في أرض الظلال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The Undying Monster

الوحش الذي لا يموت ★★★★★


إخراج • Director

جون برام John Brahm

أدوار أولى • Principal Cast

جيمس إليسون، هيذر أنجل، جون هوارد، براموَل فلتشر.

James Ellison, Heather Angel, John Howard, Bramwell Fletcher

النوع/ البلد/ التاريخ • Genre/ Country/ Year

Horror | USA| 1942


|*| قامت شركة تونتييث سنتشري فوكس بإنتاج هذا الفيلم قبل وفاة مؤلفة الرواية جسي دوغلاس كرويش بسبعة أعوام. «الوحش الذي لا يموت» من أعمال المؤلفة سنة 1922» التي كتبت عدداً من الأفلام التي تمزج، كما الحال هنا بين الرعب والخيال العلمي والرومانسية يبدأ الفيلم مثيراً للإهتمام بسبب أسلوب متوتر ورصين معاً، ثم- في النصف الثاني- ينقلب إلى حكاية روتينية حول الرجل-الذئب.

Based on Jesse Douglas Kerruish's 1922 novel, John Brahm's film starts Stylish and moody, thrilling and good enough to be considered as a small jewel in its genre. Nevertheless, the second half is routinism job about hunting the monster: a werewolf in love.

م ر

Oct 27, 2008

349| Andrei Konchlovsky | Hollywood, Washington and the Presidential Race

في هذا العدد
عودة "أيام" 1 : خوف في شارع الدنيا
**************************************************
كونتشالوڤسكي في مرّاكش | محاكاة بين فيلم إيستوود "مليون دولار بايبي" ومعركة الرئاسة الأميركية٠


أيام | خوف في شارع الدنيا
-1-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلت كالأسد الى عرينه حين حطّت الطائرة، سنة 1977 في باريس. كنت قادماً من أثينا وكانت جيبي عامرة بما تبقّى معي من مال بعد رحلة ليبيا: خمس وعشرون دولار كاملة٠
سألت عن الحافلة وركبتها أنا وحقائبي وحين وصلت الى محطة كونكورد وضعت الحقائب في صندوق الأمانات ومشيت من الكونكورد الى شارع يتوسّط الشانزليزيه أسمه شارع ماربوف٠
هناك كان الناشر وليد أبو ظهر (رحمه الله) أسس شركة فرنسية وأصدر مجلة »الوطن العربي« التي كانت صدرت أعدادها الست او السبع الأولى قبل وصولي. كنت تحدّثت اليه على الهاتف قبل أسبوعين من وصولي. سألني ماذا تفعل هذه الأيام؟ قلت له: لا شيء لكني أطمح أن أعمل معك في باريس كما كنت أعمل معك في بيروت. قال كلمتين أخذتهما كما لو كانا صكّين مصدّقين من الحكومة. قال: يللا تعال. لممت نفسي وسافرت٠
ها أنا أسير على الجانب الأيمن من الشانزليزيه صوب الشرق وأشعر، كما لو كنت ملكاً على الدنيا. سعيد بوجودي في عاصمة العواصم السينمائية وسعيد بأني سآخذ عملاً أوّل وصولي. أنظر الى الفتيات الجميلات وأقول في نفسي: قريباً سيكون لدي صديقة من هؤلاء تعلّمني الفرنسية... وحتى لو لم تعلّمني... لم أكترث؟
استدرت يميناً حين وصلت الى شارع ماربوف. عند الناصية مقهى وعند المقهى جلس الناس في استمتاع بشمس خريفية٠ بعده في الشارع هناك دكاكين مختلفة يمنة ويسرة. أحد هذه المحلات مطعم صغير بدا لي المكان المناسب لكي أصبح زبوناً فيه٠ هناك أيضاً محل ملابس والأسعار صعقتني. فكّرت في أن حقيبتي لا تزال تحوي الملابس التي خرجت بها من بيروت ربما باستثناء حذاء وجوارب اشتريتها من منطقة كالاماكي خارج أثينا. وحين خطرت لي كالاماكي على البال وجدت نفسي أتذكر السمك والبحر والصيّادين وحقيقة أن أحداً لا يتحدّث الإنكليزية٠

كنت وصلت إليها من بعد أن تركت عملي في سفارة قطر، ذلك الذي لم يدم أكثر من أسبوعين، أوّل ما وصلتني دعوة لحضور مهرجان لايبزغ. بعد المهرجان انتقلت الى برلين ومنها الى بيروت الذي فتح مطارها. مكثت مع أهلي بعد عدّة أشهر من الغياب. كانوا فرحين بي كثيراً وكنت أكثر سعادة٠ أنا وحيد العائلة بين الأولاد. لدي شقيقتين. والدي كان لا يزال يعمل. والدتي ست بيت. أيامي في بيروت كانت لعب طاولة مع والدي الذي كان دائماً ما يغلبني ويغلب أي لاعب آخر. هذا في النهار. في الليل كنت أقف وإياه على الشرفة نتفرّج على الألعاب النارية (النارية فعلاً) التي كانت تضيء سماء الليل إذ يهب المسلّحون الى بنادقهم الرشّاشة ومدافعهم كل يريد محو الآخر من الوجود٠
ليس أن المعارك لم تكن تنشب الا ليلاً. صدّقني كانت تنشب على مدار الساعة. لكن في الليل كنت تستطيع أن تعرف من يطلق ماذا من أين وفي أي إتجاه٠
من بيروت الى أثينا حيث كان جورج شمشوم استقر لإنجاز فيلمه الوثائقي عن تلك الحرب اللعينة بعنوان »لبنان.... لماذا؟«. طلب مني أن أساعده في عملية المونتاج. لم تكن لدي خبرة مونتاج وأعتقد أنه أراد رأيي. لم يرض أن أدفع الإقامة بل وضعني في شقّة وضم إليّ لاحقاً رجلاً طيّباً نسيت أسمه الآن كان حضّر ميزانية مهرجان دمشق السينمائي وكنت أقوم بدراسة ولم يكن ينقصني سوى الميزانية. ساعدني في كتابتها٠
في أحد الأيام اشترك في رحلة سياحية وأصر أن أسوح معه. شخصياً، أهمل ناحية السياحة. أشعر أني أضيع وقتي ولا أشغله٠ لكني صعدت الحافلة وكانت رحلة ممتعة. كانت هناك فتاة فرنسية وأمّها. أنا شاب صغير وهو رجل في الثلاثينات والفتاة انجذبت إليّ. لم تكن تجيد الإنكليزية وبدا واضحاً أن الجاذبية ستنتهي حال عودتنا الى المدينة. في طريق العودة وإنقاذاً للموقف اقترح هذا الصديق أن أدعوها الى حفلة ساهرة يوم غد يقيمها جورج شمشموم٠
لم أملك سوى أن أتحدّث بيديّ الإثنتين. وكانت وأمّها تنظران الىّ محاولتان معرفة ماذا أريد أن أخبرهما (او أخبر الفتاة إذ لم أكن مكترثاً بالأم طبعاً)٠ وفي أحد محاولاتي ضممت أصبعي الإشارة لبعضهما البعض كما لو كنت أقول معاً، وقصدت طبعاً أن أقول: ما رأيك أن نذهب معاً الى الحفلة٠
هنا التفتت الفتاة الى أمّها والأم الى فتاتها ثم نظرتا الى صديقي الذي كان يرتدي معطفاً ثقيلاً في عز الصيف ويحمل مسبحة واعتقدتاه أنه خوري. الأفدح هو أنهما اعتقدتا أنني أقترح أن نتزوّج٠

بهذا الخاطر وصلت الى الرقم 14 شارع ماربوف. دفعت الباب الخشبي الثقيل بعد أن كبست على الزر. ثم دخلت باحة تقليدية بالنسبة للعمارة الفرنسية. الى اليمين أيضاً مدخلاً آخر بابه مفتوح ومصعداً قديماً. طلبت المصعد. دخلت المصعد. توقّف المصعد عند الطابق الثالث. دخلت الطابق واستقبلتني سكرتيرة. قلت لها أسمي وإنني وصلت بناء على طلب الأستاذ٠ حالما أخبرته بوصولي طلب منها إدخالي. هل استلمت العمل؟ أم سيخبرني: متأسف والله . المهم أنو شفناك؟

يتبع٠٠٠٠


أشياء الحياة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجانات | مراكش
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

أندريه كونتشالوڤسكي
أنا الآن في أبو ظبي والحمد لله، ولست في مراكش ولا أعتقد أني سأكون لأنه من منظومة شللية والحمد لله مرّة أخرى٠
لكن الأخبار تُفيد أن البرنامج هذا العام سيحتوي على إحتفاء في مكانه المستحق... أخيراً سمع العرب بالمخرج أندريه كونتشالوڤسكي وقرروا أن يحتفوا به وبأفلامه . وآمل أن يحسن مهرجان مرّاكش الإحتفاء بالمخرج ليس على طريقة إحتفاء المشرفين على مهرجان الشرق الأوسط بالسينما المغربية (صفحة إعلان وعرض فيلم واحد وصعود نور الدين الصايل على المسرح)٠
نيكيتا، الذي أنجز نحو 35 فيلماً ما بين روسي وأميركي (عمل فترة في هوليوود) كان صديقاً وزميلاً لأندريه تاركوڤسكي وهو بدأ بمنحى فني لافت في مطلع الستينات وشارك في كتابة فيلم تاركوڤسكي المعروف "أندريه روبلوڤ"٠ وفي العام 1979 نال جائزة لجنة التحكيم عن فيلمه البديع »سايبيريا« وهذا قبل سنوات قليلة من انتقاله الى هوليوود حيث حاول شق طريقه فيها. أخرج هناك أفلاماً جيّدة لافتة ومثيرة من بينها "عشاق ماريا" مع ناستاسيا كينسكي وجون سافاج وروبرت ميتشوم (1984) ثم "قطار الهروب" مع جون ڤويت، إريك روبرتس (شقيق جوليا) وربيكا دي مورني (1985) ثم تنازل مهنياً وحقق "تانغو وكاش" بين سلڤستر ستالون وكيرت راسل (1989) لكنه بعد عامين او ثلاثة اقتنع بما لم يحققه من مكانة وعاد الى روسيا٠
في مطلع التسعينات عاد الى روسيا مكتفياً بما حققه وبالكثير مما لم يستطع تحقيقه وغاب عن الساحة باستثناء فيلم تسجيلي وآخر من إخراجه وردا في النصف الأول من ذلك العقد. لكنه في العام 2002 أخرج أحد أفلام هذا العقد الروسية الجيّدة وهو
Dom Durakov | House of Fools | بيت المجانين


يوليا فيزوتسكايا كما ظهرت في
House of Fools
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كوميديا ساخرة وذات لمسات فانتازية لا تُقاوم. للأسف لم يترك أثراً كبيراً٠
لا أدري ما الذي سيعرضه مرّاكش من أفلامه. النشرة التي وصلتني على البريد تذكره كأحد ثلاثة سيحتفي المهرجان بهم (ربما كان هناك آخرون لاحقاً). الإثنان الآخران هما الممثلتين ميشيل يوه وسيغورني ويڤر. وفي حين صرف المعدّون للنشرة الوقت والجهد للكتابة عن الممثلتين اكتفوا بالخبر عن كونتشالوڤسكي... الله يستر٠


تحقيق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واشنطن وهوليوود على حبال السياسة
يمين ويسار يفحصان الحرب والرئاسة
٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفاتيح
Million Dollar Baby,
هوليوود والإنتخابات الحالية |
أفلام عسكرية| ستالون وشركاه |
أوليڤر ستون | مايكل مور


إذا ما زرت فيلم كلينت ايستوود ذائع الصيت »مليون دولار بايبي«، وهو الفيلم الذي مكّن مخرجه ايستوود من الفوز بأوسكارين واحدة عن أفضل إخراج والأخرى لأفضل فيلم، كما منح بطلته هيلاري سوانك وممثله المساند مورغن فريمَن من نيل أوسكار لكل منهما، ستجد أن في
الفيلم خطوطاً تلتقي، من دون قصد، مع الوضع الثقافي والسياسي السائد في الولايات المتحدة اليوم مع إقتراب موعد الإنتخابات الرئاسية

كلينت ايستوود وهيلاري سوانك
Million Dollar Baby
أبيض وأسود
كتب الفيلم الذي أنتج سنة 2004 بول هاجيز، الذي انتقل الى صف المخرجين بعد ذلك، حول مدرّب ملاكمة أسمه فرانكي (ايستوود) لا يعرف سوى عالم الملاكمة من خلال النادي الذي يملكه لتدريب الناشئين٠ والمشهد الأول بالفعل هو له يتابع تلميذه الشاب ويلي (الممثل الأفرو-أميركي مايك كولتر) وهو على الحلبة٠ لاحقاً، بعد فوزه، يحاول ويلي إقناع مدّربه فرانكي بصلاحيّته لدخول المبارايات الرسمية، لكن فرانكي يطلب منه التمهّل لدورة تمرينية اخرى او إثنتين من قبل أن يصبح جاهزاً. لاحقاً، بعد مشاهد عدّة، يبلغ ويلي فرانكي بأنه سيتركه الى مدرّب آخر وعده بأن يقدّمه للمباريات المحترفة٠
لاحقاً أيضاً يتابع فرانكي المباريات التي ينافس ويلي بها على بطولة العالم.... وويلي يفوز٠
بذلك خسر فرانكي فرصة العودة الى الشهرة بنفسه. لو وافق ملاكمه على اندفاعه لحقق عبره المال والمكانة اللتان يفتقدهما اليوم، وبعد كل تلك السنوات التي قضاها في الحرفة. لكن فرانكي (كذلك ويلي) شخص صادق مع نفسه. ربما متذمّر، لكنه صادق. يساعده في أعماله رجل أفرو- أميركي آخر هو إيدي (مورغن فريمَن) الذي كانت له صولاته وبطولاته فوق الحلبة قبل أن يُصاب ويضطر للتوقف. الآن يشرف على النادي ويتحمّل تذمّر فرانكي وشكواه ("قلت لك مئة مرّة لا تشتري مسحوق التنظيف الغالي هذا.... كل المساحيق تنظّف بالقدر نفسه")٠

فرصة فرانكي الثانية كانت فتاة شابّة أسما ماجي (هيلاري سوانك) طلبت منه الإشراف على تدريبها٠
إنه يعلم إنها صادقة لكنه لا يؤمن بأن الملاكمة الأنثى تستطيع فعل أي شيء باستثناء العيش لحظات وجيزة على الحلبة قبل العدول عن رأيها بعد أوّل إصابة.... او لعله لا يريد أن يؤمن٠ خلال النصف الأول من الفيلم ستسعى ماجي لإقناعه بمدى جدّيتها، ومع دخول النصف الثاني من الفيلم يكون اقتنع وها هو حبّه للملاكمة وعشقه لحياة الحلبة يعاوده من خلال إشرافه على تمارين ماغي. مثلها، لا يعرف شيئاً في الحياة سوى الملاكمة. مثلها يريد أن يفوز٠

لكن سوء الحظ وحده هو الذي يمنعها من الوصول. لقد تعرّضت لحادثة. سقطت. دكت عنقها. الآن هي ترقد في المستشفى غير قادرة على الحياة. حلمها بالوصول الى البطولة هو الذي سقط ودك عنقه أيضاً. ها هي ترقد في المستشفى وتطلب (بالإيماء والإشارة) من مدرّبها فرانكي أن ينهي حياتها٠ يفعل ذلك ويغادر المستشفى محملاً بالإحباطات كلها٠
فرانكي كان له ولد ومات، والعلاقة بينه وبين ماغي كانت أصبحت أبوية أيضاً. لقد احتلّت مكان إبنه بالنسبة إليه، لذلك كان قراره إراحتها من أوجاعها البدنية والعاطفية قاس. تعليق نهاية الفيلم يقول أنه اختفى بعد ذلك ولا يزال٠

لكن وراء القصّة سطّر بول هاجيز عالماً من الخطوط الإجتماعية المهمّة. أحدها بالطبع الوضع الإقتصادي الذي نتجت عنه ماغي. وضع صعب يمتطيه الفقر وتحيط به ظروف عائلية صعبة. وذاك الذي نراه يحيط بويلي أيضاً: عليه أن يشرف على تعليم إبنه لذلك عليه أن يحقق -كما يقول لفرانكي- كل شيء يستطيع تحقيقه من نجاح في الفترة القصيرة التي سيعيشها فوق الحلبة٠ فهو يعلم حدود الملاكم التي عادة لا تزيد عن سنوات قليلة، وهي يريد تحقيق الأفضل. الوصول الى سدّة البطولة ليس سوى وسيلة لتحقيق النجاح المادّي. ذلك الذي لا يستطيع تحقيقه بأي سبيل آخر- كذلك الحال مع ماغي: لا سبيل آخر أمامها٠

هوليوود والإنتخابات
في الوضع الراهن نرى الأبيض والمرأة والأسود في صف واحد من المنافسة على سدّة الرئاسة الأميركية٠ بقليل من استبدال الخطوط بأخرى، نجد أن ايستوود قد يكون جون ماكّين الذي يسعى للفوز بالرئاسة رغم عمره الذي تجاوز السبعين، وهيلاري سوانك هي سارا بالِن التي تسعى للوصول الى مركز نائب الرئيس، ثم هناك -بالطبع- باراك أوباما الذي هو الترجمة لشخصية ويلي.... وبحسب مراكز الدراسات فإن باراك هو الأقرب لتحقيق حلم الرئاسة لا جون ماكّين ولا سارا بولِن٠
هذا التشابه في المصائر يدلل على أن الفيلم كان أعمق مما تخيلناه، نحن النقاد ومجمع المثقّفين، في البداية. ليس أننا تجاهلناه او لم نستوعبه، لكن تركيزنا كان على العلاقات الطبقية والعنصرية في مستواها الأوّل. الآن يتبيّن أكثر أن المسألة المنشودة في الفيلم والتي لم يرعها غالبيّتنا أي اهتمام هي أن مستقبل البطولة (الرئاسة) هي لجيل أسود آت من القهر المنظّم وغير المنظّم، وأن البيض، رجالاً ونساءاً، سيعيشون ليروا أن خيوط القيادة ستسلّم لغيرهم. بذلك، قد يتحقق حلم قديم للملاكم العجوز إيدي (فريمَن) ففي أيامه أيضاً هو حارب من أجل الوصول، لكنه لم يبلغه٠

الإنتخابات الرئاسية الأميركية اليوم تطرح الكثير من المسائل التي لها صورها على الشاشة. في الأساس، العلاقة بين واشنطن وهوليوود بأسرها علاقة تحتاج الى تأمّل كبير من ناحيتيها التاريخية والحاضرة حيث تقف معظم هوليوود مع أوباما، وحيث ليبراليّتها لا زالت الواجهة التي يرفض اليمين الأميركي النظر إليها او التعامل معها. واشنطن تجد في هوليوود حب الثانية لنقد البيت الأبيض والنظام والمؤسسة والحاشية اليمينية والكنسية المحيطة بهما٠
لكن العلاقة بين العاصمتين غريبة للغاية كيفما نظرنا إليها. تاريخياً هي علاقة شد وجذب قوى بين الطرفين، كما علاقة صراع بين ممثلي الطرفين في السينما٠ هوليوود الصامتة (عشرات وعشرينات القرن الماضي) كانت مشغولة بالقضايا والطروحات الإجتماعية والسياسية على جانبي خط الوسط٠
United Snakes of America
او "إتحاد الأفاعي الأميركية"، سنة 1917 فيلم يميني يهاجم اولئك الذين ينتقدون فكرة دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. فيلم "تجنيد بَد« او
Bud's Recruit
سنة 1918 انتقد التجنيد وحبّذ مجتمعاً مسالماً٠
العشرينات الصعبة اقتصادياً دفعت نقابات العمّال واتحاداتهم لاحتمالات تطبيق المباديء الشيوعية التي غزّتها الأحزاب الشيوعية آنذاك، ووصلت الى مستوى من التأثير ميّز العديد من الإنتاجات الأميركية والأفكار المتداولة على الشاشة ومن بينها تلك التي هضمها ونفّذها تشارلي تشابلن، جوزف لوزي، إيليا كازان (لحين قبل إنقلابه)، جووَل داسِن، جون غارفيلد والعديد سواهم. ما أن انتبهت واشنطن الى ما يحدث بين العمّال والمثقّفين آنذاك حتى أطلقت حملتها المضادّة والتي عرفت بالحملة المكارثية التي نجحت في إيقاف ذلك المد ولو أنها لم تكن لتنجح الا بوسائل فاشية من بينها إثارة الذعر من الخطر الأحمر وإجراء المحاكمات لوضع المفكّرين (كتّاباً ومخرجين) في السجون او منعهم من العمل في مهنهم تلك٠
ربما لهذا السبب نجد أن واشنطن وهوليوود تجاوبتا مع صرخات الحرب حين قررت الولايات المتحدة دخولها وأواخر الأربعينات وطوال الخمسينات امتلأت السينما الأميركية بمئات الأفلام التي دارت حول الحرب العالمية الثانية مع قلّة قليلة انتقدت تلك الحرب٠
حين نقفز لما بعد أزمة الصواريخ الكوبية الى حيث نشوب الحرب الڤييتنامية، فإننا نجد الموقف قد تغيّر مجدداً. معظم الأفلام الأميركية في السنوات الأخيرة من الستّينات ولمعظم السبعينات ولجزء من الثمانينات، كانت ضد تلك الحرب بشكل او بآخر. أفلام مثل »سفر الرؤيا... الآن« لفرنسيس فورد كوبولا و»العودة للوطن« لهال أشبي ثم »سترة معدنية كاملة« لستانلي كوبريك كلّها نظرت بعين ناقدة الى مآسيها وفوضاها٠

Apocalypse ....Now

طبعاً، كانت هناك أفلام مضادة للحرب بمجرد إتاحة معايشتها واختبار العنف المتمثّل فيها (مثل "إذهب واخبر الأسبرطيين« و»همبرغر هِل« و»الفرقة سي« و»بلاتون«) لكن كان هناك أيضاً الأفلام المستمدّة منها. النابعة من مد الخيوط من تلك الحرب الى تاريخ حافل خصوصاً حين يأتي الأمر الى تاريخ الأميركيين الحقيقيين (الهنود الحمر) كما في فيلم آرثر بن »الرجل الصغير الكبير« وفيلم رالف نلسون »الجندي الأزرق« ٠

بطولات من ورق
الرجولة كانت مفقودة بسبب عار الهزيمة كما فسّر الإعلام والأوساط الثقافية المختلفة نتيجة الحرب الڤييتنامية. الجنود الذين عادوا كثيراً ما أصبحوا مهمّشين (ألوف منهم لجأت الى الجبال تعيش فيها بعيداً عن المجتمعات لأن نظرة المجتمع الأميركي لهم هي أنهم إما ارتكبوا الفظائع في ڤييتنام او أنهم خسروا الحرب). وذلك انعكس على البطل الأميركي على الشاشة٠
سلفستر ستالون وبرايان دنهي في
First Blood
حين لعب سلفستر ستالوني بطولة »دم أول« (أخرجه تد كوتشيف سنة 1982وكان التمهيد لسلسلة رامبو عالج هذا الوضع تحديداً: هاهو مجنّد عائد من ڤييتنام لا يبدو أن له مستقبلاً في أي مكان. يحمل امتعته فوق ظهره ويمشي من مدينة الى أخرى الي أن يلتقطه رئيس بوليس بلدة شمالية (برايان دنهي) ويطلب منه مغادرة البلدة لأنه غير مرحّب به. لكن رامبو يرفض ورفضه يؤدي به الى الزنزانة حيث يحاول أحد رجال البوليس الشرسين (جاك ستاريت) أن يلقّنه درساً. ينتفض رامبو غاضباً ويضرب رجال البوليس مستخدماً مهارته العسكرية ثم يدخل معهم معركة يستخدم فيها ما يجيده أكثر من سواه وهو القتال في الأدغال٠
لكن في حين عاد الجندي الأميركي من الحرب العالمية الثانية، والكورية بطلاً مظفراً فانعكس ذلك على نوعية البطولات التي نراها ورسالات الأفلام الأخلاقية، يُلاحظ أن الوضع بعد الخسارة الأميركية في ڤييتنام معاكس تماماً. البطولات الرجالية القائمة على المواقف الأخلاقية العالية اختفت او كادت لتليها بطولات مفتولي العضلات التي حملت قدراً كبيراً من الخيال الجانح الساخر من نفسه ومن الواقع في حد ذاته. مهما بلغت جدّية تشاك نوريس او سلفستر ستالون او أرنولد شوارتزنيغر فإنها جدّية مزيّفة وفي أفضل مستوياتها عبارة عن إنتقام سينمائي يميني من خسارة الحرب بصنع أفلام تدور حول انتصار لم يقع٠

وهذه ذابت في التسعينات. إنها التسعينات التي نشبت خلالها حرب جديدة (حرب الخليج الأولى) والتي نشبت على إثرها (سنة 2002) حرب العراق الحاضرة٠ وإذا كان الجذب والشد بين اليمين واليسار باستخدام السينما كوسيلة تعبير لكل جهة، قد استرجع بعض وجوده من خلال أفلام العضلات الضخمة ذات المهام العسكرية وأفلام تدعو الى تنفيذ القانون من دون اللجوء الى المحاكم او الى البوليس، وهو منهج يميني، فإن المنهج اليساري عاد فاستولى على واجهة الإنتاجات غالباً بسبب هذين الحربين إذ أفرزتا مواقف مناهضة لسنوات جورج و. بوش في الحكم على صعيدي الفيلم التسجيلي، وامتدت، طوال العام الماضي ومطلع هذا العام لتشمل أفلاماً روائية أيضاً شاهدنا منها
In the Valley of Elah و Stop-Loss و Redacted
صحيح أن النجاحات التجارية ذهبت الى تلك الأفلام المقتبسة عن شخصيات الكوميكس، والتي خلفت أفلام العضلات، الا أن حقيقة أن هوليوود اكترثت لإنتاجها هو الموقف الذي أرادت أن تقوم به٠ هذه الأفلام، والأفلام التسجيلية التي سارت بمحاذاتها، وفي مقدّمتها سلسلة أفلام المخرج اليساري مايكل مور (أخرها »ثورة الأهالي«
Slackers Uprising
المتوفر علي الإنترنت داخل أميركا مجاناً) كانت تعالج في الوقت ذاته عالم ما بعد 11/9. وهذا العالم اختلف كثيراً عن سابقه حتى بالنسبة لتلك الأفلام التي ظاهرياً لا علاقة له بالسياسة. فيلم ستيفن سبيلبرغ »حرب العالمين«، وهو من الخيال العلمي، ينطلق من افتراض أن العدو يكمن في الداخل. فيلم الرعب »كلوڤرفيلد« لمات ريڤز يصوّر وحوشاً تهدم نيويورك بذات التأثير الناتج عن العملية الإرهابية التي تعرّضت المدينة لها٠ »إعادة تأهيل« لكڤن هود هو عن الريبة في المواطن الأميركي ذي الأصل العربي في هذا العصر٠
وإذا كانت أفلام شوارتزنيغر، نوريس، ستيفن سيغال وسواهم التي اعتمدت على المهارة القتالية للفرد الواحد والقوّة العضلاتية التي تمكّنه من طرد البطل المثقّف من الصورة، ذابت بفعل افتقارها الى المصداقية في زمن حرب جديدة، فإن أفلام الكوميكس وشخصياتها المؤلّفة من "سوبر هيروز"، أو أبطال خارقين للطبيعة، مثل باتمان وسبايدر مان والأربعة الرائعون والعفريت و رجال إكس، وهي الفترة التي لا تزال نشطة، هي التي خلفت الأبطال "الآدميين" السابقين معلنة أن البطل- البشر لا يستطيع أن يحرز إنتصاراً كافياً في العالم الذي نعيش فيه٠ أترك الحرب إذاً للأبطال الخارقين للعادة المقنّعين ولابسي الأزياء الغريبة التي تمكّنهم من مقاومة كل المخاطر وكل أوجه الطبيعة بما فيها قانون الجاذبية٠

المحكمة تنتظر٠
في الصالات اليوم وقريباً، أكثر من فيلم ينتقل من هذا الجانب الى جانب جديد آخر مستمد من رحى فترة الصراع على الزعامة الأميركية المقبلة٠
ذلك لأنه إذا ما كان فيلم »مليون دولار بايبي« الذي تم عرضه بعد فوز جورج و. بوش بالولاية الثانية، كان شيئاً من القراءة في المستقبل المنظور، فإن هناك أفلاماً أخرى بعده أفرغت مواقفها على نحو واضح وجلي وهذا (من وجهة نظر فنيّة تعتبر مقياساً) ما يجعلها أقل قيمة ثقافية وفكرية مما يجب، لكنها أقدر على الوصول الى الجمهور العريض (إذا ما شعر هذا أن ما يريد مشاهدته فعلاً) . أحد هذه الأفلام هو »أنشودة أميركية« او
American Carol
كوميديا تدور حول منطقتين: الأولى نقد موقف السينما الأميركية اليساري من ناحية، وهي المنطقة العامّة من الموضوع، ونقد المخرج مايكل مور ونظرته ومفهومه الى اميركا من ناحية ثانية، وهي المنطقة الأكثر خصوصية. الفيلم يدور حول مخرج قريب الهيأة من مايكل مور تزوره ثلاثة شخصيات قادمة من العالم الآخر وتأخذه في رحلة لكي تعرض عليه تاريخ أميركا وما تقوم عليه٠ بذلك تجذبه الى إعادة تقييم رؤيته مع نهاية الفيلم٠
مايكل مور
طبعاً، هذا من الصعب جداً أن يحدث حتى ولو زار شبح او ملاك او عائد من العالم الآخر مايكل مور. فهو مخرج نشط في ممارسة موقفه السياسي المعادي لليمين وللوضع السياسي السائد وفيلمه الحالي الذي قرر توفيره على الإنترنت لمن يشاء، »ثورة الأهالي« ليس سوي استمرار لأعماله التسجيلية والريبورتاجية السابقة في هذا المضمار وآخرها »سيكو« وقبله »فهرنهايت 9/11« الفيلم الذي استخدم فيه ذلك المشهد الصادم حول الرئيس بوش وهو غير قادر على استيعاب ما حدث حين جاءه نبأ تدمير مبنيا مركز التجارة الدوليين٠

فيلم آخر له علاقة، ولو أنه لا يذكر الرئاسة بالأسم، هو فيلم تسجيلي للاري تشارلز. فيلم رديء التنفيذ
بعنوان »تديّن« (المخرج هو نفسه الذي حقق الفيلم الرديء الآخر »بورات) وفيه يقوم المقدّم التلفزيوني المعروف (أميركياً على الأقل) بل مار بالإنتقال بين رجالات الدين، مسلمين ومسحييين ويهود، ومناقشتهم في أمور الحياة والآخرة. بل مار ملحد معروف (ومعاد لمن يجلس على سدّة البيت الأبيض) وما يطرحه هنا، من مفهومه وبلغته، هو كيف يسطو الدين على عقول البشر ولماذا لا يزال الإنسان يؤمن بالمعتقدات. ثم حين يصل الأمر الى الدين الإسلامي، فلماذا هذا الدين يؤمن بالعنف ويمارسه؟
المشاهد الأميركي المتخذ موقفاً من الإسلام لن يشعر بأن الفيلم أنجز له شأناً كبيراً إذ هو أيضاً معاد للمسيحية (قسم محدود يتعرّض لليهودية وليس بالقدر ذاته من الضدّية) والإقبال عليه محدود من قبل متطفلين أكثر من قبل باحثين عن فيلم تسجيلي مزوّد برؤية واقعية او مضمون قابل للطرح على صعيد شعبي واسع٠

المحكمة ستنتظر لحين عرض فيلم أوليڤر ستون الجديد
W.
وهو الحرف الذي يتوسّط إسم جورج بوش لأنه يدور عليه٠ المخرج ستون سبق وقدّم أفلاماً حول الرئيسين جون ف. كندي ورتشارد نيكسون والرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس الكوبي فيديل كاسترو، كما اشتغل على الحرب الفييتنامية في أول أفلامه »بلاتون«، وفي فيلم لاحق هو »مولود في الرابع من تمّوز« وكان آخر أفلامه دراما حول سقوط برجي مركز التجارة الدولي »وورلد ترايد سنتر«٠
الذين شاهدوا الفيلم انقسموا من حوله، وقد يكون من النوع الذي يستدعي فعلاً هذا الإنقسام كون مواقف ستون، عبر أفلامه السابقة، دائمة الإنتقال على قدمين٠
بعده بأسبوعين سنشاهد فيلم رون هوارد الجديد »نيكسون/ فروست« وهو يدور عن اللقاء الذي تم بين الرئيس الراحل رتشارد نيكسون والصحافي المخضرم ديفيد فروست٠ نيكسون من بين أكثر الرؤساء الأميركيين الذين قامت هوليوود بالإنفاق على أفلام تقدّمهم. يبدو أن المحكمة ذاتها لا تزال منعقدة بشأنه أيضاً٠

نقاط حوار
موقف ستون السياسي من خلال
أفلامه | هل ترى كلينت ايستوود
مخرجاً يمينياً محافظاً متوجّه
لليسار؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Featured Post

Shadows and Phantoms | A Film E-magazine | Year: 11, Issue: 936

"سبايدر مان وشركاه... خيوط  واهية وأرباح عالية محمد رُضـا قبل زمن غير بعيد، كان في مقدورنا، كمشاهدين، مشاهدة الفيلم الم...

Popular