في أرض الظلال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The Undying Monster

الوحش الذي لا يموت ★★★★★


إخراج • Director

جون برام John Brahm

أدوار أولى • Principal Cast

جيمس إليسون، هيذر أنجل، جون هوارد، براموَل فلتشر.

James Ellison, Heather Angel, John Howard, Bramwell Fletcher

النوع/ البلد/ التاريخ • Genre/ Country/ Year

Horror | USA| 1942


|*| قامت شركة تونتييث سنتشري فوكس بإنتاج هذا الفيلم قبل وفاة مؤلفة الرواية جسي دوغلاس كرويش بسبعة أعوام. «الوحش الذي لا يموت» من أعمال المؤلفة سنة 1922» التي كتبت عدداً من الأفلام التي تمزج، كما الحال هنا بين الرعب والخيال العلمي والرومانسية يبدأ الفيلم مثيراً للإهتمام بسبب أسلوب متوتر ورصين معاً، ثم- في النصف الثاني- ينقلب إلى حكاية روتينية حول الرجل-الذئب.

Based on Jesse Douglas Kerruish's 1922 novel, John Brahm's film starts Stylish and moody, thrilling and good enough to be considered as a small jewel in its genre. Nevertheless, the second half is routinism job about hunting the monster: a werewolf in love.

م ر

Sep 2, 2008

317 | Story 2 | An Interview with Legendry Indian Director: Mrinal Sen

Diary of the Dead نقد فيلم جورج أ. روميرو
filmreader.blogspot.com/ على الموقع المتخصص بنقد الأفلام




ثلاثون قصّة | الحكاية الثانية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهندي (الحلقة الأولى من حلقتين)٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه السلسلة مـن القصـص، التي بدأت يـوم أمس بقصة »الحقيبة« ليست معدّة سلفـا، بل تكتب مباشرة للبث على هذه الصفحات. إنها من وحـي الخـيال ولو أن أحاسيسها واقعية٠ وهي تحدٍ وضعت نفسي فيه على أمل أن لا أنــدم عليه لاحقاً٠


حين وصلت الى الحفلة في مدينة بدفورد وركنت سيّارتي في أقرب مكان ممكن للمنزل الكبير الذي كنت أقصده، كانت الحفلة بدأت منذ نحو ساعة٠ نظر إبن خالتي محمود الى المكان وأطلق صفيراً طويلاً: "هذا حي لأصحاب الملايين. أنظر الڤلل. أنظر السيارات"٠
نظرت إليه مبتسماً وقلت: اصبر الى أن تشاهد المنزل نفسه٠
نزلنا من السيارة وتقدّمنا الى المنزل. كان كبيراً وكل نافذة فيه مضاءة في تلك الليلة. كان عيد ميلاد لارا والدعوة وصلتني قبل أسبوع وفكّرت أولاً أن اعتذر، ثم فكرت ثانياً في أن أتوجّه الى الحفلة مع زميلة من المكتب، لكني وجدت في النهاية أن إبن خالتي أولى لأنه وصل قبل أيام ولا يعرف أحداً٠
قلت لي أن لارا كانت ذات مرّة صديقتك؟ -
استفسر إبن خالتي منّي ونحن نتقدّم من الباب٠ فهززت رأسي بالإيجاب فأضاف متسائلاً
و كانت تحبّك وتريد الزواج منك وامتنعت؟ هل أنت مجنون؟ -
قلت له "هذا محتمل جدّاً" ثم فتحت بوابة الحديقة وتقدّمت خطوات بعيداً عنه لكي لا أسمع المزيد من تأنيبه٠ في الحديقة كان الجمع منتشراً والكثير من الرجال والنساء ولارا كانت تقف تحت ضوء مبهر تم نصبه تحت باب المنزل مباشرة وشاهدتني أول ما دخلت وابتسمت .توجّهت إليها وتبادلنا قبلة على الوجنتين وسألتني إذا كنت أذكر والديها. سلّمت عليهما وعرّفت الجميع بإبن خالتي الذي يصغرني بنحو عشرة أيام٠ نظرت حولي لعلّي أعرف أحداً ووجدت شاباً إنكليزياً تعرّفت عليه قبل نحو عام في زيارة لمكتب تصوير فوتوغرافي. انتظرت الى أن انتهى التعارف وانتهت الكلمات الطيّبة التي لابد من تبادلها اجتماعياً، ثم أخذت يد لارا بين أصابعي وسألتها راسماً على وجهى أقصى إمارات الإهتمام: "هل أنت على ما يرام؟" سألتها وأدركت ما أعنيه، ففي نهاية المطاف أنا الأحمق الذي هرب من الزواج من لارا ومن ملايين الجنيهات الإسترلينية التي سترثها يوماً٠٠
ابتسمت أكثر من ذي قبل وهمست: سأتزوّج من طبيب بعد شهرين٠
كانت صفعة من دون ألم... او ربما بألم مؤجل: "هل هو هنا"؟
لا. إنه في كوبنهاغن يحضر مؤتمراً وسيعود غداً -
آنسحبت بعد ذلك لتسلّم على وافدين جدد. تركت وإبن خالتي الجمع وتوجّهت الى طاولة عامرة. سحبت زجاجة ماء وطلب هو من النادل ببسي كولا من دون ثلج٠
سرنا في الحديقة بين رتل المدعوّين متوجّها الى توني المصوّر الذي كان يقف وسط حلقة من الرجال . سلم وعرفني على الجميع: مستر علاء الدين يعمل في المصرف البريطاني للشرق الأوسط وتعرفت عليه حين كان يبحث عن مصوّر فوتوغرافي لحملة دعائية٠
عرفت الجميع على إبن خالتي... جاء لزيارة قصيرة وسيعود. ثم حاولت الإنسحاب اعتقاداً مني أني وإبن خالتي دخلنا على حديث خاص، لكن رجلاً في الخمسينات بلحية تشبه تلك المرسومة لصاحب كنتاكي فرايد تشيكن قال رافعاً كأسه: أبقيا معنا واستمعا لما نتحدّث فيه٠
انصت للحديث. كان محوره ما قرأه الرجل ذي اللحية، الذي عرفت لاحقاً أن أسمه إدوارد وهو استاذ تاريخ، من أن لعبة الحبل المشهورة في الهند لم تكن يوماً صحيحة "وكيف تكون؟" قال الرجل بصوت جهوري: "لا يعقل مطلقاً أن يرتفع حبل بمفرده في الهواء. هذا يحدث في أفلام سابو فقط"٠
نظرت الى حيث كان إدوارد يوجّه حديثه الى رجل هندي في ذات السن تقريباً وبلحية رمادية اللون مكشوف الرأس. نظر الجميع اليه بإنتظار ردّه وهو أجاب: "استطيع أن أؤكد لك أن الأمر ممكن٠ إنه من تقاليد دراويش الهند المعروفة تماماً كتقليد العزف على المزمار وخروج الثعبان من السلّة٠
قال أحد المتحلّقين: هذا حقيقي؟
أجاب الهندي: نعم هذا حقيقي٠
وبينما ساد شيء من الهرج نظرت الى إبن خالتي فوجدته يتحدّث مع فتاة تماثله سنّاً. حسناً فعل. نظرت الى لارا فوجدتها تخرج من باب المنزل الى الحديقة وفي يدها لفافة ورق تواليت وتتقدم من المايكروفون وتقول: لدي خطبة أريد إلقاءها.... ثم فردت ورق التواليت كمن يفتح صفحات مطوية عليه خطابه. تدحرجت اللفافة البيضاء وضحك الناس وصفّقوا، ثم صفّقوا أكثر حين انتهت من إلقاء كلمة ترحاب بالجميع داعية الجميع للتوجّه الى طاولة الطعام حيث نُصب »غاتو« كبير من ثلاث طبقات٠ لكن الجماعة التي كنت أقف معها لم تتحرك من مكانها بل عادت فتحلّقت وسمعت الهندي يقول مؤكّداً: أنا أستطيع جعل حبل يرتفع عموديا بالنظر إليه٠
ساد الصمت بين المتحلّقين. نظرت اليهم واحداً واحداً، ستة رجال بينهم غريبان هما هذا الهندي وهذا العربي٠
قطعت الصمت وسألت: هل تتحدّثون عن لعبة ما. قال إدوارد: تستطيع أن تسمّها لعبة. هي عبارة عن حبل يتم لفّه بطريقة معيّنة، او هكذا يبدو، ثم يتم إحضار صبي صغير فيلتف حول رأس الحبل الفالت ويتمتم الساحر بكلمات ما فإذا بالحبل يرتفع عموديا لنحو عشرين او ثلاثين قدم والصبي فوقه. لقد قرأت في إحد المصادر تاريخية أن أميركياً كتب تقريراً لصحيفته عن ذلك. وفي أواخر القرن التاسع عشر أعرف معرفة اليقين أن لجنة علمية توجّهت من لندن الى الهند لتبحث عن الحقيقة في هذا الموضوع، لكنها عادت فقط بمزيد من القصص الخيالية٠
هنا تدخّل الهندي بهدوء وقال: لكني أؤكد لك أن المسألة أكثر من لعبة وأكثر من مجرد عمل سحري. أقول لك وللسادة هنا - وأنا مسؤول عن كلامي كجنتلمان- أنني أستطيع الآن، إذا ما كان هناك حبلاً القيام بهذا الفعل. أحضر لي الحبل واحضر لي ولداً لا يزيد عمره عن ثماني سنوات وأنا مستعد لأريكم عجباً٠
نظر المتحلّقون الى بعضهم البعض. الإبتسامة الساخرة غابت من على وجه إدوارد وتوني مد يده الى جيبه وأخرج مفتاح سيارته: هل أستطيع تصوير ما ستقوم به؟
قال الهندي: نعم. سيكون عرضاً مذهلاً٠

يتبع غداً٠٠٠٠


حوار على فيلم |مرينال سن
«مع كل فيلم آخذ الفرصة وأجرب»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لم أكن شاهدت المخرج الهندي مرينال سن منذ نحو عشرة أعوام حين التقيت به في القاهرة حين جاء لحضور مهرجانها السينمائي. وإذ التقيت به في ردهة الفندق، لم يتطلّب منه الأمر وقتاً طويلاً من قبل أن يتذكّرني. ربما تدريجياً، لكن مع نهاية جلستنا كان يحدّثني عن لقاءاتنا في برلين ولندن وموسكو٠
إنه في أحد هذه المدن جلسنا وتحدّثنا عن سينماه طويلاً. إنه ليس حديثاً لكل القرّاء. عميق وتقني ويتحدّث عن شؤون فقط هواة السينما للعظم سيجدونه مثيراً٠
مرينال لا يزال حيّاً في الخامسة والثمانين من عمره. أنجز في حياته ثلاثين فيلم لا أكثر لكن شهرته تنتمي الى مرحلة ولّت. مرحلة كان الإحتفاء بالمخرج يتم قبل الإحتفاء بالفيلم نفسه٠

مرينال سن (مواليد 4/5/1923 في كالكوتا) مخرج هندي بشهرة عالمية. أغلب النقاد في العالم يضعونه ثانياً بعد زميله الكبير ساتياجيت راي، لكن أحد الفواصل الكبيرة بين الاثنين، إن أياً منهما لم يحاول أن يكون الآخر، بل ولم يبد إعجابه بسينما زميله. طريقيهما يختلفان تماماً كذلك أسلوبيهما، منطلقاتهما ووسائل تعبيرهما على الرغم من قدومهما من مقاطعة هندية واحدة هي البنيغال٠
ساتياجيت راي، في حكم موجز، فنان من أولئك المرهفين الذين كانوا يستعينون بموهبة فائقة على تشكيل المشهد وإرساء أسلوب خاص تلونه تأثيرات أوروبية لا شك فيها. لكن هذه التأثيرات لا تطوف على السطح محدثة انفصاماً أو اغتراباً من أي نوع، بل تمر من تحت يدين ماهرتين في تشكيل ملامح متميزة لمخرج مثقف مارس إلى جانب السينما العزف الموسيقي، وكثيراً ما يقوم بوضع تصاميم وديكورات أفلامه بنفسه٠
سن، مختلف تماماً. أنه لم يبدأ بالفن، وقلما اهتم في مطلع حياته بالذهاب إلى السينما. كان اهتمامه آنذاك منصب على دراسة الفيزياء، ومنه تعلق بالمسائل التقنية وبآلات التسجيل، لكنه أيضاً انصرف عنها ليصير صحفياً ومندوب وكالة صحية. أول خطواته السينمائية جاءت عندما انضم إلى معهد ثقافي تابع للحزب الشيوعي في الهند، وإن لم ينتم سن نفسه إلى ذلك الحزب، هنا قرأ عن السينما وازداد فهمه لها ووضع عن تشارلي تشابلن كتاباً ثم أخذ يمارس النقد السينمائي حتى أخرج أول فيلم له عام ٠1956

منذ ذلك التاريخ أخرج سن 21 فيماً منها: «الفجر» (1956 ـ أول أفلامه)، «يوم العرس» (1960)، «أخوان» (1966)، «الصيد الملكي» (1976)، «الخارجون» (1977)، «الرجل ذو الفأس» (1978)، «ثم »ببطء يمضي اليوم» (1979)، «البحث عن مجاعة» (1980) و«المشكال» (1981)٠

يقسم الناقد البريطاني ديريك مالكولم حياة مرينال سن السينمائية إلى ثلاثة مراحل. الأولى من تاريخ أول أفلامه، «الفجر» في 1956، إلى 1969 عندما أخرج «السيد شوم» وفيها كان سن يقدم سينما تعبر عن «تطور بطيء وغير ثابت لم يرفض سن فيها السينما التجارية السائدة بل ابتعد أيضاً عن أسلوب ريتويك وراي، وهما المخرجان البنيغاليان الآخران اللذان ارتفعا أيضاً فوق المعتاد ٠
المرحلة الثانية مدتها ثلاث سنوات تبدأ من «قصة غير منتهية» (1971) وتنتهي بــ«الكورس» (1974) وهي فترة "حاول فيها سن، الذي بات أكثر خبرة وممارسة، أن يطلق سينما تستحق الثناء لكنها في النهاية مخفقة يدعو فيها إلى ممارسة الثورة في الحياة وفي الفن" هذه الفترة ـ والحكم فيها ما زال لديريك مالكولم » أظهرت سن كـغودار الهند" ٠
أما المرحلة الثالثة فتبدأ من «الصيد الملكي» في 1976 وهي الأخيرة، وفيها "أقتنع سن، أخيراً، بأن ملاحقة ألطف نوعاً كانت ضرورية (...) وأنه يستطيع، حتى بمفاهيمه الراديكالية، أن يصل إلى جمهور أكبر..."٠

هذا التقسيم المبدأي لسينما مرينال سن لا ينفي أن الهم الأكبر لهذا المخرج منذ البداية وقبل زمن من بدايته السينمائية، وحتى اليوم كانت ملاحقة مشاكل الفقر المدقع الذي يصيب الحياة الاجتماعية الهندية، وربما منذ نشأتها، بالشلل الثقافي والاجتماعي والصحي. هو بنفسه قدم من طبقة غير ميسورة، وهو أدرى بمعاناة هذه الطبقة وبالتقاليد والعادات المترسخة في ذاتها تبعاً للوضوح الاجتماعي والاقتصادي لها. أدرى بالكيفيات التي تستغل فيها هذه الطبقة، كما بالتباين الشديد بين المدن والقرى. وإذا ما استعرضنا أفلامه الإحدى والعشرين نجدها قد دارت حول مجموعة هذه المشاكل والهموم٠
من هنا حرص سن على رفض سينما زميله ساتياجيت راي، ويجدها غير ملتزمة سياسياً. بدوره لا يلتزم بالمسحات الفنية التي يضفيها راي على أفلامه، ويؤلف ما هو خاص به، ويحاول، غالباً عن نجاح متفاوت، إنزال المتفرج إلى قعر الموضوع الذي يعرضه بما فيه من آلام وأحياناً من رتابة أو تكرار. وطريقته لذلك هي استفزازه بكاميرا لا تؤلف أساساً أطراً فنية، بل تتحول إلى عنصر إضافي في المجموعة المروية كلها٠

الحوار التالي بيننا اختص بــ أربعة أفلام أخيرة قدمها سن وهي «الرجل ذو الفأس» (1978)، «ببطء يمضي اليوم» وله عنوان آخر هو «وبهدوء يأتي الفجر» (1976) «البحث عن مجاعة» (1980) و«المشكاة» (1982). ولقد تمحور الحديث حول «البحث عن مجاعة» لأهمية موضوعه (فريق سينمائي من المدينة يصل القرية الفقيرة لتحقيق فيلم روائي عن مجاعة 1943 التي ذهبت بأرواح الملايين فيكتشف أنها ليست من نتاج الطبيعة بل نتاجاً للشجع الفردي، وأنه سيسبب بدوره تكرار الحالة ذاتها بعدما ازدادت الشقة بين هذا الفريق وأبناء القرية) ولاختلافه عن الأفلام الباقية.
تم عرض »ببطء يمضي اليوم« في مهرجان كان و»المشكاة« في مهرجان ڤنيسيا، ونال »البحث عن مجاعة« فضيّة مهرجان برلين في حين نال »الرجل ذو الفأس« إحد جوائز مهرجان موسكو حينها٠ والفيلمان الأولان (»ببطء يمضي اليوم« و»المشكاة«) يتشابهان في الأجواء والمنطلقات في حين أن «الرجل ذو الفأس» يتميز أسلوبياً بكثرة الاعتماد على كاميرا محمولة على الكتف لخلق مشاركة تجاه موضوع تسجيلي في إطار روائي كما يقول سن في المقابلة.
في المقابلة يشدد سن على فاعلية أسلوبه السينمائي لإيصال الواقع ولإشراك المشاهدين فيه، وهو على صواب نظرته ومنطلقاته، يرفض أن
يترك مسافة ما بين الكاميرا وبين الأحداث بحيث يمكن للمتفرج حينها اختيار الزاوية أو حتى الوسيلة التي عبرها يلج إلى أعماق العمل ٠


ـ هل نبدأ بــ «البحث عن مجاعة» لقد عرضت حالة مخيفة من استئثار الإنسان بالخيرات دون غيره في سبيل الإثراء٠

وهذه الحالة ما زالت مستشرية. لقد روّع الفيلم بعض هؤلاء الناس عندما عرضته عليهم، وما
حدث في 1943 يمكن أن يحدث الآن، وأحد مفاهيم الفن المهمة هو أن يوضح مثل هذه العلاقة الزمنية القائمة بين اليوم والأمس٠

ـ تقصد التجارة بأرواح الناس وافتعال المجاعات؟
نعم، هذه ما زالت هناك، وهذا ما يقوله العجوز، والذي هو أكثر تحرراً، "في الفيلم أستطيع أن
أن أرى ذلك، لم أنس الأمس ولا كيف حققتم ثرواتكم من وراء المجاعة". ثم كما ترى في الفيلم، ترحل النساء إلى المدينة، هذا الرحيل دافعه الرغبة في تأجيل الموت. وواحدة منهن تأتي إلى الممثلة التي رأت فيها قدرة على الفهم والتواصل وتشكوها حال ابنها الذي أرسلته إلى المستشفى. لقد حاولت أن أخلق ترابطاً ليس أنثوياً فقط، بل اجتماعياً، فالممثلة التي تلعب دور فتاة من القرية قد فهمت مع مسار العمل موقع المرأة التي تأتي إليها وحاجاتها، كما فهم معظم العاملين أن الموت جوعاً الذي يعالجه الفيلم الذي يصورونه، إنما ما زال خطراً جاثماً على أبناء القرية٠
------------------------------------------
كموصل، أريد أن أزعج الناس وأشدهم إلى الواقع، أريد أن يعوا الوضع الذي أقدمه. كما أن آخر ما أسعى إليه هو أن أقدم إلى الناس فيلم معلومات
------------------------------------------

ـ حول هذه النقطة أريد أن أستوضح أمراً، الفيلم هو فيلم في داخل فيلم: فريق عمل سينمائي يصل القرية لتصوير فيلم مأخوذ عن أحداث حقيقية (المجاعة التي أودت بأرواح الملايين) وقعت في 1943 بسبب طمع الإنسان، ونحن نشاهد هذا الفريق في احتكاكاته وعمله وفي أثناء تصويره في النهاية الفيلم الذي يصورونه يتوقف. اكتشف المخرج أنه قد خلق من حوله نحالة لا يمكن معها تكملة العمل، وربما هذه الحالة في داخله أساساً، كيف تفسر التغيرات التي أصابته وفريق عمله؟
لقد شاهدت أفلاماً عن أفلام، أي فيلم داخل فيلم. عادة ما تجد أن الفيلم الذي تشاهده يبدأ من أسس واقعية ولكنه يطير بطيئاً نحو الفانتازيا وهذا يتم عندما يحاول المخرج التساهل مع نفسه قليلاً. هنا حاولت الأمر معكوساً: نبدأ هنا بقليل من الفانتازيا من خلال النظر إلى القرية بعيون فريق العمل القادم من المدينة. إلى حد كبير هذه الزيارة هي بمثابة رحلة سياحية، وهم يحطون رحالهم في قصر كبير ويبدأون، كما تلاحظ في الفصل الأول من الفيلم، التجول في شيء من الإعجاب والنشوة. لكن الفيلم يصحو ببطء نحو لمعان الحقيقة حتى تصير أقوى من الفيلم بكامله٠

ـ هل أصيب الحقيقة إذا لاحظت أنه في معظم أفلامك، ولنأخذ مثلاً «الرجل ذو الفأس» أو «هكذا يمضي اليوم»، تعتمد واقعية فيها منحى تسجيلي وذلك ضمن إطار الفيلم الروائي الذي تقدمه؟
نعم ـ نعم، هذا صحيح. هذا ما أسميه إعطاء الفيلم المصداقية، الواقع الذي ينطلق عنه، وإلا جاء العمل قصة عادية فيها الكثير من التساهل مع الذات وهذا ما لا أريد أن أفعله. كموصل، أريد أن أزعج الناس وأشدهم إلى الواقع، أريد أن يعوا الوضع الذي أقدمه. كما أن آخر ما أسعى إليه هو أن أقدم إلى الناس فيلم معلومات. في نهاية «البحث عن مجاعة» يستفزك الفيلم ضد الناس التي سببت وقد تسبب اليوم نفس المشكلة. كما يستفزك ضد مثقفي المدينة وصانعي الفيلم القادمين من الطبقة المتوسطة الذين فشلوا في وضع نهاية لفيلمهم

ـ هناك تباين واضح ومقصود بين القادمين من المدينة إلى القرية، ومفهومهم لها، وبين أبناء القرية ذاتها٠٠٠
نعم وكما يقول لهم أحد أبناء تلك القرية "أتيتم لتصوروا فيلماً عن المجاعة لكنكم تكادوا أن تسببوا أنفسكم بواحدة" والسبب إقبال أبناء المدينة على ابتياع حاجيات السوق وأطعمته مما أدى لارتفاع أسعارها. بذلك لدينا حالتين متعارضتين: فريق سينمائي يريد تصوير فيلم عن المجاعة، وعن المآسي التي حدث فيها، من جهة، ومن جهة ثانية، هذا الفريق بنفسه يكاد أن يتسبب بواحدة٠

ـ وفي النهاية كلهم خاسرون. صحيح؟ سطحياً على الأقل٠
ـ عند تلك النهاية هناك مشهد مؤثر، تلك الفتاة الصغيرة
التي وقفت بعيداً ترقب رحيل السينمائيين في حزن. بما
أننا لا نرى الفتاة في مشاهد سابقة، فقد بدا لي ظهورها
مفاجئاً. هل كانت في السيناريو، أو أنها إحدى لقطاتك
القروية الطبيعية؟.
كنا نصور الفصل الأخير، وكنت لا أجد وقتاً كافياً للنوم، ساعتان أو ثلاثة في آخر الليل، وكانت الفتاة الصغيرة تعمل معنا لقاء مبلغ من المال لأننا أردنا بعض الأيدي العاملة من القرية. وفي اليوم الأخير من التصوير تقدمت مني وسألتني إذا ما كنا راحلون في نفس اليوم، فقلت لها نعم. بأن عليها الحزن وصمتت، وهي كثيراً ما تلتزم الصمت فلا تنبس بكلمة، فسألتها "هل تأتين معنا إلى كالكوتا؟" فقالت: لا، وسألتها لماذا، فأجابت بأن والدتها لا تسمح لها، فجأة تذكرت أن زوجتي كانت قد جلبت لي مسحوقاً (بودرة) لأن المنطقة التي كنا فيها كانت مرتفعة الحرارة وكثيرة الرطوبة، فأعطيتها لها وطلبت منها أن تذهب بها إلى بيتها قبل أن تضيعها، بعد ساعتين عادت والمسحوق فوق كل وجهها٠ وكانت ما تزال تحتفظ بعلبة المسحوق، فطلبت منها أن تقف إلى جانب عمود في حديقة القصر وأن تنفذ ما أطلبه منها، وهكذا جاء هذا المشهد الذي لم يكن في السيناريو. كانت حزينة ومؤثرة تماماً كما شاهدتها٠
ـ كونك مخرجاً تنتمي إلى سينما ما يُعرف بالعالم الثالث هل أن ظروف تحقيق الأفلام، ليس من الناحية الإنتاجية أقصد، بل في النواحي التعبيرية والفنية الإخراجية البحتة، أصعب في هذا العالم منها في أوروبا مثلاً؟
على الواحد أن يجرب العمل هنا (أوروبا) أولاً ليقدم إجابة صحيحة، وأنا لم أحقق أي فيلم خارج بلادي بعد. وكما تعرف، في كثير من الأحيان ما نقوم ـ نحن المخرجين ـ بعمل أشياء تخرج عن نطاق تخصصنا، وهذا ينطبق على الفنيين الآخرين، أعمالنا ـ من هذا المنظور ـ هي أكثر تعاوناً. كما أن طبيعة المكان الذي اتخذناه مقراً لنا، وهو القصر المهجور الذي رأيته في الفيلم، ساعدتنا على التآلف والراحة في بعض الأحيان. لقد عملنا بجهد كبير. استغرق التصوير ثلاثة أسابيع فقط، وكنا نصور من 14 إلى 16 ساعة في اليوم٠


من فيلم »مشكاة«٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ كيف تنعكس روح العمل الجماعي على العمل أثناء التصوير، كيث يؤثر ذلك على الأسلوب المعتمد، خاصة وأنا أعلم ميلك للكاميرا المتحركة والمحمولة على اليد والتي نشاهدها في «البحث عن مجاعة» في مشهد طويل، كما في فصل من فيلمك الأخير »المشكاة« حيث يحاول بطل فيلمك وصديق له إيقاف سيارة تاكسي في شاريع مزدحم من دون نجاح؟
في «الرجل ذو الفأس»، الذي كما تذكر، اعتمد على كثير من المشاهد المصورة بكاميرا محمولة، كان عليّ أن أستعين بمصور آخر غير مدير التصوير الذي أتعامل معه دوماً (ك.ك. ماهاجان) والذي صور معظم أفلامي، إنما كلاهما جاء من نفس المدرسة ويعرفان أسلوبي في التصوير والعمل، بالإضافة إلى أن مصوّر «الرجل ذو الفأس» كان مساعداً للآخر لفترة طويلة. ومدير التصوير في بلدنا ليس فقط مسؤولاً عن الإضاءة. بل هو أيضاً المصور نفسه. وفي حالات الكاميرا المحمولة ما يحدث هو أن يحمل المصور الكاميرا على كتفه ويتصرف تماماً كما لو أن جسده هو منصة الكاميرا الثابتة. وكثيراً ما أجد إني أحصل على نفس النتائج التي أريد٠

ـ إذاً اعتمادك كبير على مدير التصوير الذي هو نفسه المصور في تنفيذر ما تريد، وهذا يخلق تآلفاً «بينهما» من جهة وبينك أنت٠
صحيح، لكني اعتمد في نجاح اللقطات على ضبط إيقاع وحركة الكاميرا بإيقاع وحركة الممثل، على الاثنين ـ الكاميرا والممثل ـ أن يتحركا في تناسب. الممثل هنا يتصرف بمقتضاها، أجعله ينتبه إلى أن الكاميرا هي بمثابة إشارة متفق عليها لبدء حركة كذا، وألا لشعرت دائماً بالآلة وراء العرض. إني أهدف لخلق حركة طبيعية واعتيادية لمشهد طبيعي اعتيادي قدر الإمكان، لذلك من المهم عندي تناسب وتلاقي الحركتين لأن هذان التناسب هو الوسيلة الوحيدة لذلك. أيضا استخدم «الزوم» من الأمام أو من الخلف كثيراً، لكني حين أفعل ذلك كثيراً ما أعمد في نفس الوقت إلى تحريك الكاميرا ذاتها، أو الموضوع المصور ذاته، وهو في هذه الحالات ليس سوى الممثل٠

ـ لكن ما هي المشاهد الدرامية التي تتطلب ـ في نظرك ـ تتطلب مثل هذه الحركات الثلاثية؟
يعتمد هذا على نوع الوضع أو الموقف الذي تظهره. على نوع التأزيم الذي تريد خلقه في الفيلم، والحاجة التي تدعو إليه. عندما استخدمه في مشهد الزحام في شارع رئيسي في «المشكاة»، فإن الغرض هو الإيحاء بأزمات المدينة المتعددة، بتشابكها وتنقاضاتها٠

ـ لكن ألا تخاف من أن يشعر المتفرج بوجود هذه الكاميرا فيلد عنده شعور معاكس تماماً لذلك الذي تود أحداثه: العفوية؟.
لا، لأن الكاميرا في كل الحالات هي مسجل لنبض ما يدور، في «البحث عن مجاعة» لم أستخدمها كثيراً لأن العديد من المشاهد لم تتطلب مثل هذا الاستخدام، بالتالي ما يشد أنظار المشاهدين هو الحركة التي في داخل الكاميرا. وليس حركة الكاميرا... الشارع الذي يتم التصوير فيه، حركة الممثل السريعة، الشارع نفسه مزدحم بالناس، أي إني أتعامل مع عدد كبير منهم لذلك رغبتي هي أن تنضم الكاميرا إلى إيقاع الحياة ذاتها، إلى فريق العمل والمجموع. ليس عندي سبب تبقى الكاميرا من أجله بعيدة٠
------------------------------------------
عندما شاهدت فيلم فيتوريو دي سيكا «سارق الدراجة» لأول مرة أعجبت بتلك التلقائية في العمل وأحسست أني أستطيع أن أحقق فيلماً على ذاك المنوال
------------------------------------------

ـ أحد المشاهد التي أعجبتني في «البحث عن مجاعة» كان ذلك الذي نرى فيه تصوير مشهد مزدوج البعد، أنه يقع ـ روائياً ـ ضمن الفيلم الذي يصوره أبطال فيلمك، لكنه أيضاً يعني الحاضر الذي تود الإشارة إليه. هنا تدور الكاميرا من حول الشخصيات ثم تنتقل معهم في نفس اللقطة من الموقع الأول، عمود أو شجرة، إلى الموضع الثاني، وهو بيت. كيف رتبت المشهد على الورق أولاً؟ كيف صورته ثانياً؟.
في كثير جداً من المشاهد توقفت عن القيام بكتابة المشاهد المطلوبة سلفاً. كنا نعيش في نفس موقع التصوير وكان ذلك مساعداً على إبقاء كل المشاهد المطلوبة تحت تفكير على الطبيعة دائم. لذلك المشهد، وهو مثال لما سميته بالحركة الثلاثية رغم أن الكاميرا هنا لم تكن محمولة على الكتف، كان علي أن أنقل مجموعة من العواطف والانفعالات على شريط طوله 300 أو 350 قدم، ولمّا لم أكن أريد أن أقطع اللقطة الطويلة إلى مشاهد فقد خطرت لي فكرة تنفيذ المشهد مزدوجاً كما ذكرت باستخدام لقطة طويلة واحدة. هنا أيضاً كان من المهم جداً أن يتفاعل الممثل مع الموقف وحركة الكاميرا في آن بحيث ينجح المطلوب من هذا المشهد. لقد ذهبت إلى الموقع وحدي وتخيلت تماماً كيف سأصور ذلك المشهد، رتبت تنفيذه في ذهني وأنا أتفحص المكان، ثم صورناه في نفس اليوم٠

ـ ذكرت لي أن الكاميرا كانت لديك، هنا على الأقل، كآلة تسجيل، هل نستطيع اعتبارها طرفاً ثالثاً؟ أحاول أن أتبين مفهومك للتأليف الدرامي للمشهد ودور الكاميرا فيه٠
كونها طرفاً ثالثاً لا يمنع من كونها آلة تسجيلية، هذا الشخص يتحرك حسب المطلوب منه، والمطلوب منه دوماً هو تطبيع اللقطة، المشهد والفيلم. جعله يبدو اعتيادياً، وكأنها فعلاً شخص يقف على مقربة من الحدث ويتحرك حسب الموقف والظرف. لقد كنت دائماً حريصاً على اعتبار أن هذا النوع من «الاعتيادية» والعفوية الشاملة تدمج المتفرج فيها. المتفرج يشعر بأنه جزء من الكل، ويرتبط مشتركاً مع ما يدور. عندما شاهدت فيلم فيتوريو دي سيكا «سارق الدراجة» لأول مرة أعجبت بتلك التلقائية في العمل وأحسست أني أستطيع أن أحقق فيلماً على ذاك المنوال. لقد بدا لي هيناً إلى درجة إني فكرت أن كل إنسان يستطيع أن يخرجه، لاحقاً تعلمت أنه لكي تعبر عن معاني بسيطة في الحياة بوسائل وسيطة تحتاج إلى تخطيط ومقدرة. أنه ليس أمراً هيناً أبداً٠
ـ مع ذلك «الرجل ذو الفأس» مختلف في واقعيته. أفهم أن كل أفلامك تطرح واقعاً وتتحدث عنه في اقتراب ملموس، لكن ذلك الفيلم يختلف، عندي، أنه أبعد قليلاً من أن يوصف بالواقعية، وأبعد قليلاً من أن يوصف بالبساطة. أسلوبياً يختلف عن الأفلام الثلاث اللاحقة٠
يختلف حقاً. أنك صائب في هذا الافتراض لأني أسمي «الرجل ذو الفأس» بالفيلم التسجيلي المفرغ في قالب روائي
(Fictionalized Documentary)
إنه ليس فقط فيلماً خيالياً، أنه الخيال زائد وبنسب كبيرة التسجيل، في حين أنه في الكثير من أفلامي ،
الأخرى تجد أن الأسلوب مغطى بالروائية

ـ لكن لماذا اخترت هذا الشكل لفيلم «الرجل ذو الفأس» دون غيره؟.
كان ذلك تجربة غير معمول بها كثيراً في الهند. القصة كانت ضحلة، وهي مأخوذة من تقرير صحفي قام به باحث اجتماعي هندي مشهور، لذلك لم يكن هناك الكثير من المواد التخيّلية، ولم يكن مناسباً لها اختراع أحداث وإلا انتهت إلى فيلم مختلف تماماً عن معطيات ذلك التقرير. وهذا ما لم يحدث في «ببطء يمضي اليوم» مثلاً لأنه، وعلى رغم من أن القصة عانت كذلك من حدود ضيقة، إلا أني ـ لفترة ـ قلت وداعاً للقصة وأدخلت عليها ما أردت من قبل أن أعود إليها. أما «البحث عن مجاعة» و«مشكاة» فكانا مختلفين٠

------------------------------------------
مع كل فيلم أقبل بأخذ الفرص. أجرب. أنه مع العدد المتزايد من رواد السينما في بلادي، لقد كنت دائماً أعتقد بأن السينما هي أكثر الفنون تنامياً وكبراً، إنها تتمتع بقابلية غير معقولة على التجديد والتنويع في الأساليب٠
------------------------------------------

ـ بين «ببطء يمضي اليوم» و«مشكاة» هنا أكثر من صلة، من بين أهمها أن الأحداث تدور في نفس الحارة وفي نفس الظروف: الحارة السكنية الضيقة والتي تشهد حدثاً٠
إلى هذا الحد فقط، ما يلي هو بدوره مختلف. في الفيلم الأول، العائلة الفقيرة أمام غياب ابنتها الكبرى وهي معيلة العائلة بكاملها فماذا سيحدث لها؟ كيف ستسقل تلك الفتاة لاحقاً بحياتها وعليها مثل هذه المسؤولية؟ في الثاني محاولة شاب أن يقدم تحليلاً صحفياً يرى فيه الواقع الذي يمر فيه

ـ مثل «البحث عن مجاعة» هناك وسيلة أعلام ما تتحرى وتكتشف
تماماً

ـ إذن نصل إلى السؤال الكبير: كيف تبني السينما التي تريد؟
مع كل فيلم أقبل بأخذ الفرص. أجرب. أنه مع العدد المتزايد من رواد السينما في بلادي، حاولت أن أستفيد من الوضع وكان لا بد لي من هذا. لقد كنت دائماً أعتقد بأن السينما هي أكثر الفنون تنامياً وكبراً، إنها تتمتع بقابلية غير معقولة على التجديد والتنويع في الأساليب. تستطيع أن تصنع الفيلم الذي تريد بالوسيلة التي تريد تبعاً للأسلوب الذي تريد، وإن سألتني الآن ما الذي دفعني لوضع «البحث عن مجاعة» في إطار فيلم داخل فيلم أقول لك إني شعرت بأنها الوسيلة الأفضل، التي أستطيع فيها التكلم عن قصة وعن صانعي الفيلم٠٠٠

ـ وعنك أنت أيضاً
نعم، وعني أنا أيضاً. في هذا المجال هو نقدي لذاتي. لأنه مع مفهومي الخاص للفيلم ومفهومي العام للسينما والمشاهدين كثيراً ما شعرت بالسعادة للاطراء الذي يقابل به فيلم من أفلامي، لكني أيضاً كثيراً ما شعرت بأني أخادع المتفرج في بعض الأماكن غير المنظورة كيف؟ أن ما يمر على الشاشة على أساس أنه إنجاز واقعي كبير يخفي كذلك تساهلاً ذاتياً مع نفسي يتكون من مقدار اللعب الذي أمارسه لتورية الأشياء، لردم المسافات بيني وبين ما أعرضه عبر حوار أو لقطة٠

ـ ولماذا التورية؟
في أفلامي السابقة كنت أمارس انتمائي إلى الجنس الأكثر سيطرة على تحولات المجتمع ـ الرجل. في فيلمي الآخيرين، لاحظت أني أخذت أمر في أزمة من النقد الذاتي نتيجة اكتشافي لتلك الممارسة. وهذا ما يجعل «البحث عن مجاعة» متعدد الأبعاد، وأيضاً ما يجعل شخصية المخرج في هذا الفيلم قريبة من شخصيتي وإن لم تكن بالضرورة تمثلها تماماً. إن الذي يحدث دوماً هو إننا نطارد الواقع أو الحقيقة، لكن الواقع أو الحقيقة التي من حولنا، أو تلك التي تخصنا، تصير أكبر هماً من تلك التي نبحث عنها. في الفيلم المخرج يريد العودة إلى 1943 باحثاً عن أسباب المجاعة، وتثيره حقيقة أن المواد المتوفرة حول الموضوع ليست بالكثيرة، لكنه لاحقاً يعي واقعاً جديداً نتج عن تواجده وعمله، وهنا يبدأ السير إلى المعاصرة بشعور غير مرتاح، وما تراه في النهاية هو أن الواقع الذي بين يدي المخرج قد أصبح أقوى وأهم من ذلك الذي كان يبحث عنه والذي هو، في نطاق الفيلم، خيالاً.
------------------------------------------
اسمع، لو إني أعرف أنني بت أخرج أفلاماً للأوروبيين لتوقفت عن الإخراج في الحال وأعدت النظر فيما أقوم به٠
------------------------------------------

ـ معظم ما شاهدته لك كان في المهرجانات السينمائية مثل موسكو، كان، برلين، البندقية وسواها، وقد لاحظت أن ردة الفعل التي قوبل بها فيلمك السابق «وببطء يمضي اليوم» كانت
أقل حماسة من تلك التي قوبل بها فيلمك اللاحق «البحث ع
ن مجاعة» مثلاً والذي عرض في مهرجان برلين... هل يثيرك هذا؟

اسمع، لو إني أعرف أنني بت أخرج أفلاماً للأوروبيين لتوقفت عن الإخراج في الحال وأعدت النظر فيما أقوم به. أعني أن شعوري في هذا الموضوع هو أنه لكي أصل إلى جمهور عالمي علي أن أكون محلياً أكثر. في ذلك أخدم جمهوري وموقفي في الدرجة الأولى لأن هذا هو ما يهمني. حين أزور قرية ما، وأنا ابن المدينة، لا أستطيع أن أبتعد عن صفتي الناقدة، لكني لا أنقد سلباً أو إيجاباً، بناء على فبركة مسبقة أو حيز محدد من المشاهدة. على النقاد أن يفهم دوره الأساسي وهو تفهم الحاجيات واستقبال كل ما يراه استناداً لنظرة موضوعية واسعة تضع في حسبانها كل العوامل والظروف. نعم أعتقد أنهم في «كان» أخذوا «ببطء يمضي اليوم» على أساس أنه ميلودراما، أو شيء من هذا القبيل، لكن هذا لا يهمني كثيراً، فكل هذه المهرجانات التي ذكرت حفلت برغبات جماهيرها بالتعرف على أفلام غير أوروبية سواء مارس النقاد السينمائيون دورهم صحيحاً أو لم يفعلوا٠

ـ ولماذا باعتقادك يفشل بعض نقاد السينما
في ممارسة دورهم الصحيح؟ ما هو هذا الدور أولاً؟
أعتقد كلنا نعرف الدور بعناوينه الأولى، أي تقديم الفيلم للمشاهدين وتفسير أبعاده وجوانبه انطلاقاً مما هو مفروض أن يكون ثقافة واسعة عند النقاد تخوله القيام بهذه العملية. أغلبهم اليوم يعتقد أن الفيلم مسألة ذاتية تخصه ويحد تعاطيه سواء مع الواقع الذي فرض الفيلم أو مع الجمهور العريض المفترض أنه يتوجه إليه. كثير من النقاد لا يحترمون الأفلام اليت يشاهدونها خصوصاً في مهرجانات السينما، وتراهم يتركون مقاعدهم وينصرفون، وهذا علم غير مسؤول٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Featured Post

Shadows and Phantoms | A Film E-magazine | Year: 11, Issue: 936

"سبايدر مان وشركاه... خيوط  واهية وأرباح عالية محمد رُضـا قبل زمن غير بعيد، كان في مقدورنا، كمشاهدين، مشاهدة الفيلم الم...

Popular