Nov 22, 2008

ISSUE 364 | Cinematographer: Haskel Wexler | Cinema of... Bernardo Bertolucci

أكثر الأفلام رواجا
جولة إحصائية لستة أفلام في خمسة عشر سوقاً حول العالم

................................................................................

تحقيقات
هل كانت شخصيات برناندو برتولوتشي إنعكاساً لحياته وأين أصبح اليوم؟
................................................................................
مهن وشخصيات
مدير التصوير هسكل وكسلر: حوّل الكاميرا الى ذلك السلاح وبرع فنّاً ومضموناًً


INTERNATIONAL TOP FILMS
.....................................................................................

1 Quantum of Solace |Dir: Mark Forster [UK-USA] ***
This Week: $54,850,296
Total: $ 122,379,178
المغامرة الأخيرة لجيمس بوند متوفّرة في معظم الأسواق الكبيرة والصغيرة هذه الأيام باستثناء اليابان الذي ينجز فيها فيلم جديد لجون وو عنوانه
The Red Cliff
المركز الأول للأسبوع الثالث على التوالي٠ بالنسبة لبوند هو في المركز الأميركي الأول لكن الإحتمال الكبير هو أن يتعرّض لهجوم من فيلم الفامبايرز الجديد
Twilight
الذي بيعت تذاكر حفلاته المسبقة (تُقام فقط عند منتصف الليل) مسبقاً كلها٠
....................................................................
2 Madagascar: Escape 2 Africa | Dir.: Eric Darnell, Tom McGrath [USA] **
This Week: $41,392,548
Total: $165,123,170
فنياً ليس بقوّة سابقه وحسناته هي نوع من تكرار الحسنات السابقة. تجارياً لا يقل عن ذاك نجاحا٠
....................................................................
3 Changeling | Dir: Clint Eastwood [USA] ****
This Week: $8,710,756
Total: $28,088,448
فيلم كلينت ايستوود الدرامي الجيّد قد لا يحقق المنشود منه على الصعيد التجاري، لكنه آيل الى سباق الأوسكار والغولدن غلوب بلا ريب٠
....................................................................
4 High School Musical: Senior Year | Dir: Kenny Ortega [USA] **
This Week: $8,651,605
Total: $92,820,821
فيلم ديزني الشبابي هو الثالث في سلسلة اكتفت بالتوجّه الى رفوف الأسطوانات سابقاً. وسطي في كل شيء ودون ذلك لمن يبحث عن قيمة فنية٠
....................................................................

5 Dostana | Dir: Tarun Mansukhani [India] ?
This Week: $8,376,619
Total: $8,376,619
لا أرقام لدي حول كم أنجز هذا الفيلم في الهند أساساً، لكن العروض العالمية واعدة بعض الشيء وها هو في المركز الثالث علماً بأنه عرض بنجاح محدود جدّاً في الولايات المتحدة ربما لأجل دخول الأوسكار
....................................................................
6 Saw V | Dir.: David Hackl [USA] **
This Week: $7,446,331
Total: $88,695,106
السلسلة السادية تنجز نجاحاً لا بأس به لكن لا أعتقد إنه سيكون قريباً من النجاحات السابقة. في أميركا جاء الإستقبال فاترا


برناندو برتولوتشي: ما بعد قمّة النجاح؟ .... قمّة الحضيض؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أين أصبح برناردو برتولوتشي‮ ‬الـذي‮ ‬كان أنطلق في‮ ‬الستّينات والسبعينات
كواحـد من
مصممي‮ ‬السينما الأوروبية الحديثة وصاحب مجموعة من أفضل أفلامها؟‮
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


آخر مرّة شاهدناه فيها كان‮ ‬يلملم بصمات الأمس ليصنع بها فيلماً‮ ‬جديداً‮ ‬يعيده الى تلك الفترة الزاهية من حياته وحياة السينما الأوروبية بأسرها‭.‬‮ ‬النتيجة‮ »‬الحالمون‮« (‬2003‮) ‬الذي‮ ‬حوى عناصر من أفلام سابقة وظلالات من‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮« ‬و»إستراتيجية العنكبوت‮« ‬كما‮ »‬الملتزم‮« ‬والذي‮ ‬أخفق في‮ ‬الوصول الى ما كان وصل إليه كل من هذه الأفلام المذكورة ومعظم ما حقّقه برتولوتشي‮ ‬في‮ ‬فترة ما قبل إنتقاله من سدّة الفنانين الملتزمين بالبحث في‮ ‬نوازع ومرجعيات شخصيّاتهم الى السينمائي‮ ‬الذي‮ ‬يريد تتويج نفسه تجارياً‮ ‬وعلى الشاشات جميعاً‮ ‬وذلك منذ أن إنبرى،‮ ‬سنة‮ ‬1987‮ ‬لإنجاز‮ »‬الإمبراطور الأخير‮«‬‭.‬
في‮ ‬تلك المرّة الأخيرة وضع أبطاله في‮ ‬الفترة الحرجة من التاريخ السياسي‮ ‬والثقافي‮ ‬الحديث إذ هم ثلاثة‮ ‬يعيشون ظهيرة الثورة الثقافية الفرنسية ومظاهرات‮ ‬1968 الشهيرة‭.‬‮ ‬أي‮ ‬أنه حاول بالفعل العودة الى الفترة التي‮ ‬شكّلت أيضاً‮ ‬وعيه الخاص‭.‬‮ ‬تلك التي‮ ‬كان أيامها‮ ‬ينفّذ أفلاماً‮ ‬ذات وميض خاص بها‮ ‬يتحدّث فيها عن شخصيات تنطلق في‮ ‬طريق لتكتشف إنها خائفة من الإستمرار فيه فتنتقل بقرار ذاتي‮ ‬الى العالم الذي‮ ‬خلفته وراءها‭.‬‮ ‬بذلك رصف برتولوتشي‮ ‬نهايات مأسوية متعددة لأبطاله الحائرين‭.‬‮ ‬لتلك الشخصيات التي‮ ‬جاءت من كنف عائلة ترفضها ثم إذا بها تجد نفسها راغبة في‮ ‬مزاولة المفاهيم ذاتها لإنشاء حياة مماثلة إذا ما أمكن لهم ذلك‭.‬
بملاحظة أن شخصياته كانت تمشي‮ ‬الى الأمام لكي‮ ‬تعود،‮ ‬وتقدم لكي‮ ‬تتراجع وتبادر لكي‮ ‬تحجب،‮ ‬لا‮ ‬يمكن الا استخلاص تشابه بين هذه الشخصيات وبين شخصية مخرجها برتولوتشي‮ ‬كما نستخلص التشابه من تجربته السينمائية التي‮ ‬أنجبت تسعة عشر فيلماً‮ ‬من العام‮ ‬1962‮ ‬الى العام‮ ‬2003‮ ‬كما سبق‭.‬

برناندو خلال تصوير
Last Tango in Paris

الأب‭-‬‮ ‬المعضلة
الصراع الرئيسي‮ ‬في‮ ‬فيلم برتولوتشي‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮« (‬1972‮) ‬موجود في‮ ‬شخصية شاب‮ ‬يحاول الهرب من كنف وتقاليد ومفاهيم عائلته البرجوازية‭.‬‮ ‬وبرناردو برتولوتشي‮ ‬جاء من تلك المفاهيم والتقاليد ولو أن والده،‮ ‬الشاعر أتيليو،‮ ‬لم‮ ‬يكن من البرجوازية الأرستقراطية التي‮ ‬تراها مثلاً‮ ‬في‮ ‬أفلام لوكينو ڤيسكونتي‭.‬‮ ‬والمسألة ليست مسألة فيلم واحد‭.‬‮ ‬نفس شخصية الشاب المتطلّع لنبذ الحياة التي‮ ‬نشأ عليها موجود في‮ »‬قبل الثورة‮« (‬1964‮) ‬و»الملتزم‮« (‬1964‮) ‬ما‮ ‬يستدعي‮ ‬التأكيد على أن المخرج إنما كان‮ ‬يتناول شخصيات قريبة منه وغير خيالية المنشأ على الأقل‭.‬
لكن بؤرة الصراع في‮ ‬هذه الأفلام الثلاث المذكورة هي‮ ‬أن هؤلاء الأبطال المختارين لتولّي‮ ‬قيادة الفيلم والبحث في‮ ‬الموضوع‮ ‬يبدون أقل قدرة على إحداث التغيير المطلوب بسبب مما‮ ‬يودّون الإنقلاب عليه او ضدّه‭.‬‮ ‬التقاليد والإلتزامات تمسك بهم من‮ ‬ياقاتهم ولا تتركهم أحراراً‮ ‬في‮ ‬الإختيار او أكثر جرأة في‮ ‬الإقدام‭.‬‮ ‬لكن هذا هو تفسير من جانب معاد لتلك الشخصيات‭.‬‮ ‬حاول أن تقف في‮ ‬منتصف الطريق،‮ ‬كما‮ ‬يفعل برتولوتشي،‮ ‬ستجد أن تردّدهم في‮ ‬قبول الإختلاف ربما معذور‭.‬
في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬نجد أن بطله‮ ‬ينضم الى الحزب الشيوعي‮ ‬لكنه‮ ‬يعود عنه بعدما أكتشف نقوصاً‮ ‬فيه،‮ ‬هذا من وجهة نظر برتولوتشي‮ ‬الذي‮ ‬كان منتمياً‮ ‬الى اليسار بشدّة‭.‬‮ ‬في‮ »‬إستراتيجية العنكبوت‮« ‬يجد بطل الفيلم نفسه مشدوداً‮ ‬الى اللغز الذي‮ ‬يحيط بمقتل أبيه الذي‮ ‬‭-‬كما توحي‮ ‬الأحداث في‮ ‬البداية‭-‬‮ ‬مات نتيجة قيام قوى فاشية بإغتياله‭.‬‮ ‬هنا،‮ ‬ونحن نتحدّث أساساً‮ ‬عن المواقف‮ ‬غير الواضحة او النهائية لبرناردو برتولوتشي،‮ ‬نجد أن الإبن‮ ‬يتحوّل الى صورة لأبيه‭.‬
وصورة الأب ماثلة وبالتالي‮ ‬الهيمنة العائلية‭-‬‮ ‬تلك التي‮ ‬اختتم بها برتولوتشي‮ ‬فيلمه الأخير‮ »‬الحالمون‮«‬‭.‬‮ ‬الأب عنده هو المرجع الذي‮ ‬لابد من العودة إليها كما لو أن لا قدرة على الإبن الخروج عنها سواء أكانت مرجعاً‮ ‬يحتذى به او لا‭.‬‮ ‬في‮ »‬الملتزم‮«‬،‮ ‬على سبيل المثال،‮ ‬نجد بطل الفيلم في‮ ‬مطلعه‮ ‬يسعى جهده للخروج من تبعية أبيه مع منحى جديد هنا متمثّل في‮ ‬أن والده كان ممسوساً،‮ ‬أقرب الى المجنون،‮ ‬وبطل الفيلم‮ ‬يحاول أن‮ ‬يحافظ على منطقه الخاص ويبني‮ ‬سدّاً‮ ‬بينه وبين أبيه خوفاً‮ ‬من الإنزلاق إليه‭.‬‮ ‬وسيلته في‮ ‬ذلك الإنضمام الى الحزب الفاشي‮ ‬أيام روسيلليني‭.‬‮ ‬لكن حين‮ ‬يشهد نهاية روسيلليني‮ ‬يجد نفسه في‮ ‬صراع هويّة من جديد ولا‮ ‬يعد أمامه سوى الرجوع مستخدماً‮ ‬ذات الخطوات التي‮ ‬أوصلته الى وضعه الآن لكن هذه المرّة متوجّهاً‮ ‬بنفسه في‮ ‬الإتجاه المعاكس صوب أبيه‭.‬

سن مفتوح٠
إنه من المثير أيضاً‮ ‬كيف أن برتولوتشي‮ ‬يتعرّض للعلاقات العاطفية المحيطة ببعض أبطاله‭.‬‮ ‬ها هو بطله في‮ »‬الملتزم‮« (‬الفرنسي‮ ‬جان‭-‬لوي‮ ‬ترانتنيا‮) ‬متزوّج من إمرأة من الطبقة الوسطى لكنه‮ ‬يؤم عشيقته آنا التي‮ ‬تعمل مدرّبة رقص في‮ ‬إحدى المدارس ومتزوّجة من الرجل الليبرالي‮ ‬الذي‮ ‬يحاول إغتياله تبعاً‮ ‬لأوامر الحزب الفاشي‮ ‬الذي‮ ‬إنضم إليه‭.‬‮ ‬آنا لديها شيء من الطهارة المؤودة في‮ ‬سنوات ترفض أن تخرج منها هي‮ ‬سنوات الطفولة‭.‬‮ ‬مارشيللو‮ (‬تراتنيا‮) ‬يهجرها في‮ ‬المشهد الأخير‭.‬‮ ‬يتركها تبكي‮ ‬ومهدّدة بأن تُقتل على أيدي‮ ‬الفاشيين بدورها‭.‬
هذا قريب‮ ‬من نهاية فيلمه الأسبق‮ »‬ما قبل الثورة‮«: ‬فابريزو‮ (‬فرنشسكو باريللي‮) ‬سيتزوّج من فتاة سليليا التي‮ ‬أختيرت له منذ أن كانا صغاراً‭ ‬‮(‬عادات قريبة مما كان‮ ‬‭-‬ولا‮ ‬يزال‭-‬‮ ‬معمولاً‮ ‬به في‮ ‬بعض بقاعنا العربية‮) ‬لكن فابريزو منجذب الى عمّته في‮ ‬علاقة محرّمة‭.‬‮ ‬العمّة مهووسة بالطفولة أيضاً‮ ‬وتتصرّف كما لو أنها لا زالت مراهقة رافضة أن تكبر ورافضة إقامة علاقات مع كبار‭.‬‮ ‬في‮ ‬نهاية الفيلم‮ ‬يتزوّج فابريزو من سلسيا ويترك عمّته تبكي‮ ‬ويمضي‮ ‬في‮ ‬السيارة بعيداً‮ ‬عنها‭.‬
هذه المشاغل التي‮ ‬تلطم أبطالها هي‮ ‬جزء من شبكة واسعة من التداعيات النفسية والجنسية التي‮ ‬كانت تثري‮ ‬أفلامه‭.‬‮ ‬كان في‮ ‬الرابعة والعشرين من عمره حين أخرج ما قبل الثورة سنة‮ ‬1964‮ (‬هذا كان ثاني‮ ‬أفلامه‭.‬‮ ‬الأول أخرجه حين كان في‮ ‬الحادية والعشرين من العمر‮) ‬أي‮ ‬في‮ ‬سن مفتوح على تجارب من سبقه في‮ ‬العمل في‮ ‬السينما خصوصاً‮ ‬جان‭-‬لوك‮ ‬غودار ومايكلأنجلو أنطونيوني‮ ‬ناقلاً‮ ‬بعض تأثيرهما عليه‭.‬‮ ‬لكن في‮ ‬الوقت ذاته،‮ ‬كان طري‮ ‬العود بحيث أن طموحاته من وراء بعض الحلول الفنية لمشاهده،‮ ‬من حيث معالجتها او علاجها صورة ولوناً‮ ‬وإنسياباً،‮ ‬لم تكن مثالية طوال الوقت‭.‬‮ ‬على ذلك،‮ ‬لم تشكّل عائقاً‮ ‬يُذكر أمام تقدير أعماله التي‮ ‬زخرت بمزيج من التجارب الخاصّة والأبعاد التوّاقة الى تشكيل حالات وشخصيات ومضامين‭.‬
مراجعة تلك الأفلام تشي‮ ‬بما هو أكثر من مجرّد أمثلة حول سعي‮ ‬أبطاله للخروج من كنف الأب وفشله في‮ ‬ذلك،‮ ‬او حول العلاقات الجنسية مع نساء ممتنعات عن الإنتقال الى الرشد على نحو او آخر‭.‬‮ ‬واحد من المضامين الأخرى هو وجود معلّم لكل بطل‮ ‬يأخذ محل أبيه‭.‬‮ ‬في‮ »‬استراتيجية العنكبوت‮« ‬كما في‮ »‬الملتزم‮« ‬هناك هذه الشخصية التي‮ ‬تكاد أن تحل محل الأب بالنسبة لبطلي‮ ‬الفيلمين لكن البطلين‮ ‬يرفضان في‮ ‬النهاية هذه التبعية‭.‬‮ ‬في‮ ‬كلا الحالتين‮ ‬يقف الأبوين الجديدين لجانب السعي‮ ‬للتغيير وإنكفاء البطلين عنهما هو حين‮ ‬يقررا العودة الى مصدريهما الحقيقي‭.‬‮ ‬

حلول جريئة٠
حين أنتقل برتولوتشي‮ ‬الى تجربة مقتصرة على عدد قليل جداً‮ ‬من الشخصيات في‮ ‬الأساس،‮ ‬الا وهي‮ ‬تجربة فيلم‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮« ‬رأيناه‮ ‬يدمج الشخصيات المتعددة في‮ ‬شخصية واحدة‭.‬‮ ‬مارلون براندو في‮ ‬ذلك الفيلم رجل ناضج‮ ‬يختلي‮ ‬وفتاة في‮ ‬مثل عمر إبنته‮ (‬ماريا شرايدر‮) ‬بالنسبة إليها فإن بول‮ (‬براندو‮) ‬هو الأب كما الحبيب المؤقت‭.‬‮ ‬حين‮ ‬يحاول بول مدّ‮ ‬علاقته‮ (‬التي‮ ‬كان في‮ ‬مطلعها أصر على أن تبقى حكراً‮ ‬على تلك الفترة التي‮ ‬سيمضيانها في‮ ‬الشقّة‮) ‬منقلباً‮ ‬الى معلّم‮ ‬يمثّل الحقيقة وينسحب من صورة الأبوّة او رمزها،‮ ‬تخشاه وينتهي‮ ‬الفيلم بإنفساخ العلاقة‮ (‬للمناسبة فقط‮: ‬كل الأفلام المذكورة كما‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮«‬،‮ ‬تحوي‮ ‬مشاهد رقص مراد لها تكثيف للمشاعر والإيحاءات أقواها ذلك الذي‮ ‬في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬حين‮ ‬يراقص بطل الفيلم عمّته وسط أفراد العائلة‮)‬‭.‬
الواضح أن برتولوتشي‮ ‬كان لديه الكثير مما‮ ‬يقوله في‮ ‬الموضوع العائلي‮ ‬وهو قاله بينما كان‮ ‬يبحث في‮ ‬الهوية السياسية الإيطالية والأوروبية‭.‬‮ ‬وهو قاله بعد ذلك بسنوات حين أخرج‮ »‬القمر‮« (‬1979‮) ‬وفيه مشهد اضطرار أم لإثارة إبنها‮ ‬المراهق بلمسه‭.‬‮ ‬عند برتولوتشي‮ ‬الحواجز العائلية تتهاوى تبعاً‮ ‬لضروريات المرحلة التي‮ ‬يمر بها الفرد،‮ ‬وإذا ما كان الفيلم‮ ‬يحمل مضموناً‮ ‬سياسياً‮ ‬عالياً،‮ ‬فتبعاً‮ ‬أيضاً‮ ‬للمرحلة السياسية التي‮ ‬يمر فيها البطل والوطن‭.‬
لكن هذا الخليط من الخاص والعام وذلك الصراع الفردي‮ ‬بين الإنتماء الى الهوية المكتسبة ومغريات التغيير،‮ ‬ليس كل ما كانت أفلام برتولوتشي‮ ‬تحويه من خطوط موازية في‮ ‬أعماله السابقة قبيل وصوله الى الملحمة الرائعة التي‮ ‬أخرجها سنة‮ ‬1976‮ ‬بعنوان‮ »‬1900‮«‬‭.‬‮ ‬في‮ ‬الكثير من أفلامه‮ ‬يتحدّث عن السينما وثقافتها‭.‬‮ ‬صديق فابريزو في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬يشعر بالضيق والأسى فينصحه فابريزو بمشاهدة‮ »‬النهر الأحمر‮«‬‭ ‬‮[‬هوارد هوكس1948‭-‬‮] ‬ولاحقاً‮ ‬‭-‬في‮ ‬الفيلم نفسه‭-‬‮ ‬يدخل فابريزو الصالة التي‮ ‬كانت تعرض‮ »‬المرأة هي‮ ‬المرأة‮« [‬جان‭-‬لوك‮ ‬غودار1961‭-‬‮]‬‭.‬‮ ‬والإشارات الى أفلام أخرى تغزو مشاهد متناثرة في‮ ‬أفلامه الأخرى ما‮ ‬يضعنا أمام حالة المخرج الإيطالي‮ ‬الذي‮ ‬استطاع إبتداع أسلوب بصري‮ ‬جريء من دون التنكّر لمراجعه الثقافية‭.‬‮ ‬
مخرجو اليوم مدعوون لمشاهدة‮ »‬إستراتيجية العنكبوت‮« ‬و»قبل الثورة‮« ‬و»الملتزم‮« ‬بسبب حلول المخرج الجريئة تلك حين‮ ‬يريد أن الربط بين ما‮ ‬يدور بصرياً‮ ‬وبين ما‮ ‬يدور فكرياً‮: ‬في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬حين‮ ‬ينتقل برتولوتشي‮ ‬من لقطة متوسّطة في‮ ‬المشهد الموسيقي‮ ‬في‮ »‬قبل الثورة‮« ‬فإن وسيلة إنتقاله هي‮ »‬زوم باك‮« ‬سريع الى بان سريع‮ ‬يلم بأرجاء دار للأوبرا‭.‬‮ ‬وفي‮ »‬استراتيجية العنكبوت‮« ‬يعود الى دار أوبرا لكن بمفهوم آخر‮: ‬ستكون مسرح الجريمة التي‮ ‬ستقع‭.‬‮ ‬

فضاء الداخل٠
على الصعيد الفني‮ ‬البحت،‮ ‬فإن‮ »‬آخر تانغو في‮ ‬باريس‮« ‬يشتغل طول الخط على تأليف الصور الخارجية‭.‬‮ ‬هناك تأليف مستمر في‮ ‬أسلوب الصورة العام وفي‮ ‬تشكيلها موزّعة في‮ ‬إستعارات رمزية متوالية وإيحاءات تبحر في‮ ‬الصورة المنتقاة للمكان بأسره مثل المباني‮ ‬المختارة لتصويرها في‮ ‬باريس وواجهة الفندق الذي‮ ‬تقع فيه بعض الأحداث وفي‮ ‬تفاصيل أخرى من نوع تلك الصور المتلاحقة حين‮ ‬يركب بطل الفيلم القطارت فتتحول المشاهد الصادرة من نافذته الى شيء أقرب من لمعان الصور‭.‬‮ ‬في‮ ‬المشاهد التي‮ ‬تقع داخل الشقّة فإن برتولوتشي‮ ‬يستعيض عن التنويع السابق بإدارة مثالية لتوزيع الكاميرا في‮ ‬المكان المغلق وتوزيع لقطاتها‭.‬
نصف الفيلم تقريباً‮ ‬يقع في‮ ‬ذلك المكان الداخلي‮ ‬حيث‮ ‬يلتقي‮ ‬العاشقين ويبدآن العودة الى طفولة شبقية‮ ‬غريبة‭.‬‮ ‬هنا على‭ ‬برتولوتشي،‮ ‬وأي‮ ‬مخرج آخر سواء أكان نبيل المالح في‮ »‬الكومبارس‮« ‬او محمد خان في‮ »‬زوجة رجل مهم‮«‬،‮ ‬أن‮ ‬يعتمد على الفضاء المتكوّن من المساحة المحدودة التي‮ ‬يشغلها المكان‭.‬‮ ‬وكثير من ذلك التكوين لا‮ ‬يعني‮ ‬لقطات بعيدة لإظهار كل الغرفة التي‮ ‬يقع فيها حدث ما‭.‬‮ ‬فذكريات بول‮ (‬براندو‮) ‬عن طفولته معبّر عنها بلقطات قريبة‮ (‬كلوز أب‮)‬‭.‬‮ ‬هنا الكاميرا وسيلة مزدوجة‮: ‬أولاً‮ ‬لتأكيد أهمية الحوار‭/‬‮ ‬الذاكرة وثانياً‮ ‬لتوظيف ما‮ ‬يحمله وجه الممثل من تعابير‭.‬‮ ‬وكلوز أب لإحتياجات أخرى في‮ ‬المشهد الشهير لبول وجين وهما في‮ ‬حوض الإستحمام‭.‬‮ ‬يظهر في‮ ‬الصورة رأس كل منهما وكتفاه‭.‬‮ ‬حين ترجع الكاميرا الى الوراء تكون أسّست لحاجة بول حين قال لها‮: »‬دعينا الآن ننظر الى بعضنا البعض‮«‬‭.‬‮ ‬اللقطة الأبعد هي‮ ‬أكثر تعاملاً‮ ‬مع ماديّة هذا الشبق إذ تتيح للفيلم إظهار المزيد من جسدهما العاريين‭.‬

الإنحدار
بعد كل ذلك الجهد في‮ ‬سبيل التكوين المازج بين ما هو ذاتي‮ ‬وبين ما هو عام،‮ ‬وبين كل السعي‮ ‬لإبتكار سينما خاصّة بالمخرج وتعمل بمنوال الهم الفني‮ ‬لنكس ما هو ضمني‮ ‬وبعيد او شخصي‮ ‬ودفين،‮ ‬نلحظ تراجع المخرج عما حققه الى مرحلة جديدة تكاد تكون مفصولة تماماً‮ ‬عن تلك السابقة‭.‬
خطأ إعتبار ولوج هذه المرحلة الجديدة نوعاً‮ ‬من التطوّر لسبب بسيط هو أن أفلامه‮ »‬السماء الساترة‮« (‬1990‮) ‬و»بوذا الصغير‮« (‬1993‮) ‬و»جمال خلاّب‮« (‬1996‮) ‬و‮ »‬محاصر‮« (‬1998‮) ‬ليست في‮ ‬أهمية أفلامه السابقة‭.‬‮ ‬وهي‮ ‬منحي‮ ‬جديد بدأ بفيلم فاصل في‮ ‬هذا الإتجاه هو‮ »‬الإمبراطور الأخير‮« (‬1987‮)‬‭.‬
‮»‬الإمبراطور الأخير‮« ‬قصّة حياة بو‮ ‬يي‮ ‬آخر إمبراطور صيني‮ (‬لعبه الصيني‮ ‬الأميركي‮ ‬جون لون‮) ‬منتقلاً‮ ‬من الرئيس القوي‮ ‬للصين الى رجل مخلوع تكرهه السلطة الشيوعية وتجبره الحركة الثقافية على العيش معوزّاً‮ ‬لحاجيات كانت تلقائية وفي‮ ‬متناول‮ ‬يده بمجرد التفكير فيها من المطالعة الى المضاجعة ومن الأكل الى الشرب و‭-‬بالتأكيد‭-‬‮ ‬الى كل ما‮ ‬ينتمي‮ ‬الى شؤون التعبير‭.‬
على المرء أن‮ ‬يفصل هنا بين العناصر التي‮ ‬استخدمها المخرج بطلاقة وسهولة لتقديم فيلم ملحمي‮ ‬وتاريخي‮ ‬في‮ ‬هذا النطاق،‮ ‬وبين الخط المختلف تماماً‮ ‬عن أي‮ ‬من الخطوط المميّزة لأفلامه السابقة‭.‬‮ ‬التوغل في‮ ‬حياة بو‮ ‬يي‮ ‬يختلف عن التوغل في‮ ‬حياة بطل فيلم‮ »‬الملتزم‮« ‬مثلاً،‮ ‬وهذا طبيعي‮ ‬جدّاً‭.‬‮ ‬ما هو مثار للتساؤل هو ميل المخرج لتحقيق هذا الفيلم بإعتماد أسلوب عمل أقل خصوصية من أساليبه الفنية السابقة‭.‬‮ ‬هنا كل شيء‮ ‬يبدو مصنوعاً‮ ‬وصناعياً‭.‬‮ ‬التصوير‭.‬‮ ‬الألوان،‮ ‬المستويات والأغراض التعبيرية بأسرها‭.‬‮ ‬بكلمة واحدة الـ‮ »‬لوك‮« ‬بأسره‭.‬‮ ‬إنه كما لو أن برتولوتشي‮ ‬الذي‮ ‬من بعد ملحمته الإيطالية‮ »‬1900‮« ‬أدرك أنه بحاجة الى التمدّد على المستوى الجماهيري‮ ‬وليس النقدي‮ ‬وحده فحقق فيلماً‮ ‬كان لابد أن‮ ‬يحقق كل ذلك النجاح الذي‮ ‬حققه‭.‬
ليس أنه بلا سياسة،‮ ‬لكن الفيلم من دون أن‮ ‬يرمش له جفن،‮ ‬يلغي‮ ‬ما سبق من مشاغل أبطاله ويوغل في‮ ‬مشاغل أخرى مستوحاة‮ ‬‭-‬بخط مستقيم‭-‬‮ ‬من البيوغرافي‮ ‬التي‮ ‬يتناولها‭.‬‮ ‬إنه الفيلم الذي‮ ‬سيكون بداية إستدارة المخرج برتولوتشي‮ ‬من سينماه السابقة ذات الإلتزام بالقضايا السياسية من أسلوب‮ (‬غالباً‮ ‬يساري‮) ‬الى سينما لا بحث لها في‮ ‬هذا المجال‭.‬
مباشرة بعده انتقل الى الصحراء المغربية ليصوّر فيها واحداً‮ ‬من أسوأ أعماله‮: »‬السماء الساترة‮«: ‬فيلم داكن الصورة وداكن النوايا أيضاً‮ ‬وكاشف جيّد لإنقلاب برتولوتشي‮ ‬بعيداً‮ ‬عن منواله السابق‭.‬‮ ‬
هذان الفيلمان وضعانا أمام مخرج‮ ‬يستلهم من شخصياته كما استلهمت نفسها منه‭.‬‮ ‬فهو إذا ما كان في‮ ‬السنوات السابقة مصدراً‮ ‬للشخصيات الحائرة بين الإتجاهات فإنه في‮ ‬السنوات اللاحقة أستلهم نفسه من تلك الشخصيات‭.‬‮ ‬بذا فإن المخرج الذي‮ ‬تحدّث أيديولوجياً‮ (‬وعلى نحو فني‮ ‬آسر‮) ‬عن نفسه وشخصياته وثقافة الجميع معاً،‮ ‬كما عن هواجسهم الجنسية والعاطفية،‮ ‬تحوّل الى مخرج مظهري‮ ‬استدار‮ ‬180‮ ‬درجة بعيداً‮ ‬عما شغله وشغل نفسه به من قبل‭.‬‮ ‬وهذا الإبتعاد تمرّس لاحقاً‮ ‬حين أخرى‮ »‬بوذا الصغير‮« ‬فبدا كما لو أن دفاعه عن البوذية هو رد على مواقفه اليسارية‮ ‬غير المتديّنة التي‮ ‬حققها سابقاً‭.‬
أمر واحد‮ ‬يبدو كما لو كان‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يشكّل عذراً‮ ‬لهذا الإنحدار‮: ‬في‮ ‬عالم اختلطت فيه الأوراق،‮ ‬وتفرّق فيه الرفاق وانتهى خلاله عصر القضايا الكبيرة،‮ ‬فإنه‮ ‬يكاد‮ ‬يكون طبيعياً‮ ‬أن‮ ‬يجد المخرج نفسه بلا هدف‮ ‬ينشده فيحاول الخروج من تبعاته كما خرج العالم بأسره من تلك التبعات‭.‬‮ ‬لكن‮ ‬‭-‬وفي‮ ‬النَفَسِ‮ ‬ذاته‭-‬‮ ‬هذه هي‮ ‬الهزيمة الفردية التي‮ ‬لا‮ ‬يجب أن تقع لـ‮ »‬ملتزم‮«‬‭.‬


Haskell Wexler | مدير تصوير بإمتياز
..................................................................................................‬
في هذه السلسلة، وبعد كريــغ تــود وغــوردون ويليس، يأتي دور مدير التصوير
هسكل وكسلر٠
سينماتوغرافر مختلف جدّاً قال عنه زميله ڤيلموس زيغمُند: "الأفضل
بين كل مدراء التصوير«
٠
..................................................................................................

الأفلام التي شوهدت لهذا الموضوع
Who's Afraid of Virginia Wolf? | Mike Nicols (1966) ***
In the Heat of the Night | Norman Jewison (1967) ***
Medium Cool | Haskell Wexler (1968) ***
One Flew Over the Cuckoo's Nest | Milos Forman (1975) ****
Bound for Glory | Hal Ashby (1976) *****
Coming Home | Hal Ashby (1978) ****
Matewan | John Sayles (1985) ****
..................................................................................................‬

ديڤيد كارادين في دور وودي غوثري
Bound For Glory
في سنة 1968 أخرج الأميركي الراحل جون كازاڤيتيس فيلماً صغيراً مستقلاً نيّراً أسمه
Faces
ونقرأ في العناوين أن مدير تصوير ذلك الفيلم هو آل روبان٠
آل روبان كان أحد مدراء التصوير المفضّلين لدى كازاڤيتيس إذ صوّر له بضعة أفلام أخرى كلها جيّدة منها
Husbands, Minnie and Moskowitz
The Killing of a Chinese Bookie و
لكن هسكل وكسلر اشتغل على هذا الفيلم أيضاً ولو أن إسمه لم يكن موجوداً. لذلك تراني أبحث كلما طالعني ذلك الفيلم لأجد فروقات في المشاهد وحساسيّتها وصياغتها لعلّي يمكنني أن أفصل عمل وكسلر عن عمل روبان، لكن الفيلم لا يتيح مثل هذه الفرص للأسف٠
رغم ذلك، ليس عجيباً أن يستعين كازاڤيتيس بوكسلر (قبل جلبه آل روبان كما أعتقد أنه فعل في هذه الحالة) فوكسلر عموماً، وآل روبان في أفلامه مع كازاڤيتيس كانا يوفّران الألفة التي يبحث عنها المخرج لأفلامه ويصر على تضمينها تلك الأفلام٠
وكسلر أكثر من سواه تعامل مع البيئة الإجتماعية والحدث الخلفي خلال التصوير واشتغل على أفلام ذات رسائل سياسية يسارية الخط في نظام يميني الخط٠ إذا كنت تريد تطبيقاً لمدير تصوير يستخدم الكاميرا كسلاح، كما كان شعار العديد من القوى الوطنية من لبنان الى اليابان في الستينات والسبعينات، فإليك مدير تصوير كان يطبّق ذلك تطبيقاً فعلياً. ولم يكن يطبّقه مفضّلاً الخطاب السياسي على الخطاب الفني، بل كان يعمد الى الإهتمام بفنّه أولاً. لم يكن قشيباً ولا مسرفاً بل حاول، ونجح في، التعبير عن البيئة التي تفرز المعطيات السياسية في مجمل أفلامه، أي بإستثناء
Medium Cool
حيث عمد، وقد اختار إخراج الفيلم بنفسه، منهج تعبير مباشر٠
إنه عن مصوّر تلفزيوني (روبرت فورستر) نتعرّف عليه من اولئك الذين يعتبرون أنفسهم بحل من تقديم المعونة إذا ما كانت الفرصة سانحة لتوظيف الحالة الطارتئة الى مادة خبرية٠ حادثة سيآرة قوية. ضحايا. لكنه سيصوّر فقط. تطوّره الشخصي (والسياسي) سيأتي لاحقاً حين يتعرّف على إمرأة (ڤيرنا بلوم) وإبنها وسيجد نفسه مطالباً بموقف يترك فيه موقعه السابق الى موقع ملتزم٠
موضوع سياسي يتطرّق فيه، وعلى نحو تجريبي مدروس، الى كل ما كانت تلك السنوات (1966-1969) تعج به من مواضيع وطروحات من حرب فييتنام الى سينما جان- لوك غودار مروراً بالعلاقات الإجتماعية التي تعيش على سطح صفيح سياسي ساخن٠ العنوان نفسه يعبّر عن رأي وكسلر في أن الوسيط الإعلامي الأميركي (لكننا اليوم نعرف أنه غير الأميركي أيضاً) وسيطاً بارداً وغير إنساني الا بحدود ما يمكن توظيفه من فرصة للتظاهر بالإهتمام٠
لكن وسط كل ذلك، راقب -إذا استطعت- التعامل مع الرجل- الشارع- الموقف- المدينة في تصويره٠ لاحظ تاريخ الإنتاج وكيف أن تصويره الشارع تجاوز ما حاول مخرجون آخرون التقاط نفسه بعد ذلك، الى التقاط ذلك النفس فعلاً وبأسلوب لا يخون لا نضج التصوير ولا فنّه٠

One Flew Over the Cuckoo's Nest
أعمال وكسلر شاسعة (82 سنة. بدأ 1958 ولديه فيلم من تصويره في العام المقبل) لكنه غالباً ما نجح في الإلتصاق بمبادئه السياسية من دون أن يخون تلك الفنية. حين فكّر المخرج ميلوش فورمان في مدير التصوير الذي يمكن أن يشاركه صرخته ضد النظام وتحويل مستشفى المجانين الى رمز للقمع لم يكن لديه سوى هسكل وكسلر والنتيجة تشهد عليها كل تلك اللقطات التي أولاً: تعاملت مع بيئة المستشفى على نحو دقيق وأثرت الفيلم باختيارات اللون والإضاءة والسياسة العامّة للتصوير٠
أخرج وكسلر فيلمين روائيين فقط، لكنه صوّر أكثر من 35 فيلماً روائياً ونحو 40 فيلم تسجيلي او وثائقي ونال الأوسكار عن
Who's Afraid of Virginia Wolf و Bound for Glory
أما بالنسبة لـ »واحد طارت فوق عش المجانين« فقد رٌشّح ولم يفز (نالها البارع الآخر الراحل جون ألكوت عن فيلم ستانلي كوبريك "باري ليندون«)٠
بداية وكسلر كانت في الفيلم التسجيلي، ولهذا تأثير مباشر على نوعيّة ما صوّره للروائي فإسلوبه، من تلك الأولى التى قام بتصويرها سنة 1962 مثل فيلم إرفنغ كيرشنر
A Face in the Rain
حتى تلك الحديثة مثل
Matewan
يستخدم المعايشة التسجيلية لتقديم القصّة الخيالية كموضوع واقعي٠ »ميتاوان« يدور عن عمّال المناجم والمخرج سايلس، في واحد من أفضل أعماله لليوم، أراد عملاً واقعياً. شيء مثل النسخة الأميركية من أفلام البريطاني كن لوتش٠ ووكسلر منحه ذلك »اللوك« وتلك المعالجة في آن٠
في الفيلم السابق، »وجه في المطر« عالج الموضوع بكاميرا محمولة الراكضة وراء بطله. الى ذلك الحين كان ذلك الإستخدام، بهذه الطريقة ومع كاميرا محمولة، محدوداً جدّا. ويمكن مشاهدة بعض قدراته في هذا المجال أيضاً في فيلم إيليا كازان
America, America
العام 1963 لكن الفيلم الذي جذب الأنظار إليه كان »من يخاف فرجينيا وولف« سنة 1966
أعتقد أن قيمة الفيلم من ناحية التصوير أمر يمكن الإختلاف من حوله على أساس قيمة كسر الأصل المسرحي باستقدام كاميرا محمولة واخذ لقطات قريبة لوجوه الشخصيات المشتركة في هذه الدراما حول زوجين (رتشارد بيرتون وإليزابث تايلور) يكابدان مرارة السنين وانهيار الحب السابق٠ في مقال لها عن هذا الفيلم ذكرت مجلة
The Movie Maker
قبل سنوات قليلة أن رتشارد بيرتون كان يخشى من أن تؤدي اللقطات القريبة للوجه الى إظهار علامات تشويه خلقي، لكن طريقة واكسلر لمعالجة ذلك كانت كسر الإضاءة بتعتيم او إضعاف مصدرها حتى لا تظهر تلك الأخاديد الصغيرة على وجه الممثل٠ لكن من يشاهد الفيلم اليوم سيلحظ أن هذا الإعتماد ساد ليس في تلك اللقطات بل في معظم لقطات ومشاهد الفيلم. بذلك خلق المخرج تناسقاً بين أسلوبه في تحريك الكاميرا ثم أسلوبه في إشراك الكاميرا تغيير الشكل الكامن في عملية الإقتباس المسرحي٠
حين قرر ميلوش فورمان بعد تسع سنوات انتخاب »واحد طارت فوق عش المجانين« لتكون أول أعماله الأميركية اختار عملاً يعكس تاريخه إذ سبق له وأن تصدّى، عبر أفلامه التشيكية السابقة، الى النظام الشيوعي بالنقد٠ وهو قال أن الغاية من وراء هذا الفيلم هو تقديم المستشفى كرمز للفاشية في النظم الشيوعية. لكن هناك ثلاثة جوانب كل منها تؤكد أن المخرج، بقصد او من دون قصد، تحدّث عن أي نظام فاشي او سُلطوي، وأن المنظور العام قد يجعل الفيلم معادياً حتى للنظام الأميركي. هذه الجوانب هي أن رواية كن كايسي، التي تم اقتباس الفيلم عنها، أميركية مجازاتها لا تقصد غير أماكن أحداثها الأميركية٠ أن النقاد عموماً يعتبرونه واحداً من أفضل الأفلام السياسية المعادية للنظام (أي نظام) تم لهوليوود إنتاجه. وأن الرمز المتعلّق بالشخصية التي يؤديها ول سمبسون (الهندي الأحمر) هو رمز أميركي بسبب جذور تلك الشخصية الضاربة٠
أمر واحد سعى وكسلر لتأكيده والمخرج فورمان هنا: الفيلم ليس دراما تتنفّس الأجواء الداخلية لمستشفى أمراض عصبية. بذلك هو ليس فيلم رعب او فيلم تشويق او حتى فيلم معالجات نفسية. لذلك الأجواء التي على وكسلر تأليفها عبر الكاميرا (كذلك تلك التي يبتكرها تصميم المناظر والإنتاج الخ...) عليها أن تكون بعيدة عن أي من تلك المعالجات. البديل، كما يلاحظ المشاهد، هو أن المستشفى، كغرف وكعنابر، مضاء جيّداً٠ الفيلم كوميديا ساخرة عن مرضى عصبيين في مستشفى تديره إمرأة لا قلب لها٠ وبين هؤلاء متمرّدين إثنين. مورفي (جاك نيكولسون الذي نال أوسكاراً عن هذا الدور) والزعيم (الهندي) برمدن (ول سيمبسون). في الرواية، برمدن هو المعلّق على الأحداث. في الفيلم اختير ليكون المعلّق الصامت. الكاميرا تلتقطه دائماً صامتاً يفحص بناظريه ويشهد من دون أن يتحدث كثيراً٠ وذلك -ولو أن هذا الكلام يصب في خانة الإخراج وليس مدير التصوير- يخلق تآزراً وتناقضاً في آن. تصوير وكسلر لكل الشخصيات متساو بالنسبة من حيث اهتمامه بعنصري الإضاءة والظهور خصوصاً وأن معظم المشاهد مضاءة بنوع ملحوظ من التوازن الا في الحالات التي يُراد منها تأكيد سلوك شخصية ما (مثل اختيار اضاءة غير محببة للممثلة لويس فلتشر التي لم يكن سبق لها أن ظهرت في السينما من قبل والتي قبلت الدور بعدما رفضته بضعة ممثلات قبلها) وشرورها فيعمد مدير التصوير الى تظليم الخلفية واللعب على الضوء المتسرّب الى الوجوه (كمشهد المواجهة الأولى بينها -كمديرة المستشفى القاسية- وبين مورفي)٠
حقيقة أن الفيلم -في معظمه- صُوّر حسب تتابع أحداثه (ونحن نعلم أن العادة جرت التصوير حسب ترتيب الأماكن أولاً) لابد منح وكسلر القدرة الأفضل على التحكّم بسياسة تصوير سلسة. ليس أن هذه السياسة لا تتأتّى الا عبر تصوير متتابع حسب الأحداث، لكنها تمنح مدير التصوير ميزة هو حر في استخدامها إذا شاء٠


على أكثر من صعيد، يتقدّم
Bound for Glory | جدير بالمجد
لهال أشبي على فيلم ميلوش فورمان ككل والتصوير فيه على التصوير في فيلم فورمان أيضاً٠
لأنه إذا ما كان هم »طارت فوق عش المجانين« (والطيران هنا حسب القصّة مقصود به الوزّة وليس البشر حسب كلمات أغنية وردت في الرواية الأصلية وتقول: ثلاث وزّات طارت.... واحدة طارت شرقاً والثانية طارت غرباً .... والثالثة طارت فوق عش المجانين) يتوارى خلف رمزياته مخلّفاً بعض الخلل في المدلولات وواقعاً في قدر من الإستعراضية، فإن »جدير بالمجد« هو تحديداً عما أراد الفيلم السابق الوصول اليه مجازاً إنما مع الغروق في الواقعية: هال أشبي، الذي كان مخرجاً لا يقل شعوراً ثورياً عن هسكل وكسلر قام هنا بتناول فترة الركود الإقتصادي في العشرينات عن طريق سرد حكاية (اقتبسها المغني الشعبي وودي غوثري عن سيرته) وهي حكاية من العوز والنضال الإجتماعي والإستفادة من القدر الكبير من الحريّة والإستقلالية الديمقراطية التي يتمتّع بهما النظام في الولايات المتحدة٠ غوثري، كما كان وكما نراه في الفيلم، كان يغنّي للنقابات العمّالية وكان يرحل من بلدة الى أخرى وعبر رحيلة يعيد المخرج تأليف الوضع الإجتماعي الذي كانت تمر به أميركا حينها بينما كانت تلتقط كاميرا وكسلر الإحساس بالبيئة لوناً ودفئاً ومعايشة٠
في هذا الفيلم استخدم وكسلر نظام الـ
Steadicam
وكان ربما أوّل مدير تصوير رئيسي (وإن لم يكن الأول عموماً) الذي يستخدم هذا النظام. المشهد الذي يثير الإنتباه في هذا الصدد هو ذاك الذي تهبط فيه الكاميرا الى الأرض من علو بسيط ثم تسير مع غوثري (كما مثّله ديفيد كارادين) الى حيث يمشي لحين قبل انضمامه الى مجموعة من العمّال المتحلّقين٠ كتابة هنا لا يبدو المشهد مميّزاً، لكن على القاريء أن يشاهد الفيلم بنفسه لكي يدرك التفاصيل التي تتكوّن منها الحركة ولماذا وكيف يتآلف تصوير المشهد هذا مع استخدام الكاميرا العادية (ثابتة او محمولة) في المشاهد الأخرى٠

نقاط حوار
هل تعتقد أن السيـنما العربية تمارس
مثل هذا البذل والجهد
في مجال التصوير؟
هل تعتقد أن نوعية الأحداث هي

التي تفرض نوعية التصوير أم أن
التصوير يبقى منفصلاً
؟


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular