Dec 6, 2008

ISSUE 370 | ّIndependant Cinema |Early Russian Cinema | دخان بلا نار لسمير حبشي

التحديث المقبل مساء اليوم إن شاء الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

COVER STORY



مع الشكر للسيدة غادة الصالح


في هذا العدد

أوراق ناقد | محمد رُضا
نبذة عن جمعية مراسلي هوليوود الأجانب بمناسبة إقتراب
ترشيحات الغولدن غلوب٠
------------------------------------------
السينما المستقلّة | إبراهيم البطّوط
في حلقته الثانية يواصل المخرج إبراهيم البطّوط بحث وضع
السينما المستقلة وما تعيشه حالياً من ظروف
------------------------------------------
نقد | نديم جرجورة
الناقد اللبناني يكتب عن »دخان بلا نار« ثاني أفلام المخرج
سمير حبشي ويرى فيه محاولة لطرح عناوين إنسانية كثيرة٠
------------------------------------------
تاريخ | محمد رُضا عن السنوات الأولى بعد الثورة
بصرف النظر عن الرأي السياسي، فإن السنوات من 1917
الى نهاية العقد الثاني من القرن التاسع عشر كان مخاضاً لما هو
أهم من مجرد أفلام بروباغاندا .... كانت الفترة التي وُلد فيها المونتاج





HFPA أوراق ناقد | الـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Hollywood Foreign Press Association
التي توزع جوائز الغولدن غلوب كل عام هي واحدة من ثلاث جمعيات نقدية وصحافية منتم إليها تشكّل حلقات إحتراف بالنسبة لي٠
انضممت الى الجمعية المذكورة المؤلّفة من نقاد وصحافيين سينمائيين يكتبون في نحو 25 لغة ويمثّلون 82 دولة قبل سبع سنوات. يومها كان مضى عليّ ثلاث سنوات في هوليوود حين اتصل بي شخص لا أعرفه وسألني إذا ما كنت أوافق على ضمّي بعدما راجعت الجمعية كتاباتي في مؤسسة رابعة أسمها
Motion Picture Association of America
التي من دون الإنتساب إليها لن تجد من يعرض عليك دخول حفلة عرض خاصّة لفيلم او أن يرسل لك أسطوانة تحمل معلومات وصور الفيلم٠
كان هناك ترددّا من قبل عدد كبير من الأعضاء وممانعة من قبل البعض (بمن فيهم الرئيس آنذاك) وقبول لدى فريق ثالث بعدما بعثت بطلب التحاقي بالجمعية٠ لكي تقدّم الطلب عليك أن تتمتّع بعضوين يعرفانك ويكفلانك وقد تطوّع للغاية صحافي كندي وصحافية سينمائية كنت أقرأ لها في مجلة
Screen International
منذ عشرين سنة او نحوها٠
على ذلك، قام أربعة أعضاء على الأقل، بالهجوم المركّز لمنع انضمام واحد أسمه الأول محمّد وهويّته القومية عربي. وأحد هؤلاء هو رئيس الجمعية بنفسه والثاني مندوبة لمجلة اسرائيلية. الأول قال: من يعرف؟ ربما هو إرهابي. الثانية قالت: لقد اتصلت بشركات السينما ولا أحد سمع به (وهي كذبة كوني نسجت من السبعينات علاقة مهنية مع تلك الشركات)٠
حين التصويت، الذي لا يسمح لي بحضوره، وكما أعلمني البعض لاحقاً فزت بفارق صوت واحد٠ وقف الى جانبي معسكر الشخص الذي اتصل بي (وهو أميركي) وثلاث أميركيين من أصل مصري وبنغلاديشي ونحو 38 فرد آخر من ديانات مختلفة (بينهم اليهودي والمسيحي) وقوميات متعددة (أميركي، ايطالي، بريطاني، هندي، كندي، روماني، يوناني، صربي، الخ....) ما أدّى الى دخولي عرين الأسد وانضمامي الى جمعية وزّعت جوائز الغولدن غلوب أول مرّة قبل نحو خمسين سنة٠
حين حضرت اجتماع القبول قلت على المنصّة: "أعلم أن فريقاً منكم يتمنّى لو لم أكن هنا. لا أستطيع أن أطلب من أحد في العالم أن يحبّني إذا لم يرد، لكني أحترمكم جميعاً وأستطيع بالتالي أن أطلب منكم جميعاً احترامي"٠ الآن معظم أعداء الأمس أصدقاء ومن بقي ملتزماً موقفه يبتسم لي كاذباً أنا أعرف ذلك وهو يعرف إني أعرف ذلك٠ لكن لا يهم٠ إنه جسد صحافي سينمائي متين في هوليوود يسعدني كثيراً أن أكون أحد أعضائه ولو أنني تغيّبت كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة بسبب أعمالي في هذا الجزء من العالم٠

كل عام في مثل هذه الأيام نقوم بمسح شامل لكل الأفلام الأميركية والعالمية التي تم عرضها في الولايات المتحدة ولو لنا وحدنا أحياناً (على عكس شروط الأوسكار لا ضرورة للعرض التجاري) خلال عام واحد لنختار الأفلام والشخصيات في المجالين السينمائي والتلفزيوني (وأقوم بالتلفزيوني فقط احتراماً للجمعية وليس للتلفزيون)٠
وتنقسم المسابقات الى التالي

مسابقة الأفلام الروائية - دراما
مسابقة الأفلام الروائية- كوميدية او موسيقية
مسابقة الأفلام الأجنبية
مسابقة أفلام الأنيماشن
مسابقة التمثيل النسائي الأول- دراما
مسابقة التمثيل الرجالي الأول- دراما
مسابقة التمثيل النسائي الأول- كوميدي او موسيقي
مسابقة التمثيل الرجالي الأول- كوميدي او موسيقي
مسابقة الممثلات المساندات (عام)٠
مسابقة الممثلون المساندون (عام)٠
مسابقة افضل إخراج
مسابقة أفضل سيناريو
مسابقة أفضل أغنية
مسابقة أفضل موسيقى
مسابقة أفضل فيلم طويل انتاج تلفزيوني

ثم تتوالى باقي السباقات التلفزيونية وأنواعها في التمثيل والبرامج والأغاني الخ... ولا تستطيع أن تختلق إذا كنت أمينا لنفسك. الأفضل ترك ما لا تستطيع الحكم فيه شاغراً، وهكذا فعلت في بعض الجوانب التلفزيونية إذ لم أتمكّن من مشاهدة ما يكفي لكي أحكم عليها٠
هناك الكثير مما يمكن لنا، كعرب، الاستفادة منه في مجالات كثيرة الجمعية ونظامها وجوائزها هي مجال واحد فقط٠ هناك جمعيات نقدية يمكن أن تُنشأ وجوائز بان- عربية يمكن أن توزّع وسبل إحياء فعلية للعلاقة بين السينما والنقاد والسينما والصحافة بشكل عام٠ ما يمنعها هو التشرذم الموجود أصلاً بين الأفراد ثم بين الدول العربية. هذا التشرذم يجعل من أي محاولة في هذا الصدد أمراً مكتوب عليه بالفشل لأنه يتحوّل سريعاً الى شللية يجتمع من فيها على السُلطة وليس خدمة السينما والإعلام بحرية واستقلالية وحرفية كما في الغرب٠ لو أنشر المراسلات بيني وبين الجمعيات الثلاث التي انتمي اليها لهالكم مدى التنظيم والفاعلية التي يتحرك فيها كل اتحاد او جمعية٠ العقل العلمي بعيد عنّا مسافات شاسعة والموقف النقدي الجيّد دائماً فردي والمسؤولون في عدد كبير من النظم العربية يريدونه كذلك٠ تصوّر لو كان الحال أفضل أين سيصبحون
٠



في السينما المستقلّة: أفكار حول شخصيّتها وشروطها

-2-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: إبراهيم البطّوط٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء الثاني من سلسلة مقالات يكتبها المخرج المعروف حول السينما المستقلة. يتناول هنا تجربته السابقة كما يتناول ظروف السوق٠ م.ر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتيت من خلفية وثائقية حيث اعتدت على أن أنجز عملي فأسلّم الفيلم وأعود الى بيتي حيث أشاهده على التلفزيون وبعد يومين أتصل بالمحطة التي عرضته وأسألها عن عدد المشاهدين٠ نهاية القصّة٠
عندما بدأت أخرج أفلاماً روائية مشتقلة، اتبعت الخطوات ذاتها، وبنجاح كامل باستثناء أن عدد المشاهدين كان قليلاً.... لم يأت أحداً، الا القلّة

الفيلم الذي استغرق تسعة أشهر لكي يُنجز شهد 4000 متفرّج في فترة عامين ما بين نيسان/ أبريل 2005 ونيسان/ أبريل 2007 ودعوني أقول لكم أنني جهدت كثيراً في سبيل عرضه وترويجه٠
نتيجة الكلام: لا مشاهدين٠
لماذا؟
ربما لأن الفيلم زبالة
ربما لأنه لا يحتوي على نجوم
ربما لأنه يتحدّث لغة سينمائية مختلفة
ربما لأنه لم يحظى بحملة إعلامية كافية
ربما لأن المشاهدين متعبين
ربما لأنه فيلم تم بلا ميزانية٠

استطيع أن أستمر في تعداد الأسباب الى ما لا نهاية وأعتقد أن السبب (في إخفاقه) هو كل ما سبق قوله بالإضافة الى
نحن نسير في أرض عذراء٠
نحن الأول الذي نقدم على ما نقدم عليه٠ نأخذ وقتنا للتفكير بآخر عبارة. الأول الذين يستخدمون كاميرا دجيتال صغيرة. الأول في توليف الفيلم وصولاً الى نسخة نهائية محترفة. الأول لتوفير الفيلم على الإنترنت. الأول للمطالبة بإلغاء الرقابة والأول في السعي لصنع أفلام بلا ميزانية٠
لذلك، نحن نكتشف قوانين اللعبة ونصنعها ولن نجد إجابات جاهزة. لا فورميلات جاهزة. كثيرون منا سيحاولون وسيحاولون. بعضهم سينجح وأقل منهم من سيبقى في اللعبة٠

أريد أن يقفز عدد المشاهدين من أربعة آلاف الى أربعة ملايين وسوف يبلغون هذا الرقم طالما نواصل العمل كل يوم. طالما نصر على أن نصنع أفلامنا بصرف النظر عما نملكه من أدوات وطالما نكسب قوتنا بعمل أشياء أخرى حتى يبقى صنع الفيلم أمر للمتعة٠

أتحدث هنا عن الإلتزام الشخصي في أن أتغيّر في أي وقت اقتنع فيه بذلك. أؤمن أن الفيلم هو منتوج.... سواء أكان أدني شكل تجاري او أعلى شكل فني وروحي٠ الفيلم يبقى منتوجاً. منتوج يبقى عرضة لقيم وظروف السوق كأي منتوج آخر٠
ما هو إيجابي هو إنه إذا ما كان السوق من النوع الذي نستطيع فيه جميعاً المنافسة بإنتاجاتنا المختلفة ، وإذا ما كان جمهورنا، او زبائننا، هم من يقرروا أي فيلم يريدون أن يدفعوا ثمن تذكرته. ما هو سلبي هو أن ما سبق صحيح، لكن ليس حيث نعيش٠

يتبع


FILM REVIEWS

دخان بلا نار لسمير حبشي (لبنان)٠
بيروت- نديم جرجورة


جمع سمير حبشي، في فيلمه الروائي الطويل الثاني »دخان بلا نار«، عدداً من العناوين الإنسانية والسياسية والاجتماعية، مغلّفاً إياها بشكل سينمائي جميل: تحدّث عن القمع (السياسي/ الإيديولوجي/ الأمني)، متوغّلاً في الحدّ الفاصل بين الوهم والواقع. التقط شيئاً من العلاقة العاطفية، غارقاً في متاهة العيش في بؤرة توتّر دائم ومتنوّع. صَوَّر عادات مسرفة في صرامتها، معايناً بيئة حيّة وعالماً حقيقياً يواجهان القدر والتحدّيات بعنف وعنفوان، في آن واحد. قدّم شيئاً من وجع الفرد في مواجهة القهر، مستخدماً تصويراً لامعاً في نبش الآثار الحادّة للعنف (السياسي/ الأمني/ الاجتماعي)، المرسومة على الجسد والروح والسلوك والبيئة٠
في هذا كلّه، قال حبشي رأياً في السياسة، من دون أن يُنجز فيلماً سياسياً ساذجاً. عبّر عن موقف إزاء تحوّل أصاب البلد وناسه، من دون أن يغرق كثيراً في الخطاب والمباشرة٠
اعتمد لعبة خطرة في الكتابة والتنفيذ، متمثّلة بغياب الحدّ الفاصل بين المتخيّل والحقيقي، كي يرسم صورة حسّية عن سياسة التلاعب ٠(الإعلامي/السياسي/الثقافي) بكل شيء، في لبنان والعالم العربي والغرب أيضا٠

هذا، باختصار شديد، رأي ذاتيّ كوَّنته مشاهدة »دخان بلا نار«، الذي أعاد سمير حبشي إلى السينما، بعد خمسة عشر عاماً (تقريباً) على إنجاز فيلمه الروائي الطويل الأول، »الإعصار«. خمسة عشر عاماً أمضاها في تحقيق أعمال تلفزيونية متفرّقة، من دون أن يتخلّى، كلّياً، عن الكتابة السينمائية، إذ إن مشروعه هذا، »دخان بلا نار«، أو »بيروت، مدينة مفتوحة« بحسب العنوان الإنكليزي، تطلّب منه اشتغالاً دؤوباً لمدّة لا تقلّ عن عشرة أعوام. غير أن هناك اختلافاً واضحاً بين الفيلمين: ذلك أن »الإعصار« مال إلى نسق أكثر التباساً في معاينته ألم الذاكرة الفردية، الناشئة من عمق الحرب الأهلية اللبنانية، وتداعياتها المتفرّقة على الفرد وجسده وروحه وتواصله مع ذاته وبيئته. في حين أن »دخان بلا نار« خرج من الالتباس الشاعريّ والوجوديّ والإنساني، إلى مناخ أكثر واقعية، على الرغم من براعته في صوغ التباس من نوع آخر: أين نعيش؟ كيف نعيش؟ ما هي مفردات العيش اليومي التي تُقرّر مصيراً أو سلوكاً أو نمطاً فكرياً/ حياتياً؟ في »دخان بلا نار«، سقط الحدّ الفاصل بين التناقضات المنصهرة، كلّها، في بيئة ضائعة وسط نزاعات عدّة؛ في حين أن »الإعصار« حافظ على لغة حادّة في غموضها وتشكّل مقوّماتها، المنبثقة من عمق الجرح الذاتيّ وانسداد أفق الانعتاق من قسوة القدر. لكن، ألا يُمكن القول، هنا، إن تشابهاً عاماً يجمع الفيلمين، من دون تناسي التطوّر الإبداعي الذي أدركه »دخان بلا نار«، على الرغم من الملاحظات النقدية المُساقة إزاءه؟
لا يخلو الرأي الذاتيّ من ملاحظات نقدية: ففي مقابل الحبكة الدرامية المبنية على لعبة التناقض الفظّ بين المتخيّل/ الوهم والواقع، هناك أداء عاديّ أو أقلّ من عاديّ، لمجموعة من الممثلين اللبنانيين (رودني الحداد، ديامون بو عبّود وسيرين عبد النور تحديداً)، إلى جانب ممثل مصري (خالد النبوي) لا يملك كاريزما تمثيلية، أو ثقل درامي، أو حضور مؤثّر على الشاشة الكبيرة وفي شبّاك التذاكر (إذا أراد البعض التوقّف عند الجانب التجاري البحت في صناعة فيلم سينمائي). وفي مقابل سلاسة السيناريو والمعالجة الدرامية للحبكة نفسها، هناك موسيقى (جمال أبو الحسن) لم ترتقَ إلى المستوى الإبداعي الملائم للنصّ السينمائي. وفي مقابل جمال واضح في التصوير الاحترافيّ والمتطوّر (ميلاد طوق)، هناك مشاهد طويلة يُمكن الاشتغال عليها مجدّداً، فيتمّ تقليص بعضها أو حذف بعضها الآخر، من دون تناسي براعة التوليف، غالباً، في شحن النصّ والسياق والصورة بمادة فنية جميلة ومهمّة.

إنها إحدى أبرز المشكلات التي تعانيها صناعة الأفلام اللبنانية: غياب ممثل سينمائي حقيقي، يتحرّر من سطوة الأداء المسرحي والنجومية التلفزيونية. فعلى الرغم من أداء لافت للانتباه لرودني الحداد (مثّل في »البوسطة« لفيليب عرقتنجي، وشارك في كتابة سيناريو »سكّر بنات« لندين لبكي)، وهو حضور محتاجٌ إلى مزيد من الصقل السينمائي، لتخفيف توتّر لا تحتاجه الشخصية دائماً؛ وباستثناء الحضور الجميل لفهمان (أثبت، في مشاركاته العابرة في عدد من الأفلام اللبنانية، أنه قادرٌ على احتراف أداء سينمائي مرتكز على إدارة إبداعية من المخرج، كحضوره في »بيروت الغربية« لزياد الدويري و»البوسطة« لعرقتنجي و»بيروت بعد الحلاقة« لهاني طمبا، من بين أفلام أخرى)؛ إلاّ أن الممثلين الآخرين ظلّوا على أداء عاديّ، من دون بلوغ مرتبة احترافية جادّة.
أما القصّة، فبسيطة: مخرج سينمائي عربي، بلكنة مصرية (النبوي)، يسعى إلى إنجاز فيلم عن القمع في العالم العربي، فيختار بيروت مقرّاً له، لكونها أكثر العواصم العربية تحرّراً. غير أن الواقع اللبناني، منذ النهاية المزعومة للحرب الأهلية في مطلع التسعينيات الفائتة، غرق في وحول القمع واحتدام الصراع الداخلي والانهيارات المختلفة، ما جعل كتابته السيناريو تضيع وسط متاهة العيش في عمق التداخل العنيف بين الوهم والحقيقة، أو بين المتخيّل والواقع. هناك سطوة رجال الأمن التابعين لسفارة دولة عظمى، وإرهاصات زمن الوصاية السورية، وعالم العشائر اللبنانية التقليدية، وقصص حب وغيرة وتلاعب إعلاميّ بحقائق الأمور، تداخلت كلّها في سياق دراميّ مسرف في التباساته الإنسانية والفنية، جاعلة النصّ السينمائيّ صورة حيّة عن وقائع العيش في عالم ما بعد الحادي عشر من أيلول. لم ينجُ الاختفاء وراء مقولة »دولة عظمى«، من إدراك المشاهد أنها الولايات المتحدّة الأميركية، في حين أن التلميح إلى زمن مضى، واضحٌ في دلالته (في جينيريك البداية على الأقلّ)، معناه انتقاد زمن الوصاية السورية وآثاره السلبية الحادّة (بل العنيفة جداً) على البلد وناسه. مع هذا، حافظ سمير حبشي على مسافة واضحة من الافتعال السياسي المباشر، لأنه انتبه إلى كونه مخرجاً سينمائياً، فأنجز فيلماً سينمائياً قبل الإسقاطات النقدية والتنظيرية كلّها.



تاريخ | السينما الروسية مباشرة بعد الثورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف غيّرت السينما الروسيّة، بعد الثورة الشيوعية، وجهها؟ لماذا اعتمدت السُلطات السينما
كبوق دعائي؟ ولماذا اعتبرت أفلام ايزنشتين وسواه، تلك التي روّجت للثورة، أفلاماً فنية؟
محمد رُضا يبحث ويجيب٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المدرعة بوتمكين لسيرغي ايزنشتاين

حسب تحقيق لكاتب أسمه فرنسيس بان نشره في مجلة
Films in Review
الأميركية سنة 1977 فإن ظهور فيلم »بوتمكين« لسيرغي أيزنشتاين كان تأكيداً على أن الثورة في روسيا ضمّت الى جانبها الفنون كما البني السياسية والإجتماعية٠ وهذا قول ليس من السهل نقضه لأسباب تتعلّق بالرغبة التي صاحبت زعماء الثورة الشيوعية حينذاك بتوظيف كافّة الفنون لخدمة المبدأ السياسي والإقتصادي الذي نادت به الثورة حين قلبت نظام القيصر والحكومة البولشيفية السابقة٠ ما كان النظام يهدف إليه منذ البداية هو تقويض لا النظام الرأسمالي والطبقي الخ... فقط، بل تقويض الحريات العامّة والثقافات الصغيرة في أوطانها لتشييد ثقافة واحدة أممية٠ لاحقاً في الستينات والسبعينات بدى واضحاً أن المجال غير متاح حتى بعد خمسين سنة على إنتشار السينما التابعة للنظام، لتناول ثقافة أرمنية او شيشينية او جيورجية او سواها٠
بالنسبة للينين السينما كانت الأكثر أهمية بين كل الفنون. لكن كذلك بالنسبة لداريل ف. زانوك او صامويل غولدوين او جاك وورنر ولو من ناحية مناقضة تماماً. ما يفرّق بين الإثنين أن الأول أرادها تمريراً لسياسات الثورة والآخرون أرادوها مصدراً للثروة الفردية ٠
مهما يكن فإن النزعة لتسييس السينما وجعلها مادة التثقيف الأولى لترويج النظام الجديد لم تتأخر كثيراً عن الثورة ذاتها. في السابع عشر من تشرين الأول/ نوفمبر سنة 1917 استلم لينين القيادة. في التاسع عشر من الشهر نفسه في ذات العام تم إنشاء أول مجلس رسمي للسينما (كان أسمه
Kionpodotel
وترأست المجلس ناديجا كروبسكايا التي لم تكن سوى زوجة لينين نفسه. والإجتماع الأول للمجلس تم بعد شهر واحد من التأسيس حيث تم بحث الوضع الحالي بالنسبة لتوفّر المعدّات وطواقم العمل وعدد الصالات العاملة وما هو متوفّر منها لتجييشه لخدمة الثورة. هذا أثار حفيظة اتحاد عمال صناعة السينما الذي عارض تدخل الدولة وهذه واجهت الحركة بالتأكيد على أن تدخّلها لن يكون مباشراً، لكنه سيكون ضروريا. لكن التدخل كان مباشراً إذ تم اصدار عدّة قرارات تصادر فيها الحريّات التي كانت تتمتّع بها مرافق السينما وميادينها من انتاجات وعروض٠
طبعاً أي بلد يمر بمخاض كهذا وينوي الإنتقال من نظام منفتح الى نظام منضبط سيتعرّض لمخاضات في كل الشؤون وسيبدو، خصوصاً من زاوية الحاضر، فوضوياً. لكن الأسس كانت موجودة والدولة كانت تعلم ماذا تريد أن تفعل وهي فعلته٠
الفيلم الأول الذي تم إنتاجه من قِبل »لجنة موسكو السينمائية«، التي انبثقت عن ذلك المجلس كان
Signal
للمخرج ألكسندر أركاتوڤ، وذلك بإجماع المصادر التاريخية. وأركاتوڤ (وفي بعض المصادر أركالوڤ) سنة 1918 وهو مخرج حقق في حياته عدداً قليلاً من الأفلام ولا أستند في ذلك الى تعداد موقع
IMDbpro
لكونه لا يشمل كل النتاجات الأجنبية للعديد من الشخصيات الغارقة، مثل أركاتوڤ، في القدم او في المحليّة. مهما يكن فيلمه كان قيادياً لمجموعة ما خرج بعد ذلك من أفلام موجّهة٠ هذا في الوقت الذي تم إنشاء »قطارات أفلام« لكي تجوب المناطق البعيدة عن المدن الكبرى لنشر التعاليم الجديدة سينمائياً. والمناطق التي تقع على شواطيء نهر الفولغا والكاما فقد تم بناء قوارب فيه العدّة اللازمة للعمل ذاته٠ وأكثر من مصدر يؤكد أن النجاح كان حليف هذه الخطّة إذ تم توظيف السينما لنشر الثقافة الجديدة. وكان بعض تلك الأفلام تعود الى موسكو لكي تتم مراقبتها وتصحيحها لضمان تأديتها رسالتها كما يجب٠
أحد المسؤولين في ذلك الموقع كان دنيس كوفمان. ذات مرّة سألت الناقد الروسي سيرغي راكين عمّا يكون دنيس كوفمان هذا فأجاب أنه يعتقد إنه هو ذاته المخرج الذائع الصيت دزيغا ڤرتوف. لم يكن واثقاً حين سألته لكنه عاد إليّ بعد نحو أسبوعين ليقول له أنه بات متأكداً أنه غيّر أسمه وأن كوفمان هو واحد٠ طبعاً ڤرتوف من بين أهم السينمائيين الطليعيين الروس في تلك الحقبة والى اليوم تبرهن أعماله عن مهارة في توظيف الواقع والتعبير عنه والدعوة الخطابية التي فيه، لكن -سألت راكين- لماذا غيّر أسمه، وكان تفسير راكين الوحيد هو لأن العديد من المثقّفين اليهود كانوا يهابون التمييز فتخلّوا عن أسمائهم التي تنعتهم واتخذوا أسماء لا لون لها٠

قد يكون ذلك تفسيراً غير صحيح، لكن راكين يهودي وكان يقول أن السبب في أن والده لم يستطع الإنتقال من صف ضابط الي صف أعلى في القوّات السوڤييتية يعود الى أنه كان يهودياً٠
في تلك الآونة، العقد الأول من العام، بدأ تركيز السينمائيين على المونتاج كوسيلة لبث الوعي٠ بصرف النظر عن الأيديولوجيا، فإن التأثير الناتج عن اكتشاف كيف يمكن للقطة معيّنة، لنقل رجل ينظر أمامه، أن تعني ما لم يكن يعنيه المخرج حين التقط اللقطة٠ للتفسير: هذا الرجل في مكان ما ينظر الى بركة ماء٠ في الفيلم الأول ستشاهد لقطة لبركة الماء. المخرج الثوري سيقطع لقطة الرجل من فحواها ويستبعد لقطة البركة وعوض البركة سيضع لقطة لأم فقيرة تبحث عن رغيف خبز. تبعاً لذلك فإن المشاهِد سيفهم أن الرجل إنما ينظر الى ما تعانيه المرأة المعوزّة متعاطفاً. عليه سيتعاطف المشاهدون وبذلك يكون تم تأليف ردّة الفعل المطلوبة التي تريد إنتقاد النظام السابق الذي ترك الفقراء يتضورون جوعاً٠
بناءاً على هذا الأساس ابتكر سيرغي ايزنشتاين نظريّته ومراقبة »بوتمكين« وحده بين كل الأفلام تعطيناً ذخيرة من النماذج المشابهة٠ بناء الفيلم عن ايزنشتاين، أكثر من سواه، هو تراكمي الوجهة. لقطات يتم مونتاجها على النحو الذي يؤدي الى تجسيد الرسالة التي في بال المخرج المنضوي تحت لواء الأيديولوجيا٠ لكن فنيّة هذا المونتاج لا غُبار عليها. إنها الأساس التي بنى عليه المخرج الأميركي و.د. غريفيث سينماه في الولايات المتحدة، ولو لحساب ايديولوجيا مختلفة تماماً٠

في العقد الأول من القرن العشرين سادت السينما التسجيلية (بقرار لينيني آخر مفاده أن »ثلاثة أرباع العمل السينمائي يجب أن يكون واقعيا«- كما قال)، لكن حين خرج »بوتمكين« سنة 1925 كان الوضع بدأ يتغيّر لصالح التنويع. ونحن نجد هذا التنويع في هذا الفيلم: أسلوب المخرج سيرغي ايزنشتاين هو تسجيلي حتى مع استخدام مشاهد مؤلّفة للسينما تسهم في جعل العمل يميل أيضاً للحكاية٠
كل شيء في السنوات الثلاث الأخيرة من العقد الأول وطوال العشرينات كان مجيّش لخدمة الثورة، بما في ذلك توفير الأفلام الثورية للأطفال والأولاد حتى يمكن تدجينهم (وعليّ أن أقول هنا أن أي فاشية يمينية او يسارية كان يمكن لها أن تفعل ذلك ويحلو لبعضها أن تفعل حتى اليوم طمعاً في البقاء). الكاتب مكسيم غوركي، حسب بعض الروايات، حاول إقناع المسؤولين آنذاك باستخدام السينما لسرد تاريخ الإنسان من العصر الحجري الى الحاضر، لكن القيادة السياسية لم تأخذ بهذا المشروع بسبب حجمه ومتطلّباته التي لم تكن مستعدة لها. هناك مشاريع أخرى تم رفضها من بينها تحويل رواية »الأخوة كارامازوف« لكن هذه المشاريع لم تنجح بالمرور في فلتر السُلطة واعتبرت »غير ناضجة«
٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular