في أرض الظلال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The Undying Monster

الوحش الذي لا يموت ★★★★★


إخراج • Director

جون برام John Brahm

أدوار أولى • Principal Cast

جيمس إليسون، هيذر أنجل، جون هوارد، براموَل فلتشر.

James Ellison, Heather Angel, John Howard, Bramwell Fletcher

النوع/ البلد/ التاريخ • Genre/ Country/ Year

Horror | USA| 1942


|*| قامت شركة تونتييث سنتشري فوكس بإنتاج هذا الفيلم قبل وفاة مؤلفة الرواية جسي دوغلاس كرويش بسبعة أعوام. «الوحش الذي لا يموت» من أعمال المؤلفة سنة 1922» التي كتبت عدداً من الأفلام التي تمزج، كما الحال هنا بين الرعب والخيال العلمي والرومانسية يبدأ الفيلم مثيراً للإهتمام بسبب أسلوب متوتر ورصين معاً، ثم- في النصف الثاني- ينقلب إلى حكاية روتينية حول الرجل-الذئب.

Based on Jesse Douglas Kerruish's 1922 novel, John Brahm's film starts Stylish and moody, thrilling and good enough to be considered as a small jewel in its genre. Nevertheless, the second half is routinism job about hunting the monster: a werewolf in love.

م ر

Aug 10, 2008

ISSUE 302- YEAR 2| |أيام في ليبيا | كلام غير صحيح لنور الدين الصايل | الذكرى الأولى لرحيل انغمار برغمن : المرأة والصمت

TUESDAY 12.8.08 :تم تحديث الموقع بتاريخ

اليوم في »فيلم ريدر«: ستار وورز الجديد + هبة الله يوسف عن »حلم العمر« فيلم مغربي + سينما الرعب البريطانية
filmreader.blogspot.com
-------------------------------------------------------------------

أيام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحيد ومفلس في فندق الشاطيء -1

في خريف 1976 وصلت الى مطار طرابلس الدولي٠ كنت خفيفاً. حقيبة للملابس وأخرى صغيرة لكل ما هو ورقي. بين أوراقي نسخة من رسالة وقّعت عليها في مطار الكويت حيث انطلقت. تقول أنني مسؤول عن مصيري إذا رفضت السلطات الليبية إدخالي لأني لا أحمل فيزا٠
أنا الذي اقترحت الرسالة لأنه حين وصلت الى مطار الكويت ومعي تذكرتي الى طرابلس انبرت الموظّفة وسألتني إذا كنت أملك فيزا لدخول ليبيا. قلت لها: ما أعرفه أنني لست بحاجة الى فيزا. قالت: لا. هذا قرار جديد. لا تستطيع السفر. لن نكون مسؤولين عن إرجاعك الى الكويت٠
لم تكن لدي فيزا الى الكويت أيضاً ولم أدر ما أفعل. قلبت المسألة سريعاً وقلت عن ثقة: اكتبي رسالة وسأوقّعها تقول أنني المسؤول عما يحدث لي إذا لم أدخل البلاد٠
تركتني وسألت مديرها ثم عادت وجلست وراء الآلة الطابعة وكتبت الرسالة. وقّعتها وصعدت الطائرة. لم أفكر بالعواقب٠
تسليّت بمناظر الطائرة . كنت ولا زلت حريصاً على الجلوس الى النافذة. أنظر الى الأرض وأختار بقعة بعيدة منزوية وأمعن فيها البصر. إذا ما شاهدت بيتاً او مبنى أتساءل من فيه وكيف يعيش؟
حطت الطائرة في طرابلس وكان الوقت ظهراً. تقدّمت الى الموظّف وفي طريقي وجدت مجموعة كبيرة من الركّاب الذين وصلوا على متن الخطوط السورية من دمشق. سألت. قيل لي أنهم لا يملكون فيزا وقد تم إرجاعهم٠
واصلت تقدّمي وألقيت السلام ودفعت بجواز سفري من النافذة الصغيرة. نظر الموظّف الى الإسم أوّلاً ثم فتح صفحاته بسرعة واختار صفحة خالية وطبع موافقة الدخول. تم كل ذلك مفاجئاً وبسرعة ومن دون سؤال٠ أخذت الجواز وألقيت السلام مرّة أخرى ودخلت..... لا تسلني كيف٠

فحصت ثروتي حين خرجت من المطار أجر حقيبتي. كان معي ما يوازي خمسة دنانير ليبية٠ استقلّيت تاكسي الى وسط المدينة سائلاً السائق عن فندق جيّد٠ إذ انطلق سألته أيضاً عما إذا كان الأستاذ مصطفى العقّاد في المدينة. قال أنه سمع بأنه قادم لكنه لا يعرف إذا ما وصل أو لا٠
هذه الرحلة يا طويل العمر بدأتها من دون أي ترتيب مسبق مع الأستاذ الراحل رحمه الله. طردت فكرة أن لا يكون موجوداً...وما الذي أستطيع أن أفعله في هذه الحالة. وصلت الى الفندق. نظرت الى نجومه. أربعة نجوم. دفعت للسائق نصف دينار حسب طلبه٠ حملت حقائبي ودخلت الفندق. نظيف وواسع كما يأمل المرء من فندق أوّل٠ ابتسمت لنفسي على أساس أنني سأنام الليلة هنا ثم يفرجها الله سبحانه في اليوم التالي٠ لكن الموظّف محا تلك الإبتسامة حين قال: آسف. الفندق كله محجوز٠
هل لي أن أترك حقيبتي هنا؟ سألته٠
وافق وأدخلها موظف آخر الى غرفة صغيرة. وانصرفت٠

أخذت أجول في المدينة . أدخل فندقاً وأخرج من آخر والجواب واحد. بدأت بالفنادق ذات النجوم الأربعة، ثم الثلاثة، ثم الإثنين٠ كانت مزدحمة اما برجال أعمال او بعمّال٠ خلال ذلك، ثروتي نقصت. تناولت الغذاء بدينار وصرفت نصف دينار على أشياء ما... صحيفة ومجلة ... وهل هناك مجلة عن السينما ليبية؟ سألت أحد بائعي الصحف. ابتسم وناولني الكواكب٠
حل المساء وأنا لا زلت بلا مكان أتوجّه إليه٠ وقفت عند رصيف الطريق أفكر . لا أحد خلال النهار كان لديه جواباً سارّاً حين سألته عن مصطفى العقّاد. معظمهم لم يكن يعلم إذا كان في المدينة او لا. البعض جزم أنه ليس موجوداً. فكّرت أن رحلتي كانت مغامرة. وضعت نفسي في مأزق غير محسوب. لكني كنت أود التواصل مع مصطفى. كنت أريد أن أطلب منه عملاً٠ كنت أبحث عن عمل٠
نظرت الى الرصيف المقابل ولاحظت فندقاً لم أسأل فيه بعد٠ اجتزت الطريق ودخلت من مدخله الضيّق. كان ثلاثة نجوم٠
مساء الخير٠ -
رفع الموظّف رأسه عن الصحيفة التي يقرأها وقال
مساء الخير٠ =
ألديك غرفة لليلة او ليلتين ؟
نظر الموظّف في دفتره ثم هز رأسه نافياً
كان لدي غرفة واحدة بقيت شاغرة حتى نصف ساعة مضت . آسف =
ما الذي يحدث هنا؟ لماذا كل الفنادق مشغولة؟ -
مؤتمرات =
عاد فأمسك بالصحيفة وأنا أغادر المكان، لكني توقّفت وقلت في نفسي »لا ضير في سؤاله«٠
هل تعلم اذا ما كان مصطفى العقاد هنا؟ -

يتبع.....٠


نور الدين الصايل: الرقص على الحبال

قبل أيام نشرت صحيفة »الشرق الأوسط« حديثاً لنور الدين الصايل، وهو -لمن لم يقرأ الترويج الذي يحيطه به بعض زملاء القلم، نائب رئيس مهرجان مراكش السينمائي الدولي، ومدير المركز السينمائي المغربي. في الحديث رد على اسئلة مهمّة بإجابات مهمّة. مثلاً: ما رأيه بالمنافسات بين مهرجانات السينما العربية، وكان معه حق حين قال أنه ضد المنافسة اذا كانت بدائية، لكني لم أفهم ما يعنيه حين أضاف أنه ليس مع التنسيق "إذا كان لا يعترف بأهداف وخصوصية كل مهرجان". العبارة عامّة لأنه إذا ما اعترف دبي بخصوصية مراكش كيف سيفيد ذلك موضوع التنسيق؟
لكن مبدأ المنافسة هو مبدأ صحيح وكنت كتبت في ذلك منذ نحو عامين حين أوّل دورة أشتركت في إدارتها من دورات مهرجان دبي٠
المشكلة أن التنسيق هو أيضاً واجب ولا علاقة بين التنسيق والمنافسة. التنسيق لمساعدة السينمائيين والنقاد على المتابعة والإختيار بقليل من رحابة الفترة الزمنية الفاصلة بين مهرجان وآخر. اما المنافسة فهي ضرورية بين أي فريقين او أكثر خصوصاً إذا ما عادت بالفائدة على السينما العربية وجمهور الفيلم المختلف٠ وكان مهرجان مراكش واظب الرقص على الحبال فانتقل من الشهر التاسع الى العاشر ومن الى الحادي عشر ثم عاد الى العاشر ثم الى الشهر الثاني عشر . هذا شأنه وهو مضر له كما أنه غير نافع لغيره، لكن لو كانت خطواته واثقة لما فعل ذلك٠
طبعاً هناك مسألة أن هذه الفترة من العام هي الأكثر ملاءمة للمهرجانات العربية الكبيرة: القاهرة، دبي، أبو ظبي ومراكش (الترتيب لا علاقة له بالحجم)٠ وهي عبارة عن أربعة أشهر تمثّل حصيلة العام كلّه. في السابق، كانت المنافسة بين ثلاثة رئيسية هي القاهرة ومراكش ودبي. لاحقاً انضم أبو ظبي الى رحى المعركة٠
نور الدين الصايل شارك في إشاعة أن مهرجان دبي السينمائي الدولي يدفع لإحضار النجوم ويدفع لإحضار الصحافيين والنقاد. وهذا كذب وهراء. هناك مهرجانات أخرى يدفع لجلب النجوم لكنه لم يفتح فمه حيالها. هل يعني ذلك أن دبي هو المقصود؟ نعم. لماذا؟ لأن فيه بضعة أشخاص مؤمنين بالسينما ويحبّونها أكثر من كل اولئك الذين تسلّقوا المناصب وأصبحوا في هذا المركز او في ذاك٠
لأن فيه بضعة أفراد يبذلون من دون حسابات غير حساب السينما وهذه النوعية من الأشخاص لا تلتقي مع نوعية الأشخاص الإنتهازيين٠
المنافسة؟ يا نور الدين لا تعني الذم ومحاولة التهشيم ولا الغل والحسد. المنافسة تعني التعاون٠ أنت فسّرها٠

البقية تأتي ٠٠٠٠

بمناسبة مرور عام على رحيله
إسترجاع إنغمار برغمن من خلال مشاهد من أفلامه
المرأة ومرآتها في أفلام المخرج الباحث عن أعماق النفس



على الرغم من أن عديدين جدّاً من مبدعي السينما رحلوا عن هذه الدنيا قبل رحيل إنغمار برغمن قبل عام وعشرة أيام من اليوم، الا أن رحيل المخرج السويدي الأشهر يبدو محسوساً لدى فئة كبيرة من مثقّفي العالم أكثر من سواه٠
ربما السبب كامن في أن الوقت لا زال قريباً . أقصر من أن يُنسى او تغلّفه الأيام المتوالية مثل قطار أفلتت كوابح عجلاته ولا يزال منطلقاً. وربما أيضاً كامن في أن معظم المثقّفين المهتمين بالسينما وبالفنون عامّة كانوا صغاراً حين أخذت أوراق شجرة المبدعين تتساقط من السبعينات والى اليوم٠
لقد رحل روسيليني ودي سيكا وصلاح أبو سيف وكوريساوا وهيتشكوك ولندساي أندرسون وجون فورد وديفيد لين وفديريكو فيلليني وساتياجيت راي قبل سنوات كثيرة من رحيل برغمن ومايكلأنجلو أنطونيوني و(على صعيدنا العربي) يوسف شاهين٠ ومن لا يزال حيّاً من المخرجين الذين أبدعوا في الستينات والسبعينات لا يجد عملاً او لم يعد يطيق العمل باستثناء ذلك المعمّر البرتغالي إيمانويل دي أوليڤييرا الذي سيحتفل بعيد ميلاده المئة في كانون الأول/ ديسمبر المقبل والذي لا يزال ينجز ما معدّله فيلم في كل سنة٠
حين بدأ رحيل الكبار كنا جميعاً أصغر من أن نقيم لرحيلهم ذلك الوزن الكبير- فالآمال كانت مرتفعة في أن جيلا جديداً من المخرجين دائماً ما يصل الى الميدان ويكمل من حيث توقّف الآخرون او يضيف الى ما حققوه من إنجازات٠ لكن الثمانينات حملت ملامح من أن هذا ليس بالضرورة أمراً حتمياً والتسعينات برهنت على أن مساراً جديداً للسينما أخذ بها واحتل الإهتمام الأول مؤلّباً قسماً كبيراً من الجمهور على النوع الثقافي من الأفلام والأعمال٠ والعقد الأول من هذا القرن هو إستمرار لما أنجزته السينما العالمية من تحويل ركب السينما من فن الى تقنية. ومن ثقافة الى ترفيه٠
صحيح أن السينما دائماً ما عاشت بفنّها وتقنيّتها، وبثقافتها وبالناحية الترفيهية وأحياناً في رئة واحدة، الا أن السنوات العشرين الأخيرة او نحوها جعلت عملية التمتّع بالجانب الثقافي من السينما عملية صعبة تتوقّف على ما إذا كان هناك منتجين يشاركون مخرجيهم الرؤية ومستعدين لمنحهم حرية العمل والإبداع٠

علاقات متبادلة
إنغمار برغمن، من بين كل مخرجي السينما ومبدعيها، مثّل الجنوح للأقصى في عملية البحث عن القضايا النفسية الغارقة عميقاً في شخوص أبطاله٠ ولم يكن ذلك بعمليات تصويرية معقّدة. لم يكن لديه رغبة في تحويل الكاميرا الى شكل قائم بذاته يعيق حركة الشخصيات ويقطع دابر التواصل بين المشاهد وبين ما يقع على الشاشة. على ذلك اسأل أي متابع من تلك الفترة عن المخرج »الأصعب« فهماً فإن الجواب شبه الدائم هو إنغمار برغمان٠
الوسيلة كانت بسيطة. اللقطات واضحة. لكن الربط بين ما يقع في هذه اللحظة وبين ما يقع في اللحظة التالية لم يكن سهل الوضوح. أحياناً لم يكن واضحاً، كما الحال في فيلمه الرائع »برسونا« (1966) ما يقع في تلك اللحظة واللحظة التي داخلها: بيبي أندرسون تتحدّث عن حكاية بدت ممتعة صالحة للترفيه حول تلك المرّة التي مارست وشاب لا تعرفه الحب على الشاطيء لكن الحكاية سريعاً ما تتّجه الى كنه الإعتراف والخفّة تنضوي والوضوح ينقلب الى غموض نسمعه بالكلمات ونراه مرتسماً على وجه ليڤ أولمان المستمعة بصمت مطبق٠ لماذا؟ ما الذي في عمق تلك الذكرى/ النفس ما ينقل صاحبتها من حال الى آخر؟
في فيلمه الأسبق »الصمت« (1963) الحكاية مختلفة. النتائج متشابهة: شقيقتان سويديّتان أكبرهما سناً هي إيستر (إنغريد ثولين) الأخرى أسمها آنا (غونل لندبلوم) التي تصحب معها إبنها الصغير٠ يصل الثلاثة الى بلد غير محدد. لا يفهمان لغته (لكنه بلد أوروبي). تلازم ايستر حجرة العائلة في ذلك الفندق شبه المهجور، بينما تذهب آنا الى السينما وحين تعود، بعد مشاهدة شاب وفتاة يمارسان الحب في قاعة السينما، تجلب معها رجلاً لتمارس الحب معه. عمل يثير امتعاض شقيقتها إيستر... لكن ليس مطلقاً من زاوية أخلاقية. إيستر تحب آنا حباً مثلياً مكبوتاً٠
سيجد الباحث أن كلا الفيلمين المذكورين يتعاملان وقدر من العلاقات العاطفية بين إناثهما. في الأول، هي تلك اللقطات الصامتة لتقارب مزدوج المعنى. في »الصمت« يذهب التعامل الى حد الصراحة اللفظية٠ لكن ما يستوجب التوقّف عنده قبل الإسترسال وإلقاء الأسئلة أمر بالغ الأهمية قد يقلب المتوقّع من المفاهيم رأساً على عقب (وهذا المتوقّع هو الذي ساد في تفسير معظم النقاد الذين أدلوا بدلوهم في عملية فهم برغمن وأعماله)٠

نوع من الحلم
أعمال برغمن المختلفة التي أنجزها للسينما (نحو خمسين) قلّما دارت عن مجموعة من النساء. غالباً ما هناك إمرأتين أساسّيتين في الفيلم: الأمر كذلك في »الصمت« وفي »برسونا« وفي »وجه لوجه« و»سوناتا الخريف« و»الفريز البري« و»ساعة الذئب« و»العار« و»عاطفة آنا« و»اللمسة« الخ...
الإستثناء الكبير كان »صرخات وهمسات« (1972) حيث اقتبس المخرج الفيلم من مسرحية (كتبها لارس أو كارلبيرغ) واحتوت على أربعة شخصيات نسائية أساسية (قمن بها هاريت أندرسون، كاري سيلفن، إنغريد ثولين وليڤ أولمان) و»فاني ألكسندر« (1982) مع عدد كبير من الممثلات (والممثلين)، لكن حينها، كان برغمن قد بدأ يوسّع من إطار حكاياته خارجاً عن النطاق المحدود من الشخصيات التي كان يعمل عليها سابقاً وحتى خلال العقد الذي قدّم فيه »صرخات وهمسات«٠
حقيقة أن العديد من أفلامه تحمل ممثلتين رئيسيّتين تحتلان الشاشة متساويين وتتبادلان مواجهات نفسية وعاطفية عميقة يدفع بالناقد الممعن للتشكيك في أن الرغبة هي فعلاً الحديث عن قصّة فيها إمرأتين. لم لا يكون الأمر أن المخرج إنما يسرد قصّة فيها إمرأة واحدة وشخصيّتها الأخرى (تماماً كما تعني كلمة برسونا لمن يود استقصاء معناها من القاموس)٠
هناك أكثر من إيحاء في فيلم »برسونا« على أن ألما الممرّضة (بيبي أندرسون) هي الإمتداد النفسي للممثلة إليزابث (ليڤ أولمان) التي فجأة ما آثرت الصمت وتطلّب الأمر الى توجههما الى منزل منعزل على البحر لفترة استجمام على أمل أن يحسّن ذلك من صحّة اليزابث النفسية٠ ما تسرده الممرضة دائماً ما يبدو كما لو أنه يحدث صدى في ذات المرأة الصامتة. وبل نرى في أحد المشاهد كلاهما وقد أصبحا شخصاً واحداً في نوع من الحلم. حتى حينما تعودان من المنتجع الى المستشفى... ليس هناك أي تأكيد أنهما خرجا من ذلك المستشفى على أي حال. ربما كل شيء هو في عقل اليزابث الباطني٠
كذلك يمكن النظر الى آنا وايستر... واحدة منطلقة في علاقات لا حد لها والأخرى كابتة عواطفها الى حد بعيد. كل منهما تواجه الأخرى من موقف مضاد. الحوار بينهما (في بلد لا يفهمان لغته) يؤكد هذا التضاد من جهة ويرسم صورة، ولو كلامية تتحوّل فيما بعد الى تعبيرية، لإمرأة تتبادل الحديث ونفسها٠

عملية تشريح
وإمتداد هذه المواجهات بين المرأة ونفسها يشمل حتى زيارة الأم لإبنتها في »سوناتا الخريف«. ليس أن الأم بالضرورة هي الإبنة، لكن إذ تشاهد الفيلم بدرجة التيقّظ التي لابد منها حيال مشاهدة أي فيلم لبرغمن، تلحظ أنهما يغزلان نفساً واحدة٠
لكن ليس كل أعمال برغمن، حتى تلك التي تتقاسم بطولتها إمرأتين، تمضي في وجهة واحدة ومحددة من التفسير٠صحيح أن ليڤ أولمن في فيلم »مشاهد من زواج« (1973) تجد في شخصية صديقة العائلة بيبي أندرسون إمرأة مختلفة عنها، الا أن الهم الذي قاد الى هذا الفيلم هو تشريح العائلة القائمة على زوجين هما ماريان (أولمان) وجوهان (إرلاند جوزفسون)٠ المرأة هنا تعاني من اكتشافها أن زوجها يخونها والزوج حين يبدأ اعترافه إنما يفتح المجال أمامه وأمام زوجته (والفيلم إذا أردت) لطرح مبدأ ومفهوم الحياة الزوجية- ذلك الطرح الذي استكمله برغمن في فيلمه الأخير »ساراباند« (2003)٠

مشاهد من حياة زوجية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الرغم من ذلك، برغمن، وقد اختصر هذا الفيلم من ست ساعات تلفزيونية، يصر على تبادل مواقع نفسية بين شخصيّتي ماريان وجوهان من ناحية وشخصيتي صديقيهما الضيفين كاترينا (أندرسون) وبيتر (يان مالمسيو)٠ كيف؟
دائماً ما يسبق -وهذا ليس أمراً يخص برغمن وحده- عملية التشريح مناسبة تكون بمثابة تمهيد. في فيلمه »برسونا« كان التمهيد هو تلك الحكاية التي فتحت نوافذ الى الماضي عند كلا الشخصيّتين ثم معابر نفسية من كل شخصية الى أخرى٠ في هذا الفيلم يكمن التمهيد في حضور الضيفين كاترينا وبيتر الى منزل الزوجين. فجأة يستخرج كل من الضيفين مخزوناً من الغضب والإحباط تجاه الآخر. اللقطات على وجهي ماريان ويوهان تكشفان عن تعجّبهما. لكن ما معنى أن دخولهما ذات النفق بعد قليل، وفي خلوتهما، مشابه في مسيرته ونتائجه للجدال الذي وقع بين كاترينا وبيتر؟
هنا يستعير المخرج شيئاً ورد في فيلمه السابق »برسونا«. في القصّة التي ترويها الممرضة حول مغامرتها العاطفية يرد، في القسم الداكن منها، ما يوحي بالألم الشديد الذي تشعر به حينما أطلعت زوجها فيما بعد على أنها حامل. هي ليست واثقة تماماً من أنه الأب، لكنها كانت تريد فعلاً أن تنجب. زوجها هو الذي تمنّع وأجبرها على الإجهاض٠
في »مشاهد من زواج« الجانب ذاته: ماريان تصارح زوجها بأنها حامل (منه). الزوج يوهان يشعر بإمتعاض شديد يؤدي الى ممانعة ثم الى قيام ماريان بطرح الحمل٠
برغمن تزوّج أكثر من مرّة في حياته ومفهومه للحياة الزوجية ربما لا يختلف كثيراً عن ذلك الذي رسمه في بعض أفلامه ومن بينها هذا الفيلم المهم. تبعاً لاعتراف يوهان لزوجته بأنه على علاقة مع واحدة من تلامذته (هو عالم نفسي) . ذلك يليه مشادّة أخرى. المرأة خاسرة. هو الرابح من حيث أنه يقرر هجر زوجته مع عشيقته. لكن لاحقاً، في نهايات الفيلم، ما يدركان أن الصداقة بينهما هي أفضل ما يناسب علاقتهما٠

شريط
لقد عُرف عن برغمن إنه كان يمضي وقتاً طويلاً وهو يفكّر في عمله المقبل (أسابيع وأشهر او حتى سنوات) وهو اتبع بعد ذلك الطريق الذي يتّبعه كل من يريد التأكد من أن ما في باله هو الذي سيصل الى الشاشة بطريقته هو. وأوّل خطوة في هذا الصدد هو أن يكتب السيناريو بنفسه. وهو كان في البداية شديد الحرص على إيصال رؤيته الى حد أن كل التفاصيل التي في باله عليها أن تُنفّذ كما يريد بما في ذلك الطريقة التي على الممثل او الممثلة نطق الكلمة وتحريك اليد او نوع النظرة٠ لكن لاحقاً، في الثمانينات وما بعد، أخذ يمنح ممثليه حريّة أكبر٠ إنها الفترة ذاتها التي بدأ فيها يفكّر بالتنوّع: الفيلم الملوّن، عوض الأبيض والأسود. الفيلم ذي اللغة الإنكليزية مع ممثلين أميركيين (ولو أنه كان أوّل المنتقدين لها)، الفيلم الأكبر إنتاجاً والأوسع دائرة أحداث مما كان يقدم عليه سابقاً. هذه كانت بمثابة خطوات إضافية قسّمت معجبيه بين من وجدها ضرورية ونوع من التطوير وبين من وجدها ابتعاد عن صرح أعماله السابقة٠
لكن بعض تلك المفاتيح الخاصّة التي في أفلامه السابقة إذا ما شوهدت اليوم لا تحمل ذات الغموض، على كثرة ما شاهدناه من أعماله، لكنها لا زالت بارعة٠
هناك ذلك المشهد في فيلم »الفريز البرّي« (1957) حيث بطل الفيلم د. اسحاق (قام به ڤكتور سيوستورم الذي كان بدوره مخرجاً) رجلاً ودّع سنوات الشباب وقرر العودة الى البيت الذي ترعرع فيه. وحيداً، نراه يقترب من أشجار الفريز (الفراولة) ويرى الفتاة التي كان يحبّها وهي تجمع الثمار في سلّة. يرى الشاب الذي كان يحبّها وقد اقترب منها ليساعدها (وفي الأساس لكي يستغل الفرصة ويصاحبها). بعد ذلك، د. اسحاق جالس حيث كانت هي وشريط الذكريات لا يزال يتواصل ولاحقاً ما نراه، شاباً، داخل المنزل ذاته٠
اليوم من السهل أن نعرف أن الشاب الذي كان يداعب الفتاة هو إسحاق نفسه وأن العجوز إنما يتذكّر ونحن نشاهد ما في باله. لكن آنذاك، كان الوقع غريباً. ليس أن المشاهدين لم يتبيّنوا ما نتبيّنه اليوم، لكنهم كانوا أقل استعداداً لمشاهدة تركيب بسيط في التقنية وعميق في الدلالة في فيلم دخل من تلك التي اعتبرت أنها وُلدت كبيرة حينذاك وبقيت على هذا الوضع الى اليوم٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2008٠

Featured Post

Shadows and Phantoms | A Film E-magazine | Year: 11, Issue: 936

"سبايدر مان وشركاه... خيوط  واهية وأرباح عالية محمد رُضـا قبل زمن غير بعيد، كان في مقدورنا، كمشاهدين، مشاهدة الفيلم الم...

Popular