Dec 5, 2008

ISSUE 369 | MOVIE MAG. | NANTES FILM FEST. | MERRAKESH FILM FEST | WAR MOVIES

أعزائي الأصدقاء
1
الإشتراك في الإحصاء حول رأيكم في الإستكتابات ضروري جداً . أرجو
المساهمة
2
جديد الزوايا: لديك بريد عن فيلم محمد ملص الذي لن يُعرض


COVER STORY
من أعمال ناجي العلي



في هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوراق ناقد| محمد رُضا اكتشاف مجلّة قديمة كلّفه 100 دولار
في ذات يوم لندني قريب وجدت مجلة سينمائية من الستينات لم أعرفها سابقاً. الفضول مكلف
--------------------------------------------------
السينما المستقلة | إبراهيم البطوط يكتب عن اشكالاتها
المخرج المستقل إبراهيم البطّوط هو أفضل من يتحدث عن السينما المستقلة في مصر... كيانها وشروطها وآفاقها
--------------------------------------------------
مهرجانات 1 | هوڤيك حبشيان يكتب عن »نانت«٠
ويكتشف أن الأمور ليست على ما يرام عند القمّة. من هو المدير الجديد وماذا سيحدث للأخوين جالادو، وهل سنشهد تغييرات جذرية في العام المقبل؟
--------------------------------------------------
مهرجانات 2 | بسنت حسن عادت من مهرجان مراكش
السينمائي الدولي بتحقيق عام يمسح نشاطات وأفلام المهرجان من البداية الى النهاية٠
------------------------------------
تحقيق | محمد رُضا السماء تمطر والأرض تبكي
السينما الحربية على ثلاثة أنواع: مع وضد وثالثة تطلب منك أن تقرر بنفسك٠






أوراق ناقد | مجلة سينما قديمة أخرى٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في لندن دخلت محلاً في حي سوهو يبيع المجلات والصور القديمة. كان لدي وقت أضيّعه، رغم أنه لا يوجد وقت يضيع، فكله محسوب٠ المهم أني نزلت الطابق السفلي ووجدت صاحب المكتبة يحمل صندوقاً من مجلات السينما وصله للتو وبدا غير قادر على التعامل معه لحجمه وثقله. تطوّعت وساعدته فشكرني وبدأت جولتي في مكتبته العامرة بمجلات من الأربعينات وما بعد. وكلما مضى المرء عميقاً في التاريخ كلما ارتفع السعر. نتحدّث عن مجلة بخمسين دولار وأخرى بأربعين دولار للعدد الواحد٠
وجدت أن المجموعة التي ساعدته في حملها تعود الى مجلة كنت أتابعها وتوقّفت أسمها
Photoplay
لكن الأعداد المتوفّرة هي ذاتها التي لا زلت احتفظ بها. كانت مجلة متوسّطة الخفّة (او متوسّطة الثقل- كما تريد) مثلما »برميير« الفرنسية و» إمباير« البريطانية و»غود نيوز سينما« المصرية لكنها كانت من بين الأقدم في تاريخ المهنة لم تتجاوزها في القدم واستمرارية الصدور سوى
Film Illustrated
التي لا تزال تصدر الى اليوم والتي توازيها في محاولتها إمساك العصا من الوسط٠
بينما هناك لفت نظري مجلة لم أرها من قبل او أسمع بها أسمها
Continental Film Review
كانت تصدر في الستينات وكانت الأعداد المتوفّرة كثيرة وكل عدد منها مغلّف بالسوليفان لكي لا يفتحه الفضولي مثلي ويقرر لاحقاً أن لا يشتريه. وكان سعر العدد الواحد خمسة عشر جنيها (أي نحو 25 دولار). ميزانيّتي -قررت- تسمح لي بشراء أربعة أعداد لا أكثر. اخترت الأعداد الخمسة بناءاً على أغلفتها وتقدّمت من المحاسب. شاهدني صاحب المحل وهمس شيئاً فخصم المحاسب ثلاثة جنيهات من سعر كل عدد ... نوع من رد الجميل او تأكيداً للمقولة: أعمل خيراً كل يوم٠

لم ابتعد كثيراً عن المكتبة -وأنا في طريقي لمحل دي ڤي دي لا يبعد كثيراً- قبل أن أفتح الأعداد واحداً تلو الآخر٠ مجلة متوسّطة الحجم وإخبارية المنهج ولو أن أخبارها غالباً ما تدور حول الفيلم الأخير لإنغمار برغمن وكيف تم استقبال الفيلم الجديد لأنطونيوني ومقابلة مع الفرنسي روجيه ڤاديم وتحقيق حول الإنتاجات الإيطالية التي في التصوير٠
لا شيء لابد من احتوائه لكنها إضافة لمكتبة والحمد لله أنني لم أتورّط واشتري الأعداد (نحو سبعين) كلّها مستديناً بالطبع٠

مساءاً جلست في مقهى أكاديمية الفنون السينمائية والتلفزيونية (حيث يتم توزيع جوائز البافتا البريطانية) مع الصديق بيتر كارغن سكرتير »الإتحاد الدولي لنقاد السينما في لندن« ٠ سألني ما في الحقيبة ونحن نرتشف الشاي الإنكليزي فأخبرته بأمر هذه المجلة. فإذا به يقول: كنت رئيس تحريرها لفترة٠
وأخبرني أن المجلة في النصف الثاني من الستينات حاولت أن تجذب المزيد من القراء عبر نشر مقالات عن الأفلام الخلاعية فوق ما كانت تنشره من مقالات حول أسياد السينما الأوروبية٠ بذلك، حسبت، هي المجلة الوحيدة التي نشرت هذين النوعين من الكتابات جنباً الى جنب٠


في السينما المستقلّة | أفكار حول شخصيّتها وشروطها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: إبراهيم البطّوط٠

سبق أن نشرت الموضوع التالي، قبل عدّة أشهر كمقدّمة
لدراسة كتبها المخرج الصديق ابراهيم البطّوط خصيصاً
لمجلة »ظلال وأشباح«، لكني في اليوم التالي لم أستطــع
العودة الى باقي المقال. ضاع كما لو لم يكن. وخجلت أن
أعترف للصديق بذلك وقبلت بالخسارة. قبل أيام فقط وجدت
أمامي السلسلة من دون تمهيد. هذه المرّة أعرف أين كنت
حفظتها حتى لا أضيعها ... ونسيت. معتذراً، أعيد نشر
الحلقة الأولى وباقي الحلقات سترد تباعاً٠
ما سيطـرحه مخرج »إيثاكي« و»عين شمس« في الأيام
المقبلة مثير جداً للإهتمام لأن الحديث عن السينما أمر
بات يتردد في دول عربية عرفت الأفلام من سنوات بعيدة
جدّاً (مثل مصـر والمغـرب مثلاً) وأخرى لا زالت في مطلع
عهدها بالسينما (الدول الخليجية عموماً). وأحد الاسئلة
هو ماهـية الفيلم المستقل ومواصفاته٠
هل أي فيلم فـني او أي فيلم صغير هو فيلم مستقل؟ مــن
بداية حديث، يدعـو المخرج إبراهيم البطّوط، القراء، سـواء
أكانوا هواة ام محـترفين للإشتراك في هذا النقاش الـذي
سيمتد، كما ذكرت عـلى عدّة حلقات. وأضـم صوتي الـــى
صوته في هذا الطلب٠
م.ر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماهو الفيلم المستقل؟
أبدأ هذه المساجلة لخاطر تدفئة الأمور حتى نستطيع جميعنا معاينة هذه المجموعة من الأهداف والأفكار٠
ومساهمتكم في هذا النقاش مهم جداً وضروري٠
عادة ما أسأل نفسي السؤال المطروح أعلاه لأنه ببساطة هذا هو الوصف الذي يصف به الآخرون هذه الأفلام التي نقوم بتحقيقها. يسمّونها مستقلّة٠
وأنا متأكد أننا جميعاً جئنا من خلفيات عمل مختلفة، لكننا متحدين على شيء بسيط واحد هو عاطفتنا لصنع الأفلام. أليس كذلك؟
كتعريف، الفيلم هو شكل من الفن الذي يوصل صانع الفيلم بالمشاهد لذلك، وحتى تصبح الدائرة متكاملة، نحتاج الى مخرج، فيلم ومتفرج (يُفضل أكثر من واحد) لكن السؤال طرح على مستويات عديدة منذ أكثر من مئة سنة والنتائج تنوّعت من بلد الى آخر ومن زمن الى زمن. وعبر المسيرة كان هناك أفلاماً مختلفة عن السائد، مغايرة للطبيعي لم تلحق بالموجة ولم تجذب إليها الحجم الكبير من المشاهدين، لكن هذه الأفلام بقيت علامات وبقيت مقطوعات نادرة من الفيلم... ببساطة بقيت. وسوف تستمر في البقاء للأبد٠
أوكي. أنا آتٍ لتفسير ما أقصده. تحمّل معي٠
لماذا حملت هذه الأفلام قيمة فنية كبيرة؟
أعتقد أن السبب يعود الى أن قرارات صنع هذه الأفلام تم تركها للفنانين الذين صنعوها. لم يقم أحد بالضغط عليهم ولم يخضعوا لمتطلبات السوق. كان صانعو هذه الأفلام، بالتالي، أحراراً لخلق ما شعروا أنه صحيح في اللحظة والمكان الذي كانوا فيه يخرجون هذه الأفلام. أفلامهم لم تكن أفلاما لكي تُستهلك. كانت مصنوعة لأن تبقى٠
لكن هذه الأفلام تكلّف كثيراً من المال وليست، إقتصادياً صالحة. هذا صحيح جداً حين تنظر اليها خارج نطاق الدور التي صنعت من أجله٠
الآن، ولأول مرة في التاريخ، وبسبب التقدم التكنولوجي الهائل أصبح صنع الأفلام أمر ممكن وغير مكلف على الإطلاق. نحن نشهد الآن لحظة مهمة جداً في حياتنا الحاضرة إذ نستطيع أن نصنع أفلاماً آعتقاداتنا الفنية والروحية والفلسفية والرجتماعية من دون الحاجة للإعتماد على ميزانيات كبيرة ومن دون تصنيف أعمالنا على أساس أنها إقتصادية غير مجدية٠
إذاً، وفي الأساس، الفيلم المستقل هو فيلم تعود فيه كل القرارات الى مخرجه وقيمه وما يؤمن به بصرف النظر عن صلاحية النتائج تجارياً او لا٠


مهرجانات | نانت - هوڤيك حبشيان
مهرجان «القارات الثلاث« في نانت أمام منعطف جديد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


"فيلما "الصين لا تزال بعيدة"، لمالك بن اسماعيل، الحائز جائزة لجنة التحكيم الخاصة و"لا يزالون يمشون لكوري - ايدا هيروكازو، الاكتشاف الأهم في المسابقة٠
ليس ثمة مهرجان آخر ارتبط اسمه باسم مؤسسه، مثلما ارتبط اسم "مهرجان القارات الثلاث" بالأخوين جالادو. ثلاثون عاماً من دون توقف وهما يجوبان العالم من بوينس ايريس الى كالكوتا، ليكتشفا سينماتوغرافات (يفضلان هذه الكلمة على كلمة سينما)، ساهما في ادخالها الى فرنسا، ومن هناك الى التراث العالمي، فالذاكرة السينيفيلية. في نهاية الستينات، كان الأخوان في منتصف الثلاثينات من عمرهما. شابان يافعان ونشيطان ومليئان بالفضول، يحلمان من مدينتهما نانت بأفلام تُصنع في بلدان نائية لم تكن آنذاك بعد على الخريطة السينمائية. أتكلم عن فترة ما بعد أيار 68 بقليل، التي أقحمت السياسة في قلب الحركة السينمائية. بيد أن "زواج المصلحة" بين السينما والسياسة لم يكن يلائم تطلعات الأخوين اللذين كانا يعتبران السينما قضية محض فنية. في مطلع السبعينات، تبددت تدريجياً النظرة الماركسية الى الفنّ السابع وتعززت مكانة المؤلف سيّداً للعمل السينمائي ومسؤولاً عنه. في ظلّ هذا التوجه، ساهم الاهتمام بالعالم الثالث الذي نشأ فجأة في تلك الحقبة في انخراط الأخوين بسينمات تلك البلدان، بعيداً من المفاهيم الاقتصادية والايديولوجية الحمقاء، مع التركيز الدائم على اللغة وأدوات التعبير٠
حتى عام 1979، تاريخ تأسيس "القارات الثلاث"، كان حضور السينمائيين الافريقيين والآسيويين والأميركيين اللاتينيين في فرنسا وأوروبا محدوداً. يتذكر الأخوان كيف عُتّم على فيلم "وداعاً برازيل" لكارلوس دييغيس في "مهرجان كانّ" عام 1978، اذ صادف عرضه مع "القيامة الآن" لفرنسيس كوبولا، الذي كان قد جذب الأنظار كلها. في المكان نفسه، وفي المرحلة نفسها، شاهدا "لاعبو الشطرنج" لساتياجيت راي، في ظروف محقّرة لقيمة السينمائي الهندي الكبير: في احدى الصالات الصغيرة لشارع انتيب (الشارع الموازي للكروازيت) وأمام حفنة من المشاهدين لا يتجاوز عددهم العشرة. منذ فترة كان راي قد سقط من حسابات كانّ الذي رفضت ادارته فيلمه التحفة "شارولاتا"، الأمر الذي جرح مخرج "صالون الموسيقى" في الصميم. "ما كان يمارسه المهرجان انذاك كان اقرب الى سياسة السفارات منه الى سياسة المؤلفين"، يقول الأخوان. من هذا الظلم ولد "مهرجان القارات الثلاث".

اكتشافات المهرجان: هيروكازو وتانغ وريفيرو
"لا يزالون يمشون" هو الاكتشاف الأعز على قلب السينيفيلية لهذه الدورة. انه الدراما الأقوى والأكثر تماسكاً على صعيد النصّ. علماً أن مخرجه الياباني كوري - ايدا هيروكازو مخضرم وعتيق نسبياً في المهنة، وقد باشر صناعة الأفلام بدءاً من عام 1995. سبق أن أنجز "مابوروسي" (عرض في موسترا البندقية) و"بعد الحياة" الذي وزع في أكثر من 30 دولة حول العالم، ونال جائزة "المنطاد الذهبي" في "القارات الثلاث" قبل عشر سنين. أما "مسافة" (2001) و"لا احد يعلم" (2004) فذهبا الى "مهرجان كانّ"، في المسابقة الرسمية. "لا يزال يمشون" هو الفيلم السادس لمخرج ينبثق من صميم الثقافة اليابانية.
ذات يوم من موسم الصيف، يجتمع أفراد عائلة يابانية في مناسبة يتبين انها تخليد لذكرى الأخ البكر. وهو كان لقي مصرعه قبل 15 عاماً أثناء محاولته إنقاذ طفل من الغرق. طوال هذه الفترة كلها، لم يطرأ أي تغيير على منزل العائلة الفسيح والموفر للراحة تماماً مثل حال مأدبة الطعام التي حضّرتها الأم لأولادها وأحفادها. إلا أن كلاً منهم تغيّر على طريقته الخاصة، وهذه العائلة النموذجية جمعتها أواصر الحبّ والمشاعر الجياشة والأسرار غير المباحة. ميلودراما متقنة الاخراج أنجزها هيروكازو مستعيناً بمشاهد ذات ايقاع توحي بصفاء العيش في الريف الياباني حيث يحلو التسكع والتأمل واعادة النظر في جوهر الحياة. وهذا ما ستفعله الشخصيات حواراً، مناقشةً وتطاولاً على مقامات بعضها البعض. تناغم رائع في الفيلم بين الكوميديا الخفيفة والأسى العميق والحوارات المديدة التي لا تخرج الفيلم عن هويته السينمائية. بعد "مابوروسي"، باتت فاجعة فقدان أو اختفاء فرد من أفراد العائلة لازمة درامية في سينما هيروكازو. مع الاصرار على ضرورة نسيان أمر الأموات على مرّ الوقت والوقوف إلى جانب الأحياء الذين "لا يزالون يمشون". هذا هو الفيلم باختصار٠
تبرز أهمية هذه الوفاة المأسوية على صعيدين إثنين لأنها تشير إلى جروح قديمة غير قابلة للشفاء من جهة، وتحقق الوئام بين أفراد الأسرة الذين يفرحون فرحاً فيه بعض التكلّف من جهة أخرى، إذ تحققت الأماني لدى جمع شمل العائلة حول مأدبة الطعام! ويكاد الأولاد لا يصدّقون هذه الحادثة المأسوية، مثلما يعجز الأحفاد عن فهمها واستيعابها. هذا كله، ويظهر للمشاهدين أفراد العائلة من كبار السنّ وهم يتخاصمون على مرأى من الجميع. الخلافات المتشعبة والقصص المتداخلة، هذا ما يتراءى لنا من خلال لقطات سينمائية طويلة، لكن مع قطع ووصل وليس بدونهما. لقطات غير متحرّكة بل ثابتة في مكانها٠
فيلم آخر عن العزلة والموت المؤجل، لكن هذه المرّة في المتروبولات الكبيرة، هو "الحياة المثالية"، للصينية أميلي تانغ. من معاناة النساء وموضوع الهجرة القديمة الجديدة ومن حلم مغادرة شمال شرق الصين، استقت تانغ، وهي سينمائية واعدة بلا شك، فيلماً متشعباً على قياس الصين وطموحاتها وثورتها الاقتصادية التي تثقل كاهل المواطن الصيني، مهما قيل عنها في انها طريق الى الانفتاح والتطور والسيطرة. انعدام المستقبل وبصيص الامل في بلاد المليار وثلاثمئة مليون مواطن، وضيق افاق العيش، هذه كلها قضايا ليست بجديدة، لكن تانغ تعالجها بحساسية نسائية فائقة، مستجدة ورؤيوية. ولقد سبق لتانغ أن أخرجت أول أفلامها عام 2001، بعنوان "تصريف الأفعال"، الذي يتطرق الى قصة طالبة صينية تتعلّم اللغة الفرنسية، ويحلو لها النظر عن بُعد إلى أفعال فرنسية في صيغة المضارع من خلال المنظار، فتقارنها بالأفعال الصينية المقابلة لها والتي لا تتبدّل وفقاً للضمائر. يتمكن الفيلم من وضع الإصبع على ظاهرة تاريخية وعلى بُعد مكانيّ من خلال الفرق الكامن في قواعد هاتين اللغتين، وذلك في ظلّ الحوادث الجارية في ساحة تيان ان مين، في مرحلة زمنية كان الجيل الصيني الشاب فيها محظورا عليه إبداء أفكاره السياسية، كذلك بناء علاقات غرامية مع الجنس الآخر، فما كان منه إلا أن اختار الهجرة، والهجرة دائماً، والهجرة التي لا تفعل سوى أنها تتكرر٠
استراتيجيتان سينمائيتان مختلفتان لجأت اليهما تانغ سعياً وراء تصوير الواقع المرير الذي يعيشه الصينيون. واقع لا يزال على حاله. ففي البدء، يكون المشاهدون حيال سرد قصصي من نسج الخيال، إلاّ إن الفيلم لا يلبث أن يتحول رويداً رويداً إلى قصة واقعية. ففي المشاهد الأولى، تحصّل الطالبة لي يووينغ لقمة عيشها من خلال إنجازها بعض الأعمال غير المدرّة للكثير من المال، وهي قد وصلت إلى هذه الحالة من الضياع إثر مغادرة والدها المنزل وهجره زوجته وتفضيله إمرأة أخرى. تراودها أحلام بحياة جديدة بعيداً من مدينتها الصناعية الكائنة شمال شرق الصين التي تضيق عليها الخناق. أما "باركيه فيا"، الفيلم المكسيكي الذي نال وبجدارة جائزة "المنطاد الذهبي" في الدورة التي انتهت للتوّ، فهو ايضاً عن العزلة والموت والأقدار الخائبة والاهمال في المدن الكبرى. المدينة هي هنا مكسيكو. والبطل بيتو (نوربيرتو كوريا، وهو فعلاً حارس هذا المنزل، ونال لمروره الأول له امام الكاميرا جائزة افضل ممثل!)، يحرس منزلا هجره أصحابه قبل سنوات عدّة، وكان يعمل خادماً فيه. على الرغم من ان هذه المهنة توفّر له الأمن والأمان خلافاً لعالمه الخارجي المشوب بعناصر التهديد، إلاّ ان الرتابة لا تلبث أن تطغى على حياته: النهوض من النوم والاستحمام وكيّ القمصان وتقليم الأعشاب في البستان. يوميات تشبه بعضها بعضاً ولا يميزها شيء لا في الظاهر ولا في المضمون. ما هو أكثر طبيعية أن يولد مع الوقت في اعماق هذا الرجل الوحيد خوف من الآخرين. نتيجة ذلك، سيكتفي بمعاشرة شخصين لا أكثر: صاحبة المنزل التي يكنّ لها كلّ تقدير واحترام، فيقدّم اليها الولاء والطاعة، وعاهرة طاعنة في السن تعطيه الدفء والحنان عند الحاجة. بيد ان مشكلة العودة الى الشارع تلوح في الأفق مجدداً مع عرض المنزل للبيع. هل يواجه بيتو العالم الخارجي مجدداً أمّ يتمكن من التوصّل إلى حلّ يبقيه على حاله في عزلة وانفراد؟
لا يتفكك الفيلم عن مجمل ما رأيناه في الفترة الأخيرة من افلام مكسيكية. كارلوس ريغاداس، آمات اسكالانتي، كان يسعهما ان يكونا أيضاً في عداد الذين قد يمكنهم توقيع مثل هذا الفيلم. مع ذلك أخرج انريكه ريفيرو، في باكورته، فيلماً شديد الارتباط بالواقع، خلافاً لبعض زملائه الذين يفضلون النصّ المتخيل. الفيلم مستوحى من سيرة المدعو نوربيرتو كوريا (الممثل الرئيسي)، وهو قائم على حبكة قصصية، وبيتو أبرز عناصرها. وحين التقيت ريفيرو مصادفةً في أحد مقاهي نانت، عشية تسلمه الجائزة، سألته اذا كان مدركاً لواقع ان الفيلم يذكّر برائعة هال أشبي "أن نكون هناك" مع بيتر سيلرز في دور البستاني، فقال إن التشابه بين الفيلمين لم يكن مقصوداً، وانه لم ينتبه الى ذلك الى أن لفته اليه أحد المنتجين الذي ارسل اليه السيناريو. أياً يكن، نحن ازاء مخرج واثق من قدراته، سنسمع عنه حتماً في السنوات المقبلة.

مآزق وسجالات ومدير جديد
مهرجان "القارات الثلاث" أمام منعطف جديد. هذا واضح في كلام الرسميين والاداريين والمقربين من ادارة المهرجان. لم تكن ثمة حاجة للدخول الى الكواليس والاستماع الى ما يتردد في المجالس الخاصة، للاستنتاج ان الدورة 30 من "مهرجان القارات الثلاث" كانت حافلة بالتوتر. فالنميمة كانت تسري في المقاهي وردهات الفنادق وحتى في المركز الصحافي، وحتى في سلوك المنظمين الذي كان يفصح أحياناً عن الكثير من الأوضاع التي آل اليها المهرجان. السبب الرئيسي في هذا كله هو الاتيان برجل جديد في منصب المدير العام اسمه فيليب رياك (شقيق مدير محطة "آرتي" ميشال رياك) الذي يضيّق الخناق على الأشياء كلها، بدءاً من الصحافيين وصولاً الى مؤسسي المهرجان فيليب وألان جالادو اللذين يهتمان بالادارة الفنية لدورة قد تكون الأخيرة لهما.
رياك شخص تبدو على وجهه علامات القيادية و"النبوءة" ـــ اذا صحّ التعبير ـــ والحنكة والقسوة والعنجهية والثقة بالنفس، وهذه كلها أفكار مسبقة عنه، اذ ان الرجل لم يكلف نفسه عناء التعرف الى الصحافيين الموجودين في نانت، أو على الاقل مصافحتهم. كل ملامح الرجل الناجح والعصري بادية على سحنته، لكن عن فهمه بالسينما لا نعرف شيئاً. وهو الزاد الضروري ليكون، على الأقل، مديراً ناجحاً، لتظاهرة ليست لموظفي المصارف انما للسينمائيين الذين غالباً ما يأتون من بلدان نامية وليسوا في حاجة الى ان يصطدموا ببيروقراطيات أوروبية بغيضة، وأن يتأقلموا مع قلة حماسة في استيعابهم تفوق قلة حماسة السلطات القمعية التي تحتضنهم (هذا بالنسبة الى الذين جاؤوا من بلدان ذات انظمة ديكتاتورية).
لكن رياك اداري يقفز من مكان الى آخر، يهتم بالشاردة والواردة من التفاصيل التافهة، مثل حلّ مشكلة حجز فندق لصحافي صديق، ومناقشة أشياء قد تبدو معيبة اذا فعلها رجل في مثل منصبه. أو حتى تولي الترجمة الفورية لفيلم صيني، علماً انه لم يكلف نفسه عناء مشاهدته قبل تولي المهمات الشاقة. وثمة عيوب أخرى قد يحسب تعدادها في خانة الحملة المسعورة عليه أو الدفاع الاعمى عن الخصم، أي الأخوين جالادو اللذين، في أي حال، يعتبر البعض انه حان الوقت لكي يسلما الشعلة الى غيرهما بعد ثلاثة عقود من تأسيس المهرجان٠
ولكن، حتى اثبات العكس في الدورات المقبلة، لا يبدو أن طموحات رياك هي رفع عدد الأفلام الجيدة واقتناص ما لم يتمكن غيره من اقتناصه، إنما التقنين في قيمة النفقات التي جعلت مهرجاناً مثل هذا يقف على رجليه ويستمر على مدار ثلاثين عاماً، في حين أن تظاهرات سينمائية كثيرة اختفت من الوجود. لكن التملق في ادارة المهرجانات لا يفيد، وكذلك الادعاء بأن الأمور ستكون أفضل حالاً حين نمسكها بيد من حديد. أما التغيير للتغيير، فقد سبق أن أثبت مدى فاعليته.
في ظلّ هذا كله، هُمّش دور الأخوين المؤسسين ولم يعودا مسؤولين في هذه الدورة الا عن الاختيار الرسمي. وقد أطلّ التململ بأنفه من داخل كل شيء. وبدت الأقسام التي خارج اطار سيطرتهما، وهي حال "السينما في زمن الجانر" (برمجة جان - فيليب تيسيه وجيروم بارون) اقل تماسكاً وصدقية من أقسام أخرى، اذ طغت عليه الاكزوتيكية. فمعظم هذه الأفلام ليست مبرمجة الاّ لأنها تشكل خروجاً على "أدبيات" السينما الغربية (ما يجب فعله وما يجب ألاّ نفعله)، وتمنح الجمهور الواعي فرصة التهكم حيناً من أول فيلم رعب باكستاني (gore)، أو من أشباح هزيلة في فيلم تايلاندي غير قابل للتصديق! تحت شعار الانفتاح على سينما أكثر شعبية وسهولة (وعدنا المدير بالمزيد من الأشباح والزومبيين، في الدورة المقبلة، ولا سيما من غينيا!)، وفي مقدمها "سينما النوع" ذات الخط والغرض الواضحين، عُرضت أفلام لا تستحق أن تُعرض، في هذا القسم الذي جمع الكثير من المراهقين في حصص الساعة العاشرة مساء، علماً ان العرض كان بالفيديو، مع التذكير بأن أفلاماً مثل "المطارد" لنا هونغ ــ جين، المعروض في هذا القسم، قد يمكننا ادراجها خارج هذه الحالة، ولنا عودة مفصلة لاحقاً٠
جوّ من عدم الارتياح هيمن على المهرجان منذ ليلة الافتتاح واستمر حتى الختام ومصدره احساس شبه عام بأن الضيوف ليسوا معززين ومكرمين مثلما كانوا في الدورات الماضية. هذا كله أثار سخط فيليب جالادو الذي وجد ان حسن الضيافة واللياقة في "القارات الثلاث" أصبح على المحك. حبذا ألا تشمل هذه الآفة البرمجة والأفلام والأشياء الباقية الأكثر أهمية، فينتقل المهرجان من عارض صحي يتعرض له وهو يدخل الثلاثين الى مرض مزمن يصعب الشفاء منه٠

"المنطاد الذهبي"

في حفل الختام الذي جرى الثلثاء الفائت، منحت لجنة التحكيم المؤلفة من مارك كارو (مخرج فرنسي) ويان ديديه (مونتير فرنسي) وآن فور (مخرجة مجرية) ولورنس فيريرا باربوزا (مخرجة فرنسية) وكلوتيلد أمّ (ممثلة فرنسية) وبروس فان غيلز (منتج بلجيكي) جوائز الدورة الثلاثين لـ"مهرجان القارات الثلاث" على النحو الآتي
المنطاد الذهبي": "باركيه فيا" لأنريكيه ريفيرو (المكسيك)٠
المنطاد الفضي": "بينغاي" لفينغ يان (الصين)٠
جائزة أفضل أداء نسائي: كيرين كيكي عن دورها في "لا يزالون يمشون" لكوري - ايدا هيروكازو
جائزة افضل اداء ذكوري: نوربيرتو كوريا عن دوره في "باركيه فيا" لأنريكيه ريفيرو (المكسيك)٠
جائزة لجنة التحكيم الخاصة: "الصين لا تزال بعيدة" لمالك بن اسماعيل (الجزائر)٠



مهرجانات | بسنت حسن
مهرجان حافل في مراكش: عربي ودولي وجوائز٠


منذ العام 2001 عرفت مدينة مراكش ـ الشهيرة قديما بـ »بوابة الصحراء« او »مراكش الحمراء« إنطلاق الأولى لمهرجانها السينمائي والذي كان بمثابة المحور الرئيسى الذي تدور حوله السينما المغربية بكل فئاتها والذي أصبح أيضا بمرور الوقت من أهم الفاعليات المهتمة دولياً بالسينما بل ومن أهم المهرجانات السينمائية في دول حوض البحر المتوسط٠
وقد عرف المهرجان حتى الآن ثماني دورات إنتهت آخرها منذ نحو الإسبوع بعرض 100فيلم في أقسام متنوعة ومختلفة ما بين المسابقة الرسمية والتي حوت على 15 فيلماً من 14 دولة هي: »العش« للهندي طارق تابا، الذي كتب وأنتج وصوّر ومنتج وبالطبع أخرج فيلمه الناطق بالكشميرية والأردو٠
كذلك فيلم المخرج الاميركي شون بيكر »أمير برودواي« والذي فتح من خلاله ملف الهجرة غير الشرعية لاميركا. و»الشتاء« (الدنمارك) لكارولين لينك والايسلندي »زفاف الارياف« لفالديس اوسكار والفيلم الايطالي »أول أيام فصل الشتاء» لميركو لوكاتلي ويرقب فيه المخرج حالة التلصص لمراهق شاب على بقية أقرانه ليكتشف عوالمهم الخاصة ومعها عالمه الجديد والفيلم الايرلندى »إيدن« لديكلان ريكسي الذي يحكي عن الملل والرتابة في حياة زوجين ثم يأتى الفيلم الدنماركي »فيلام وسيتروم« ويتحدث عن النشاط البطولى لإثنين من المقاومة الدنماركية وقيامها بتصفية الوشاة من الدنماركيين الخونة ليتحول نشاطهما بعد ذلك لقتل النازيين الألمان وهو مأخوذ عن قصة حقيقية لإثنين من المقاومه الدنماركية أطلق عليهما في تلك المرحلة أسم حركي هو »فيلام وسيتروم« الذي يتخذه الفيلم عنواناً له. والفيلم الفنلندى »دموع إبريل« للمخرج أكو لوهيميس والذي تناول في موضوعه الحرب الاهلية الفنلندية بشكل مؤثر وقاس يترك في النفس غربة وألم، وتوقع الكثيرون حصول بطلته ـ التي حضرت المهرجان ـ على جائزة التمثيل ولم تحصل عليها، في حين حصل عليها بطل الفيلم ايروأهيو والتي جسد شخصية القاضي المليء بالمتناقضات والذي ينتهي به الحال للانتحار شنقاً في نهاية الفيلم، كذلك كان أداء بطلة الفيلم البولوني العجوز دانيكا شافلارسكا يؤهلها للجائزة التي ذهبت منها إلى الأميركية ميليسا ليو عن دورها في فيلم »النهر المتجمد« وكانت البولونية دانيتا من أقوى المرشحات للحصول على الجائزة عن فيلمها »موعد الوفاة«
وتنبأ بعضهم بفوز تلك العجوز بالجائزة لتحملها العبء الاكبر من التمثيل بالفيلم هي وكلبتها! وان انحازت لجنة التحكيم للفيلم الاميركي »النهر المتجمد« خلافا لكل التوقعات وانحيازا للاختيار الصعب الذي لا يخلو من جدة ورؤيا خاصة غير اعتيادية لا تتماشى مع ما يعتقده او يظنه او ما اعتاد عليه المتلقي، ولهذا السبب منح الفيلم الصيني »البئر« جائزة لجنة التحكيم ومنح الفيلم الروسي »حقل بري« ذهبية المهرجان، في حين خرج الفيلم الوحيد المشارك بإسم فرنسا ـ المغرب في المسابقة الرسمية للمهرجان من ماراثون الجوائز وهو فيلم »قنديشة« للمخرج الفرنسي جيروم كوهين والمستوحى من أسطورة مغربية قديمة هي اسطورة عيشة قنديشة، التي حاربت الاستعمار ثم تحولت بفعل الموروث الشعبي الى كائن اسطوري يخيفون به الصغار واحيانا تكون رمزاً للدفاع عن المرأة المقهورة من سطوة الرجل الشرقي المستبد، ولانها تيمة مستوحاة من التراث فهي بكل تأكيد المفضلة والمحببة دوما لصيغ الانتاج المشترك بين المغرب وفرنسا او غيرها من الدول الغربية كفيلم البلجيكية المغربية ياسمين القصاري »الراقد« وفيلم »أرجانة« لحسن غنشة٠

وخرج كذلك اول اعمال المخرج والمنتج الفلبيني كريس مارتينيز من المهرجان بخفي حنين وهو فيلم الذي عبر بذكاء لا يخلو من شوفينية دعائية سياحياً وروحانياً بل وعلاجياً لبلاده، فأظهر المخرج الفلبين كما لم تظهر من قبل بأرضها وشخوصها الذين جرت العادة على تصويرهم خداماً وعبيداً في بلاد النفط والخليج، ولكنهم هنا في( هذا الفيلم أثرياء يعيشون حياتهم الرغدة وفي نفس الوقت لهم افكارهم الخاصة ورؤاهم التي لا تخلو من انسانية، فمس الفيلم ـ على بساطته ـ وجدان الحضور دون الغرق في شرك الميلودراما الفجه او الحزن المجاني، وجاء الفيلم ـ رغم مضمونه وطرحه الحزين ـ مفعماً بالأمل وحب الحياة واكتشاف الذات مع التسليم بالقدر وحقيقه الموت برضا ونبل، وكأن الموت يذكر الفرص بأهمية الحياة٠
خارج المسابقة تم عرض فيلمي الافتتاح والختام الاول من اخراج الاميركي باري ليفينسون رئيس لجنة تحكيم هذه الدوره ويحمل عنوان »ما الذي حصل« ويحكي قصة السينما (صناعة السينما في هوليود) وسطوة المنتج اليهودي على هذه الصناعة، وينتصر الفيلم في النهايه للمخرج ضد المنتج ويرسخ لنمط الانتاج المستقل٠
فيلم خفيف كان اختياره لافتتاح الدورة الثامنة لمراكش اختيارا موفقا. وقد سبق عرض الفيلم ايضا خارج المسابقة في الدورة الأخيرة لمهرجان كان٠
فيلم الختام يحمل إسم 8 وتناول فيه ثمانية مخرجين وثمانية أهداف إنسانية تعهد حكومات 191 دولة عضو في الأمم المتحدة لتحقيقها قبل العام 2015 ومنها خفض نسبة الفقر في العالم الى النصف، وإطلق
على تلك الاهداف الثمانية اسم (اهداف الالفية للتنمية). وكان على رأس هؤلاء المخرجين الثمانية المخرج المالي الكبير عبد الرحمن سيساكو والذي انجز الجزء الاول من الفيلم تحت عنوان »حلم تيا« هذا الى جانب الفيلم الفرنسي »من أجلها« سيناريو وإخراج فريدكا فابي والفيلم الاميركي «الفضيحة) لستيف جاكوبس
أما الأفلام الستة الأخرى التي عرضت ايضا خارج المسابقة فقد اختيرت بناء على التكريمات التي ضمتها الدورة الثامنة للمهرجان والتي بدأت بتكريم اسطوري للنجمة الاميركية سيجورني ويفر والتي وقفت بشموخ وسط ثلاثين الف مراكشي بساحة جامع الفنا وعبرت عن سعادتها بذلك وعدم تصديقها لما تراه من حشود تجمهرت حبا في مدينتها وحبا في السينما وقالت ويفر: لو ان أحداً حكى لي عن ذلك لما صدقته، وان هذا المكان (تقصد جامع الفنا) هوا المكان الذي تمنت طوال حياتها ان تزوره. وبالطبع لم ينس المهرجان تكريم المخرج المصري العالمي يوسف شاهين تكريما سينمائيا خالصا لا ندوات ولا نقاشات فيه، رغم دعوة بطل فيلمه »الارض« عزت العلايلي لحضور فاعليات المهرجان كذلك يسرا، ورأى البعض في ذلك التكريم شيئاً من الخفوت ـ او بعبارة أدق ـ الرد اللائق على ما حدث من اساءة (غير لائقة) للمغرب وللسينما المغربية في مهرجان الاسكندرية الأخير
وقد عرض ليوسف شاهين في المهرجان سبعة افلام اختيرت بعناية لتمثل مراحل مختلفة في مشوار شاهين الذي بدأه بـ »بابا أمين«٠

وكما احتفى المهرجان بهؤلاء احتفى ايضا بالسينما المغربية بمناسبة خمسينيتها التي بدأت مع اول افلام الراحل محمد عصفور سنة 1958 وهو فيلم »الابن العاق« ومنذ ذلك الحين تنتج المغرب افلاما طويلة وقصيرة وصلت حالياً الى 200 في الخزنة السينمائية المغربية وفقاً لتصريح مدير المركز السينمائي المغربي نور الدين الصايل . وهو المركز الذي ينتج سنوياً أكثر من خمسين فيلم قصير ونحو خمسين فيلم روائي طويل ٠


السينما الحربية‮: ‬السماء تمطر والأرض تبكي‮!‬
محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‮ ‬
للأبد سيبقى فيلم‮ »‬دكتور سترانجلَف أو كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة النووية‮« ‬الذي‮ ‬أخرجه ستانلي‮ ‬كوبريك سنة ‮٤٦٩١ ‬أفضل فيلم ساخر لا من الحرب فقط،‮ ‬بل من العقلية التي‮ ‬تسيطر عليها‮. ‬من تلك القيادة‮ (‬أميركية في‮ ‬الفيلم‮) ‬التي‮ ‬تؤمن بها وترمي‮ ‬العالم في‮ ‬أتونها‮. ‬مثل فيلم كوبريك الأسبق‮ »‬ممر الخلود‮« (٧٥٩١) ‬هو فيلم معاد للحرب،‮ ‬لكن في‮ ‬حين أحداث‮ »‬ممر الخلود‮« ‬تقع في‮ ‬فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى متّخذة موقفاً‮ ‬من القيادة الفرنسية في‮ ‬حادثة إرسال جنودها الى الموت على الرغم من عدم وجود أي‮ ‬أمل لهم بالنصر،‮ ‬فإن‮ »‬دكتور سترانجلف‮« ‬يتعامل ومطلق الحرب من مركز انطلاقها وبشمولية تتجاوز موقعة او حتى حرباً‮ ‬تقليدية‮.‬
حسب الفيلم هناك جنرال‮ ‬يميني‮ ‬متطرّف‮ (‬سترلينغ‮ ‬هايدن‮) ‬يؤمن‮ ‬أن الخطر الماحق لأميركا هو ذاك القادم من‮ ‬الإتحاد السوفياتي‮ ‬وأن على أميركا محو الخطر قبل وصوله‮. ‬طريقته هي‮ ‬إطلاق طائرة حاملة لقنبلة نووية وفوقها ثلاثة أفراد‮ ‬يقودهم راعي‮ ‬بقر‮ (‬سلِم بيكنز‮) ‬تتوجه الى الإتحاد السوفياتي‮ ‬وتضربه‮. ‬من خصائص هذه الطائرة أنه إذا ما انطلقت لا‮ ‬يمكن استرجاعها‮. ‬الرئيس الأميركي‮ (‬بيتر سلرز في‮ ‬واحد من ثلاثة أدوار له في‮ ‬الفيلم‮) ‬يحاول تفادي‮ ‬حرب كونية بالإتصال بالرئيس السوفياتي‮ ‬وإطلاعه على ما حدث متمنياً‮ ‬منه تفهّم الوضع‮. ‬أمر لا‮ ‬يمكن للرئيس السوفياتي‮ ‬فعله وهو‮ ‬يرى أن أميركا شنّت،‮ ‬بقصد او من دون قصد،‮ ‬حرباً‮ ‬عليه‮. ‬بينما تشن حامية أميركية هجوماً‮ ‬على موقع الجنرال الأميركي‮ ‬الذي‮ ‬يطلب من قوّاته مجابهة هذا الهجوم لأن هؤلاء المهاجمين هم روس بثياب أميركية،‮ ‬تقترب الطائرة من هدفها‮. ‬حين تتعطل حركة إطلاق الصاروخ،‮ ‬يعتلي‮ ‬قائد الطائرة الصاروخ بنفسه ويحاول معالجة المشكلة‮ ‬يدوياً‮. ‬فجأة‮ ‬ينطلق الصاروخ وهو على متنه‮. ‬يرفع القائد قبّعته ويصيح متخيّلاً‮ ‬نفسه‮ ‬يقود فرسه وتشتعل الحرب النووية‮.‬

•‮ ‬البريء وغيره‮ ‬•
‮٢٤ ‬سنة لاحقاً،‮ ‬هناك ما لم‮ ‬يستطع كوبريك،‮ ‬ولا من شاهد فيلمه،‮ ‬تصوّر وجوده من متطرفين مجانين‮. ‬لا من حيث العدد فقط،‮ ‬بل من حيث مدى التطرّف الذي‮ ‬يدفع بزعيم القوّة الكبرى في‮ ‬العالم لإعتماد العنف في‮ ‬كل شيء تحت شعارات مجابهة الإرهاب،‮ ‬ويدفع بتابع خسيس‮ ‬يرأس حكومة دولة عنصرية قامت على الإرهاب من‮ ‬يومها الأول وسوف تنتهي‮ ‬به‮. ‬وإذا ما تأمل المرء كافياً‮ ‬سيجد أن نتاج السينما العربية كما نتاج سينمات أخرى،‮ ‬في‮ ‬مقدّمتها أميركية،‮ ‬تمحور بما فيه الكفاية حول موضوع الصراع العربي‮- ‬الإسرائيلي‮ ‬او الأسباب التي‮ ‬دعت إليه،‮ ‬او النتائج الحالية التي‮ ‬آل إليه‮.‬
بداية،‮ ‬ما لا‮ ‬يُنسى في‮ ‬غمار الأفلام العربية التي‮ ‬تعرّضت لموضوع الصراع العربي‮- ‬الإسرائيلي‮ (‬وليس بالضرورة على نحو مباشر‮) ‬هو فيلم عاطف الطيّب‮ »‬البريء‮« ‬وفيلم صلاح أبو سيف‮ »‬البداية‮« (‬رحمهما الله‮). ‬صلب موضوع فيلم عاطف الطيّب هو ذلك الجندي‮ ‬المصري‮ ‬البسيط القادم من الريف الذي‮ ‬حلف أن‮ ‬يخدم الجيش وقيادته ويفعل ذلك حيناً‮ ‬قبل أن‮ ‬يكتشف أن المطلوب منه ضرب مواطنيه عوض عدوّه‮. ‬هذا أيضاً‮ ‬فيلم‮ ‬يمكن إعادة عرضه اليوم ليعني‮ ‬بعداً‮ ‬جديداً‮ ‬في‮ ‬ظل السياسة السائدة حيث السكوت عن ضرب بعض العرب هو‮ ‬مثل ضربهم تماماً‮.‬
أما‮ »‬البداية‮« ‬لصلاح أبو سيف فهو‮ ‬يتحدّث عن بعد آخر‮. ‬استغلال العمدة لمركزه لأجل التهرّب من إرسال إبنه الى الخدمة العسكرية‮ (‬خلال حرب ‮٣٧٩١) ‬ودفع إبن بلدته الفقير لتقديم إبنه عوض إبن العمدة في‮ ‬الحرب‮. ‬حين‮ ‬يعود الإبن جثماناً‮ ‬يصل الفيلم الى تتويج مأساته بأسئلة أخرى تتعلّق بالحرب وبالسُلطة وبالفترة الفاصلة بين إنجازات جمال عبد الناصر الإشتراكية والتراجع عنها في‮ ‬السنوات اللاحقة‮.‬

•‮ ‬مع وضد‮ ‬•
السينما الحربية،‮ ‬والكلمة هنا تشمل العسكرية أيضاً،‮ ‬كشأن هذين الفيلمين المصريين،‮ ‬دائماً‮ ‬ما تعاملت والإنقسام الحاصل بين البشر‮. ‬الحرب بالنسبة لمن‮ ‬يشنّها من دون وجه حق هي‮ ‬لغة الجهة التي‮ ‬تمنح لنفسها صك الإعتداء على الآخرين لمجرد كونهم مختلفين وذلك تبعاً‮ ‬لأسباب سياسية هي‮ ‬تحصيل أسباب اقتصادية ودينية وعرقية وعنصرية‮. ‬الحرب النازية على شرق وغرب أوروبا انطلقت بمفهوم عنصري‮ ‬من هذا النوع،‮ ‬والحرب الإسرائيلية التي‮ ‬تتواصل من دون توقف منذ أن وُلدت تلك الدولة قصراً‮ ‬وبجهل من النظام العربي‮ ‬آنذاك‮ (‬ثم استمرّت مستفيدة من جهله فيما بعد‮) ‬هي‮ ‬أيضاً‮ ‬من ذلك النوع‮. ‬في‮ »‬لائحة شيندلر‮« ‬لستيفن سبيلبرغ‮ ‬عملية تواصل بين الحربين‮- ‬المؤسستين‮. ‬الفيلم المعروف دار عمّا أقدمت عليه النازية تجاه اليهود وكيف أن اليهود توجهوا الى أرض الميعاد نتيجة العنصرية والضغينة التي‮ ‬عايشوها في‮ ‬أوروبا‮. ‬
في‮ ‬حين أن لا أحد‮ ‬يمنح سبيلبرغ‮ ‬شهادة في‮ ‬قراءة التاريخ قراءة صحيحة،‮ ‬الا أن الرجل من حيث لا‮ ‬يقصد فتح العين قليلاً‮ ‬على هذه العلاقة التي‮ ‬أدّت الى نشوء صهيونية قويّة تمارس ما مارسته النازية تماماً،‮ ‬من جهة،‮ ‬والى فيلم سبيلبرغ‮ ‬اللاحق‮ »‬ميونخ‮« ‬الذي‮ -‬بعد نحو إثنا عشر سنة من‮ »‬شيندلر‮«- ‬يكشف عن أن سبيلبرغ‮ ‬أدرك لاحقاً‮ ‬أن حق إسرائيل في‮ ‬الوجود أصبح مشكلة وجود في‮ ‬حد ذاته‮. ‬أصبح عملية تحمل في‮ ‬طيّاتها ذات الإضطهاد وذات العنصرية والبعد عن الأخلاقيات اليهودية‮.‬

THE THIN RED LINE

في‮ ‬تعامل السينما الحربية مع الحروب كان عليها أن تنهج واحداً‮ ‬من ثلاثة مناهج‮:‬
•‮ ‬أن تقف مع الحرب‮.‬
• أن تقف ضد الحرب‮.‬
•‮ ‬أن لا تقف مع او ضد إنما تبلور نفسها في‮ ‬عداد توظيف الإطار لموضوع آخر مثل قصّة حب جانبية او كوميديا‮ ‬غير ساخرة‮. ‬
هذه الأخيرة لن نعيرها اهتماماً‮ ‬هنا رغم أنها تستطيع الإنسياق الى موقع من الموقعين الأولين وبذلك تنضم الى أحدهما‮ (‬كما الحال في‮ ‬الكوميديا الساخرة‮ »‬دكتور سترانجلف‮«).‬
في‮ ‬الإطار الأول فإن وقوف السينما مع حرب ما‮ ‬ينبع من حاجة وطنية عاطفية أكثر مما هو بحث وجداني‮ ‬او فلسفي‮ ‬او‮ -‬بأبسط الأوجه‮- ‬إنساني‮. ‬الفارق هنا‮ ‬يتضّح مع فيلم ثالث لستيفن سبيلبرغ‮ ‬هو‮ »‬إنقاذ المجنّد رايان‮« ‬مقارنة بفيلم ترنس مالِك‮ »‬الخط الأحمر النحيف‮« (‬كلاهما ورد سنة ‮٨٩٩١ ‬بعد إنقطاع سنوات عدّة على آخر فيلم حربي‮ ‬أميركي‮). ‬ففي‮ ‬حين أن فيلم سبيلبرغ‮ ‬تتويج لإنتصار الغرب على القوّة الألمانية‮ (‬او‮ -‬بكلمات اليوم لدى بعض الساسة‮: ‬الشرعية الدولية على قوى الشر‮) ‬وهو بذلك فيلم‮ ‬يقف مع الحرب كحل،‮ ‬فإن فيلم ترنس مالِك‮ (‬الذي‮ ‬تقع أحداثه في‮ ‬جنوب شرق آسيا وليس في‮ ‬أوروبا‮) ‬يقف ضد الحرب كحل عبر معاينة الحقيقة الإنسانية وإندحارها تحت أعباء القيم المهدورة لمجرد رفعها السلاح‮.‬
وترتبط معظم الأفلام المناصرة للحرب بالسلاح والمشاهد العراكية والإنتاج الكبير‮. ‬السبب هي‮ ‬أنها تريد أن تخلق من الحرب التي‮ ‬تتعرّض إليها‮ (‬الحرب العالمية الثانية كنموذج‮) ‬حالة رائجة بين الناس‮. ‬وللوصول الى هذه الحالة،‮ ‬فإن على الفيلم لا أن‮ ‬يصوّر معارك كثيرة فقط،‮ ‬بل أن‮ ‬يصوّرها مشوّقة وآيلة الى النجاح والنصر ولو صوّرت أيضاً‮ ‬مشاقها والتضحيات الكثيرة التي‮ ‬خاضها الجندي‮ ‬في‮ ‬سبيل ذلك‮. ‬بهذا‮ ‬يرتبط الشعور الوطني‮ ‬بمشاهد الحرب،‮ ‬فلا شعوراً‮ ‬وطنياً‮ ‬حماسياً‮ ‬يلعب دور البروباغاندا من دون إثارة حماسة جماهيرية تبارك المواقف والمعطيات والنتائج‮.‬
على العكس منها فإن الأفلام المعادية للحرب تنحو لأن تكون أكثر دراية بالجوانب التي‮ ‬تتطلب التركيز سواء بعيداً‮ ‬عن خطوط القتال او قريباً‮ ‬منها‮. ‬أحد الأمثلة الكثيرة على ذلك مجموعة الأفلام التي‮ ‬تلت الحرب الفييتنامية والتي‮ ‬انتقدت الموقف الأميركي‮ ‬الذي‮ ‬أدّى إليها‮. ‬أفلام مثل‮ »‬العودة الى البيت‮« ‬و»التفصيلة الأخيرة‮« ‬لهال آشبي‮ ‬و»سفر الرؤيا الآن‮« ‬لفرنسيس فورد كوبولا و»من سيوقف المطر‮« ‬لكارل رايتز‮.‬
يوماً‮ ‬ما،‮ ‬ليس ببعيد،‮ ‬ستنظر هوليوود الى الحرب العربية كما نظرت الى الحرب الفييتنامية وستنتقد دوافعها وتدين من قام بها‮. ‬

نقاط حوار
هل تؤيد إنحياز الفيلم الحربي
للحرب او ضده؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular