Nov 16, 2008

ISSUE 360 | Gommorah & the Italian Mafia | Mostapha Akkad's in My Memory 2

A Journal of Criticism On Films, Filming & Filmmakers | Editor: Mohammed Rouda |
mohammedrouda@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباح الخير: أواصل سرد بعض ذكرياتي عن الراحل
الكبير مصطفى العقاد الذي أفتقده كثيراً هذه الأيام |
سينما الغانغسترز
تنتعش فجأة بسبب الفيلم الإيطالي






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذكريات | المخرج العربي مصطفى العقّاد
-2-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لماذا تختار أمّة العرب الموت انتحاراً وإندحاراً؟
أسأل نفسي اليوم وأنا أحاول أن أجمع بعض ذكرياتي مع المخرج العقّاد. حدث أني قرأت هجوم الزميل إبراهيم العريس على فكرة إطلاق إسم المخرج على أحد شوارع بيروت لكن سواء أتم إطلاق إسم مصطفى العقّاد على شوارع مدينة في بيروت او في هونغ كونغ.... ما الفائدة؟ أقصد ما الفائدة اليوم بعدما استبعدته الأنظمة من مشاريعها. لا هي عرفت كيف توظّفه لمزيد من الأفلام التي كنّا بحاجة إليها ولا هو عرف كيف لا يأبه لها


مصلحة ماديّة؟ طبعاً. كيف له أن ينجز أفلاماً ملحمية من دون تمويل؟ ولماذا ستقوم مترو او وورنر او كولمبيا بتمويل فيلم له هي لا تريده أصلاً؟ فيلم عن صلاح الدين؟ فيلم عن الإسلام؟ فيلم عن العرب؟
Who gives a damn?
إذا العرب لم يكترثوا ترجمة بعض دررهم التاريخية القليلة الى الشاشة الكبيرة بيد خبير من سيكترث؟ كان يقول: فيلم واحد لا يكلّف ثمن طائرة حربية واحدة من تلك التي يشترونها ويخزّنونها. على الأقل الفيلم تستطيع أن تعرضه وتوصل رسالتك وبعد 11/9 يدرك كل عربي في هذا الجزء من العالم او في خارجه كم كنّا بحاجة الى فيلم يعزز الصورة الصحيحة ويوفّر المفهوم الناضج عنّا وعن تاريخنا وعن قوميّتنا٠
منحوا السيناريو موافقتهم ثم منعوا عرضه..... واو.... تقدّم مذهل في علم العلاقات. لكننا نعرض أفلاماً مهينة لنا ونترك للتجار الموزّعين احتلال كل الشاشات بأسوأ ما يمكن جلبه من أفلام عقيمة وتافهة. لماذا وقف المنع عند فيلم »الرسالة« وهو لا يخرج عن نصوص الشرع وما سمح به وما لم يسمح به؟ ثم لماذا يا ترى نصرخ »لا تفريط بالقدس« ونرتجف فزعاً إذا ما حاول مخرج من شأنه تحقيق فيلم عن صلاح الدين الأيوبي الذي دافع عن القدس. فيلم يقدّم التاريخ الناصع؟
لا تفريط بالقدس؟
كلهم يفرّطون بالقدس بدءاً من الزعماء الفلسطينيين المنشقّين الذين يحاول كل طرف فيهم جذب البساط الى ناحيته٠ هم يتجاذبون وإسرائيل تضرب وتدمّر وتحتل المزيد من الأراضي وتبني المزيد من المستوطنات ليس بعيداً على الإطلاق من المسجد الأقصى٠
قال العقاد لمحطّة »الجزيرة«: "أتي (يقصد الى العالم العربي) بشوق وأغادر بدمعة" كما لو كان يتحدّث عني وعن كل مهاجر يريد الأفضل لهذا الجزء من العالم لكن هذا الجزء من العالم لا يريد الأفضل لنفسه. ارتاح على الإندحار .... ربما ينظر الى القاع ويقول "لم يبق سوى القليل ونصبح في القاع....جيد"٠


فيما أصبح زيارتي الأخيرة٠
أوقف السيارة. آخذ المصعد. أصعد الدرج الى المبنى الآخر. آخذ المصعد الى الطابق الحادي عشر وأدخل مكتبه وأنظر من النافذة العريضة الى مول السنتشري بلازا. نتصافح ونجلس ويسألني مباشرة
هل ستحضر مهرجان القاهرة؟
لا أدري. مهرجان القاهرة يدعو لخمسة أيام فقط ولا أرى نفسي آت من اميركا على طول طريقها لأحضر خمسة أيام وأعود٠ عادة ما أكتب رسالة الى رئيس المهرجان تطلب التمديد وهم عادة يمددون... لكن لماذا عليّ أن أفعل ذلك؟ لماذا لا تكون الدعوة لكل الأيام من الأول....؟

يقاطعني
سألتك سؤالاً واحداً٠
قلت وأنا أضحك من مطوّلتي: لا أدري. أريد أن أذهب لماذا؟
أجاب
سأسافر بعد أيام الى بيروت ومنها مدعو الى عمّان ثم الى القاهرة. لم لا أراك هناك؟
أعتقدت أن الداعين هم مموّلون محتملون وكان العقاد أمضى السنوات الخمس الأخيرة يقبل دعوات من مسؤولين ورجال أعمال وأثرياء عرب يخبرونه فيها أنهم يريدون إنتاج »صلاح الدين« لكنهم كانوا يرغبون في الإجتماع به ودعوته الى حفلات ومجالس ودواوين والحديث في المشروع من دون نتائج محددة٠
لكنه في تلك الجلسة أخبرني أنها دعوة خاصّة يحل فيها ضيفاً على حفلة عرس٠
كان يتمنّى أن آتي الى مهرجان القاهرة ويراني هناك٠
كنت أرتاب في أني سأفعل. ولم أفعل. الخبر جاء الى حيث أنا بعد أيام٠ مجرم من المتطرّفين الزرقاويين فجّر الفندق خلال الحفل وقضى على حياة وآمال وأحلام وسعادات ناس كثر٠ أحدهم كان مصطفى العقاد وإبنته٠ أنتهى فصل عربي٠
بذلك إنتهت، مرحلياً على الأقل، رسالة شخص عربي أحب العالم الذي جاء منه. هل هو عالم لا يمكن الوقوع في حبّه؟
كل يوم لنا فيه يكاد يبرهن ذلك٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث مع مصطفى العقاد حول متاعب تصوير
فيلمه الكبير الأول »الرسالة« : كيف بدأ وكيف
كاد أن ينتهي .... قبل أن ينتهي
٠

أريد أن أنشر هنا مقابلة نشرتها في مجلة »الصياد اللبنانية« حين كانت لا تزال تصدر في لندن في مطلع الثمانينات. كنت استطيع نشر واحدة من مقابلات أنجزتها في التسعينات مثلاً، لكن تلك وجدتها أشمل شأناً . فيها الموقف وفيها التاريخ وفيها الذات الإنسانية٠ وهي ليست مقابلة س وج، بل اتدخل شارحاً ومعلّقاً ما أعتقد أنه يزيدها فائدة٠
هنا نبدأ

منذ »الرسالة« و»عمر المختار« انقطعت اخبار المنتج والمخرج العربي مصطفى العقاد عن العالم العربي. البعض قال بأنه لم يعد يكترث لأفلام التاريخ رغم النجاح الهائل الذي حققه على صعيد ضخامة الإنتاج ونوعيّته، وأنه عاد الى لوس أنجيليس يائساً من كل العالم العربي لأنه (العالم العربي) لأنه لم يقدّر ما فعل وما قد يستطيع أن يفعل. البعض الآخر قال عكس ذلك تماما وأكد أن العقاد يتهيأ لإخراج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي وأنه يعد لسلسلة من المفاجآت في هذا الحقل. »الصياد« قامت بزيارة المخرج العربي الكبير في لوس أنجيليس، حيث حاورته حول كل شيء، بدءاً من خطواته الأولى في السينما وحتى يومنا هذه. ولكن من هو مصطفى العقاد لمن لا يعرفه تماما؟

ولد مصطفي العقاد في العام 1938 في حلب. والده رجل يؤمن بالسعي والعلم وقد أنجب الى صفّه عدد من الأشقاء الذين مالوا الى صنوف شتّى من الإهتمامات والثقافات. لكن مصطفى كان وقع في غرام السينما باكراً. تلك الأفلام الأميركية التي شاهدها في الصالات المحلية في حلب في بداية الخمسينات كانت تؤجج رغبته بدارسة السينما والعمل بها. شاهد أفلاماً عربية أيضاً لكن الفارق كان واضحاً وطموحه صار القضية التي يعمل لها٠
في سن التاسعة عشر من عمره سافر الى الولايات المتحدة ليدرس السينما. إثر تخرّجه من جامعة كاليفورنيا دخل جامعة ساثرن كاليفورنيا وتخرّج منها بماجستير في الفنون الجميلة٠

لم يكن الأمر هيناً خلال سنوات الدراسة ولا بعدها٠ في هوليوود مئات الخريجين في شتى أصناف العمل السينمائي، لكن قلّة منهم فقط التي تجد لنفسها مكاناً للعمل وتحقيق بداية الطموحات. ناهيك عن استكمال تلك الطموحات وبلوغ الأهداف البعيدة التي خططها لنفسه٠

عمل العقاد في أكثر من حرفة بعد تخرّجه. الستينات كانت الفترة التي كان التلفزيون فيها لا يزال ينمو سريعاً ويهدد دخل الصناعة السينمائية أكثر وأكثر. والعقاد وجد نفسه وقد دخل الوسط التلفزيوني من خلال العمل مع مخرج تلفزيوني فرض نفسه لاحقاً على السينما هو الراحل سام بكنباه
يقول العقاد متذكّرا

بكنباه كان صنفاً صعباً من المخرجين، لكنه كان من بين أفضل من يستطيع المرء التعلم منهم. كان حرفياً ماهراً لكنها لم تكن حرفة خالية من رؤية ذاتية عميقة٠ مثل شخصياته كان وحدانياً، ومال في أواخر أيامـه الى الشرب وتكاثرت عليه الأمراض. أما أنا فلا أقدر أن أنكر أني تعلّمت منه في مطلع عملي حين اشتغلت معه كأحد مساعديه٠

هل كنت تعلم بالعقبات التي واجهتها لاحقاً عندما بدأت التخطيط لمسيرتك؟

طبعاً، كنت أعلم أن انتاج وتنفيذ »الرسالة« ليس أمراً هيّناً. العالم العربي اعتاد سينما سهلة وعاطفية ولا يمكن لهاأبداً أن تنجح في حمل رسالتها الى جمهور غير عربي. وكما تعلم كانت هناك أفلام عن الإسلام من قبل »الرسالة« ولا شك أن عدداً منها كان مخلصاً لكنه لم يكن يمتلك وسيلة التعبير الصحيحة لمخاطبة العقل الغربي. أضف الى ذلك أن مجرّد طرح مسألة فيلم عالمي سوف يضع المرء في وَسَطٍ مختلفمن المشاكل لاحقاً. مشاكل التوزيع الخارجي والتعامل مع السوق وشركاته وهذه أمور على السينمائي أن يعيها ويكون مستعداً لها. من ناحية أخرى، كنت أعلم أن موضوعاً دينيناً لابد وأن يواجه بالتساؤلات والمحاذير. لذلك كنت مصرّاً على أن أنال موافقة الجهات الدينية الرسمية في المراكز الأساسية في العالم العربي٠

في سنة 1973 وصل العقاد الى بيروت وفي يده مشروعه. بيروت كانت نقطة انطلاق مثالية. والعقاد لم يضع وقتاً في الجلوس على المقاهي الثقافية ولا في المحافل الكلامية بل انطلق ساعياً وراء تحقيق مشروعه. في غضون أشهر انتهى من جمع تواقيع علماء الأزهر المصري ودار إفتاء بيروت. وكان اتخذ لنفسه مكاتب في بناية حديثة مواجهة لسينما الحمراء في شارع الحمراء، واستعان بإمرأة ذات إرادة وسعة إطلاع وقدرة على التنظيم أسمها تجون برقش للإعتناء بشؤون مكتبه ولاحقاً مارست المهمّة ذاتها أثناء تصوير »الرسالة« ثم »عمر المختار« من قبل أن تستقر في المكاتب التي افتتحها العقاد في ستديوهات تويكنهام القريبة من لندن٠


بعد إعادة كتابة السيناريو واستكمال الموافقات من المراجع الدينية المختلفة، ازداد تركيز العقاد على النواحي الإنتاجية ذاتها. الميزانية المقررة لفيلم من هذا النوع كانت نحو عشرة ملايين دولار وقد توفّرت من ممولين عرب مختلفين من بينهم محمد السنعوسي وكيل وزارة الإعلام الكويتي الذي كان بدوره درس السينما في كاليفورنيا وعاد الى الكويت باحثاً عن الأرضية المناسبة لممارسة وتطبيق ما درسه٠
فيلم »الرسالة« كان فرصة سانحة للإنخراط في معمعة العمل ودراسته. كما كانت لقاءات التعارف الأولى بينه وبين مصطفى العقاد قد أثمرت عن صداقة فورية وتفهم كامل٠
بوشر بتصوير الفيلم في الصحراء المغربية. أخيراً العقاد في سبيل إنجاز طموحه الكبير. الصحف، عربية وغربية، تناقلت التحقيقات المصوّر والمقابلات وبدا كل شيء على أفضل ما يمكن أن يكون. فجأة صدر قرار من مكتب ملك المغرب يقضي بإيقاف التصوير فواجه العقاد بذلك أوّل أزمة حقيقية٠
يقول

كان إيقاف التصوير في أوج العمل بمثابة فتح نوافذ القضاء على الفيلم برمّته.ذلك لأنه لو كان الفيلم من نوع صغير لكان الأمر هيّناً. لكنه كان من الإنتاج الضخم بميزانية تزيد عن عشرة ملايين دولار [توازي عند تلك المرحلة من الفيلم نحو ثلاثين مليون دولار حالياً] وفوق ذلك كان لدي مئات الجموع ومئات الفنيين والموظّفين وعشرات الجمال والخيول وأنواع العتاد والحمولات وكان نقلها من المغرب الى أي مكان آخر كفيلاً بإحداث خلل كبير في الميزانية٠

طار العقاد من المغرب الى ليبيا واجتمع مع العقيد معمّر القذّافي. قدم له نفسه وعرّفه على ما يريد وعلى ما حدث معه واطلعه على متطلّباته إذا ما وافقت ليبيا على استضافة الفيلم. استمع العقيد منصتاً . سأل ما أراد ثم عاد بعد أيام قليلة وأخبر العقاد أنه يستطيع الإنتقال الى ليبيا لتكملة الفيلم وأنه أيضاً يستطيع طلب الخدمات التي يريد ومن بينها توفير نحو خمسة آلاف عنصر من الجيش الشعبي الليبي لتحويلهم الى جموع العرب في المشاهد الكبيرة التي تتطلب الحشود والمعارك٠

لولا هذه البادرة لكان من المستحيل تكملة التصوير على ما اعتقد. لكن النتيجة الفورية هي ارتفاع الميزانية من عشرة ملايين الى الضعف علماً أننا كنا نصوّر فيلمين معاً. واحد عربي بممثلين عرب وآخر غربي بممثلين أجانب٠

يتبع٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملف فيلم | غمورا وأفلام المافيا الإيطالية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



العصابات (او الغانغسترز في إسمها الأشهر حول العالم) تتألّف من كل أشرار يتجانسون في أكثر من ناحية، بينها ناحية الخلو من الروادع الأخلاقية وناحية البزنس الذي يمارسونه أكثر من سواه، فيؤلّفون مجموعة تلتقي على الأهداف المناطة وتخطط لإنجازها٠
وهناك عصابات في كل أنحاء العالم تقريباً منها عصابات شوارع، وعصابات تجارة الممنوعات وعصابات السرقة وعصابات تنفيذ المهام الجنائية وعصابات التجارة بالرقيق والأجساد والكثير سواها في كل ناحية٠ والعصابات غير المنظورة ربما أكثر من تلك المنظورة. الأخيرة قد تقف عند ناصية شارع في هارلم، نيويورك او في إيست لوس أنجيليس. الشارع ينتمي اليها والشارع الآخر الى عصابة أخرى وكلاهما يتنافسان في فرض الخوّة او في بيع المخدّرات او إدارة بيوت الدعارة٠ لكن تلك غير المنظورة لا شوارع لديها. كل المدينة قد تقع تحت قبضتها. هي التي توفّر التجارة الممنوعة (أيما كانت) وهي التي تدير شبكة من مئات، او ربما عشرات ألوف الأعضاء في أنحاء العالم. بعضها من القوّة والنفوذ بحيث لا يستطيع البوليس فعل شيء حيالها سوى الإلتفاف بعيداً. وإذا كان البوليس قوي الشكيمة فإن الرشوة تجد طريقها وإذا لم تفعل فالحرب بين القانون والخارجين عليه هي التي تأخذ طريقها٠


هذا لا نجده في الحياة العامّة فقط، بل على الشاشة والسينما ألفته من الثلاثينات حين قدّمت أفلام العصابات القديمة من بطولة جيمس كاغني، جورج رافت، إدوارد ج. روبنسون، همفري بوغارت وسواهم٠ كانت أفلاماً تريد أن تظهر أن طريق الجريمة تنتهي بالقضاء على أصحابها، لكنها في الكثير من الأوقات كانت ايضاً تمد يد الإتهام للمجتمع نفسه: الحاجة الى ابتياع الحلم الأميركي الكبير، البطالة، التهمة البريئة التي يُسجن أحدهم بسببها وحين يخرج لا يجد بدّاً من الإنضمام الى العصابة طالما أن له سابقة الآن لا يستطيع محوها الخ....٠

العصابات المنظّمة العاملة في أميركا توزّعت أساساً بين ثلاثة أجناس: هناك العصابات اليهودية، وهي تلك التي تألّفت في مطلع القرن الماضي من المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا وانتشرت -خصوصاً- في المدن الشرقية للولايات المتحدة (نيويورك ودترويت وشيكاغو) قبل امتدادها الى لاس فيغاس في الغرب٠ وهناك العصابات الأيرلندية، التي تألّفت بدورها من مهاجرين وأبناء مهاجرين ايرلنديين بدءاً من القرن التاسع عشر. ثم هناك العصابات الإيطالية، وهي التي انتشرت في الثلاثينات وما بعد واقتسمت الولايات المتحدة مثل قطعة حلوى كبيرة، كل عائلة تهيمن على قطاع او مدينة كبيرة٠
طبعاً هي ليست كل شيء. هناك عصابات أميركية بحتة لكنها لم تكن منظّمة تماماً، مثل عصابات بوني وكلايد وعصابة دلنجر وعصابة بايبي فايس نلسون وسواها٠

وكلّها انتشرت على الشاشة الأميركية لكن العصابات المافاوية هي الوحيدة التي احتتت نصيب الأسد في الإنتاجات الإيطالية وهذا أمر مفهوم كون المافيا التي انطلقت قبيل صعود الفاشية الإيطالية ولازمتها وسياستها خلال الحرب ثم قوى ساعدها بعد الحرب حتى من بعد إنهيار الفاشية، جاءت من الجنوب الإيطالي أساساً. معظم هذه الإنتاجات دارت أحداثه في إيطاليا ذاتها، لكن هناك قدراً منها سافر عبر الأطلسي الى الولايات الشرقية من أميركا لتكملة القصّة التي أرادت سردها٠

ايطاليون في أميركا

حين قدّم فرنسيس فورد كوبولا »العرّاب« سنة 1972 عالج موضوع المافيا الإيطالية في الولايات المتحدة على نحو غير مسبوق. ليس الفيلم الأول عن المافيا الإيطالية في أميركا، بل سبقته كل تلك الأفلام السوداء- البيضاء في الخمسينات والستينات عن الموضوع مثل فيلم »مذبحة يوم فالنتاين« لروجر كورمان (1967) و»آل كابوني« لرتشارد ولسون (1959) ، لكن الجديد الذي وفّره كوبولا هو إلقاء نظرة لا تُدين مباشرة عائلة كارليوني، بل سواها من العائلات المافوية٠ كارليوني، حسب الفيلم، ربما كانت تدير الكازينوهات وتفرض ظلالها على ميادين أخرى، لكن المخدرات -مثلا- ليس من بين تلك الميادين، وحين تحاول عصابة مخدّرات التقدّم من دون كارليوني (براندو) بالسماح لها بأن توفر التجارة في مدينتها تعارض العائلة لأن الدون ليس مع هذه التجارة على الإطلاق. طبعاً هذا ما يؤدي الى محاولة قتله ثم الى قيام أحد أبنائه (آل باتشينو) بالإنتقام ليس فقط من رئيس تلك العصابة (آل لتييري) بل من البوليس المرتشي (سترلينغ هايدن) ورئيس العائلة المناوئة من المافيا (رتشارد كونتي) وكل من خان بقصد او بدون قصد والده٠
نجاح »العرّاب« فتح المجال أمام انتاجات أميركية وأميركية- إيطالية تناولت المافيا من زوايا أخرى من دون أن ننسى الجزأين الثاني والثالث من »العرّاب« ذاته٠
هناك- على سبيل المثال- فيلم
The Valachi Papers
الذي أخرجه ترنس يونغ لحساب المنتج الإيطالي دينو ديلارونتيس وعرض مباشرة بعد »العراب« وفيه يبحث العصاباتي جو فالاتشي (تشارلز برونسون) عن السبب الذي يحاول فيه رئيس عصابة المافيا فيتو (لينو فنتورا) قتله٠
المخرج الأميركي رتشارد فلايشر تناول المافيا عبر فيلم
The Don is Dead
للمخرج رتشارد فلايشر مع أنطوني كوين وفردريك فورست وروبرت فوستر. الأول يريد معرفة من يقف وراء محاولة اغتياله٠
وحين رغب المخرج المستقل جون كازافيتس تحقيق فيلم بوليسي عمد الى قصّة حول إمرأة تواجه المافيا وحدها وذلك في فيلم »غلوريا« سنة 1980 الذي أعاد سيدني لوميت إخراجه سنة 1999 في فيلم أقل جودة وأهمية من الفيلم الأول٠

فرانشيسكو روزي

كل هذه أمثلة لأفلام عرفت انتشاراً حينها لأن التوزيع آل الى شركات كبرى مثل باراماونت وكولمبيا ويونيفرسال، لكن هناك عدداً كبيراً من الأفلام الإيطالية المحضة التي عرفت شهرة من دون أن تعرف ذات النوع من الإنتشار كونها خرجت من بوتقة السينما المحلّية وتوجّهت، بسبب أسماء صانعيها كفنانين سينمائيين- الى مهرجانات السينما قبل أن تعرض على شاشات محدودة حول العالم. وسنجد، ، إذا ما بحثنا، أن المخرج الإيطالي فرنشيسكو روزي٠
روزي، المشهود له بأعمال في مجالات أخرى بينها المقتبس عن مسرحيات موسيقي مثل »كارمن«، عالج المافيا بدءاً من مطلع السبعينات في القرن الماضي. أحد أبرز أفلامه في ذلك الحين »قضية ماتاو« و»جثث لذيذة« وكلاهما يتعاملان مع الجريمة المنظّمة في صقلية وشمالها من خلال اسلوب شبه تسجيلي يعيد رصف الحقائق كما لو كان يقرأ في ملفات الشرطة (وهو استمد من هذه الملفات الكثير من معلوماته فعلاً). وستبقى أعماله -التي منها أيضاً »لوتشيانو المحظوظ« او
Lucky Luciano
الذي كان مادّة لبضعة أفلام أميركية أيضاً من بين أهم ما طرحته السينما الإيطالية في هذا المجال خصوصاً وأن منهج روزي كان جريئاً في محاولة الكشف عن منهج المافيا الدموي وارتباطها، في حقبة أولى، بمنهج الحركة الفاشية مؤيدة لها ومعتبرة أن سياستها اليمينية المتشددة تلتقي وإياها٠

مختلف

هناك أفلام أخرى عديدة في هذا الإتجاه، لكن إيطاليا وأوروبا اليوم تتحدّث عن فيلم واحد في هذا الصدد كان مهرجان »كان« السينمائي كشف النقاب عنه وألهب حماس النقاد منذ ذلك الحين هو
Gomorrah
المبني على كتاب لروبرتو سافيانو وهو على الرغم من أنه لا يتحدّث عن مافيا بالرمو او صقلية، بل ينتقل الى تلك التي تحيا في نابولي شمالاً، الا أنه يقترب من الموضوع على نحو كاشف عن أثر العصابة النابولية على المجتمع في تلك المدينة بأسره. ترهب الناس وتفتح النار على من تعتبره خطراً عليها وتروّع الأفراد والمؤسسات وتغتال الشخصيات وتتاجر بكل شيء٠ غامورا عصابة غارقة في القدم (يقال أن عمرها يزيد عن مئتي عام) لكن الكتاب، والفيلم كما أخرجه ماتاو غاروني، يذكران أن أعمالهما المخالفة للقانون لم تكن بذات الحدّة والإرهاب الممارسة اليوم. عصابة غامورا لا تملك اليد العليا في تجارة الرقيق والأجساد والمخدرات فقط، بل باتت تتدخّل في صناعات أخرى من بينها الأزياء٠
كلاهما - الكتاب والفيلم- أيضاً يذكران ناحية تجعل من العصابات المافوية في صقلية تبدو كما لو كانت إصلاحيات ومدارس تأديب في المقارنة: عصابة غامورا (وأسمها ليس بعيداً عامورا) لا تؤمن بنظام عائلي متعارف عليه ومؤلّف من طبقات وحلقات وفروع بل هي عصابات تنتمي الى الجسد الواحد لكن في وضع يتيح له محاربة بعضه البعض أيضاً. العجيب إذاً كيف أن الحروب الداخلية بين أطقمها لم ينهكها على الإطلاق٠
لكن غامورا يختلف مع معظم أفلام المافيا وإن كان يلتقي مع بعضها٠
إنه فيلم عنيف يتقصّد أن يظهر ما يدور بلا مجاملات وبلا حكايات تمجيدية، كما الحال في فيلم »العرّاب« او في أي من أفلام مارتن سكورسيزي، وبل يخلو من المظلّة الشكسبيرية التي عمدت اليها ثلاثية فرنسيس فورد كوبولا او الى النهل من التراجيديا اليونانية كما حال فيلم برايان دي بالما
Scarface
الذي بدوره كان إعادة صنع لفيلم عصابات آخر حققه هوارد هوكس سنة 1932 من بطولة بول ميوني٠
هذا الخلو من التمجيد لا يصنع منه عملاً أفضل من »العرّاب« لأن كل يمشي في وجهة، لكن يجعل منه أحد أفضل الأفلام الإيطالية المباشرة التي تعاملت ومافيا ما إيطالية٠ يلتقي في ذلك مع منهج فرانشيسكو روزي الذي قام على سرد الرواية بأسلوب تسجيلي٠ ربما فيلم ماتاو غاروني يتجاوز الحد المرسوم السابق في أنه لا يود حتى الإحاطة بكافة ألوان اللعبة (لا وجهات نظر متباينة مثلاً او شخصيات تعبّر عن جهات أخرى عديدة) بل يصب معظم اهتمامه على الشخصيّتين الرئيسيّتين الشابتين الغارقتين في تنفيذ المهام والحالمتين بالوصول الى مرتبة أعلى في مراتب الجريمة. إحدى تذاكر الوصول يبدو ارتكاب المزيد من مهام القتل٠ لكن هذا ليس فيلماً عن شخصيّتين او أكثر او أقل. ما فعله المخرج وكتّابه(ثلاثة) هو اختيار خمسة قصص من قصص المؤلّف ودمجها في عمل واحد ينتقل بين نماذج مختلفة. الشخصيتان المذكورتان ليستا سوى واحدة من تلك النماذج٠

واقعية موحشة

لقاء آخر من المنهج المفتوح والعريض للسينما الروائية بأسلوب تسجيلي يكمن في الواقعية التي يمارسها هذا الفيلم ويعمل على تشبيعها. الحواري، طرق القتل، العنف، الشخصيات كلها تشي برغبة المخرج التشبّع بواقعية الحياة الداكنة خلف تلك الشوارع الرئيسية لنابولي٠ وكل قصّة وكل شخصية او شخصيّتين تعرّفاننا على تجارة مختلفة تقريباً. البداية هي تجارة مستحدثة في عالم المافيا هي تجارة المخلّفات الكيماوية السامّة. من قال يوماً أن الإنسان سيجد في هذا النوع من الدمار تجارة؟
واقعية الفيلم ليست بدورها واقعية السينما الإيطالية المشهودة، بل هي تلغي المفاصل الدرامية السابقة من دون أن تلغي جمالياتها او تستبدلها بأخرى حديثة. تأخذ مثلاً مشهد تنفيذ حكم الإعدام داخل مبنى قديم. الكاميرا بعيدة. الضوء آت من الخارج عبر نوافذ زجاجية مغلقة. الموت على وشك أن يتم والجثّة سوف تموت في وحشة المكان كأرخص بضاعة ممكنة٠
في مشهد آخر نتابع ماركو (ماركو ماركوري - وسنجد أن العديد من الأسماء بقيت على حالها لممثليها) وسيرو (سيرو بتروني) يقفان على الشاطيء الهاديء مرتدين لباس البحر. إنهما كما لو كانا ينظران الى فاصل بعيد بين ما هما عليه وبين ما يطمحان اليه من قوّة وسُلطة. تقف على شاطيء البحر لكي تستلهم وهذا ما يفعلانه باستثناء أن ما يستلهمانه مخيفا خصوصاً وأنهما لا يتخليّان عن سلاحهما٠
لكن هذا فيلم من شخصيات غريبة بعض الشيء. لقد انهى المخرج عصر الشخصيات المافوية التي تبهر بقدراتها البدنية وشخصياتها الطاغية. البدين الذي يقطع أصابع الضحية والمرتدي الملابس والقبّعات الأميركية الذين ينتمون في ذات الوقت الى الطبقة الثرية والطبقة الشريرة معاً. هنا، عصابة من لون جديد غارق في عصرنة الحياة. في متاعب العالم من إرهاب وقتل وحروب وانهيارات اقتصادية. ربما »غامورا« عنّا جميعاً حتى ولو كنّا مسالمين- حتى الموت بدورنا٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular