقة لأغنياء نيويورك) بعد أن تطلّقت الأم من زوجها٠ في تلك الليلة الأولى يغزو البيت ثلاثة أفراد بهدف السرقة. الغرفة الوحيدة التي يمكن للأم وإبنتها التحصّن فيها، هي التي صمّمت فعلاً للغاية وتقع في الطابق العلوي بين الغرف الأخرى. في البداية الأشرار (دوايت يواكيم، جارد ليتو وفورست ويتيكر) لا يعلمون شيئاً عن تلك الغرفة، لكن لاحقاً تدور معركة مصير وتحد بين المرأتين والرجال الثلاث من داخل الغرفة لتمتد لاحقاً لما بعدها٠
تبرز هنا مسألة الوحدة العائلية مرّة أخرى. إنها في إطار الأم وإبنتها وحربهما الواحدة ضد الآخرين الغازين. حقيقة أن الفيلم جاء بعد عام واحد على أحداث 11/9 ، ولو أنه ربما كتب قبلها، يضع الأمر في نطاق تحبيذ الفيلم تحصين أميركا من الغازين، بإستثناء أن الغازين في هذا الفيلم هم أميركيين أيضاً ما يمنع من المضي قدماً في سبر وجهة النظر هذه٠
الفيلم دليل على أن كل أفلام فينشر تنتمي الى استخدام نوع السينما التشويقية بغاية طرح التعليق على أشياء عن الحياة التي نعيش. وكما سبق القول، أحد هذه الأشياء هو المستوى الممارس من اللبنة العائلية وأين تتحد وأين تتفرّق ومعناها بالنسبة لكل وضع على حدة: السجناء فوق الكوكب المتوحّش، العائلة المقهورة تحت مخالب عنف خارجي في »سبعة«، الأسرة التي يحكمها ربّها بقوّة واهية أوّل ما تبدأ حياته بالإختلاف في »اللعبة«. المجموعة السرية التي تعمل على البحث عن وسيلة تعبير حرّة في عالم غير حر ولو بأقصى العنف في »نادي العراك«، والعائلة الصغيرة المتّحدة ضد ثلاثة رجال يدخلون البيت لسرقته (ولو أن أحدهم -فورست ويتيكر- يرتد عن الجريمة ويؤازر العائلة في النهاية) في »غرفة الفزع«٠

مارك روفالو وجايك جيلنهال في »زودياك«: صورة مائلة عن العدالة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السؤال
إذاً أين مكمن العائلة في فيلم فينشر الأخير »زودياك«؟
إنه فيلم بوليسي أقل دموية من »سبعة« لكنه يحتوي على ذات القدر من محاولة معالجة الحياة على الشاشة بقدر كبير من الواقعية. ليست واقعية إيطالية او مصرية او يابانية، بل واقعية من النوع الذي يتم فيه صهر الإمكانيات الهوليوودية وعناصر الإنتاج (غير الواقعية) في أسلوب غير منفصل عن الحياة التي يمكن تصديقها٠ فينشر فعل ذلك حتى حين كانت القصّة خيالية تماماً كما في »سبعة«، لم لا يصنع ذلك والقصّة هنا واقعية؟
ما يصدمنا الى حد وعلى نحو إيجابي، هو إبحاره في الحياة التي تصنع رجاله ومجرميه. بنظرته الخاصة للعالم الذي تقع فيه الأحداث. باستبعاده الجماليات الطبيعية منها والتقنية، وبرسمه الدقيق لشخصياته، نستطيع أن نرى خلفياتها. الحياة العائلية لبعضها، علماً بأنه ليس من الضروري أن يكون هناك دائماً رجل وزوجة وطفل ليولّف ذلك حياة عائلية



|*| ACTORS & ACTING |*|

حول مفهوم البطولة والبطولة
المضادة للبطولة في السينما
-----------------------------
تم نشر فقرات من هذا الموضوع
سابقاً، لكنه الآن متوفر كاملاً٠
--------------------
يقترح فيلم »هانكوك« لبيتر بيرغ وتمثيل ول سميث البطولة وضدّها في آن واحد من حيث أن هانكوك هو شخص متعفّف عن لعب الدور الذي يستطيع لعبه في الحياة وهو أن يكون بطلاً، لكن الظروف ستقوده الى نفض هذا الموقف والإنطلاق في سلسلة أعمال كلها بطولة وإنقاذ لحياة الناس من كوارث متوالية٠

السبب الذي يجعل هانكوك/ سميث سلبياً حيال دور البطولة يتضمّن ازدراءاً متبادلاً بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه٠ إنه كمن يقسم يمينا عندنا بأنه لن يُساعد مخلوقاً بعد اليوم لأن آخر مرّة حاول فيها مساعدة أحد، استدار ذاك وغدر به او لم يشكره فقط، كما لو أن فعل المساعدة عليه أن ينتظر فعل مساعدة في المقابل من الطرف الذي تمّت مساعدته. لكن هانكوك بموقفه هذا يذهب لأبعد من الموقف الشخصي: لقد عانى من الحياة الى حد جعله يُدير ظهره الى من فيها. الى نظمها وقوانينها وعواطفها وأشخاصها. هذا بالطبع الى أن يجد نفسه مطالباً من دون قرار مبدأي من عنده بالتدخل لإنقاذ حياة أشخاص٠
ذلك المشهد الذي ينقذ فيه حياة سائق سيّارة تعطّلت سيّارته فوق خط القطار والقطار المسرع قادم يبدو لهذا الناقد مثالاً: ما يفعله هانكوك هو أنه يسارع برمي السيّارة جانباً. ترتفع وتقع مقلوبة بين سيّارتين على نحو أن السائق لا يُصاب بأذى. ثم يوقف القطار بضربة من كتفه٠
الى جانب أن الخيال الجانح في السينما هو أحد لوازم ومتطلّبات خلق الشخصية البطولية، الا أن الطريقة التي أنقذ فيها حياة السائق ثم الطريقة التي أوقف فيها القطار ليست تماماً الطريقة التي كان سوبرمان سيقوم بها لو أتيح له ذلك٠
سوبرمان كان سيحط من الفضاء بسرعة فيرفع السيارة بيمينه ويضعها بسلام في مكان آمن، بينما يستمر القطار منطلقاً، وإذا حدث وكان القطار جانحاً بسبب عطل لا يستطيع معه التوقّف ما يعني أن الركّاب فيه في خطر ماحق، فإن سوبرمان سيسارع الى القطار ويوقفه بالتدريج حتى لا يتسبب بإيذاء أحد٠
هذا الفارق بين هانكوك وسوبرمان يفي بنوعية البطولة في كلا الفيلمين. سوبرمان البطل وهانكوك البطل المضاد لمفهوم البطولة. وهو بطل من ناحية الصناعة السينمائية التي تريد من النجم ول سميث أن يلعب الدور الرئيسي في الفيلم، الدور الذي يفحص ماهية البطولة في بعض ما يعرضه على الشاشة من طروحات ومواقف٠

اللامكان واللا تاريخ
لكن المسألة ليست حكراً على نوعين من البطولة: البطولة الجديرة والبطولة التي تنظر الى البطولة سلباً لكنها تضطر اليها٠ هناك من ألوان البطولة ما يصلح لكتاب موسوعي او لفيلم وثائقي من ساعتين او ثلاثة. ومع أن البطولة بمفهومها الإغريقي موجودة في حيثيات العديد من الأفلام قديما والى اليوم، الا أنها ليست المفهوم الوحيد السائد٠ الى حد بعيد تفرض البطولة (ونقيضها) حالات عديدة بعضها ينتمي الى المفهوم الشكسبيري في تداول الموقف الإنساني بين شخصيات عديدة وآثار ما تداوله في نفس واحدة، كما الحال في »ماكبث« او »الملك لير« مثلاً، والمفهوم المؤمن بالبذل والمتحوّل الى التضحية من أجل غاية نبيلة، الى ذلك النوع المفرّغ من العناصر النفسية المندفع الى فعل الخير بناءاً على النشأة الإجتماعية او الوازع الأخلاقي او الديني مثلاً ٠
وبقدر ما هي غنيّة بقدر ما نقيض البطولة كذلك٠ في أحيان يختلطان لكن نادراً ما يتجانسان لأن كل منهما في النهاية يحمل عبء طريق شقّه الشخص الذي تؤول إليه الحركة الرئيسية في المادة المكتوبة او المصوّرة وتبعاتها٠
هناك غالبية من الشخصيات تجد نفسها وقد أصبحت بطلة بسبب تصرّفاتها٠ فيلم »شاين« لجورج ستيفنس وبطولة ألاد لاد (1953) نموذجي في هذه الحالة. هاهو فارس يأتي من بعيد. لا نعرف عن ماضيه شيئاً (ولن نعرف ما يُذكر) يصل طالباً شربة ماء من بيت ريفي. مزرعة صغيرة يسكنها ثلاثة أشخاص: رجل طيّبة، زوجة مخلصة وطفلهما٠ وهو سيشرب ويروي حصانه ويمضي، لكن الرجل يعرض عليه العمل فيقبل ولاحقاً ما يلحظ أن المجتمع الصغير الذي حط فيه يعيش مأزقاً كبيراً. فرب هذه الأسرة الطيّبة (ڤان هڤلن) هو من بين مزارعين صغار عدّة حطّوا في أرض الله الواسعة غصباً عن رجل وشقيقه كانا وصلا الى المنطقة قبل الآخرين واعتبرا أن كل الأراضي التي تحيط بالبلدة حيث يعيشان لهما. لذلك يرسلان رجالهما لزعزعة استقرار المزارعين وإجبارهم على الرحيل. وفي وقت لاحق يقومون بحرق بيت أحدهم لإبلاغ الرسالة، وقبل ذلك في الفيلم يقوم رجل مأجور أسمه جاك ويلسون (جاك بالانس) بقتل أحد المزارعين الذين تشدّقوا بالجرأة (أليشا كوك)٠
شاين يلحظ ذلك وفي البداية يحاول الا يتدخّل، لكنه يعلم أن عليه التدخل للدفاع عن العائلة التي آوته. ينطلق صوب البلدة. تقع المواجهة المنشودة بينه وبين الأشرار والتي يُصاب فيها ويعاود ركب فرسه والمضي الى حيث لن يعود الى المزرعة. لن يعود الى مكان محدد، بل فقط الى اللا-مكان واللا-تاريخ الذي جاء منه٠
لكن الفيلم ذاته يحمل أكثر من صورة للبطل ومفهوم البطولة وهي ليست صوراً من إختيار المشاهد ولا هي مرتبطة بمفهومه المباشر للبطولة كسبب وجيه لمشاهدة الفيلم. شاين نوع من الأبطال الذين تدفعهم الظروف للتصدي (والتصدّي تصرّف بطولي دائم) لكن في فعله ذاك يُثير حفيظة رب الأسرة جو الذي يعتبره ضيفاً ويريد أن يتولّى هو عملية تأديب الأشرار. بذلك ما ينحو إليه جو هو ترك موقعه اللا- بطولي الى موقع بطولي مفترض (موقع شاهدنا الممثل يؤديه في فيلم آخر حين يتصدّى لرئيس العصابة جون فورد ويلقي القبض عليه رغم أنه لا يوازيه قوّة وذلك في فيلم »3:10 الى يوما« الذي أخرجه دلمر ديفيز سنة1957 والذي أعيد إنتاجه مع كرستيان بايل في الدور تحت إدارة المخرج جيمس مانغولد في العام الماضي)٠
شاين يعلم أن جو ليس بطلاً ولا يستطيع أن يكون حيال جاك المقاتل المحترف وسيدفع حياته ثمناً فتقع بين الإثنين (البطل والساعي للبطولة) معركة يدوية هي ذاتها فيها صراع البرهنة على الرجولة: رجولة جو تجاه زوجته إذ لا يخفي عليه أن شاين جذب فيها قدراً من العاطفة رغم ثقته بهما معاً٠
الدور الذي يحاول جو لعبه هو الدور الذي سعى إليه المزارع روفوس (أليشا كوك) مع إختلاف أن هذا كان يتوهّم استحقاقه الدور فتقوده جرأته وقدماه الى التظاهر بإمكانية إنجاز النقلة من اللاشيء الى البطل ويدفع حياته ثمناً لتلك المحاولة. ولا ننسى الطفل جووي (براندون دي وايلد) الذي كانت صور البطولة تلطمه محاولاً تفسيرها٠
وفي الصلب طبعاً، تلك الرسالة المعادية للإقطاع والتي تجعل الفيلم- كالمعظم الكاسح من أفلام الوسترن الأميركية- عملاً سياسياً من دون يافطة او إشارة (لكن ذلك موضوع آخر تماماً)٠

العصرنة المرفوضة
صور مختلفة من البطولة هي أيضاً محط اهتمام المخرج الياباني الكبير الراحل أكيرا كوروساوا. لقد اقتبس شكسبير وتعامل مع هذا النوع من البطولة حين أخرج ترجمته الجوهرية لمسرحية »الملك لير« في العام 1985(وكان أخرج »ماكبث« سنة 1957) لكن المخرج الراحل [1910-1998] سبق ذلك بأفلام أخرى عن مفهوم آخر للبطل ونقيضه٠
تستوقفنا، بالتحديد، ثلاثة من أعماله الرائعة أوّلها »الساموراي السبعة« (1954) الذي تناول فيه سبعة محاربين يدافعون عن قرية تهددها عصابة (وعنه تم نقل الفيلم أكثر من مرّة الى هوليوود) و»درسو أوزالا« (1975) حيث رجل عجوز يعيش في الغابة صيّاداً ودليلاً و»كاغاموشا« (1980) والمعروف أيضاً بـ »المحارب الظل« حيث يتم جلب إنسان هامشي يشبه الملك شبهاً كبيراً ويُطلب منه لعب دور الملك لردأ الإعتداء عليه وحمايته من المكائد٠
كل واحد من أبطال »الساموراي السبعة« لديه شخصية خاصّة وكلّهم في أكثر من مفهوم أبطال. لقد اجتمعوا على الذود عن قرية فقيرة ضد عصابة من الأشرار. قائدهم كامباي (تاكاشي شيمورا) نموذجي في القيادة والبذل. يعمل حسب القانون غير المكتوب. يشمخ عالياً ويحارب واقفاً ويعيش. كيكوشيّو في المقابل (الدور الذي لعبه الراحل تاشيرو مفيوني) مختلف تماماً. طبعاً هو يذور ويحارب لكنه مثال للبطل الذي يدمّر نفسه خلال عيشه: يخاطر بحياته، يتسلّح بالجرأة فتنقلب تهوّراً. يشرب. يعيش بإختياره في القاع. لكن هذين النقيضين (والباقون هم تدرّجات) يلتقيان في أن تاريخهما في الساموراي يجعلهما مثل الوردة التي قُطفت ثم رُميت. لا أحد يريدها وحين تطلبها القرية التي ليس لديها ما تدفعه سوى العرق الياباني والرز، تحيي فيها حب القتال٠ للتفسير: الفترة التي وضع فيها كوروساوا فيلمه هي تلك التي كان فيها الساموراي التقليدي الشهير يتحوّل الى البطالة٠ لقد تم إدخال سلاح جديد الى المعركة عوض ذلك السيف الممشوق هو البندقية التي تقتنص كيكوشيّو الذي ليس لديه، في مشهد رائع، سوى التقدّم بسيفه ليكون قريباً من مطلق النار ليقتله٠
البندقية هي رمز العصرنة التي يكرهها كوروساوا في أفلامه وهي التي نراها أيضاً تبيد رجال الملك في فيلم »كاغاموشا« على مرمى من عيني ذلك الهامشي الذي جيء به للتضحية به لكنه يختفي في المعركة الأخيرة وسط الحقل ليتابع الشجاعة حاملة السيف في مواجهة البندقية الأكثر أمناً والمختلفة مفهوماً عن أسلوب القتال السابق٠ لكن مفهوم البطولة في هذا الفيلم هو من نقيضها. شينغن (تاتسويا ناكاداي) ليس بطلاً. الظروف هي التي تريد أن تصنع منه بطلاً٠ في صلب ذلك رفض شينغن تبنّي أي موقف مبدأي من البطولة لأنه يدرك إنه لن يكون وتهرّب الملك من البطولة باختفائه وراء شبيه له٠

قبول افتراضي
فيلم كوروساوا الثالث في هذا المجال، »درسو أوزالا« يستنبط البطل الإنسان٠ لا شيء في حياة هذا الرجل العجوز درسو (الممثل الروسي مكسيم مونزوك) بطولي. إنه المناقض تماماً للبطولة: يعيش في غابة ورفيقه اللدود فيها هو النمر٠ في السابق حين كان أصغر سنّاً كان قادراً على أن يرى أفضل. كان يستطيع أن يصطاد النمر قبل أن يصطاده ذاك. الآن هو عجوز غابر ونظره ضعيف والكابتن فلاديمير أرسنييف (يوري سولومين) الذي يلتقيه خلال رسم طوبوغرافي للمنطقة لا يستطيع أن يتركه وحده فيطلب منه أن يعود معه الى البلدة الكبيرة ويعيش في كنف عائلته. أمر يستجيب له درسو لكن روحه بقيت في الغابة وفي يوم يختفي من البيت. يعود الى الغابة لكن المؤكد أن النمر الذي اصطاده كثيراً هو الذي اصطاده في النهاية٠
الموقف الذي يشد درسو الى الطبيعة هو الكنه البطولي في ذاته. الغابة هي حياته وهو يعتبر نفسه من تربتها وأشجارها ومخلوق من مخلوقاتها. واعترف أن استخلاص موقف بطولي هنا صعب لأن الفيلم لا يعتبره بطلاً بأي من المفاهيم الأكثر شيوعاً، لكن درسو أوزالا في العمق هو اللبنة التي تخلق نوعاً من الأبطال تجدها في الملاحم وفي أفلام كوروساوا وبعض سواه: التمسّك بالحياة كما ولد عليها والتمنّع عن مجارات تطوّراتها. في الحقيقة العديد من أبطال الغرب الأميركي يفضّلون الموت في حياة قاحلة على العيش في الجديد الوافد (كل أبطال المخرج سام بكنباه- وهو نفسه- أيضاً من هذا النوع)٠
وهناك نوعان أساسيان للبطل المضاد للبطولة.
ذلك النوع الذي يرفض أن يتبنّى موقفاً بطولياً ما يجبر المشاهد على قبول افتراضي لموقفه بإنتظار الموعظة التي سيحملها هذا الموقف. والنوع الثاني هو الشخص الذي يحمل صفات البطولة لكنه أضعف من أن يستمر في هذا الإتجاه فيتراجع ويتساقط. المشاهد هنا مطلوب منه التعاطف وهو سيفعل إذا ما تحامل البطل على نفسه في النهاية وواجه التحديات وانتصر عليها٠
المشاهدون الروس في مطلع أفلام الثورة واجهوا هذا النوع الثاني: أبطال »السفينة الحربية بوتمكين« لسيرغي أيزنشتاين (1925) ليسوا أبطالاً بالمعنى التقليدي لكنهم أناساً عاديين من الذين ملأت الثورة وجدانهم فانطلقوا لإثبات حقّهم وإيمانهم الجديد ضد القوى المعادية. بذلك مارس أيزنشتاين، وأترابه، مبدأ تقديم بطل لا بطل يصبح بطلاً لا بالمفهوم العاطفي المناط بالأفلام الغربية، بل بالمفهوم الشيوعي للكلمة الذي ينتج عنه إرساء التقدّم للمجتمع الجديد. في خضم ذلك يتم تكوين بطل ميداني يكون نموذجاً للعامل والفلاح والجندي ضد أصحاب المصانع والإقطاعيين والمكوّنين للنظم السابقة٠

مع الشعب
تلك السينما أنتجت أفلاماً مهمّة فنياً لتمجيد هذا النوع من البذل البطولي في سبيل المجتمع تبعاً للفكرة الماركسية، لكن المسألة بقيت محط أسلوب في النظرة الى ماهية البطل انطلاقاً من الموقع الذي يعمل فيه ويعيش٠ حين كتب السيناريست اليساري الأميركي روبرت رسكين »قابل جو دو« الذي أخرجه فرانك كابرا سنة 1941 استعان بنموذج البطل الشيوعي٠
الفيلم يتحدّث عن رجل فقير أسمه لونغ جون (غاري كوبر) يتم إنتقاءه من قبل صحيفة تريد أن تثبت لقرائها أن التحقيق الذي نشرته عن رجل سينتحر في ليلة الكريسماس بسبب معاناته الإجتماعية لم يكن خيالياً (كما هو بالفعل). كانت تريد »كاغاموشا« بدورها: رجل يتصرّف على أساس أنه جون دو (وإسم جون دو في الغرب يُستخدم للتدليل على ذلك اللا- أحد، الإنسان العادي تماماً الذي يشكّل النسبة الغالبة من البشر في العالم). لونغ جون/ جون دو يتصدّر العناوين. الشعب يتآلف معه. يشكّل حركات وجمعيات بإسمه تدعو للحل الإنساني في مواجهة البرجوازية والأزمات الإقتصادية والرأسماليين. لكن من يموّل حركة جون دو ويسعى للإستفادة من انتشارها هو أحد هؤلاء الرأسماليين الكبار (أدوارد أرنولد) الذي لديه مأرباً لم يكن جون دو يعرفه على براءته وهذا المأرب هو استغلال هذا التأييد الشعبي المطلق لجون دو لأجل دخول الرأسمالي إنتخابات الرئاسة حالما يستخدم جون دو شعبيّته للطلب من ملايين مؤيديه انتخابه٠ حين يعلم جون دو بذلك يرفض، فهو ينتمي الى الشعب ولن يخدعه. الملياردير يكشف أوراقه للناس: هذا الجون دون لم يكن شيئاً، لقد كذّب عليكم إذ لم يكن يريد الإنتحار بل تمّت الإستعانة به لكي يلعب دوراً ولعبه٠ هذا يحطّم جون دو أمام الناس لكن بعض الملتفّين من حوله على إدراك أعلى بحقيقته ورسالته ويمنعونه من الإنتحار فعلاً وفي النهاية الشعب سينتصر والرأسمالية ستتعرّض للهزيمة، كما في المفاد الأخير من هذا الفيلم الجريء الذي سبق محاكمات المكارثية٠

في المواجهة وحده
وسأختم بفيلم آخر من بطولة غاري كوبر هو »منتصف الظهيرة« او
High Noon
الذي أخرجه فرد زنيمان سنة 1952 وهو وسترن حول مارشال لبلدة في الغرب الأميركي أسمه ول كاين (كوبر) يصله في اليوم الذي يتزوّج فيه من حبيبته آمي (غريس كيلي) أن أربعة أشرار آتين لقتله لأنه أدخل أحدهم السجن٠ يقرر البقاء في البلدة بعدما كان خطط وزوجته لأخذ عطلة بعيداً عنها. ويبدأ ، على نحو مطمئن وواثق، بالإعداد الى وقفة يشترك فيها إناس البلدة جميعاً في هذه المواجهة، فقط ليكتشف أن المصالح الفردية هي المتحكّمة: أحد نائبيه هارفي (لويد بردجز) يغار منه ويريد انتزاع البطولة منه، في حين أن المارشال لا يقصد مطلقاً لعب دور البطل بل ينتمي، من خلال رسمه السينمائي، الى النوع العادي من الناس الذين يجدون أنفسهم في موقف غير عادي. نائبه الآخر يخاف من المواجهة بعدما أدرك أن المارشال فشل في استقطاب البلدة وأقطابها الأنانيين. الوحيدون الذين يريدون الإنضمام اليه هم مجموعة من غير القادرين (اي مجموعة أخرى من اللا-بطوليين) بينهم رجل قانون سابق أصبح كسيحاً (لون تشايني) وصبي أصغر من أن يحمل السلاح. زوجته لا تريد أن ترى زوجها في ورطة قد لا يخرج منها حيّاً وعندما يرفض مغادرة البلدة تكاد تغادرها لوحدها لولا أن عشيقته المكسيكية سابقاً، كاتي (هيلين راميريز) تنهرها وتقول لها: لو كنت مكانك لوقفت مع زوجي٠
رفض ول كاين مغادرة البلدة ليس لأنه يريد أن يلعب دور البطل، بل لأنه يريد أن يقوم بالواجب الذي حلف اليمين القانوني من أجله لا أكثر من ذلك ولا أقل. إنه بطل من حيث لا يريد او ينشد وهو بمواصفاته ومواصفات القصّة لا ينتمي الى البطل الروسي ولا البطل الرومانسي (نوع آخر لم نتحدّث عنه) لكنه بطل يساري في فيلم يتلازم ما ذهب اليه ذات مرّة الناقد البريطاني روبين وود من أن أفلام الوسترن (او الغرب الأميركي) هي أكثر من أي نوع آخر من السينما، أما يسارية وإما يمينية٠



|*| CINEMASCOPE |*|


سينما الوسترن: البطولة، الغرب القاحل والأساطير الكبيرة

إلى جانب الإثارة التي كنت أشعر بها حين كنت صغـيــراً
أشاهد أفلام الوسترن في صالة الحي كان يتســرّب إليّ
حب ذلك العهد وتلك البلاد.... أعتقد ككل صبي عادي من
لبنان الى اليابان
..............................................................
إلى ذلك الفتى
.................
حين يفتح فيلم الوسترن المنتج في الأربعينات ومطلع الخمسينات أمام أعين هذا الفتى في أواخر الخمسينات ومطلع الستّينات، فإن الحاصل هو إنبهار بالعالم الذي كان يبدو كما لو كان قطعة كاملة من الخيال، وهو لم يكن كلّه خيالاً٠
لسبب ما كنت أعلم أن هذه الأفلام تقع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولسبب ما كنت أعرف أن الكثير من التدجيل ممتزج فيها مثل الدهن في اللحم المفروم، لكن ذلك ما كان يستطيع أن يمنع من استمتاعي بها٠
كنت أحب فيها الحصان، والسهول والجبال والأنهر والأشجار وقبّعة البطل، وقميص المجرم والباب المرتد للصالونات والطريقة التي يتصرّف بها كل ممثل، والسلاح حول الوسط والحفرة في الأرض حيث على البطل أن يرتمي إليها بعيداً عن الطلقات النارية، او الصخور الغريبة التي تفصل بين الأخيار والأشرار ويدور من حولها القتال. كنت أحب الهندي حين يقفز من على الشجرة فوق حصان الجندي الأزرق وكنت أحب السهم الطائر في الأجواء. وكنت أتطلّع الى تلك الجبال الكبيرة وأتساءل من يعيش في الجانب الآخر منها٠
الوسترن بالنسبة الى هذا الفتى كان أكثر من مجرّد قتال وصراعات وأكشن . كان العدالة. كنت أعيش ، في تصوّري بلا عدالة إجتماعية، البطل كان عدالتي التي أبحث عنها. المختلف الذي كان أنا. وإذا لاحظت ثم لاحظت، كان رئيس الشر في تلك الأفلام إنسان ثري وأنا لم أكن. ولا والدي كان . ثم في حين كانت الأفلام الرومانسية والكوميدية والإجتماعية كسولة الحركة بالنسبة إليّ لم يبق لي من أسباب المتعة سوى الوسترن والبوليسي٠
أخيراً الوسترن كان الموازي لنوعية لم تكترث إليها السينما العربية هي أفلام الفروسية. وكان الموازي لأفلام أكترثت إليها السينما اليابانية هي أفلام الساموراي٠

الصالون... جميعهم كانوا هناك
.......................................
كان هناك خلط عندي بالنسبة لكلمة الصالون٠ في الولايات المتحدة كلمة الصالون تعني الحانة او البار. في الإنكليزية والفرنسية الصالون تعني غرفة الجلوس والضيافة في المنازل. لم يسمّون البارات صالونات. لم أعرف ثم لم أكترث٠
معظم أفلام الغرب عرفت الصالون (او السالوون) بلكنة أصحاب البلاد. هناك كان المسافرون يحطّون رحالهم. وهناك كان المجرمون يتخذونه مقرّاً لهم ولاعبو القمار يشلّحون بعضهم بعضاً المال او يتعرّضون لغش صاحب الحانة. هناك كانت النساء الجميلات اللواتي يقدّمن المشروبات، يجالسن الرجال او يقمن بالغناء الذي لم أكترث له. كلهم كانوا هناك. وكانت اللحظة الخاصة هي حين كانوا جميعاً هناك وفجأة لقطة الى الباب ليدخل منه بطل الفيلم. وهناك طريقة للدخول. يدخل وينظر سريعاً ليعاين الوضع. ربما كان يبحث عن رجل يريد اقتناصه او يريد التعرّف الى المكان. إذا لم يفعل دخل واكتفي، بعد قليل وجوده كاف لإثارة المتاعب. سيتصدّى له شرير وينازله. سيسحب كل منهما مسدّسه. سيسقط الشرير. او في سيناريو آخر، ستقع معركة بالأيدي.... هل حضرت معارك بالأيدي واللكمات في صالونات تلك الأفلام؟
حطام كامل٠
المتكرر هو التالي: يصل البطل الى هذا الموقع غير الحميد. ينظر حوله ثم يتقدّم الى البار. يستقبله البارمان الذي قليلاً ما يشكّل تهديداً لأحد. يقول له البارمان
What would it be?
Whisky يرد البطل
يسكب له البارمان قدحاً ويحاول أخذ القنينة معه. يقبض عليها البطل ويقول بتصميم
Leave the Bottle
ثم يسحب عملة نقدية و-غالباً- ما يرميها بخفّة فوق البار. يسحبها النادل ويمضي وهو بدأ بكره هذا الرجل من الوهلة الأولى٠
بعض الممثلين كانوا يفرضون التصرّف على الشخصية. هل تستطيع أن تتصوّر جون واين وهو يبحث في سرواله عن نصف الدولار؟ او أن يدفع دولار وينتظر الباقي؟ لا. سيرميه كما لو كان التقطه قبل دخوله من تلك الشجرة التي في منتصف البلدة٠ سيرميه كما لو أن هذا التصرّف هو آخر ما سيقوم به قبل مواجهة ما مع رجل لم يرق له أن البطل مختلفاً... او أن البطل بطلاً٠
الحركة تعني السيادة كما الفتوّة في الفيلم المصري القديم. يدخل فريد شوقي الحانة فتتوقّف الحياة بإنتظار ما سيحدث بعد ذلك. الفارق أن فيلم الوسترن كان أكثر تعاملاً مع تفاصيل اللحظة من الفيلم المصري، عادة٠


لكن البار كان له وظيفة إجتماعية. القاضي (الحقيقي في الغرب وزمنه) روي بين كما لعبه وولتر برينان في
The Westerner | William Wyler (1940) ***1/2
وكما لعبه لاحقاً بول نيومان في
The Life and Times of Judge Roy Bean | John Huston (1972) ***
كان يعقد جلساته فيه. وسواه أيضاً إذا لم تكن البلدة لديها مكاناً رسمياً أسمه المحكمة٠


المبارزة... السريع والميّت
..............................
هناك نوعان من الرجال، يقول أحدهم
The Quick and the Dead
والكثير جدّاً من الأفلام دارت حول هذه الأمثولة٠ إليشا كوك الذي وقف يريد مواجهة القاتل المحترف جاك بالانس في »شاين«، هو الميّت. غلن فورد في
Day of the Evil Gun |Jerry Thorp (1968) ***
هو السريع. ألان لاد، جون واين، غاري كوبر، راندولف سكوت، جين أوتري، كلينت ايستوود، بيرت لانكاستر هم السريعون.... كل الممثلين الأشرار هم الموتى٠ معادلة بسيطة لكن تصميم ظهورها في الأفلام كان الشغل الشاغل: يقف البطل والمجرم وجهاً لوجه. قد يتحدّث أحدهما او كلاهما قليلاً... الشارع خال من الناس. الثواني تمر. يد أحدهما تتوتّر ثم.... تأتي لحظة سحب ذلك المسدس من غمده وإطلاقه. ثانية قد تفرق. ثانية قد تقتل او تبقي الآخر حيّاً٠
هناك كلاسيكيات عديدة في هذا الشأن٠
جرّب المجابهة بين المراوغ بيلي ذ كيد (كريس كريستوفرسون) والمقاتل ألاموزا (جاك إيلام) في
Pat Garrett and Billy the Kid | Sam Peckinpah (1973) ****1/2
او تلك التي بين جوني كاش (مثل كريس كريستوفرسون قدم من غناء الكانتري أند وسترن) وكيرك دوغلاس في فيلم المخرج اللامع (والمجهول اليوم) لامونت جونسون
A Gunfight (1971) ***1/2
حيث قرر المخرج أن ينتهي الفيلم بالمبارزة نهايتين واحدة بفوز دوغلاس وأخرى بفوز جوني في ذات الفيلم٠
حين كنت أعود الى البيت، كنت أتصوّر نفسي البطل وهو يواجه المجرم. أقف وساقاي متباعدان وأستعد، ثم أسحب المسدس من وسطي وأطلق النار. فجأة أنقلب الى القتيل فأرمي نفسي على الأرض بكل واقعية، وأبقى على الأرض كما لو مت فعلاً قبل أن يصلني صوت والدتي: قوم٠

........ يتبع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Jul 21, 2008

العدد الجديد يوم غد السبت


مجموعة من الأصدقاء بينهم هذا الناقد


ومع الصديق المخرج خيري بشارة

Jul 20, 2008

297| Private Dick | Hero & Anti Hero- Part 1

: في هذا العدد
التحري الخاص أكثر من مجرد مفتاح لقصة بوليسية: تمهيد <> من هو البطل ولماذا ربما الأفضل له أن يكون ضد البطولة؟



|*| FIRST TAKE |*|


حتى من قبل أن ينتهي الويك- إند، كان العالم الداكن لفيلم الثنائي كرستوفر نولان مخرجاً وكرستيان بايل ممثلاً، والمسمّى بـ
Dark Knight
ينجز 66.4 مليون دولار في عروضه السينمائية التي توزّعت على
نحو 4400 صالة أميركية٠
يوم الثلاثاء تحليل لشباك التذاكر ومن بعد: ملف باتمان كاملاً


من عمق الشاشة| التحري الخاص 1

-------------------------------------
في سلسلة من الحلقات سأحاول الدخــول مع من يشاركني حب
النظر الى عالم الجريمة البوليسية، المنظّمة منها وغير المنظّمة، من
خلال الأفلام التي حملت الى المشاهد هذا النوع من السينما قديماً
وحاضراً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


جاك نيكولسون تحر يبحث عن الحقيقة الخفية مجروح الأنف في فيلم رومان بولانسكي
Chinatown
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولا: من هو؟ *
التحري الخاص هو شخص يعمل خارج سلك البوليس الرسمي يأخذ على عاتقه ملاحقة القضايا الجنائية او المهام التي قد تتضمن، لكنها لا تتوقف عند حد، البحث عن أشخاص مفقودين، فتح، او إعادة فتح ملف قضية مطوية، البحث عن قاتل مستتر لم يلق البوليس القبض عليه، التحقيق في شكوى تنقلب الى اكتشاف ما هو أبعد من ذلك، مساعدة متهم بريء عبر البحث عن الجاني الحقيقي، وكل ما له علاقة إما بالعدالة التي لم تأخذ، لسبب او لآخر [قد يكون فساد البوليس، او فساد الذمم لدى مواطنين، او لجهل بحقيقة بقيت متوارية الخ...] مجراها٠
وهو رجل مستقل، عادة غير متزوّج، يحمل السلاح لكنه لا يشهره، يجيد الدفاع عن نفسه الا إذا تكالب عليه جمع غفير٠ وهو يعمل من البيت او من مركب على الشاطيء (يسمّونها عوّامة في مصر) او من مكتب٠ هو غالباً غير ميسور الحال، لكنه -غالباً أيضاً- شهم ولا تستطيع أن تشتريه٠
أيضاً قد يكون هاوياً يتورّط في مسائل وقضايا جنائية بقصد مساعدة صديق او لاجيء إليه، او قد يكون محترفاً يعمل في المهنة٠
ثانياً: من هم أشهر التحريين الخاصّين في الرواية والسينما الأميركيتين؟ *
هناك عديدون جدّاً. التالي من استحق لقب الكلاسيكي علماً بأن الحديث في الموضوع سيكشف عن أسماء أخرى٠
الكاتب ثم إسم الشخصية التي ابتدعها لتكون بطلة رواياته ثم تقييم من وجهة نظر هذا الناقد لأعمال الكاتب في هذا الشأن مبنية على قراءاته ومشاهداته٠


Agatha Christie | Miss Marple ***
Agatha Christie | Hercule Poirot ***
Edgar Alan Poe | C. Auguste Dupin ****
John D. MacDonald |Travis McGee ***
Ross Macdonald | Lew Archer
Erle Stanley Gardner | Perry Mason ***
Ellery Queen | Ellery Queen ***
Mickey Spillane | Mike Hammer ***1/2
Arthur Conan Doyle | Sherlock Holmes ****
Raymond Chandler| Philip Marlowe *****
Dashiell Hammett | Sam Spade ***1/2
Rex Stout | Nero Wolfe ***

ثالثاً: أفلام التحري الخاص- نماذج *
الفيلم متبوعاً بالمخرج والتقييم (على السطر الأول) ثم الممثل الذي لعب دور التحري الخاص وتاريخ الإنتاج على السطر الثاني٠
HOLLYWOODLAND| Dir: Allen Coulter ***1/2
Adrian Brody 2007

DEVIL IN A BLUE DRESS| Dir: Carl Franklin ****
Denzel Washington 1995

DEATH ON THE NILE| Dir: John Guillerman **1/2
Peter Ustinov 1978

THE LATE SHOW| Dir: Robert Benton ****
Art Carney 1977

FAREWELL, MY LOVELY| Dir: Richard Dick ****
Robert Mitchum 1975

CHINATOWN| Dir: Roman Polanski ****
Jack Nicholson 1974

KLUTE | Dir: Alan J. Pakula ****
Donald Sutherland 1971

SHAFT| Dir: Gordon Parks ***
Richard Roundtree 1971

DARKER THAN AMBER| Dir: Robert Clouse ***
Rod Taylor 1971

HARPER | Dir: Jack Smight ***
Paul Newman 1966

KISS ME DEADLY| Dir: Robert Aldrich ****
Ralph Meeker 1955

MURDER, MY SWEET |Dir: Edward Dmytryk ***
Dick Powell 1944

THE MALTESE FALCON| Dir: John Huston ****
Humphry Bogart

يتبع



|*| FEATURE |*|

حول مفهوم البطولة والبطولة
المضادة للبطولة في السينما

-----------------------------
الحلقة الأولى
يقترح فيلم »هانكوك« لبيتر بيرغ وتمثيل ول سميث البطولة وضدّها في آن واحد من حيث أن هانكوك هو شخص متعفّف عن لعب الدور الذي يستطيع لعبه في الحياة وهو أن يكون بطلاً، لكن الظروف ستقوده الى نفض هذا الموقف والإنطلاق في سلسلة أعمال كلها بطولة وإنقاذ لحياة الناس من كوارث متوالية٠

ول سميث في »هانكوك«٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السبب الذي يجعل هانكوك/ سميث سلبياً حيال دور البطولة يتضمّن ازدراءاً متبادلاً بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه٠ إنه كمن يقسم يمينا عندنا بأنه لن يُساعد مخلوقاً بعد اليوم لأن آخر مرّة حاول فيها مساعدة أحد، استدار ذاك وغدر به او لم يشكره فقط، كما لو أن فعل المساعدة عليه أن ينتظر فعل مساعدة في المقابل من الطرف الذي تمّت مساعدته. لكن هانكوك بموقفه هذا يذهب لأبعد من الموقف الشخصي: لقد عانى من الحياة الى حد جعله يُدير ظهره الى من فيها. الى نظمها وقوانينها وعواطفها وأشخاصها. هذا بالطبع الى أن يجد نفسه مطالباً من دون قرار مبدأي من عنده بالتدخل لإنقاذ حياة أشخاص٠
ذلك المشهد الذي ينقذ فيه حياة سائق سيّارة تعطّلت سيّارته فوق خط القطار والقطار المسرع قادم يبدو لهذا الناقد مثالاً: ما يفعله هانكوك هو أنه يسارع برمي السيّارة جانباً. ترتفع وتقع مقلوبة بين سيّارتين على نحو أن السائق لا يُصاب بأذى. ثم يوقف القطار بضربة من كتفه٠
الى جانب أن الخيال الجانح في السينما هو أحد لوازم ومتطلّبات خلق الشخصية البطولية، الا أن الطريقة التي أنقذ فيها حياة السائق ثم الطريقة التي أوقف فيها القطار ليست تماماً الطريقة التي كان سوبرمان سيقوم بها لو أتيح له ذلك٠
سوبرمان كان سيحط من الفضاء بسرعة فيرفع السيارة بيمينه ويضعها بسلام في مكان آمن، بينما يستمر القطار منطلقاً، وإذا حدث وكان القطار جانحاً بسبب عطل لا يستطيع معه التوقّف ما يعني أن الركّاب فيه في خطر ماحق، فإن سوبرمان سيسارع الى القطار ويوقفه بالتدريج حتى لا يتسبب بإيذاء أحد٠
هذا الفارق بين هانكوك وسوبرمان يفي بنوعية البطولة في كلا الفيلمين. سوبرمان البطل وهانكوك البطل المضاد لمفهوم البطولة. وهو بطل من ناحية الصناعة السينمائية التي تريد من النجم ول سميث أن يلعب الدور الرئيسي في الفيلم، الدور الذي يفحص ماهية البطولة في بعض ما يعرضه على الشاشة من طروحات ومواقف٠

اللامكان واللا تاريخ
لكن المسألة ليست حكراً على نوعين من البطولة: البطولة الجديرة والبطولة التي تنظر الى البطولة سلباً لكنها تضطر اليها٠ هناك من ألوان البطولة ما يصلح لكتاب موسوعي او لفيلم وثائقي من ساعتين او ثلاثة. ومع أن البطولة بمفهومها الإغريقي موجودة في حيثيات العديد من الأفلام قديما والى اليوم، الا أنها ليست المفهوم الوحيد السائد٠ الى حد بعيد تفرض البطولة (ونقيضها) حالات عديدة بعضها ينتمي الى المفهوم الشكسبيري في تداول الموقف الإنساني بين شخصيات عديدة وآثار ما تداوله في نفس واحدة، كما الحال في »ماكبث« او »الملك لير« مثلاً، والمفهوم المؤمن بالبذل والمتحوّل الى التضحية من أجل غاية نبيلة، الى ذلك النوع المفرّغ من العناصر النفسية المندفع الى فعل الخير بناءاً على النشأة الإجتماعية او الوازع الأخلاقي او الديني مثلاً ٠
وبقدر ما هي غنيّة بقدر ما نقيض البطولة كذلك٠ في أحيان يختلطان لكن نادراً ما يتجانسان لأن كل منهما في النهاية يحمل عبء طريق شقّه الشخص الذي تؤول إليه الحركة الرئيسية في المادة المكتوبة او المصوّرة وتبعاتها٠

Shane: ألان لاد في لقطة من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك غالبية من الشخصيات تجد نفسها وقد أصبحت بطلة بسبب تصرّفاتها٠ فيلم »شاين« لجورج ستيفنس وبطولة ألاد لاد (1953) نموذجي في هذه الحالة. هاهو فارس يأتي من بعيد. لا نعرف عن ماضيه شيئاً (ولن نعرف ما يُذكر) يصل طالباً شربة ماء من بيت ريفي. مزرعة صغيرة يسكنها ثلاثة أشخاص: رجل طيّبة، زوجة مخلصة وطفلهما٠ وهو سيشرب ويروي حصانه ويمضي، لكن الرجل يعرض عليه العمل فيقبل ولاحقاً ما يلحظ أن المجتمع الصغير الذي حط فيه يعيش مأزقاً كبيراً. فرب هذه الأسرة الطيّبة (ڤان هڤلن) هو من بين مزارعين صغار عدّة حطّوا في أرض الله الواسعة غصباً عن رجل وشقيقه كانا وصلا الى المنطقة قبل الآخرين واعتبرا أن كل الأراضي التي تحيط بالبلدة حيث يعيشان لهما. لذلك يرسلان رجالهما لزعزعة استقرار المزارعين وإجبارهم على الرحيل. وفي وقت لاحق يقومون بحرق بيت أحدهم لإبلاغ الرسالة، وقبل ذلك في الفيلم يقوم رجل مأجور أسمه جاك ويلسون (جاك بالانس) بقتل أحد المزارعين الذين تشدّقوا بالجرأة (أليشا كوك)٠
شاين يلحظ ذلك وفي البداية يحاول الا يتدخّل، لكنه يعلم أن عليه التدخل للدفاع عن العائلة التي آوته. ينطلق صوب البلدة. تقع المواجهة المنشودة بينه وبين الأشرار والتي يُصاب فيها ويعاود ركب فرسه والمضي الى حيث لن يعود الى المزرعة. لن يعود الى مكان محدد، بل فقط الى اللا-مكان واللا-تاريخ الذي جاء منه٠
لكن الفيلم ذاته يحمل أكثر من صورة للبطل ومفهوم البطولة وهي ليست صوراً من إختيار المشاهد ولا هي مرتبطة بمفهومه المباشر للبطولة كسبب وجيه لمشاهدة الفيلم. شاين نوع من الأبطال الذين تدفعهم الظروف للتصدي (والتصدّي تصرّف بطولي دائم) لكن في فعله ذاك يُثير حفيظة رب الأسرة جو الذي يعتبره ضيفاً ويريد أن يتولّى هو عملية تأديب الأشرار. بذلك ما ينحو إليه جو هو ترك موقعه اللا- بطولي الى موقع بطولي مفترض (موقع شاهدنا الممثل يؤديه في فيلم آخر حين يتصدّى لرئيس العصابة جون فورد ويلقي القبض عليه رغم أنه لا يوازيه قوّة وذلك في فيلم »3:10 الى يوما« الذي أخرجه دلمر ديفيز سنة1957 والذي أعيد إنتاجه مع كرستيان بايل في الدور تحت إدارة المخرج جيمس مانغولد في العام الماضي)٠
شاين يعلم أن جو ليس بطلاً ولا يستطيع أن يكون حيال جاك المقاتل المحترف وسيدفع حياته ثمناً فتقع بين الإثنين (البطل والساعي للبطولة) معركة يدوية هي ذاتها فيها صراع البرهنة على الرجولة: رجولة جو تجاه زوجته إذ لا يخفي عليه أن شاين جذب فيها قدراً من العاطفة رغم ثقته بهما معاً٠
الدور الذي يحاول جو لعبه هو الدور الذي سعى إليه المزارع روفوس (أليشا كوك) مع إختلاف أن هذا كان يتوهّم استحقاقه الدور فتقوده جرأته وقدماه الى التظاهر بإمكانية إنجاز النقلة من اللاشيء الى البطل ويدفع حياته ثمناً لتلك المحاولة. ولا ننسى الطفل جووي (براندون دي وايلد) الذي كانت صور البطولة تلطمه محاولاً تفسيرها٠
وفي الصلب طبعاً، تلك الرسالة المعادية للإقطاع والتي تجعل الفيلم- كالمعظم الكاسح من أفلام الوسترن الأميركية- عملاً سياسياً من دون يافطة او إشارة (لكن ذلك موضوع آخر تماماً)٠



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Jul 19, 2008

ISSUE 266 | ACTORS & ACTING: Max Von Sydow | FESTIVALS: Karlovy Vary 2

في هذا العدد
تحقيق حول الممثل ماكس ڤون سيدو وعن السر في ألقه منذ أن امتهن التمثيل قبل تسع وخمسين سنة <> الزميل هوڤيك حبشيان يواصل إستعراض الدورة الأخيرة من مهرجان كارلوڤي ڤاري السينمائي الدولي متجوّلاً بين بعض أهم أفلامه

PAGE 1
Max Von Sydow
من سينما برغمَن الى سينما هوليوود، ولا يزال مطلوباً

معظم الممثلين الذين ناهزوا السبعين من العمر وما زالوا أحياء لا يظهرون كثيراً هذه الأيام. الذين يناهزون الخامسة والسبعين ويمثلون أكثر من فيلم واحد كل ثلاث او أربع سنوات يكاد يكونوا نادرين. إن
لم يكن بسبب ثقل أبدانهم وبطء نشاطهم او لأنهم أكتفوا مما حصدوه فلأن هوليوود تريد دم شاباً طوال الوقت وهي حددت أن الجمهور الشبابي الذي يشاهد معظم أفلامها هذه الأيام لن يكون مستنفراً لمشاهدة ممثلين في الأربعين او الخمسين سنة من العمر، فما البال بمن هم أكبر من ذلك؟
الجيل الذي ولد في الثلاثينات ولا يزال حيّاً يرزق، غالبه بلا عمل رغم أنه لا يزال مسجّلاً في النقابة ولديه وكيل أعمال. استسلموا لقانون السنين الذين يطلب منهم الإكتفاء بما حققوه من شهرة والقبول بالجلوس في البيت أمام الشاشة الصغيرة وعرض أفلامهم القديمة٠

لكن ماكس ڤون سيدو، الممثل السويدي الذي وُلد قبل 79 سنة لا ينطبق عليه هذا القانون، ولا يمر من فلتر هذه المواصفات هذا على الرغم من أنه ولد سنة 1929 أي أن عمره الآن وصل الى التاسعة والسبعين٠
في العام الماضي شاهدناه في ثلاثة أفلام. في هذا العام شاهدناه في فيلمين الى الآن. في العام المقبل لديه ثلاثة أفلام جديدة وهو أبرم عقداً قبل أيام قليلة على الاشتراك في فيلم من بطولة ليونارد دي كابرو Shutter Island بعنوان
يقوم بإخراجه مارتن سكورسيزي الذي جلب الى المشروع أيضاً كل من بن كينغسلي وميشيل ويليامز ومارك روفالو وباتريشا كلاركسون. ڤون سيدو سيمثل دور طبيب في مستشفى ارتكبت فيه جريمة قتل استدعت سفر التحريين روفالو ودي كابريو الى الجزيرة حيث المستشفى للتحقيق٠

الأجنبي
وصورة ماكس ڤون سيدو محفوظة منذ سنوات بعيدة. الجمهور العربي سمع به من أيام ما كان يمثّل تلك الأدوار اللغزية تحت إدارة الراحل إنغمر برغمَن، لكنه شاهده أيضاً وهو يغزو الشاشات الأميركية على طريقته لاعباً أدواراً مختلفة عن بعضها البعض كما مختلفة عن تلك التي يؤديها تحت خبرة برغمَن ومتطلّباته٠
وكانت له كلمة في هذا خصوص هذا الإختلاف حين قال ذات مرّة لصحافي بريطاني: "لأنني لست بريطانياً ولست أميركياً فإن ما أحصل عليه من أدوار في هوليوود هي أدوار الرجل الأجنبي. إنه إما الشرير وإما العالم، مجنوناً او غير مجنون، او الفنان... لكن دائماً الرجل الذي لا ينتمي"٠
حين توفي المخرج الأميركي سيدني بولاك قبل أسابيع قليلة، أتيحت الفرصة لهواة مشاهدة الأفلام المعاد عرضها في المحطات التلفزيونية مشاهدة العديد من أفلام بولاك مثل »ياكوزا« و»المترجمة« و»صيادوا فروة الرأس« و»ثلاثة أيام من الكوندور«، وماكس فون سيدو هو من ممثلي هذا الفيلم الذي يعود تاريخه الى سنة 1975
إنه القاتل المحترف الذي يستأجره خدماته مدير في جهاز من أجهزة المخابرات الأميركية (السي آي أيه) للتخلص من أفراد جهاز آخر تابع لنفس المخابرات. ماكس الطويل القامة ذي الوجه الملتزم بإمارات رصينة يلعب الدور مضيفاً الى الفيلم الحس الحقيقي بالخطر. أول ما نتعرّف عليه هو حين يدخل مع رجاله مكتب جهاز أرشيفي ويبدأ بقتل من فيه. يدخل غرفة إحدى السكرتيرات ويجد فيه فتاة أميركية من أصل اسيوي جميلة وشابة. لقطة من نحو أربع ثوان لوجهه وتصدّق إنه آسف لأنه سيضطر لقتلها. يطلب منها بهدوء شديد وسكينة مثل حافة النصل أن تبتعد عن النافذة ولا ينسى أن يضيف كلمة »أرجوك«. نظرة اليها تعلمنا أنها تعلم ما ينتظرها لكنها تفعل، ربما بأمل من صوته الأبوي الحنون. لكنه يطلق النار عليها ويرديها٠
قبل ذلك بعامين لعب شخصية الأب ميرين في »طارد الأرواح« الأب الذي يُستعان بخبرته لطرد الروح الشيطانية التي دخلت جسد الفتاة الصغيرة واستقرّت بها. تلك المشاهد التي يظهر فيها تكاد أن تكون الوحيدة التي تجعل الموضوع بأسره قابلاً للتصديق. ومن باب السخرية القدرية كيف أن مهنته قبل هذا الفيلم كانت طويلة وبعد هذا الفيلم استمرّت طويلة بينما مهنة الممثلة التي لعبت البطولة، وهي ليندا بلير، لم تتجاوز سنوات قليلة من الأدوار الرئيسية بعدها وجدناها إما تؤدي أدواراً صغيرة في أفلام معروفة، او أدوار كبيرة في أفلام لا تعرض سينمائياً وإذا ما فعلت ففي نطاق محدود٠

مشكلة الممثل
التمثيل هو قبل أي شيء أسلوب شخصي
يقول الممثل أنطوني هوبكنز، والأسلوب الشخصي لـماكس ڤون سيدو يسيطر على الأدوار التي يمثّلها لا يهم إذا ما كانت أوروبية او أميركية. صغيرة او كبيرة٠
ولد في عائلة متوسّطة الحجم ومتوسّطة الحال أيضاً في مدينة لاند وهوى التمثيل من صباه فألّف مع طلاب المدرسة التي كان يؤمها فريقاً مسرحياً وفي العام 1948 دخل مدرسة التمثيل الملكية للدراما وأول دور سينمائي له وقع بينما كان لا يزال في دراسته التمثيل وذلك حين ظهر في فيلم »وحدها الأم« وهو فيلم أخرجه سنة 1949 ألف سيوبيرغ الذي سبق إنغمر برغمَن شهرة٠
ومن يومها مهنته لم تتوقّف وحركته لم تهدأ٠

ماكس ڤون سيدو كما بدا في أحد أدواره تحت إدارة إنغمر برغمن
The Virgin Spring.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان في الثامنة والعشرين من العمر عندما أخذت مهنته بالإزدهار وذلك عندما طلبه المخرج إنغمر برغمَن للتمثيل في فيلمه »الختم السابع« (1957) لاعباً شخصية الفارس انطونيوس الباحث بإصرار عن أجوبة لاسئلته التي تتعلّق بالحياة والموت والتضحية الإنسانية والمعرفة... عناصر دائماً ما كوّنت اهتمامات المخرج السويدي الأشهر٠
عندما فكّر برغمن بڤون سيدو، فكّر أن يؤدي الدور الأسهل الى حد وهو دور المهرّج الذي يستمع الى اسئلة الفارس الحارّة عن الوجود، لكن يبدو أن ڤون سيدو ألح على المخرج أن يمنحه ذلك الدور الأصعب وهو نجح فيه وعلى نحو جعله يرتاد العديد من أفلام برغمن اللاحقة ممثلاً فظهر تحت إدارته في ما لا يقل عن خمسة عشر فيلماً٠ لكن ڤون سيدو في »الختم السابع« حمل الكثير من تلك الاسئلة الوجدانية التي وضعها برغمَن بنفسه معبّراً فيها عن تساؤلاته هو. خلفية برغمَن كانت دينية إذ وُلد إبناً لناسك ملتزم، لكن خلفية ڤون سيدو لم تكن دينية (والده كان بروفسور في فنون الرقص الفولكلوري) لكن ذلك اللقاء الأول خلق مشكلة عند ڤون سيدو من حيث أن الناس أعتبرته، حسب تصريح قديم له، مماثل في توجّهاته الدنيوية والدينية على حد سواء بتوجّهات برغمن ذاته٠
حضور ڤون سيدو في أفلام برغمن بدءاً من هذا الفيلم وامتداداً الى »الفريز البري« و»»حافة الحياة« ، ثم »عار« و»ساعة الذئب« و»اللمسة« وعشرات أخرى كان أساسياً للمخرج الذي عُرف عنه اعتماده على عدد محدود من الممثلين الدائمين في أفلامه. ڤون سيدو وبيبي أندرسن وإرلاند جوزفسون وليڤ أولمان وإنغريد ثولين تكرروا في أفلام المخرج لدرجة أنهم أصبحوا من عناصر أعماله وسماتها أيضاً. لكن المخرج منح ڤون سيدو دورين صغيرين في فيلميهما اللاحقين وهما»الفريز البري« و»»حافة الحياة« ولم يسند إليه دوراً رئيسياً الا في فيلمهما الرابع معاً »الساحر«. وكما أن »الفريز البري« و»»حافة الحياة« عبر في »الختم السابع« عن وجهة نظر برغمن في المسائل المطروحة، عبّر الممثل مرّة أخرى عن وجهة نظر المخرج في هذا الفيلم أيضاً. والحقيقة أن برغمن استخدم ممثله كما استخدم يوسف شاهين بعض ممثليه ليعبّروا عنه حتى ولو كانوا مختلفين تماماً في الشكل او في المفهوم الضمني للشخصية٠ حين يشكو ڤون سيدو الى الله ما آل إليه وضعه في فيلم »ينبوع العذاري« لا يفعل ذلك في قدسية المؤمن بل في وضع المتشكك، اي الوضع الذي كان عبّر عنه سابقاً في »الختم التاسع« عندما تساءل في أحد المشاهد »لم يخفي الله نصف معجزاته ويطيل أمد المعاناة؟« وحين يسأل في ذلك الفيلم »ماذا سيؤول حال المتشككين أمثالي؟«. هذه العبارات كانت إنعكاساً لاسئلة برغمَن وليس مجرد حوار كان على الممثل إلقاءه٠

رصانة
إنها تلك الأدوار الخاصّة التي تجسّد شخصيات تتمزّق حتى حين تبدو متماسكة هي ما جذبت الإنتباه الى الممثل، إنتباه المشاهدين الذين كان انغمر برغمن بالنسبة إليهم إكتشافاً فنيا وثقافياً مذهلاً، كما إنتباه هوليوود التي عادة ما تلتقط المواهب المميّزة حتى حين لا يكون لديها شخصيات مماثلة في عمقها تسندها الى تلك المواهب٠
في مطلع الستينات حين كان ڤون سيدو لا يزال ينتقل بين الأفلام السويدية عُرض عليه لأول مرّة التمثيل في فيلم غربي. لكنه لم يلتقط الفرصة الا في منتصف الستينات لاعباً دور السيد المسيح في فيلم »أعظم قصّة في التاريخ« وهو فيلم أنجيلي لجورج ستيفنز مع عدد كبير من الممثلين من بينهم تشارلتون هستون وفان هفلن وجوزي فيرير وكارول بايكر وحتى جون واين. وفي فيلم ڤون سيدو الغربي الثاني وجد نفسه أيضاً وسط مجموعة من الممثلين المعروفين أبرزهم جولي أندروز ورتشارد هاريس والجديد (حينها) جين هاكمان٠
لكن إذا ما كان »أعظم قصّة في التاريخ« استعار من الممثل وجهه المتأصّل في الإمارات الأوروبية، وشعره الأشقر وطول قامته وألّف عليها وجهاً غير مألوف للسيد المسيح، فإن فيلم »رسالة الكرملين« إستعار من الممثل لجانب طول قامته، الإشعار بالخطر، فالمخرج جون هيوستون اقتبس رواية تتعامل وعالم الجاسوسية كما لم تكن روايات جيمس بوند، التي كانت انتشرت في الستينات بنجح شديد، تقدّمه. عالم من الظلال السوداء لشخصيات غامضة وخطيرة. المرء يحس أن ڤون سيدو (على صغر دوره في الفيلم) ليس مجرد شخصية ديكوراتية، بل هو ربما أكثر من بطل الفيلم (رتشارد بون) تعبيراً عن الصورة الحقيقية لعالم الجواسيس في زمن الحرب الباردة. للمفارقة، جون هيوستون أختار لذلك الفيلم زميلة ڤون سيدو في أفلام برغمن، بيبي أندرسون، ومنحها دور البطولة النسائية أيضاً٠
طوال ذلك العقد، وبل طوال العقود التالية، داوم ڤون سيدو على الإنتقال بين ثقل مواضيع وطروحات ما يكتبه ويخرجه برغمن، وبين الأدوار الخفيفة التي يستعان به لتمثيلها. المرء يشعر بأن الممثل الرصين الذي لم يتخل عن رصانته يوماً حتى في الأفلام الأميركية، كان يستغل هذه الأعمال للراحة من ثقل سواها. كانت بمثابة رحلة الى »ديزني لاند« بالنسبة إليه. لكن خفّة هذه الأدوار ليس في أنها كوميدية او سهلة وممضوغة مراراً او عابرة، بل هي عبارة عن الاستعانة به لتمثيل شخصية رجل غير عادي. رجل عليك أن تستمع الى ما يقوله لأنه يعرف أكثر من بطل الفيلم نفسه٠
ڤون سيدو لاحظ ذات مرّة هذا الوضع وقال لمحدّثه: »لو كان الأمر في يدي للعبت أدوار الرجل العادي. هذا النوع من الأدوار لم تطرح عليّ الا في مرّات قليلة«. وبالفعل، أحد تلك المرّات ورد في العام 1987 عندما لعب بطولة »بيلي القاهر« للمخرج (السويدي) بيل أوغوست وفيه مثّل شخصية الفلاح المهاجر من السويد الى الدنمارك وما كابده من صعوبة حياة حتى في إطار بيئة متشابهة٠

لقطة له مع إيلين بيرستين في
The Exorcist (1975).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بيروت
المسألة التي تثير الإنتباه حين يتذكّر المرء دور ڤون سيدو في فيلم »طارد الأرواح« هي أن السيناريو استدعى دور رجل دين مسيحي لديه المعرفة لكن قد يكون لديه الشك أيضاً والسؤال هو إذا ما كان هذا التفكير هو الذي قاد الى اختيار ڤون سيدو الى تمثيل هذا الدور بناءاً على ما لعبه من أدوار مشابهة في أفلام برغمَن. طبعاً الفوارق في الطروحات رهيب. برغمَن فلسفي يطرّز الفيلم بأسلوبه الفني الشامل لكل شيء، ووليام فردكن تقني ماهر الى حد لكنه غير متفوّق، وجد الطريقة المناسبة لكي يجعل من المادة التي بين يديه فيلم رعب فعّال إنما دائماً على أرضية من التعامل لا مع أي بعد فلسفي او ديني او روحي، بل على أساس خلق حالة ذعر من صراع فتاة مع الشيطان وانتصار هذا البيّن في النهاية٠
برغمن بالمناسبة، لم يكن محدود التفكير لدرجة أن يكتب النصر، في نزاع الخير والشر، الى الشر على الرغم من أسئلته الدفينة حول شؤون الخلق والخالق سبحانه وتعالى. كان يحرص على إبقاء المسألة عالقة فوق مستوى الطرح المبسّط الكاشف عن ميول سهلة او بسيطة التركيب في أي إتجاه كان٠
في العام 1986 لعب أحد الأدوار المختلفة التي كان يبحث عنها في هوليوود وقلّما اصطدم بها. كان ذاك حين مثّل دور الفنان ذي العلاقة العاطفية في فيلم وودي ألن »هانا وأخواتها«٠ إنه دور مرتسم في البال لعدة أسباب من بينها أن يحمل قدراً من السخرية من الذات. هذا على عكس دوره الشرير في فيلم ستيفن سبيلبرغ »تقرير الأقليّة«: شخصية رجل يتظاهر بأنه أب روحي لتوم كروز بينما هو أبعد عن أن يحمل عاطفة لأحد. ڤون سيدو مثّل هذا الدور بإتقان ممارساً فيه ما عرف عنه في أفلامه من التزام٠
في العام 1972 وصل ڤون سيدو الى بيروت حيث انضم الى فريق عمل فيلم »سفارة« مع رتشارد راوندتري وتشاك كونورز وراي ميلاند وماري-جوزي نات. وهو الفيلم الأجنبي الأول الذي قمت بزيارة موقع تصويره وكان في قصر فرعون في بيروت في أحد الأيام ومن ابتهاجي لم أنتبه لكابل الكهرباء الممدود على الأرض فتعثّرت به وانقطع الكهرباء قبيل لحظة من نطق المخرج غوردون هسلر. لا داعي هنا لكي أذكر ما كان شعوري حينذاك٠

PAGE 2

يوميات مهرجان كارلوڤي ڤاري السينمائي الدولي
-2-
كلّهم كانوا هناك

ما الذي يجمع سافرون باروز بكريستوفر لي، روبرت دو نيرو بجون سايلز، بول مازورسكي بأرمن موللر - ستال؟ ظاهرياً، لا شيء، سوى انهم تواجدوا تحت سماء سينمائية واحدة، وفي الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي الذي يقترح هذه السنة برنامجاً واسعاً من العروض والاحتفالات ودروس السينما والندوات والتكريمات التي ستوجه الى كل من أرتورو ريبشتاين ونيكولاس روغ، من بين آخرين. يفتتح المهرجان مساء غد بفيلم "ماذا حصل حقاً" لباري لافينسون (اختتمت به الدورة الاخيرة من كانّ)، المقتبس من مذكرات المنتج الهوليوودي المخضرم آرت لينسون الذي اقتبس السيناريو وأنتج الفيلم مع دو نيرو، الذي سيكون موجوداً في سهرة الافتتاح ليتسلم جائزة "الكرة البلورية" عن مجمل أعماله. أما سهرة الختام، فستكون أميركية أيضاً مع عرض فيلم "ماما ميّا!" لفيليدا لويد، بطولة كل من ميريل ستريب وبيرس بروسنان، المقتبس من ميوزيكال شهير جذب 30 مليون مشاهد وعرض في أكثر من 160 عاصمة. الى البرنامج الرسمي، هناك أقسام موازية عدّة في كارلوفي فاري، من مثل "شرق الغرب" (واجهة لسينما أوروبا الشرقية) و"فوروم المستقلين" و"آفاق 2008" الذي يسمح للجمهور التشيكي بمشاهدة أبرز الأعمال التي عرضت في المهرجانات الكبرى، طوال الأشهر الماضية. سيرئس لجنة التحكيم المخرج التشيكي ايفان باسر، بعضوية كل من بريندا بليثين، آري فولمان، تد هوب، يان موشو، يوهانا تير ستيغ، وفيلموس زيغموند. أما المسابقة الرسمية، فتتضمن 14 فيلماً، نلقي الضوء في الآتي على سبعة منها، في انتظار المزيد من الغوص في أسرارها.

■ "خلف الزجاج"، لإيزا ستاكلا: في غضون خمسة أيام، تظهر المشكلات التي كانت تتخمر طوال سنوات أمام المهندس الناجح نيكولا ييرين (35 عاماً). تريده عشيقته أنان أن يتطلق من زوجته بعد علاقة لسنوات ربطت بينهما. أما زوجته مايا، أمّ ابنته، فتضغط عليه ليتخذ قراراً وهو في وضع لا يمكن حلّه. لا يحكم المخرج على الشخصيات في فيلمه النفسي الحميم، بل يلقي نظرة قاسية على جانبهم الضعيف. لكنه يطرح سؤالاً حيوياً: الى أي مدى يمكننا التحكم بمصيرنا، وتالياً هندسة العالم الذي نعيش فيه؟

■ "سجين"، لأليكساي أوشيتيل: تجد مجموعة من الجنود الروسيين نفسها عالقة في الجبال الشيشانية في أرض غريبة. يرسل القائد جنديين لأسر شخص من المنطقة يعرف الجبال ويمكنه قيادة رجاله. يفهم الأسير الشيشاني الشاب ما عليه فعله مع أنه لا يجيد الروسية. ولكن الاقتراب من المستوطنات الشيشانية يقضي على العلاقة التي تنشأ بين الرجال، وعلى الأسير أن يدفع ثمناً باهظاً لدوره. يصوّر الفيلم عبثية يوم واحد في حرب رهيبة وبلا جدوى. حرب تُخاض من دون أن يفهم أحد أسبابها الحقيقية ودوافعها.

■ "هزّات متباعدة"، لمانويل بوتي: يملّ السنغالي بانديوغو من حياته الريفية ويقرر مغادرة بلدته. لكن يتعرض وهو في طريقه الى أوروبا، لسلسلة حوادث يعتبرها لعنة. يدفع بماري، فتاة فرنسية، الى عالمه المليء بالرؤى والأصنام. يعرض فيلم بوتي صورة مؤثرة لصراع بين حضارتين ممثلتين بأفراد يتمتعون بحلم حياة مختلفة، مبرزاً التناقض بين نظرة عقلانية الى الحياة وعالم تعوّد سكانه تفسير الحقيقة فيه على أساس القيمة الرمزية المعطاة للأشياء والحوادث.

■ "الدكتور أليمان"، لتوم شرايبر: يصل مارك، طبيب ألماني شاب الى مدينة كالي الكولومبية في زيارة تبادل ويبدأ العمل في مستشفى محلي. يبدو المكان أشبه بمنطقة حرب. حياته الجديدة مع المخدرات واللقاءات الخطرة تشوّه سمعته كـ"طبيب ألماني" وتبعده عن زملائه في المستشفى. يصبح الشاب المثالي في صراع تام مع محيطه الذي ولد فيه ومع كل ما كان يؤمن به الى الآن. هذه القصة الدرامية لأجنبي في بلد آخر يتعرض لتجربة قاسية عبر "مدرسة الحياة الحقيقية"، وهو الفيلم الثاني لتوم شرايبر.

■ "من يسبق يكسب"، لفرانشيسكو باتييرنو: فلورنسا، في مطلع الثمانينات من القرن المنصرم. يتلقى الـ"دي جاي" ماركو بالديني عرضاً من مدير إذاعة محلية. سرعان ما يحقق النجاح لكن طموحه أكبر ويبدأ بالمراهنة في سباق الخيل. قصة أحد أشهر مقدّمي البرامج الاذاعيين الايطاليين المدهشة هذه، والتي يرويها في سيرته الذاتية، "اللاعب"، حوّلها باتييرنو الى كوميديا أنيقة وحادة. ترسم السخرية الذاتية لتعليقات الشخصية الرئيسية التي يؤديها ببراعة النجم الايطالي الصاعد إيليو جيرمانو ("أخي ولد وحيد") النجاح والفشل في حياة بالديني المزدوجة.

■ "القيثارة"، لإيمي ريدفورد: ذات يوم، تكتشف ميلودي، امرأة في الثلاثينات، تعاني سرطاناً قاتلاً. تفقد عملها فوراً ويسدد صديقها الضربة القاضية الى علاقتهما. تقرر أن تحقق حلمها وهي على يقين أن أمامها شهرين فقط للعيش: تستأجر شقة فخمة وتنفق الكثير وتقرر أن تعلّم نفسها العزف على القيثارة الكهربائية. عاموس بو، كتب السيناريو الذي بنته المخرجة المبتدئة والممثلة إيمي ريدفورد على قصة حقيقية. تنجح ريدفورد في ادراك الحالة النفسية للشابة التي تواجه الموت وتكتشف تدريجياً قوتها الداخلية. وكان "القيثارة" أحد أبرز الأفلام في مهرجان ساندانس لهذه السنة ويتضمن تمثيلاً رائعاً لسافرون باروز، التي عُرفت في أفلام مثل "الآنسة جولي" و"فقدان البراءة الجنسية".

■ "الاخوة كارامازوف"، لبيتر زيلينكا: تصل فرقة مسرحية من براغ الى كراكوفيا لتقدم عرضاً لرواية دوستويفكسي "الاخوة كارامازوف" في إطار مهرجان المدينة، والعرض سيقام في مكان غير معهود. خلال التمارين، نتبع القصة المؤثرة التي تتطرق الى مسائل الايمان والخلود وخلاص الروح البشرية، وايضاً العلاقة بين أعضاء الفرقة التي تعكس مواضيع دوستويفكسي وأفكاره. تنتقل المسرحية الى العالم الحقيقي عندما تحدث مأساة خلال التمارين ويشارك فيها أحد المشاهدين. يقول المخرج بيتر زيلينكا: "اهتمامي منصبّ على مسؤولية المثقف حيال الأفكار التي يعلنها بنفسه عن مجتمع فقد إيمانه بالله وتالياً إيمانه بغريزته الأخلاقية الأساسية". في كل حال، يأتي زيلينكا، في الشكل والمضمون، بفيلم استثنائي، يتأرجح بين الخيال والوثائقي ويرتكز على العرض الناجح الذي قدّمه مسرح "ديجفيس" في براغ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Jul 17, 2008

ISSUE 265| هوڤيك حبشيان: يوميات مهرجان كارلوڤي ڤاري | جيمس بوند عربي| اللائحة الكاملة لمهرجان لوكارنو

كل زوايا اليوم الى يمين البوست الرئيسي جديدة وتضم: الإحصاء الأسبوعي| كلمات لنديم جرجورة | ماقاله ثلاث نقاد عرب في مواضيع اليوم |حلقة ثانية من شخصيات السينما٠
PAGE 1

|*| FIRST TAKE |*|
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بدءا من هذا الأسبوع تشهد صالات لندن عرض فيلم بيلي وايلدر
The Apartment
Jack Lemmon, Shirley MacLaine, Fred MacMurray
في البطولة. الفيلم كوميديا عاطفية أنجزها المخرج سنة 1960 مستوحياً عمله من فيلم ديفيد لين
A Brief Encounter
الفيلم خرج حينها بخمسة أوسكارات: أفضل فيلم، أفضل مخرج، أفضل سيناريو، أفضل توليف وأفضل تصميم ديكور٠

|*| DEAR DIARY | مفكرتي العزيزة |*|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا بأس يا أخ مصطفى من فلسطين الحبيبة إذا كان العالم يفكّر عكس ما نفكّر به أنت وأنا على *
الصعيد الذي ذكرته او على أي صعيد آخر. المهم هو ما نفكّر به٠ نحن العشرة بالمئة من البشر. شكراً للكتابة٠
------------------------
هل نحن بحاجة الى جيمس بوند عربي؟ *
هذا ما ترتأيه روتانا التي أعلنت، عن طريق مراسل »فاراياتي« جعفر علي أنها في سبيل تحويل رواية الكاتب نبيل فاروق »رجل المستحيل« الى فيلم سينمائي جاسوسي يقوم ببطولته جاسوس من الدرجة الأولى يقارع جيمس بوند في أي مكان وزمان... هذا على حد قول الشركة ومع موسيقى من المراسل وأوركسترا يقودها الفرنسي فردريك سيشلر الذي يقول: جئت الى مصر لأكون مصري مئة بالمئة٠ واو... لابد أن ذلك هو الحب بعينه
طبعاً لا مانع لأن يكون للسينما العربية جيمس بوندها وخصوصاً إذا ما كان نسيج كاتب السيناريو محمد حفظي الذي يبدو لي الأكثر إلماماً ودراية بالمطلوب فهو أحد أفضل كتّاب السيناريو حالياً في السينما المصرية.. لكن هل تعتقدون أن هذا سيقدّمنا خطوة الى الأمام؟
هذا يعتمد على موقعك من كل المتغيرات الثقافية بمعنى: هل من الأفضل أن يكون المرء في وطنه من تربة هذا الوطن او مستغرباً عنه يشعر بأنه ينتمي الى هوليوود إذا ما صنع فيلماً مستوحى من أسلوبها، او هندياً حين يشاء او إيطاليا إذا ما رغب٠ هل التماثل بالنجاح الذي نقرأ ونسمع عنه متابعين إيرادات الأفلام الأميركية هو المطلب والغاية لعالم عربي جديد؟ لا أعتقد. ما أعتقده هو أن السينما العربية، وكل أنواع ووجوه الفن والثقافة العربية، عليها أن تبتكر اللغة الخاصّة بها. كما أن هناك سينما فرنسية خالصة وإيطالية خالصة ويابانية خالصة وأميركية خالصة وسويدية خالصة، يجب أن تكون هناك سينما عربية خالصة٠ صافية بمعنى أنها كويتية مئة بالمئة، لبنانية مئة بالمئة، مصرية مئة بالمئة، تونسية مئة بالمئة وبالتالي عربية بعدد بلدانها، لكن عربية مئة بالمئة٠
ولا أقصد أن تكون عربية مئة بالمئة أن يكون التمويل بالكامل عربي وممنوع لغير عربي أن يستثمر فيها. على العكس . الناحية المادية آخر ما تثير إهتمامي في هذا الشأن وتستطيع أن تأخذ من الدولارات واليورو والروبلات ما تريد طالما أن روح الفيلم، ثقافته، فنّه وطرحه لا يزال عربياً٠
ليس أن هذا أمراً صعباً. لقد عرفت السينمات العربية كلها أعمالاً عربية صميمة ولا نزال نرى بعضاً منها هنا وهناك ومن حين لآخر. وإذا كان جيمس بوند العربي، يستطيع فعلاً أن ينتمي الى هذه السينما فليكن... المهم نزع فكرة أن علينا أن ننافس العالم فيما يقوم هو به٠


PAGE 2
هوڤيك حبشيان يكتب لـ ظلال وأشباح من مهرجان كارلوڤي ڤاري
الرسالة الأولى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يسعدني كثيراً أن أستقبل الرسالة الأولى (من ثلاث او أربع
رسائل قادمة) للزميل الناقد اللبناني هوڤيك حبشيان غطّــى
فيها المهرجان التشيكي الذي لم أطأه بعد٠ هوڤيك من بيــن
آخر الجيل الجديد من النقاد المنضمّين الى الحلقة النقدية في
هذا العالم العربي. أسلوبه ينم عن المعرفة وإصابة الهدف بلا
تلكؤ او أسلوب إنشائي٠ شكراً هوڤيك٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مـهـرجـان كـارلـوڤي ـــ ڤـاري الـسيـنـمـائـي الـدولـي فـي دورتـه الـثـالـثـة والأربـعـيـن
نـكـهـات مـن خـارج هذا الفـضـاء تـطلـب الـنـجـدة مـن الآخـريـن

مجمل ما شاهدناه في الأيام الأولى من مهرجان كارلوفي - فاري السينمائي الدولي، ونستطيع أن ندرجه في اطار الأعمال التي تبقى ماثلة في قلوبنا وعقولنا لمدة طويلة، لم يكن من اكتشاف هذا المهرجان الذي لا يزال، على رغم كل شيء، يتخبط في هواجسه الأوروبية الشرقية. فكارلوفي ـــ فاري، هو في المقام الأول، تظاهرة سينمائية تستهلك الأفلام أكثر مما "تنتجها". هناك اختيارات من برلين والبندقية وبخاصة من الدورة الأخيرة لـ"مهرجان كانّ"، تسند البرنامج الرسمي سنداً حقيقياً. عشرات الأفلام شقّت طريقها من مهرجانات كبرى الى كارلوفي ــ فاري، لاعطاء المسابقة الرسمية طعماً فريداً، على رغم صعوبة الامر. فالادارة لم تكن موفقة كثيراً في خياراتها الجمالية والفنية والايديولوجية هذه السنة، وراهنت على أشياء لا مكان لها في مهرجان من الفئة "أ"، أقله ليس مكانها في المسابقة الرسمية، التي هي واجهة كل حدث سينمائي، وسقوطها يعني سقوط المهرجان برمته. اذاً، انها دورة مطعمة بنكهات من خارج هذا الفضاء الخاص بالمهرجان، تطلب النجدة من زميلاتها النافذات. لكن كارلوفي ــ فاري، هو المكان المثالي للاستعادات الضخمة، ومشاهدة ما فاتنا في المواعيد السينمائية التي سبقته، وذلك في أجواء سينيفيلية تجعل المرء يتألم كلما اقتربت النهاية، وباتت الستارة جاهزة لتسدل على هذا العالم من المشاهدة والمتعة. وبخاصة، هو المكان الأمثل، للصحافيين الفضوليين، لاجراء المقابلات واللقاء بأهل المهنة. هكذا، تسنى لنا أن نعاين، مثلاً، "صمت لورنا"، للأخوين داردين الذي فاتنا في أيار الماضي. فيلم حاز عنه البلجيكيان الشهيران جائزة أفضل سيناريو. مرّة أخرى، يتابع هذان الرجلان شغلهما على موضوع النضال في مجتمع لا يترك للفرد أي مخرج للطوارىء. يقتفي داردين خطى فتاة ألبانية، وكيفية تحولها من جلاد الى ضحية. وجودنا هنا كان ايضاً مناسبة لاكتشاف فيلمين ايطاليين كبيرين، "غومورا" لماتيو غاروني، و"ايل ديفو" لباولو سورينتينو، وهما دليلان بارزان على أن ثورة السينما الايطالية ستندلع٠

من المجر الى فرنسا
A Nyomozo [The Investigator ] | المحقق

في أول تجربة اخراجية له، يقترح المخرج المجري أتيلا جيغور بطلاً يخرج من الدروب المطروقة. تيبور، هو هذه الشخصية غير التقليدية، البالغ من العمر 37 عاماً، متخصص في علم الأمراض، يعيش وحيداً ويواجه مشكلات في التواصل مع الآخرين. يعمل في مستشفى، حيث أمه، المصابة بالسرطان، فيكتشف أن هناك إمكانا لشفائها، بيد أن ما ينقصه هو المال. عندئذٍ يدخل رجل حياته، فيعرض عليه قتل أحدهم في مقابل مبلغ، يسمح له بدفع تكاليف العلاج، ثم يكتشف ظروفاً لم يكن يدركها البتة. لم يوجّه المخرج وكاتب السيناريو جيغور فيلمه هذا الى الذين يملكون أعصاباً مشدودة وصارمة. فلدى بطله، عناصر ضعف مؤثرة، بحسب المشاهد المصورة عن عالمه الداخلي٠

Deti Noci [Night Owls] بوم الليل
من ناحيتها تروي المخرجة التشيكية ميكاييلا باڤلاتوڤا قصة أوفكا، فتاة هي في الواقع ضحية بلادة غريبة. ففي حين أن معظم أصدقائها في المدرسة تابعوا دراستهم، ترفض هي أن تتخلى عن راحة الطفولة التي تبدأ سريعاً بخنقها. تعمل ليلاً في متجر لزوج شقيقتها، وتحاول تجنّب ميرا الذي تخلى عنها. تدريجاً، تدرك انه عليها أن تتخلى عن طفولتها والابتعاد عن المكان الذي ولدت فيه. تركّز بافلاتوفا، المرشحة لجائزة "أوسكار" عن فيلمها الثاني، على أصالة منطقة كارلين التشيكية الواقعة في براغ، وعلى جاذبيتها٠

Dixia de Tiankong [The Shaft] | الرمح
في ثلاثة أجزاء مترابطة، يصوّب زانغ شي، اهتمامه على أفراد عائلة يعيشون في بلدة صينية. لا يسعى الى انتقاد الحالة بقسوة، وليس الأبطال وما يحيط بهم مصوَّرين بغية التأثير في النفوس، بل على عكس ذلك. الكلّ يبدو طبيعيّاً ومتماسكاً في تفهم الصينيين العاديين. بمعالجة دقيقة، يصور الفيلم الحياة العادية من دون انتقاد، وتالياً يضفي عليها شيئاً من الصدق والبلاغة.

Frygteling Lykkelig [Terribly Happy] سعيد جداً
في الجانب الآخر للكرة الأرضية، وتحديداً في الدانمارك، صوّر المخرج هينريك روبن غينز فيلمه السمج والثقيل الظل "سعيد جداً"، عن قصة شرطي ينتقل من كوبنهاغن، واسمه روبرت (يؤدي دوره جاكوب سيديرغرين الذي عُرف في فيلم داغور اري "حصان داكن") الى بلدة ريفية، نُفي اليها موقتاً بسبب تصرّف مهني غير لائق. هناك، يصطدم بالعادات المحلية ويشعر أن أسراراً ما تختفي خلف ما يبدو أنه حياة عادية في البلدة الصغيرة. استوحى غينز موضوعه من رواية ايرلينغ جيبسين (صاحب الرواية التي اقتبس منها "فن البكاء"). شيئاً فشيئاً، يتحوّل "سعيد جداً" الى وسترن (من دون موهبة عباقرة الوسترن) تتخلله لحظات رعب طفيفة، وأحياناً مضحكة٠ يحاول غينز العبث بأسلوب فاتن لمجتمع مضطرب. بحسب اعترافه، أراد لفيلمه أن يكون أشبه بكابوس، أي في عالم غير واقعي ومواز، لكنه خلص الى نتيجة معاكسة تماماً لرغباته٠

La Vérité ou Presaue [ True Enough] الحقيقة او تقريباً
يبقى للفرنسي لسام كارمان الذي، الى الآن، لم أستطع أن أحدد عاهته، ومعرفة لماذا هو سيىء الى هذا الحدّ. يقتفي "الحقيقة أو تقريباً" خطى آن (كارين فيار)، امرأة جذابة تجد صعوبة في تقسيم وقتها بين عملها مقدمةً تلفزيونية وعائلتها. لكنها تلتقي فانسان (اندره دوسولييه)، باريسي وسيم، مثلي الميل. هذا اللقاء يغير حياتهما. تجد تعاطفاً لدى هذا الرجل غير الشاب، والملتزم إعادة الاعتبار الى مشاهير لم يعد الزمن اليهم الاعتبار. يسأل الفيلم أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الأكذوبة، ويعبق بإيقاعات الجاز للمغنية المنسية بولين اندرتون.

ثلاثة كبار خارج المسابقة
12
لنيكيتا ميخالكوف: يتهم رجل شيشاني بطعن زوج والدته، وهو ضابط متقاعد اهتم به بعد وفاة والديه واصطحبه الى موسكو. تنتهي المحاكمة، وعلى المحلفين أن يتوصلوا الى حكم. عودة المخرج الروسي القدير ("حلاّق سيبيريا") تتحقق من خلال استعادة لفيلم سيدني لوميت الشهير "12 رجلا غاضبا" (1956). هذا الفيلم الذي سبق عرضه في الدورة الماضية من مهرجان البندقية، هو عن العنصرية في داخل كل فرد، لكنه أيضاً فيلم عن روسيا اليوم. يرينا ميخالكوف مجموعة رجال، من خلفيات اجتماعية مختلفة، جالسين الى طاولة حوار، حيث تبرز علناً نظراتهم وأحكامهم المقولبة في ما يتعلق بالقوقاز وبالعنصرية. يقول ميخالكوف في هذا السياق: "تتحدى المواجهة أيضاً قدرتنا ليس على تدمير المساجد والكنيس، انما على بناء كنائسنا إلى جانبها، لتغيير الأمور عبر تصرفاتنا الذاتية، ليس فقط لانهاء الصراعات بالأسلحة، بل بإظهار الارادة الحسنة من أجل تصحيح القانون بالتعاطف والادراك أن الإنسان ليس الوسيلة بل الغاية". هذه هي المسائل التي، وفي غضون ساعات عدة، يشارك فيها 12 ممثلاً استثنائياً في سلسلة حوارات أحادية عميقة.

Katyn | كاتين
كاتين"، لأندره فايدا: شيخ آخر، في الثانية والثمانين، يعود الى السينما التي صنعت مجده. اندره فايدا مصوِّراً مجزرة كاتين التي أودت بحياة والده. فبعد الاعتداء السوفياتي في 17 أيلول 1939، سُجن نحو 4500 بولوني في كوزيلسك. وبناء على أوامر ستالين، أُعدم معظمهم في كاتين، في مطلع ربيع 1940. بعد ثلاث سنوات على هذه المذابح، اتهم الألمان المخابرات السوفياتية. بدورهم ألقى السوفيات اللوم على الألمان. يبني فايدا عمله على تجارب عائلات ضحايا كاتين. لم يخيّب أملهم ببروباغندا حربين فحسب، بل أيضاً تعرضوا للارهاب من مصدّري قوة توتاليتارية. تجري القصة في كراكوفيا المحتلة التي يبتكر فايدا أجواءها القامعة من ذكرياته الخاصة، ويذهب الى حقبة ما بعد التحرير التي تعتبر احتلالاً آخر. عبر اختياره للشخصيات، وخصوصاً النساء، يرسم ماضياً داكناً، مرفقاً بصوت أمل وتعاضد وشجاعة. يعالج المخرج موضوعه السياسي على مستوى شخصي، ملقياً الضوء على آلام النخبة المثقفة التي كانت تقضي عليها الأنظمة التوتاليتارية.

Yippee: A Journey to Jewish Joy | ييبي: رحلة الى حبور يهودي
في هذا الفيلم لبول مازورسكي نرى تجمّعاً سنوياً لليهود في بلدة أومام الأوكرانية، حيث دُفن الحاخام ناشمان. يذهب بول مازورسكي لتصويره مانحاً الفيلم هوية الـ"رود موفي". ما ان يصل الى هناك، حتى يسارع مازورسكي الى اجراء مقابلات مع رجال يهود مختلفين من بلدان عدة ويتشارك معهم الوجبات والقصص. يزور المخرج قبر جد ناشمان ومؤسس حركة يهودية، بعال شيم توف، ويتحدث مع سكان أومام عن نظرتهم الى الحوادث التي تتطور في كل عام. انه فيلم - مغامرة، تصل الى القمة في تجربة روحية فريدة، مصوّرة بتواضع المخرج النموذجية وبفكاهته.



PAGE 3

|*| FESTIVAL & AWARDS NEWS | أخبار المهرجانات والجوائز |*|
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لائحة مهرجان لوكارنو الكاملة لدورته الجديدة التي ستقام ما بين
السادس والسادس عشر من آب/ أغسطس المقبل. سأعود الــى
اللائحة في هذه الزاوية خلال الأيام المقبلة لتقديم بعض الأفلام إذ
هناك ما شاهدته منها. اللائحة التالية لأفلام المسابقة العالمية٠

Brideshead Revisited لقطة من الفيلم البريطاني
الذي سيفتتح مهرجان لوكارنو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
OPENER:
"Brideshead Revisited"
Julian Jarrold, U.K

CLOSER:
"Back Soon"
Solveig Anspach, Iceland-France.


INTERNATIONAL COMPETITION

"33 Scenes From Life"
Malgorzata Szumowska, Germany-Poland

"Daytime Drinking"
Noh Young-seok, South Korea

"Dioses"
Josue Mendez, Peru-Argentina-Germany-France

"Elle veut la chaos"
Denis Cote, Canada

"Katia’s Sister"
Mijke de Jong, Netherlands

"Kisses"
Lance Daly, Ireland-Sweden

"Feast of Villains"
Pan Jianlin, China

"Mar nero"
Federico Bondi, Italy-Romania

"March"
Klaus Haendl, Austria

"Nulle part terre promis"
Emmanuel Finkiel, France

"Parque via"
Enrique Rivero, Mexico

"Sleep Furiously"
Gideon Koppel, U.K.

"Autumn"
Ozcan Alper, Turkey-Germany

"The Market: A Tale of Trade"
Ben Hopkins, Germany-U.K.-Turkey-Kazakhstan

"Un amor de perdicao"
Mario Barroso, Portugal-Brazil

"Un autre home"
Lionel Baier, Switzerland

"Yuri’s Day"
Kirill Serebrennikov, Russia-Germany
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Jul 14, 2008

ISSUE 294| Dark Knight | TV as a Box for Cats | Mama Mia vs Dark Knight .................................رسائل من مهرجان كارلوڤي ڤاري غدا

PAGE 1
|*| DEAR DIARY | مفكرتي العزيزة |*|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Meryl Streep | ميريل ستريب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين يهبط »ماما ميا« الأسواق في نهاية الأسبوع الحالي، سيجد نفسه وجهاً لوجه أمام عملاق *
الفيلم البريطاني ذو العنوان المأخوذ عن أغنية بنفس العنوان للفرقة الإسكندنافية
ABBA
والمرتبط أساساً الى حكاية تتحدّث عن الفرقة من خلال أغانيها (الفيلم الثاني عن الفريق) هو الإخراج الأول لفيليدا لويد ومن بطولة ميريل ستريب، أماندا سيفرايد، ستيلا سكارسغارد وبيرس بروسنان من بين آخرين وتوزّعه يونيفرسال٠
الفيلم العملاق هو »فارس داكن« وهو إضافة جديدة لكل السوبرهيروز الذين انطلقوا هذا الصيف، لكنه الجزء الثاني من السلسلة الثانية من »باتمان«، وكما كان حال الفيلم السابق (أقرأ مراجعة عامّة حوله أدناه) ومن إخراج كرستوفر نولان وبطولة كرستيان بايل وإنتاج وورنر٠
ما هي حظوظ نجاح الفيلم الموسيقي الذي تغني فيه ميريل ستريب؟ لست بحاجة لأن أسأل. الجواب معروف. لكن المرء يسجل شجاعة القائمين على توزيع الفيلم في عملية إختيار هذا الأسبوع بالذات لإطلاق الفيلم. طبعاً في كل الأسابيع الماضية، او معظمها على أي حال، كان هناك سوبر هيرو مختلف من آيرون مان الى ذ هَلْكْ ومن هانكوك الى باتمان... أعتقد أن الرأي الغالب كان ... إذا ما كنا سنجازف فلنجزاف أمام أكبر تلك الأفلام٠

الممثل ستيف بوشيمي, المشهور بأدوار شريرة غالباً وأحد القتلة السبعة في فيلم كوينتِن تارنتينو *
Reservoir Dogs
أخرج في العام الماضي فيلماً لم يشهد نجاحاً تجارياً حتى على صعيد الأفلام المستقلة (إيراداتها في العامين الماضيين كانت ضعيفة جدّاً في أميركا مقارنة مع ما سبق) بعنوان
Interview
في نجد صحافياً سياسياً (بوشيمي نفسه) يقابل ممثلة شابّة (سيينا ميلر) لا يعرف عنها شيئاً لأنه ليس في المجال الفني. لقد طلب منه رئيس تحريره ذلك ففعل. وهو صريح في جهله المطلق بها. يهزّها هذا الأمر فتوقف المقابلة من مطلعها. يصعد السيّارة وتقع حادثة بسيطة بينما الممثلة لا زالت في نفس المكان. تأخذه الى بيتها لتضمد جرحه ومعظم الأحداث بعد ذلك في تلك الشقّة وتضم سيلاً من المجابهات والمكاشفات والخدع على نحو مسرحي التكوين٠
المهم هو أنه كيف أقدم على إجراء مقابلة مع شخصية لا يعرف عنها شيئاً وكيف تصرّفت تلك الشخصية محاولة الحفاظ على كبريائها المجروح في هذه الحالة٠
لكن المسألة بأسرها ذكّرتني بالمقابلات السلاطة التي يقوم بها عديدون من الصحافيين من دون معرفتهم شيئاً عن الفنانين وكيف أن قليلين من الفنانين مستعدّين لاستكمال المقابلة رغم عدم سعادتهم بها٠ إنها مثل علاقة عاطفية كانت ممكنة، لكن حبل التواصل انقطع من البداية فتحوّل الباقي الى نوع من: أعرف أنني تستغلّني لكي تكتب مقابلتك، سأستغلّك لكي أكذب عليك وعلى القرّاء ولأروّج لنفسي قدر الإمكان٠
الحق على الممارسة الفردية في النهاية.... تلك الكامنة لدى الذين يشترون الصحف والمجلات ويقرأون التفاهات٠

كلّما قرأت كلمة »صنّاع« السينما اهتز بدني من الجهل الكامل بشروط الكلمة. كما ذكرت سابقاً *
قد لا يكون الأمر أكثر من استسهال خصوصاً حين لا يعرف الكاتب بالفصحى إذا ما كان عليه استخدام كلمة صانعو او صانعي نحوياً وحسب موقعها في الجملة، لكن الكلمة منتشرة بين من يعرف وبل من يعرف إنها ليست أفضل تعبيراً من كلمة »صانعي الأفلام« لكنهم يصرّون على كلمة »صنّاع« التي تحمل في طيّاتها معنى »الخدم« وتفقد أي جمالية فنية. كما أن الفارق بين صانع وصنّيع لا يحتاج الى تفسير٠
في الأساس تنقسم مصطلحاتنا السينمائية الى فئات: فئة كلمات تبقى كما هي مثل فيلم و سينما، وفئة يتم ترجمتها مثل مخرج وممثل وفئة يتم استنباطها بقدر من التفذلك الغريب مثل ذائقة وفئة هي استخدام خطأ في معناه مثل صنّاع وتكريم٠




|*| Slow Motion| سلو موشن |*|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انت رقم

حققت المحطات التلفزيونية الفضائية العربية أرباحاً إعلانية قدّرت بـ 200 مليون دولار. الرقم كبير هنا وصغير هناك في الغرب. محطة واحدة مثل
CNN او MBC او MTV
او سواها من المحطّات الأميركية تحقق مثل هذا الرقم او قريباً منه. الأكثر من هذا هو أن العائدات العربية، تلك التي تتوزّع على نحو 200 محطة تخسر عمولات تقدّر بثمانين مليون دولار٠ ولا أستطيع أن أكون خبيراً في مجال العمولات، لكن أحداً يحقق أكثر من المعقول لحسابه ضارباً بعرض الحائط بما هو معقول او غير معقول٠ التلفزيون بالنسبة إليه وسيلة لتكوين الثروة. وهو بالنسبة إلى التلفزيون وسيلة لتكوين ثروة٠

ما لا ينظر إليه أحد بعين الإعتبار هو أن هذه الثروة لها ثمن أنت دافعه٠

لكي تحقق المحطات العربية التي تعتمد على الإعلانات ربحاً (وأنا لا أصنّفها هنا لكني بالطبع أعني غالبيتها) تبتذل وتسترخص وتترك لك أن تتساءل لماذا. معظم ما أقرأه من نقد حول الإسفاف المبثوث قانونيا عندك في البيت قائم على سؤال: لماذا وكيف تسمح المحطات التلفزيونية لنفسها بذلك؟ الا تعي عاقبة ما تقوم به؟

سؤال وجيه لكن المحطّات التي لا تقرأ النقد أساساً ليست هنا لكي تلبّي حاجتك كمسؤول ورب أسرة وصاحب ذوق ، بل لتحقق مالاً- والكثير من المال٠ لكي تفعل ذلك، على انتاجاتها، حسب الإمكان، أن تكون لا مسؤولة ولا تنتمي الى شيفرات الذوق والأخلاق المعمول بها جيلاً بعد جيل٠ العلاقة بينها وبين وكيل الإعلانات هي أقوى وأكبر وأهم، عندها، من العلاقة بينها وبين المشاهد. المشاهد هو رقم لضمّه الى شعبيّتها لكي تقول للوكيل (والوكيل يقول للمعلن) هذا هو حجم جمهورنا. بناءاً على ذلك يرتفع عدد معلنيها او يقل. يصعد رقم ما تحققه من أرباح او ينخفض. أنت لا يدخلك قرش. كل ما يدخلك هو مزيد من الترفيه السخيف، الترفيه الصالح لمن لا عقل له، الترفيه الذي يتعرّى ويتغنّج وينشر ما كانت الرقابات في السبعينات والثمانينات تمنعه من على صفحات المجلات والكتب٠

الآن هناك وجهتا نظر: واحدة تقول هذا هو ثمن انفتاحنا على الغير وصعودنا الآفاق وانضمامنا الى القرية العالمية. وأخرى تقول: هذا كله مضر لنا ولجيلنا ويجب الحد منه٠
قرارات وزراء الإعلام العرب سوف لن تحد منه والا كانت تستطيع أن تفعل ذلك منفردة٠ ما يمكن أن يحد منه هو الأمانة التي يجب أن تعلق في رقبة كل مدير مسؤول يفهم النجاح على أنه نجاح مادي حتى ولو كان في جانبه الآخر ما هو الا اشتراك في تحطيم ذهن وثقافة وأخلاقيات المشاهد العربي٠

إذاً، إذا كنت تسأل نفسك لماذا لا نرى برامج هادفة كثيرة ولماذا على الترفيه أن يكون رخيصاً ولماذا الأفلام التي ستنتجها المحطات الفضائية لن تختلف عن مستوى تلك التي لا نذهب الى صالة السينما لنراها، فإن الجواب هو أن هذه الأعمال لن تثير المشاهدين... أي أنهم يلقون المسؤولية عليك وأنت لا تدري٠
نصيحتي.... أقفل الجهاز الى الأبد٠
حوّله، كما قال ناقد عربي راحل ذات مرّة، الى بيت للقطط٠




|*| OVERVIEW | نظرة عامّة |*|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باتمان الجديد يتصدّى لأعتى المجرمين وينجح حيث أخفق غيره

ليس التالي هو نقد للفيلم بعد، بل سبر
غور لعمل سينمائي حول واحدة من
شخصيات السوبر هيرو نجاحاً وعمقاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا ما كان الصيف الماضي صيف الأفلام التي تحمل أرقاماً كدلالات على موضعها في المسلسلات السينمائية، فإن الصيف الحالي أكثر حنكة من أن يعمد الى تسمية الأفلام بأسمائها الأولى وإضافة رقم ما الى جانبها. على ذلك، فإن »الفارس المظلم« او
Dark Knight
ليس سوى »باتمان« الثاني او .... السادس. يعتمد العد على إذا ما كنت تحسب المسلسل الجديد وحده، او تضيف عليه مسلسل باتمان السابق الذي احتل ركناً من الثمانينات والتسعينات٠
و»الفارس المظلم« هو من أكبر ما يحط على الشاشات السينمائية اليوم من أفلام. فشركة وورنر وضعت له خطّة تنفّذها بحذافيرها: إفتتاح الفيلم في السادس عشر من هذا الشهر في استراليا والفيليبين وافتتاحه في السابع عشر في الأرجنتين، هونغ كونغ، سينغابور، بيرو، تايوان واليونان. في الثامن عشر في أميركا والمكسيك وكندا والبرازيل وباناما وفنزويلاً ثم بدءاً من الحادي والعشرين من هذا الشهر في باقي أنحاء العالم من الإمارات ومصر الى ايطاليا وهولندا والبرتغال وبريطانيا وتركيا وصولاً الى روسيا واليابان وسواها٠
المخرج كريستوفر نولان كان أعاد تركيبة شخصية الكوميكس الشهيرة سنة 2005 حين أخرج »باتمان يبدأ« ولم يكن ذلك هيّناً بعد الضرر التجاري الذي إنزلقت اليه في التسعينات حين توالت حلقات السلسلة السابقة منحدرة من جيد الى معتدل ثم الى أسوأ وأسوأ٠ المغامرة التي خاضها نولان وخاضتها شركة وورنر معه آنذاك كانت كبيرة ومفادها السؤال حول إذا ما كان ذلك الضرر من الأعطال التي يمكن تصليحها بإدارة ومفهوم جديدين او من تلك التشويهات التي تتطلّب إنتظار جيل جديد آخر بعد ربع قرن او نحوه قبل محاولة إعادة الروح الى تلك المغامرة الداكنة التي يتوّلى بطولتها رجل يرتدي رداءاً أسوداً ويرسم علامة الوطواط وينشر جناحيه ليطير بهما خالقاً الذعر في أوساط المجرمين او التحدّى بين العتاة منهم٠

تزيين الشاشة
الذي حدث سابقاً أن الفيلم الأول »باتمان« تم إنتاجه سنة 1989 وتم استقطاب المخرج تيم بيرتون إليه وهذا سلّم الشخصية الى مايكل كيتون وجاء بجاك نيكولسون ليلعب دور الشرير الأول. كان بداية جيّدة تكلّفت خمس وثلاثون مليون دولار وجمعت 413 مليونا عالمياً٠
النجاح كان حليف الجزء الثاني لكن ليس بنفس النسبة: »باتمان يعود« (1992) من إخراج بيرتون وبطولة كيتون وشريره الأول داني ديفيتو تكلّف 80 مليون دولار وحصد 282 مليوناً٠
بيرتون لم يرد إرتكاب فيلم ثالث من السلسلة فجلبت وورنر الى العمل المخرج جوويل شوماكر الذي أنجز الجزء الثالث »باتمان للأبد« سنة 1995 مع ڤال كيلمر في العباءة السوداء وتومي لي جونز وجيم كاري كشريرين متناصفي الحجم. ميزانية الفيلم قفزت الى 100 مليون دولار لكن إيراداته لم تبرح مكانها وانحصرت في نحو 233 مليوناً٠
بعده بعامين كان لا يزال الأمل في إنجاح نجاح أكبر ورأينا جوويل شوماكر يخرج جزءاً رابعاً هو »باتمان وروبين« مع جورج كلوني في البطولة وأمامه أرنولد شوارتزنيغر. الفيلم تكلّف بعد شد الحزام 110 مليون دولار، لكن إيراداته وصلت الى 100 مليون دولار بجهد بليغ٠
المشكلة بالطبع أن المخرج شوماكر ليس دراماتيكيا جيّداً. إنه يستطيع تحويل رواية الى صور، لكن على حساب المادة. وسياسته كانت في فيلميه إبراز عامل الإستعراض ولو على حساب عامل البطولة. بذلك تم إسناد الأدوار الشريرة الى نجوم لتزيين الشاشة فحمل »باتمان للأبد« أسوأ ظهور لتومي لي جونز وأسخف إداء لجيم كاري، بينما تم نفخ دور أرنولد شوارتزنيغر كالبالون الأحمر فحجب أهم شيء في سلسلة باتمان وهو باتمان نفسه٠

خلفية باتمان
إعادة الثقة الى باتمان كان طلب الشركة الأول. وإلى الغاية جلبت نصف دزينة من كتبة السيناريو ينسجون خيالاتهم على الورق. وبعض هؤلاء وصل الى نقطة الإعتبار لكن معظمهم تزحلق بلا تقدير. لكن حتى الذين استطاعوا بيع سيناريوهاتهم وجدوا أن ما كتبوه وُضع في الأدراك. هوليوود كانت تبحث عن شيء جديد ومختلف وفي ذات الوقت أصيل٠
وكما حدث مع الكتّاب حدث مع المخرجين. قبل العودة الى باتمان للمرّة الخامسة توالى عدد من المخرجين الى أتون التجربة أوّلهم مخرج أسمه بواز ياكين لكنه خرج من بوابة وورنر ولم يطأها الى اليوم. بعده تم التفكير بالمخرج دارن أرونفسكي الذي كانت لديه بضعة أفكار جريئة إنما لم تجدها الشركة صالحة للتداول. وفكّرت بالألماني وولفغانغ بيترسون (»في خط النار« مع كلينت ايستوود و»طائرة الرئيس- رقم واحد« مع هاريسون فورد) لكن هذا كان مرتبطاً بإخراج فيلم كبير آخر هو »تروي« (مع براد بت)٠
حين تم جلب المخرج كرستوفر نولان لإعادة إحياء السلسلة ترك المخرج الذي نال فيلميه السابقين »مومنتو« و»أرق« نجاحاً نقدياً واسعاً، السلسلة السابقة في »الكاراج« الذي أدخلها إليه شوماكر وبدأ التخطيط لعالم جديد مع ممثل جيّد جديد هو كرستيان بايل٠

فيلم »باتمان يبدأ« سنة 2005 تكلّف 150 مليون دولار لكن إيراداته تجاوزت الـ 350 مليون دولار عالمياً باعثاً الثقة في جوانب المشروع ككل٠ وما فعله نولان هو إعادة صياغة باتمان- الفيلم على أساس باتمان- الأصل. أي الذهاب الى كيف تكوّنت هذه الشخصية وما الذي مرّت به حتى وصلت الى حيث أصبحت القوّة التي انصرفت لمجابهم الخارجين على القانون٠ هذا تضمّن البدء بشخصية بروس واين (كرستيان بايل) في مكان ما من آسيا يبحث عن هدف للحياة بعدما قتل مجرم (كما نرى في فلاشباك) والديه حال خروجهما من مسرحية٠ وفي فلاشباك آخر نعرف السبب الذي تحلّى به هذا البطل بخصال الوطاويط: لقد سقط صغيراً في بئر كان يشغله الوطاويط وتعرّض الى إصابة ولّدت فيه نموذجاً بصرياً للإقتداء به. حين يجد بروس الهوية الصحيحة القائمة على حب تحقيق العدالة للمظلومين ونسيان الألم الذي حاق به منذ كان صغيراً حين شهد مصرع والديه عرف خطواته واستغل الثروة الكبيرة التي خلفها والده له لكي تساعده إنجاز هيأته وتصنيع أدواته وخوض مغامراته٠

فساد وفوضى

Heath Ledger | هث لدجر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخطّة نجحت. »باتمان يبدأ« هو أفضل تقديم سينمائي للشخصية التي وُلدت سنة 1938 من حيث أنها روح وحركة ومغامرة باتمانية حقيقية خالية من حب التنويع والتلوين والإستعراض الكوميدي الخفيف. كل ما فيها ينضح بكل ما كان هواة الكوميكس واولئك الذين كانوا يريدون التعرّف عليها للمرة الأولى مشاهدته منها٠ لذلك لم يمل الجمهور التمهيد الطويل بل كان بمثابة تقدمة للمغامرة الأولى التي يتولاها باتمان في المدينة المظلمة التي يعيش فيها٠
الفيلم الجديد »الفارس المظلم«(او »الداكن«) هو تكملة على ذات الدرب. في الأساس فيلم تيم بيرتون الأول قبل تسعة عشر سنة يشمل في ساعتيه قصّة »باتمان يبدأ« و»الفارس المظلم« معاً. شخصية باتمان يواجه هناك شخصية الشرير الأول »ذ جوكر« وفي حين قام بإدائها في الفيلم السابق المبهر جاك نيكولسون يقوم بإدائها هنا الممثل الراحل (قبل أشهر قليلة) هيث لدجر في الظهور الأخير له على الشاشة (الا إذا أتم تيري جيليام فيلمه
Imaginarium
ذاك الذي مات لدجر وهو لا يزال في منتصف تصويره) لكن على عكس ذلك الفيلم السابق، فإن الشرير لا يطغى على الممثل الأول، بل يوازيه الفيلم الجديد يطرح مسائل مهمّة موزّعاً إياها على أحداث تتعامل ومفاهيم مثل الفساد والقوّة الطاغمة والفوضى وماهية العدالة ودور الإنسان لتأمينها٠ وفي حين أن باتمان في الأصل وفي بعض الأفلام السابقة تطرّق الى هذه المواضيع الا أن الفارق الرئيسي هي أنها مطروحة هنا كأساس في المعالجة وليس فقط لضرورة أن يدور الفيلم عن شيء ما٠
ايضاً في حين أن معظم تلك الأفلام تحدّثت عن حاجة إبناء المدينة ( أسمها غوثام في الفيلم) الى بطل يحقق المعجزة لنصرة القانون الفالت، الا أنها لم تستطع أن تنقل هذه الحاجة الى الجمهور المتلقّي في الصالة على النحو الذي ينجح هذا الفيلم في إنجازه٠
الفيلم بذلك هو عن التحدّي الذي يواجه المفسدون في المدينة حين يتصدّى لهم بطل بقدرات باتمان الجسدية والمادية والميتافيزيقية أيضاً. جوكر هو أقصى ما يمكن الوصول إليه من الإنسان من شر: شخص غطّى وجهه بطباشير ملوّنة واستحوذ قدرات تعتمد الخديعة والعنف وتسلّح بإمعان في تقديس الجريمة بحيث أصبح تجسيداً لها٠
وبطبيعة الحال، سينجز الجوكر بضعة نجاحات في هذا الصدد، لكنه سيلفت نظر باتمان الى ضرورة إيقافه عند حدّه كاشفاً في الوقت ذاته أن باتمان لا يمكن له أن يكتفي بقدراته العادية، بل عليه أن يشحذ المزيد منها لمواجهة مثل هذا الشر المحكم٠

علاقات
لكن في حين أن مثل هذه الطروحات الجادّة عادة ما تعرقل أفلاماً قائمة على الحركة، الا أنها عند كرستوفر نولان تلتصق بما يدور ولا تنفصل عنه. الفيلم ينطلق بقوّة من بدايته الى نهايته والمشاهد سواء أكانت عراكاً مباشراً او فترة راحة بين المواجهة والأخرى، تتميّز بثبات وقدر من الثقة بالعمل ككل أفضل من المرّة السابقة التي نفّذ فيها نولان »باتمان يبدأ«. والمهم جدّاً في هذا المضمار هو أن الشخصيات مكتوبة جيّداً ما يساعد على تجنيب جوكر، كما أدّاه ببراعة هيث لدجر، السقوط الى الإداء الخفيف البالوني والتهريجي الذي اضطر نيكولسون إليه بسبب من هوان المادة المكتوبة او لأن المخرج بيرتون طلب منه أن يستعرض الحركة عوض أن تنبع من داخله٠
تاريخ باتمان مثير كما الفيلم٠
ابتدعه بوب كاين وبيل فينغر وتم نشره في مطبوعات
DC Comics
منذ العام 1939 وهو كما نتعرّف عليه في الأفلام إبن صناعي ثري قُتل والداه في حادثة سلب. المسألة التي دائماً ما تثير الإهتمام هو موقع الأب في أفلام السوبر هيرو٠ فباتمان قُتل والده وهو صغير، وسوبرمان خسر والده على الكوكب الذي وُلد هو عليه وتبنّاه صاحب مزرعة حين وجده وزوجته وصاحب المزرعة يموت بعد حين ليس بالبعيد- أي أوّل ما ترعرع الصبي وأصبح شابّاً٠ والد »الرجل الحديدي« يموت قتلاً أيضاً ووالد سبايدر مان غير موجود وهو متّهم بقتل والد صديقه الأعز إليه ما يشكّل هنا صفة مهمّة يمكن دراستها نفسياً وهي أن يكون الصديق هو نصف سبايدر مان في اللا وعي وبالتالي أن يكون والد صديقه هو والده الذي لم يتعرّف عليه٠
في كل الأحوال نجحت الشخصية على ورق مجلات الكوميكس ثم ظهرت في الصحف ككرتونيات يومية مسلسلة. وبيعت كتباً كروايات وظهرت على الشاشة الكبيرة لأول مرّة في العام 1943 في ثلاثة عشر حلقة مدّة كل منها نحو ربع ساعة تعرض مسلسلة في مقدّمة الفيلم الرئيسي على ثلاثة عشر أسبوعاً. بطل تلك الحلقات كان لويس ولسون وهو أوّل من لعب الشخصية. في العام 1949 ظهر فيلم »باتمان وروبين« (روبين هو الشاب الذي يوظّفه باتمان لمساعدته) ولعب الممثل روبرت لاوري دور باتمان٠
هذا كله قبل أن ينتقل باتمان الى التلفزيون سنة 1966 (كان سوبرمان سبقه الى التلفزيون في مطلع الستينات) وجاء الفيلم الثالث »باتمان« سنة 1966ثم انقطع التواصل حتى عادت السلسلة السينمائية الى الوجود في العام 1989
هل هناك من جزء لاحق؟ نهاية هذا الجزء الجديد تؤكد هذا ، يبقى أن تؤكده الإيرادات٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠