في أرض الظلال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The Undying Monster

الوحش الذي لا يموت ★★★★★


إخراج • Director

جون برام John Brahm

أدوار أولى • Principal Cast

جيمس إليسون، هيذر أنجل، جون هوارد، براموَل فلتشر.

James Ellison, Heather Angel, John Howard, Bramwell Fletcher

النوع/ البلد/ التاريخ • Genre/ Country/ Year

Horror | USA| 1942


|*| قامت شركة تونتييث سنتشري فوكس بإنتاج هذا الفيلم قبل وفاة مؤلفة الرواية جسي دوغلاس كرويش بسبعة أعوام. «الوحش الذي لا يموت» من أعمال المؤلفة سنة 1922» التي كتبت عدداً من الأفلام التي تمزج، كما الحال هنا بين الرعب والخيال العلمي والرومانسية يبدأ الفيلم مثيراً للإهتمام بسبب أسلوب متوتر ورصين معاً، ثم- في النصف الثاني- ينقلب إلى حكاية روتينية حول الرجل-الذئب.

Based on Jesse Douglas Kerruish's 1922 novel, John Brahm's film starts Stylish and moody, thrilling and good enough to be considered as a small jewel in its genre. Nevertheless, the second half is routinism job about hunting the monster: a werewolf in love.

م ر

Oct 28, 2008

350 | The Film Marlon Brando didn't make.

في هذا العدد
أيام: الحلقة الثالثة | تحقيق: حين كاد مارلون براندو القيام بتمثيل شاركت في كتابته


أيام | خوف في شارع الدنيا
-3-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في اليوم التالي ذهبت الى المجلة وتعرّفت على محررين لم أكن التقيت بهم من قبل. وفي اليوم ذاته صدر العدد الجديد من »الوطن العربي« وفتحته. او بالأحرى فتحت النصف الثاني من العدد بحثاً عن مواد سينمائية، ووجدت أن هناك مادّتين واحدة بإسم الزميل وليد شميط والأخرى بإسم الزميل خميّس الخياطي (على ما أذكر)٠
انتابني سؤال عما إذا كانت المادة السينمائية ستنتقل بيننا نحن الثلاثة بالتناوب وكيف سنقسّم العمل بيننا. لم أكن أعرف خميّس الخياطي من قبل، لكني كنت أعرف وليد شميط. تعرّفت عليه في بيروت وكان من الشلّة التي كانت تضع نفسها في مكيال والآخرين جميعاً في مكيال وتساءلت إذا ما كنا، هو وأنا، سوف ننجح في العمل معاً٠
بمثل هذه الاسئلة دخلت على وليد أبو ظهر مستفسراً ففوجئت بجوابه: "ولا يهمّك. لقد صرفتهما حال علمت أنك ستنضم إلينا.... السينما كلها لك"٠
لم يجلب ذلك لي أي فرح. لم آخذ في حياتي عملاً كان من نصيب أحد. لم أطلب عملاً في مجلة او صحيفة أعرف أن فيها من يكتب سينما حتى ولو لم أكن أعرفه، مثل خميس الخياطي، او بيننا عداوة مهنية مثل وليد شميط٠ ولو كنت أعلم -قلت - لما جئت٠
لكن القرار كان قد صدر. ولاحقاً حين التقيت بوليد شميط في باريس محونا بشكل فوري وطبيعي كل تلك السخافات التي كانت بيننا وحسناً فعلنا٠
بدأت الكتابة ولا أذكر ما كان الموضوع الأول لكني سريعاً ما تأقلمت. صحيح أن وجودي كل يوم كان مطلوباً لكن كتابة المقال لم تكن لتأخذ مني أكثر من ساعتين او ثلاثة وكنت أقوم بها في البيت لأني لا أستطيع الكتابة في مكان عام٠ يجب أن أكون وحدي لكي أكتب٠

ما لم أكن أعرفه هو أن الرابح في مسألة من سيكتب وماذا والسر وراء صرف الزميلين بسبب قدومي لا يعود الى تقدير من رئيس التحرير والناشر اليّ بقدر ما هو تقدير منه لميزانيّته. بحسبة بسيطة: أكلّف نصف ما يتكلّفه وجود كاتبين آخرين٠ هذا إذا ما حسب لي معاش أحدهما كاملاً ولم يخفضه. كنت لاجئاً من بيروت طازجاً ولا مكان آخر لي لكي أذهب إليه. طريدة تبحث عن مكان تأوي إليه وعاطل عن العمل ليس لديه خيارات. لا تقل لي أن الناس لا تأكل بعضها بعضاً. المأكولون في معظم الأحيان لا يجرأون على الصراخ. يموتون وقوفاً٠
تأكد لي ذلك آخر الشهر عندما وجدت معاشي لا يتجاوز 3000 فرنك فرنسي قديم، يعني نحو 500 دولار أيامها٠ حسبة بسيطة أخرى: نصف المبلغ يذهب الى الفندق ونصفه الثاني لكل شيء آخر بما في ذلك مشاهدة الأفلام قبل الأكل وبعده٠
...........................
الباخرة الأميركية أبحرت ليومين كاملين. في اليوم الأول شاهدت فيلم
Jaws
الذي عُرض للمارينز لأول مرّة. كنا نحن النازحون قد مُنحنا أسرة عسكرية وكان سريري في مواجهة التلفزيون٠ ولم أكن شاهدت الفيلم من قبل وسررت به كذلك فعل البحّارة ولو أن معظمهم التزموا بالصمت المطبق٠
أذكر أن بعض الذين استقبلونا على ظهر الباخرة من الرسميين كانوا يتحدّثون العربية. فقط في حال أن أحد النازحين من الرعايا الأجانب كان عربياً ولا يعرف الإنكليزية. في اليوم التالي ونحن على بعد ساعات من أثينا حيث ستتوقف الباخرة عرضت الحكومة الأميركية على من يرغب اللجوء الى الولايات المتحدة فيزا. حين جاء دوري شكرت ممثلها إذ لم أكن اتصوّر أن الحرب ستدوم. وكانت نيّتي الهجرة الى المحيط العربي ولم أكن أعلم أن عشر سنوات من حياتي ستكون في الولايات المتحدة في المستقبل٠
نزلت في أثينا وأمضيت ليلة في فندق متوسّط ثم ذهبت شركة طيران واشتريت تذكرة الى القاهرة. في المطار طلب مني رجل بوليس إظهار العملة التي أحملها. أخرجت من جيبي ما بقي معي: ثمانية عشر دولاراً . نادى زميلاً له ليكون شاهداً على ذهوله. سألني
ليس معك أكثر من ذلك؟
قلت لا
قال: كيف تنوي دخول مصر إذاً٠
قلت له بقلب قوي: هذه مشكلتي٠

طرحت على نفسي هذا السؤال مرّة واحدة في الطائرة لكني لم أكترث لأقرأ طالع المستقبل القريب. هذا كل ما معي. ليس لدي تذكرة عودة ولا أستطيع أن أذهب الى أي مكان آخر. هذا هو أمري الواقع٠
حين وصلت مطار القاهرة في صيف 1976 لم يسألني أحد كم معي. كان الوقت ليلاً ولم أملك مالاً مصرياً ولم أجد مصرفاً. كنت بحاجة للإتصال بصديق يستطيع أن يرشدني الى أين سأذهب. لم يكن في البال الا سمير فريد٠
لكن كيف أتصل؟ نظرت حولي ووجدت رجلاً يقف وحيداً وينظر الي. أدركت أنه مخابرات. ربما لم يكن لكن اعتمدت في ذلك على قول سمعته ذات مرّة في مصر: رجل المخابرات هو الوحيد الذي يعتقد أن لا أحد يعرف أنه رجل مخابرات٠
من هذه اللحظة أنا في فيلم سينمائي. ربما التمهيد له كان طريقة جوابي للشرطي اليوناني. طريقة تحمل عدم إكتراث بما يحاول أن يثيره من ذعر او يطرحه عن حسن نيّة إنما بجفاء. دائماً في حياتي، حين تصادفني مآزق او مصاعب أتخلّى عن موقعي الواقعي وأصبح شخصية من فيلم ما- ليس أي فيلم، بل من فيلم بوليسي. أتخيّل نفسي بطله الخاسر دوماً: رجلاً نظيفاً وفقيرا وبلا حظ. اتصرف كما كنت شاهدت همفري بوغارت وروبرت ميتشوم وجورج رافت وباقي أبطال أفلام التحري الخاص والفيلم نوار يتصرّفون: بخشونة، بجفاء وبلا خوف٠ هذا كان يريحني. في كل رحلاتي لم أكن أحاول أن أعرف سلفاً نهاية الرحلة. لم أحاول يوماً أن أجيب على أي سؤال٠
نظرت الى ذلك الرجل الذي يرتدي »البالطو« في عز الصيف وينظر الى هذا الشاب الذي يحمل حقيبته ويقف وحيداً وقررت استغلال فضوله. توجّهت إليه٠

يتبع٠٠٠٠



أيام | خوف في شارع الدنيا
-2-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رحّب بي وليد أبو ظهر٠ نهض من وراء مكتبه وصافحني. نظرت في أرجاء الغرفة فوجدت شخصاً آخر عرفته من أيام بيروت هو شقيقه زياد أبو ظهر. سلّمت عليه واكتفى بهز رأسه مراقباً إياي كما لو كان لديه رأي مسبق٠
جلست حيث أشار الأستاذ وليد وتبعاً لسؤاله لخّصت له الأشهر الست الأخيرة منذ أن تركت العمل في بيروت حين كنت أكتب المادة السينمائية في صحيفته الناجحة »المحرر«. قلت له أني انتقلت الى القاهرة ومن القاهرة الى بغداد ومن بغداد الى القاهرة ومن القاهرة الى بغداد ومن بغداد الى الكويت فطرابلس ومن طرابلس الى لايبزغ ومنها الى بيروت ومن بيروت الى أثينا ثم الى هنا٠
لم أقل له أن كل ذلك كان برأسمال لم يتجاوز في أفضل حالاته الـ 120 دولار. رحّب بي مرّة ثانية وقال: "تستطيع الآن أن تستقر. أتطلّع الى مقالاتك السينمائية هنا في هذه المجلة وأريدك أن تشعر بأن المجلة مجلّتك"٠
كان الكلام مثل موسيقى بيتهوفن على أذني فتشجّعت وطلبت سُلفة وسألته عما إذا كان يعرف فندقاً رخيصاً٠ كيف له أن يعرف فندقاً رخيصاً؟ سألت نفسي حالما طرحت السؤال لكنه أجاب: "جرب. هناك فنادق من كل الدرجات. بخصوص السلفة. سأصرف لك مبلغاً تتيسر به ولن أحسبه عليك"٠
نحن الآن بيتهوڤن وتشايكوڤسكي. وهو اتصل فعلاً والمبلغ صار بحوزتي بعد ربع ساعة٠
أعطوني مكتباً وورقاً وقلماً كما لو أن المطبعة تنتظر أوّل كتاباتي، لكني قررت أن أبدأ، واليوم لا يزال في منتصفه، البدء بالبحث عن فندق خصوصاً وأن حقائبي موجودة في المحطّة٠
حين كنت أغادر مكتب الناشر تحدّث أخيه للمرّة الأولى وقال: جرب منطقة مونبرناس٠
بما أني لم أكن أعرف طريقي في المترو، أخذت تاكسي الى منطقة مونبرناس ووجدت نفسي أمام معالمها: بناية طويلة على ناصية الشارع ومقاهي ومطاعم حول مستديرة وصالة سينما لأفلام البورنو٠ لكن كذلك عند إحدى المفترقات القريبة وجدت فندقاً من نجمتين صاحبه جزائري مهاجر. طلبت غرفة ومنحني واحدة. أذكر رقمها لسبب ما: 7
كانت الغرفة طويلة. تبدأ نحيفة عند الباب ثم تتسع، لكن غرفة الحمّام كانت تقريباً أكبر منها مساحة٠ تساءلت إذا ما كان التصميم خطأ وغرفة الحمّام كان عليها أن تكون غرفة النوم٠ لكني بعد قليل لم أكترث. ليست في وضع يستطيع أن يكترث٠

فلاشباك
بدأت الكتابة في مجلة »الوطن العربي« وبدأت العيش في عاصمة أجنبية لأول مرّة. طبعاً كنت زرت باريس وموسكو وأثينا ولندن وبرلين من قبل، لكن الزيارة لبضعة أيام شيء والإقامة والعمل والحياة فيها شيء آخر٠
لم أشعر بغربة نفسية. فقط بقلق على أهلي وسط تلك المعارك المحتدمة خصوصاً وأن الإتصال ببيروت (ولم يكن في منزلنا هاتف بل كان علي الإتصال بالجيران) لم يكن سهلاً. كنت تستطيع أن تمضي بسهولة ساعة وأنت تحاول أن تتصل. أحياناً، من دون مناسبة، كنت تنجح في المرّة الثانية او الثالثة او نحوها. لكن معظم الأحيان كان الأمر أقرب لإضاعة الوقت٠
جلست في اليوم الأول لمبيتي أتذكّر بعض محطّاتي٠
وجدت نفسي أتوقّف مليّاً عند محطة القاهرة٠
حين تركت بيروت أول مرّة في آب/ أغسطس 1976 ركبت مدمّرة أميركية كانت تنقل الرعايا الأجانب. لم أكن أجنبياً لكن كان لدي صديقاً أرمنياً يعمل في المكتب الصحافي وهو دبّر لي ورقة تخوّلني الصعود الى الباخرة. عند البحر في بيروت اعترض طريقي عسكري يريد منعي من الصعود على أساس أنني لست أجنبياً. سحبت منه جواز السفر وقلت له آملاً في أن أستطيع إقناعه: أنا في مهمّة خاصّة٠
مشيت بإتجاه الجندي الأميركي الذي كان يقف عند مطلع المركب الذي سينقلنا الى داخل الباخرة (سيدخل في جوفها فعلاً) . ناداني الجندي اللبناني أن أقف لكني لم أتطلع وراءي٠ خطر لي أني قد أسمع رصاصة في الهواء، او قد أحس بها وهي تدخل جسدي، لكني لم ألو على شيء٠ حال وصولي الى الجانب الآخر دخلت. الجندي لم يسألني عن شيء. على المركب موظّف مدني فحص الورقة التي حصلت عليها من السفارة وقال
Welcome
تحرك القارب الكبير وجلست عند نهايته أرقب الشاطيء الجميل وهو يبتعد. نظرت الى الجندي وتساءلت ما إذا كان يتمنّى لو كان مكاني. أردت أن ألوّح له مودّعاً لكني لم أجرأ مخافة أن يعتقد أنها تلويحة تشارلي تشابلن الساخرة٠ أخذت المسافة بين المركب والشاطيء والمدينة تبتعد. لم أكن أبحرت من قبل. ولم أكن سبّاحاً وكل علاقتي بالبحر كانت صيد سمكتين حين كنت صغيراً وأخطبوط واحد علق بالصنارة فخفت ولوّحت بقصبة الصيد فأصاب الأخطبوط صيّاداً في وجهه... هذا مشهد خليق بتشارلي تشابلن او هارولد لويد او باستر كيتون٠
لجانبي كانت هناك أجنبيات يبكين٠ أردت أن أبكي. هناك على ظهر المركب لم أفعل. في تلك الليلة وحدي في غرفتي رقم 7 فعلت٠

يتبع ٠٠٠٠


الصحوة الأخيرة لمارلون براندو
حين كاد براندو أن يلعب أوّل فيلم لمخرج عربي
٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يُكشف النقاب كاملاً بعد عن حيـــاة ومهنة مارلون
براندو - الممثل الذي يتم مقارنة كل الممثلين به اليوم٠
وما زالت أيامه الأخيرة يغلوها قدر من الغموض.وهي
انتهت قبل ساعات على توقيع عقد فيلم هو الأول له مع
مخرج عربي٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في الأول من تمّوز/ يوليو من العام 2004 رن جرس هاتف هذا الناقد بينما كان في طريقه الى معهد العالم العربي في باريس لحضور فيلم جديد ضمن ما يعرضه مهرجان "الفيلم العربي" في دورته ما قبل الأخيرة٠
على الخط كان هناك صوت حزين جدّاً صاحبه هو المخرج التونسي رضا الباهي وهو قال: "مارلون براندو مات". هذا قبل أن يستبدل المخرج صيغة الخبر بصيغة السؤال قائلاً: "هل سمعت بذلك؟ هل تستطيع أن تتأكد من المواقع؟"؟
بما أنني لم أكن أحمل كومبيوتر جاهزاً ولا أؤمن بخدمة اخبارية على الهاتف ذكرت للمخرج بأني لا أملك هذا الإمكانية حالياً ثم سألته إذا ما كان واثقاً من الخبر فقال نعم ٠
لم يكن الموت مفاجئاً وحده، بل المفاجيء هو موعده. المخرج التونسي كان وصل الى لندن من حيث اتصل، وطرق باب شركة الإنتاج البريطانية التي كانت ستموّل فيلمه المقبل ليوقع العقد وليحمل عقداً آخر الى الممثل براندو بعدما وافق على الأجر الذي ستدفعه الشركة له. أول ما فتح أحد الموظّفين باب الشركة واجه رضا الباهي بالخبر. قال له: براندو مات. أخبرني الباهي لاحقاً: "سقطت أرضاً مغشياً عليّ"٠

معالجة منطقية
السبب في أن المخرج التونسي سقط أرضاً وفقد الوعي هو أن الفيلم الذي كان سيتم التوقيع عليه بنحو عشرة ملايين دولار كان رغبة المخرج الحارّة في تحقيق هذا الفيلم مع براندو ورغبة براندو الأكثر حرارة في عودته الى السينما بعد أربع سنوات على ابتعاده بعد آخر فيلم له وهو »اللحن« مع روبرت دي نيرو وإدوارد نورتون وإخراج فرانك أوز٠
كان رضا الباهي سافر الى لوس أنجيليس واجتمع مع مارلون براندو مرّتين ولأكثر من ثلاث ساعات في إحداهما. حين عاد بعد المرّة الثانية حدّثني عن صحّة الممثل المعتلّة، لكنه ذكر أيضاً أن براندو أعجب جدّاً بالدور وأنه متحمّس للعمل. حماس لم ينتقل مباشرة الى شركة الإنتاج البريطانية التي تلكأت في محاولة لإجبار براندو على تخفيض أجره. وكان طلب خمسة ملايين دولار لقاء إداء دور يتطلّب منه ثلاثة مشاهد من الفيلم. براندو وافق وهبط بسعره الى مليوني دولار. حينها، وبعد ثلاثة أشهر من التلكؤ وافقت الشركة البريطانية (صاحبتها هي أم المنتج ديفيد هايمان منتج سلسلة »هاري بوتر«). لكن -كما تقدّم- بعد فوات الأوان٠
حين أخبرني رضا الباهي أن الشركة تتلكأ وأن براندو متحمّس وعليل في ذات الوقت اقترحت عليه التصرّف بالمبلغ الذي دفعته له وزارة الثقافة التونسية وتصوير المشاهد حتى من دون الفيلم لكي يطبع براندو على شريط خشية رحيله. كنت أعلم أن هذا الإقتراح لم يكن عملياً في الحقيقة، لكنه بدا لي محتملاً إذا ما تجاوز مسألة العقود وما إذا كان الممثل سيسمح لنفسه بالتمثيل على أن يتقاضي الأجر لاحقاً، فالدعم الذي تلقّاه المخرج من وزارة الثقافة، حسب كلامه، لم يزد عن 600 ألف دولار٠
قبل نحو شهرين من وفاة براندو كنت أجلس كل ليلة في مكتب للمخرج التونسي في أحد شوارع باريس، ليس بعيداً عن مكاتب منتج تونسي آخر هو طارق بن عمّار، لأشارك في كتابة السيناريو باللغة الإنكليزية (لغة الباهي الأولى بعد العربية، فرنسية). ولم يكن المطلوب ترجمة المكتوب بل منحه معالجة منطقية صحيحة وقابلة للتصديق. في أحد الأيام تبيّن لي مدى حماس الممثل براندو للدور حينما اتصل وأنا موجود وسمعت المكالمة بينه وبين رضا الباهي. كان براندو يسأله أين صار المشروع ولم لم يبدأ التصوير بعد. الباهي قال له: "لكني لا زلت في طور كتابة النسخة الثانية" وعلى ذلك أجابه براندو في تأكيد: "حين بدأنا تصوير »آخر تانغو في باريس« لم يكن هناك سيناريو نهائي". على هذا رد المخرج الخجول بطبعه: "لكني مستر براندو أنا لست برناندو برتولوتشي" - أي نسبة لمخرج ذلك الفيلم






لقاء لأربع ساعات
في أيام براندو الأخيرة كان واضحاً أن الممثل كان يرفض الرحيل من دون صدى يناسب تاريخه٠ كان يرى في الدور المرسوم له في سيناريو رضا الباهي فرصة مزدوجة: من ناحية يلعب دوره الحقيقي كممثل أسطوري (والمشروع كان في الأساس يحمل عنوانا دالاّ هو »براندو، براندو«) ومن ناحية أخرى، كان يتعامل لأول مرّة مع مخرج عربي ومع موضوع عربي فيه ممثل عربي وفي قصّة تدور أحداثها تبعاً لما بعد كارثة 11/9
أخبرني المخرج كيف أن مقابلة كانت معدّة لكي تمتد نصف ساعة شارفت الأربع ساعات تركه فيها المخرج يتحدّث بطلاقة. كان واضحاً أن براندو استغل فرصة معرفته بمخرج عربي (حمل إليه الباهي مجموعة من أفلامه السابقة شاهدها براندو قبل اللقاء) ليفتح قلبه وليقول له صراحة ما يشعر به حيال العرب وحيال القضيّة الفلسطينية٠
ففي ذلك اللقاء أخبر براندو رضا الباهي أنه متأسّف جدّاً على دعمه جهود الدولة العبرية سياسياً ومادياً وعاطفياً في السابق. أترك الحديث لما وصلني على لسان رضا الباهي

لقد كنت من المؤيدين لفكرة دولة إسرائيل في الخمسينات والستينات
لأسباب تتعلّق بما حدث لليهود من مجازر خلال الحرب العالمية الثانية٠
شعرت أن العالم صامت إزاء ما حدث لستة ملايين يهودي . لكن هذا
قبل أن أعي الفرق بين اليهودية والصهيونية، وقبل أن اكتشف الحقيقة
التي لم أكن أعرفها، ولم يكن يعرفها معظم الأميركيين.... كل تلك
المخيّمات التي كان يعيش فيها الفلسطينيين المشرّدين في لبنان. حين
أدركت الحقيقة صُدمت وتمنّعت عن الإستمرار في تأييد دولة رأيتها
تفعل في الفلسطينيين ما فعلته ألمانيا بهم٠

الفتى المشاكس
يكمل الباهي عن لسان براندو واصفاً ما تعرّض له من هجمة إعلامية عندما نقل ذلك الشعور الى العلن ذات مرّة. ربما نتذكّر أن الممثل أعلن ذات مرّة أنه مستاء من صمت اليهود الأميركيين على ما يحدث للفلسطينيين قائلاً لهم: "أنتم من هو جدير بالشعور مع آلام الشعوب فقد تعرّضتم للنكبات من قبل"٠
وأخبر براندو المخرج كيف أنه اضطر لأن يلعق كلامه في مقابلة في السي أن أن بكى فيها٠
أذكر أن بكاءه كان مثار تعليقات ساخرة من بعض الذين تناولوا الحادثة عربياً، إذ وجدوا الممثل أجبن من أن يتمسّك بكلامه. لكن علينا أن نعي أن من كان يبكي هو الوحدة والخوف من المستقبل والشعور بالذنب٠
الوحدة الناتجة عن العزلة وعن المسافة البعيدة التي تفصله عن هوليوود المتناسية وعن ماضيه الذهبي٠ والخوف من المستقبل وقد قارب الثمانين سنة من العمر، ثم الشعور بالذنب وهذا الشعور هو الذي صاحبه حتى من البدايات الأولى٠
براندو لم يعش حياة هانئة بالفعل. والمسألة بالغة الأهمية لأنها لوّنت إداءاته. منحتها الحدّة والإنفعال الذي أبهر به مشاهديه٠ ولد من أبوين سكيرين ولم يشعر بالرعاية. وحين عاود اللقاء بوالدته بعد سنوات من الفرقة إذ تخلّت عنه صغيراً، أرادها أن تبقى بجانبه طويلاً. لكنها بعد سنوات هجرته مجدداً ولم يستطع طوال حياته أن يكف عن الإعتقاد بأن الذنب في ذلك ذنبه. ربما يبدو ذلك غريباً لنا لكنه ليس غريباً على وضع الممثل الذي شق طريقه من دون غطاء عاطفي أسروي او توازن نفسي توفّره البيئة الحياتية٠
مثل جيمس دين أنطلق مارلون براندو فتى مشاكساً وعكس تلك الصورة من العام 1946 عندما ظهر على المسرح لأول مرّة. المسرحية كانت بعنوان »مقهى خط الشاحنات« التي أنتجها في ذلك العام إيليا كازان خارج-خارج برودواي (التعبير الذي يُطلق على تلك المسرحيات الصغيرة التي لا تقدّمها المسارح التجريبية المحدودة)٠
المسرحية لا أهمية لها على الإطلاق إذ لم تنقلها سجلات التاريخ او تعيد إطلاقها مسرحاً او سينما. لكن هناك خمس دقائق يكتب عنها المؤرخون على نحو خاص هي تلك التي ظهر فيها هذا الشاب براندو. كان في الحادية والعشرين من العمر آنذاك وكان دوره صغيراً إذ يظهر في نهاية المسرحية لاعبا دور جندي عائد من الحرب العالمية ليكتشف أن زوجته خانته. في ذلك المشهد يتحدّث لوحده على المنصّة كيف أن قتل زوجته التي أحب ورمى جثّتها في البحر. كارل مالدن، وهو ممثل جيّد آخر شارك براندو لاحقاً في عدد من الأفلام، يذكر كيف أن براندو سطا على المسرحية بأسرها في تلك الدقائق الخمسة وكيف أن تصفيق الجمهور لم يكن ليتوقّف قبل مرور دقيقتين٠
براندو لاحقاً ما انخرط في المدرسة التي أسسها إيليا كازان وآخرين لتعليم التمثيل حسب ما عُرف بـ المنهج٠
ومع أنه كان لا يزال طري العود وصغير السن الا أنه استلهم من نجاحه في تشخيص الحالات تبعاً لمشاعره وعلى وتيرة أحاسيسه الخاصة وطريقته في تفسير الشخصيات التي يلعبها الى حد أنه في رفض عروضاً للتمثيل وهو بعد لا يزال دون مستوى الشهرة- ناهيك عن النجومية. وما كان يقبل به كان تلك الأدوار الإنتفاضية المعبّرة عن روح متمرّدة في مسرحيات وأفلام تشاكس الوضع الإجتماعي
السائد٠

المكارثية
إنه في تلك الفترة بدأ يحاول أن يبث في الناس وعياً سياسياً. في العام ذاته، كتب المسرحي العنصري بن هكت مسرحية حكت عن مأساة اليهود وما كان يحدث لهم خلال الحرب العالمية الثانية٠ كان هكت، بوصفه يهودياً، إنما يدافع عن مصالح عرقه من وجهة نظر صهيونية محضة يطرح فيها مسألة نقل اليهود من اوروبا الى فلسطين. براندو، في مفهومه غير الواعي (والمصدّق ربما أن فلسطين ما هي الا أرض بدون شعب) كان السبب في أن المسرحية استطاعت جمع تبرّعات مباشرة لجهود بن هكت المالية لنصرة اليهود في عملية الإستيطان٠
هذا المفهوم السياسي المعارض للسائد من التفكير التقليدي كان هو ذاته الذي دفعه لاحقاً لتأييد الهنود الحمر ضد التجاهل والعنصرية البيضاء في وقت كان المواطن الأميركي، عادياً او محترفاً في هوليوود، قد اعتبر أن احتلال آبائه وأجداده للأرض الأميركية هو أمر انتهى البحث فيه او طرحه من أي زاوية (أدبياً وسينمائياً لم ينته مطلقاً على اعتبار ما يصدر من كتب حول الموضوع وما يطرح من أفلام من حين لآخر)٠
لكن واحداً من تلك المناسبات التي عبّر فيها براندو عن رفضه للوضع القائم كانت أيام الهجمة المكارثية على المبدعين الأميركيين بتهمة اليسارية٠ إيليا كازان سارع للإعتراف بأنه كان شيوعياً سابقاً مقابل أن يشمله العفو، ولكي يشمله العفو كان عليه أن يشهد ضد اولئك الذي كان يعلم أنهم يساريين وفعل ذلك (وبرر فيما بعد أفعاله أكثر من مرّة بما فيها المرّة التي وضع فيها كتابه عن حياته قبل نحو خمسة عشر سنة)٠
براندو، الذي لعب بطولة فيلم إيليا كازان »على رصيف الميناء« سنة 1945 اكتشف أن الفيلم ليس سوى تبرير المخرج كازان لفعلته وكان ذلك آخر فيلم بينهما٠
البديل السياسي لبراندو كانت في البحث عن أعمال ذات قيمة إجتماعية وسياسية. ووجد في خلال ذلك ثلاثة أفلام اعتز بها هي "أحرق" وهو للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو حول استعباد السود عن طريق قائد مستوطنة أبيض (براندو) و»سايونارا« للمخرج لجاشوا لوغن حول مجنّد أميركي في يابان ما بعد هزيمتها يقع في حب يابانية ويسعى لردم العنصرية الأميركية مصمماً على الزواج ممن يحب، ثم، في سنة 1966 فيلم آرثر بن الإجتماعي النقدي الصارخ »مطاردة« لاعباً شخصية الشريف في بلدة صغيرة في تلك الفترة تنقلب ضدّه لأنه يريد منعها من إلحاق الأذى بسجين أسود يريدون استنطاقه وبسجين أبيض (روبرت ردفورد) هارب من سجن الولاية طالباً العودة الى صديقته (جين فوندا)٠

في مقابلة رضا الباهي لبراندو تحدّث براندو عن براندو بعد اكتشافه الحقيقة. قال
ذات مرّة زرت المغرب ونزلت في دار . لم يكن همّي الإختلاط إجتماعياً او التعرّف على أي شيء. كان كل شيء، بما فيه النساء، مومّن وكنت خلال وجودي أستمتع بحياة رغدة. ذات يوم لم استطع النوم فبقيت صاحياً لساعة متأخرة من الليل٠ فجأة سمعت شيئاً غريباً يدلف عليّ من كل جانب... كان الأذان. أذان الفجر. صعدت سطح المبنى ووقفت أنظر الى تلك المآذن وهي تطلق تلك الأصوات التي تطلب من الناس أن تصلّي... شعرت يا رضا بخشوع غريب. هذا المشهد ولحظاته لا يزال يسري في أوصالي خشية بالغة٠

للأسف لم يكن هناك من يتلقّف هذا الشعور ليرشده ويهديه ويقوّمه٠
مارلون براندو رحل بعد رحلة دامت من العام 1950 الى العام 2001 وشهت 44 فيلما وتألّقاً كبيراً لا يمكن تلخيصه فيما تبقّى هنا من مساحة. لم تكن كل أفلامه متساوية. بعد السنوات العشر الأولى مارس فيها التمثيل كما لم يستطع أحد حذو طريقته، وجد أن الطريق لتثبيت ذاته وفنّه على هذا النحو أصعب مما توقّع. الستينات تخللتها أعمال رائعة له ("جاك ذو العين الواحدة"، " المطاردة") وأعمالاً رديئة ("موريتوري"، "كاندي" الخ...). ولم ينقذه من وطأة ذلك الا العرض الذي استلمه ذات مرّة لبطولة "العرّاب". هو نفسه كان يعترف بأن هوليوود غسلته في أول عشر سنوات ثم رمته. الحقيقة هي أن هوليوود لم تعرف ماذا تصنع بفنان مثله٠

في السنوات القليلة التي تبعت وفاة براندو، حاول الباهي إنجاز فيلمه علي أي حال. أعاد تركيب السيناريو مستغنياً عن المشاهد الثلاث لبراندو إنما من دون الإستغناء عن الفكرة ذاتها. لكن شيئاً ما غاب مع براندو.... هذا الشيء هو براندو نفسه٠
التركيبة بأسرها اختلفت والشركة البريطانية التي تلكأت طويلاً أخبرت الباهي أنها لم تعد مهتمّة. حاول الباهي البحث بين منتجين آخرين عن تغطية مالية تمكّنه من إنجاز العمل، لكنه اقتنع -على الأرجح- بأن المشروع الذي تحدّث عن براندو موحياً لأجيال متلاحقة من الممثلين الشبّان، مضى أيضاً حين أسلم براندو الروح٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠


Featured Post

Shadows and Phantoms | A Film E-magazine | Year: 11, Issue: 936

"سبايدر مان وشركاه... خيوط  واهية وأرباح عالية محمد رُضـا قبل زمن غير بعيد، كان في مقدورنا، كمشاهدين، مشاهدة الفيلم الم...

Popular