Apr 30, 2008

ISSUE 233 | MEMORY LANE 2 | OPINION

صفحات من ماضي الناقد- 2 ...................................صفحة 1

الناقد المستقبلي: من مهيأ ليستمر ..................................صفحة 2



PAGE 1

النافذة الخلفية - 2

---------------------------------------------------
أدين لكل الذين أتاحوا لهذا الفتى الكتابة على صفحاتهم لكني أدين بالكثير لإلياس سحّاب، شقيق سليم سحّاب، الذي كان قرأ لي في »الدستور« وحين طلب منه صاحب جريدة »المحرر« المرحوم وليد أبو ظهر البحث عمّن يكتب مادة السينما، فكّر فيّ. ليس أن وليد أبو ظهر لم يكن في باله شخص آخر ، بل كان يفكّر في الأستاذ فريد جبر٠
فريد جبر كان أستاذاً آخر لي. قبل هذه الفترة، حين كنت لا أزال ولداً صغيراً كنت أستمع الى برنامجه الإذاعي »السينما في أسبوع« كل يوم سبت أنا وإبن خالتي عبد الرحمن، وكان برنامجه يبدأ وينتهي بالموسيقى التي وضعها إلمر برنستين لفيلم جون سترجز
The Magnificent Seven
لم أكن شاهدت الفيلم بعد، لكني كنت سريعاً ما أتخيّل نفسي على حصان وأبدأ بالهز على الصوفا كما لو كانت هي الحصان٠
فريد جبر كان ناقداً وصحافياً سينمائياً ناجحاً وقد أتيحت لي فرصة التعرّف عليه في مكتبه الذي كان عبارة عن غرفتين صغيرتين مليئتين بالمجلات والكتب على صف سينما الراديو سيتي٠ ونظراً لشهرته قام الأستاذ وليد بإقتراحه، لكن إلياس سحّاب أقنعه بالبحث عن ناقد جديد٠
صحيفة »المحرر« كانت صدرت في مطلع الستينات، ثم توقّفت وها هي الآن تعاود الصدور مجدداً أكبر وعلى أساس شعبي لتلبّي حاجة الشارع العروبي في بيروت ولبنان. كانت ناصرية، من قبل أن ينتقل صاحبها، بعد وفاة الزعيم الكبير، الى الدولة التي تدفع له محوّلاً صحيفته في النصف الثاني من السبعينات وبعد ذلك من خلال مجلة »الوطن العربي« الى »فترينة« يبيع ما يرضي الزبون٠
لا أذكر الآن إذا ما كنت أنا الذي اتصلت بإلياس من باب بحثي عن عمل، او هو الذي اتصل بي، لكن المهم أنني طُلبت للحضور وحضرت وعرّفني على السيد أبو ظهر الذي أخبرني أن التصميم الجديد للجريدة يتطلب مادة سينمائية كل يوم. وافقت وأضفت إليها صفحة كاملة يوم الأحد٠
كنت أول من كتب المادة السينمائية على أساس زاوية يومية واستمر هذا المنوال نحو العامين. لكن قبل أن أدخل في هذا الجانب، أريد أن أشير الى أن »المحرر« أطلقتني كما لم تفعل صحيفة او مجلة من قبل. فجأة صرت معروفاً ومن دون علمي. القرّاء صار لديهم خيار سياسي بين الصحيفة الأولى »النهار« وبين الصحيفة الثانية وهي »المحرر«، بالتالي صار لدى متابعي السينما خيار بين سمير نصري ومحمّد رُضا٠

أشعر بالحرج أن أكتب بصراحة مطلقة عمّا عانيته من مطبّات وتبعات تلك البداية ذلك لأن الزميل الذي طالما أحببت كتاباته حاربني هو وآخرين أول ما بت منتشراً. وهو أعترف قبل وفاته المبكرة بنحو أربعة أشهر بأنه لم يعتبرني جادّاً وأساء إليّ واعتذر. كان ذلك في حفلة عشاء أقامها السيد نادر الأتاسي (أطال الله عمره) في مهرجان فالانسيا. جاءت جلستي الى جانب سمير وهنأني بصدور العدد الرابع من »كتاب السينما« وكنت كتبت تحيّة له فيه على أساس أنه رسّخ في نفسي حب النقد حينما قرأته. قال بالحرف: أشكرك على ما كتبته عنّي وطلبت من جريدة »النهار« نشر المقالة بعد موتي٠
تمنّيت له طول البقاء . بعد خمس دقائق لا أكثر صرخ من ألم مفاجيء وسقط أرضاً الى جانبي. تسمّرت في مكاني لا أدري ما أفعل لأن الرجل إنما كان يتنبأ موته، ثم أنحنيت فيما سارع آخرون لإسعافه. تم نقله الى المستشفى وخرج بعد ذلك ببضعة أيام، لكنه توفي في القاهرة بعد فترة ليست بالطويلة٠
أحترم هذا الرجل رغم كل شيء، لكني لا أحترم آخرين كانوا أفاقين يواجهونني بوجه ويتحدّثون عني سلباً وشتماً حين أكون بعيداً٠

من هم الذين كنت أقتدي بهم في مجالي النقدي؟
استنتج أنت مما يلي: حين كنت أذهب الى المدرسة الإبتدائية كنت أمر على المكتبة وأشتري مجلتين فنيّتين واحدة أسمها »العروسة« لصاحبها شفيق سكّر والثانية أسمها »الرأي العام« وآسف لأني نسيت أسم صاحبها. الثانية كان فيها شيء يشبه النقد. لم يكن علمياً بل كان نقداً او محاولة بقلم رئيس التحرير نفسه. هذه كانت اللفتة الأولى إلى نوعية من أنواع الكتابات السينمائية٠
حين أصبحت في الصف الثانوي الأول، أعتقد سنة 1965، ذهبت الى تلك المجلة وفي يدي مقال نقدي عن فيلم كان كتب عنه هو ولم تعجبني كتابته٠
استقبلني الصديق فارس يواكيم وقرأ المقال ثم سألني إذا ما كنت شاهدت الفيلم- كذبت عليه وقلت نعم. نصحني أن أشاهده مرّة ثانية وأن أقرأ كثيراً ولا أستعجل٠
في النصف الثاني من الستينات استفدت من مهارتي الإنكليزية، نسبياً، وأخذت أشتري مجلات السينما المتوفّرة. لم تكن هناك مجلة سينما عربية في السوق، وكانت مشترياتي عبارة عن مجلات من صنف
Films & Filming, Sight And Sound, Focus on Film, Film in Review
وكان النقد السينمائي أول ما أقرأه خصوصاً في
Films & Filming
كتابات سمير نصري في »النهار« كانت تعجبني لإختلافها عن النمط السائد. ذلك التوجّه الإنشائي الذي كان سائداً في سوريا ولبنان ومصر بين دول أخرى. لكني لم أكن أشاركه الرأي ولم أكترث لنقل أسلوب كتابته بل توسّطت طريقاً يجمع بين التقليد والتجديد او هكذا اعتقدت٠
لدي قصص كثيرة عن تلك الفترة وكيف وجدت نفسي على حافة النبذ المطلق لولا صداقات حسّان أبو غنيمة وعدنان مدانات جورج الراسي وإدغار نجّار وسفيان الرمحي وجورج شمشوم و وقلّة أخرى. وكل واحد من هؤلاء لم يكن محبوباً من قِبل الشلّة التي ضمّت بعض كبار الأسماء الكلاسيكيين آنذاك (أتحدث عن حقبة 1969 وحتى 1973 ولو أنها تمتد لما بعد)٠

كتبت في »المحرر« إذاً وفي كل شيء سينما- كما هو الحال الآن في هذا الموقع. وضعت زاوية يومية أنشر فيها معلومات عن أحد الممثلين او المخرجين. لجانبها مادة نقدية او مقال في السينما عن جملة أفلام او تيّارات وكنت أقوم أيضاً بنشر »شباك التذاكر« (كان أمراً أنفرد به الزميل نصري الى ذلك الحين)، وكنت تحدّثت قبل عدة أشهر عن كيف اكتشفت إمكانية فعل ذلك بالبحث في قمامة مكتب مترو غولدوين ماير في المرّة الأولى قبل أن يبدأ موظّف هناك بتزويدي بما أريد٠
كتبت والعناوين كانت كبيرة غير علمية او دقيقة لكني لم أكن مسؤولاً عنها. مادّتي ذاتها كانت مراهقة، كحالتي، في كثير من الأحيان في العام الأول، ثم أخذت تكتسب ثقلها بالتدريج حتى إذا ما بدأت أكتب مطوّلاتي عن كن راسل وإنغمار برغمن وآرثر بن أدركت أنني قد إنتقلت نوعياً٠
ذلك العام الأول كان مليئاً بالتجارب. سأكتفي بثلاثة: إثنتان غراميّتان والثالثة سينمائية٠




PAGE 2

|*| OPINION |*|

الناقد المستقبلي
------------------------
بقدر ما يتمنّى المرء لمهنة النقد السينمائي أن تستمر حاملة الى هواة وفئات المشاهدين الثقافة والنظرة التقدّمية الى الأمور وحسن الرأي وسعة المعلومات، بقدر ما تبدو الطريق مسدودة في المستقبل القريب إذا ما استمرّت الأمور على النحو التي هي عليه٠
فحين تدرك أن نصيب كل مليون قاريء عربي من الكتاب هو 33 كتاباً فقط لابد أن تتساءل. وحين تعلم أن قرّاء النقد السينمائي هم واحد في المليون او أقل، لا بد أن تتشاءم، ثم عندما تلحظ أن الإقبال على التافه من البرامج التلفزيونية ومن المجلات المنتشرة ومن الأفلام السائدة، يصيبك قدر من الإحباط. فوق كل ذلك، حينما تدرك أن معظم هواة السينما أنفسهم يستمدّون معلوماتهم وآرائهم من الإنترنت وحده، لا بد أن تجد أن مستقبل الثقافة برمّتها، وليس فقط الثقافة السينمائية، في خطر الا إذا حدث شيء ما على هذا الصعيد يعيد بعض التوازن بين الكتابة على الورق وبين الغزو التكنولوجي٠

ليس أننا لا نقرأ في بعض الصحف والمجلات لعدد من النقّاد الجدد بين الحين والآخر، لكن مَن مِن هؤلاء يكتب عن إلمام حقيقي يستمد معظم تكويناته من موهبته وثقافته وأحاسيسه؟ ومن من هؤلاء خطط للإستمرار معتبراً مسيرته الحالية فترة مؤقتة؟ من سيستمر ومن سينتقل مستقبلاً الى منصب آخر؟ او سيترك الصحافة بأسرها او سيجد نفسه وقد ارتبط بشركة إنتاج اسطوانات وأصبح الناطق الرسمي لها او-كما هو واقع حتى بين نقاد مخضرمين- من مِن هؤلاء سيتحوّل الى كتابة مسح الجوخ والحديث فيما هو أكثر إنتشاراً بين القرّاء كالإشتراك في طرح المسائل السياسية او الدينية والتعليق عليها؟

النقد يا صاحبي موقف من الحياة تتخذه لأنك لست راضياً عنها مهما بدت أفضل حالاً في بعض المجالات. وتستطيع أن تكون ناقد كتب او ناقد مسرح او ناقد روايات لكن النقد السينمائي هو الجامع الأكبر لكل هذه وعليه فإن موقفك واستمرارك وبقاؤك أمر يجب أن يكون مسلّماً٠

لا بأس من أن تتولى منصباً آخر طالما يتركك حرّاً وغير مرتبط بمصلحة. ولا بأس أن يكون هذا المنصب وظيفة في مصرف او بائع دواجن في السوق، المهم هو أنك تفي السينما وقتها وحياتها وأفلامها وتتابع ما يشكّل في وجدانك الطفرة الخاصّة التي تميّزك كناقد٠

بعض النقد لا يُقرأ، وبعض النقد يُقرأ هنا ولا يُقرأ هناك، وبعضه الآخر يُقرأ بأكمله ويتم الرجوع إليه ربما أكثر من مرّة. كل ذلك له علاقة بالإيمان المطلق بأهمية النقد لدى الكاتب، لأنه إذا ما كان يدرك أن المسألة مرحلية وفرصة أتيحت له لينشر وعينه على وظيفة صحافية أخرى او أكثر مردوداً مالياً، فإنه لن يسع الى التجويد بل لكتابة مادته بأسرع ما يكون وهيّا الى سواها٠

من الخمسينات شهد النقد السينمائي، بطبيعة الحال، عدّة أجيال: جيل تكوّن في الستينات وجيل برز في السبعينات وجيل ورد الكتابة في التسعينات وآخر يولد اليوم، لكن بمعاينة الفترات المختلفة المذكورة يتّضح كيف أن أعداد المقبلين على النقد السينمائي في هبوط٠ في الستينات، وفي مصر وحدها، برز فريق كامل من النقاد، كذلك في السبعينات. في الثمانينات والتسعينات قلّة، وفي الفترة الحالية عدد النقاد الجيدين والجدد أقل مما كان عليه في التسعينات٠

الناقد المستقبلي عليه، الى جانب التزوّد بالثقافة وبالرغبة في التعبير والتسلّح بمفهوم النقد كأداة ثقافية وإنسانية تتصدّى -عبر الفيلم وحده- الى شؤون الحياة الخطأ، أن يعرف كيف يحوّل مادتّه الى ما يشبه الفيلم السينمائي: بمعنى أن تكون مثيرة للقراءة، مليئة بالأفكار، حيّة بالملاحظات ومدعومة بالآراء والمعلومات في تنسيق وسياق سلس واضح٠
عليه أن يثبت لقاريء الإنترنت أن ليس كل من يكتب على الإنترنت هو كل ما يحتاجه القاريء. أن في الصفحات المطبوعة إمكانية أفضل لسبر الغور وللإلتفات الى الجوانب المثيرة٠
وهل لي أن أطلب من قاريء هذه الكلمات الا يضن على المكتبة بزيارات مثمرة؟
هل أستطيع أن أرجوه أن يضع في حسبان ميزانيّته ولو كتاباً واحداً في الشهر؟
إذا كانت المسألة ليست ماديّة فليست لديه مشكلة. كل ما هو مطلوب شراء كتاب يرضيه وتخصيص ساعتين كل يوم لقراءته. يا أخي ساعة٠ الى أن ينتهي منه يحل الشهر المقبل وهكذا٠
اولئك الذين يمشون على حسبة لا تتحمّل التغيير، اي اولئك الذين يجدون سعر الكتاب، وكل شيء آخر ارتفع وإيراداتهم لا تزال كما كانت عليه، فإن الحل في الإستغناء عن التدخين او عن الإكثار من شرب القهوة او على الأقل الإقلال منهما لأن القراءة هي الأجدى للروح، وما هو أجدى للروح أجدى للصحة بكاملها٠
ومن لا يستطيع مطلقاً شراء كتاب، ولذلك يكتفي بمطالعة ما هو متاح على الإنترنت، فإن لديه المكتبة العامّة التي في معظم الأحيان نجدها فارغة من البشر وهي التي وُجدت لأجلهم٠
نفس الكلام أسوقه لمن يرتاد فيلماً واحداً في الأسبوع او في الشهر. حاول أن تختاره بعناية، لأن معظم المعروض لا يرقى الى مستواك او الى المستوى المفترض أن تبلغه. وإحدى الوسائل الأنجع للحكم على ما تشاهد او ما تتجنّبه هو: النقد السينمائي٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda © 2008

Apr 29, 2008

ISSUE 232 | MEMORY LANE 1 | FESTIVALS: Tribeca

قريبا إفتتاح
MOHAMMED ROUDA'S FILM HOUSE


في هذا العدد

----------------
صفحات من ماضي الناقد: هات من الأول .........................صفحة 1

تحقيق عن الدورة الجديدة من مهرجان ترايبيكا ....................صفحة 2
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
PAGE 1
النافذة الخلفية- 1

---------------------------------------------------
كنت أريد أن أكتب بأي شكل. كنت لا زلت في الخامسة عشر مثلاً، أقل من ذلك بعام ربما، حين كتبت قصّة بوليسية ونشرتها في المجلة المدرسية التي كانت تصدر شهرياً. أمسك الأستاذ بالقصة ودعاني لأتقدّم منه وسألني إذا ما ساعدني والدي في كتابتها. قلت له أن والدي لا يجيد الكتابة فهنأني وحين نشرت بعد أيام هنأني مرّة ثانية٠
منذ ذلك السن لم أعرف كيف أمضي أيام المدرسة. كانت مثل الواجب الذي تفرضه على الطالب. تريد أن تنتهي منه سريعاً لكي تفرغ لشأن آخر، او لا تريد أن تقوم به أساساً٠ أسقطت نفسي من امتحان آخر السنة عندما كنت أخشى أن يفوتني العرض الأخير من فيلم بيتر ياتس »بوليت« فسلّمت ورقة الإمتحان خالية تماماً ثم أنطلقت ركضاً من المدرسة الى دار سينما »كابيتول« لأشاهد الفيلم. كل ما كان في بالي أن ألحق الفيلم. أرتحت إذ وصلت في الموعد المحدد ولم أبالي أني خسرت عاماً كاملاً من الدراسة. ما يهم؟
كتبت في الموسيقى والأسطوانات الغربية في مجلة »تي ڤي« (متوقّفة) وبعد ذلك في »الحسناء« حين رأس تحريرها الشاعر والكاتب أنسي الحاج٠ في اليوم الذي استلمت فيه العديد من اسئلة المراهقين والمراهقات أمثالي انتقل للعمل في مجال آخر واستلم الرئاسة رجل نسيت أسمه وصرفني٠
لا يهم٠
بدأت ترجمة القصص البوليسية التي كنت أقرأها في مجلة »ألفرد هيتشكوك« (لا تزال تصدر الى اليوم) وأنشرها في مجلة أسمها »الجيب« ثم في مجلة »كاميرا« (توقّفتا). وفي العام 1968 بدأت الكتابة عن الأفلام على نحو محترف٠
كيف حدث ذلك؟
يتذكر الزميل إبراهيم عوض في مقالة نشرها في »الحوادث« سنة 1983 قائلاً

عندما سأل عميد »الحوادث« الراحل سليم لوزي عن الأسباب
التي حملت محمد رضا للكتابة في السينما يوم جاءه الأخير
طالباً الإنضمام لأسرة »الحوادث«، أجاب بعفويته المعهودة: استاذي
الكريم، أنا مغروم بالسينما... باكل سينما، وبشرب سينما وبحلم
بالسينما فأرجو أن تجرّبوني وتحكموا عليّ وتوجهونني"٠

شخصياً لا أذكر هذا الحديث ولو أن الكلمات قد تصدر عني بالفعل. إنها كلمات قد استخدمها طمعاً في أن أكتب عن فن عشقته منذ أن كنت صغيراً جداً. أذكر أني كتبت أوّل مقال لي عن فديريكو فيلليني وكنت خجولاً أن أكتب أسمي على الموضوع فطلبت من الصحافي الكبير وليد عوض، وكان مدير تحرير تلك المجلة آنذاك، عدم نشر الإسم، لكنه فعل٠
استمرّيت في الكتابة لأكثر من عام ونصف. كان معاشي فيها قليلاً لكن الواعز لم يكن المال، بل الكتابة، ولجأت الى مجلة أخرى، هي »الدستور«، عندما لاحظت أن مقالاتي في الأسابيع الأخيرة بدأت تتعرّض للتغيير. أتذكر أني كنت مفلساً. كان معي ربع ليرة فقط عليها أن تحدد مستقبلي. وضعتها في هاتف مقهى الهورس شو الأسطوري واتصلت بالأستاذ وليد وأخبرته أنني لست راضياً وأني لا أريد الإستمرار في الكتابة إذا ما كان سيستمر في تغيير ما أكتبه. قال "الله معك"٠
الآن أنشر في »الأفكار« التي يملكها ويرأسها وليد عوض مدّه الله بالعمر والصحة٠
في »الدستور« بدأ كل شيء على نحو صحيح، الى أن طلب مني رئيس التحرير يوماً أن أكف عن الكتابة عن المخرجين وأنزل الى الشارع. قال في إجتماع: "هناك عازفو كمان عميان في ساحة البرج وعلى راس شارع المعرض. إنزل وقابلهم. اسألهم عن أحوالهم وكيف يعزفون"٠ استمعت إليه ولم أفعل شيئاً٠
بعد أسابيع طلب مني الناشر أن أذهب الى معرض صناعي أقامته سفارة كوريا الشمالية وأنقل أخبار المعرض وما سيقال فيه خلال حفلة الإفتتاح. حاولت التملّص لكنه أصر. قلت له" بس يا أستاذ صدّقني لا أفهم في المعارض ولا في الصناعات ولا في كوريا..." لم يقتنع و... ذهبت٠
جلست أكثر من ساعة آستمع الى خطبة مبعوث كيم إيل سونغ، ثم ساعة أخرى للترجمة، وأنا جالس على كرسي خشبي مع مجموعة من الرجال أصغرهم سنّاً يكبرني بعقدين مثلاً. في النهاية تم صرفنا من غرفة الخطب الى غرفة تم تزويدها بآلات لا أعرف ما تفعل. أخذت ملفّاً من المعلومات ونظرت الى أطباق الطعام. كنت جائعاً والأشكال الغريبة من الطعام لم تمنعني من التذوّق ثم هيا الى البيت لأكتب استناداً الى الملف الذي أخذته٠
لم يكن إسم كوريا الشمالية وارداً في الملف، بل جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية- من أين لي أن أعرف إذا ما كانت هذه شمالية او جنوبية؟ كتبت مقالتي مطرّزة بكلمة الجنوبية (لأنها أكثر إيجازاً من ترجمة الإسم بأسره) وفي اليوم التالي سلّمت المقالة لمدير التحرير وفي الأسبوع التالي صدر العدد وكانت مصيبة٠
تخيّل: سفارة كوريا الشمالية التي نظّمت المعرض ودفعت للمجلة ثمناً باهظاً (حينها) للإعلان المكتوب من صفحتين وهي تقرأ أن المعرض كوري جنوبي وأن القائد المظفّر كيم إيل سونغ من النصف المعادي من كوريا٠
طلبني رئيس التحرير و»رقعني« توبيخاً، لكني لم أسكت. قلت له إنني حذّرته. قال: "تريد أن تقول لي أنك لا تعرف الفرق بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية؟". أجبت: لم أكن أعرف حتى الآن، وربما سأنسى حال خروجي من هذه الغرفة. عقلي ليس في كوريا الا حين أرى فيلماً كورياً وهذا لم يحدث حتى الآن"٠
الناشر صب جام غضبه أيضاً على مدير التحرير (كنت أكرهه وكان يكرهني) الذي كان عليه الإنتباه ولم يفعل. لكني أنا الذي طُلب مني التوقّف عن العمل٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
PAGE 2

مهرجان »ترايبيكا« يلقي نظرة على مشاكل العالم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اذا ما كان عدد الأفلام التي عرضت في مهرجان الخليج المنصرم بلغ 124 فيلماً، فإن عدد الأفلام التي يعرضها مهرجان ترايبيكا النيويوركي في دورته السابعة هذه الأيام لا يزيد عن 120 عمل سينمائي، أيضاً بين قصير وطويل
الذي حدث هو أن هذا المهرجان النيويوركي المعروف الذي يرأسه الممثل روبرت دي نيرو قرّر الإكتفاء بهذا القدر من الأعمال بعدما كان عدد أفلامه في الدورة الماضية ناهز المئتي فيلم مكتشفاً قيمة الإكتفاء بما هو أفضل ومنح المشاهد فرصة لكي يسترد أنفاسه عوض أن يوزّع هذه الأنفاس على العروض الكثيرة فيفقد أكثر مما يجني. وهو أيضاً علامة ثقة حين يقرر مهرجان جديد الإنكفاء الى عدد معيّن من الأفلام بعد مرحلة أراد فيها أن يستوعب كل شيء على أمل أن يجذب إليه كل جمهور ممكن
ترايبيكا ليس المهرجان الكبير الوحيد في مدينة نيويورك. يسبقه في الخريف مهرجان نيويورك الذي يجمع بعض أفضل ما تم إطلاقه في مهرجانات كان وكارلوفي فاري ولوكارنو وفانيسيا، بينما بات متوقعاً لمن يزور ترايبيكا أن يجد لمّة من تلك الأفلام الجيّدة التي عرضتها مهرجانات الأشهر القليلة الماضية مثل تورنتو وبرلين وسندانس٠
ولا يمانع الجمهور ذلك فبين المهرجانين يستطيع استقطاب كل الأفلام الكبيرة والرائعة والمهمّة او الجيّدة التي عرضتها المهرجانات الكبيرة الأخرى. هذا لا يعني أن ترايبيكا لا يحتوي علي أفلام خاصّة به، لكن قنوات العروض باتت تؤدي الى مثل هذا البرمجة شاء المهرجان أو أبى، والجمهور راض لأن معظمه الكاسح لا يسافر الى مدن أخرى لمشاهدة ما يريد بل يراه آتياً إليه إذا ما انتظر٠
الجو الذي يريد المهرجان رسمه هو أنه مهرجان أليف. لقد انطلق ردّاً على الكارثة التي حلّت بمدينة نيويورك في العام 2001 لإثبات هوية نيويورك كمدينة ثقافية شاملة وحقق نجاحاً سريعاً معتمداً على مظلة كبيرة من العروض ما جعل الكثيرين يشكون من أنه أكبر من أن يُستوعب في غضون الأيام التقليدية له. هذه المرّة إذاً، هناك تغيير جذري ينطلق من تقليل كم الأفلام ويتّسع ليشمل منحه حسّاً قروياً، إذا جاز التعبير، كما لو كان مهرجاناً للأحياء القريبة والجيران. شيء لمسناه في مهرجان سانتا باربرا وبالم سبرينغز بنجاح من قبل٠

حديقة يسري
ما يشجّع ذلك النوع من العروض غير الخاصّة ويجعلها ناجحة هذه الأيام في أي مهرجان يُقام في الولايات المتحدة الأميركية، وليس نيويورك فقط، هو أن ازدياد تكلفة التوزيع أثّرت سلباً على عدد الأفلام غير الأميركية التي تشق طريقها الى الشاشات هناك. في وقت مضى، كانت الصالات المتخصصة غارقة في سيل الأفلام الأجنبية تعرضها بلا انقطاع طوال العام في كل المدن الكبيرة من نيويورك ومانهاتن الى شيكاغو وبوسطن ومن سان فرانسيسكو ولوس أنجيليس الى فينكس او هيوستون. الآن قل عدد الأفلام غير الأميركية التي تستطيع الوصول وقل أيضاً عدد جمهورها. تلك الفترة الذهبية بأسرها ولّت لتجعل من المهم لمهرجان مثل ترايبيكا أن ينوب عن هذا النقص ويقدّم ما يستطيع برمجته من أفلام لافتة٠
أحد الأفلام التي كادت أن لا ترى نور الصالات التجارية في الولايات المتحدة هو »كُسكُس بالسمك« (او كما تم إطلاق عنوان إنكليزي آخر عليه هو
Secret of the Grain/ سر الحَب
وهو دراما إجتماعية للمخرج التونسي الأصل عبد اللطيف قشيش ربحت جائزة رئيسية في مهرجان فانيسيا الماضي وأربع جوائز سيزار فرنسية (الأوسكار المحلّي) والكثير من الإعجاب النقدي تدور حول أحاسيس وانفعالات مهاجر عربي في فرنسا لديه زوجة سابقة وعشيقة حالية وأولاد تزوّجوا والجميع، بعد صرفه من العمل على السفن الصغيرة، يقررون إفتتاح مطعم كُسكُس بالسمك فوق أحد المركب. الرحلة من هنا ليست أقل صعوبة يعالجها المخرج بقدرة نافذة -ولو أيضاً بطيئة التطور- على ولوج واقع الحياة بالنسبة لبطله ولأسرته وبيئاتها الخاصّة وعلى سبر غور كل تلك المحطّات الإنسانية في شخصياته كلّها. مهرجان ترايبيكا جلب هذا الفيلم لعرضه بعدما تعبت شركة الإنتاج الفرنسية وهي تلاحق شركات أميركية لبيعه. وسواء أكان إعلانه في ترايبيكا هو السبب او لا، فإن الأزمة انتهت فجأة بقيام شركة
IFC FILMS
بشراء حقوقه لتطلقه في غضون الأسابيع التالية للمهرجان ٠
المصري يسري نصر الله والإيطالي أنطونيللو غريمالدي يحاولان، كل بفيلم يعرض له، ولوج الواقع أيضاً وسبر غور تلك المحطّات، إنما بنتائج أقل من تلك التي حققها قشيش. في »حديقة الأسماك« يعرض المخرج المعروف لشريحة من الحياة الحاضرة في مصر قوامها، حسب تعريفه، الخوف من كل شيء: من الحكومة ومن الناس ومن الأمراض ومن الأعداء والأصدقاء على حد سواء. وإذ يبدأ الفيلم جيّداً في تمهيد أحداثه، يبدأ بالإهتزاز فنيّاً عندما يخفق السيناريو في الربط الجيّد بين حكايات شخصياته فيما بينها، ثم ما بين غايات المخرج والفيلم أيضاً. وما يزيد من المشكلة إقدامه فجأة على الطلب من شخصيات في الفيلم الحديث مباشرة الى الكاميرا في حركة تسجيلية لا ينتج عنها سوى إيقاف السرد الروائي، إبطاء الدراما (او ما يمكن وصفه بذلك) وتشتيت الإهتمام وإغراق الفيلم بغموض لا يجني منه المشاهد من دافعي التذاكر شيئاً٠
الإيطالي غريمالدي يقدّم »فوضى هادئة« وهو يعرض بسلاسة أفضل موقف مدير أعمال تلفزيوني فجع بوفاة زوجته وآل إليه الإهتمام بإبنتهما الصغيرة. بطل الفيلم، كما يؤديه الممثل- المخرج ناني موريتي- يجد نفسه منجذباً الى حالة من العزوف عن العمل والحياة الطبيعية مختاراً إنتظار ابنته من بعد ايصالها الى المدرسة الى حين خروجها منها. في غمار ذلك يرسم المخرج وحدة هذا الرجل ومقدار ألمه ولو أن الصعوبات الناتجة عن محاولة إرساء الماثل كحقيقة تقبل التصديق يبقى أمراً مضطرباً معظم الوقت٠


ثلاثية ڤايدا
وعن أب وإبنه هناك دراما باكستانية بعنوان
ٍRamchand Pakistani
لمخرج حديث أسمه مهرين جبّار يدور حول عائلة صغيرة تقطن في بلدة صحراوية لا تبتعد كثيراً عن الحدود الباكستانية- الهندية تتعرض لتجربة مؤلمة حين يجتاز الأب وإبنه، من دون علمهما، الحدود فيقبض عليهما الأمن الهندي ويودعهما السجن لثلاث سنوات في الوقت الذي لا تعلم فيه الزوجة عما حدث لهما٠ المادة موجعة إنسانياً والمعالجة ولو كانت كلاسيكية ومباشرة الا أنها مناسبة لفيلم يريد أن يُظهر إجحافاً بحق ضعفاء الأرض٠
البولندي العريق والمخضرم أندريه ڤايدا يعرض في ترايبيكا« عملاً جديداً يعود به الى قديمه٠
في الستينات ومطلع السبعينات أطلق ثلاثية من الأفلام الدرامية الكبيرة التي تطرّقت الى موضوع الحرب العالمية الثانية من دون أن تكون ملتزمة بموقف السُلطة الشيوعية. هذه الأفلام كانت »جيل« و»قناة« و»رماد والماس«. فيلمه الجديد يبدو كما لو كان كلمته الأخيرة في هذا الموضوع مستفيداً الآن من الليبرالية التي تسود المنطقة بأسرها، بما فيها -طبعاً- الحياة السياسية في بولندا٠
الفيلم هو »كاتين« وهو دراما عن مذبحة حقيقية عرفت بذلك الإسم لوقوعها في غابة كاتين قرب الحدود الروسية- البولندية٠ إيجاز تاريخ المذبحة يكمن في أنه تم في الأربعينات، حين كانت الحرب مستعرة بين الروس والألمان أن أصدر القيادة السوڤياتية، تحت إدارة ستالين، قراراً بتجميع كل القيادات العسكرية البولندية من رتب مختلفة في معسكرات معيّنة من دون تفسير يذكر. لم يدر في ذهن أي من الضبّاط مطلع الأمر أن الغاية هي سجنهم في تلك المعسكرات، والغالبية تمنّعت عن التسلل خارج تلك المعسكرات هرباً، لأنها لم تكن تعلم ما ينتظرها. حين أدرك الجميع أن المسألة ليست تجميعاً، بل سجناً، كان الوقت قد فات وماهي الا أيام قليلة قبل أن يُساق خمسة عشر ألفاً من هؤلاء الى مقابر جماعية حيث تم إطلاق النار عليهم في عملية آستغرقت أياما قليلة. لاحقاً ما ألصق الروس التهمة بالألمان لكن الألمان أثبتوا أنهم لم يقوموا بها وأيقنت الحكومة البولندية ذلك، لكنها كانت تنضوي تحت المظلّة الشيوعية الحاكمة لشرقي أوروبا ولم تستطع أن تفعل شيئاً حيال ذلك٠
فيلم ڤايدا لا يوازي- عمقاً- أعماله السابقة في تلك الفترة. الحاجة الى الترميز آنذاك، والى التمويه والى قول الشيء وضدّه في آن، كما حاجة المخرج لتأكيد ذاته وموهبته قادته، وآخرين في تلك الفترة، الى إطلاق سينما من التداعيات الفكرية والفنية الثرية ولإيجاد حلول لموضوع الرقابة. هنا، التحدّي مختلف الشروط والأسباب، واعتماد المخرج على الواقعة ذاتها من دون رتوش يجعله أكثر عرضة لتقديم فيلم حواشيه الفنية خفيفة. على ذلك، وبفضل من موضوع قلّما التفت اليه العالم بعد حدوثه ولم تنقله السينما الا في شكل فيلم وثائقي النبرة قبل أكثر من عقد ونصف فإن للفيلم سيطرة على المشاهد ناتجة عن سيطرة الموضوع عليه. وما يفعله ڤايدا جيّداً هو تكوين عالمه من أسلوبه البصري وحركته للكاميرا المدارة والمصممة كلاسيكياً والمرفوعة عالياً فوق الرؤوس والقريبة في لقطاتها لصور الضبّاط وهم يعدمون بلا هوادة. رسالة سياسية مهمّة وكشف في موضوع غالباً ما سيبقى أقرب الي طي النسيان رغم كل الجهد المبذول٠

على جانبي القتال
وفي حين أن الأفلام الروائية المذكورة (وهناك غيرها الكثير) تتعامل مع المشاكل الإجتماعية والإنسانية عربية وأوروبية وآسيوية، فإن الهم الشاغل للعديد من الأفلام التسجيلية هي حال العالم من بعد 2001 بما في ذلك حال الحرب الدائرة في العراق٠
في العام الماضي نال فيلم أليكس غبني »تاكسي الى الجانب المظلم« او
Taxi to the Dark Side
جائزة المهرجان في نوعه ثم كسب أوسكار أفضل فيلم تسجيلي في مطلع هذه السنة. تناول الفيلم كيف سمحت الحكومة الأميركية بممارسة العنف وأعطت، حسب وثائق الفيلم، الضوء الأخضر للتعذيب في حالات غير محددة الشروط او المعالم. الفيلم المشابه هذا العام، فيما يعكس الإهتمام الحالي للسينمائيين الأميركيين حالياً، هو
Standard Operating Procedure
للمخرج المواظب على الأعمال الوثائقية والتسجيلية إيرول موريس. في هذا الفيلم، الذي يعرضه ترايبيكا خارج المسابقة، يتطرّق للموضوع ذاته لكن إهتمامه منصبّ على حادثة أبو غريب مع مقابلات مع الجلاد والضحية في ذات الوقت- أي مع الجنود والذين تم تعذيبهم وذلك لتكوين صورة أرادها علمية، وربما أكثر مما ينبغي٠
في الحرب أيضاً
Theatre of War
لكن الحرب هنا ليس القتال الدائر والضحايا المرتمين على جانبي المتقاتلين بل عن »بزنس« الحرب. والمخرج ، جون وولتر، يصوّر ميريل ستريب في تمارين مسرحية لعمل برتولت برخت »أم شجاعة وأولادها« مع تحليل صبّ آنذاك في الحروب المستعرة ويتردد صداه في الحروب الحاضرة ومفاده أن هناك من يجني الكثير من الفوائد والمنافع بسبب الحروب واستمراراها. او كما يقول برخت
War is good for business
وعلي الصعيد ذاته هناك فيلم
Pray the Devil Back to Hell
الذي يدور حول حرب أهلية أخرى في القارة الأفريقية هي تلك التي استعرت في لايبريا ودور المرأة في محاولة وضع حد لها٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda © 2008



Apr 28, 2008

ISSUE 231 |First Actors | FILM REVIEW: Street Kings | مفاجأة خلال أيام

هناك مفاجأة أعتقد أنها ستسعدنا جميعاً ستقع هنا على هذا الموقع خلال الأيام القليلة المقبلة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف أنخرط ممثلو المسرح في ........................................صفحة 1
السينما أيام كانت صامتة؟

نقد فيلم: »ملوك الشوارع« .............................................صفحة 2




PAGE 1
تجارب في اللقاء الأول بين ممثلي المسرح والكاميرا
---------------------------------------------------

علا نظيموڤا ورودولف ڤالنتينو في لقطة من »كاميليا« (1921)٠
ـــــــــــــــــــــ














حين بدأت السينما نَفَسَها الأول، لم يكن هناك ممثلون٠
كونها بدأت وثائقية، من ناحية، ثم كونها صوّرت أناساً حقيقيين من ناحية أخرى، حجب فكرة الإتيان بممثلين مجهّزين بالخبرة او بشروط المهنة او الموهبة. لم يفكّر أحد في أن السينما يمكن أن تكون مسرحاً مصوّراً- ليس في الأعوام القليلة الأولى على الأقل. ليس من قبل أن ينصرف البعض من تصوير حركة طبيعية الى تصوير حركة مقصودة وخاصّة التكوين للكاميرا٠
لاحقاً، حين أخذت السينما تنتقل من تصوير شارع هنا اوحديقة اومحطة قطارات هناك الى تصوير فكرة من مشهد واحد، وكما مرّ معنا حين تحدّثت طويلاً عن سينما وأفلام جورج ميلييه، أخذ صانعو الأفلام بجلب من تيسّر: أقارب، أصدقاء، جيران، عابرو سبيل الخ... ووضعهم أمام الكاميرا. لم تكن الموهبة او الخبرة ضرورية٠
بعد العام 1905 أخذ الإتجاه صوب إنجاز أفلام أطول من بضع دقائق بالإزدياد، وأخذ التفكير في أن هذه الزيادة تتطلّب -لكي تنجح وتستمر- بعض الدعم من المسرح عبر الإتيان بممثلين من على الخشبة ووضعهم أمام الكاميرا٠
لابد، وهذا الإستنتاج شخصي، أن صانعي الأفلام فكّروا تجارياً أكثر من ذي قبل بعدما وجدوا أن نبوءة أوغوست لوميير من أن السينما سوف لن تستمر طويلاً، لم تتحقّق بل على العكس أتسعت رقعة العروض ونجحت٠ لذلك عوض الوجوه غير المعروفة، والتي مرّت في النهاية مثل سحب سريعة في سماء تلك الأفلام الأولى، لجأ هؤلاء الى ممثلي المسرح٠
لم يمض وقت قبل أن يصبح الهدف لدى بعض صانعي الفيلم في أن يستطيع هذا الفن الناشيء التمتّع بذات القدر من الإحترام والإقبال الذي كان يتمتع به المسرح٠
ردّة الفعل الأولى من قبل العديدين من ممثلي المسرح هي عدم تخلّيهم عن خشبة المسرح لأن التقليد الساري هو أنه لا يوجد تمثيل لائق بالممثل الا في المسرح، وأن السينما هي درجات الى الأسفل بالنسبة للممثل ولفنّه إذا ما أقدم عليها٠

المرأة التي لعبت هاملت
في الوقت ذاته كانت السينما تلجأ الى المسرح لتنقل بعض المسرحيات المعروضة. الفكرة هنا كانت أنه في الوقت الذي وقفت فيه الكاميرات على محطة قطار لتستقبل قطاراً او على باب مصنع لكي تشاهد العمّال يخرجون منه، تستطيع، وبنفس التكوين التسجيلي لها، أن تصوّر مسرحية. طبعاً ليس كل المسرحية بل مقتطفات منها. هكذا في الواقع وجدت النسخ السينمائية الأولى لمسرحيات شكسبير طريقها الى الشاشة وذلك من العام 1900 كما فعل المخرجان الفرنسيان كليما موريس ولويس لوميير، وكما فعل جورج ميلييه سنة 1907
لكن بحلول العام 1913 كانت السينما انتقلت من الإكتفاء بنقل المسرح إليها، الى عملية تأليف المسرح فيها. في هذا العام تم إنتاج أربعة أفلام على الأقل أشهرها النسخة البريطانية التي أخرجها
Hay Plumb
وهو مخرج بريطاني منسي اليوم حقق نحو 180 فيلم معظمها في الفترة الصامتة٠ وتمتّع هذا الفيلم بممثلين مسرحيين مشهود لهم مثل جونستون- فوربس- روبرتسون الذي لعب دور هاملت، وغرترود إليون في دور أوفيليا وولتر رنغهام في دور كلوديوس. ومن يراجع سيجد أن »هاملت« الشاشة كان أول فيلم لأي منهم، وأنه لم يهجر المسرح الى السينما بعد ذلك الا في مرّات معدودة (ثلاث او أربع مرّات لكل منهم)٠
بعض كتب التاريخ السابقة ذكرت أن الممثلة المسرحية سارا برنارد كانت من أبرز الممثلين الذين نظروا إلى السينما كفن لا يرقى الى المسرح، لكن مهما يكن فإن أول ظهور لها على الشاشة كان في نسخة موريس من »هاملت« (لعبت الدور في ثياب رجل) ولو أنه كان من النوع التسجيلي عن مسرحية ولم يكن تمثيلاً خاصّاً بالسينما. وبعد عشر سنوات عادت الى السينما في سلسلة متلاحقة شملت »غادة الكاميليا« و»الملكة إليزابث« ثم »»أم فرنسا« (1917) الذي ربما يكون كٌتب مباشرة الى السينما. في أي الأحوال عدد أعمالها السينمائية لم يتجاوز العشرة على الرغ من ذيوع أسمها وتلقّف الجمهور السينمائي لهذه الأفلام بإستقبال حسن٠
ولا أدري إذا ما كان هذا النجاح مسؤولا عن تشجيع مغنية الأوبرا الأميركية جيرالدين فارار بدخول السينما في العام 1915 بنسخة من »كارمن« الذي كان مقدّمة لنحو خمسة عشر فيلماً من تمثيلها. ولكن الحظ الحسن لم يواجه كل ممثلة مسرحية جرّبت السينما، وبعضهن أخفق تماماً مثل ماري غاردن
التي أخفقت في التعامل مع الكاميرا كليّاً فظهرت في فيلمين فقط هما
Thais و The Splendid Sinner
قبل أن تعود أدراجها٠

نظيموڤا
إذاً، في رحى السنوات الخمسة عشر من القرن العشرين أقدمت ممثلات مسرحيات على الخطوة السينمائية إما بتمنّع وإما برغبة حثيثة لم يقدّر لها النجاح. لكن لا أحد منهن لم ينجز ما أنجزته الممثلة الروسية علا نظيموڤا. هذه الممثلة التي خبرت المسرح قبل فيلمها الأول سنة 1916، ثم بقيت على صلة فيما بعد، لم تكتف بالظهور كممثلة سينمائية فقط محققة نجاحاً نجومياً كبيراً، بل هي أنتجت بعض أفلامها بنفسها وأوّلها في هذا المجال كان »العين بالعين« (1918) الذي شاركت بإخراجه لجانب ألبرت كابلاني (قبلاني؟) ولعبت فيه دور حسّونة، الفتاة العربية التي وقعت في حب بحّار فرنسي ومن أجله كسرت تقاليد القبيلة٠
فيلم آخر نال نجاحاً كبيراً لها هو »كاميليا« عن كتابة ألكسندر دوما الإبن من إخراج راي سمولوود وشاركها في البطولة رودولف ڤالنتينو وذلك في العام 1921 بعد عام واحد من قيامها بتمثيل فيلم عنوانه »بلايين« قامت بكتابة بطاقاته (كونه فيلماً صامتاً) وتوليفه (مونتاجه) أيضاً٠
في العام 1923 أنتجت نظيموڤا »سالومي« ولعبت بطولته عن مسرحية أوسكار وايلد . كان فيلماً جريئاً في طروحاته ومواقفه الجنسية وفيه قدر من الخروج عن التقاليد. الجمهور كره الفيلم لهذا السبب وعزف عن نظيموڤا التي مثلت بعده أربعة أفلام صامتة آخرها في العام 1925 وعادت بعد ذلك الى المسرح حتى قررت لاحقاً العودة الى السينما من جديد فظهرت في أربعة أفلام ما بين 1941 و1944 حيث وضعت نفسها تحت قيادة الخبير جون كروموِل إنما في دور مساند وراء كلوديت كولبرت وجنيفر جونز وشيرلي تمبل٠
هذا الفيلم قدّر أن يكون آخر فيلم لها وتوفّيت بعده بعام عن 66 سنة٠



PAGE 2

FILM REVIEW
---------------------------
Street Kings **

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ديفيد آير في ثاني فيلم له بعد »أزمنة قاسية« يستند الى سيناريو من كتابة جيمس إلروي، أحد مشاهير الرواية البوليسية، وفيها التحري توم لدلو (كيانو ريفز) يعمل في سلك بوليس لوس أنجيليس ولا يتوانى عن القتل في سبيل القانون. حين يفيق من نومه مساء أحد الأيام منطلقاً الى موعد مع أربعة كوريين نلحظ العلم الأميركي عند باب منزله وتستطيع من هنا أن تدرك ميوله الوطنية وأن تتساءل عما إذا كانت ميوله يمينية أيضاً. الجواب على هذا السؤال يأتيك بعد قليل مع قيامه بقتل الكوريين الأربعة وتدبير مسرح الجريمة حتى يتسنّى له تبرير القتل ، ثم يتردد هذا الجواب على كل الفيلم بعد ذلك٠
توم ينفّذ قانونه الخاص بيديه. لا يؤمن كثيراً بأن العدالة ستأخذ مجراها. ليس فاسداً او شريراً ولا حتى سادياً، بل رجل يؤمن بأن عليه هو، كرجل قانون، أن ينفّذ القانون ولو أدّى الى العقوبة من دون محاكمة. رئيسه المباشر كابتن ووندر (فورست ويتيكر) يغطّيه. يتيح له النجاة من كل محاسبة وتوم يعتبره قريباً من الأب الروحي على عكس ما يرى الكابتن بيغز (هيو لوري) الذي يرتاب في صحّة إدعاءات توم ورئيسه ويقرر الكشف عنها والبحث عن الطريقة التي تجعله قادراً على وضع حد للإنتهاكات٠
الأمور تتلاطم مع بعضها البعض بينما توم في وسطها عندما يتم تصفية زميل له والقتلة، كما يتّضح فيما بعد، من ذات السلك٠ هنا على توم كشف الحقيقة ثم مجابهة الأشرار في الداخل بينما تتردد في سماء الفيلم عبارة أنه رأس الحربة في سلك البوليس والقانون لا يستطيع الا الإعتماد عليه. المفهوم هنا هو يميني محافظ جدّاً إذ يتم منح بطل الفيلم صك غفران. ليس أنه يبقى واقفاً في نهاية الفيلم على قدميه فقط، بل يُطلب منه الإستمرار في منهجه أيضاً٠
الفيلم يقدّم بطله وسط قوميّات وعناصر أخرى. بعد الكوريين الأشرار فإن أحد أشرار البوليس لاتيني ورئيس توم الذي نكتشف يقف وراء المؤامرة أسود. بين الإثنين هناك الكثير من الشخصيات الضائعة في شباك الشر وهم أما سود وأما لاتينيون. توم أبيض كذلك زميله التحري دسكانت (كريس إيفانز) . هذا ما يجعل رسالة الفيلم التحتية تدور حول كيف أن لا صديق يستحق الصداقة للأبيض سوى أبيض مثله، ويزداد وضوح هذه الرسالة حينما نكتشف أن بيغز (وهو أبيض أيضاً) هو خير من كان على توم التعاون معه منذ البداية٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda © 2008



Apr 27, 2008

ISSUE 220 |NOTEBOOK.

|*| NOTEBOOK |*|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حقوق وفهلوة
-----------------------------
كنت أتحدّث مع بعض الشباب من هواة السينما عن الأفلام عندما أنبرى بعد قليل من بدء الحديث شاب وقال: "هناك فيلم قديم أريد أن أسألك عنه يدور حول الطائرة التي لم تغر على برج وورلد سنتر بل اتجهت نحو الغابات. لكني نسيت أسمه"٠
ثم راح يصف الأحداث وسريعاً ما أدركت أنه فيلم »يونايتد 93«، وهو الفيلم الذي خرج للعروض كافّة قبل عامين او أقل، تبعاً لجدولة عروضه في الدول المختلفة٠ حينما ذكّرته بالعنوان لكني أبديت تعجّبي من أن يوصف الفيلم بالقديم: »هذا ليس فيلماً قديماً، بل حديثاً«. ومع أنه ابتسم وأومأ بالموافقة الا أنه أتبع ذلك قائلاً أنه يعتبر كل ما مر عليه أكثر من سنة قديم٠
حتى لغوياً هذا خطأ فالقديم ما تجاوز عمره عشرات السنين. أما ما لم يمر عليه أكثر من عامين او حتى خمسة أعوام فهو حديث او حديث نسبياً. وإذا كان فيلم مثل »يونايتد 93 او »»رسائل من إيوا جيما« قديم، فماذا نقول عن أفلام الثمانينات والسبعينات وما سبقها؟ وهل يعني ذلك أن الأفلام التي ظهرت في العام الماضي أصبحت بدورها قديمة؟
وبالمناسبة، هناك سؤال يتردد من حين لآخر حول ما الذي يحدث لألوف الأفلام التي يتم إنتاجها بعد أن تصبح -فعلاً- قديمة؟
كما هو معروف اليوم فإن للفيلم وجهاته المتعددة والتي تنطلق حسب جدول زمني محدد لتشمل كل وسيط او وسيلة عرض٠
يبدأ الفيلم رحلته التوزيعية بالعروض السينمائية، أما بعد افتتاحه في مهرجان ما او من دون مهرجان، مباشرة الى صالات العرض. إذا ما نجح سينمائياً فإن ذلك ذخيرة مهمّة لإنطلاقه بعد أربعة الى خمسة أشهر على أسطوانات، وأحياناً أقل خصوصاً إذا ما أخفق سينمائياً. بعد إنزاله على أسطوانات يتم توزيعه على قنوات الرحلات الجويّة ومن ثم على محطات التلفزيون الفضائية المتخصصّة بعروض الأفلام، ثم الى باقي المحطّات حيث يتم استهلاكه بعد ذلك مراراً وتكراراً
بعض الأحيان، حين لا يكون هناك أمل في توزيع تجاري ناجح على الشاشات الكبيرة يتم دفعه مباشرة الى الفيديو الدي في دي وبذلك يتم إختصار تكلفة توزيعه والترويج له سينمائياً، علماً بأن الترويج السينمائي له عائد على سوق الفيديو لأن البعض سينتظر وصوله الى المحلات القريبة عوض أن يفاجأ به هناك إذا ما لم يُعرض سينمائياً
في كل مرّة يتم فيها عرض الفيلم تلفزيونياً، او في كل مرّة يتم فيها إبرام إتفاقية عقد تلفزيوني (غالباً ما ينص العقد على عدة عروض في تلك المحطّة) يتلقّى المنتج وبعض العاملين الآخرين فيه حقوقهم المادية. بذلك لا يموت المشروع تجارياً بالنسبة إليهم. وهذا يحدث في كل مكان من العالم باستثناء العالم العربي الذي يلهث موهوبوه وراء حقوقهم بلا طائل. المنتج يستولي على كل شيء في كل زمان وفي كل مكان لأن الشطارة عنده هو أن لا يدفع، بينما الشطارة عند السينمات التي تقدّمت عنها هو أن تدفع لكي يصبح هذا الموهوب زبوناً تستفيد منه دائماً٠

توب تن
لا أعرف لماذا تصر محطّات التلفزيون المحليّة نشر قائمة أفضل عشرة أفلام في الولايات المتحدة. ما الذي يهم إذا ما بّثت تلك اللائحة تلفزيونياً؟ هل فعلاً سيكترث المشاهد ما إذا كان الفيلم الجديد حط في المركز الأول او الواحد والعشرين؟
أعرف الجواب طبعاً وهو أن المادة تصل من الخارج مصوّرة وجاهزة ولا ينقصها سوى صوت المذيعة وهي تدّعي أنها تعرف كل شيء . ماذا عن أكثر الأفلام رواجاً في الإمارات، في الكويت، في مصر، في لبنان،؟ في المنامة او تونس او سواها؟ ماذا عن قائمة خاصّة عن أكثر الأفلام رواجاً في عدد من العواصم العربية؟ الا يكون الموضوع أكثر أهمية؟ إثارة؟
حول العالم تشكل تلك القوائم أهمية لصانعي الأفلام من شركات ومنتجين ومخرجين ومشتركين، وبل باتت مقروءة، بحكم العادة او لأسباب معيّنة، بين فريق من الجمهور، لكن عندنا من يكترث فعلاً؟ ومن يكترث فعلاً هو الذي ينقر على أزرار الكومبيوتر فيمنحه الجواب في 30 ثانية٠

بوني وكلايد
خرج للعروض على أسطوانات فيلم آرثر بن »بوني وكلايد« الذي تم إطلاقه أول مرة سنة 1967 وهو فيلم عصابات نيّر وشيّق من بطولة وورن بيتي وفاي داناواي عن شخصيّتين حقيقيّتين في الثلاثينات. هو قابل هي بعد أن ارتكب جرائم سرقة بسيطة، لكنهما معاً قاماً ببعض أجرأ عمليات سرقة المصارف آنذاك وكانا يأخذان من البنوك. لماذا؟ لأن المال عادة يكون هناك كما تقول النكتة الشهيرة٠
المهم أن الفيلم حينها أحدث ضجّة كبيرة، إذ كان مختلفاً عن أفلام العصابات الأخرى من حيث أن بطليه المحبوبين مجرمين ومن حيث أن جرائهما كانت من النوع الذي تجابهه بقرار داخلي مفاده: لا أكترث إذا ما سرقا المصارف أو لا، فهما شخصيّتين على معايير أخلاقية وإنسانية كثيرة في مواقع أخرى٠
حين كنت صغيراً وشاهدت هذا الفيلم أول مرّة كنت أقوم وأقعد على كرسي الصالة قافزاً كلما تبادل اللصّان ومساعديهما الرصاص مع رجال القانون. آه يا بطل آه... ولم أكن وحيداً. إبن أبو عبد فقد أعصابه ولكم الرجل الجالس أمامه من غير قصد وهو يقلّد اللكمات. طبعاً أنتهى الإشكال بلكمة تلقّاها بدوره لكن ذلك لم يمنعه من تكملة الفيلم ثم مشاهدته مرّة ثانية ربما ليلكم شخصاً آخر أضعف بنية٠

كلما تغيرت هوليوود، كلما بقيت كما هي
في الستينات أيضاً كان المخرج فرد زنيمان لا يزال حيّاً وهو أخرج في ذلك العقد الرائع من الزمن ثلاثة أفلام هي
The Sundowners/ أناس المغيب
Behold a Pale Horse/ أكبح حصان شاحب
A Man For All Seasons/ رجل لكل الفصول
»والأخير أفضل هذه الأفلام الثلاثة وأخرجه سنة 1966
لكن أشهر أفلامه جاءت قبل وبعد تلك الفترة. في الخمسينات مثلاً أخرج
High Noon/ الظهيرة الموقدة
من بطولة غاري كوبر وفي »من هنا وحتى الأبدية« مع بيرت لانكاستر ومونتغمري كليفت ودبورا كير وفي السبعينات أخرج مثلاً »جوليا« الذي نال أوسكارات وقامت ببطولته فانيسا ردغراف التي وقفت على منصّة الأوسكار وحيّت نضال الشعب الفلسطيني، فهوجمت بضراوة من قبل اللوبي الصهيوني، وجين فوندا في آخر دور جيّد لها. كذلك أخرج زنمان
Day of the Jackal/ يوم الضبع
وهو فيلم بوليسي حققه في فرنسا حول مؤامرة لقتل الرئيس شارل ديغول تم، تبعاً لها، استئجار خدمات قنّاص لعبه إدوارد فوكس الذي كاد أن ينجح في مهمّته لولا السيناريو٠
تذكّرت كل ذلك حين قرأت على أحد مواقع الإنترنت كلمة منشورة عن لسانه تقول: "في فرنسا ( حيث صوّر ذلك الفيلم) هناك جدال حماسي قائم حول الجانب الإبداعي من السينما. هنا في هوليوود مشغولون في الدوران في دوائر. لقد وضعنا أنفسنا في فخ نصبناه بأيدينا فأصبحنا ملزمين بتنفيذ الأفلام المسلسلة وروايات البست سلرز والإعادات"- تساءلت حين قرأت ذلك ماذا كان سيقول هذا المخرج لو عاش الى هذه الأيام؟

سعيد ولاري
قبل أيام سألت الزميلة علا الشافعي ما هي أخبار المخرج سعيد مرزوق فأجابت أنها لا تعرف ولم تسمع عنه او منه شيئاً منذ أكثر من سنتين. سألتها: كيف يعيش؟ قالت أنها لا تعرف أيضاً. سبب السؤال أن مخرجاً لبنانياً شاباً أسمه رامي قديح ذكر فيلم »زوجتي والكلب« كأحد أفضل الأفلام العربية التي شاهدها حين كان شاباً صغيراً ( وهو لا يزال يبدو شاباً صغيراً) وصدف أنني كتبت عن أفلام العام الذي تم فيه إنتاج ذلك الفيلم، وهو عام 1971 واخترت من بين ما شاهدته منها »زوجتي والكلب« كأحد أفضل مئة فيلم تم إنتاجها في تلك السنة٠
وكثيرون هم المخرجون المغيّبون عن العمل لأسباب مختلفة في مقدّمتها أن المنتجين لا يبغون إسناد إنجاز أفلام جديدة لهؤلاء. لقد كبروا عمراً (وهذا يعتبر إنحيازاً عنصرياً ضد العمر) وفي الخطّة الإنتاجية توخّي المخرجين الشبّان لأنهم أقل كلفة ولأن معظمهم يسمح للمنتج أن يقوده عوض أن يقود هو الفيلم. تستطيع أن تتصوّر المنتج وهو يقرص أذن أحدهم ويوبخه قائلاً: " قلت لك أريد نكتة في كل مشهد لكنك عصيت طلبي وصنعت نصف هذا العدد من النكات"٠
او كما قال أحد المنتجين لأحدا لمخرجين فعلاً: »أسمع. أنا لم أختارك لأنك فنان ولا أريدك أن تخرج فيلماً تدخل به الأوسكار. أريد فيلم يدخل لي إيرادات هائلة. إذا لم تكن موافقاً معي في هذه الغاية أرجوك أترك مكتبي حالاً"- طبعاً المخرج كان مستعداً والا كيف يقبض تلك الألوف القليلة من الجنيهات؟
وهذه ميزة أخرى للمخرجين الجدد... يقبلون العمل بأقل سعر إذا لم تكن أفلامهم الأولى حققت نجاحات فإذا حققت نجاحات تجارية ربما استطاعوا رفع السعر ولو أن المنتج سريعاً ما يبدأ البحث عن مخرج آخر جديد ليوفّر بضعة ألوف. شطارة٠
في الوقت الذي كان فيه سعيد مروزق ينجز أفلاماً جيّدة مثل ذلك الفيلم المذكور ومثل »الخوف« مع سعاد حسني وفيلمه مع فاتن حمامة »أريد حلاً« ، كان هناك مخرجاً أقل منه موهبة فنية أسمه لاري كوهن يعيش في نيويورك ويحقق أفلام رعب وأفلام أكشن بنجاح. حين أزفت شمس شهرته على الغياب، لم يتم نسيانه بل طالما أنه يستطيع در المال على المنتج فإنه سيعود اليه، وهو لا يزال يكتب السيناريوهات بل تحوّّل الى أيقونة اليوم وها هو موضوع بحث في جامعة كاليفورنيا كما لو كان أورسن ولز٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda © 2008




Apr 26, 2008

ISSUE 219 | OPINION | Al Pacino

في هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظات على وضع قائم ..................................................... صفحة 1
مأزق الـ 88 دقيقة لآل باتشينو ............................................... صفحة 2



|*| NOTEBOOK |*|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة أمير
...............................................
أشكر الصديق محمد خان على كلماته المشجّعة عن هذه المدوّنة/ المجلة/ الموقع
Whatever....
صداقتي بهذا المخرج النيّر تعود الى سنوات بعيدة. من يعرفه لا يريد أن يتوقّف عن معرفته٠ ومن جلس إليه واستمع وتجاوب مع روحه المرحة ومع رؤيته للحياة والسينما يخرج وقد أزداد علمه علماً وثقافته السينمائية إزدادت نضجاً. الى ذلك كلّه هو مخرج رائع. من الذين لا تنجبهم السينما الا ليؤدّوا لها وللتاريخ دوراً كبيراً على صعيدي الفن والإنسان٠
أضيف أن أي ناقد يكتب من مصلحة او لمنفعة لا يعد ناقداً وبعض الأسماء الرنّانة لم تعد من بين النقاد. فإن كتبت عن مهرجان لا تشترك فيه كتبت خطأ عن قصد، وإذا كتبت عن شخصية حاولت بث التشكيك فيها، وحين تكتب عن فيلم تؤيده إذا كان الفيلم وسيلة لصلة او منفعة ، وتشتمه إذا ما انتفت الحاجة الى صاحبه. مع مثل هذه الكتابات كيف يمكن لأحد أن يثق برأي صاحبه؟
هل صحيح -مثلاً- أنه لم تكن هناك أفلام كافية لكي تشترك في مهرجان الخليج السينمائي؟ هل ذهب الكاتب الى دبي وشاهد بنفسه؟ أم أعتقد أن المهرجان كان لديه نحو عشرة أفلام عرضها مكرّرة مدّعياً أنها أكثر من 124 فيلماً؟ ثم كيف حكم أن عدد الأفلام يكفي او لا يكفي؟
ثم ما حكاية التصوير بكاميرات الدجيتال؟ ألم تُعرض أفلام الدجيتال في مهرجانات أخرى في كل عاصمة من عواصم العالم العربي؟ لماذا هي لا تصلح في هذا المهرجان وتصلح في مهرجان آخر؟
ثم هل هذا الناقد السابق هو أوّل من أنجز تظاهرة لأفلام الخليج العربي؟ ماذا كان يفعل مسعود أمر الله آل علي طوال سنواته الست في إدارة مهرجانه؟ كان أسمه »أفلام من الإمارات« لكنه -وهذا واضح لمن زاره ولو مرة- فتح أبوابه في معظم سنواته لكل فيلم خليجي٠

بالنسبة لرسالة الزميل أمير العمري، كنت فرحاً بها يا محمد لأنها آتية من ناقد لم ينحن او يتنازل او يرتكب خطأ يُحسب على كبريائه ونزاهته كناقد. وهناك كثيرون مثله في مصر وفي خارجها. أما أمثال اولئك الذين يصبون لمصلحة فإنهم كالمصلحة ذاتها.... آنية٠

صغيراً وكبيراً
---------------------------------------
حين بدأت الكتابة في سن المراهقة وجدت سريعاً أن هناك من يكرهني لأني كنت مختلفاً. الجو الثقافي في مطلع السبعينات كان معادياً لكل ما هو أميركي وذلك تبعاً لسياسات المنطقة وخصوصاً في لبنان ومصر وسوريا والعراق. وبعض »كبار« نقاد الفترة كانوا أسلموا أن كل ما هو آت من باراماونت او وورنر او يونيفرسال ترفيه سقيم وتافه. الفيلم الجيّد هو الآتي من أوروبا٠
ألم يكن هؤلاء سذّج؟ آنذاك بدا لهم أنني بوق دعاية. واجهني ذات مرّة أحدهم بقوله أنني ناقد عابر لأني أكتب عن سينما عابرة لا قيمة لها. وتقدّم مني غاضب وسألني بجفاء: لم تكتب عن السينما الأميركية أكثر من كتابتك عن السينمات الأخرى؟ وكان الذين يحاولون الظهور بالصداقة يبتسمون لبعضهم البعض ساخرين وهم يعتبرون هذا الناقد مقصّر بحق الأفلام المثقّفة والجيّدة. »شعبي« أكثر من اللزوم وأحدهم قال: "هل تعرف ما مشكلتك يا محمد؟« فسألته كما لو أنني فعلاً أريد معرفة رأيه ما تكون هذه المشكلة، فقال: »أنك لا تكتب الا في السينما«- آه.... التخصص مشكلة إذاً٠
لكن كل هذا كان رأياً خاطئاً وسمير نصري، ذلك الزميل الذي كان من تلك الشلّة لكنه كان من بين أنبغها- إن لم يكن أنبغها، عرف ذلك ولم يشترك به. في الحقيقة كتب عن السينما الأميركية كما كتبت، لكن أحداً لم يتّهمه بالعمالة الثقافية لأنه من الشلّة- أما أنا فلم أكن في حياتي تابعاً لأي شلّة ولن أكون٠
الى ذلك، كل من سمير وأنا، كنا نكتب عما هو معروض- هذا هو فعل النقد، ومعظم المعروض كان ولا يزال أميركي. الغريب هو كيف أنه حين كنت أكتب عن فيلم لبرغمن او فيلليني او عن أسبوع للسينما السوڤييتية فإن أحداً لم يكن يقل شيئاً، فقط حين كنت أكتب عن السينما الأميركية٠
الناقد لا بد أن ينقد الفيلم بصرف النظر عن السياسة- وهذا ما لا يفهمه معظم الكتبة لا في ذلك الحين ولا اليوم. الناقد صلة الناس الى الحقيقة او هكذا يجب أن يكون، وفي منوال عمله عليه أن لا ينجرف صوب رأيه الشخصي، فإذا كان يكره الشيوعية فإن ذلك لا علاقة له بإذا ما كان الفيلم جيّداً او رديئاً، والعكس على كل نظام آخر. والأهم أن الناقد في تحصيل حاصل هو ضد النظام ومع الفيلم الذي ينتقد النظام. فإذا عاش في نظام يميني يجب أن يكون ضدّه وإن عاش في نظام يساري عليه أن يكون ضدّه لأنه لا يوجد نظام جيّد على نحو كامل٠
لذلك كنت أكتب عن الأفلام المعادية للمؤسسة الحاكمة بصرف النظر عن توجهها، بإهتمام وتشجيع٠
الآن، ولأن من تبقّى من شلل الأمس، غيّر موقعه فصار ضد الماضي ومع هذا الحاضر (الذي لا يتقدّم فيه الا كل من يبيع شيئاً من ذاته) أنقلب فصار مع السائد، صار أميركياً لأسباب سياسية، وإذا ما كتب أحد عن »الزمن الجميل« رد عليه بأن كل الأمنة جميلة حتى لا يفهم أحد أن المقصود زمن عبد الناصر لأنه هو ضد عبد الناصر٠
ضد او مع؟ هل الناقد (أي ناقد) برموميتر السياسيين؟ يمسح جوخاً وينفض غباراً ويهاجم موقفاً إنطلاقاً من موقفه؟ أم هو أفضل من السياسيين جميعاً لأنه منفصل عنهم. ينتقدهم ويفعل ذلك فقط حين يكتب عن السينما؟
إنه تبعاً لضيق الأفق فإن العديد من النقاد اعتبر كلينت ايستوود طفرة هوليوودية لا قيمة لها.... هذا الى أن بدأ مهرجان »كان« يحتفي به ويقدّمه في أفلامه. هل يعقل أن يكون الناقد منهم على حق و»كان« على خطأ؟ طبعاً لا. النتيجة إنتقال من خانة الهجوم وعدم التقدير الى خانة الإعجاب وتسميته بالكبير.... لكن إحزروا من لم يضطر لتغيير موقفه قبل او بعد كان؟


آل باتشينو في ورطة
كيف يؤمّن ممثل موهوب أدوار بطولة وقد تجاوز سن الشباب؟
--------------------------------------------------------
غلطة الشاطر فعلاً بألف، وبالنسبة لآل باتشينو فهي
بمئات الألوف. هذا ما اكتشفه الممثل الموهوب حينما
قَبـل بطــولة الفيلم الجديد »88 دقيقة«، الفيلم الذي
يصفه النقّاد الأميركيون هذه الأيام بأسوأ فيلم فــي
التاريخ٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



دوّى إنفجار كبير في سماء الولايات المتحدة في الأسبوع الماضي عندما بوشر بعرض فيلم عنوانه »88 دقيقة«. وكان من شدّة الإنفجار أن اهتزت مباني عدّة من بينها مبنى شركة ملنميوم المنتجة وتقع في شارع ويلشر في وسط لوس أنجيليس ومباني ستديوهات كولمبيا التي تقع في المدينة الموازية كلڤر سيتي. كذلك أدّى الإنفجار الى شروخ النوافذ الزجاجية في منازل كثيرة، كالمنزل الذي يعيش فيه المخرج جون أفنت الذي خسر أيضاً سيّارته فما عاد قادراً على التوجّه لمقابلة أي منتج كان، والممثلين آمي برنمان وليلي سوبييسكي ووليام فورسايت. لكن أكثر الأضرار كانت من نصيب الممثل آل باتشينو، فقد أدى الإنفجار الى إنهيار منزل كان معروفاً بـ »الثقة« بناه حوله ملايين المعجبين، وشوهد الممثل وهو يتجنّب الظهور في الحفلات الإجتماعية التي دعي إليها٠
وقال البوليس أن الإنفجار الكبير نتج عن إرتطام الفيلم البوليسي بالأرض من علو شاهق ما أحدث تمزّقاً شديداً في أوصاله الغضروفية وتقطّعاً في عضلاته، عدا عن أن الفيلم خسر قاعدته بالكامل. . وقد المتحدّث أنه في العادة عندما يهوى فيلم ما، فإنه يهوى من علو متوسّط فيسنده الجمهور وينبذه النقاد او يسنده النقاد وينبذه الجمهور. أما في هذه الحالة فقد هوى الفيلم نقدياً وجماهيرياً اللذان آثرا الإبتعاد قدر الإمكان عن مكان السقوط خوفاً من الإصابة غير المباشرة٠
إنتهى الخبر٠

في التنفيذ
ترى ما الذي حدث لفيلم »88 دقيقة« ولماذا سقط على هذا النحو الشنيع؟
كيف وافق آل باتشينو على سيناريو عكس روح فيلم لا فائدة منه؟ هل كان بحاجة الى المال؟ هل كان بحاجة الى البطولة؟ او أنه لم يجد عروضاً أخرى يقوم بها؟
واحد من أكثر ما يسجّل في تاريخ النقد السينمائي هو أن الفيلم الرديء يلهب مخيّلة النقاد فينطلقون في الكتابة مبتكرين أساليب جديدة في التصدّي. لا تعد الكلمات من نوع »هذا الفيلم كان بحاجة الى هذا او ذاك« او »أعجبني إداء الممثل وتمنيّت لو أن الفيلم كان أفضل حالاً« او »الفيلم رديء في التنفيذ لكن التصوير جيد كذلك التمثيل، مطروقة ومستخدمة. بل ينطلق الكتّاب متبارين في استخدام أقذع وسائل الهجوم: "هذا أسوأ فيلم للعام" قال مايكل فيليبس ناقد شيكاغو تربيون، وأضاف زميله رتشارد روبر: »هذا أسوأ فيلم في التاريخ«٠
وهذان القولان ليسا سوى نذر يسير من آراء النقاد الأميركيين الذين وجدوا الفيلم رديئاً لدرجة عدم القبول مطلقاً وإداء آل باتشينو فيه أسوأ إداء له في تاريخه الطويل المتلأليء ببعض أفضل ما تم طبعه على أشرطة من إداءاته٠
الفيلم البوليسي يقوم على فكرة ربما بدت جيّدة: بروفسور أسمه جاك (آل باتشينو) لديه 88 دقيقة للبقاء على قيد الحياة حسب إتصال هاتفي من مجهول ينذره بأنه سيقتله. خلال هذه الفترة الوجيزة على جاك أن يسعى لمعرفة من الذي يهدده على أمل أن يكشفه وينقذ حياته. وشكوكه تتمحور حول ثلاث شخصيات يحاول الفيلم إثارة الريبة والشبهات حولها حتى لا يعرف هو من هو القاتل بينها وحتى يبقى المشاهد بدوره حائراً٠
في التنفيذ لا تتم الأمور على هذا النحو مطلقاً٠
آل باتشينو كان -بوضوح- يؤدي مهمّة تنفيذية سنحت له عبرها تبوأ البطولة منفرداً والشخصية التي لعبها لا عمق لها والإخراج الذي رضى به الممثل والذي، الذي قام به جون أرنت، لم يحفل بأي سعي لإجادة او إتقان. الفيلم مثل خيط مفلوت كان يجب أن يتم ضبطه قبل اللعب به لكن أحداً لم يكترث٠

العين على المال
لقد مرّ نحو شهرين على قيام المخرج فرنسيس فورد كوبولا في حديث له في مجلة أميركي أسمها
GQ
بمهاجمة كل من آل باتشينو وروبرت دي نيرو متهماً إياهما ببعثرة مواهبهما والإقبال على التمثيل على أساس مادي محض. قال في حديثه: "تعرّفت على آل باتشينو ودي نيرو عندما كانا موهبتان جديدتان منطلقتان وواعدتان. الآن باتشينو بالغ الثراء. ربما لأنه حريص لا يصرف. كلاهما يعيشون من دهن الأرض"٠
حينها اعتبر البعض أن كوبولا، الذي منح باتشينو بطولة »العراب« الذي كان أول فيلم كبير للممثل وللمخرج معاً، والذي أشرك روبرت دي نيرو في بطولة الجزء الثاني من ذات الفيلم، إنما زادها قليلاً في هجومه وأنه بلغ من العمر بحيث أنه لا يستطيع إبداء رأي من دون إمتعاض او تذمّر. وما كان أحد يعلم أن الرجل إنما كان يتحدّث عن شيء يعرفه تمام المعرفة مراقباً مرحلة نشوء ونضوج أيقونتين من السبعينات احتار الناس طويلاً في أيهما أفضل إداءاً من الآخر٠
والحقيقة أن ما أصاب باتشينو مؤخراً مرّ به دي نيرو قبله. كلاهما انتقلا من صنف أفلام كلاسيكية اليوم مثل »العرّاب« و»تاكسي درايفر« و»سربيكو« الى أفلام مصنوعة من دون خبرة تذكر وبتكاليف يصرف معظمها على التلميع التجاري وحده٠
باتشينو لعب في أفلام مثل »غيغلي« و»التدريب« و»إثنان لأجل المال« ودي نيرو لعب في أفلام كثير منها كوميدي الطابع مثل »حلل هذا« و»حلل ذاك« و»الأستغمّاية« و»قابل آل فوكرز«٠
وهو، أي دي نيرو، كان ترك الوكالة التي كان يعتمدها لأعماله من بعد سنوات طويلة من العمل معاً ملقياً عليها مسؤولية عدم النجاح في منحه الدفعة الناجحة من المشاريع. لكن أحد الذين عملوا معه عن كثب في تلك الوكالة بعث برسالة ألكترونية تلقّفها عديدون مفادها أن الطمع، كما يقول الوكيل، ولا شيء سوى الطمع هو ما يدفع دي نيرو الى إلقاء المسؤولية على الآخرين. وكشفت الرسالة منهج دي نيرو في العمل: الإصرار على أن تدفع شركة التمويل مليون دولار إضافية فوق راتبه كممثل (الذي يتراوح بين إثنا عشر وخمسة عشر مليوناً) وعلى أن يتم شراء المشروع من شركته حتى يتسنّى له الإحتفاظ بلقب منتج أيضاً٠

بالنسبة لآل باتشينو هو أوّل من يجهر بأنه من الصعب جدّاً أن يحتفظ الممثل الذي تقدّم به العمر فتجاوز سن الشباب، بمكانته في هوليوود. والمرء لا عليه سوى النظر الى اولئك الذين هم في سن باتشينو ودي نيرو لكي يدرك أن ما قاله الممثل حقيقي، فجين هاكمان اعتزل حين وجد نفسه غير قادر على إيجاد مشاريع ترضيه، وروبرت ردفورد يحمي نفسه بإخراج أفلامه بنفسه، وسيدني بواتييه في بيته ليل نهار أما وورن بيتي فلا يزال يبحث عن طريقة للعودة الى السينما بمشروع جيّد ولا يجد لذلك لا يريد أن يلعب في فيلم يعود عليه بالخجل والندم. فقط كلينت ايستوود وجاك نيكولسون لا زال مطلوبين لذاتهما وهما وحدهما اللذان برهنا عن حنكة استطاعا عبرها الإستمرار: لقد حرصا على إنتقاء ما يقومان به أمام الكاميرا، وبالنسبة لايستوود، خلفها أيضاً، إنتقاءاً ينم عن إحترام شديد للذات ومعرفة جيّدة في السوق وقدرة على الإستغناء عن الوهج السريع طمعاً في المال السريع٠

خلفيات الفيلم
المؤسف هنا أن باتشينو يعرف كل هذا. وكان يعلم ما يخاطر به عندما قبل بطولة فيلم مكتوب خطأ. وبل أن خبرته كانت كافية لأن يدرك أنه لا خير في فيلم احتوى على تسعة عشر منتجاً هم المذكورون في القائمة على الشاشة، فمعنى أحتوائه على هذا العدد الكبير من المنتجين هو أن الفيلم مر بصعوبات فنية عديدة وتمويلية أكثر وأن المشروع قُبل ورُفض ثم قُبل ورُفض أكثر من مرّة وفي كل مرّة كان يلصق عليه إسم المنتج حاول تحريك المشروع في واحدة من فتراته. الأكثر، وهذا ما حدث هنا، هو أن السيناريو تم تعديله عدّة مرّات، ليس مع إختلاف الممثلين المرشّحين للبطولة، بل بحثاً عن حلول فنية ودرامية أجدى لسيناريو هش عديم النفع بالطريقة التي كُتب فيها٠
العنصر المادي لم يكن غائباً عن كل هذه المداولات. فالمشروع نشأ في عهدة آفي لرنر وهو منتج إسرائيلي يعيش ويعمل في الولايات المتحدة. وكلما ابتعد المشروع عنه حيناً عاد إليه بسبب حقوقه فيه حتى قرر أن يقوم به وحده إنما من بعد أن صار من حق كل من عمل على إنتاجه الصاق أسمه في البطاقة الفنية للفيلم. آفي لرنر دفع لآل باتشينو تسعة ملايين دولار لأن أسم آل باتشينو قوي خارج الولايات المتحدة ما يعني أنه سيكون تذكرة نجاح الفيلم في الأسواق الخارجية. وبالفعل باع المنتج الفيلم الى أكثر من منطقة خارجية مسترجعاً ما دفعه للممثل من أجر، ثم باع توزيعه لشركة كولمبيا مقابل ستة ملايين دولار. أما الفيلم نفسه فقد تكلّف نحو 35 مليون دولار وحصد (راجع شباك التذاكر هذا الأسبوع) نحو سبعة ملايين دولار في أيامه الأولى٠
المنتج لرنر يدافع عن الفيلم قائلاً أن الفيلم جاء تماماً كما يرغب وليذهب النقاد الى الجحيم فبإستطاعتهم أن يقولوا ما يريدون و»هذا هو الشيء العظيم في أميركا. كل واحد لديه رأيه" وأضاف أنه من المؤلم حين يعلمه أحد بأن النقاد هاجموا الفيلم "لكني لا أقرأ النقد ولهم الحرية في أن يقولوا ما يشاؤون«٠
هذا من حقّه أيضاً، فهو يستطيع أن يقول ما يريد بحق النقّاد، وبل من حقّه أن يقرأ لهم او لا يقرأ لهم.... لكن هذا المنتج مشهور جدّاً بأنه لا يقرأ شيئاً. بل هو لا يقرأ حتى السيناريوهات التي يقوم بإنتاجها٠

في مهب الريح
المشكلة في 88 دقيقة« هي التالية: كل شيء في الفيلم، من الكتابة الى تصفيف شعر آل باتشينو سيء. وفي بعض الجوانب إذا لم يكن سيئاً، فهو سيء جداً..المشهد الأول في الواقع يتركك مدركاً بأن الخطر ليس في إذا ما كان المجرم الذي قتل إمرأتين ودخل السجن لينتظر الإعدام سيهرب أم لا، بل إذا ما كان الفيلم سيستمر على هذا النحو أو أنه سيصعد لمستوى أفضل. وسرعان ما يتبدّى لك، حين تقديم الربط بين السجين القابع منذ تسع سنوات في السجن وبين جاك الذي يستقبل مكالمته الهاتفية السريعة، بأن أمام الفيلم وجهتان لا ثالث لهما: أن يبقى على مستوى الأرض او أن يحفر فيها لينزل أكثر٠
ومن دون منح العذر لعادل إمام الذي اشتهر بلعب أدوار أصغر منه ما يجعله غير لائق للظهور اليوم حتى في سنه الحقيقية، نجد باتشينو مدرّساً في الكلية لمادة علم النفس (وهي مهنته الثانية الأولى هي مساعدة الأف بي آي كمستشار) لصف غالبه من الفتيات الصغيرات اللواتي ينظرن إليه بكل مودّة وإعجاب علماً بأن الشباب في ذلك المعهد أكثر وسامة٠
السيناريو من العبث والرغبة في التنميط في الأحداث بحيث أنه يجد مساحة في الدقائق القليلة التي تفصل جاك عن الدقيقة الثامنة والثمانين من حياته، لكي يخرج مع إحدى طالباته التي تحاول أن تساعده وبل أن يستمع الى سؤال مثل »ولماذا لم تتزوّج الى الآن؟« ولكي يجيبها بما يتسنى له من رد، فتسأله عما إذا كان لا يزال يرغب في الإنجاب. أهذا وقته؟
وتتساءل وأنت ترى أن الدقائق الثماني والثمانين التي قد تكون الأخيرة في حياة هذا الرجل تُصرف هباءاً على أحداث ومفارقات لا أهمية لها ولا يمكن أن تقع على هذا النحو (يتطلّب الأمر نحو ساعة لقطع مسافة بين مكانين متباعدين في الفيلم وجاك يقطع مسافات وأماكن كثيرة) إذا ما كان كاتبا السيناريو (المخرج جون أفنت وغاري سكوت تومسون) قد قرآ ذلك الحوار بصوت عال وإذا ما فعلا، كيف لم يثر لديهما الواعز بأنه مكتوب مثل وصفات الأطبّاء. لا خيال ولا جمال ولا إبداع فيها. كذلك فإن معظم هذا الحوار على الهاتف النقّال.... ترى لو أن الأحداث وقعت في السبعينات ما الذي كان يمكن أن يحدث لهذه الشخصية؟ هل كانت الدقائق الممنوحة له سوف تمضي وهو لا يزال يبحث عن هاتف عمومي او عن نقود معدنية لكي يحشرها في الهاتف٠
الفيلم، في 107 دقائق كان يحتاج الى قطع 88 دقيقة منه. في رأيي أن 19 دقيقة منه كانت كافية تماماً٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda © 2008



Apr 25, 2008

ISSUE 228| FILM REVIEWS: Titus + Shakespeare in the 90s.

لم يلق فيلم جوليا تايمور الموسيقي الأخير
Across the Universe
النجاح الذي كان يستحقه (ولو أنه ليس أفضل أفلامها)٠
اليوم أنشد العودة الى أفضل أفلامها السينمائية وعنوانه »تايتوس« المأخوذ عن واحدة من أصعب أعمال الشاعر والمسرحي ويليام شكسبير، وبالمرّة زيارة ما تم إنتاجه من أفلام ويليام شكسبير خلال التسعينات٠

---------------------
|*| FILM REVIEWS |*|
TITUS ****

إخراج:
‬‮ ‬Julia Taymor/ جوليا تايمور


اعتاد بعض المؤرخين ومنذ أجيال بعيدة النظر الى مسرحية ويليام شكسبير‮ »‬تايتوس اندرونيكوس‮« ‬بعين الريبة مفترضين أن شكسبير لم‮ ‬يكتبها،‮ ‬واذا فعل فهو لم‮ ‬يكتبها كاملة‮. ‬ويرجعون السبب الى اختلافها عن باقي‮ ‬تراجيديات شكسبير عنفها الشديدين،‮ ‬فالمسرحية عبارة عن حلقات انتقام من بضعة أطراف تأخذ أبعادا دموية‮ ‬وتحتوي‮ ‬على قطع ايدي‮ ‬وتمثيل بالجثث والاغتصاب وحالات أخرى من الشذوذ‮. ‬
والعديد من الذين لا‮ ‬يرتابون في‮ ‬أن شكسبير مؤلف هذه المسرحية التراجيدية،‮ ‬يعتبرونها أسوأ ما كتب‮. ‬لكنها في‮ ‬الحقيقة ليست كذلك،‮ ‬والعنف الذي‮ ‬يغلفها ما هو الا تعليق على أحداث جرت في‮ ‬محيطه وزمنه وما تزال تجري‮ ‬في‮ ‬محيطنا نحن وزمننا ما‮ ‬يجعلها عملا‮ ‬يتخطى،‮ ‬كشأن أعمال الأديب الكبير،‮ ‬الأزمنة بجدارة‮.‬
جولي‮ ‬تايمور مخرجة ومصممة مسرحية وفنانة تشكيلية في‮ ‬الأساس تخوض عملية نقل هذه المسرحية،‮ ‬التي‮ ‬قلما اكترثت اليها السينما،‮ ‬الى الشاشة الكبيرة‮. ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬كانت قدمتها على المسرح سنة ‮٤٩٩١ ‬كما سبق لها أن قدمت مسرحيتا شكسبير‮ »‬العاصفة‮« ‬و»ترويض المتمردة‮« ‬في‮ ‬العامين ‮٣٩٩١ ‬و‮٤٩٩١. ‬وهي‮ ‬كانت كتبت حينما قدمت‮ »‬تايتوس اندرونيكوس‮« ‬أن ما لفت نظرها في‮ ‬المسرحية هي‮ ‬أنها تعلق على ما‮ ‬يدور اليوم من عنف شديد‮ ‬يأخذ شكل حروب إبادة وتفرقة عنصرية واعتداءات مختلفة‮.‬ والفيلم‮ ‬يتبع‮ ‬هـذا المنحى من المعالجة‮. ‬في‮ ‬الحقيقة نشرت مسرحية شكسبير هذه سنة 1594 وهي مجهولة المصدر ولو أنه يعتقد أنها مستلهمة من كتابات الشاعر أوفيديوس ناسو، وهو شاعر روماني عاش من 43 الى 17 قبل الميلاد. وشكسبير لُقّب لحين بـ »أوفيدوس الإنكليزي«‮ ‬

يفتح الفيلم على عيني صبي‮ ‬وراء قناع من كيس ورقي‮. ‬ترجع الكاميرا عنه في‮ ‬اللحظات السابقة لفورة خيالية حادة اذ‮ ‬يبدأ الصبي‮ ‬ببعثرة لعبه والألوان وكل ما على طاولة المطبــخ حيث كان‮ ‬يأكل ويلعب‮. ‬المزيج الصارخ مع حركة كاميرا لاهثة وموسيقى صادحة تعكس جوا موحشا منذ البداية تقطعه تايمور بنقل الصبي‮ ‬مباشرة الى ساحة رومانية تعج بالجنود‮. ‬انهم من الدمى التي‮ ‬كان‮ ‬يلعب بها الصبي‮ ‬وقد أخذت تتحرك فإذا بها جنود تايتوس العائدين من الحرب ضد قبائل‮ »‬غوث‮« ‬الشمالية‮. ‬المشاة بالزي‮ ‬الروماني‮ ‬يتقدمون مدرعات ودبابات تعود الى الثلاثينات،‮ ‬وهذا بمثابة إطلالة الفيلم المشبعة الأولى على ربط‮ ‬ينطلق من اليوم الى الأمس والأمس البعيد في‮ ‬تأسيس مشهدي‮ ‬واحد‮.‬
والقصة من هنا تتوالى حسب الأصل‮: ‬عودة القائد المظفر تايتوس الذي‮ ‬خسر معظم أولاده في‮ ‬تلك الحرب وانتقامه من الملكة بقتل أكبر أبنائها،‮ ‬ثم وقوفه الى جانب الامبراطور الروماني‮ ‬الشاب المنتخب الذي‮ ‬جر عليه المزيد من الويلات حالما تسللت الملكة الى قلب الإمبراطور فتزوج بها‮. ‬لكن الملكة انما تنفذ في‮ ‬أحيان كثيرة ما‮ ‬يخططه لها هارون،‮ ‬المغربي‮ ‬الأسمر الذي‮ ‬عاش عبدا لفترة طويلة وتحول الى جندي‮ ‬لكنه‮ ‬يشعر بالظلم الدائم بسبب عنصره‮. ‬انه عشيق الملكة الخفي‮ ‬وهو‮ ‬يكشف لها ما‮ ‬يريد من أوراق ويكشف لولديها الأرعنين ما‮ ‬يريد من أوراق ايضا ويحتفظ بأمل الخروج من ضرب كل الأطراف بعضها ببعض بفوز على الجميع‮. ‬في‮ ‬هذه الأثناء تتوالى المآسي‮ ‬في‮ ‬حياة تايتوس اذ‮ ‬يخسر ثلاثة آخرين من أولاده ويشرد واحد وتتعرض إبنته للأغتصاب على‮ ‬يدي‮ ‬ولدي‮ ‬الملكة وتقطع‮ ‬يديها ولسانها حتى‭ ‬تعجز عن الإدلاء بشهادتها‮.‬
لكن الأمور تسير في‮ ‬صالحه بعدما كشف اللعبة وألقي‮ ‬القبض على هارون الذي‮ ‬اعترف بما جناه ويكمل تايتوس خططه بالإنتقام من الجميع في‮ ‬حفلة عشاء‮ ‬يطعم فيها الملكة والامبراطور لحم ولديها دون علمهما،‮ ‬ثم‮ ‬يقتلهما قبل أن‮ ‬ينتحر بدوره‮.‬
حين مشاهدة‮ »‬تايتوس‮« ‬تتوالى عليك صور مصممة بعناية لكي‮ ‬تعكس الخيال الفني‮ ‬لدى تايمور‮. ‬كثير من اللعب الجيد بالتصاميم العامة والأزياء وحركة الكاميرا وهي‮ ‬تحسن الدمج بين العصور من دون أن‮ ‬يهتز تأثير عصر واحد او‮ ‬يضعف ذلك المنهل الزمني‮ ‬للمسرحية الأصلية‮ (‬كما حدث مع اقتباس باز لورمان‮ »‬روميو‮+ ‬جولييت‮«- ‬أدناه‮) ‬او‮ ‬يشوه منطلقاتها وميزاتها الخاصة‮.‬
هذه ليست مسرحية سهلة المعالجة اساسا،‮ ‬لكن المخرجة لديها قدرة على تطويع الصعاب مع الحفاظ على الخصائص دون مساس‮ ‬يذكر‮. ‬انها تخلق ترجمة مرئية للمادة تتميز بشجاعة الإقدام وبالإستفادة من المسافات الجغرافية في‮ ‬المشاهد الخارجية وتطويع الأماكن‮ (‬تم تصوير ثلثي‮ ‬الفيلم في‮ ‬ايطاليا داخل‮ »‬مدينة السينما‮« ‬والباقي‮ ‬في‮ ‬كرواتيا‮) ‬لمصلحة تلك الترجمة‮. ‬وهي‮ ‬لا تتوقف عن ايجاد الوسائل التي‮ ‬تستوحي‮ ‬منها المقارنات ما بين زمن الكتابة الأولى،‮ ‬والفترة الرومانية التي‮ ‬تخلقها وسيطا‮ (‬وهي‮ ‬الفترة الفاشية في‮ ‬حياة ايطاليا الحديثة‮) ‬والزمن الحالي‮ ‬عبر تكادس الايحاءات والمضامين كما عبر ولوج الصبي‮ ‬للعالم بأسره‮. ‬وهذا الصبي‮ ‬يتحول بالتدريج الى عضو فاعل في‮ ‬القصة،‮ ‬كما لو أنه نشأ معها‮. ‬
تمثيل ممتاز من جميع المشتركين‮ ‬يتقدمهم انطوني‮ ‬هوبكنز الذي‮ ‬يخلق مسافات ملحوظة بين أدواره في‮ ‬أفلام هوليوود الأخيرة،‮ ‬وبين أدواره في‮ ‬الأفلام التي‮ ‬تتمتع بقيمة أدبية وفنية في‮ ‬ميداني‮ ‬الكتابة والإخراج كما هو الحال هنا‮.‬


‮ ‬
‮ ‬ ‮ ‬شكسبير في‮ ‬التسعينات
نشطت في‮ ‬السنوات العشر الأخيرة موجة الأفلام المقتبسة من مسرحيات ويليام شكسبير كما لو أنها تكتشف من جديد‮. ‬لكن الحقيقة هي‮ ‬أن السينما حول العالم لم تنقطع عن طلب شكسبير منذ مطلع القرن‮. ‬كل ما في‮ ‬الأمر أن شكسبير انطلق في‮ ‬التسعينات من ملكية واهتمامات السينمات المستقلة ذات الطموحات الفنية،‮ ‬الى ملكية واهتمام الشركات الكبيرة في‮ ‬هوليوود مع بذخ في‮ ‬التمويل أحيانا وسعي‮ ‬الكثير من الممثلين الغربيين للبرهنة على أنهم ممثلين شكسبيريين جديرين في‮ ‬كل الأحيان‮.‬
التالي‮ ‬ذكر للفيف الأفلام التي‮ ‬شاهدها هذا الناقدمقتبسة عن شكسبير او تدور حول عالمه وأعماله،‮ ‬مع الإشارة الى‮ ‬أن هناك أكثر منها مما لم تتح مشاهدته‮ ‬غالبا لأنه لم‮ ‬يوزع عالميا ولم‮ ‬يطرق باب مهرجانات كبيرة‮.‬
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1990
هنري‮ ‬الخامس‮ ‬Henry V ‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬‭*‬
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كينيث براناه‮ ‬Kenneth Branagh
‮- ‬تولت هذه المسرحية الحديث عن معركة أغينكورت بين القوات البريطانية،‮ ‬بقيادة الملك هنري‮ ‬الخامس،‮ ‬والقوات الفرنسية الأكثر عددا‮. ‬وهي‮ ‬في‮ ‬واقعها مسرحية ذات حماسة وطنية‮ ‬يعمد اليها الفن والأدب الانكليزي‮ ‬في‮ ‬الأوقات الحرجة التي‮ ‬تتطلب حشد وعي‮ ‬قومي‮ ‬فعال‮ (‬نسخة لورنس أوليفييه‮ ‬خرجت في‮ ‬العام ‮٤٤٩١‬،‮ ‬خلال‮ ‬الحرب العالمية الثانية‮) . ‬هي‮ ‬ايضا مسرحية‮ ‬تتعامل كذلك مع مشكلة قائد منشق بين أن‮ ‬يكون ملكا وأن‮ ‬يكون جنديا،‮ ‬وتبحث في‮ ‬معضلة الرجل الذي‮ ‬عليه أن‮ ‬يأخذ موقفا حادا رغم الظروف المحيطة التي‮ ‬قد لا تخدم أهدافه‮.‬
نسخة براناه لا تغفل هذا الجانب وبفضل إلمام شامل ودقيق من كينيث براناه‮ ‬يتصدى‮ ‬لأصعب مهمتين أمامه‮: ‬اخراج الفيلم وتمثيل دور هنري‮ ‬فيه،‮ ‬وهو‮ ‬ينجح فيهما معا على الرغم من تمهيد ضعيف السياق عائد،‮ ‬كما أعتقد،‮ ‬الى أن مسرحية شكسبير تبدأ بتمهيد طويل حاول أوليفييه،‮ ‬في‮ ‬نسخة ‮٤٤٩١‬،‮ ‬التغلب عليه بتفكيك حدته ونحج الى حد بعيد،‮ ‬لكن براناه‮ ‬يسرع خطواته فيه منتقلا الى الجزء الأهم من العمل وهو ذاك الذي‮ ‬يدور في‮ ‬رحى المعركة والتحضير لها‮.‬

هاملت‮ ‬Hamlet * * * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرانكو‮ ‬زيفريللي‮ ‬Franco Zeffirelli
‮- ‬آخر أفلام زيفريللي‮ ‬الممكن تسميتها بالعريقة،‮ ‬ورابع تعامل له مع شكسبير‮ (‬بعد‮ »‬ترويض المتمردة‮«-٧٦٩١‬،‮ »‬روميو وجولييت‮« - ٨٦٩١ ‬و»عطيل‮« - ٦٨٩١) ‬هو أحد أفضل النسخ التي‮ ‬اقتبست عن هاملت‮ (‬والتي‮ ‬تقدر بأكثر من ‮٠٤ ‬فيلم للآن‮).‬
هاملت كتبت تراجيديا حول معاناة إبن بلاط بهذا الإسم استاء حينما تزوج عمه من أمه بعد شهر واحد من مقتل أبيه‮. ‬الى ذلك،‮ ‬وجد نفسه محروما من العرش الذي‮ ‬من المتفرض أن‮ ‬يؤول اليه بعد موت أبيه‮. ‬لاحقا‮ ‬يتراءى له روح أبيه ليعلمه أن عمه هو الذي‮ ‬قتله ما‮ ‬يؤجج روح الإنتقام في‮ ‬ذات هاملت لكن الوقت‮ ‬يمر بطيئا‮ (‬في‮ ‬النص أيضا‮) ‬من قبل أن تتبلور خطوات هاملت الانتقامية‮.‬
نسخة زيفريللي‮ ‬تتوقف مليا عند معاناة هاملت‮ (‬كما‮ ‬يؤديها بجودة مفاجئة ميل‮ ‬غيبسون‮) ‬راسمة ملامح نفسية وإنسانية داكنة في‮ ‬ذات شاب كان‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعيش سعيدا لولا دوافعه الخاصة والظروف التي‮ ‬أحاطت به‮. ‬سينما جيدة،‮ ‬النفس الواقعي‮ ‬فيها شديد ومعبر عنه بتصوير جيد،‮ ‬بل قل رائع من ديفيد ووتكن وموسيقى خاصة من انيو موريكوني‮. ‬تقف نسخة زيفريللي‮ ‬على قدم المساواة مع نسخة لورنس أوليفييه الأمينة جدا‮ (٨٤٩١) ‬ونسخة توني‮ ‬رتشاردسون الأنيقة‮ (٩٦٩١). ‬النسخة الوحيدة التي‮ ‬تضاهي‮ ‬كل هذه النسخ‮ ‬سوفياتية لغورغي‮ ‬كوزنتسيف‮ (٤٦٩١).‬

1993‮ :‬
لغط كثير حول لا شيء‮ ‬ Much Ado About Nothing ***1/2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كينيث براناه‮ ‬Kenneth Branagh
‮- ‬مسرحية شكسبير الكوميدية تتحول الى عمل بديع وسهل ومتعمق في‮ ‬الذات الإنسانية لأبطاله الواقعين في‮ ‬الحب منهم والمتآمرين عليه‮. ‬العاشقان بنيديك‮ (‬كينيث براناه‮) ‬وبياتريس‮ (‬ايما تومسون‮) ‬يتعاملان بحذر مع مشاعرهما العاطفية نافيين أن‮ ‬يكون لهذا الحب بينهما مستقبل،‮ ‬بينما العلاقة بين هيرو‮ (‬كيت بيكنسال‮) ‬وكلوديو‮ (‬روبرت شون ليونارد‮) ‬تدخل مرحلة خطرة بسبب مؤامرات دون جون‮ (‬كيانو ريفز‮) ‬الذي‮ ‬يسعى لإفشال العلاقة بعد عودته من الحروب بصحبه شقيقه من أبيه دون بدرو‮ (‬دانزل واشنطن‮). ‬كل ذلك في‮ ‬إطار من التسلية العامرة التي‮ ‬تلقم شكسبير‮ »‬لايت‮« ‬الى كل نفس كانت تخاف ولوج عالمه الخاص‮.‬
1995
عطيل‮ ‬Othello 1/2‮ ‬* *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اوليفر باركر‮ ‬Oliver Parker
‮- ‬أول عمل لشكسبير قدم على المسرح هو‮ »‬عطيل‮«: ‬تراجيديا الارتياب في‮ ‬الذات وفي‮ ‬الذات الأخرى بطلها ذلك المغربي‮ ‬الأسمر الذي‮ ‬يحارب الأتراك لصالح الايطاليين والذي‮ ‬يفاجأ بأن دسدمونا،‮ ‬وهي‮ ‬إبنة المجتمع الارستقراطي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكن له الإنتماء اليه،‮ ‬تقع في‮ ‬حبه وتتزوجه‮. ‬بعد ذلك صفحات المؤامرة التي‮ ‬يقوم بها أحد معاونيه‮ (‬اياغو‮) ‬لإقصاء منافس له‮ (‬كاسيو‮) ‬وللإنتقام من عطيل ببث الشك في‮ ‬نفسه مدعيا أن هناك علاقة بين كاسيو ودسدمونا‮. ‬هذا الفيلم الأول للمخرج المسرحي‮ ‬تلخيص لمسرحية مستفيضة،‮ ‬لكنه ليس التلخيص الصحيح دائما‮. ‬رغم ذلك تمثيل لورنس فيشبورن،‮ ‬في‮ ‬دور عطيل،‮ ‬وكينيثبراناه‮ (‬أياغو‮) ‬وايرين جاكوب في‮ ‬دور دسدمونا‮ ‬يرفع من قيمة العمل بضع درجات‮. ‬في‮ ‬الأساس هذه تراجيديا من الإنتقام التي‮ ‬تنتهي‮ ‬بمقتل المرأة الطاهرة من الآثام وانتحار عطيل الباحث عن مكان له على الأرض وفي‮ ‬السماء‮. ‬الفيلم‮ ‬يبقي‮ ‬على هذه المواصفات لكن الايجاز المتبع‮ ‬يترك المرء مشتاقا للنسخة الأكمل نصا‮ (‬ولو الفقيرة سينمائيا‮) ‬التي‮ ‬قام ببطولتها لورنس أوليفييه في‮ ‬العام ‮٥٦٩١ ‬وبالتأكيد لنسخة فرانكو زيفرللي‮ (٦٨٩١) ‬التي‮ ‬قام بلاسيدو دومنغو ببطولتها‮.‬

1995
في‮ ‬دكانة منتصف الشتاء‮ ‬ In the Bleak Midwinter‮ ‬ ‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كينيث براناه‮ ‬Kenneth Branagh
- يقص كينيث براناه في‮ ‬هذا الفيلم الصغير‮ (‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يحظى بعروض تجارية واسعة‮) ‬حكاية مخرج مسرحي‮ ‬يؤلف مجموعة من الممثلين والممثلات الذين سيقدمون في‮ ‬بلدة صغيرة عرضا وحيدا لمسرحية‮ »‬هاملت‮«. ‬الفيلم‮ ‬يقضي‮ ‬الوقت بين هؤلاء الممثلين ومتاعبهم مع انفسهم،‮ ‬مع بعضهم البعض ومع النص أحيانا‮. ‬تمثيل ذكي‮ ‬لفيلم‮ ‬يبدأ أفضل مما‮ ‬ينتهي‮ ‬عليه حينما‮ ‬يبدو أن مراميه تحققت كلها في‮ ‬النصف الأول منه ولم‮ ‬يبق سوى السرد في‮ ‬النصف الثاني‮. ‬مع مايكل مالوني،‮ ‬رتشارد بريرز،‮ ‬مارك هادفيلد ومجموعة أخرى من الممثلين‮ ‬غير المعروفين‮.‬
‮❊ ‬عنوان آخر‮ »‬حكاية منتصف شتاء‮« ‬A Midwinter’s Tale

1996

البحث عن رتشارد‮ ‬Looking for Richard * * * *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آل باتشينو‮ ‬Al Pacino
‮- ‬أحد ثلاثة أفلام في‮ ‬التسعينات‮ ‬دارت حول شكسببير،‮ ‬على نحو او آخر،‮ ‬ولم تنطلق اقتباسا لأحد أعماله‮. ‬انه مزيج من السردين التسجيلي‮ ‬والروائي‮ ‬نتابع فيه مساعي‮ ‬الممثل النيويوركي‮ ‬آل باتشينو فهم وقراءة شكسبير عموما ونص‮ »‬رتشارد الثالث‮« ‬خصوصا‮. ‬خلال رحلته هذه‮ ‬يطرح بضعة محاور مهمة مثل المفهوم السائد من أن الممثل الانكليزي‮ ‬يستطيع تمثيل شخصيات شكسبير أفضل من أترابه الأميركيين‮. ‬ومثل مدى انتشار ومعرفة جمهور اليوم بشكسبير‮ (‬كبيرة‮) ‬بفضل استمرار العودة اليه مسرحيا وسينمائيا‮. ‬مقابلات مع فانيسا ردغراف وجون‮ ‬غيلغد وصولا الى تقديم‮ ‬مشاهد من تمثيل‮ »‬رتشارد الثالث‮« ‬مع كيفن سبايسي‮ ‬ووكينيث براناه وف‮. ‬موراي‮ ‬أبراهام وآيدن كوين ووينونا رايدر وذلك خلال العمل على‮ »‬البروفات‮«. ‬في‮ ‬مجملة عمل جيد ذي‮ ‬لمسات مبهجة ونظرات مدققة فيما هو شكسبيري‮ ‬اليوم‮.‬

رتشارد الثالث‮ ‬Richard III‮ ‬ ‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬‭*‬
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رتشارد لونكرين‮ ‬Richard Loncraine
‮- ‬الفيلم مأخوذ عن مسرحية قاد بطولتها إيان ماكيلين الذي‮ ‬يؤدي‮ ‬دور رتشارد الثالث‮: ‬شرير البلاط الانكليزي‮ ‬الذي‮ ‬استولى على الحكم عنوة من أخيه وكان بدوره آخر ملك‮ ‬من قصر‮ ‬يورك،‮ ‬الذي‮ ‬كان بدوره استولى على الملك من قصر لانكاستر في‮ ‬العام ‮١٦٤١. ‬لكن الفيلم‮ ‬ينقل بلا تردد الأحداث الى ثلاثينات هذا القرن مازجا السيرة السوداوية للملك رتشارد الثالث‮ ‬وما تميزت به شخصيته من شرور وآثام‮ (‬وحنكة وذكاء في‮ ‬ذات الوقت‮) ‬مع ارتقاء الحس الفاشي‮ ‬في‮ ‬اوروبا آنذاك‮ (‬النازية،‮ ‬الفاشية الإيطالية والفاشية الأسبانية‮). ‬رغم ذلك لا شيء‮ ‬يتغير في‮ ‬صميم المادة او النص‮. ‬لكن الكثير من التجديد على صعيد الشكل والمعالجة‮. ‬ماكيلين‮ ‬يصل بأشرار شكسبير عامة الى مستوى جديد،‮ ‬والمخرج‮ ‬يمارس سينما خارجة من شروط المسرح من دون أن تلغيه تماما‮. ‬الفصل الأخير الذي‮ ‬يصور قيادة رتشارد الثالث للمعركة ضد هنري‮ ‬تودور ومعاونيه من خارج المملكة،‮ ‬من أبرع ما تم تصويره في‮ ‬أفلام شكسبير ليس لناحية حجم الانتاج في‮ ‬مثل تلك المعارك،‮ ‬بل لأهمية فحواها على صعيد المجابهة بين قوى الشر وقوى الخير‮. ‬مع آن بانينغ،‮ ‬روبرت داوني‮ ‬ج‮.‬،‮ ‬جيم برودنت،‮ ‬نايجل هوثورن،‮ ‬كريستين سكوت توماس،‮ ‬ماغي‮ ‬سميث في‮ ‬إداءات قوية‮.‬

روميو‮ + ‬جولييت‮ ‬Romeo+ Juliet ‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬1/2
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باز لورمان‮ ‬ Baz Luhrmann
‮- ‬تحديث خلب عددا كبيرا من النقاد بسبب انشغال مخرجه بأسلوب استعراض‮ ‬يخطف البصر ويكاد‮ ‬يخطف الأهمية من الرواية ويتركها عند أحضان الصنعة‮. ‬في‮ ‬المقدمة كاميرا وثابة ومونتاج سريع وفي‮ ‬الخلفية قصة شبيهة بالأصل تم تطوير بطليها ومحيطيهما ليصبا في‮ ‬بيئة شبابية اميركية‮. ‬يقع ضحية‮ ‬هذه النقلة‮ ‬شكسبير نفسه وعالمه والقيم الأدبية الرفيعة التي‮ ‬حوتها أعماله وبينها‮ »‬روميو وجولييت‮« ‬كما كتبت،‮ ‬وكما قدمت على الشاشة مرارا وفي‮ ‬ظروف ومستويات عدة‮ (‬لا تزال نسخة فرانكو زيفريللي‮ ‬سنة ‮٨٦٩١ ‬واحدة من أفضل الاقتباسات قاطبة‮). ‬ليوناردو دي‮ ‬كابريو في‮ ‬دور روميو مناسب لغاية المخرج وليس لغاية الكاتب،‮ ‬وكلير دانس في‮ ‬دور جولييت وهي‮ ‬تصيب في‮ ‬تجسيدها شخصية مرتبطة بشكل ما بالأصل أكثر مما‮ ‬يجيد ديكابريو‮ (‬الذي‮ ‬لاحقا ما حط في‮ ‬بطولة‮ »‬تايتانك‮«).‬

الليلة الثانية عشر‮ ‬ The Twelfth Night ‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬‭*‬
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تريفور نن‮ ‬ Trevor Nunn
- مسرحية شكسبير الكوميدية الأخرى‮ (‬لجانب‮ »‬لغط كثير حول لا شيء‮«) ‬تنطلق من المواقف الناتجة عن الوقوع في‮ ‬خطأ شخصي‮ ‬مزدوج‮: ‬فيولا في‮ ‬البلاط الإيطالي‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬الواقع فتاة في‮ ‬زي‮ ‬صبي،‮ ‬وشقيقها التوأم‮ ‬يرتدي‮ ‬ذات الملابس التي‮ ‬ترتديها وهذا‮ ‬يؤدي‮ ‬الى سلسلة من الأحداث الناجمة عن عدم معرفة الأطراف الأخرى مع من تتحدث او تقع في‮ ‬الحب‮. ‬المخرج/الكاتب نن‮ ‬ينقل الأحداث الى القرن التاسع عشر‮ ‬وكان أخرج هذه المسرحية طوال ‮٠٢ ‬سنة ما‮ ‬يعطيه مهارة ومعرفة لكل جوانبها وقدرة على تسيير ممثلي‮ ‬الفيلم فيها‮. ‬الأهم هو أنه‮ ‬يعرف التعامل مع مستويي‮ ‬الكتابة الكوميدية عند شكسبير‮ (‬القريب الواضح والبعيد الممعن‮). ‬هذا كله‮ ‬يصطدم بمفردات نن السينمائية المحدودة‮. ‬ما‮ ‬يقدمه لا‮ ‬يزال ممسرحا أكثر منه فيلميا‮. ‬مع ايموغن ستابس وهيلين بونهام كارتن ونايجل هوثورن وبن كينغسلي‮ ‬ورتشارد إ‮. ‬غرانت من بين آخرين‮.‬

1998
شكسبير عاشقا‮ ‬ Shakespear in Love‮ ‬ ‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬‭*‬
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جون مادن‮ ‬John Madden
‮- ‬الوقائع ليست حقيقية بالطبع،‮ ‬لكن ذلك لا‮ ‬يهم،‮ ‬فالفيلم لا‮ ‬يدعي‮ ‬أنه سيرة حياة الكاتب المشهود‮. ‬شكسبير هنا‮ (‬جوزف فاينس‮) ‬يقع في‮ ‬حب امرأة متزوجة‮ (‬غوينيث بولترو‮) ‬وبذلك وحده‮ ‬يعود الوحي‮ ‬اليه فيكتب‮ »‬روميو وجولييت‮« ‬بينما‮ ‬يعيش فصول حبه المتشابكة،‮ ‬فالمرأة في‮ ‬سبيل زواج مصلحة‮ ‬من لورد وقضيتهما أصبحت أمام الملكة اليزابث‮ (‬جودي‮ ‬دنش‮) ‬وهناك مشاكل في‮ ‬التمويل وأخرى ناتجة عن تقمص المرأة،‮ ‬بمعرفة شكسبير،‮ ‬شخصية شاب لكي‮ ‬تقوم بلعب دور أيام ما كان من المقبول صعود امرأة على خشبة المسرح‮. ‬
السيناريو الذي‮ ‬كتبه مارك نورمان وتوم ستوبارد‮ ‬يقع في‮ ‬العام ‮٣٩٥١ ‬ويحيط لماما بالوضع المسرحي‮ ‬آنذاك،‮ ‬لكنه لمام كاف نتعرف فيه على الكاتب كريستوفر مارلو الذي‮ ‬يقتله‮ (‬حسب الرواية وليس حسب الواقع‮) ‬اللورد معتقدا أنه شكسبير ويتحمل شكسبير تبعية مقتله لأنه هو أوهم اللورد بأن مارلو هو المقصود‮. ‬طبعا في‮ ‬الحقيقة،‮ ‬كان موت مارلو اغتيالا‮ ‬يعود الى مواقفه السياسية،‮ ‬لكن هذا شأن آخر‮. ‬
كل الممثلين هنا،‮ ‬مهما صغرت أدوارهم،‮ ‬يلمعون تحت إدارة مخرج خبر المسرح وانتقل الى السينما مزودا بما‮ ‬يلزم من حنكة وإدارة‮.‬
1999
حلم منتصف ليلة صيفية‮ ‬Midsummer Night’s Dream ‭*‬‮ ‬‭*‬‮ ‬1/2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مايكل هوفمن‮ ‬Michael Hoffman
‮- ‬مسرحية شكسبير العاطفية/الكوميدية تم نقلها الى مطلع هذا القرن في‮ ‬منطقة توسكاني‮ ‬الايطالية‮. ‬الأحداث بقيت،‮ ‬بخطوط عريضة،‮ ‬كما هي،‮ ‬لكن المخرج هوفمن لا‮ ‬يستفيد من النقلة المستحدثة كما‮ ‬يجب‮. ‬الحفاظ على الحوار،‮ ‬في‮ ‬معظم الأوقات،‮ ‬يبقي‮ ‬الفيلم مرميا في‮ ‬إطاره التاريخي‮ ‬الأقدم،‮ ‬بينما تتنازعه عوامل التحديث‮ ‬غير المكتملة‮. ‬
ايضا ما‮ ‬ينجح المخرج في‮ ‬تقديم مباراة مثيرة بين الممثلين كمجموعة وبين النص الأصلي،‮ ‬لكن ما‮ ‬يقع أمامنا لا‮ ‬يتواصل على نحو مثير للمتابعة بل على المشاهد أن‮ ‬ينتقل من فصل الى آخر تحت وطأة ايقاع‮ ‬غير جاذب وكاميرا قائمة على نقلات وقطعات تخلو من الخيال ولا تدعو للإنسجام‮. ‬كيفن كلاين وميشيل فايفر وروبرت ايفيرت مع ستانلي‮ ‬توشي‮ ‬وآنا فرايل وكاليستا فلوكهارت وكريستيان بيل وصوفي‮ ‬مارسو‮. ‬بعض هؤلاء‮ ‬يرتفع ويسقط مع تنوعات المادة وايقاعها،‮ ‬والبعض‮ ‬يبقى تحتها‮.‬
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‮❊ ‬هذه المراجعة مهداة الى روح الفنان صلاح منصور الذي‮ ‬كان‮ ‬يتوق
ليلعب شكسبير‮ ‬يوما‮ ... ‬ولم تمكنه الظروف من ذلك‮.‬



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda © 2008



Apr 23, 2008

ISSUE 227 |OPINION: A comment from Amir Emary | FILM REVIEWS: Morgan Adel Emam

|*| في هذا العدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رأي: أمير العمري عن الشلّة إياها ........................................... صفحة 1
---------------------------------------------------
نقد فيلم: مرجان أحمد مرجان ............................................... صفحة 2



|*| OPINION |*|
الناقد أمير العمري يكتب عن نقاد
الإنطباعات الإستهلاكية والمنافــع
الخاصّة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبارك لك صدور العدد السابع من "كتاب السينما" الذي اشتركت معك في الاصدار الأول منه قبل سنوات طويلة. وأحيي فيك الإصرار والصبر والمثابرة سواء في الكتابة اليومية لمدونتك التي فرضت نفسها، أو العمل على مشاريعك الخاصة
لفت نظري قبل فترة ما كتبته عن شلة النقاد التي اعتادت  في الماضي أن تسوق رأيها في الاعجاب بالأفلام أو استنكارها طبقا لقرارات كان يصدرها "زعيمها" ويعممها على الجميع وكيف انضوى تحتها عدد من الناقد المعروفين
 لحسن الحظ طبعا أنني لم أكن منهم أبدا، وإن كنت قد اقتربت منهم وعرفت الطريقة التآمرية المضحكة التي يعملون من خلالها.. وكيف أنهم اصدروا منذ سنوات عددا خاصا عن سينما يوسف شاهين لم يتضمن مقالا واحدا فيه نوع من "المراجعة" لمسيرة شاهين خلال السنوات الـ 15 الأخيرة مثلا، بل كان عددا احتفاليا دعائيا
المهم لفت نظري فيما كتبته أنت أنك اعتبرت أن الناقد كمال رمزي " كان مختلفاً ولم يكن منقاداً في الأساس ولو اكتفى بالصحبة لبعض الوقت" وهذا غير صحيح للأسف، فقد كان كمال رمزي هو ممثل زعيم الشلة وصاحب المجلة في القاهرة ومقاول جمع المقالات للمجلة من الكتاب والصحفيين وكان يدفع لهم أجورهم بالعملة المحلية.. وقد ظل كذلك حتى النهاية، وليس صحيحا أنه خرج من تلك الشلة بل ظل مخلصا لها ولأحد أفرادها بحكم مناصبه المتكاثرة المتعددة.
ولا أدري إن كنت قد قرأت لناقد "كبير" آخر من أعضاء تلك الشلة، يكتب في صحيفة عربية كبيرة تصدر من لندن، يمتدح ويداهن عددا من النقاد "السابقين"، بعد أن أصبحوا مسؤولين في دواليب السلطة في بلادهم ويتخذهم دليلا على أن "المبدعين" يستطيعون كأفراد تحقيق الكثير عندما يتولون المناصب الرسمية، دون أن يوضح لنا الثمن الذي كان يتعين على هؤلاء دفعه للالتحاق بدولاب المنافع الذي توفره السلطة وكيف أنهم بوجوههم "التقدمية المزعومة" يطيلون في عمر أنظمة شديدة التخلف طالما أوهمونا أنهم من الناقدين لها
الناقد الكبير اياه بالطبع يمتدح أصدقاء له في نفس الشلة التي تتبادل المنافع وتملك مفاتيح المشاركة في المهرجانات السينمائية الرئيسية في العالم العربي كما تملك مفاتيح تمويل وانتاج الأفلام لكل من ترضى عنه، وتستبعد من يخرج عن وصاياها وتوجهاتها التي هي كما تعرف جيدا، أقرب ما تكون إلى اساليب العصابة بكل معنى الكلمة
أما الناقد الكبير الآخر الذي تخصص في الفترة الأخيرة في منافقة المسؤولين والحكام بل ومسؤولي المهرجانات العربية وكل من يتصور أنه يمكن أن يكون "مفيدا" له ذات يوم في عموده اليومي الذي تنشره صحيفة لا أعلم كيف تسمح بنشر هذه الترهات، فقد ترك النقد السينمائي بشكل شبه تام، واكتفى بكتابة الانطباعات الاستهلاكية السريعة حتى أنك تبحث عن دراسة مفيدة له أو حتى مقالا جيدا دسما يشبعك عن فيلم واحد طيلة الخمس عشرة سنة الأخيرة فلا تجد شيئا 
غير أن آلة الدعاية الغوغائية التي يوظفها هذا الناقد بالاشتراك مع ناقد آخر أصبح رقيبا وحسيبا على السينما في مصر، تريد أن توهمنا طيلة الوقت بأن هذا الناقد لايزال يتربع على عرش النقد السينمائي، وأنه المؤسس والزعيم والرفيق الأكبر وشيخ النقاد، والمؤرخ الكبير، علما بأنه لم يصدر كتابا واحدا من بين أكثر من 50 كتابا أصدرها، يمكننا أن نعتبره مرجعا في تاريخ السينما في بلاده
أرجو ألا اكون قد أطلت عليك.. ولكني أصبحت على قناعة بأن من واجبنا ألا نسكت أكثر من ذلك على هؤلاء المدعين، وأن نسمي الأشياء بأسمائها.
مع تحياتي
أمير العمري



PAGE 2
---------------------
|*| FILM REVIEWS |*|

مرجان أحمد مرجان *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: على إدريس
------------------------
في مشهد يقع على بعد عشر دقائق من النهاية نرى مرجان أحمد مرجان في نهاية صلاة قام بها. لم نره يصلّي قبل ذلك، ولا نعرف إذا ما كان جمع المال وراء إمتناعه عن العبادة او أنه نشأ على هذا الوجه. هل كان يصلّي وتوقّف ذات مرّة لعارض ما، او أنه من البداية كان ممتنعاً؟
هذه أمور مهمّة في فيلم يقوم كل قليل بمغازلة التديّن معارضاً التطرّف بنصف ما يستحقّه من معارضة او أقل. وأهم في مضمار تقديم شخصية رجل »رأسمالي« جشع تربّى في عز مصر اليوم وبنى ثروته على اكتاف الإنفتاح وفي كل مناسبة ممكنة يصر على توجيه الشكر لرئيس الجمهورية راعي الفنون وراعي الثقافة وراعي الرياضة الخ...٠
بعد الصلاة، يتوجّه الى المستشفى حيث ترقد إبنته التي كان صفعها في مشهد قبل مشهد الصلاة. وحسب الدكتورة فإن الصفعة صدمتها فإذا بها لا تتكلّم بل تنظر الى الأمام مشدوهة. يقترح حين تخبره الطبيبة ذلك أنه مستعد لإدخالها »أكبر مستشفى أوروبي«. إذاً، من حقّك أن تكوّن فكرة أن حالتها صعبة جدّاً وإذ تفعل ذلك تتساءل كيف يمكن أن تكون حالتها صعبة جداً إذا ما كانت الصفعة أصغر من أن تُحسب صفعة. إنها لطمة في أفضل أحوالها٠
إذاً لدينا حالة مفتعلة أبتكرها كاتب السيناريو لإدخالها الى المستشفى وإدخال والدها مرجان الى العبادة وصولاً الى المشهد التالي وهو جلوسه الى فراشها حيث يتحدّث إليها بهدوء لمدّة ثلاثين ثانية، فإذا بصمتها ينكسر وبعاطفتها تجيش وتُشفى للتو. كل ما كانت بحاجة إليه هو أن يصلّي العبد ركعتين فيصطلح حال الدنيا٠
أرفض السذاجة وأرفض الضحك على العقول و»مرجان أحمد مرجان« يحتل منطقة شاسعة بين الحالتين. إنه كوميديا-هذا مفهوم- مع رسالة إجتماعية حول الرجل الذي يعتقد إنه يستطيع شراء كل الناس وكل المشاكل وبل الإنتخابات والشهادات والجوائز والإدارات. يصل الى عضوية مجلس الشعب ويدخل الجامعة لاستكمال دراسته التي توقّفت عند الإبتدائية ويلملم الشهادات في طريقه كلها بالتزوير ما عدا الأخيرة٠ نعم في السن الذي يسبق التقاعد ينقلب الى تلميذ من جديد وبين طلاب أكبرهم في سن إبنه، وذلك لأنه رغب فجأة في أن يصبح مثقّفاً- او صورة مزوّرة عنه٠
في غضون هذه المنطقة، وبين دفّتي الفيلم، فيلم علي أدريس الخالي من أي منحى فني خاص، مندفع للسخرية، بالطريقة الإمامية المعروفة لكل من قابله، من الطبقات والمستويات الأخرى. فهو ساخر من طبقة المثقّفين (هذا الفيلم مليء بالسخرية منهم) ومن طبقة المتعلّمين ومن العلم بأسره، ومن الأناس الآخرين على مختلف وجهاتهم. الطريقة التي يتعامل بها الإمام، عبر شخصيّته، مع الآخرين مهينة. مستوى النظرة التي يوجهها الى كل القطاعات تحتوي على قدر كبير من الفوقية. وبما أنه يمثّل شخصية يصفها الفيلم بأنها على خطأ، لكنه نجم لا يستطيع أن يظهر كمخطيء فإن صميم الفيلم يصبح فارغاً من القيمة الفعلية٠
في أفلامه قبل ثلاثين سنة أنطلق عادل إمام، وكان صغير الحجم قليل البدانة، في أدوار الفتى المنتمي الى الطبقة الشعبية والباقي، مع إنتهاء الفيلم، فيها. في أفلامه قبل عشرين سنة، رقّى نفسه فإذا به المنتمي الى الشعب الذي يغازل المال والسلطة. يسخر منهما نعم، لكنه لا يحمل قضيّة (ولا الأفلام تحملها). ليس أنه يسخر لأنه صاحب موقف، بل يسخر لأنه كوميدي وجمهوره يريده أن يفعل ذلك لكي يضحك له وعلى الآخرين. في هذا الفيلم، وربما في بضعة أفلام أخيرة لم أرها، بات من النظام الإجتماعي العالي. هو الثري، وهو الوزير، وهو النائب وهو الذي يحمله الشعب فينقلب عليه لا لأن الشخصية التي يمثّلها على خطأ بل لأنه وصل الى المرحلة التي لا يمكن أن يكون فيها على خطأ والشعب يستحق ما يُصنع فيه.
لا أدري، وأنا أتمنّى لو أن أحد الأصدقاء او الزملاء إذا ما وجد في هذا الحكم خطأ أن يصححه لي، لكن هذا ما أعتقده بالفعل وأضيف أن شخصية عادل إمام الحقيقية هي التي تظهر على الشاشة وليس الشخصية التي تكتب له لأن هذه لن تختلف ولن تخرج عن هواه. بالتالي، لسنا هنا في وارد اقتباس لشخصية متروكة حرّة من العوامل الذاتية، بل واحدة خارجة من تلك العوامل بالفعل.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda © 2008

Apr 22, 2008

ISSUE 226 |OPINION: Confused Sex |GREAT FILMMAKERS: Jean-Luc Godard: The Complete File

|*| في هذا العدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رأي: هل ضاع الرجل في ثنايا المرأة؟ ................................................ صفحة 1
-------------------------
ملف: جان-لوك غودار: رأس مختلـــف ................................................ صفحة 2

**************************************************
PAGE 1

|*| OPINION |*|

لا بلد للنساء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في إحصاء نُشر في أحد المواقع الأرقام التالية
من بين 20 فيلم كبير تم إنتاجها في العام الماضي كان هناك عشرة من بطولة رجالية محضة و20 من بطولة نسائية- رجالية مشتركة ولم يكن هناك أي فيلم من بطولة نسائية منفردة
من بين 20 فيلم كبير من العام 2006 كان هناك إحدى عشر فيلماً من بطولة رجال فقط وسبعة من بطولة مشتركة وفيلمين من الرسوم المتحركة
في العام 2005 ومن بين العشرة الأكبر إنتاجاً فيلمين فقط من بطولة نسائية مقابل إحدى عشر فيلماً من بطولة رجالية منفردة وسبعة مشتركة٠
ومن العام 1977 وإلى اليوم، ومن بين أعلى عشرين فيلم إيراداً هناك خمسة عشر من بطولة رجالية وخمسة من بطولة مشتركة وزيرو من بطولة نسائية٠
ونحن نعلم ماذا حدث لأفلام أكشن قادت بطولتها ممثلات، وكيف لم تعش حسبما طُلب منها وتوارت سريعاً. فالمجال اليوم، يقولون لك، هو مجال الرجل وبعضهم يقول أن هذا سيسود الى الأبد٠
يا ليت الإحصاءات التي تنشر في مثل هذه المناسبات تأخذ بعين الإعتبار أن المسألة تعود الى أيام السينما الصامتة: الأفلام الناجحة جداً من بطولة نسائية قليلة نسبياً وذلك منذ مطلع القرن العشرين والى اليوم. ليس هناك إختلاف سوى أنه في السابق، كانت هوليوود تنتج نحو 800 فيلم في السنة من بينها غالبية من الأفلام ذات البطولة الرجالية حيث تلعب المرأة دور شريك الحياة او الأم او الفتاة التي بحاجة لم يحميها، ويلعب الرجل دور البطولة: الرجل الذي سيذود عن ذلك الشريط او عن العائلة او سيحمي الفتاة. وغالباً هو الرجل المنفرد وحده والمكتفي بحيث لا يستطيع أن يترك نفسه يقع تحت سطوة الحب. وحين يفعل يتأكد له أن أخطأ حين وقع في الحب٠
هذا المنظور لا يختلف الا في التفاصيل وأيضاً في أن هناك من بات يكترث لإحصاء كل شيء هذه الأيام. الحقيقة أن السبب في فشل معظم الأفلام التي تقودها المرأة هي أن هوليوود علّمت مشاهديها أن الترفيه لا علاقة له بطرح المشاكل الإجتماعية وطرح المشاكل الإجتماعية يتألّف، وبل عليه أن يتألّف، من قصص فيها رجال ونساء على قدر المساواة. على العكس، طرحت هوليوود مفهوم الترفيه وهذا يعني أن الرجل يضرب والمرأة تصرخ هولاً. هو لا يضربها إذا كان بطلاً بل يضرب الأشرار. أما هي فمضروبة ومقتولة ومعتدى عليها ودائماً ما تصرخ ولا أحد يستجيب لها٠
لكن هناك متغيّرات في هذه الصورة التقليدية- لا ريب٠
في أفلام الرعب الحديثة، حيث هي لا تزال صاحبة الصوت الأعلى حين يصل الأمر الى الصريخ ذعراً، بات هناك منافسة من الجنس »الخشن« (ولو بالصيت) فهؤلاء باتوا يقعون مثل الذباب في هذه الأفلام. وإذا ما فكّرت معي ستجد أن المسألة مرتبطة بما سأحاول قوله الآن٠
في السابق كانت المرأة في خطر والبطل ينقذها. كلام جميل٠
اليوم، المرأة في خطر والرجل في خطر وليس هناك من منقذ٠
المفاد هو أن الرجل ما عاد رجلاً بل تحوّل الى إمرأة بدوره. وإلغاء صفة الرجولة منه في مثل هذه الأفلام ليس مقصوداً بحد ذاته بل نتيجة التباس إجتماعي حاصل حيث تم محو المسافات والبقع الإجتماعية التي كانت تفرق بين فتاة في السابعة عشر وفتى في ذات العمر. وحيث لم يعد سائداً أن تجد موظّفاً في وظيفة في المدينة لا يقل أنوثة عن المرأة وبل ربما يتجاوزها. لا أقول متخنّثاً ومثلياً، بل هو صورة لرجل حديث يعتني بهندامه كما تفعل المرأة، تسأله يجيبك لا أعرف، كما تفعل المرأة وحين يقع في الحب يقع في الحب بكامله- كما تفعل المرأة٠
إذاً ، وفي منظوري الصغير وكما استقي من الأفلام الأميركية ذاتها، لم يعد هناك داع للمرأة في السينما من حيث توفير المشاعر الرئيسية- الرجل يفعل ذلك. هي مطلوبة اليوم كضحية في أفلام الرعب وكشريك مشاهد الحب في الأفلام العاطفية والكوميدية. ليست لها أدوار تعتمد عليها في الدراما او في الكوميديا كما كان الحال في بعض السنوات السابقة (ولو على نحو محدود). بكلمة أخرى: لا بلد للنساء
وفيلم »لا بلد للمسنّين« وكل أفلام الأخوين كووَن قائمة على البطولة الرجالية... أيكون على المرأة العودة الى المطبخ مثلاً؟ طبعاً لا، لأن السينما في كل أنواعها لا تزال تعتمد الصورة الواقعية كمنصّة إطلاق لما هو غير واقعي. والصورة الواقعية هي أنها قطعت، في الغرب طبعاً، مسافات طويلة بعيداً عن المطبخ والبيت والأسرة و-نظرياً فقط- باتت تنافس الرجل في مغامراته، ولو أن المشاهدين لا يزالون يفضّلون الرجل في تلك المغامرات على المرأة.... أنظر إنديانا جونز٠

******************************************
PAGE 2

|*| GREAT FILMMAKERS:

‮ ‬جان‮- ‬لوك‮ ‬غودار
Jean- Luc Godard
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخرج الفرنسي‮ ‬المرموق لديه‮ ‬طريقـته الخاصة في‮ ‬العمل‮. ‬إنه لا‮ ‬
يؤلف ويخرج كما‮ ‬يفعل ألوف الآخرين،‮ ‬بل‮ ‬يؤلف في‮ ‬السينمـــا
وليس لها فقط‮. ‬بكلمات أخرى،‮ ‬وبعد‮ ‬نحو نصف قرن على عمله
في‮ ‬السينما،‮ ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬غودار السينمائي‮ ‬الأكثر تأثيراً‮ ‬بين جميـع
أترابه‮. ‬فيلمه الأخير‮ »‬موسيقانا‮« ‬يحمـل أفكاراً‮ ‬وتحديات فنيـة
كما أي‮ ‬من أفلامه السابقة‮.‬
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا‮ ‬يتوقع أحد،‮ ‬حين‮ ‬ينجز جان‮- ‬لوك‮ ‬غودار فيلما جديدا،‮ ‬عملاً‮ ‬مختلفاً‮ ‬عما كان أنجزه المخرج من قبل‮. ‬الجميع بات‮ ‬يعرف أن فيلماً‮ ‬جديداً‮ ‬لجان‮- ‬لوك‮ ‬غودار هو استمرار للفيلم الذي‮ ‬قبله الذي‮ ‬كان،‮ ‬بدوره،‮ ‬إستمراراً‮ ‬للفيلم الذي‮ ‬قبله وصولاً‮ ‬الى المرحلة الأولى من حياته السينمائية عندما انتقل من فعل الكتابة عن السينما ناقداً‮ ‬ومنطراً‮ ‬الى فعل السينما ذاتها،‮ ‬مخرجاً‮ ‬كما ناقداً‮ ‬ومنظراً‮ ‬أيضاً‮ ‬بالإضافة الى إيجاد منحاه الخاص في‮ ‬توظيف السينما لممارسة أفكاره‮. ‬
ما هو متوقع من‮ ‬غودار‮ ‬ينحصر في‮ ‬حتمية قيامه بتوفير عمل آخر ذا قيمة خاصة فنياً‮ ‬وموضوعاً،‮ ‬ويشمل الإعتقاد بأن‮ ‬غودار سيقدّم مرة أخرى تلك التوليفة من الآراء والإتجاهات في‮ ‬السينما كما في‮ ‬التاريخ والثقافات وأن‮ ‬غودار لن‮ ‬يكتب او‮ ‬يُوَلف او‮ ‬يصور او‮ ‬يستخدم الصوت كما‮ ‬يفعل أي‮ ‬سينمائي‮ ‬آخر‮. ‬هذا هو المتوقع الوحيد،‮ ‬وهو لا علاقة له بالمستوى،‮ ‬فهذا لا خلاف عليه‮.‬
في‮ ‬فيلمه الأخير‮ »‬موسيقانا‮« ‬نجد إنه في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يحافظ‮ ‬فيه على كل عناصره‮ »‬الغودارية‮« ‬التقليدية،‮ ‬يوفر‮ ‬ما هو جديد ومختلف في‮ ‬تفاصيل كثيرة عن أفلام‮ ‬غودار السابقة‮. ‬إذا ما كانت أفلام أندريه تاركوفسكي،‮ ‬حسبما سمّاها المخرج الروسي‮ ‬الراحل بنفسه‮ »‬نحت في‮ ‬الزمن‮«‬،‮ ‬فإن أفلام‮ ‬غودار هي‮ ‬نحت في‮ ‬السينما‮. ‬لا هي‮ ‬تسجيلية ولا هي‮ ‬روائية بل هي‮ ‬تسجيلية وروائية معاً‮ ‬إنما من دون خطوط فارقة‮. ‬إنها،‮ ‬بكلمة واحدة،‮ ‬غودارية‮.‬
‮ ‬-1 ‮ ‬سمات الأمس‮ ‬
ولد جان‮- ‬لوك‮ ‬غودار في‮ ٣/٢١/ ٠٣٩١ ‬في‮ ‬باريس من عائلة بروستانتية ميسورة‮. ‬والده كان طبيباً‮ ‬ووالدته كانت منحدرة من عائلة عملت في‮ ‬المصارف السويسرية‮. ‬خلال الحرب العالمية الثانية ترعرع‮ ‬غودار في‮ ‬مدينة ليون في‮ ‬سويسرا حيث اكتسب هويّته الرسمية‮. ‬في‮ ‬أواخر الأربعينات أقدم والداه على الطلاق وعاد هو إلى باريس ليدرس علم الأجناس في‮ ‬السوربون سنة ‮٩٤٩١. ‬خلال فترة دراسته تلك واظب على‮ ‬حضور الأفلام في‮ »‬نادي‮ ‬سينما الكارتييه لاتان‮« (‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يزال مفعما بصالات الفن والتجربة الى اليوم‮). ‬هناك تعرّف‮ ‬غودار على الناقد والمنظر أندريه بازان وعلى هاوين للسينما مثله هما جاك ريفيت وإريد رومير‮. ‬كانت لقاءات لطرح الأفكار وتبادل الآراء حول الأفلام التي‮ ‬يشاهدونها والحديث عن السينما الفرنسية والأميركية وسواهما‮. ‬هذه الأحاديث قادت الى التفكير بتأسيس مجلة سينما‮. ‬والمجلة فعلاً‮ ‬تأسست في‮ ‬العام ‮٠٥٩١ ‬بإسم‮ »‬كاييه دو سينما‮« ‬التي‮ ‬لا تزال تصدر الى اليوم‮.‬
يمكن للمرء تأليف كتاب حول تلك المجلة،‮ ‬سياستها الفنية،‮ ‬منهجها الأكاديمي،‮ ‬كتاباتها وآراء مخرجيها كما تأثيرهم وتأثيرها على السينما الفرنسية وخارجها‮. »‬كاييه دو سينما‮« ‬غيّرت الكثير من مفاهيم الثقافة السينمائية التي‮ ‬كانت سائدة قبلها لا في‮ ‬فرنسا فحسب بل في‮ ‬غيرها من العالم‮. ‬كتب‮ ‬غودار أول كلماته في‮ ‬النقد السينمائي‮. ‬وامتدت كتاباته لتشمل مقالات نظرية تبحث في‮ ‬شكل ووجه جديد للسينما تنقلها من سينما الترفيه الى سينما التوجيه‮. ‬
هؤلاء السينمائيين،‮ ‬الذين كانوا الى ذلك الحين عشّاق سينما ونقاداً،‮ ‬أسسوا سنة ‮٠٥٩١ »‬كاييه دو سينما‮« ‬التي‮ ‬أسست لما عُرف لاحقاً‮ ‬بـ‮ »‬الموجة الجديدة‮« ‬حينما انتقل‮ ‬غالب كتّابها،‮ ‬غودار،‮ ‬شابرول،‮ ‬تروفو،‮ ‬ريفيت ورورمير،‮ ‬الى العمل في‮ ‬السينما مخرجين‮. ‬قبل ذلك بأشهر كان ورومير وريفيت أسسوا‮ »‬مجلة السينما‮« ‬Gazette du Cinema‮ ‬حيث كتب‮ ‬غودار فيها خمسة مقالات قبل الإنتقال الى‮ »‬كاييه دو سينما‮«.‬
في‮ ‬العام ‮٢٥٩١ ‬انطلق عائدا الى‮ ‬سويسرا حيث اشتغل عامل بناء‮ (‬من بين أشغال أخرى‮) ‬لبضع سنوات‮. ‬الغاية كان جمع ما‮ ‬يكفي‮ ‬من مال لإخراج فيلمه الأول‭ ‬‮»‬عملية بيتون‮« ‬الذي‮ ‬تألف من ‮٠٢ ‬دقيقة‮.‬
في‮ ‬العام ‮٦٥٩١ ‬عاد الى الكتابة من جديد ثم توقف مرة أخرى عنها لكي‮ ‬يخرج فيلمه الروائي‮ ‬الطويل الأول‮ »‬نفس لاهث‮« ‬الذي‮ ‬صوّره سنة ‮٩٥٩١ ‬وعرض العام ‮٠٦٩١ ‬عن سيناريو كتبه رفيقه الآخر فرانسوا تروفو‮. ‬وهو منذ ذلك الحين لم‮ ‬يتوقف عن العمل باستثناء فترة منعزلة من حياته امتدت من العام ‮٢٧٩١ ‬الى العام ‮٨٧٩١ (‬الفترة الثالثة‮- ‬أدناه‮) ‬أخرج فيها أفلاماً‮ ‬قلما شوهدت نسبة الى شروط حياة وتقاليد عمل وضعها لنفسه‮. ‬
باستثناء تلك الفترة،‮ ‬فإن أعمال‮ ‬غودار تعكس روح سينمائي‮ ‬مفكر وذي‮ ‬موقف ومتطوّر‮. ‬بدأت باتخاذ موقف من الشكل والسرد التقليديين في‮ ‬السينما،‮ ‬وتطوّرت الى رفض نظم بأسرها،‮ ‬لكنها عادت الى أصولها الباحثة عن الجديد والمختلف لتبلور ما تمثّله أفلام‮ ‬غودار الى اليوم من مواقف من العالم ومن الحياة ومن السينما أساساً‮.‬


-2 الفصول‮ ‬
تنقسم مراحل سينما‮ ‬غودار الى أربعة أقسام‮. ‬
‮- ‬المرحلة الأولى‮:‬
تمتد من فيلمه الأول‮ »‬نفس لاهث‮« ‬سنة ‮٠٦٩١ ‬الى‮ »‬واحد زائد واحد‮« ‬سنة ‮٨٦٩١. ‬في‮ ‬تلك الفترة جرّب‮ ‬غودار عدة حلول لرغبته كسر التقليد السردي‮ ‬المتّبع‮. ‬شغله على أسلوبه كان قائماً‮ ‬على‮ »‬الشكل المختلف ضد الشكل التقليدي‮« ‬واتسع لتأسيس كل ما قامت عليه سينماه لاحقاً‮: ‬هي‮ ‬سينما مؤلف،‮ ‬وسينما المضادة للتقليد،‮ ‬التحوّل بعيداً‮ ‬عن الحكاية وتحويل الفيلم الى مقالة مصوّرة‮. ‬وذلك لم‮ ‬يكن ليكتمل من دون أن‮ ‬يعمد‮ ‬غودار،‮ ‬منذ ذلك الحين،‮ ‬الى عناصر الفيلم الرئيسية‮ (‬الكتابة،‮ ‬التصوير،‮ ‬المونتاج والصوت‮) ‬وتغيير وظائفها المعتادة لأخرى مستوحاة من فلسفة برتولت برشت‮. ‬أعمال‮ ‬غودار في‮ ‬تلك المرحلة تناولت موضوع التواصل بين شخصياته المنقطعة وما‮ ‬يقع حولها من أحداث إجتماعية وسياسية‮. ‬النبرة المستخدمة نقدية‮.‬
في‮ ‬هذه الفترة أخرج،‮ ‬فيما حققه من أفلام،‮ »‬الجندي‮ ‬الصغير‮« ‬وموضوعه الحرب في‮ ‬الجزائر من وجهة نظر تدين الإحتلال وتنتقد الوجود الفرنسي‮ ‬من دون استثناءات او تراجعات‮. ‬هذا ما جلب عليه نقمة فرنسية كبيرة تجاهلها‮ ‬وحقق في‮ ‬العام التالي‮ ‬فيلمه الثالث‮ »‬المرأة هي‮ ‬المرأة‮«. ‬مع جان-بول بلموندو وآنا كارينا‮ (‬التي‮ ‬تزوّج‮ ‬غودار بها في‮ ‬ذلك العام‮). ‬وكان لقاء‮ ‬غودار ببلموندو تم في‮ ‬فيلمه الروائي‮ ‬الأول‮ »‬نفس لاهث‮« ‬وبنتائج فنية جيدة‮. ‬
‮ ‬القصة التي‮ ‬يستند عليها فيلم‮ ‬غودار الأول بسيطة في‮ ‬الجوهر‮: ‬جان بول بلماندو شقي‮ ‬هارب من البوليس‮. ‬لديه صديقة‮ (‬جين سيبرغ‮) ‬هي‮ ‬الوحيدة التي‮ ‬تستطيع الإيقاع به وهو تفعل ذلك في‮ ‬نهاية الفيلم بعدما وثق ووطد علاقتها بها‮. ‬السبب الذي‮ ‬من أجله تميّز هذا الفيلم عن أي‮ ‬فيلم بوليسي‮ ‬حينها‮ (‬وربما الى اليوم‮) ‬هو أن‮ ‬غودار وجد طريقه الخاص لتقديم ما هو عادي‮ ‬وشكلي‮ ‬بصورة مختلفة و‮- ‬فنياً‮- ‬جدلية‮. ‬مزايا تلك الطريقة لا زالت تتردد في‮ ‬أفلام‮ ‬غودار الى اليوم وأبرزها طريقة سرده الحكاية حيث‮ ‬يحوّلها الى مقالة‮. ‬يقطع فيها على أكثر من نحو بمونتاج‮ ‬يختار توقيته من دون تلقائية السرد التقليدي‮. ‬بذلك‮ ‬يبقي‮ ‬المشاهد متحفّزاً‮ ‬في‮ ‬سياق عدم قدرته على التحكم في‮ ‬مجرى الحكاية بأي‮ ‬نوع من التوقعات‮. ‬هذا وحده‮ ‬يحوّل ما‮ ‬يبدو تقليدياً‮ ‬الى ما هو مختلف عن كل ما هو تقليدي‮.‬
‮- ‬المرحلة الثانية‮:‬
غودار كان وجودياً‮ ‬في‮ ‬مرحلته الأولى،‮ ‬في‮ ‬الثانية اعتنق الماوية‮. ‬كذلك بدت تأثيرات سينما الروسي‮ ‬دزيغا فرتوف ومنهجه المسمى بـ‮ »‬سينما الحقيقة‮« ‬واضحة على أعماله‮. ‬إنها الفترة التي‮ ‬بدأت بفيلم‮ »‬حكمة مرحة‮« (٨٦٩١) ‬وامتدت لبضع سنوات رفض فيها العمل ضمن‮ »‬النظم البرجوازية‮« ‬كما وصفها فرتوف في‮ ‬أبحاثه التي‮ ‬حلّل فيها التركيبات الإجتماعية وبيّن أوجه الصراع الذي‮ ‬يعايشه المخرج الملتزم إذا ما سمح لنفسه بالتعامل مع النظام الرأسمالي‮ ‬الموجود‮. ‬إعجاب‮ ‬غودار بدزيغا فرتوف دفعه،‮ ‬وجان بيير كورين،‮ ‬لتأسيس‮ »‬دزيغا فرتوف‮ ‬غروب‮« ‬والى إعلان‮ ‬غودار أن منهجه بات‮ »‬صنع أفلام ثورية بأسلوب ثوري‮«. ‬خلال هذه الفترة انقطع‮ ‬غودار عن التعامل مع أبناء الصناعة السينمائية في‮ ‬فرنسا ملتزماً‮ ‬بتحقيق أفلامه عن الطبقة البروليتارية وحدها‮.‬
الفترة ذاتها كانت شهدت الثورة الطالبية التي‮ ‬شارك فيها‮ ‬غودار وآخرين من موقع التأييد للتغيير المطلوب في‮ ‬هيكلة البنية الطالبية ومناهج التعليم في‮ ‬المدارس‮. ‬كما‮ ‬غذتها محاولة الحكومة إقتلاع المنظّر والمؤرخ الفرنسي‮ ‬هنري‮ ‬لانلغوا من منصبه كمدير للسينماتيك فرنسيس وتعيين مدير‮ ‬يتبع سياستها‮. ‬المظاهرات التي‮ ‬اندلعت تأييداً‮ ‬للانغلوا دفعت الحكومة لإلغاء قرارها‮.‬
‮- ‬المرحلة الثالثة‮:‬
تقع أيضا في‮ ‬السبعينات وفيها بلغ‮ ‬تطرّف‮ ‬غودار السياسي‮ ‬حداً‮ ‬انقلب فيه حتى على أعماله السابقة‮. ‬انتقل للعيش في‮ ‬بلدة‮ ‬غرينوبل مع زوجته الثالثة آن ماري‮ ‬ميافيل وأسس شركة أسمها دال على منحاه الجديد في‮ ‬هذه المرحلة‮ ‬وهو‮ ‬SonImage‮ (»‬بلا صورة‮«). ‬أعماله القليلة في‮ ‬تلك الفترة كانت أقرب الى‮ »‬أفلام البيت‮« ‬Home movies‮ ‬وأنجزها بعيداً‮ ‬عن أدوات السينما وبكاميرا فيديو مبكرة‮. ‬الملاحظ أن هذه الفترة وقعت مباشرة بعد أن تعرّض‮ ‬غودار لحادثة حين كان‮ ‬ينطلق بدراجته النارية كاد أن‮ ‬يُقتل فيها‮. ‬تأثير ذلك النفسي‮ ‬عليه ليس معروفاً‮ ‬لنا على نحو معمّق لكنه أدى،‮ ‬بوضوح،‮ ‬الى عزلته واختيار الطريق الذي‮ ‬انعزل فيه وسينماه عن التواصل مع الآخرين حتى ولو كانوا من المؤيدين لطروحاته،‮ ‬فنية او سياسية،‮ ‬السابقة‮. ‬
هذه العزلة وردت في‮ ‬سينماه حتى حين كانت لا تزال تتواصل مع عالمه وتدخل سوقي‮ ‬العرض والطلب‮. ‬فهي‮ ‬شبيهة بحال بطله في‮ »‬بييرو الغبي‮« (٥٦٩١) ‬الذي‮ ‬قرر العزلة عن‮ »‬النظام الرأسمالي‮« ‬بأسره‮. ‬مفهوم كلا من الفيلم وما أقدم عليه‮ ‬غودار نفسه فيما بعد‮ ‬يعود الى نظرية أسستها جماعة سمّت نفسها‮ ‬Situationists Internationale‮ »‬التأسيسيون الدوليون‮« ‬ومفادها أن الممارسة النموذجية لليساري‮ ‬في‮ ‬أقصى مواقفه،‮ ‬الذي‮ ‬هو الموقف المثالي‮ ‬بالنسبة للمجموعة،‮ ‬هو الإنقطاع عن كل‮ ‬يتصل بالنظام البرجوازي‮ ‬او الرأسمالي‮. ‬الفيلم ذاته،‮ ‬مقارنة مع ما سبقه ومع ما تلاه،‮ ‬هو بداية وعي‮ ‬غودار المتزايد بأهمية الطرح السياسي‮ ‬او-بنفس المعيار‮- ‬استخدام السينما كوسيلة طرح الموقف السياسي‮.‬
‮- ‬المرحلة الرابعة‮:‬
غودار لابد وعى أنه لن‮ ‬يستطيع دفع ثمن‮ ‬غير منطقي‮ ‬لقاء مبادئه المكتسبة فقرر العام ‮٩٧٩١ ‬قطع عزلته والعودة الى السينما مسمياً‮ ‬فيلمه الأول في‮ ‬هذا النطاق،‮ ‬وهو فيلم‮ »‬كل رجل لنفسه‮« ‬بـ‮ »‬البداية الثانية‮«. ‬
إنها فترة النضج فنياً‮ ‬حتى ضمن أسلوبه الخاص‮. ‬عوض التبعثر صار أكثر تنظيماً‮ ‬ولو أن البعض لا زال‮ ‬يعتقد إنه فوضوي‮- ‬لكن الحقيقة هي‮ ‬أنه‮ ‬يتبع منهجاً‮ ‬يفهمه ومن الممكن لغيره أن‮ ‬يفهمه حالما‮ ‬ينفذ الى ذلك المنهج‮ (‬وأعترف أن ذلك صعباً‮). ‬عوض الحدة الشديدة أصبحت قطعاته من والى المشهد أكثر سلاسة وأحياناً‮ ‬أكثر شعرية،‮ ‬ولو أنها شعرية سوداء داكنة‮. ‬
جهده هذا منحه تقديرا جديداً‮ ‬فنال‮ »‬الأسد الذهبي‮« (‬جائزة مهرجان‮ »‬فانيسيا‮« ‬الأولى‮) ‬عن فيلمه‮ »‬الإسم كارمن‮« (٣٨٩١) ‬وفيلمه اللاحق‭ ‬‮»‬مرحى‮ ‬يا مريم‮« ‬نال تقديرا نقدياً‮ ‬واسعاً‮ ‬على الرغم من أنه أثار اليمين المتدين في‮ ‬فرنسا‮. ‬كذلك فعل فيلمه الآخر في‮ ‬الفترة ذاتها‮ »‬شهوة‮« ‬الذي‮ ‬اعتبره بعض النقاد أفضل هذه الأفلام الثلاثة‮.‬

-3 سينما
‮ »‬السينما ليست حلما او فانتازيا‮. ‬إنها حياة‮««‬
‮- ‬جان‮ -‬لوك‮ ‬غودار‮.‬
تظهر الفترات التي‮ ‬أوردتها أعلاه عن جانب آخر في‮ ‬أعمال‮ ‬غودار‮. ‬الفترة الأولى‮ (٩٥٩١- ٨٦٩١) ‬هي‮ ‬فترة التعاطي‮ ‬مع السينما عاشقاً‮ (‬ولو بشروطه‮). ‬الفترة الثانية‮ (٨٦٩١-٢٧٩١) ‬هي‮ ‬التي‮ ‬سبر فيها‮ ‬غور‮ »‬تسييس السينما‮«‬،‮ ‬والثالثة هي‮ (٢٧٩١-٨٧٩١) ‬هي‮ ‬الفترة التي‮ ‬وصل فيها التسييس لنفي‮ ‬السينما،‮ ‬والرابعة‮ (٩٧٩١ ‬والى اليوم‮) ‬هي‮ ‬الفترة التي‮ ‬تلت بلوغ‮ ‬نفي‮ ‬السينما مداه‮ ‬وشهدت عودته الى السينما‮.‬
إنه من السهل بمكان كبير البحث في‮ ‬السياسة‮ (‬والمقالات الباحثة في‮ ‬هذا الشأن وحده بالمئات‮). ‬لكن من الصعب الكتابة عن الفن في‮ ‬سينما‮ ‬غودار‮. ‬فالفن عنده هو ممارسة حياة في‮ ‬الفيلم وتطبيعها بالموقف السياسي‮ ‬العام‮. ‬مكمن الصعوبة هو ترجمته الصُورية لما‮ ‬يريد قوله وأسلوبه في‮ ‬القول‮. ‬
مفتاح كل شيء‮ ‬غوداري‮ ‬في‮ ‬الواقع هو تبني‮ ‬وممارسة مفهوم‮ »‬سينما المؤلف‮« ‬الى الحد الأقصى‮. ‬التعريف العاري‮ ‬من التكلّف لما هو‮ »‬سينما مؤلف‮« ‬وما هو سينما،‮ ‬يكمن في‮ ‬أن المفهوم‮ ‬يشمل أولئك المخرجين الذين‮ ‬يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن عملية إبداع الفيلم كتابة وتنفيذاً‮ ‬وما بعد‮. ‬إنه ليس المخرج الذي‮ ‬ينفّذ رؤية آخرين بل رؤيته الخاصة وبنفسه‮. ‬لذلك،‮ ‬بينما كانت هوليوود وسواها تنظر الى ألفرد هيتشكوك وهوارد هوكس وأورسن ويلز على أساس إنهم مخرجون جيدون‮ ‬يمكن الإتكال عليهم لإنجاز أفلام جيدة حسب المطلوب،‮ ‬كان نقاد‮ »‬كاييه دو سينما‮« ‬ينظرون إليهم كمؤلفين لأعمالهم حتى ولو كانت سيناريوهات أفلامهم مكتوبة من قبل‭ ‬آخرين‮. ‬التواصل في‮ ‬توفير الرؤيا الخاصة للشخصيات،‮ ‬للعالم،‮ ‬للتكنيك،‮ ‬كافية لمنحهم هذه الصفة الاستثنائية‮. ‬
غودار ذهب الى ما هو أعمق من ذلك وأبعد إذ ترجم أفكاره على نحو بعيد جداً‮ ‬عما‮ ‬يسهل قبوله لدى الطرف المنتج،‮ ‬ويسهل قبوله عند المشاهد‮ (‬حتى العاشق للسينما والراغب في‮ ‬فصلها عن مجرد الغاية في‮ ‬الترفيه‮).‬
السينما التي‮ ‬كانت في‮ ‬بال‮ ‬غودار،‮ ‬من‮ »‬نفس لاهث‮« ‬مروراً‮ ‬بـ‮ »‬حياتي‮ ‬لكي‮ ‬أعيش‮«‬،‮ »‬ويك‮- ‬إند‮«‬،‮ »‬حييت‮ ‬يا مريم‮« ‬،‮»‬شهوة‮«‬،‮ »‬تحري‮« ‬وحتى فيلمه الأخير‮ »‬موسيقانا‮«‬،‮ ‬هي‮ ‬السينما التي‮ ‬يعتقد فعلاً‮ ‬إنها الأجدر بالإقدام بصرف النظر عن الوجهة السياسية التي‮ ‬تعتنقها‮. ‬الوجهة السياسية هي‮ ‬موقف ووجهة نظر،‮ ‬لكن العمل السينمائي‮ ‬هو الإقتناع بأي‮ ‬سينما على المخرج توفيرها ولماذا‮. ‬بالنسبة لغودار وجد أن السرد الحكواتي‮ ‬لا‮ ‬ينتمي‮ ‬الى السينما الا عبر كونه مصوّراً‮. ‬الفن السينمائي،‮ ‬بكلمات أخرى،‮ ‬من الأهمية بحيث إنها تستحق شروطا مختلفة تجعلها بعيدة عن أن تكون امتداداً‮ ‬للقصة وامتداداً‮ ‬لأي‮ ‬فن آخر‮.‬
إنتقال‮ ‬غودار في‮ ‬أي‮ ‬فيلم من أفلامه من مشهد‮ ‬يتحدث فيها إثنان،‮ ‬الى مشهد لساحل البحر،‮ ‬ثم العودة إليه أكثر من مرة،‮ ‬لا‮ ‬يهدف فقط الى تمييز سينماه بلقطات تتداخل من دون أن‮ ‬يكون لها معنى في‮ ‬العقل المعتاد على الربط تقليدياً‮ ‬بين فصول الحكاية،‮ ‬بل الى خلق العمل المجسد لتلك الغاية في‮ ‬إبتكار سينما مختلفة لسينما مختلفة‮. ‬وغودار في‮ ‬كل هذا لا‮ ‬ينسى سكب قدر من الرهافة الشعرية فيما‮ ‬يقوم به‮ (‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬السنوات الخمس عشرة الأخيرة‮). ‬كل أفلام‮ ‬غودار في‮ ‬السنوات التي‮ ‬تلت‮ »‬ولادته الثانية‮« ‬تعبّر عن الرغبة في‮ ‬خلق سينما‮ ‬غير السينما‮. ‬لكن فيلمه المجزأ الى‭ ‬فصول بعنوان‮ »‬تاريخ السينما‮« ‬هو الذي‮ ‬يحتوي‮ ‬على الكثير المركز من آرائه في‮ ‬السينما وأي‮ ‬سينما هي‮ ‬التي‮ ‬يتبنّاها‮. ‬واحداً‮ ‬من نقاط بحثه في‮ ‬ذلك الفيلم السخرية من القول أن ولادة السينما بدأت عام ‮٥٨٨١ ‬عندما أقدم الأخوان لوميير على إقامة أول عرض بيعت فيه التذاكر للجمهور‮. ‬عنده التاريخ بدأ قبل الحركة الصناعية ذاتها إذ تم التمهيد له بالحاجة الى التعبير عبر قنوات الإيصال المختلفة ومنها التصوير والتمثيل والكتابة‮.‬
غودار في‮ ‬ذات الوقت لا‮ ‬ينسى الخصائص التي‮ ‬تميّز السينما‮. ‬إنها الفن المصاحب الوحيد لما‮ ‬يحدث في‮ ‬العالم‮. ‬المسجل لروحه والامه وأفراحه وكل أحداثه‮. ‬إنها الروح الموازي‮ ‬لأرواحنا من حيث أن الفيلم الذي‮ ‬تم إنتاجه في‮ ٥٠٩١ ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬يستطيع سرد حالات وعادات وأفكار صُوّرت في‮ ‬حينها،‮ ‬بينما عليك‮ -‬في‮ ‬فعل الكتابة الروائية او في‮ ‬فعل العمل المسرحي‮- ‬العودة الى هناك في‮ ‬زيارة تنتهي‮ ‬ولا‮ ‬يمكن تكرارها الا بإنتاج جديد‮. ‬المسرحية لا‮ ‬يمكن لها أن تتكرر على المشاهدين بعد سنوات بنفس الطريقة وبنفس الممثلين وبنفس الوقت الذي‮ ‬حدثت فيه الا إذا ما تم تصويرها وعرض الفيلم لاحقاً‮.‬
التاريخ كان دائما مهماً‮ ‬عند‮ ‬غودار لكنه منذ‮ »‬تاريخ السينما‮« (‬وكلمة‮ ‬HISTOIRE‮ ‬الفرنسية تعني‮ »‬تاريخ‮« ‬وتعني‮ »‬قصة والمرء عليه توخي‮ ‬القراءة التي‮ ‬يعتقد إنها الأكثر تناسباً‮ ‬فكلاهما ملائم في‮ ‬فيلم‮ ‬غودار‮) ‬وهو‮ ‬يركّز أكثر على أهمية التاريخ وتوغله في‮ ‬حياتنا الى اليوم‮. [‬يقول‮: »‬إنتاج أفلام اليوم لا‮ ‬يعني‮ ‬سوى دراسة المتغيرات التي‮ ‬حققتها السينما من لومير وأيزنستاين الى الزمن الراهن،‮ ‬ودراستها فعليا بصنع أفلام حول العالم اليوم‮«]. ‬لذلك فإن فيلمه‮ »‬للأبد،‮ ‬موتزار‮« (٦٩٩١) ‬ليس رأيا في‮ ‬موتزار‮ (‬ولو أنه رأي‮ ‬وارد‮) ‬بل في‮ ‬الحرب في‮ ‬ساراييفو‮. ‬ومرة أخرى،‮ ‬ليس عن طريق الإكتفاء بقصة تقع أحداثها هناك،‮ ‬بل عن طريق بحث كل الظروف المؤدية الى ما حدث هناك وكل الظروف الناتجة من هناك‮.‬
في‮ »‬موسيقانا‮« ‬يطرح القضية الفلسطينية موجزة وناصعة من دون أن‮ ‬يتخلى عن التاريخ جنباً‮ ‬الى جنب الموقف السياسي‮. ‬
إنه من المهم ملاحظة أن قراءة‮ ‬غودار من أفلامه تتطلب إلماماً‮ ‬به قبل الإقدام على مشاهدتها‮. ‬الكثير من حسنات فيلم‮ ‬ينجزه لن تبدو كذلك الا بمثل ذلك الإلمام،‮ ‬وهو إلمام‮ ‬يتجاوز ما‮ ‬يرصفه هواة الكتابة السياسية التي‮ ‬يجدون من السهل بمكان كبير التشريح وإلقاء النظريات من دون البحث في‮ ‬التفاصيل الفنية التي‮ ‬لولاها لما عنت تلك النظريات شيئا حتى من‮ ‬غودار نفسه‮.‬



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda © 2008