Jul 31, 2008

ISSUE 299 -YEAR 2| Klefty | Chinese Cinema | Arab Film Festivals | Bud Abbott & Lou Costello

Tuesday 5/8/08

Film*Reader صدر العدد 10 من
وفيه مقالات نقدية عن أفلام جديدة وقديمة بالإضافة الى بلوغ يومي بعنوان »فيلم اليوم«٠

Wanted اليوم: إقرأ في »فيلم ريدر« عن
غداً: إقرأ هنا عن فيلم افتتاح مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي



The Daily Chronicle | 8 | المفكّرة اليومية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يونيڤرسال تفوز بتارانتينو
-------------------
يا لها من متعة، يا سادة يا كرام، أن يكون المخرج محط تنازع شركات السينما. كل تود أن يحقق لها فيلمه المقبل. أترى ذلك يحدث عندنا؟
ذات مرّة كنت أتساءل هكذا حين نهض شاب وقال: هذا ليس صحيحا والسينما عندنا بألف خير؟ قلت له، وكان هذا الكلام قبل نحو عشر سنوات، كيف هي بخير وثلاثة أرباع مخرجينا يطرقون الأبواب بحثاً عن التمويل ولا يجدوه؟
هذا لا يحدث مع كونتين تارانتينو ولا في أي بلد مبني على ثقافة الفن والإبداع. شركات هوليوود الرئيسية دخلت منافسة في الأسبوع الماضي للفوز بالفيلم المقبل للمخرج كوينتين تارانتينو وعنوانه
Inglorious Bastards
والشركة التي فازت به هي يونيڤرسال ومبدأ التنافس هو: من يمنح المخرج ما يطلبه من الحرية والمسؤولية والميزانية. الفيلم حربي من منوال
The Dirty Dozen
لروبرت ألدريتش، إنما مع جنون تارانتينو المعتاد٠

غود نيوز سينما
-------------------
كثيراً ما أسأل عن مجلة »غود نيوز سينما« - ما رأيك بها؟ هل هي جيّدة فعلاً؟ وإذا حققت المجلة التي في بالك هل ستكون مثلها؟
بعد شهرين ستطبق عامها الرابع وتفتتح عامها الخامس. هذه الحقيقة كافية لتبديد الوهم بأنها ليست ناجحة. لقد خطّت لنفسها منذ البداية منهجاً خاصّاً ونجحت، بفضل إشراف غزير من المعلومات والتفاصيل الصحافية التي تحتاجها مجلة سينما للوقوف على قدميها أمّنه، ومن العدد الأول، علاء كركوتي٠ علاء يرقب. يدرس. يصمّم الأفكار ويشرف على المادّة كما يكتب وهو في الأساس محب للسينما جاءها للتخصص وليس للزيارة٠
جيدة؟ طبعاً تجد فيها ما هو جيّد. العدد الجديد لهذا الشهر هو الأضخم في تاريخها ويتكوّن من 228 صفحة. لاحظ، فقط المجلات النسائية الناجحة التي تصدر في عالمنا العربي المتخم بها (مجلة جديدة كل أسبوع؟) تستطيع أن تنجز مثل هذا العدد من الصفحات و(آمل) الإعلانات٠ لكن »غود نيوز سينما« ليست معمولة لتكون كلّها على نسق واحد من الإهتمام. كما نعلم هناك أكثر من ناحية للسينما. أكثر من حقل يمكن الكتابة فيه: الدراسات النقدية والنظرية، نقد الأفلام، المتابعات الإخبارية، السينما كصناعة وبزنس وتجارة (نوع ڤاراياتي) السينما كأنواع (الكوميدية والبوليسية والرعب الخ...) وكلها موجودة بقدر متجانس في »غود نيوز سينما«٠
على ذلك، الجودة المطلقة هي مستوى الجدّية. لو كانت هناك مجلة للدراسات السينمائية تحيط بالأفلام جديدة وقديمة وبأشخاص السينما أمام ووراء الكاميرا تنطلق بمستوى صحافي معاصر وليس بائد، فإني سأفضّلها. والمجلة التي أتمنّى تحقيقها هي تلك التي تنتمي الى هذا النوع. إلى أن يتم ذلك، فإني أعتقد أن مجلة »غود نيوز سينما« تفي بالمطلوب وأكثر منه وتصبح ضرورية حتي على المستوى الذي هو أقل من رغبة الناقد الكاملة٠

شريهان
-------------------
العدد الجديد من »غود نيوز سينما« فيه موضوع عن الممثلة شريهان التي -عندي- من أفضل المواهب التمثيلية النسائية في العالم العربي، ولولا وضع السينما العربية المثقل بالنوايا الشريرة او -على الأقل- بغياب النوايا الخيّرة، ولولا الأحداث الصحية المؤسفة التي تعرّضت لها، لكانت بلغت شأناً أعلى بكثير مما بلغته الى الآن٠
إنها، كممثلة، من جيل الثمانينات. جيل خيري بشارة ومحمد خان ومحمد كامل القليوبي وعاطف الطيّب. ومثل أبناء ذلك الجيل هي نتاج تاريخ السينما المصرية في أزهى عقديه (الستينات والسبعينات) ونتاج طموح شباب الفترة لمواصلة الوصول بفن السينما الى أزهى صوره والإضافة عليه٠
لا أدري ما الذي كتبه محررو تلك المجلة عنها، لكن آمل أن يكونوا أوفوها حقّها في هذا الزمن الذي لا يعرف العاملين في سينماه شيئاً من شيء٠

رادار ڤاراياتي
-------------------
رادار مجلة »ڤاراياتي« الأميركية في العالم العربي هو علي جعفر وهو يكتب في نشرتها الإلكترونية الأخيرة التي تضم مقالات منشورة في أعدادها الأسبوعية او اليومية، بضع مقالات تخص السينما والتلفزيون العربي، كالعادة، وأحدها بعنوان »المشاهدون العرب غير معنيين بفتوى سعودية. ويبدو أن المفتي الشيخ عبد العزيز الشيخ هاجم المسلسل التركي المبث على قناة الأم بي سي وعنوانه »نور« محذّراً من مغبّته٠ وحسب الكاتب، فإن الجمهور العربي لم يأبه لهذا التحذير ولو أنه يعترف بأن المحطات العربية سبق لها وان استجابت لتحذيرات مماثلة وأوقفت بث حلقات اعتبرت مخلّة٠
أعتقد أن موقف الدين موقفاً طبيعياً لابد أن يصدر وموقف الجمهور من موقف الدين هو أيضا طبيعي لابد أن يحدث. أين الخبر إذاً؟
كل في هذه الدنيا يلعب الدور الذي يرى مصلحته فيه: رجال الدين من واجبهم التنبيه (بصرف النظر عن صواب او خطأ المفهوم) والمشاهدون من مصلحتهم عدم الإلتفات الى هذا الشأن طالما أن المسلسل المذكور يؤمن لهم »الترفيه«. وعلي جعفر عليه أن يكتب مثل هذه المادّة الخبرية التي لا تحاول إنصاف الجانب الأول ولا تهتم فعلاً بالجانب الثاني، بل يهمّها وتعبّر عن البزنس في الجانب الثالث: المحطات التلفزيونية٠

الغالبية الصامتة؟
-------------------
قرأت الكثير عن هذا المسلسل التركي ويستحق العرب في كل مكان ما تصنعه بهم المحطّات التلفزيونية. لم يعد في عقلي وقلبي مكان للترحيب بمبدأ أن الشعب العربي مسكين ومغلوب على أمره لا يقدر على فعل شيء للإرتقاء بمستواه الثقافي والفكري٠
هذه الغالبية الصامتة التي يعتبرها بعض كتّاب السياسة التعبير عن الواقع الحقيقي للأمّة العربية هي غالبية سلبية. صامتة لأنها ضعيفة. لأنها بلا إرادة ولا إيمان٠ صامتة لأنها ذات وجهين لا تعرف بأي وجه تنطق. بقلبين. لا تعرف بأي قلب تشعر٠ غالبية رضت أن تكون صامتة وغير مكترثة ومتّكلة على الله في التغيير، كما لو أنه سيغيّر ما في أنفسهم من دون أن يبادروا هم الى التغيير. او آملين بمستقبل أفضل ولو أنهم يعلمون في أي حضيض نحن٠
يعلمون كما قوى التطرّف وكما قوى المسؤولين تماماً. كل ما في الأمر أن الجانبين يقومان بنحرهم وهم صامتون٠
والحال هذه يستحقّون نجاح المسلسل التركي وآمل أن ينضوي المسلسل العربي إنضواءاً تامّاً لأن أهل الإنتاج لم يفكّروا في رفع مستوى الطرح فنياً او ثقافياً الا في الحالات القليلة، ومشوا على خطى من سبقهم: زووم إن، زووم آوت، حركة سريعة هنا وحركة بطيئة هناك وحوار طويل وأفكار بالية وكوميديا لا تضحك ودراما لا تُبكي وكتابة وتمثيل وإخراج من ذاك النوع المتّصل، ولن أكون دبلوماسياً هنا، بسلّة المهملات ينزلق إليها تلقائياً. بعضها برائحة تزكم الأنوف٠
هذه الغالبية الصامتة المستمعة بما يُعرض عليها وهذا هو التلفزيون الذي يقبض من كل مشاهد جزءاً ثميناً من حياته غير الثمينة... وتريدونني أن أشفق على هذه الغالبية؟ تستحق ما يُفعل بها وأكثر٠

أغنية للناطقين
حين غنّى الفنان الراحل محمد عبد الوهاب، رحمه الله، في الستينات كلمات تقول
أخي جاوز الظالمون المدى
أنتركهم يغصبون العروبة، مجد الأبوّة والسؤددا
كان الجواب العربي من المحيط الى الخليج : لا. كانت هذه هي الغالبية غير الصامتة ترد٠
الآن نفس السؤال والجواب: نعم.... ليغتصبوها كما شاء لهم فنحن ديكورات في الحياة لا أكثر... نحن القردة الثلاث التي بعضها لا يرى وبعضها لا ينطق وبعضها لا يسمع وثلاثتها لا فائدة منها... هذه هي الغالبية الصامتة اليوم٠



The Daily Chronicle | 7 | المفكّرة اليومية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إتصال آخر الليل



اتصلت بالمخرج البحريني بسام الذوادي قبل أيام واعتقد إن الوقت كان متأخراً٠
كان صوته هادئاً كالعادة لكني لاحظت أنه كان أيضاً خافتاً٠ سألته عن أحواله وأعماله فأجاب أنه يشتغل على تحضير التصوير لفيلمه الجديد (الرابع ما شاء الله) وهو »شقة الحريّة« للسفير السعودي السابق غازي عبد الرحمن القصيبي وهو يأمل في البدء بالتصوير في مطلع العام المقبل٠
هذه ستكون المرّة الثانية التي يتم فيها نقل الرواية الى الشاشة٠
mbc المرّة الأولى قبل نحو إثنا عشر سنة عندما قامت محطة
بإنجازها حلقات تلفزيونية. آنذاك كنت أعمل في المحطة منتجاً وتم عرض السيناريو عليّ كإستشارة وقرأت وأفتيت لكني لم أبق في الجوار لكي أعرف ما الذي حصل. كذلك إلى أن انتهى تصوير المسلسل كنت عدت الى الولايات المتحدة ولم أر من المسلسل ولا حلقة٠
.......................................................
مفهوم المدوّنات
أعتقد أنك تستطيع أن تفعل ما تريد في المدوّنة التي تنشيء٠
تستطيع أن تكتب فيها ذكرياتك وأفكارك الشخصية٠
تستطيع أن تضع فيها مقالات مكتوبة عنك٠
تستطيع أن تضع فيها تقتطف فيها أخباراً من هنا وهناك٠
u-tube او تنشر فيها مقاطع من أفلام توفّرها
أيضاً تستطيع أن تبقيها محدودة بنوع معيّن او أن توسع إطارها لتحوّلها الى ما يشبه الموقع الشامل. الفرق طبعاً أنك على الموقع تستطيع أن تنقر أزراراً فتفتح أبواباً تخص الموقع نفسه. في المدوّنة عليك أن تنقر على عناوين تأخذك الى خارج المدوّنة تماماً.... هذا إذا أردت أن توفّرها للقاريء أساساً٠
بالنسبة إليّ أكتب فيها كل ما يخطر على بالي.... من أمور وأفكار خاصّة الى نقد سينمائي ومن مقالات حول شؤون السينما كافّة الى أخبار وأحداث٠ وحين أدركت أنه من الأفضل افتتاح موقع آخر للنقد السينمائي لم أتأخر، رغم مساحة الوقت المحدودة٠
الآن مجلة فيلم ريدر (بالمتوفّر من القراء صيفاً) تقف على قدميها وستتجدد يومياً (ولو أن العدد الشامل سيبقى أسبوعياً كما الحال هنا)٠
وكنت بدأت بعمودين والآن صارت كل مجلة بثلاثة عواميد . وكنت أكتبها وحدي. الآن فتحت الباب قليلاً لكن الدعوة لا تزال محدودة (وستبقى) وهناك عدد من المفاجآت خلال السنة الثانية من حياة
Shadows and Phantoms
بإذن الله٠
وكل ذلك من أجل شيء واحد وواحد فقط: نشر الثقافة السينمائية كما يجب٠
لكل مفهومه للسينما وهذا لا يعني أن هذا المفهوم خطأ او صواباً (المقارنة لها مجال آخر) لكن مفهوم هذا الناقد هو أن يؤم الناقد الكتابة من منطلق حبّه لكل ما هو سينما. دفاعه عن مقوّماتها ورسالاتها ومدارسها الفنية والفكرية كافّة. الرأي ليس سيد الموقف، بل يأتي في الدرجة الثانية من الأهمية، ولو بفاصل ضئيل٠
لست وحدي في هذا المضمون: لقد قرأت لنقاد بريطانيين ولنقاد فرنسيين (بعد الترجمة الى الإنكليزية) ولنقاد أميركيين وكلهم مشتركون في أنهم أولاً: محترفين وثانياً ليسوا من جيل الإنترنت ولو أن بعضهم انضم إليه مثلي٠
هؤلاء متفقون على أن واحدة من مشاكل النقد في المواقع والمدوّنات الإلكترونية هي أن الكتّاب يقفزون الى الرأي سريعاً. لا يهم ثقافة الفيلم ولا يهم حتمية المراجعة للعمل بالمقارنة مع تاريخ او ظرف او تيار ما. المهم هو النطق بالحكم سريعاً على طريقة: أعجبني ولم يعجبني٠
هذا أكثر إنتشاراً منه في الغرب من الشرق، ربما لأن عدد أصحاب المدوّنات السينمائية هناك أضعاف ما هو عليه هنا٠
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
الفارس المظلم سيّد المدينة


مومياء في الصين .... الجزء الثالث من المسلسل يحل ثانياً هذا الأسبوع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Dark Knight للأسبوع الثالث على التوالي سيطر
على سوق السينما الأميركي رغم المنافسة الجديدة التي تمثّلت بفيلم
The Mummy: Tomb of the Dragon Emperor
الذي أخفق في احتلال المركز الأول ولو من بعد أن خسر فيلم باتمان 42 بالمئة من زخم الإقبال عليه٠
مومياء براندون فرايزر حل ثانياً بإيراد قدره 42.4 مليون دولار منتشراً على 3760صالة، فيما لا يزال باتمان عبر »دارك نايت« مستولياً على 4266 شاشة عرض منجزاً قرابة 44 مليون دولار في أسبوعه الجديد٠
كان الجزء الأول من »المومياء« حقق سنة 1999 قرابة 43.4 مليون دولار. والثاني سجل 68.1 مليون دولار في العام 2001 وكلا القصّتين دارتا في مصر (إفتراضاً) لكن الفيلم الجديد صيني الأحداث (كل التنانين خرجت من هناك؟)٠
........................................................
فيلمان إيرانيان في ڤانيسيا
فيلمان إيرانيان جديدان في مهرجان ڤانيسيا السينمائي الدولي الذي سينطلق في السابع والعشرين من هذا الشهر (وحتى السادس من أيلول/ سبتمبر المقبل) أحدهما هو الفيلم الجديد لعبّاس كياروستامي- المخرج المؤلّف من بالون هواء يطير تلقائياً. هذا لديه فيلم جديد بعنوان
Shirin
يقدّمه خارج المسابقة وبأسلوبه المازج بين الوثيقة والرواية (الرواية الوثائقية- قال ذات مرّة) يؤدي دوره كمضيف لحدث عالمي يستقبل فيه النجمة الفرنسية جولييت بينوش٠
ما عندي ضد الرجل؟
لا شيء... فقط أعتقده أحد أكبر أكاذيب السينما المعاصرة اليوم. فقط٠
الفيلم الثاني لمخرج مهاجر هو أمير نادري أنجز قبل أسابيع قليلة فيلمه الجديد
Vegas
ويعرضه في نطاق المسابقة الرسمية٠




تحية إلى تحفة اسمها "كليفتي"٠
أمير العمري

الزميل أمير العمري خصّ »ظلال ونجوم« بكتابة
نقدية لفيلم محمد خان »كليفتي« ورأي فيه ما فات
العديد من النقاد الذين تحدّثوا عن الفيلم- م. ر٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم أكن قد شاهدت فيلم المخرج الكبير محمد خان "كليفتي" الذي أخرجه منذ سنوات. وكنت قد تأهبت لمشاهدته عند إدراجه في برنامج أحد المهرجانات السينمائية العربية في اطار تكريم محمد خان في أوائل 2005 ويالسخرية، لم يفلح في الحصول على "وسيلة" لعرض الفيلم الذي صور بكاميرا الفيديو ( الديجيتال). وكان يتعين علي الانتظار أكثر من 3 سنوات أخرى لمشاهدة الفيلم عند عرضه أخيرا في إحدى القنوات الفضائية المتخصصة في عرض الأفلام٠

ولا أقول أنني فوجئت بالمستوى الفني الممتاز من جميع النواحي في هذا الفيلم البسيط الإمكانيات، بل إنني فوجئت بالفعل أنني أمام "تحفة" سينمائية خالصة، لا مجال فيها للخطب والمواعظ والأفكار المعلبة المسبقة عن "واقعنا السياسي والاجتماعي وما أصابه وحل به من نكبات".. إلى آخر كل هذه الشعارات التي يروق للبعض ترديدها تعظيما لكل ما يتفق "أيديولوجيا" مع أفكارهم المسبقة، فالفيلم ليس من أفلام الهجاء السياسي بل هو من أفلام البحث الشاق عن العلاقة بين الإنسان والعالم المحيط به، ليس على صعيد مجرد أو تجريدي بالطبع، بل في إطار محدد نعيشه ونلمسه٠

فالإنسان هنا هو ذلك الإنسان البسيط المهمش، الضائع، الذي لا يكف عن التطلع لتحقيق أحلامه الصغيرة إلا أنها تجهض باستمرار، ويتعين عليه في كل الأوقات أن يدفع الثمن: تارة في السجن الصغير، وترة أخرى يصبح مطاردا كفريسة مذعورة في السجن الكبير، لكنه يظل دائما يحاول ويسعى للتماسك ولو على مستوى القشرة الخارجية، بينما هو مهزوم ومحطم بالكامل في داخله.

هناك تيار ما "وجودي" في هذا الفيلم الشاعري الجميل المحمل بعشرات الإشارات حول معنى الوجود في عالم يرفضك ويضيق عليك، تفلت منك الفرصة فيه تلو الأخرى باستمرار، لكنك تحاول وتسعى وتتشبث ببصيص من الأمل: في الحب، في الصداقة، في استراق السمع، في سرقة الأشياء الصغيرة، في التعالي على المظاهر الخارجية من حولك، في الإحساس بعدم جدوى ما تفعله في قرارة نفسه، لكنك تواصل "ارتكابه" لأنه الشئ الوحيد الذي يضمن لك مجرد البقاء ولو على الهامش٠

الأصدقاء يصبحون وهما كبيرا، والأسرة طغيان من المشاعر التي لا يمكنك احتمالها، والحب لا مجال له لكي يكتمل بل يتوقف عند لحظات من المتعة المسروقة التي تمنح بطلنا الصعلوك المشرد، نقطة ضوء يواصل بها الاتكاء على جذع من النوايا الطيبة، والكثير من الحماقات الصغيرة٠

فيلم "كليفتي" واحد من أكثر الأفلام شجاعة وتحررا، من كل سمات السينما العتيقة البالية: سينما الحبكة المفتعلة والتهريج باسم الكوميديا الجديدة، والروح العدمية التافهة المغلفة بالألفاظ المتدنية التي جعلت حتى اللهجة المصرية تصبح سوقية ومبتذلة وجعلت المرء يشعر بالخجل منها٠

هذا فيلم مصنوع برقة الشاعر المبدع الذي بلغ قمة نضجه في التعامل مع الصورة، بمساعدة فنان الصورة الكبير طارق التلمساني، والتحكم الذي يبلغ درجة السيطرة المطلقة على أداء الممثلين: باسم سمرة ورولا محمود٠
ويمكنني القول إن باسم سمرة ورولا محمود وُلدا بالفعل للمرة الأولى في فيلم كليفتي"، ولاشك أن "الكيمياء" التي تتدفق بينهما: من خلال المشاعر " الخافتة، والنظرات الكتومة، والهمسات الوجلة، والضحكات المنتزعة من قلب الواقع القاتم، تضفي على الفيلم مزيدا من الرونق والجمال، وتجعل لمشاهدة الأداء التمثيلي متعة خاصة. إنها مباراة في الأداء السلس البسيط البعيد عن الافتعال والتحذلق، الذي يخفي أكثر مما يظهر، لكن ما يخفيه يصل إليك كمشاهد من خلال أسلوب ولغة الصورة: الانتقال من لقطة إلى آخرى، والتكوين، واختيار الأماكن المعبرة، وزوايا التصوير التي تمنحك أقصى شعور بالجمال المحبوس في سجن الواقع المثقل بالهموم، وطريقة محمد خان في إنهاء المشهد في الوقت المناسب تماما بدون أي زيادة أو نقصان.

لا أعتبر أن هذا نقدا للفيلم بل مجرد خواطر أكتبها مدفوعا بشعوري الشخصي بضرورة عدم إفلات الفرصة لتسجيل إعجابي الكبير بهذه التحفة التي ظلمت كثيرا. لكن عزائي أن فيلم محمد خان وصل ولا يزال يصل للجمهور العريض من خلال شاشة التليفزيون. ألم تصبح شاشة التليفزيون الرئة التي تتنفس بها السينما على أي حال !٠




المهرجانات العربية من منها الكبير والمهم والجيّد؟
------------------------------
بعد أسابيع ليست بالبعيدة تبدأ معمعة المهرجانات العربية٠
الدورة الثانية من مهرجان الشرق الأوسط الذي يُقام في مدينة أبو ظبي تبدأ في الأسبوع الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر٠
مهرجان دمشق في دورته الجديدة سيقام في نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر
مهرجان القاهرة السينمائي، أعرق هذه المهرجانات، يفتح ستارة الدورة الثانية والثلاثين في الأول من تشرين الثاني/ نوڤمبر
مهرجان مراكش، في دورته السادسة، سينطلق في أواخر نوڤمبر ويمتد الى الأسبوع الأول من كانون الأول/ ديسمبر٠
ومهرجان دبي السينمائي الدولي يدشّن دورته الخامسة في الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر٠
وبين هذه المهرجانات الكبيرة وبل الضخمة حفنة من المهرجانات الأصغر حجماَ لتملآ الفجوات بينها، مثل تطوان ووهران والاسكندرية والسويس ومسقط وبيروت٠
وكما قيل سابقاً في مناسبات عدّة ومن عدد متنوّع من النقاد والمتابعين، قد تكون منطقتنا هي الوحيدة في العالم التي يبلغ عدد مهرجاناتها أكثر من عدد الأفلام الجيّدة التي يتم إنتاجها عربياً. وبكلمة جيّدة يكون المقصود تلك الأفلام التي تصلح أساساً للعروض السينمائية٠

  • المقاييس والرتب
وتأتي هذه المهرجانات العربية المتقاربة في الفترة ذاتها التي تتكاثر فيها المهرجانات الرئيسية حول العالم. فما بين منتصف تمّوز/ يوليو وأواخر تشرين الثاني/ نوڤمبر ثمانية مهرجانات دولية متنافسة موزّعة ما بين القارّتين الأوروبية والأميركية وهي حسب تواليها: كارلوڤي ڤاري، لوكارنو، مونتريال، فانيسيا، تورنتو، لندن، سان سابستيان وروما٠ هذا ما عدا »الفراطة« المهمّة مثل نانت ومونبلييه ودوڤيل وشيكاغو من بين أخرى٠
وبصرف النظر عن حجم الأفلام مقابل حجم المهرجانات، فإن المثير للتأمل ذلك القدر الكبير من التنافس القائم بين تلك الكبيرة في سعيها لتبوّأ المركز الأول في منطقتها والإنتقال الى أحد المراكز الأولى حول العالم٠
طبعاً من حق كل مهرجان أن يسعى ليكون الأكبر، خصوصاً في عالمنا المعتاد على المقاييس والمراتب٠ الثقافة السينمائية، أكثر من سواها بين الثقافات، تحفل بحب استخدام كلمات التفضيل وتلتصق بها. كونها ثقافة متّصلة بالمظاهر الفنية والإجتماعية يجعلها أكثر عرضة لغزو الإدعاءات كأن يقول ممثل أن هذا الدور الذي سيلعبه هو أفضل أدواره (وهو أمر لا يستطيع البت فيه الا من بعد تمثيله) او أن مخرج بأن فيلمه هو أوّل فيلم يتعرّض لظاهرة معيّنة (او كما حدث في العام الماضي حيث أدّعى مخرج بأنه حقق أول فيلم في بلده جاهلاً او متناسياً أن فيلمه هو الثاني وليس الأول)٠
حين يأتي الأمر للمهرجانات فإن الخلط بين الأكبر والأهم والأفضل يصبح مثل الملح في الماء لا يمكن تفريقه٠ لكن من باب الإنصاف فإن المهرجانات العربية الكبيرة ذات العروض العالمية، ليست الوحيدة تخلط بين الحجم والمفعول. بين الكبير والمهم او بين عدد الأفلام والضيوف وبين تأثير تلك الأفلام على الناس وبالتالي حسن تأدية المهرجان المعني لدوره تجاه الجمهور٠

  • تجربة تورنتو
في السنوات الأخيرة أصبح واضحاً أن الصدارة بين المهرجانات العالمية من نصيب المهرجان الفرنسي الشهير »كان«٠
وهو يستحق ذلك فعلاً فهو أولاً، وقبل كل الصفات المعهودة من كثرة ما استخدمت، المهرجان المؤثر في حركة المهرجانات العالمية بأسرها. إنه الظاهرة التي يستمد منها أكثر من مهرجان آخر معالمه. المرآة التي ينظر إليها برلين وفانيسيا لمعرفة ما الذي تحويه وذلك للتسابق الى ما تبقّى٠ والمكان الذي يأتيه كل مديري ورؤساء المهرجانات الأخرى للتبضّع منه أكثر من غيره من المهرجانات٠
فإذا اعتبرنا أن مقياس ريختر للمهرجانات قائم على ثلاثة إعتبارات هي: الحجم والجودة والأهمية، فإن مهرجان »كان« يمثّل الثلاثة تمثيلاً جيّداً. إنه أكبر المهرجانات قاطبة (بحجم ضيوفه من السينمائيين وبحجم الإعلاميين الذين يقومون بتغطيته) وهو مهم على أكثر من نحو من بينها صعيد الترويج وصعيد العروض السينمائية العالمية الأولى حيث يتم إكتشاف جديد عدد من كبار السينمائيين، ومهم أيضاً لكل ذوق وغاية فهو يعرض للناقد ويعرض للسينمائي ويعرض للتاجر، وهو يعرض الحديث ويعرض القديم٠ وهو أيضاً مهرجان جيّد ولو أن هذه الجودة هي الأمر الأكثر نسبية بالمقارنة مع بعض المهرجانات العالمية الأخرى٠
أقرب المهرجانات السينمائية الى تورنتو في التكوين هو لندن، لكن تورنتو أكبر من لندن بحجم جمهوره، وبالتالي أهم منه بحجم تأثيره٠
تطبيق هذه الأضلاع الثلاثة على باقي المهرجانات سيسجّل تفاوتات. مهرجان فانيسيا مهم أولاً وجيّد ثانياً وكبيراً ثالثاً (ولو أنه كبير فعلاً) ومهرجان برلين، مثلاً، حسب تقييم هذا العام (حيث يختلف الوضع قليلاً من سنة لأخرى) جيّد أولاً، كبير ثانياً ومهم ثالثاً٠ بينما مهرجان تورنتو مهم وجيد في ذات النسبة وكبير في مرتبة ثالثة٠
والتفاوت صارخ بين المهرجانات بعضها مع بعض. مثلاً: تورنتو أفضل من برلين لأنه حر في إختيار أفلام عرضت في مهرجانات أخرى، بينما برلين محدد له بأن لا يعرض في أقسامه الرئيسية الا أفلاماً لم تدخل رسمياً مهرجانات أخرى٠ هذه الحرية تجعله أيضاً أكبر بعدد المشاهدين وعدد الضيوف. وهو أكثر جودة من مهرجان سان سابستيان من حيث التنظيم وأكثر أهمية من حيث التأثير خصوصاً وأن سان سابستيان محاط بمنافسة المهرجانات الأوروبية التي كثيراً ما تقضم مما يتمنّى تقديمه في موعده المتأخر عنها٠

  • شوبينغ
وهناك عامل آخر يدخل في لعبة التقييم وهو عامل مهم لكن قليلاً ما تم الإنتباه اليه٠
مهرجانات برلين وكان وفانيسيا تستقبل ألوف الأفلام التي ترسل من دون دعوة. طبعاً هناك الحاجة للتبضّع او »الشوبنغ« لكن ليس من مهرجانات أخرى بل من المصادر ذاتها. لذلك يقوم رؤسائها ومديريها بزيارات لأهم عواصم الإنتاج السينمائي لاختيار ما يمكن لهم مشاهدته٠
وتستطيع أن تعرف الفرق بين المهرجان الكبير فعلاً والمهرجان الكبير تصنّعاً من هذه النقطة بالتحديد. فبينما تصل معظم أفلام هذه المهرجانات اليها من دون أن تتحرّك غالباً من مكانها، تقوم المهرجانات الأخرى بالتبضّع من برلين وكان وفانيسيا وبل من مهرجانات أصغر قليلاً مثل لوكارنو وأصغر منه أحياناً٠
المسألة هنا ليست تفصيلة عارضة، بل في صميمها يكمن ما وصل إليه المهرجان المعيّن من أهمية عالمية٠ وبتطبيق هذه المسألة على المهرجانات العربية، فإن الملاحظة الأولى هي أنها لا زال عليها أن تعتمد على زيارة محلات كان وبرلين وفانيسيا وسواها للتبضّع. إنها في تلك المهرجانات تجلس لتشاهد الفيلم مع باقي الحضور المتنوّع لترى إذا ما كانت تريد إنتقاء هذا الفيلم لمهرجانها او لا تريد٠ وإذا ما كانت تريد ذلك، فعليها أن تقوم على الفور بالإتصال بالشركة الموكلة بتوزيع الفيلم للحصول على موافقتها. فإن فعلت وضعت الفيلم في قائمتها او عادت به مباشرة٠
طبعاً هي تستلم طلبات ( كل مهرجان يفعل) لكن نسبة طلبات الإشتراك التي تتقدّم لأي مهرجان عربي من تلقاء نفسها لا زالت أقل من نسبة الأفلام التي يتم إختيارها عن طريق حضور المهرجانات الأخرى ومشاهدة ما لديها من أفلام٠
والحال هو التالي
إلى أن يختار المهرجان العربي السينمائي الدولي ( المنتج او المخرج) لعرض فيلمه فيه فإن المهرجان العربي لا يزال أقل أهمية مما يعتقد٠
ولكي يقوم منتج ألماني، إيطالي، ياباني، أميركي، فرنسي، بريطاني او أسباني باختيار هذا المهرجان العربي من تلقاء نفسه ليشترك في مسابقته (وكل المهرجانات المذكورة أعلاه هي مهرجانات فيها مسابقات) هناك عناصر مهمّة على المهرجان العربي أن يتحلّى بها (وحين يفعل يصبح مهمّاً) ومن بينها النجاح الى درجة كبيرة بحيث يستدعي الإعلاميين من كل أنحاء العالم متقاطرين ليس بالدعوات وحدها، بل بالإستعداد لتغطيته حتى من دون دعوات. من بينها أن يكون على درجة كبيرة من التنظيم بحيث لا يضيع الفيلم او تتعرض النسخة للخدوش او العطب وبحيث لا يقع في ركب المهرجان أخطاء من نوع وصول مدعوّين من دون أن يجدوا أن لديهم غرفاً بإنتظارهم ( حدث ذلك في أحد المهرجانات حديثة التكوين ولا يزال يحدث مع مهرجان قديم التكوين على حد سواء)٠

  • القائمة
تبعاً لذلك فإن المهرجان لكي يعتبر نفسه مهمّاً عليه أن يحظى بالمكانة الحقيقية التي تثير اهتمام السينمائي العالمي فيتقنع به. لكن ذلك ليس المقياس الوحيد لأهمية المهرجان العربي٠ الخطأ الذي ترتكبه معظم مهرجاناتنا هو أنها هي التي تقرر إذا ما كانت مهمة او لا. وبما أنها هي التي تفعل ذلك فإنها تعتبر نفسها كذلك لكن على المرء المحايد أن يطرح السؤال من دون إنحياز: هل هذا المهرجان مهم فعلاً او لا؟
أولاً: لا يوجد أي مهرجان عربي خال من الأهمية. كل واحد منها يؤمّن، بنسب متفاوتة، للجمهور المحلي أفلاماً لن يستطيع رؤيتها من دون العروض التي يؤمنها المهرجان له. لكن في الوقت الذي يحتاج فيه الجمهور الى المهرجان لهذه الغاية، فإن المهرجان يحتاج الى الجمهور ليبرر به وجوده أساساً٠ الجمهور المحلي يمنح المهرجان جزءاً أساسياً من حجمه وجزءاً مماثلاً من أهميّته٠
الحال هذه، ربما آن الأوان لمهرجانات السينما العربية إلقاء نظرة فاحصة على ما تقوم به في نطاق مساعيها للاستيلاء على كلمات مثل أكبر وأهم وأفضل٠
إنها هذه المسمّيات التي تعزز عملية استخدام كلمات أخرى مثل كلمات المقارنة مع المهرجانات العالمية الكبيرة. هذه المقارنات لا تتم مع مهرجانات في على جانبي الصف الأول، بل عليها أن تنتمي، في عرف بعض هذه المهرجانات بلا ريب، الى صميم ذلك الصف. وكم من مرّة سمعنا أن المهرجان الفلاني أصبح أحد أهم ثلاثة او أربعة أو خمسة مهرجانات عالمية٠
لكن الحقيقة هو أنه لم يصبح. ليس من بين أي من مهرجاناتنا ما يستطيع منافسة أي من المهرجانات العشرة التالية
كان
فانيسيا
برلين
تورنتو
سندانس
سان سابستيان
لوكارنو
كارلوڤي ڤاري
ترايبيكا
روما
على أساس الأفضلية او الأهمية. يستطيع أن ينافس عدداً منها على صعيد الحجم المكوّن عادة من عدد الأفلام وعدد الحضور وعدد الأصفار أمام الرقم الذي يشكل الميزانيات٠ وهذا ما يقود الى الحقيقة الأخرى (وليس الأخيرة ربما) في هذا الشأن٠

هذه الحقيقة هي أن الميزانية الكبيرة تخلق مهرجاناً يستطيع أن يكون كبيراً، لكن هذا الحجم لا يستطيع أن يضمن الأولوية في شيء وهو إذا لم يكن أوّلاً في مجالاته ( او في بعضها على الأقل) فإنه عملياً لا يزال صغيراً او، في أفضل الأحوال في الصف الثاني٠


سينما صينية جديدة تنظر بأعين حزينة الى صين قديمة !٠

تستدعي الصين اليوم إهتمام أكثر من فريق على الساحات السياسية والإقتصادية والإعلامية والرياضية معاً على أساس أنها تمثّل شأناً على كل واحد من هذه الأصعدة ولكونها خاضت، لجانب المتغيّرات الإجتماعية التي طرأت عليها بسبب من تغيير منهجها الإقتصادي (من دون تغيير نظامها الإقتصادي فهي لا تزال دولة شيوعية)، أحداثاً مهمّة في السنوات الأخيرة، من توالي الكوارث الطبيعية الى قمعها المتمردين في التيبت ومن اشتراكها في المباحثات كوسيط بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، الى رفضها إدانة السودان بسبب مأساة الدارفور٠
الآن والى كل ما سبق هناك الخطّان المتلازمان: فهي تستقبل الدورة الجديدة للألعاب الأولمبية وتعيش سلبيات وضعها السياسي بعد أحداث التيبت والبيئي بسبب النسبة المرتفعة من التلوّث الجوي الذي تعيشه البلاد٠

من »حياة هادئة« أحد أفضل ما أنتجته السينما الصينية الجادّة في السنوات الأخيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبينما تتوزّع عيون العالم حول هذه المستويات المتعدّدة للوجه الواحد لا يبدو أن أحداً يرقب ما نجحت السينما في دفعه الى الواجهة حول الأوضاع المعيشية والبيئية والإقتصادية لصين جديدة صارت أكبر وأقوى من دون أن تصبح أفضل٠
هناك نحو 400 فيلم يتم إنتاجها في الصين كل سنة معظمها ينال تصريح عرضه بلا مشاكل من أي نوع٠ هذا المعظم يصل الى أكثر من 350 فيلم تفاهم صانعوها بينهم وبين أنفسهم حول ما يريدون عرضه ولأي غاية. وكما أن هناك سينما سائدة غربية، هناك سينما سائدة صينية (او شيوعية) هي تلك التي تثرثر صوراً وحواراً ولا تقول شيئاً مفيداً الا بمقادير تتفاوت عن بعضها البعض قليلاً٠
وإذا لم تفعل جنت على نفسها. فالرقيب منتصب في منتصف الساحة ومقصّه يعمل كثيراً كلّما فكّر المخرج خارج الصندوق. وإذا وجد الرقيب أنه سيستخدم المقص أكثر مما يريد أن يستخدمه حرّم عرض الفيلم الا إذا ما أعاد صانعوه تغيير ما كان عليهم القيام به باديء ذي بدء. وإذا كان التغيير وإعادة التصوير لا ينفعان لأن المطلوب تغيير الفيلم بأسره، حُرم المخرج من السفر والفيلم من العرض وتم إثبات الواقعة في محاضر تدين أفلامه المقبلة٠
حين واجه تشن كايغي وزانغ ييمو هذه المعضلة قررا الإنتقال من الأفلام التي تتعرّض لقصص غير مرحّب بها الى أخرى يتم نقلها الى ما قبل وصول السُلطة الشيوعية الى البلاد. فجأة صارا يتباريان على تحقيق أفلام فنون قتال شرقية تحتوي النينجا والكونغ فو وفنوناً أخرى بالتأكيد لها أسماء صينية لم تشق طريقها للغرب كعلامات تجارية. ليس بعد٠
البعض رفض الإذعان مثل تيان زوانغزوانغ الذي كان حقق »طائرة الورق الزرقاء« سنة 1993على نحو أغضب الرقابة الصينية فمنعته من الإخراج لفترة. حين عاد لم يهرب من المواجهات وحقق أفلامه اللاحقة (مثل »زهرة الياسمين« و»حب في الذاكرة« و» و»الربيع في بلدة صغيرة« على نحو »كاموفلاجي« يضمن تمرير بعض رسالاته التي تتبدّى واضحاً لمن يُجيد قراءة الفيلم٠

  1. تركيبة مختلفة
لكن في السنوات الثلاث الأخيرة تسللت بضعة أعمال مشاغبة الى الشاشات العالمية وعرفت كيف تنقل في سعيها لتقديم حقيقة مخالفة للصورة التقليدية ملامح من حياة داكنة، قلقة، غير سعيدة ومحمولة بالهم على المستوى الشخصي والإجتماعي٠
إثنان من هذه الأفلام تم كشف النقاب عنهما مؤخراً٠
إنهما »مدينة 24« و»مدينة الحلوى«٠ وكل مدينة تختلف عن الأخرى٠

يحتل فيلم »مدينة 24« مكاناً غير مريح بين الروائي والتسجيلي ليس على نحو من لا يعرف وجهته فيحتار في كيفية التصرّف او يفقد هويّته الفنية، بل على نحو من يريد الخروج من هذا التمازج بأسلوب سردي جديد٠
المخرج جيا زانغي ينجح الى حد لا بأس به في صنع هذه التركيبة لكن ما يحتاجه الفيلم هو قدر مواز من الأحداث ترفع من إهتمام المشاهد بالفيلم لكنها تخفق بمنح مخرجه ذات القدر من الإهتمام على الرغم من أن جيا زانغي حقق سابقاً ما استحق التقدير الذي واكبه٠
الموضوع في هذا الفيلم هو ذلك المصنع القائم في مدينة شنغدو الصينية. قبل خمسين سنة تم إنشاؤه لإنتاج
محركات للطائرات وُعرف حينها بإسم المصنع 420 على أساس أن المصانع كانت تعرف بالأرقام وحدها في العديد من الحالات٠ لتشغيل المصنع تم جلب عمّاله من أنحاء متفرّقة من الصين٠ وواحد من أهم ملامح هذا الفيلم الإنتقادية يرد في ربع الساعة الأولى من العرض حينما نستمع الى إحدى العاملات اللواتي تم جلبهن من منطقة أخرى وهي تتحدّث عن تجربتها وكيف أن قوات الحكومة فرضت عليها وعلى زوجها مغادرة بلدتهما وفي المحطّة الأخيرة قبل الوصول الى منطقة شنغدو افتقدت إبنها الصغير فانطلقت وزوجها يبحثان عنه وسط الزحام لكنهما لم يجداه ولم يتح لهما البحث عنه كفاية لأن البوليس أصر على أن يستقلا الحافلة النهرية التي ستنقلهما الى مقرّهما الجديد بصرف النظر عن نكبتهما

24 City لقطة من فيلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • المتحدّثة تبكي. الدموع حقيقية٠

هذه شهادة مؤلمة من تسع شهادات ترد على شكل مقابلات بعضها مع حقيقي وبعضها جيء بممثلين منهم من هو معروف، مثل جوان تشن وزاو تاو لإداء الأدوار. لكنها جميعاً تعكس القنوط المسيطر على هذه الشخصيات المختلفة٠
ضمن هذا الوضع تتأتّى القراءات المختلفة لما تجسّده المشكلة الأكبر. هذا المصنع كان انتقل، في الثمانينات من القرن الماضي، من صنع محركات الطائرات الى صنع الكماليات. الآن سيتم هدمه كليّاً لتحويله الى مجمّع سكني وهذا هو السبب الذي دفع بالمخرج لاستغلاله (قبيل هدمه) لتقديم عمل يتناول فيه كل تلك الحكايات وماضي، كما حاضر، الشخصيات المختارة لكي تدلي بشهاداتها٠
ليس كل شخصية لديها حكاية مماثلة لتلك التي فقدت وليدها، لكن كل شخصية لديها ما تشكو منه على أي حال ولو في حدود معارضتها الضمنية لهدم المصنع على أساس أنه أصبح مجتمعاً قائماً بحد ذاته بسبب وفرة العاملين فيه٠ هذا ما يجعل تلك الشهادات غير متجانسة بالضرورة٠

  • تفسخ العائلة
أسلوب جيا زانغي تسجيلي من حيث أنه ليس قصّة مروية على نحو أحداث، بل يأتي بأربع ممثلين رغم أنه يصوّر كل الشخصيات على نحو متساو. حقيقة أن الممثلين يؤدون شكل الشخصيات الحقيقية هي الجزء التمثيلي من الفيلم، بينما الخمسة الآخرين يعكسون الجانب التسجيلي او يسهمون في دفعه الى الأمام على الأقل. ما ينجزه جيا زانغي بالتالي أستقلالية الكاميرا كقواعد لغوية للتعبير٠
الفيلم له نبرة حزينة منسوجة من نبرة المتحدّثين فيه حتى حين يبدو على البعض قدر من السعادة. وهي نبرة اتخذها المخرج لوناً في أفلامه السابقة٠
الفيلم السابق له الذي استحق التقدير الكبير عليه في الغرب كان »حياة جامدة« الذي تطرّق فيه الى حكاية آسرة أخرى تبدأ برجل في مركب ينتقل من قريته البعيدة الى بلدة تحت العمران. البلدة تضم جانبيها: ذاك القديم المتهاوي والجديد الذي يشبه توابيت قائمة لا جمال فيها ولا ارتباط بالأرض وبالتاريخ٠
سبب مجيء بطل زانغي الى البلدة بسيط: قبل عامين تركته زوجته وأخذت إبنهما ورحلت. الان عرف أنها في هذه البلدة لكنه لا يعرف أين٠ إذ يبدأ الفيلم بالرحلة ذاتها، تدور الكاميرا بطيئاً في دائرة كاملة على ما المناظر المحيطة على ضفّتي النهر. بذلك هناك رحلتان. واحدة تنتمي الى قصّة الفيلم والأخرى تنتمي الى المخرج الذي يريدنا أن نتمعن بما يحدث ( او في الحقيقة لا يحدث) على ضفّتي النهر (ومن هنا عنوانه). حين يصل الرجل الى البلدة لا يتوقّف المخرج عن التأمّل مانحاً العنوان المزيد من التجسيد الفعلي. هذا الرجل سيعيش لحين مع مجموعة من عمّال البناء الذين يحيون حياة فقيرة. يهدمون ما تم بناؤه سابقاً ويبنون ما سيتم هدمه لاحقاً٠
حين يلتقي الرجل بزوجته وإبنه فإن اللقاء على حرارته ليس دافئاً الا من جانب عاطفي معيّن أما الكاميرا فهي كانت مهّدت لما سيستقبله المشاهد المستقل من رسالات مفادها حزن المخرج على التغييرات التي تقع في حياة الإنسان والحاجات الإجتماعية التي تتطلب تفسّخ العائلة على نحو لم يكن يحدث سابقاً٠

في نفس الركب اكتشف المتابعون في مطلع هذا العام فيلماً يصب في نفس الخانة من حيث أنه يصوّر وضعاً إجتماعياً حاضراً يبدو بلا حل٠
الفيلم هو »مدينة الحلوى« وهو النقيض تماماً لأي بطاقة سياحية تستخدمها الشركات لزيادة عدد السياح الراغبين في زيارات يتم ترتيبها لهم مسبقاً٠ هذا الفيلم يصوّر حيّاً سكنياً يقع في مدينة صينية (ليست محددة) ينتشر الفقر في كل أرجائه: من الطرق المليئة بالحفر والمستنقعات، الى الجدران المتهالكة والمنازل الضيقة. الفقر يلوّن السماء الشاحبة والشمس التي توقّفت عن السطوع. المطر الذي يهطل كما لو كان زفتاً أسود والناس غير السعيدة والحياة التي هجرتها البهجة٠
شخصيات الفيلم تعيش على الجانب المظلم من كل شيء. الفيلم بأسلوب آخر يمزج التسجيلي والروائي، يتناول حكاية شاب وفتاة يعيشان معاً لأن لا أحد لديه القدرة على الإنفصال عن الآخر. لا علاقة عاطفية قائمة ولا أي علاقة أخرى سوى البحث عن المتع الصغيرة مثل مشاهدة التلفزيون او لعب الورق او قص الصحف٠ مثل المكان الذي يعيشان فيه، حياتهما خرجت من خانة العيش الى خانة التنفّس وحده. والبيئة التي يعيشان بها والتي بدت كما لو أصبحت تمطر زفتاً وتحوّل أشعة الشمس الى وهج مضمحل والسماء الى لون رمادي دائم، إنما تظلل حياتهما وحياة الشخصيات الأخرى التي لا تستطيع أن تفعل شيئاً حيال كل هذا٠

  • ترجمة رقمية
في مقابل هذين النموذجين فإن السينما الصينية تعيش حالة مزدهرة لا تعبّر عنها مثل هذه الأفلام الكئيبة ذات القصد٠ في الواقع، يمكن ترجمة هذه الحالة المزدهرة عبر الإقبال المرتفع للمشاهدين على صالات السينما الذي يبلغ اليوم ثلاثين بالمئة عما كان عليه قبل عامين، الذي تٌرجم الى إرتفاع عدد الأفلام المنتجة من مئتين وتسعين فيلم في العام 2005 الى 330 في العام 2006 والى 406 في العام الماضي٠
الى ذلك، فإن السينما الصينية شهدت في السنوات الثلاث الأخيرة السعي لإنتاج أفلام ذات كلفة عالية. هكذا بتنا نسمع عن أفلام تكلّفة الواحد منها 30 و40 و50 مليون دولار٠
وكان بعض المخرجين المعروفين والمنضمين الى ما يُعرف بالجيل الخامس في الصين استفاد من هذا الواقع الجديد وفي مقدّمتهم رفيقي الدرب تشن كايغي وزانغ ييمو. كلاهما شغل المهرجانات الدولية بأفلام جيّدة في الصورة وفي المضمون، لكنهما الآن، وكما سبق الذكر، انتقلا الى منطقة الإنتاجات الكبيرة والتسابق على استحواذ النجاح الجماهيري الأعلى٠
تشن كايغي أنجز »الوعد« وزانغ ييمو أنجز »المأدبة« وهو اقتباس عن مسرحية وليام شكسبير »هاملت« ليتبعه على الفور بملحمة تاريخية مزخرفة أخرى بعنوان »لعنة الزهرة الذهبية«٠
أما اولئك المحافظين على رغباتهم في إنجاز ما يحمل بحثاً ومعنى فالإقبال على أفلامهم أقل. في حين سجّل فيلم »الوعد« إيراداً ترجم الى 36 مليون دولار (سعر التذكرة أرخص بكثير هناك مما هو في الغرب) فإن فيلم تيان زوانغزوانغ الجديد »المرسال« (عن ستين سنة صعبة من حياة إنسان يمررها المخرج بالمراحل السياسية المتعاقبة) لم يجلب سوى نحو 10 ملايين دولار ونحو ذلك كان نصيب »ضائع في بكينغ« للي يو٠ أما »مدينة الحلوى« و» مدينة 24« فلا أمل بالوصول الى أي رقم مرتفع... هذا إذا ما عرفا طريقهما الى العرض فعلاً٠



Abbott and Costello | المهنة: سينمائي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعتمدت الكوميديات الجماهيرية، عربية وعالمية، على إبراز درجة الغباء
لتسجيل النكتة والإحتفاء بالسذاجة لقطف الضحكة. الثنائي بد أبوت
ولو كوستيللو، لم يكنا أول ثنائي في هذا الصدد، لكن أحدهما مثّـــل
الغباء الظاهر والثاني اكتفى بالمستتر٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الثنائي بد أبوت ولو كوستيلو كوميديان أميركيان ظهرا على الشاشة معاً 35 مرّة من بين نحو 40 فيلم قاما بالتمثيل فيها. وليام أبوت هو البدين وولد في 2/10/1895 وتوفي في 24/34/1974 ولو كوستيللو هو النحيف وولد في 6/4/1906 ومات في 3/3/1959
بد أبوت جاء من عائلة مارست الترفيه المسرحي كذلك الحال مع لو كوستيللو الذي حاول التمثيل السينمائي قبل التقائه ببد أبوت بسنوات، لكن محاولته لم تثمر الا عن أعمال قليلة منها دور صغير في فيلم لثنائي أفضل وأهم (وسيرد ذكرهما في المستقبل إن شاء الله) هما لوريل وهاردي٠
أبوت وكوستيللو التقيا على المسرح في نيويورك سنة 1935 وبعد خمس سنوات نقلا نجاحهما المسرحي الى السينما حينما لعبا فيلما بعنوان
One Night in the Tropics | A. Edward Sutherland
هذا الفيلم لم يكن من بطولتهما او حولهما تماماً، لكن الفيلم الثاني
Buck Privates | Arthur Lubin (1941) **1/2
كان من بطولتهما شبه المطلقة. أنتجته بونيفرسال التي لحسابها ظهرا لبضع سنوات قبل الإنتقال الى دار مترو غولدوين ماير لفترة وجيزة ثم العودة الى يونيفرسال حيث كانا من نجوم شباك التذاكر لسنوات. كذلك فإن المخرج آرثر لوبِن كان من جمهرة المخرجين العاملين في يونيفرسال وتحت إدارته لعب أبوت وكوستيللو بضعة أفلام أخرى٠
تخصص البدين أبوت كان توظيف بدانته وبطء فهمه وطيبته المفرطة التي تجعله يسقط في فخاخ كثيرة. تخصص كوستيللو كانت الرجل الأوعى بقدر ملحوظ، من دون أن يكون أذكى شأناً بكثير٠ أبوت هو الذي يقع في ورطات وكوستيللو من ينقذه. أبوت من يسقط على قفاه وكوستيللو من يوقفه. أبوت من يبعث الفوضى في المكان وكوستيللو من يؤمن بالتصميم والتخطيط والنظام. لا عجب أن أبوت كان مثار ضحك المشاهدين أكثر بكثير مما كان يستطيع كوستيللو فعله. ربما في داخل كوستيللو طاقة كوميدية أخرى، ولو مختلفة، لكنها لم تظهر ٠
هذا على عكس لوريل وهاردي. كلاهما كان غبياً (ولو أن لوريل النحيف كان أغبى) لكنهما تشاركا في تصميم الفيلم بحيث كلاهما يستخرجان من الناس ضحكاً متوازياً. كذلك -ومن الفروقات المهمة- أن لوريل وهاردي من خريجي السينما الكوميدية الصامتة، والحوار في أفلامهما الناطقة بعد نهاية العشرينات لم تكن ذات شأن كبير او شأن يوازي أهمية الإعتماد على الحركة. كانت مستفزّة وعموماً مستخدمة جيّداً، لكن الفيلم كان لا يزال ينطق بصوره كما الحال في فيلمهما النادر
The Music Box | James Parrott (1932) ***1/2

حقيقة أن الحوار كان مهمّاً لدى أبوت وكوستيللو يخفف، تبعاً لنوعية المعروض أيضاً، من اعتماد الصورة كقيمة أولى٠ يؤثر على التعبير بالحركة أساساً. لكن حين لابد من الإحتفاء بهما كمتحاورين فإنهما يبلغان في بعض أعمالهما شأنا مهمّاً٠
الى القرّاء كامل »سكتش« كوميدي نال نجاحاً منقطع النظير بحد ذاته تحت عنوان
Who's on first?
حيث ينطلق النقاش من وجود لاعب رياضي أسمه
Who
التي تعني من؟ وأبوت لا يفهم أن هذا أسمه. كل الحوار على سوء التفاهم هذا ويتم على النحو الل

COSTELLO: Hey, Abbott, tell me about this new ball club in town. I hear they're really good.

ABBOTT: They are, Costello.

COSTELLO: Well, who's on the team? What are their names?

ABBOTT: I'll tell you, the players these days, they sure have some funny names, goofy names...

COSTELLO: Well, for example, who's on first?

ABBOTT: Who.

COSTELLO: That's what I want to know. Who's on first?

ABBOTT: Who.

COSTELLO: Who?

ABBOTT: Who.

COSTELLO: Who is the first baseman?

ABBOTT: That's his name, Who.

COSTELLO: Who is his name?

ABBOTT: Right. His name is Who.

COSTELLO: So, someone named Who is playing first base?

ABBOTT: Precisely.

COSTELLO: I see. What's the name of the guy on second base?

ABBOTT: You're right. What is the name of the guy on second base.

COSTELLO: What is his name?

ABBOTT: What is his name. His name is What.

COSTELLO: And third base?

ABBOTT: I don't know.

COSTELLO: You don't know his name, or his name is I don't know?

ABBOTT: His name is I don't know.

COSTELLO: Fascinating. So, in essence, all the players on this team have names that are responses to questions, or are pronouns that can be easily construed as responses to questions. Do you have a pitcher?

ABBOTT: Tomorrow.

COSTELLO: And a catcher?

ABBOTT: Today.

COSTELLO: It must be confusing as hell.

ABBOTT: You're not kidding.

COSTELLO: Well, thanks for telling me their names, Bud.

ABBOTT: You're welcome, Lou.

COSTELLO: 'Bye.

ABBOTT: 'Bye.

الأربعينات كانت التمهيد لنجاح كبير حققاه سريعاً. ومن العام 1945 أخذا يضعان أسميهما فوق العناوين دلالة على مدى ثقة المشاهد بهما ورغبته في مشاهدتهما
باقي الأفلام التي شاهدها هذا الناقد لهما. في الخمسينات أنتهجا عدداً متجدداً من المغامرات، أوّلاً تحت إدارة المخرج تشارلز بارتون ولاحقاً تشارلز لامونت وكلاهما من خبراء السينما الكوميدية الشعبية. لكن مرّة بعد مرّة، وبصرف النظر عن الشرير الذي أمامهما (مرّة بوريس كارلوف ومرّة القرصان كابتن كِد ومرّة ثالثة دكتور جايكل ومستر هايد الخ...) كانت حركاتهما هي ذاتها مع تغيير الموضوع والمكان. على ذلك، فيلمهما الأخير معاً »بد أبوت ولو كوستيللو يقابلان المومياء« كان أفضل أفلامهما هذه- وهو فيلمهما الأول الذي شاهدته بعد ثماني سنوات من إنتاجه٠

In the Navy | Arthur Lubin (1941) **
Hold That Ghost | Arthur Lubin (1941) **1/2
Keep Them Flying| Arthur Lubin (1941) **1/2
High Society | Jean Yarbrough (1944) ***
Bud Abbott and Lou Costello in Hollywood |S. Sylvan Simon (1945) **
Buck Privates Come Home | Charles Barton (1947) ***
Bud Abbott and Lou Costello Meet Frankenstein| Charles Barton (1948) ***
Africa Screams | Charles Barton (1949) **1/2
Bud Abbott and Lou Costello Meet the Killer, Boris Karloff |Charles Barton (1949) **1/2
Bud Abbott and Lou Costello in the Foreign Legion | Charles Lamont (1950) **1/2
Bud Abbott and Lou Costello Meet the Invisible Man | Charles Lamont (1951) **
Lost in Alaska | Jean Yarbrough (1952) *1/2
Bud Abbott and Lou Costello Meet Captain Kidd | Charles Lamont (1952) **
Bud Abbott and Lou Costello Go to Mars | Charles Lamont (1953) **1/2
Bud Abbott and Lou Costello Meet Dr. Jekyll and Mr. Hyde | Charles Lamont (1953) **
Bud Abbott and Lou Costello Meet the Keystone Kops | Charles Lamont (1955) *1/2
Bud Abbott and Lou Costello Meet the Mummy | Charles Lamont (1955) ***






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Jul 25, 2008

ISSUE 298- VOL. 2| David Fincher | Hero VS. heroism, the complete feature | The Westerns

Film*Reader صدر العدد التاسع من مجلة
وفيه نقد لفيلم »الفارس المظلم« و»الريس عمر حرب« و»بلاد رقم واحد« ومقالات نقدية مختلف(اللينك الى اليمين)٠
<><><><><><><><><><><><><><><><><><>


THE DAILY CHRONICLE |5| المفكرة اليومية

سكارلت جوهانسن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يوسف شاهين في لوكارنو <> سكارلت جوهانسون مع أوباما <> الذكرى
السنوية الأولى لرحيل عملاقي السينما برغمان وانطونيوني <> النقـآد
المحترفون الى زوال؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أعلنت إدارة مهرجان لوكارنو عن أنها ستخصص برنامج تحيّة للمخرج الراحل يوسف شاهين *
تعرض فيه عدداً من أفلامه وذلك في دورة المهرجان الحادية والستّين. لا أعرف كم من افلام يوسف شاهين سيختار المهرجان لعرضه، لكن أحد الأفلام التي ستعرض في هذه التحية هو »المصير« الذي تتبدّى رسالته حول مفهوم الحرية واضحة في هذا الزمن الذي ينهال فيه الجميع عليها يمينا ويساراً٠

معظم هوليوود مع باراك أوباما لأن معظم هوليوود ديمقراطية الإتجاه (في مواجهة الحزب *
الجمهوري) هذا على الرغم من أن محافظ كاليفورنيا جمهوري وهو كما يعلم كثيرون ليس سوى أرنولد شوارتزنيغر٠ مؤخراً قرأت أن باربرا سترايسند مع باراك أوباما كذلك ول سميث ومن قبل كان شون بن ومات دايمون أوحيا بأنهما يفكّران باراك٠ اما سكارلت جوهانسن فهي متعصّبة للمرشّح الديمقراطي ولن تجد ممثلاً أفرو- أميركي واحد سيصوّت لجون ماكّان٠
وكان توم هانكس أعلن في أيار/مايو هذا العام أنه مع باراك أوباما طول الطريق٠ وسأسعى لتأليف لائحة من الممثلين والممثلات الذين يقفون مع اوباما وأخرى من الذين يقفون مع ماكّان٠
طبعاً لا أقصد أن أوحي بأن كل الممثلين مع أوباما. هاك لائحة قصيرة من الذين يقفون مع ماكّان:
أرنولد شوارتزنيغر، تشاك نوريس، سلفستر ستالون وجون فويت٠


السؤال الذي أطرحه عليكم أعزائي هو التالي *
ما الذي يجمع بين ثلاثة من هؤلاء الممثلين الذين يؤيدون ماكّين؟
الجواب هو أنهم ممثلو أدوار قوّة وعضلات. وهؤلاء هم شوارتزنيغر ونوريس وستالون٠ الآن يعزز ذلك سؤالاً آخر هو: لماذا ممثلي أدوار القوّة يميلون لليمين الأميركي؟
هذا سؤال وجيه بوجاهة السؤال الذي كنت لاحظته بين ممثلي الأدوار الكوميدية في هوليوود وفي القاهرة : معظم هؤلاء يحبّون لعب الأدوار التي تصوّرهم ذوي قدرة جنسية كبيرة وجاذبية أقوى مع الجنس الآخر٠
سأعود الى عضلات السواعد لأقول أن لاعبي أدوار القوّة (ربما في غالبيّتهم) يستمدّون من شخصياتهم السينمائية الوجهة السياسية التي يحبّذون. الضرب والعنف والفاشية٠ الممثلون الآخرون، خصوصاً الذين يعتمدون على موهبة دفينة، عادة ما هم أوسع إدراكاً وثقافة٠ ومن هو أوسع إدراكاً وثقافة لا يمكن أن يكون لا فاشياً يمينياً ولا فاشياً يسارياً ولا متطرّفاً مسيحياً او مسلماً او يهودياً. نقطة على السطر٠
الآن الى السؤال الأخير في هذا الشأن: ما الجامع الثاني بين أرنولد وتشاك وسلفستر؟
هل ذكرتُ شيئاً عن الموهبة...؟

طبعاً مرّت الذكرى السنوية الأولى لرحيل كل من المخرج السويدي إنغمار برغمن والمخرج الإيطالي *
مايكلأنجلو أنطونيوني من دون أن يتذكّرها النقاد . كل من قرأت لهم في الأيام القليلة الأخيرة كانوا في غمار الحديث عن أمور مختلفة وانتظرت أن يسبقني أحد الى التذكير بأنهما رحلا على بعد ساعات قليلة كل من الآخر في الثلاثين من شهر تموز/ يوليو العام الماضي٠

إنغمار برغمن رحل قبل سنة كاملة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد حضّرت مجموعة من المقالات التي سأنشرها متوالية خلال الشهر المقبل حولهما والزميلة هبة الله يوسف تحضّر لمقالة شاملة عن سينما يوسف شاهين ربما ستصلح أكثر للعدد المقبل من »كتاب السينما«، لكني قد آخذ منها مادة لهذه المجلة. يعتمد ذلك على كيفية معالجة المادة/ الملف٠
بالأمس فقط شاهدت، للمرّة الأولى، فيلم برغمان »الختم التاسع«، وهو ليس أفضل أعماله، لكن من بين أوّلها لكني قد أبدأ بفيلمه الغريب »الفراولة البريّة«٠ لنرى٠

أتحدّث الى ناقد سينمائي أميركي معنا في جمعية مراسلي هوليوود الأجانب عن النقد وحالة *
فيقول أن مهنة النقد السينمائي المحترف في طريقها الى الزوال- وهذا ما يردده كثيرون على أساس أن
الجمهور بات يفتح مواقع الإنترنت ويقرأ لكل الناس ومعظم هؤلاء الناس ليسوا نقّاداً بل أصحاب آراء٠
أهز رأسي موافقاً على أن النقد المحترف محاصر، لكن في المسافة بين مركز الجمعية ومنزلي وأنا أقود سيارتي موديل 1992 على السانست بوليڤارد بين سيّارات العام والعام المقبل، خطر لي أن واحداً من المشاكل التي تعتري الناقد المحترف هو أنه يكتب بلا جمهور٠
الى حين قريب كان هواة السينما يتحلّقون حول نقادهم المفضّلين: هذا الفريق يفضل كولين بول، ذلك ديفيد دنبي، الآخر ركس ريد وفريق يفضل روجر إيبرت وحين كنت فتى كان العرب متحلّقين حول سامي السلاموني وفتحي فرج (رحمهما الله) وسمير فريد (أمد الله في عمره) وسمير نصري وقلّة أخرى . وفي لندن ألكسندر ووكر (مات) وديريك مالكولم (لا يزال) من بين آخرين٠
اليوم، ليس هناك ناقد مفضّل على نحو واسع الإنتشار وحسب إحصاء تم هنا في لوس أنجيليس فإن نحو خمس وستين بالمئة من روّاد السينما يشعرون بأنهم ليسوا بحاجة الى النقد السينمائي٠
وإذا أضفت الى هذه المعلومة حقيقة أن عدداً كبيراً من الصحف اليومية أشترت تذاكر خروج لنقادها وصرفت لهم تعويضات فإن النقد الجيّد سيصبح فعلاً عملة ماسّة... لكني أعدكم بشيء: هذا الناقد لن يترك مهنته مهما يكن٠


So what else is new?




|*| FIRST LOOK |*|

Man on Wire
فيلم تسجيلي لجيمس مارش يؤرخ فيه لشخصية الفرنسي فيليب بيتيت الذي سار على كابل ممدود بين برجي مركز التجارة الدولي في نيويورك سنة 1974



الأفلام الجديدة هذا الأسبوع


The X-Files: I Want to Live
DIR: Chris Carter
CAST: David Duchovny, Gillian Anderson
عروض عالمية. العرض العربي الأول: مصر والإمارات ( 08/7/30)٠
***: مجمل تقييم النقاد
..............................................

The Step Brothers
DIR: Adam McKay
CAST: Will Ferrell, John C. Reilly, Mary Steenburgen
عروض شبه محدودة تبدأ في أميركا ولا تصل أوروبا الا في مطلع أيلول/ سبتمبر٠
**1/2: مجمل تقييم النقاد
.............................................

Le Premier Jour de Rest de ta Vie
DIR: Remi Bezancon
CAST: Jacques Gamblin, Zabou Breilman
كوميديا فرنسية عن خمسة أيام تحدد مصير عائلة. عروض محدودة
**: مجمل تقييم النقاد
..............................................

Before the Rains
DIR: Santosh Sivan
CAST: Linus Roache, Rahule Bose
فيلم هندي باللغة الإنكليزية في دراما تعود الى الثلاثينات- عروض شبه محدودة. حالياً: لندن٠
**1/2: مجمل تقييم النقاد





|*| مخرج وأفلامه |*|

ديڤيد فينشر: يطرح مسائل عائلية في أفلام جنائية
......................................................................


ديڤيد فينشــر من أفضل مخرجي هوليوود
الحاليين. لدى أفلامه طابعــاً خاصّاً به وهو
شديد التمسّك بأفلام تحمل نظرة إجتماعية
حتى ولو كانت بوليسية وفانتازية عنيفة٠
هذه لمحة عن أعماله الرئيسية من 1985
والى اليوم٠
........................










* Filmography:
1985: The Beat of the Live Drum ---
1992: Alien 3 ***1/2
1995: Se7en ****
1997: The Game ***1/2
1999: Fight Club ***
2002: Panic Room ***1/2
2007: Zodiac ****

زودياك، الفيلم الذي هُضم حقّه من الجوائز العالمية بما في ذلك الأوسكار بعدما تم أفتتاح عروضه في مطلع العام الماضي، والذي أخرجه ديڤيد فينشر من بطولة مارك روفالو، جايك جيلنهال وروبرت داوني جونيور، هو عبارة عن بحث في قضية جنائية بقيت غامضة الى اليوم: من هو القاتل المتسلسل الذي روّع مدينة سان فرانسيسكو في أواخر الستينات وحتى مطلع السبعينات فقتل عدة ضحايا من دون هدف واضح او معرفة مسبقة بهم، ثم اختفي بعدما كتب عن نفسه وعن جرائمه لصحيفة »سان فرانسيسكو كرونيكل« وأطلق علي نفسه إسم »زودياك«

اسئلة
قبل هذا الفيلم تم إنجاز أفلام قليلة عن هذا الموضوع من بينها فيلم دونالد سيغل البوليسي المعروف
Dirty Harry
بطولة كلينت ايستوود، سنة 1971 وحلقات تلفزيونية أميركية بذات الإسم. وهو العام نفسه الذي قام فيه توم هانسن بإخراج فيلم قصد به أن يدور عن القاتل فعلاً تحت عنوان
Zodiac Killer
وهناك فيلم سينمائي ثالث، لكنه مرّ مباشرة الى رفوف الدي ڤي دي أخرجه ألكسندر بالكلي سنة 1975. قبله بعامين قام الألماني الأصل أولي لومَل، الذي أنقذته من نار شبّت به ذات يوم، بإخراج فيلم أميركي حمل عنوان
Zodia Sign
فيلم فينشر هو الأكثر فنيّة مما شاهدته من هذه الأفلام والأكثر تواصلاً مع المحيط الإجتماعي أيضاً. فيلم يحمل عالماً مسكوناً من دون أن يكون مظهر هذا العالم، والفيلم بالتالي، قاتماً او غرائبياً٠
حين توقّف زودياك فجأة عن ارتكاب جرائمه أثيرت عواصف من الاسئلة
هل توقف بمحض إختياره؟ هل ألقي القبض عليه لتهمة بعيدة عن القتل فدخل السجن من دون أن يتم الربط بينه وبين جرائمه؟ هل لا يزال حيّاً؟ أم هو انتقل الى »العمل السرّي« بعدما سعى لسنوات للحديث عن نفسه وعن جرائمه علناً؟

صور بديلة
من المشهد الأول‮ ‬يعيدنا المخرج فينش الى مطلع السبعينات عن طريق أغنية من تلك الفترة،‮ ‬لكن الأمر‮ ‬يتطلّب بالطبع أكثر من أغنية‮. ‬هناك كل شيء آخر من تصميم الملابس الى تصميم المناظر ومن العناية بالسلوك العام وكيف كان المرء‮ ‬يتصرّف وماذا كان‮ ‬يقول وكيف الى الأجواء والديكورات‮. ‬لكن في‮ ‬الصميم طبعاً‮ ‬هناك طريقة الإخراج‮: ‬من‮ ‬ينتظر من ديفيد فينشر تخويفه على النحو الذي‮ ‬فعله في‮ ‬فيلمه المشهور الأول‮ »‬سبعة‮« ربما أصيب بخيبة أمل‮: ‬عوض الصدمات هناك المشاهد التي‮ ‬تُقرأ فنياً‮ ‬وموضوعياً‮. ‬عوض المطاردات الكبيرة،‮ ‬هناك الصياغة الهادئة‮. ‬العنف بلا عنف والتشويق بلا إثارة‮.‬
عوض البطل الطائر في‮ ‬الأجواء،‮ ‬هناك البطل المنتمي‮ ‬الى قاع المدينة‮. »‬زودياك‮« ‬كما كان‮ »‬سبعة‮« ‬من قبله عن التحرّي‮ ‬الآتي‮ ‬مما كان‮ ‬يُعرف آنذاك بـ‮ »‬الطبقة العاملة‮«. ‬وفي‮ ‬صلب الملاحظات المصوّرة في‮ ‬فيلميه سؤال حول تلاشي‮ ‬البؤر الضوئية من العالم وظلمة الآمال بدل بصيصها الصغير‮.من المشهد الأول‮ ‬يعيدنا المخرج فينش الى مطلع السبعينات عن طريق أغنية من تلك الفترة،‮ ‬لكن الأمر‮ ‬يتطلّب بالطبع أكثر من أغنية‮. ‬هناك كل شيء آخر من تصميم الملابس الى تصميم المناظر ومن العناية بالسلوك العام وكيف كان المرء‮ ‬يتصرّف وماذا كان‮ ‬يقول وكيف الى الأجواء والديكورات‮. ‬لكن في‮ ‬الصميم طبعاً‮ ‬هناك طريقة الإخراج‮: ‬من‮ ‬ينتظر من ديفيد فينشر تخويفه على النحو الذي‮ ‬فعله في‮ ‬فيلمه المشهور الأول‮ »‬سبعة‮« ربما أصيب بخيبة أمل‮: ‬عوض الصدمات هناك المشاهد التي‮ ‬تُقرأ فنياً‮ ‬وموضوعياً‮. ‬عوض المطاردات الكبيرة،‮ ‬هناك الصياغة الهادئة‮. ‬العنف بلا عنف والتشويق بلا إثارة‮.‬
عوض البطل الطائر في‮ ‬الأجواء،‮ ‬هناك البطل المنتمي‮ ‬الى قاع المدينة‮. »‬زودياك‮« ‬كما كان‮ »‬سبعة‮« ‬من قبله عن التحرّي‮ ‬الآتي‮ ‬مما كان‮ ‬يُعرف آنذاك بـ‮ »‬الطبقة العاملة‮«. ‬وفي‮ ‬صلب الملاحظات المصوّرة في‮ ‬فيلميه سؤال حول تلاشي‮ ‬البؤر الضوئية من العالم وظلمة الآمال بدل بصيصها الصغير‮.

سيغورني ويڤر فوق كوكب الكوابيس في
Alien 3
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عائلة في الفضاء
انطلق المخرج فينشر بخلفية تشمل خمس سنوات من العمل كمساعد في المؤثرات وتصوير الخدع السينمائية لدى مصنع جورج لوكاس وذلك من العام 1983. إنه في تلك الفترة، أخرج فيلمه الأول وكان عن المغني ريك سبرينغفيلد بعنوان
The Beat of the Live Drum
الفيلم لم يعرض في صالات السينما وربما توفّر على أشرطة فيديو (لم أجده بين الأسطوانات). ثم مرت سبع سنوات من قبل أن يعود فينشر للوقوف وراء الكاميرا من جديد بعدما تمّت الإستعانة به لتحقيق
Alien 3
كجزء ثالث من المسلسل الخيالي- العلمي - الفضائي- المرعب٠ هذا الفيلم يختلف عن سابقيه من السلسلة في موضوعه أوّلاً حيث مجموعة من المساجين، وليس من العلماء كما في الفيلم الأول الذي أخرجه جيمس كاميرون، ومن العلماء والجنود، كما في الفيلم الثاني الذي أخرجه ريدلي سكوت، عليهم خوض معركة حياة او موت بعدما تم إقصاءهم الى كوكب بعيد يغزو ذلك الشيء القاتل. المخلوق الوحشي الذي لا يمكن صدّه٠
سيغورني ويڤر للمرّة الثالثة في المسلسل وبل أحد منتجيه وهي كانت صرّحت بلا خشية من أحد أن شركة فوكس كانت عارضت الكثير من إتجاهاتها واتجاهات مخرجها فينشر الفنية. فوكس أرادت فيلماً مشبعاً بالتخويف المباشر، بينما كانت النيّة لدى ويڤر وفينشر تقديم ما هو أعمق من ذلك بقليل. وقد تسنّى ذلك ولو على نحو ليس متكاملاً. ما نجده في هذا الفيلم هو مفهوم سيتكرر لاحقاً في أفلام أخرى لفينشر هو العائلة. الذي يربط الرجال فيما بينهم هو العائلة. الصورة التي تتعزّز في رؤوسهم (او رؤوس من تبقّى منهم حياً في النصف الثاني من الفيلم) حيال المرأة الوحيدة بينهم هي النظر إليها كأخت، كأم وكزوجة. أيضاً العائلة٠ الى ذلك، ما يريد المخلوق المتوحّش فعله هو زرع بويضاته في تلك المرأة التي أخفق سالفه في قتلها. العائلة٠

الخطايا السبعة
حين أخرج فينشر فيلمه التالي »سبعة« كان استطاع إقناع هوليوود برؤيته الى حد منحه القدرة على تنفيذها وبل تحويل الفيلم الى أحد أهم الأعمال البوليسية في السنوات العشرين الأخيرة. هنا يتحدّث عن سلسلة منعاقبة من الجرائم ذات القاتل المجهول. كل ما هو معروف لدى التحريين مورغن فريمان، الذي سيتقاعد بعد أيام، وبراد بت، الأصغر سنّاً وتجربة، هو أن القاتل يتحرك بشيفرة دينية متطرّفة تجعله يختار سبعة ضحايا كل منها يرتكب الإثم الذي ورد ذكره في الإنجيل وهذه الآثام هي: الشهوة، الشره، الطمع، الكسل، الغضب، الحسد والتكابر٠
الصور التي يقدم فينشر على تقديمها، مصمّمة على أن تكون واقعية، قشيبة، موحشة وتكتنز العالم الخارجي على هذا النحو حتى ولو كان التصوير داخلياً. حين تخرج الكاميرا الى المدينة فإنها لا تقل دكانة. وحين تخرج الى الطبيعة الشاسعة خارجها فليس هناك من جمال خاص٠ ضمن هذه الصور يستخرج فينشر التناقض بين شخصيّتيه الرئيسيّتين وكيف سيندفع براد بت ليكون الضحية الأخيرة من دون أن يدري٠ القاتل (كَڤن سبايسي) هو القاتل الذي ستبقى له الكلمة الأخيرة حتى من بعد إلقاء القبض عليه تماماً كمصير أسود ينتظر كل خاطيء، بإستثناء إنه يعتقد أنما ينفّذ كلمة الله سبحانه على الأرض٠
ضمن كل ذلك، هناك فرصة للوقوف على الوضع العائلي للتحريين. فريمن يعيش منفرداً في شقّة صغيرة كئيبة تعكس عالمه الصغير الكامن في العالم الكبير ذي الكآبة. زميله الشاب براد بت يعيش مع زوجته الحامل غوينيث بولترو في شقّة متوسّطة الحجم لكنها متواضعة. كلما مر القطار بالقرب منها اهتزّت. هذا هو العالم الحقيقي للتحري على عكس تلك الصور الزاهية التي كثيراً ما رُسمت من قبل ومن بعد له٠ العائلة أيضاً هي في الضربة الكبيرة التي خطط لها القاتل: تنفيذ الجريمة بزوجة التحري الحامل يعني تدمير البنية الأساسية للحياة الإجتماعية التي- للسخرية- يحاول القاتل الدفاع عنها بتنفيذ حكم الإعدام بمن وجدهم اثمون مذكّراً في حديث له في السيارة التي تقلّه بعدما ألقي القبض عليه (وقبل نحو عشر دقائق من نهاية الفيلم) بأن هناك »خطيئة ترتكب عند كل ناصية في كل مدينة«٠

كونترول وفوضى
مع »اللعبة« تتخذ القضية موقعاً مغايراً ولو أنه غير منفصل٠
في ذلك الفيلم نتعرّف على نيكولاس (مايكل دوغلاس) رجل بالغ الثراء سيحتفل بيوم ميلاده الثامن والأربعين بعد أيام. لاحظ هنا: والده صاحب القصر الذي يعيش فيه نيكولاس اختار الإنتحار في يوم ميلاد نيكولاس قبل عدّة سنوات. إنه فصل من حياة عائلية نجهلها لأنها في ماضي نيكولاس وهو ليس منفتحاً على أحد. أكثر من ذلك، هو شخص متيّم بالكونترول لدرجة أن لا حياة أخرى لديه سوى ذلك. الباقي كله يمكن فعله من خلال او ضمن تلك الدرجة من الإحكام الشديد لعالمه٠ المفارقة التي نشدها الفيلم ونجح أيّما نجاح في معالجتها هي أن كل هذا الإحكام والممارسة المنضبطة لكل ما يتّصل بحياته يتهاوي أوّل ما يدخل لعبة سيقت إليه بمناسبة عيد ميلاده٠
شقيقه الأصغر سناً كونراد (شون بن) يقول له إنها لعبة تديرها منظّمة مجهولة بلا قوانين معروفة او أهداف. في حقيقة الأمر إنها لعبة فيها من المخاطر ما يعجز نيكولاس عن التصرّف حيالها في معظم الأحيان. إنها تنتزع منه القدرة على إدارة حياته وترميه الى عالم لم يكن يعرف عنه شيئاً رغم أنه محيط به٠ كل هذا ضمن حالة من الفوضى التي تعصف بكيانه . كل ما كان يقوم به أصبح يقع عكسه حتى يصبح الأمر من الخطر بحيث يكاد يفقد حياته٠
العلاقة بين نيكولاس وشقيقه مثارة وبينه وبين زوجته الحالية أيضاً وبينه وبين زوجته السابقة في مطلع الفيلم. والمفاد هو أن الرجل الذي اعتقد نفسه في مأمن من الإنزلاق كان يحتاج الى الحب يبثّه ويستقبله قبل أن يقتنع بصواب أسلوبه الحياتي٠
ذات القدر من التفاصيل التي في »سبعة« حين يأتي الأمر الى تلك المشاهد الباحثة في ذهن نيكولاس وفي أذهان المشاهدين، نفس الدكانة ونفس النظرة المخيفة لعالم فقد الزنبرك وأخذ ينتفض في كل إتجاه٠

فلسفة عنيفة
معظم النقاد العالميين أشاد بـ »نادي العراك« (فيلم فينشر الخامس) ، لكني لم أستطع الإندماج فيه. على ذلك أقدّر منحاه الفني وليس الضمني٠ إنه عن مجموعة من الشخصيات التي ألّفت عصبة (لا تختلف كثيراً عن العصبة التي ألّفها مساجين »أليان ٣«) تقوم بأعمال عنف متبادلة بين أفرادها. إذا كان ذلك صورة عن تداعي العالم الحالي، فإن هذا شيء، أما أن يكون على هذه الصورة ممارسة العنف لغاية الوصول الى إدانته او مجرّد إظهاره، فإن ذلك لا يمكن قبوله على النحو المأمول٠
إنه عن إدوارد نورتون الذي يحاول معالجة نفسه من الكآبة عبر مساعدة الغير بعدما قيل له أن هذه أفضل وسيلة للتعرّف على أن مشاكله ومعضلاته ليست سوى نذر يسير من الهموم إذا ما التقى بالعيّنة التي لديها مشاكل أكبر (على طريقة من عرف مشاكل سواه هانت عليه مشاكله)٠ لكن قبضة الحياة لا تتركه يتغيّر ويلتقي بشاب (براد بت) يضمّه الى ناد سرّي قوامه رجال يبحثون على الحريّة في ممارسة كل شيء بما في ذلك العنف ضد بعضهم البعض٠
هناك فلسفة تنتظر أن تطل برأسها وسط هذا العنف. رسالة ضد العنف إنما تتخّذ منه وسيلة لأنه في النهاية، وبالنسبة للشخصية التي يؤديها برات بت على الأقل، ربما كان الحرية من النظام الإجتماعي الذي يدّعي إنه ضد العنف إنما يمارسه على أشكال شتّى. مهما يكن من أمر، لم أجد -وربما أكون على خطأ- عملاً موازياً لأفلام ديڤيد فينشر الأخرى٠

صور عائلية
فينشر يعود الى ركاب الفيلم الأكثر قبولاً في »غرفة الفزع« حيث تنتقل الأم الوحيدة (جودي فوستر) وإبنتها (كرستين ستيوارت) للعيش في بيت كبير في مانهاتن (منطقة لأغنياء نيويورك) بعد أن تطلّقت الأم من زوجها٠ في تلك الليلة الأولى يغزو البيت ثلاثة أفراد بهدف السرقة. الغرفة الوحيدة التي يمكن للأم وإبنتها التحصّن فيها، هي التي صمّمت فعلاً للغاية وتقع في الطابق العلوي بين الغرف الأخرى. في البداية الأشرار (دوايت يواكيم، جارد ليتو وفورست ويتيكر) لا يعلمون شيئاً عن تلك الغرفة، لكن لاحقاً تدور معركة مصير وتحد بين المرأتين والرجال الثلاث من داخل الغرفة لتمتد لاحقاً لما بعدها٠
تبرز هنا مسألة الوحدة العائلية مرّة أخرى. إنها في إطار الأم وإبنتها وحربهما الواحدة ضد الآخرين الغازين. حقيقة أن الفيلم جاء بعد عام واحد على أحداث 11/9 ، ولو أنه ربما كتب قبلها، يضع الأمر في نطاق تحبيذ الفيلم تحصين أميركا من الغازين، بإستثناء أن الغازين في هذا الفيلم هم أميركيين أيضاً ما يمنع من المضي قدماً في سبر وجهة النظر هذه٠
الفيلم دليل على أن كل أفلام فينشر تنتمي الى استخدام نوع السينما التشويقية بغاية طرح التعليق على أشياء عن الحياة التي نعيش. وكما سبق القول، أحد هذه الأشياء هو المستوى الممارس من اللبنة العائلية وأين تتحد وأين تتفرّق ومعناها بالنسبة لكل وضع على حدة: السجناء فوق الكوكب المتوحّش، العائلة المقهورة تحت مخالب عنف خارجي في »سبعة«، الأسرة التي يحكمها ربّها بقوّة واهية أوّل ما تبدأ حياته بالإختلاف في »اللعبة«. المجموعة السرية التي تعمل على البحث عن وسيلة تعبير حرّة في عالم غير حر ولو بأقصى العنف في »نادي العراك«، والعائلة الصغيرة المتّحدة ضد ثلاثة رجال يدخلون البيت لسرقته (ولو أن أحدهم -فورست ويتيكر- يرتد عن الجريمة ويؤازر العائلة في النهاية) في »غرفة الفزع«٠

مارك روفالو وجايك جيلنهال في »زودياك«: صورة مائلة عن العدالة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السؤال
إذاً أين مكمن العائلة في فيلم فينشر الأخير »زودياك«؟
إنه فيلم بوليسي أقل دموية من »سبعة« لكنه يحتوي على ذات القدر من محاولة معالجة الحياة على الشاشة بقدر كبير من الواقعية. ليست واقعية إيطالية او مصرية او يابانية، بل واقعية من النوع الذي يتم فيه صهر الإمكانيات الهوليوودية وعناصر الإنتاج (غير الواقعية) في أسلوب غير منفصل عن الحياة التي يمكن تصديقها٠ فينشر فعل ذلك حتى حين كانت القصّة خيالية تماماً كما في »سبعة«، لم لا يصنع ذلك والقصّة هنا واقعية؟
ما يصدمنا الى حد وعلى نحو إيجابي، هو إبحاره في الحياة التي تصنع رجاله ومجرميه. بنظرته الخاصة للعالم الذي تقع فيه الأحداث. باستبعاده الجماليات الطبيعية منها والتقنية، وبرسمه الدقيق لشخصياته، نستطيع أن نرى خلفياتها. الحياة العائلية لبعضها، علماً بأنه ليس من الضروري أن يكون هناك دائماً رجل وزوجة وطفل ليولّف ذلك حياة عائلية



|*| ACTORS & ACTING |*|

حول مفهوم البطولة والبطولة
المضادة للبطولة في السينما
-----------------------------
تم نشر فقرات من هذا الموضوع
سابقاً، لكنه الآن متوفر كاملاً٠
--------------------
يقترح فيلم »هانكوك« لبيتر بيرغ وتمثيل ول سميث البطولة وضدّها في آن واحد من حيث أن هانكوك هو شخص متعفّف عن لعب الدور الذي يستطيع لعبه في الحياة وهو أن يكون بطلاً، لكن الظروف ستقوده الى نفض هذا الموقف والإنطلاق في سلسلة أعمال كلها بطولة وإنقاذ لحياة الناس من كوارث متوالية٠

السبب الذي يجعل هانكوك/ سميث سلبياً حيال دور البطولة يتضمّن ازدراءاً متبادلاً بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه٠ إنه كمن يقسم يمينا عندنا بأنه لن يُساعد مخلوقاً بعد اليوم لأن آخر مرّة حاول فيها مساعدة أحد، استدار ذاك وغدر به او لم يشكره فقط، كما لو أن فعل المساعدة عليه أن ينتظر فعل مساعدة في المقابل من الطرف الذي تمّت مساعدته. لكن هانكوك بموقفه هذا يذهب لأبعد من الموقف الشخصي: لقد عانى من الحياة الى حد جعله يُدير ظهره الى من فيها. الى نظمها وقوانينها وعواطفها وأشخاصها. هذا بالطبع الى أن يجد نفسه مطالباً من دون قرار مبدأي من عنده بالتدخل لإنقاذ حياة أشخاص٠
ذلك المشهد الذي ينقذ فيه حياة سائق سيّارة تعطّلت سيّارته فوق خط القطار والقطار المسرع قادم يبدو لهذا الناقد مثالاً: ما يفعله هانكوك هو أنه يسارع برمي السيّارة جانباً. ترتفع وتقع مقلوبة بين سيّارتين على نحو أن السائق لا يُصاب بأذى. ثم يوقف القطار بضربة من كتفه٠
الى جانب أن الخيال الجانح في السينما هو أحد لوازم ومتطلّبات خلق الشخصية البطولية، الا أن الطريقة التي أنقذ فيها حياة السائق ثم الطريقة التي أوقف فيها القطار ليست تماماً الطريقة التي كان سوبرمان سيقوم بها لو أتيح له ذلك٠
سوبرمان كان سيحط من الفضاء بسرعة فيرفع السيارة بيمينه ويضعها بسلام في مكان آمن، بينما يستمر القطار منطلقاً، وإذا حدث وكان القطار جانحاً بسبب عطل لا يستطيع معه التوقّف ما يعني أن الركّاب فيه في خطر ماحق، فإن سوبرمان سيسارع الى القطار ويوقفه بالتدريج حتى لا يتسبب بإيذاء أحد٠
هذا الفارق بين هانكوك وسوبرمان يفي بنوعية البطولة في كلا الفيلمين. سوبرمان البطل وهانكوك البطل المضاد لمفهوم البطولة. وهو بطل من ناحية الصناعة السينمائية التي تريد من النجم ول سميث أن يلعب الدور الرئيسي في الفيلم، الدور الذي يفحص ماهية البطولة في بعض ما يعرضه على الشاشة من طروحات ومواقف٠

اللامكان واللا تاريخ
لكن المسألة ليست حكراً على نوعين من البطولة: البطولة الجديرة والبطولة التي تنظر الى البطولة سلباً لكنها تضطر اليها٠ هناك من ألوان البطولة ما يصلح لكتاب موسوعي او لفيلم وثائقي من ساعتين او ثلاثة. ومع أن البطولة بمفهومها الإغريقي موجودة في حيثيات العديد من الأفلام قديما والى اليوم، الا أنها ليست المفهوم الوحيد السائد٠ الى حد بعيد تفرض البطولة (ونقيضها) حالات عديدة بعضها ينتمي الى المفهوم الشكسبيري في تداول الموقف الإنساني بين شخصيات عديدة وآثار ما تداوله في نفس واحدة، كما الحال في »ماكبث« او »الملك لير« مثلاً، والمفهوم المؤمن بالبذل والمتحوّل الى التضحية من أجل غاية نبيلة، الى ذلك النوع المفرّغ من العناصر النفسية المندفع الى فعل الخير بناءاً على النشأة الإجتماعية او الوازع الأخلاقي او الديني مثلاً ٠
وبقدر ما هي غنيّة بقدر ما نقيض البطولة كذلك٠ في أحيان يختلطان لكن نادراً ما يتجانسان لأن كل منهما في النهاية يحمل عبء طريق شقّه الشخص الذي تؤول إليه الحركة الرئيسية في المادة المكتوبة او المصوّرة وتبعاتها٠
هناك غالبية من الشخصيات تجد نفسها وقد أصبحت بطلة بسبب تصرّفاتها٠ فيلم »شاين« لجورج ستيفنس وبطولة ألاد لاد (1953) نموذجي في هذه الحالة. هاهو فارس يأتي من بعيد. لا نعرف عن ماضيه شيئاً (ولن نعرف ما يُذكر) يصل طالباً شربة ماء من بيت ريفي. مزرعة صغيرة يسكنها ثلاثة أشخاص: رجل طيّبة، زوجة مخلصة وطفلهما٠ وهو سيشرب ويروي حصانه ويمضي، لكن الرجل يعرض عليه العمل فيقبل ولاحقاً ما يلحظ أن المجتمع الصغير الذي حط فيه يعيش مأزقاً كبيراً. فرب هذه الأسرة الطيّبة (ڤان هڤلن) هو من بين مزارعين صغار عدّة حطّوا في أرض الله الواسعة غصباً عن رجل وشقيقه كانا وصلا الى المنطقة قبل الآخرين واعتبرا أن كل الأراضي التي تحيط بالبلدة حيث يعيشان لهما. لذلك يرسلان رجالهما لزعزعة استقرار المزارعين وإجبارهم على الرحيل. وفي وقت لاحق يقومون بحرق بيت أحدهم لإبلاغ الرسالة، وقبل ذلك في الفيلم يقوم رجل مأجور أسمه جاك ويلسون (جاك بالانس) بقتل أحد المزارعين الذين تشدّقوا بالجرأة (أليشا كوك)٠
شاين يلحظ ذلك وفي البداية يحاول الا يتدخّل، لكنه يعلم أن عليه التدخل للدفاع عن العائلة التي آوته. ينطلق صوب البلدة. تقع المواجهة المنشودة بينه وبين الأشرار والتي يُصاب فيها ويعاود ركب فرسه والمضي الى حيث لن يعود الى المزرعة. لن يعود الى مكان محدد، بل فقط الى اللا-مكان واللا-تاريخ الذي جاء منه٠
لكن الفيلم ذاته يحمل أكثر من صورة للبطل ومفهوم البطولة وهي ليست صوراً من إختيار المشاهد ولا هي مرتبطة بمفهومه المباشر للبطولة كسبب وجيه لمشاهدة الفيلم. شاين نوع من الأبطال الذين تدفعهم الظروف للتصدي (والتصدّي تصرّف بطولي دائم) لكن في فعله ذاك يُثير حفيظة رب الأسرة جو الذي يعتبره ضيفاً ويريد أن يتولّى هو عملية تأديب الأشرار. بذلك ما ينحو إليه جو هو ترك موقعه اللا- بطولي الى موقع بطولي مفترض (موقع شاهدنا الممثل يؤديه في فيلم آخر حين يتصدّى لرئيس العصابة جون فورد ويلقي القبض عليه رغم أنه لا يوازيه قوّة وذلك في فيلم »3:10 الى يوما« الذي أخرجه دلمر ديفيز سنة1957 والذي أعيد إنتاجه مع كرستيان بايل في الدور تحت إدارة المخرج جيمس مانغولد في العام الماضي)٠
شاين يعلم أن جو ليس بطلاً ولا يستطيع أن يكون حيال جاك المقاتل المحترف وسيدفع حياته ثمناً فتقع بين الإثنين (البطل والساعي للبطولة) معركة يدوية هي ذاتها فيها صراع البرهنة على الرجولة: رجولة جو تجاه زوجته إذ لا يخفي عليه أن شاين جذب فيها قدراً من العاطفة رغم ثقته بهما معاً٠
الدور الذي يحاول جو لعبه هو الدور الذي سعى إليه المزارع روفوس (أليشا كوك) مع إختلاف أن هذا كان يتوهّم استحقاقه الدور فتقوده جرأته وقدماه الى التظاهر بإمكانية إنجاز النقلة من اللاشيء الى البطل ويدفع حياته ثمناً لتلك المحاولة. ولا ننسى الطفل جووي (براندون دي وايلد) الذي كانت صور البطولة تلطمه محاولاً تفسيرها٠
وفي الصلب طبعاً، تلك الرسالة المعادية للإقطاع والتي تجعل الفيلم- كالمعظم الكاسح من أفلام الوسترن الأميركية- عملاً سياسياً من دون يافطة او إشارة (لكن ذلك موضوع آخر تماماً)٠

العصرنة المرفوضة
صور مختلفة من البطولة هي أيضاً محط اهتمام المخرج الياباني الكبير الراحل أكيرا كوروساوا. لقد اقتبس شكسبير وتعامل مع هذا النوع من البطولة حين أخرج ترجمته الجوهرية لمسرحية »الملك لير« في العام 1985(وكان أخرج »ماكبث« سنة 1957) لكن المخرج الراحل [1910-1998] سبق ذلك بأفلام أخرى عن مفهوم آخر للبطل ونقيضه٠
تستوقفنا، بالتحديد، ثلاثة من أعماله الرائعة أوّلها »الساموراي السبعة« (1954) الذي تناول فيه سبعة محاربين يدافعون عن قرية تهددها عصابة (وعنه تم نقل الفيلم أكثر من مرّة الى هوليوود) و»درسو أوزالا« (1975) حيث رجل عجوز يعيش في الغابة صيّاداً ودليلاً و»كاغاموشا« (1980) والمعروف أيضاً بـ »المحارب الظل« حيث يتم جلب إنسان هامشي يشبه الملك شبهاً كبيراً ويُطلب منه لعب دور الملك لردأ الإعتداء عليه وحمايته من المكائد٠
كل واحد من أبطال »الساموراي السبعة« لديه شخصية خاصّة وكلّهم في أكثر من مفهوم أبطال. لقد اجتمعوا على الذود عن قرية فقيرة ضد عصابة من الأشرار. قائدهم كامباي (تاكاشي شيمورا) نموذجي في القيادة والبذل. يعمل حسب القانون غير المكتوب. يشمخ عالياً ويحارب واقفاً ويعيش. كيكوشيّو في المقابل (الدور الذي لعبه الراحل تاشيرو مفيوني) مختلف تماماً. طبعاً هو يذور ويحارب لكنه مثال للبطل الذي يدمّر نفسه خلال عيشه: يخاطر بحياته، يتسلّح بالجرأة فتنقلب تهوّراً. يشرب. يعيش بإختياره في القاع. لكن هذين النقيضين (والباقون هم تدرّجات) يلتقيان في أن تاريخهما في الساموراي يجعلهما مثل الوردة التي قُطفت ثم رُميت. لا أحد يريدها وحين تطلبها القرية التي ليس لديها ما تدفعه سوى العرق الياباني والرز، تحيي فيها حب القتال٠ للتفسير: الفترة التي وضع فيها كوروساوا فيلمه هي تلك التي كان فيها الساموراي التقليدي الشهير يتحوّل الى البطالة٠ لقد تم إدخال سلاح جديد الى المعركة عوض ذلك السيف الممشوق هو البندقية التي تقتنص كيكوشيّو الذي ليس لديه، في مشهد رائع، سوى التقدّم بسيفه ليكون قريباً من مطلق النار ليقتله٠
البندقية هي رمز العصرنة التي يكرهها كوروساوا في أفلامه وهي التي نراها أيضاً تبيد رجال الملك في فيلم »كاغاموشا« على مرمى من عيني ذلك الهامشي الذي جيء به للتضحية به لكنه يختفي في المعركة الأخيرة وسط الحقل ليتابع الشجاعة حاملة السيف في مواجهة البندقية الأكثر أمناً والمختلفة مفهوماً عن أسلوب القتال السابق٠ لكن مفهوم البطولة في هذا الفيلم هو من نقيضها. شينغن (تاتسويا ناكاداي) ليس بطلاً. الظروف هي التي تريد أن تصنع منه بطلاً٠ في صلب ذلك رفض شينغن تبنّي أي موقف مبدأي من البطولة لأنه يدرك إنه لن يكون وتهرّب الملك من البطولة باختفائه وراء شبيه له٠

قبول افتراضي
فيلم كوروساوا الثالث في هذا المجال، »درسو أوزالا« يستنبط البطل الإنسان٠ لا شيء في حياة هذا الرجل العجوز درسو (الممثل الروسي مكسيم مونزوك) بطولي. إنه المناقض تماماً للبطولة: يعيش في غابة ورفيقه اللدود فيها هو النمر٠ في السابق حين كان أصغر سنّاً كان قادراً على أن يرى أفضل. كان يستطيع أن يصطاد النمر قبل أن يصطاده ذاك. الآن هو عجوز غابر ونظره ضعيف والكابتن فلاديمير أرسنييف (يوري سولومين) الذي يلتقيه خلال رسم طوبوغرافي للمنطقة لا يستطيع أن يتركه وحده فيطلب منه أن يعود معه الى البلدة الكبيرة ويعيش في كنف عائلته. أمر يستجيب له درسو لكن روحه بقيت في الغابة وفي يوم يختفي من البيت. يعود الى الغابة لكن المؤكد أن النمر الذي اصطاده كثيراً هو الذي اصطاده في النهاية٠
الموقف الذي يشد درسو الى الطبيعة هو الكنه البطولي في ذاته. الغابة هي حياته وهو يعتبر نفسه من تربتها وأشجارها ومخلوق من مخلوقاتها. واعترف أن استخلاص موقف بطولي هنا صعب لأن الفيلم لا يعتبره بطلاً بأي من المفاهيم الأكثر شيوعاً، لكن درسو أوزالا في العمق هو اللبنة التي تخلق نوعاً من الأبطال تجدها في الملاحم وفي أفلام كوروساوا وبعض سواه: التمسّك بالحياة كما ولد عليها والتمنّع عن مجارات تطوّراتها. في الحقيقة العديد من أبطال الغرب الأميركي يفضّلون الموت في حياة قاحلة على العيش في الجديد الوافد (كل أبطال المخرج سام بكنباه- وهو نفسه- أيضاً من هذا النوع)٠
وهناك نوعان أساسيان للبطل المضاد للبطولة.
ذلك النوع الذي يرفض أن يتبنّى موقفاً بطولياً ما يجبر المشاهد على قبول افتراضي لموقفه بإنتظار الموعظة التي سيحملها هذا الموقف. والنوع الثاني هو الشخص الذي يحمل صفات البطولة لكنه أضعف من أن يستمر في هذا الإتجاه فيتراجع ويتساقط. المشاهد هنا مطلوب منه التعاطف وهو سيفعل إذا ما تحامل البطل على نفسه في النهاية وواجه التحديات وانتصر عليها٠
المشاهدون الروس في مطلع أفلام الثورة واجهوا هذا النوع الثاني: أبطال »السفينة الحربية بوتمكين« لسيرغي أيزنشتاين (1925) ليسوا أبطالاً بالمعنى التقليدي لكنهم أناساً عاديين من الذين ملأت الثورة وجدانهم فانطلقوا لإثبات حقّهم وإيمانهم الجديد ضد القوى المعادية. بذلك مارس أيزنشتاين، وأترابه، مبدأ تقديم بطل لا بطل يصبح بطلاً لا بالمفهوم العاطفي المناط بالأفلام الغربية، بل بالمفهوم الشيوعي للكلمة الذي ينتج عنه إرساء التقدّم للمجتمع الجديد. في خضم ذلك يتم تكوين بطل ميداني يكون نموذجاً للعامل والفلاح والجندي ضد أصحاب المصانع والإقطاعيين والمكوّنين للنظم السابقة٠

مع الشعب
تلك السينما أنتجت أفلاماً مهمّة فنياً لتمجيد هذا النوع من البذل البطولي في سبيل المجتمع تبعاً للفكرة الماركسية، لكن المسألة بقيت محط أسلوب في النظرة الى ماهية البطل انطلاقاً من الموقع الذي يعمل فيه ويعيش٠ حين كتب السيناريست اليساري الأميركي روبرت رسكين »قابل جو دو« الذي أخرجه فرانك كابرا سنة 1941 استعان بنموذج البطل الشيوعي٠
الفيلم يتحدّث عن رجل فقير أسمه لونغ جون (غاري كوبر) يتم إنتقاءه من قبل صحيفة تريد أن تثبت لقرائها أن التحقيق الذي نشرته عن رجل سينتحر في ليلة الكريسماس بسبب معاناته الإجتماعية لم يكن خيالياً (كما هو بالفعل). كانت تريد »كاغاموشا« بدورها: رجل يتصرّف على أساس أنه جون دو (وإسم جون دو في الغرب يُستخدم للتدليل على ذلك اللا- أحد، الإنسان العادي تماماً الذي يشكّل النسبة الغالبة من البشر في العالم). لونغ جون/ جون دو يتصدّر العناوين. الشعب يتآلف معه. يشكّل حركات وجمعيات بإسمه تدعو للحل الإنساني في مواجهة البرجوازية والأزمات الإقتصادية والرأسماليين. لكن من يموّل حركة جون دو ويسعى للإستفادة من انتشارها هو أحد هؤلاء الرأسماليين الكبار (أدوارد أرنولد) الذي لديه مأرباً لم يكن جون دو يعرفه على براءته وهذا المأرب هو استغلال هذا التأييد الشعبي المطلق لجون دو لأجل دخول الرأسمالي إنتخابات الرئاسة حالما يستخدم جون دو شعبيّته للطلب من ملايين مؤيديه انتخابه٠ حين يعلم جون دو بذلك يرفض، فهو ينتمي الى الشعب ولن يخدعه. الملياردير يكشف أوراقه للناس: هذا الجون دون لم يكن شيئاً، لقد كذّب عليكم إذ لم يكن يريد الإنتحار بل تمّت الإستعانة به لكي يلعب دوراً ولعبه٠ هذا يحطّم جون دو أمام الناس لكن بعض الملتفّين من حوله على إدراك أعلى بحقيقته ورسالته ويمنعونه من الإنتحار فعلاً وفي النهاية الشعب سينتصر والرأسمالية ستتعرّض للهزيمة، كما في المفاد الأخير من هذا الفيلم الجريء الذي سبق محاكمات المكارثية٠

في المواجهة وحده
وسأختم بفيلم آخر من بطولة غاري كوبر هو »منتصف الظهيرة« او
High Noon
الذي أخرجه فرد زنيمان سنة 1952 وهو وسترن حول مارشال لبلدة في الغرب الأميركي أسمه ول كاين (كوبر) يصله في اليوم الذي يتزوّج فيه من حبيبته آمي (غريس كيلي) أن أربعة أشرار آتين لقتله لأنه أدخل أحدهم السجن٠ يقرر البقاء في البلدة بعدما كان خطط وزوجته لأخذ عطلة بعيداً عنها. ويبدأ ، على نحو مطمئن وواثق، بالإعداد الى وقفة يشترك فيها إناس البلدة جميعاً في هذه المواجهة، فقط ليكتشف أن المصالح الفردية هي المتحكّمة: أحد نائبيه هارفي (لويد بردجز) يغار منه ويريد انتزاع البطولة منه، في حين أن المارشال لا يقصد مطلقاً لعب دور البطل بل ينتمي، من خلال رسمه السينمائي، الى النوع العادي من الناس الذين يجدون أنفسهم في موقف غير عادي. نائبه الآخر يخاف من المواجهة بعدما أدرك أن المارشال فشل في استقطاب البلدة وأقطابها الأنانيين. الوحيدون الذين يريدون الإنضمام اليه هم مجموعة من غير القادرين (اي مجموعة أخرى من اللا-بطوليين) بينهم رجل قانون سابق أصبح كسيحاً (لون تشايني) وصبي أصغر من أن يحمل السلاح. زوجته لا تريد أن ترى زوجها في ورطة قد لا يخرج منها حيّاً وعندما يرفض مغادرة البلدة تكاد تغادرها لوحدها لولا أن عشيقته المكسيكية سابقاً، كاتي (هيلين راميريز) تنهرها وتقول لها: لو كنت مكانك لوقفت مع زوجي٠
رفض ول كاين مغادرة البلدة ليس لأنه يريد أن يلعب دور البطل، بل لأنه يريد أن يقوم بالواجب الذي حلف اليمين القانوني من أجله لا أكثر من ذلك ولا أقل. إنه بطل من حيث لا يريد او ينشد وهو بمواصفاته ومواصفات القصّة لا ينتمي الى البطل الروسي ولا البطل الرومانسي (نوع آخر لم نتحدّث عنه) لكنه بطل يساري في فيلم يتلازم ما ذهب اليه ذات مرّة الناقد البريطاني روبين وود من أن أفلام الوسترن (او الغرب الأميركي) هي أكثر من أي نوع آخر من السينما، أما يسارية وإما يمينية٠



|*| CINEMASCOPE |*|


سينما الوسترن: البطولة، الغرب القاحل والأساطير الكبيرة

إلى جانب الإثارة التي كنت أشعر بها حين كنت صغـيــراً
أشاهد أفلام الوسترن في صالة الحي كان يتســرّب إليّ
حب ذلك العهد وتلك البلاد.... أعتقد ككل صبي عادي من
لبنان الى اليابان
..............................................................
إلى ذلك الفتى
.................
حين يفتح فيلم الوسترن المنتج في الأربعينات ومطلع الخمسينات أمام أعين هذا الفتى في أواخر الخمسينات ومطلع الستّينات، فإن الحاصل هو إنبهار بالعالم الذي كان يبدو كما لو كان قطعة كاملة من الخيال، وهو لم يكن كلّه خيالاً٠
لسبب ما كنت أعلم أن هذه الأفلام تقع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولسبب ما كنت أعرف أن الكثير من التدجيل ممتزج فيها مثل الدهن في اللحم المفروم، لكن ذلك ما كان يستطيع أن يمنع من استمتاعي بها٠
كنت أحب فيها الحصان، والسهول والجبال والأنهر والأشجار وقبّعة البطل، وقميص المجرم والباب المرتد للصالونات والطريقة التي يتصرّف بها كل ممثل، والسلاح حول الوسط والحفرة في الأرض حيث على البطل أن يرتمي إليها بعيداً عن الطلقات النارية، او الصخور الغريبة التي تفصل بين الأخيار والأشرار ويدور من حولها القتال. كنت أحب الهندي حين يقفز من على الشجرة فوق حصان الجندي الأزرق وكنت أحب السهم الطائر في الأجواء. وكنت أتطلّع الى تلك الجبال الكبيرة وأتساءل من يعيش في الجانب الآخر منها٠
الوسترن بالنسبة الى هذا الفتى كان أكثر من مجرّد قتال وصراعات وأكشن . كان العدالة. كنت أعيش ، في تصوّري بلا عدالة إجتماعية، البطل كان عدالتي التي أبحث عنها. المختلف الذي كان أنا. وإذا لاحظت ثم لاحظت، كان رئيس الشر في تلك الأفلام إنسان ثري وأنا لم أكن. ولا والدي كان . ثم في حين كانت الأفلام الرومانسية والكوميدية والإجتماعية كسولة الحركة بالنسبة إليّ لم يبق لي من أسباب المتعة سوى الوسترن والبوليسي٠
أخيراً الوسترن كان الموازي لنوعية لم تكترث إليها السينما العربية هي أفلام الفروسية. وكان الموازي لأفلام أكترثت إليها السينما اليابانية هي أفلام الساموراي٠

الصالون... جميعهم كانوا هناك
.......................................
كان هناك خلط عندي بالنسبة لكلمة الصالون٠ في الولايات المتحدة كلمة الصالون تعني الحانة او البار. في الإنكليزية والفرنسية الصالون تعني غرفة الجلوس والضيافة في المنازل. لم يسمّون البارات صالونات. لم أعرف ثم لم أكترث٠
معظم أفلام الغرب عرفت الصالون (او السالوون) بلكنة أصحاب البلاد. هناك كان المسافرون يحطّون رحالهم. وهناك كان المجرمون يتخذونه مقرّاً لهم ولاعبو القمار يشلّحون بعضهم بعضاً المال او يتعرّضون لغش صاحب الحانة. هناك كانت النساء الجميلات اللواتي يقدّمن المشروبات، يجالسن الرجال او يقمن بالغناء الذي لم أكترث له. كلهم كانوا هناك. وكانت اللحظة الخاصة هي حين كانوا جميعاً هناك وفجأة لقطة الى الباب ليدخل منه بطل الفيلم. وهناك طريقة للدخول. يدخل وينظر سريعاً ليعاين الوضع. ربما كان يبحث عن رجل يريد اقتناصه او يريد التعرّف الى المكان. إذا لم يفعل دخل واكتفي، بعد قليل وجوده كاف لإثارة المتاعب. سيتصدّى له شرير وينازله. سيسحب كل منهما مسدّسه. سيسقط الشرير. او في سيناريو آخر، ستقع معركة بالأيدي.... هل حضرت معارك بالأيدي واللكمات في صالونات تلك الأفلام؟
حطام كامل٠
المتكرر هو التالي: يصل البطل الى هذا الموقع غير الحميد. ينظر حوله ثم يتقدّم الى البار. يستقبله البارمان الذي قليلاً ما يشكّل تهديداً لأحد. يقول له البارمان
What would it be?
Whisky يرد البطل
يسكب له البارمان قدحاً ويحاول أخذ القنينة معه. يقبض عليها البطل ويقول بتصميم
Leave the Bottle
ثم يسحب عملة نقدية و-غالباً- ما يرميها بخفّة فوق البار. يسحبها النادل ويمضي وهو بدأ بكره هذا الرجل من الوهلة الأولى٠
بعض الممثلين كانوا يفرضون التصرّف على الشخصية. هل تستطيع أن تتصوّر جون واين وهو يبحث في سرواله عن نصف الدولار؟ او أن يدفع دولار وينتظر الباقي؟ لا. سيرميه كما لو كان التقطه قبل دخوله من تلك الشجرة التي في منتصف البلدة٠ سيرميه كما لو أن هذا التصرّف هو آخر ما سيقوم به قبل مواجهة ما مع رجل لم يرق له أن البطل مختلفاً... او أن البطل بطلاً٠
الحركة تعني السيادة كما الفتوّة في الفيلم المصري القديم. يدخل فريد شوقي الحانة فتتوقّف الحياة بإنتظار ما سيحدث بعد ذلك. الفارق أن فيلم الوسترن كان أكثر تعاملاً مع تفاصيل اللحظة من الفيلم المصري، عادة٠


لكن البار كان له وظيفة إجتماعية. القاضي (الحقيقي في الغرب وزمنه) روي بين كما لعبه وولتر برينان في
The Westerner | William Wyler (1940) ***1/2
وكما لعبه لاحقاً بول نيومان في
The Life and Times of Judge Roy Bean | John Huston (1972) ***
كان يعقد جلساته فيه. وسواه أيضاً إذا لم تكن البلدة لديها مكاناً رسمياً أسمه المحكمة٠


المبارزة... السريع والميّت
..............................
هناك نوعان من الرجال، يقول أحدهم
The Quick and the Dead
والكثير جدّاً من الأفلام دارت حول هذه الأمثولة٠ إليشا كوك الذي وقف يريد مواجهة القاتل المحترف جاك بالانس في »شاين«، هو الميّت. غلن فورد في
Day of the Evil Gun |Jerry Thorp (1968) ***
هو السريع. ألان لاد، جون واين، غاري كوبر، راندولف سكوت، جين أوتري، كلينت ايستوود، بيرت لانكاستر هم السريعون.... كل الممثلين الأشرار هم الموتى٠ معادلة بسيطة لكن تصميم ظهورها في الأفلام كان الشغل الشاغل: يقف البطل والمجرم وجهاً لوجه. قد يتحدّث أحدهما او كلاهما قليلاً... الشارع خال من الناس. الثواني تمر. يد أحدهما تتوتّر ثم.... تأتي لحظة سحب ذلك المسدس من غمده وإطلاقه. ثانية قد تفرق. ثانية قد تقتل او تبقي الآخر حيّاً٠
هناك كلاسيكيات عديدة في هذا الشأن٠
جرّب المجابهة بين المراوغ بيلي ذ كيد (كريس كريستوفرسون) والمقاتل ألاموزا (جاك إيلام) في
Pat Garrett and Billy the Kid | Sam Peckinpah (1973) ****1/2
او تلك التي بين جوني كاش (مثل كريس كريستوفرسون قدم من غناء الكانتري أند وسترن) وكيرك دوغلاس في فيلم المخرج اللامع (والمجهول اليوم) لامونت جونسون
A Gunfight (1971) ***1/2
حيث قرر المخرج أن ينتهي الفيلم بالمبارزة نهايتين واحدة بفوز دوغلاس وأخرى بفوز جوني في ذات الفيلم٠
حين كنت أعود الى البيت، كنت أتصوّر نفسي البطل وهو يواجه المجرم. أقف وساقاي متباعدان وأستعد، ثم أسحب المسدس من وسطي وأطلق النار. فجأة أنقلب الى القتيل فأرمي نفسي على الأرض بكل واقعية، وأبقى على الأرض كما لو مت فعلاً قبل أن يصلني صوت والدتي: قوم٠

........ يتبع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Jul 20, 2008

العدد الجديد يوم غد السبت


مجموعة من الأصدقاء بينهم هذا الناقد


ومع الصديق المخرج خيري بشارة

Jul 19, 2008

297| Private Dick | Hero & Anti Hero- Part 1

: في هذا العدد
التحري الخاص أكثر من مجرد مفتاح لقصة بوليسية: تمهيد <> من هو البطل ولماذا ربما الأفضل له أن يكون ضد البطولة؟



|*| FIRST TAKE |*|


حتى من قبل أن ينتهي الويك- إند، كان العالم الداكن لفيلم الثنائي كرستوفر نولان مخرجاً وكرستيان بايل ممثلاً، والمسمّى بـ
Dark Knight
ينجز 66.4 مليون دولار في عروضه السينمائية التي توزّعت على
نحو 4400 صالة أميركية٠
يوم الثلاثاء تحليل لشباك التذاكر ومن بعد: ملف باتمان كاملاً


من عمق الشاشة| التحري الخاص 1

-------------------------------------
في سلسلة من الحلقات سأحاول الدخــول مع من يشاركني حب
النظر الى عالم الجريمة البوليسية، المنظّمة منها وغير المنظّمة، من
خلال الأفلام التي حملت الى المشاهد هذا النوع من السينما قديماً
وحاضراً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


جاك نيكولسون تحر يبحث عن الحقيقة الخفية مجروح الأنف في فيلم رومان بولانسكي
Chinatown
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولا: من هو؟ *
التحري الخاص هو شخص يعمل خارج سلك البوليس الرسمي يأخذ على عاتقه ملاحقة القضايا الجنائية او المهام التي قد تتضمن، لكنها لا تتوقف عند حد، البحث عن أشخاص مفقودين، فتح، او إعادة فتح ملف قضية مطوية، البحث عن قاتل مستتر لم يلق البوليس القبض عليه، التحقيق في شكوى تنقلب الى اكتشاف ما هو أبعد من ذلك، مساعدة متهم بريء عبر البحث عن الجاني الحقيقي، وكل ما له علاقة إما بالعدالة التي لم تأخذ، لسبب او لآخر [قد يكون فساد البوليس، او فساد الذمم لدى مواطنين، او لجهل بحقيقة بقيت متوارية الخ...] مجراها٠
وهو رجل مستقل، عادة غير متزوّج، يحمل السلاح لكنه لا يشهره، يجيد الدفاع عن نفسه الا إذا تكالب عليه جمع غفير٠ وهو يعمل من البيت او من مركب على الشاطيء (يسمّونها عوّامة في مصر) او من مكتب٠ هو غالباً غير ميسور الحال، لكنه -غالباً أيضاً- شهم ولا تستطيع أن تشتريه٠
أيضاً قد يكون هاوياً يتورّط في مسائل وقضايا جنائية بقصد مساعدة صديق او لاجيء إليه، او قد يكون محترفاً يعمل في المهنة٠
ثانياً: من هم أشهر التحريين الخاصّين في الرواية والسينما الأميركيتين؟ *
هناك عديدون جدّاً. التالي من استحق لقب الكلاسيكي علماً بأن الحديث في الموضوع سيكشف عن أسماء أخرى٠
الكاتب ثم إسم الشخصية التي ابتدعها لتكون بطلة رواياته ثم تقييم من وجهة نظر هذا الناقد لأعمال الكاتب في هذا الشأن مبنية على قراءاته ومشاهداته٠


Agatha Christie | Miss Marple ***
Agatha Christie | Hercule Poirot ***
Edgar Alan Poe | C. Auguste Dupin ****
John D. MacDonald |Travis McGee ***
Ross Macdonald | Lew Archer
Erle Stanley Gardner | Perry Mason ***
Ellery Queen | Ellery Queen ***
Mickey Spillane | Mike Hammer ***1/2
Arthur Conan Doyle | Sherlock Holmes ****
Raymond Chandler| Philip Marlowe *****
Dashiell Hammett | Sam Spade ***1/2
Rex Stout | Nero Wolfe ***

ثالثاً: أفلام التحري الخاص- نماذج *
الفيلم متبوعاً بالمخرج والتقييم (على السطر الأول) ثم الممثل الذي لعب دور التحري الخاص وتاريخ الإنتاج على السطر الثاني٠
HOLLYWOODLAND| Dir: Allen Coulter ***1/2
Adrian Brody 2007

DEVIL IN A BLUE DRESS| Dir: Carl Franklin ****
Denzel Washington 1995

DEATH ON THE NILE| Dir: John Guillerman **1/2
Peter Ustinov 1978

THE LATE SHOW| Dir: Robert Benton ****
Art Carney 1977

FAREWELL, MY LOVELY| Dir: Richard Dick ****
Robert Mitchum 1975

CHINATOWN| Dir: Roman Polanski ****
Jack Nicholson 1974

KLUTE | Dir: Alan J. Pakula ****
Donald Sutherland 1971

SHAFT| Dir: Gordon Parks ***
Richard Roundtree 1971

DARKER THAN AMBER| Dir: Robert Clouse ***
Rod Taylor 1971

HARPER | Dir: Jack Smight ***
Paul Newman 1966

KISS ME DEADLY| Dir: Robert Aldrich ****
Ralph Meeker 1955

MURDER, MY SWEET |Dir: Edward Dmytryk ***
Dick Powell 1944

THE MALTESE FALCON| Dir: John Huston ****
Humphry Bogart

يتبع



|*| FEATURE |*|

حول مفهوم البطولة والبطولة
المضادة للبطولة في السينما

-----------------------------
الحلقة الأولى
يقترح فيلم »هانكوك« لبيتر بيرغ وتمثيل ول سميث البطولة وضدّها في آن واحد من حيث أن هانكوك هو شخص متعفّف عن لعب الدور الذي يستطيع لعبه في الحياة وهو أن يكون بطلاً، لكن الظروف ستقوده الى نفض هذا الموقف والإنطلاق في سلسلة أعمال كلها بطولة وإنقاذ لحياة الناس من كوارث متوالية٠

ول سميث في »هانكوك«٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السبب الذي يجعل هانكوك/ سميث سلبياً حيال دور البطولة يتضمّن ازدراءاً متبادلاً بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه٠ إنه كمن يقسم يمينا عندنا بأنه لن يُساعد مخلوقاً بعد اليوم لأن آخر مرّة حاول فيها مساعدة أحد، استدار ذاك وغدر به او لم يشكره فقط، كما لو أن فعل المساعدة عليه أن ينتظر فعل مساعدة في المقابل من الطرف الذي تمّت مساعدته. لكن هانكوك بموقفه هذا يذهب لأبعد من الموقف الشخصي: لقد عانى من الحياة الى حد جعله يُدير ظهره الى من فيها. الى نظمها وقوانينها وعواطفها وأشخاصها. هذا بالطبع الى أن يجد نفسه مطالباً من دون قرار مبدأي من عنده بالتدخل لإنقاذ حياة أشخاص٠
ذلك المشهد الذي ينقذ فيه حياة سائق سيّارة تعطّلت سيّارته فوق خط القطار والقطار المسرع قادم يبدو لهذا الناقد مثالاً: ما يفعله هانكوك هو أنه يسارع برمي السيّارة جانباً. ترتفع وتقع مقلوبة بين سيّارتين على نحو أن السائق لا يُصاب بأذى. ثم يوقف القطار بضربة من كتفه٠
الى جانب أن الخيال الجانح في السينما هو أحد لوازم ومتطلّبات خلق الشخصية البطولية، الا أن الطريقة التي أنقذ فيها حياة السائق ثم الطريقة التي أوقف فيها القطار ليست تماماً الطريقة التي كان سوبرمان سيقوم بها لو أتيح له ذلك٠
سوبرمان كان سيحط من الفضاء بسرعة فيرفع السيارة بيمينه ويضعها بسلام في مكان آمن، بينما يستمر القطار منطلقاً، وإذا حدث وكان القطار جانحاً بسبب عطل لا يستطيع معه التوقّف ما يعني أن الركّاب فيه في خطر ماحق، فإن سوبرمان سيسارع الى القطار ويوقفه بالتدريج حتى لا يتسبب بإيذاء أحد٠
هذا الفارق بين هانكوك وسوبرمان يفي بنوعية البطولة في كلا الفيلمين. سوبرمان البطل وهانكوك البطل المضاد لمفهوم البطولة. وهو بطل من ناحية الصناعة السينمائية التي تريد من النجم ول سميث أن يلعب الدور الرئيسي في الفيلم، الدور الذي يفحص ماهية البطولة في بعض ما يعرضه على الشاشة من طروحات ومواقف٠

اللامكان واللا تاريخ
لكن المسألة ليست حكراً على نوعين من البطولة: البطولة الجديرة والبطولة التي تنظر الى البطولة سلباً لكنها تضطر اليها٠ هناك من ألوان البطولة ما يصلح لكتاب موسوعي او لفيلم وثائقي من ساعتين او ثلاثة. ومع أن البطولة بمفهومها الإغريقي موجودة في حيثيات العديد من الأفلام قديما والى اليوم، الا أنها ليست المفهوم الوحيد السائد٠ الى حد بعيد تفرض البطولة (ونقيضها) حالات عديدة بعضها ينتمي الى المفهوم الشكسبيري في تداول الموقف الإنساني بين شخصيات عديدة وآثار ما تداوله في نفس واحدة، كما الحال في »ماكبث« او »الملك لير« مثلاً، والمفهوم المؤمن بالبذل والمتحوّل الى التضحية من أجل غاية نبيلة، الى ذلك النوع المفرّغ من العناصر النفسية المندفع الى فعل الخير بناءاً على النشأة الإجتماعية او الوازع الأخلاقي او الديني مثلاً ٠
وبقدر ما هي غنيّة بقدر ما نقيض البطولة كذلك٠ في أحيان يختلطان لكن نادراً ما يتجانسان لأن كل منهما في النهاية يحمل عبء طريق شقّه الشخص الذي تؤول إليه الحركة الرئيسية في المادة المكتوبة او المصوّرة وتبعاتها٠

Shane: ألان لاد في لقطة من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك غالبية من الشخصيات تجد نفسها وقد أصبحت بطلة بسبب تصرّفاتها٠ فيلم »شاين« لجورج ستيفنس وبطولة ألاد لاد (1953) نموذجي في هذه الحالة. هاهو فارس يأتي من بعيد. لا نعرف عن ماضيه شيئاً (ولن نعرف ما يُذكر) يصل طالباً شربة ماء من بيت ريفي. مزرعة صغيرة يسكنها ثلاثة أشخاص: رجل طيّبة، زوجة مخلصة وطفلهما٠ وهو سيشرب ويروي حصانه ويمضي، لكن الرجل يعرض عليه العمل فيقبل ولاحقاً ما يلحظ أن المجتمع الصغير الذي حط فيه يعيش مأزقاً كبيراً. فرب هذه الأسرة الطيّبة (ڤان هڤلن) هو من بين مزارعين صغار عدّة حطّوا في أرض الله الواسعة غصباً عن رجل وشقيقه كانا وصلا الى المنطقة قبل الآخرين واعتبرا أن كل الأراضي التي تحيط بالبلدة حيث يعيشان لهما. لذلك يرسلان رجالهما لزعزعة استقرار المزارعين وإجبارهم على الرحيل. وفي وقت لاحق يقومون بحرق بيت أحدهم لإبلاغ الرسالة، وقبل ذلك في الفيلم يقوم رجل مأجور أسمه جاك ويلسون (جاك بالانس) بقتل أحد المزارعين الذين تشدّقوا بالجرأة (أليشا كوك)٠
شاين يلحظ ذلك وفي البداية يحاول الا يتدخّل، لكنه يعلم أن عليه التدخل للدفاع عن العائلة التي آوته. ينطلق صوب البلدة. تقع المواجهة المنشودة بينه وبين الأشرار والتي يُصاب فيها ويعاود ركب فرسه والمضي الى حيث لن يعود الى المزرعة. لن يعود الى مكان محدد، بل فقط الى اللا-مكان واللا-تاريخ الذي جاء منه٠
لكن الفيلم ذاته يحمل أكثر من صورة للبطل ومفهوم البطولة وهي ليست صوراً من إختيار المشاهد ولا هي مرتبطة بمفهومه المباشر للبطولة كسبب وجيه لمشاهدة الفيلم. شاين نوع من الأبطال الذين تدفعهم الظروف للتصدي (والتصدّي تصرّف بطولي دائم) لكن في فعله ذاك يُثير حفيظة رب الأسرة جو الذي يعتبره ضيفاً ويريد أن يتولّى هو عملية تأديب الأشرار. بذلك ما ينحو إليه جو هو ترك موقعه اللا- بطولي الى موقع بطولي مفترض (موقع شاهدنا الممثل يؤديه في فيلم آخر حين يتصدّى لرئيس العصابة جون فورد ويلقي القبض عليه رغم أنه لا يوازيه قوّة وذلك في فيلم »3:10 الى يوما« الذي أخرجه دلمر ديفيز سنة1957 والذي أعيد إنتاجه مع كرستيان بايل في الدور تحت إدارة المخرج جيمس مانغولد في العام الماضي)٠
شاين يعلم أن جو ليس بطلاً ولا يستطيع أن يكون حيال جاك المقاتل المحترف وسيدفع حياته ثمناً فتقع بين الإثنين (البطل والساعي للبطولة) معركة يدوية هي ذاتها فيها صراع البرهنة على الرجولة: رجولة جو تجاه زوجته إذ لا يخفي عليه أن شاين جذب فيها قدراً من العاطفة رغم ثقته بهما معاً٠
الدور الذي يحاول جو لعبه هو الدور الذي سعى إليه المزارع روفوس (أليشا كوك) مع إختلاف أن هذا كان يتوهّم استحقاقه الدور فتقوده جرأته وقدماه الى التظاهر بإمكانية إنجاز النقلة من اللاشيء الى البطل ويدفع حياته ثمناً لتلك المحاولة. ولا ننسى الطفل جووي (براندون دي وايلد) الذي كانت صور البطولة تلطمه محاولاً تفسيرها٠
وفي الصلب طبعاً، تلك الرسالة المعادية للإقطاع والتي تجعل الفيلم- كالمعظم الكاسح من أفلام الوسترن الأميركية- عملاً سياسياً من دون يافطة او إشارة (لكن ذلك موضوع آخر تماماً)٠



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular