في أرض الظلال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The Undying Monster

الوحش الذي لا يموت ★★★★★


إخراج • Director

جون برام John Brahm

أدوار أولى • Principal Cast

جيمس إليسون، هيذر أنجل، جون هوارد، براموَل فلتشر.

James Ellison, Heather Angel, John Howard, Bramwell Fletcher

النوع/ البلد/ التاريخ • Genre/ Country/ Year

Horror | USA| 1942


|*| قامت شركة تونتييث سنتشري فوكس بإنتاج هذا الفيلم قبل وفاة مؤلفة الرواية جسي دوغلاس كرويش بسبعة أعوام. «الوحش الذي لا يموت» من أعمال المؤلفة سنة 1922» التي كتبت عدداً من الأفلام التي تمزج، كما الحال هنا بين الرعب والخيال العلمي والرومانسية يبدأ الفيلم مثيراً للإهتمام بسبب أسلوب متوتر ورصين معاً، ثم- في النصف الثاني- ينقلب إلى حكاية روتينية حول الرجل-الذئب.

Based on Jesse Douglas Kerruish's 1922 novel, John Brahm's film starts Stylish and moody, thrilling and good enough to be considered as a small jewel in its genre. Nevertheless, the second half is routinism job about hunting the monster: a werewolf in love.

م ر

Apr 22, 2008

ISSUE 226 |OPINION: Confused Sex |GREAT FILMMAKERS: Jean-Luc Godard: The Complete File

|*| في هذا العدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رأي: هل ضاع الرجل في ثنايا المرأة؟ ................................................ صفحة 1
-------------------------
ملف: جان-لوك غودار: رأس مختلـــف ................................................ صفحة 2

**************************************************
PAGE 1

|*| OPINION |*|

لا بلد للنساء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في إحصاء نُشر في أحد المواقع الأرقام التالية
من بين 20 فيلم كبير تم إنتاجها في العام الماضي كان هناك عشرة من بطولة رجالية محضة و20 من بطولة نسائية- رجالية مشتركة ولم يكن هناك أي فيلم من بطولة نسائية منفردة
من بين 20 فيلم كبير من العام 2006 كان هناك إحدى عشر فيلماً من بطولة رجال فقط وسبعة من بطولة مشتركة وفيلمين من الرسوم المتحركة
في العام 2005 ومن بين العشرة الأكبر إنتاجاً فيلمين فقط من بطولة نسائية مقابل إحدى عشر فيلماً من بطولة رجالية منفردة وسبعة مشتركة٠
ومن العام 1977 وإلى اليوم، ومن بين أعلى عشرين فيلم إيراداً هناك خمسة عشر من بطولة رجالية وخمسة من بطولة مشتركة وزيرو من بطولة نسائية٠
ونحن نعلم ماذا حدث لأفلام أكشن قادت بطولتها ممثلات، وكيف لم تعش حسبما طُلب منها وتوارت سريعاً. فالمجال اليوم، يقولون لك، هو مجال الرجل وبعضهم يقول أن هذا سيسود الى الأبد٠
يا ليت الإحصاءات التي تنشر في مثل هذه المناسبات تأخذ بعين الإعتبار أن المسألة تعود الى أيام السينما الصامتة: الأفلام الناجحة جداً من بطولة نسائية قليلة نسبياً وذلك منذ مطلع القرن العشرين والى اليوم. ليس هناك إختلاف سوى أنه في السابق، كانت هوليوود تنتج نحو 800 فيلم في السنة من بينها غالبية من الأفلام ذات البطولة الرجالية حيث تلعب المرأة دور شريك الحياة او الأم او الفتاة التي بحاجة لم يحميها، ويلعب الرجل دور البطولة: الرجل الذي سيذود عن ذلك الشريط او عن العائلة او سيحمي الفتاة. وغالباً هو الرجل المنفرد وحده والمكتفي بحيث لا يستطيع أن يترك نفسه يقع تحت سطوة الحب. وحين يفعل يتأكد له أن أخطأ حين وقع في الحب٠
هذا المنظور لا يختلف الا في التفاصيل وأيضاً في أن هناك من بات يكترث لإحصاء كل شيء هذه الأيام. الحقيقة أن السبب في فشل معظم الأفلام التي تقودها المرأة هي أن هوليوود علّمت مشاهديها أن الترفيه لا علاقة له بطرح المشاكل الإجتماعية وطرح المشاكل الإجتماعية يتألّف، وبل عليه أن يتألّف، من قصص فيها رجال ونساء على قدر المساواة. على العكس، طرحت هوليوود مفهوم الترفيه وهذا يعني أن الرجل يضرب والمرأة تصرخ هولاً. هو لا يضربها إذا كان بطلاً بل يضرب الأشرار. أما هي فمضروبة ومقتولة ومعتدى عليها ودائماً ما تصرخ ولا أحد يستجيب لها٠
لكن هناك متغيّرات في هذه الصورة التقليدية- لا ريب٠
في أفلام الرعب الحديثة، حيث هي لا تزال صاحبة الصوت الأعلى حين يصل الأمر الى الصريخ ذعراً، بات هناك منافسة من الجنس »الخشن« (ولو بالصيت) فهؤلاء باتوا يقعون مثل الذباب في هذه الأفلام. وإذا ما فكّرت معي ستجد أن المسألة مرتبطة بما سأحاول قوله الآن٠
في السابق كانت المرأة في خطر والبطل ينقذها. كلام جميل٠
اليوم، المرأة في خطر والرجل في خطر وليس هناك من منقذ٠
المفاد هو أن الرجل ما عاد رجلاً بل تحوّل الى إمرأة بدوره. وإلغاء صفة الرجولة منه في مثل هذه الأفلام ليس مقصوداً بحد ذاته بل نتيجة التباس إجتماعي حاصل حيث تم محو المسافات والبقع الإجتماعية التي كانت تفرق بين فتاة في السابعة عشر وفتى في ذات العمر. وحيث لم يعد سائداً أن تجد موظّفاً في وظيفة في المدينة لا يقل أنوثة عن المرأة وبل ربما يتجاوزها. لا أقول متخنّثاً ومثلياً، بل هو صورة لرجل حديث يعتني بهندامه كما تفعل المرأة، تسأله يجيبك لا أعرف، كما تفعل المرأة وحين يقع في الحب يقع في الحب بكامله- كما تفعل المرأة٠
إذاً ، وفي منظوري الصغير وكما استقي من الأفلام الأميركية ذاتها، لم يعد هناك داع للمرأة في السينما من حيث توفير المشاعر الرئيسية- الرجل يفعل ذلك. هي مطلوبة اليوم كضحية في أفلام الرعب وكشريك مشاهد الحب في الأفلام العاطفية والكوميدية. ليست لها أدوار تعتمد عليها في الدراما او في الكوميديا كما كان الحال في بعض السنوات السابقة (ولو على نحو محدود). بكلمة أخرى: لا بلد للنساء
وفيلم »لا بلد للمسنّين« وكل أفلام الأخوين كووَن قائمة على البطولة الرجالية... أيكون على المرأة العودة الى المطبخ مثلاً؟ طبعاً لا، لأن السينما في كل أنواعها لا تزال تعتمد الصورة الواقعية كمنصّة إطلاق لما هو غير واقعي. والصورة الواقعية هي أنها قطعت، في الغرب طبعاً، مسافات طويلة بعيداً عن المطبخ والبيت والأسرة و-نظرياً فقط- باتت تنافس الرجل في مغامراته، ولو أن المشاهدين لا يزالون يفضّلون الرجل في تلك المغامرات على المرأة.... أنظر إنديانا جونز٠

******************************************
PAGE 2

|*| GREAT FILMMAKERS:

‮ ‬جان‮- ‬لوك‮ ‬غودار
Jean- Luc Godard
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخرج الفرنسي‮ ‬المرموق لديه‮ ‬طريقـته الخاصة في‮ ‬العمل‮. ‬إنه لا‮ ‬
يؤلف ويخرج كما‮ ‬يفعل ألوف الآخرين،‮ ‬بل‮ ‬يؤلف في‮ ‬السينمـــا
وليس لها فقط‮. ‬بكلمات أخرى،‮ ‬وبعد‮ ‬نحو نصف قرن على عمله
في‮ ‬السينما،‮ ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬غودار السينمائي‮ ‬الأكثر تأثيراً‮ ‬بين جميـع
أترابه‮. ‬فيلمه الأخير‮ »‬موسيقانا‮« ‬يحمـل أفكاراً‮ ‬وتحديات فنيـة
كما أي‮ ‬من أفلامه السابقة‮.‬
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا‮ ‬يتوقع أحد،‮ ‬حين‮ ‬ينجز جان‮- ‬لوك‮ ‬غودار فيلما جديدا،‮ ‬عملاً‮ ‬مختلفاً‮ ‬عما كان أنجزه المخرج من قبل‮. ‬الجميع بات‮ ‬يعرف أن فيلماً‮ ‬جديداً‮ ‬لجان‮- ‬لوك‮ ‬غودار هو استمرار للفيلم الذي‮ ‬قبله الذي‮ ‬كان،‮ ‬بدوره،‮ ‬إستمراراً‮ ‬للفيلم الذي‮ ‬قبله وصولاً‮ ‬الى المرحلة الأولى من حياته السينمائية عندما انتقل من فعل الكتابة عن السينما ناقداً‮ ‬ومنطراً‮ ‬الى فعل السينما ذاتها،‮ ‬مخرجاً‮ ‬كما ناقداً‮ ‬ومنظراً‮ ‬أيضاً‮ ‬بالإضافة الى إيجاد منحاه الخاص في‮ ‬توظيف السينما لممارسة أفكاره‮. ‬
ما هو متوقع من‮ ‬غودار‮ ‬ينحصر في‮ ‬حتمية قيامه بتوفير عمل آخر ذا قيمة خاصة فنياً‮ ‬وموضوعاً،‮ ‬ويشمل الإعتقاد بأن‮ ‬غودار سيقدّم مرة أخرى تلك التوليفة من الآراء والإتجاهات في‮ ‬السينما كما في‮ ‬التاريخ والثقافات وأن‮ ‬غودار لن‮ ‬يكتب او‮ ‬يُوَلف او‮ ‬يصور او‮ ‬يستخدم الصوت كما‮ ‬يفعل أي‮ ‬سينمائي‮ ‬آخر‮. ‬هذا هو المتوقع الوحيد،‮ ‬وهو لا علاقة له بالمستوى،‮ ‬فهذا لا خلاف عليه‮.‬
في‮ ‬فيلمه الأخير‮ »‬موسيقانا‮« ‬نجد إنه في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يحافظ‮ ‬فيه على كل عناصره‮ »‬الغودارية‮« ‬التقليدية،‮ ‬يوفر‮ ‬ما هو جديد ومختلف في‮ ‬تفاصيل كثيرة عن أفلام‮ ‬غودار السابقة‮. ‬إذا ما كانت أفلام أندريه تاركوفسكي،‮ ‬حسبما سمّاها المخرج الروسي‮ ‬الراحل بنفسه‮ »‬نحت في‮ ‬الزمن‮«‬،‮ ‬فإن أفلام‮ ‬غودار هي‮ ‬نحت في‮ ‬السينما‮. ‬لا هي‮ ‬تسجيلية ولا هي‮ ‬روائية بل هي‮ ‬تسجيلية وروائية معاً‮ ‬إنما من دون خطوط فارقة‮. ‬إنها،‮ ‬بكلمة واحدة،‮ ‬غودارية‮.‬
‮ ‬-1 ‮ ‬سمات الأمس‮ ‬
ولد جان‮- ‬لوك‮ ‬غودار في‮ ٣/٢١/ ٠٣٩١ ‬في‮ ‬باريس من عائلة بروستانتية ميسورة‮. ‬والده كان طبيباً‮ ‬ووالدته كانت منحدرة من عائلة عملت في‮ ‬المصارف السويسرية‮. ‬خلال الحرب العالمية الثانية ترعرع‮ ‬غودار في‮ ‬مدينة ليون في‮ ‬سويسرا حيث اكتسب هويّته الرسمية‮. ‬في‮ ‬أواخر الأربعينات أقدم والداه على الطلاق وعاد هو إلى باريس ليدرس علم الأجناس في‮ ‬السوربون سنة ‮٩٤٩١. ‬خلال فترة دراسته تلك واظب على‮ ‬حضور الأفلام في‮ »‬نادي‮ ‬سينما الكارتييه لاتان‮« (‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يزال مفعما بصالات الفن والتجربة الى اليوم‮). ‬هناك تعرّف‮ ‬غودار على الناقد والمنظر أندريه بازان وعلى هاوين للسينما مثله هما جاك ريفيت وإريد رومير‮. ‬كانت لقاءات لطرح الأفكار وتبادل الآراء حول الأفلام التي‮ ‬يشاهدونها والحديث عن السينما الفرنسية والأميركية وسواهما‮. ‬هذه الأحاديث قادت الى التفكير بتأسيس مجلة سينما‮. ‬والمجلة فعلاً‮ ‬تأسست في‮ ‬العام ‮٠٥٩١ ‬بإسم‮ »‬كاييه دو سينما‮« ‬التي‮ ‬لا تزال تصدر الى اليوم‮.‬
يمكن للمرء تأليف كتاب حول تلك المجلة،‮ ‬سياستها الفنية،‮ ‬منهجها الأكاديمي،‮ ‬كتاباتها وآراء مخرجيها كما تأثيرهم وتأثيرها على السينما الفرنسية وخارجها‮. »‬كاييه دو سينما‮« ‬غيّرت الكثير من مفاهيم الثقافة السينمائية التي‮ ‬كانت سائدة قبلها لا في‮ ‬فرنسا فحسب بل في‮ ‬غيرها من العالم‮. ‬كتب‮ ‬غودار أول كلماته في‮ ‬النقد السينمائي‮. ‬وامتدت كتاباته لتشمل مقالات نظرية تبحث في‮ ‬شكل ووجه جديد للسينما تنقلها من سينما الترفيه الى سينما التوجيه‮. ‬
هؤلاء السينمائيين،‮ ‬الذين كانوا الى ذلك الحين عشّاق سينما ونقاداً،‮ ‬أسسوا سنة ‮٠٥٩١ »‬كاييه دو سينما‮« ‬التي‮ ‬أسست لما عُرف لاحقاً‮ ‬بـ‮ »‬الموجة الجديدة‮« ‬حينما انتقل‮ ‬غالب كتّابها،‮ ‬غودار،‮ ‬شابرول،‮ ‬تروفو،‮ ‬ريفيت ورورمير،‮ ‬الى العمل في‮ ‬السينما مخرجين‮. ‬قبل ذلك بأشهر كان ورومير وريفيت أسسوا‮ »‬مجلة السينما‮« ‬Gazette du Cinema‮ ‬حيث كتب‮ ‬غودار فيها خمسة مقالات قبل الإنتقال الى‮ »‬كاييه دو سينما‮«.‬
في‮ ‬العام ‮٢٥٩١ ‬انطلق عائدا الى‮ ‬سويسرا حيث اشتغل عامل بناء‮ (‬من بين أشغال أخرى‮) ‬لبضع سنوات‮. ‬الغاية كان جمع ما‮ ‬يكفي‮ ‬من مال لإخراج فيلمه الأول‭ ‬‮»‬عملية بيتون‮« ‬الذي‮ ‬تألف من ‮٠٢ ‬دقيقة‮.‬
في‮ ‬العام ‮٦٥٩١ ‬عاد الى الكتابة من جديد ثم توقف مرة أخرى عنها لكي‮ ‬يخرج فيلمه الروائي‮ ‬الطويل الأول‮ »‬نفس لاهث‮« ‬الذي‮ ‬صوّره سنة ‮٩٥٩١ ‬وعرض العام ‮٠٦٩١ ‬عن سيناريو كتبه رفيقه الآخر فرانسوا تروفو‮. ‬وهو منذ ذلك الحين لم‮ ‬يتوقف عن العمل باستثناء فترة منعزلة من حياته امتدت من العام ‮٢٧٩١ ‬الى العام ‮٨٧٩١ (‬الفترة الثالثة‮- ‬أدناه‮) ‬أخرج فيها أفلاماً‮ ‬قلما شوهدت نسبة الى شروط حياة وتقاليد عمل وضعها لنفسه‮. ‬
باستثناء تلك الفترة،‮ ‬فإن أعمال‮ ‬غودار تعكس روح سينمائي‮ ‬مفكر وذي‮ ‬موقف ومتطوّر‮. ‬بدأت باتخاذ موقف من الشكل والسرد التقليديين في‮ ‬السينما،‮ ‬وتطوّرت الى رفض نظم بأسرها،‮ ‬لكنها عادت الى أصولها الباحثة عن الجديد والمختلف لتبلور ما تمثّله أفلام‮ ‬غودار الى اليوم من مواقف من العالم ومن الحياة ومن السينما أساساً‮.‬


-2 الفصول‮ ‬
تنقسم مراحل سينما‮ ‬غودار الى أربعة أقسام‮. ‬
‮- ‬المرحلة الأولى‮:‬
تمتد من فيلمه الأول‮ »‬نفس لاهث‮« ‬سنة ‮٠٦٩١ ‬الى‮ »‬واحد زائد واحد‮« ‬سنة ‮٨٦٩١. ‬في‮ ‬تلك الفترة جرّب‮ ‬غودار عدة حلول لرغبته كسر التقليد السردي‮ ‬المتّبع‮. ‬شغله على أسلوبه كان قائماً‮ ‬على‮ »‬الشكل المختلف ضد الشكل التقليدي‮« ‬واتسع لتأسيس كل ما قامت عليه سينماه لاحقاً‮: ‬هي‮ ‬سينما مؤلف،‮ ‬وسينما المضادة للتقليد،‮ ‬التحوّل بعيداً‮ ‬عن الحكاية وتحويل الفيلم الى مقالة مصوّرة‮. ‬وذلك لم‮ ‬يكن ليكتمل من دون أن‮ ‬يعمد‮ ‬غودار،‮ ‬منذ ذلك الحين،‮ ‬الى عناصر الفيلم الرئيسية‮ (‬الكتابة،‮ ‬التصوير،‮ ‬المونتاج والصوت‮) ‬وتغيير وظائفها المعتادة لأخرى مستوحاة من فلسفة برتولت برشت‮. ‬أعمال‮ ‬غودار في‮ ‬تلك المرحلة تناولت موضوع التواصل بين شخصياته المنقطعة وما‮ ‬يقع حولها من أحداث إجتماعية وسياسية‮. ‬النبرة المستخدمة نقدية‮.‬
في‮ ‬هذه الفترة أخرج،‮ ‬فيما حققه من أفلام،‮ »‬الجندي‮ ‬الصغير‮« ‬وموضوعه الحرب في‮ ‬الجزائر من وجهة نظر تدين الإحتلال وتنتقد الوجود الفرنسي‮ ‬من دون استثناءات او تراجعات‮. ‬هذا ما جلب عليه نقمة فرنسية كبيرة تجاهلها‮ ‬وحقق في‮ ‬العام التالي‮ ‬فيلمه الثالث‮ »‬المرأة هي‮ ‬المرأة‮«. ‬مع جان-بول بلموندو وآنا كارينا‮ (‬التي‮ ‬تزوّج‮ ‬غودار بها في‮ ‬ذلك العام‮). ‬وكان لقاء‮ ‬غودار ببلموندو تم في‮ ‬فيلمه الروائي‮ ‬الأول‮ »‬نفس لاهث‮« ‬وبنتائج فنية جيدة‮. ‬
‮ ‬القصة التي‮ ‬يستند عليها فيلم‮ ‬غودار الأول بسيطة في‮ ‬الجوهر‮: ‬جان بول بلماندو شقي‮ ‬هارب من البوليس‮. ‬لديه صديقة‮ (‬جين سيبرغ‮) ‬هي‮ ‬الوحيدة التي‮ ‬تستطيع الإيقاع به وهو تفعل ذلك في‮ ‬نهاية الفيلم بعدما وثق ووطد علاقتها بها‮. ‬السبب الذي‮ ‬من أجله تميّز هذا الفيلم عن أي‮ ‬فيلم بوليسي‮ ‬حينها‮ (‬وربما الى اليوم‮) ‬هو أن‮ ‬غودار وجد طريقه الخاص لتقديم ما هو عادي‮ ‬وشكلي‮ ‬بصورة مختلفة و‮- ‬فنياً‮- ‬جدلية‮. ‬مزايا تلك الطريقة لا زالت تتردد في‮ ‬أفلام‮ ‬غودار الى اليوم وأبرزها طريقة سرده الحكاية حيث‮ ‬يحوّلها الى مقالة‮. ‬يقطع فيها على أكثر من نحو بمونتاج‮ ‬يختار توقيته من دون تلقائية السرد التقليدي‮. ‬بذلك‮ ‬يبقي‮ ‬المشاهد متحفّزاً‮ ‬في‮ ‬سياق عدم قدرته على التحكم في‮ ‬مجرى الحكاية بأي‮ ‬نوع من التوقعات‮. ‬هذا وحده‮ ‬يحوّل ما‮ ‬يبدو تقليدياً‮ ‬الى ما هو مختلف عن كل ما هو تقليدي‮.‬
‮- ‬المرحلة الثانية‮:‬
غودار كان وجودياً‮ ‬في‮ ‬مرحلته الأولى،‮ ‬في‮ ‬الثانية اعتنق الماوية‮. ‬كذلك بدت تأثيرات سينما الروسي‮ ‬دزيغا فرتوف ومنهجه المسمى بـ‮ »‬سينما الحقيقة‮« ‬واضحة على أعماله‮. ‬إنها الفترة التي‮ ‬بدأت بفيلم‮ »‬حكمة مرحة‮« (٨٦٩١) ‬وامتدت لبضع سنوات رفض فيها العمل ضمن‮ »‬النظم البرجوازية‮« ‬كما وصفها فرتوف في‮ ‬أبحاثه التي‮ ‬حلّل فيها التركيبات الإجتماعية وبيّن أوجه الصراع الذي‮ ‬يعايشه المخرج الملتزم إذا ما سمح لنفسه بالتعامل مع النظام الرأسمالي‮ ‬الموجود‮. ‬إعجاب‮ ‬غودار بدزيغا فرتوف دفعه،‮ ‬وجان بيير كورين،‮ ‬لتأسيس‮ »‬دزيغا فرتوف‮ ‬غروب‮« ‬والى إعلان‮ ‬غودار أن منهجه بات‮ »‬صنع أفلام ثورية بأسلوب ثوري‮«. ‬خلال هذه الفترة انقطع‮ ‬غودار عن التعامل مع أبناء الصناعة السينمائية في‮ ‬فرنسا ملتزماً‮ ‬بتحقيق أفلامه عن الطبقة البروليتارية وحدها‮.‬
الفترة ذاتها كانت شهدت الثورة الطالبية التي‮ ‬شارك فيها‮ ‬غودار وآخرين من موقع التأييد للتغيير المطلوب في‮ ‬هيكلة البنية الطالبية ومناهج التعليم في‮ ‬المدارس‮. ‬كما‮ ‬غذتها محاولة الحكومة إقتلاع المنظّر والمؤرخ الفرنسي‮ ‬هنري‮ ‬لانلغوا من منصبه كمدير للسينماتيك فرنسيس وتعيين مدير‮ ‬يتبع سياستها‮. ‬المظاهرات التي‮ ‬اندلعت تأييداً‮ ‬للانغلوا دفعت الحكومة لإلغاء قرارها‮.‬
‮- ‬المرحلة الثالثة‮:‬
تقع أيضا في‮ ‬السبعينات وفيها بلغ‮ ‬تطرّف‮ ‬غودار السياسي‮ ‬حداً‮ ‬انقلب فيه حتى على أعماله السابقة‮. ‬انتقل للعيش في‮ ‬بلدة‮ ‬غرينوبل مع زوجته الثالثة آن ماري‮ ‬ميافيل وأسس شركة أسمها دال على منحاه الجديد في‮ ‬هذه المرحلة‮ ‬وهو‮ ‬SonImage‮ (»‬بلا صورة‮«). ‬أعماله القليلة في‮ ‬تلك الفترة كانت أقرب الى‮ »‬أفلام البيت‮« ‬Home movies‮ ‬وأنجزها بعيداً‮ ‬عن أدوات السينما وبكاميرا فيديو مبكرة‮. ‬الملاحظ أن هذه الفترة وقعت مباشرة بعد أن تعرّض‮ ‬غودار لحادثة حين كان‮ ‬ينطلق بدراجته النارية كاد أن‮ ‬يُقتل فيها‮. ‬تأثير ذلك النفسي‮ ‬عليه ليس معروفاً‮ ‬لنا على نحو معمّق لكنه أدى،‮ ‬بوضوح،‮ ‬الى عزلته واختيار الطريق الذي‮ ‬انعزل فيه وسينماه عن التواصل مع الآخرين حتى ولو كانوا من المؤيدين لطروحاته،‮ ‬فنية او سياسية،‮ ‬السابقة‮. ‬
هذه العزلة وردت في‮ ‬سينماه حتى حين كانت لا تزال تتواصل مع عالمه وتدخل سوقي‮ ‬العرض والطلب‮. ‬فهي‮ ‬شبيهة بحال بطله في‮ »‬بييرو الغبي‮« (٥٦٩١) ‬الذي‮ ‬قرر العزلة عن‮ »‬النظام الرأسمالي‮« ‬بأسره‮. ‬مفهوم كلا من الفيلم وما أقدم عليه‮ ‬غودار نفسه فيما بعد‮ ‬يعود الى نظرية أسستها جماعة سمّت نفسها‮ ‬Situationists Internationale‮ »‬التأسيسيون الدوليون‮« ‬ومفادها أن الممارسة النموذجية لليساري‮ ‬في‮ ‬أقصى مواقفه،‮ ‬الذي‮ ‬هو الموقف المثالي‮ ‬بالنسبة للمجموعة،‮ ‬هو الإنقطاع عن كل‮ ‬يتصل بالنظام البرجوازي‮ ‬او الرأسمالي‮. ‬الفيلم ذاته،‮ ‬مقارنة مع ما سبقه ومع ما تلاه،‮ ‬هو بداية وعي‮ ‬غودار المتزايد بأهمية الطرح السياسي‮ ‬او-بنفس المعيار‮- ‬استخدام السينما كوسيلة طرح الموقف السياسي‮.‬
‮- ‬المرحلة الرابعة‮:‬
غودار لابد وعى أنه لن‮ ‬يستطيع دفع ثمن‮ ‬غير منطقي‮ ‬لقاء مبادئه المكتسبة فقرر العام ‮٩٧٩١ ‬قطع عزلته والعودة الى السينما مسمياً‮ ‬فيلمه الأول في‮ ‬هذا النطاق،‮ ‬وهو فيلم‮ »‬كل رجل لنفسه‮« ‬بـ‮ »‬البداية الثانية‮«. ‬
إنها فترة النضج فنياً‮ ‬حتى ضمن أسلوبه الخاص‮. ‬عوض التبعثر صار أكثر تنظيماً‮ ‬ولو أن البعض لا زال‮ ‬يعتقد إنه فوضوي‮- ‬لكن الحقيقة هي‮ ‬أنه‮ ‬يتبع منهجاً‮ ‬يفهمه ومن الممكن لغيره أن‮ ‬يفهمه حالما‮ ‬ينفذ الى ذلك المنهج‮ (‬وأعترف أن ذلك صعباً‮). ‬عوض الحدة الشديدة أصبحت قطعاته من والى المشهد أكثر سلاسة وأحياناً‮ ‬أكثر شعرية،‮ ‬ولو أنها شعرية سوداء داكنة‮. ‬
جهده هذا منحه تقديرا جديداً‮ ‬فنال‮ »‬الأسد الذهبي‮« (‬جائزة مهرجان‮ »‬فانيسيا‮« ‬الأولى‮) ‬عن فيلمه‮ »‬الإسم كارمن‮« (٣٨٩١) ‬وفيلمه اللاحق‭ ‬‮»‬مرحى‮ ‬يا مريم‮« ‬نال تقديرا نقدياً‮ ‬واسعاً‮ ‬على الرغم من أنه أثار اليمين المتدين في‮ ‬فرنسا‮. ‬كذلك فعل فيلمه الآخر في‮ ‬الفترة ذاتها‮ »‬شهوة‮« ‬الذي‮ ‬اعتبره بعض النقاد أفضل هذه الأفلام الثلاثة‮.‬

-3 سينما
‮ »‬السينما ليست حلما او فانتازيا‮. ‬إنها حياة‮««‬
‮- ‬جان‮ -‬لوك‮ ‬غودار‮.‬
تظهر الفترات التي‮ ‬أوردتها أعلاه عن جانب آخر في‮ ‬أعمال‮ ‬غودار‮. ‬الفترة الأولى‮ (٩٥٩١- ٨٦٩١) ‬هي‮ ‬فترة التعاطي‮ ‬مع السينما عاشقاً‮ (‬ولو بشروطه‮). ‬الفترة الثانية‮ (٨٦٩١-٢٧٩١) ‬هي‮ ‬التي‮ ‬سبر فيها‮ ‬غور‮ »‬تسييس السينما‮«‬،‮ ‬والثالثة هي‮ (٢٧٩١-٨٧٩١) ‬هي‮ ‬الفترة التي‮ ‬وصل فيها التسييس لنفي‮ ‬السينما،‮ ‬والرابعة‮ (٩٧٩١ ‬والى اليوم‮) ‬هي‮ ‬الفترة التي‮ ‬تلت بلوغ‮ ‬نفي‮ ‬السينما مداه‮ ‬وشهدت عودته الى السينما‮.‬
إنه من السهل بمكان كبير البحث في‮ ‬السياسة‮ (‬والمقالات الباحثة في‮ ‬هذا الشأن وحده بالمئات‮). ‬لكن من الصعب الكتابة عن الفن في‮ ‬سينما‮ ‬غودار‮. ‬فالفن عنده هو ممارسة حياة في‮ ‬الفيلم وتطبيعها بالموقف السياسي‮ ‬العام‮. ‬مكمن الصعوبة هو ترجمته الصُورية لما‮ ‬يريد قوله وأسلوبه في‮ ‬القول‮. ‬
مفتاح كل شيء‮ ‬غوداري‮ ‬في‮ ‬الواقع هو تبني‮ ‬وممارسة مفهوم‮ »‬سينما المؤلف‮« ‬الى الحد الأقصى‮. ‬التعريف العاري‮ ‬من التكلّف لما هو‮ »‬سينما مؤلف‮« ‬وما هو سينما،‮ ‬يكمن في‮ ‬أن المفهوم‮ ‬يشمل أولئك المخرجين الذين‮ ‬يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن عملية إبداع الفيلم كتابة وتنفيذاً‮ ‬وما بعد‮. ‬إنه ليس المخرج الذي‮ ‬ينفّذ رؤية آخرين بل رؤيته الخاصة وبنفسه‮. ‬لذلك،‮ ‬بينما كانت هوليوود وسواها تنظر الى ألفرد هيتشكوك وهوارد هوكس وأورسن ويلز على أساس إنهم مخرجون جيدون‮ ‬يمكن الإتكال عليهم لإنجاز أفلام جيدة حسب المطلوب،‮ ‬كان نقاد‮ »‬كاييه دو سينما‮« ‬ينظرون إليهم كمؤلفين لأعمالهم حتى ولو كانت سيناريوهات أفلامهم مكتوبة من قبل‭ ‬آخرين‮. ‬التواصل في‮ ‬توفير الرؤيا الخاصة للشخصيات،‮ ‬للعالم،‮ ‬للتكنيك،‮ ‬كافية لمنحهم هذه الصفة الاستثنائية‮. ‬
غودار ذهب الى ما هو أعمق من ذلك وأبعد إذ ترجم أفكاره على نحو بعيد جداً‮ ‬عما‮ ‬يسهل قبوله لدى الطرف المنتج،‮ ‬ويسهل قبوله عند المشاهد‮ (‬حتى العاشق للسينما والراغب في‮ ‬فصلها عن مجرد الغاية في‮ ‬الترفيه‮).‬
السينما التي‮ ‬كانت في‮ ‬بال‮ ‬غودار،‮ ‬من‮ »‬نفس لاهث‮« ‬مروراً‮ ‬بـ‮ »‬حياتي‮ ‬لكي‮ ‬أعيش‮«‬،‮ »‬ويك‮- ‬إند‮«‬،‮ »‬حييت‮ ‬يا مريم‮« ‬،‮»‬شهوة‮«‬،‮ »‬تحري‮« ‬وحتى فيلمه الأخير‮ »‬موسيقانا‮«‬،‮ ‬هي‮ ‬السينما التي‮ ‬يعتقد فعلاً‮ ‬إنها الأجدر بالإقدام بصرف النظر عن الوجهة السياسية التي‮ ‬تعتنقها‮. ‬الوجهة السياسية هي‮ ‬موقف ووجهة نظر،‮ ‬لكن العمل السينمائي‮ ‬هو الإقتناع بأي‮ ‬سينما على المخرج توفيرها ولماذا‮. ‬بالنسبة لغودار وجد أن السرد الحكواتي‮ ‬لا‮ ‬ينتمي‮ ‬الى السينما الا عبر كونه مصوّراً‮. ‬الفن السينمائي،‮ ‬بكلمات أخرى،‮ ‬من الأهمية بحيث إنها تستحق شروطا مختلفة تجعلها بعيدة عن أن تكون امتداداً‮ ‬للقصة وامتداداً‮ ‬لأي‮ ‬فن آخر‮.‬
إنتقال‮ ‬غودار في‮ ‬أي‮ ‬فيلم من أفلامه من مشهد‮ ‬يتحدث فيها إثنان،‮ ‬الى مشهد لساحل البحر،‮ ‬ثم العودة إليه أكثر من مرة،‮ ‬لا‮ ‬يهدف فقط الى تمييز سينماه بلقطات تتداخل من دون أن‮ ‬يكون لها معنى في‮ ‬العقل المعتاد على الربط تقليدياً‮ ‬بين فصول الحكاية،‮ ‬بل الى خلق العمل المجسد لتلك الغاية في‮ ‬إبتكار سينما مختلفة لسينما مختلفة‮. ‬وغودار في‮ ‬كل هذا لا‮ ‬ينسى سكب قدر من الرهافة الشعرية فيما‮ ‬يقوم به‮ (‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬السنوات الخمس عشرة الأخيرة‮). ‬كل أفلام‮ ‬غودار في‮ ‬السنوات التي‮ ‬تلت‮ »‬ولادته الثانية‮« ‬تعبّر عن الرغبة في‮ ‬خلق سينما‮ ‬غير السينما‮. ‬لكن فيلمه المجزأ الى‭ ‬فصول بعنوان‮ »‬تاريخ السينما‮« ‬هو الذي‮ ‬يحتوي‮ ‬على الكثير المركز من آرائه في‮ ‬السينما وأي‮ ‬سينما هي‮ ‬التي‮ ‬يتبنّاها‮. ‬واحداً‮ ‬من نقاط بحثه في‮ ‬ذلك الفيلم السخرية من القول أن ولادة السينما بدأت عام ‮٥٨٨١ ‬عندما أقدم الأخوان لوميير على إقامة أول عرض بيعت فيه التذاكر للجمهور‮. ‬عنده التاريخ بدأ قبل الحركة الصناعية ذاتها إذ تم التمهيد له بالحاجة الى التعبير عبر قنوات الإيصال المختلفة ومنها التصوير والتمثيل والكتابة‮.‬
غودار في‮ ‬ذات الوقت لا‮ ‬ينسى الخصائص التي‮ ‬تميّز السينما‮. ‬إنها الفن المصاحب الوحيد لما‮ ‬يحدث في‮ ‬العالم‮. ‬المسجل لروحه والامه وأفراحه وكل أحداثه‮. ‬إنها الروح الموازي‮ ‬لأرواحنا من حيث أن الفيلم الذي‮ ‬تم إنتاجه في‮ ٥٠٩١ ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬يستطيع سرد حالات وعادات وأفكار صُوّرت في‮ ‬حينها،‮ ‬بينما عليك‮ -‬في‮ ‬فعل الكتابة الروائية او في‮ ‬فعل العمل المسرحي‮- ‬العودة الى هناك في‮ ‬زيارة تنتهي‮ ‬ولا‮ ‬يمكن تكرارها الا بإنتاج جديد‮. ‬المسرحية لا‮ ‬يمكن لها أن تتكرر على المشاهدين بعد سنوات بنفس الطريقة وبنفس الممثلين وبنفس الوقت الذي‮ ‬حدثت فيه الا إذا ما تم تصويرها وعرض الفيلم لاحقاً‮.‬
التاريخ كان دائما مهماً‮ ‬عند‮ ‬غودار لكنه منذ‮ »‬تاريخ السينما‮« (‬وكلمة‮ ‬HISTOIRE‮ ‬الفرنسية تعني‮ »‬تاريخ‮« ‬وتعني‮ »‬قصة والمرء عليه توخي‮ ‬القراءة التي‮ ‬يعتقد إنها الأكثر تناسباً‮ ‬فكلاهما ملائم في‮ ‬فيلم‮ ‬غودار‮) ‬وهو‮ ‬يركّز أكثر على أهمية التاريخ وتوغله في‮ ‬حياتنا الى اليوم‮. [‬يقول‮: »‬إنتاج أفلام اليوم لا‮ ‬يعني‮ ‬سوى دراسة المتغيرات التي‮ ‬حققتها السينما من لومير وأيزنستاين الى الزمن الراهن،‮ ‬ودراستها فعليا بصنع أفلام حول العالم اليوم‮«]. ‬لذلك فإن فيلمه‮ »‬للأبد،‮ ‬موتزار‮« (٦٩٩١) ‬ليس رأيا في‮ ‬موتزار‮ (‬ولو أنه رأي‮ ‬وارد‮) ‬بل في‮ ‬الحرب في‮ ‬ساراييفو‮. ‬ومرة أخرى،‮ ‬ليس عن طريق الإكتفاء بقصة تقع أحداثها هناك،‮ ‬بل عن طريق بحث كل الظروف المؤدية الى ما حدث هناك وكل الظروف الناتجة من هناك‮.‬
في‮ »‬موسيقانا‮« ‬يطرح القضية الفلسطينية موجزة وناصعة من دون أن‮ ‬يتخلى عن التاريخ جنباً‮ ‬الى جنب الموقف السياسي‮. ‬
إنه من المهم ملاحظة أن قراءة‮ ‬غودار من أفلامه تتطلب إلماماً‮ ‬به قبل الإقدام على مشاهدتها‮. ‬الكثير من حسنات فيلم‮ ‬ينجزه لن تبدو كذلك الا بمثل ذلك الإلمام،‮ ‬وهو إلمام‮ ‬يتجاوز ما‮ ‬يرصفه هواة الكتابة السياسية التي‮ ‬يجدون من السهل بمكان كبير التشريح وإلقاء النظريات من دون البحث في‮ ‬التفاصيل الفنية التي‮ ‬لولاها لما عنت تلك النظريات شيئا حتى من‮ ‬غودار نفسه‮.‬



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda © 2008

Featured Post

Shadows and Phantoms | A Film E-magazine | Year: 11, Issue: 936

"سبايدر مان وشركاه... خيوط  واهية وأرباح عالية محمد رُضـا قبل زمن غير بعيد، كان في مقدورنا، كمشاهدين، مشاهدة الفيلم الم...

Popular