في أرض الظلال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The Undying Monster

الوحش الذي لا يموت ★★★★★


إخراج • Director

جون برام John Brahm

أدوار أولى • Principal Cast

جيمس إليسون، هيذر أنجل، جون هوارد، براموَل فلتشر.

James Ellison, Heather Angel, John Howard, Bramwell Fletcher

النوع/ البلد/ التاريخ • Genre/ Country/ Year

Horror | USA| 1942


|*| قامت شركة تونتييث سنتشري فوكس بإنتاج هذا الفيلم قبل وفاة مؤلفة الرواية جسي دوغلاس كرويش بسبعة أعوام. «الوحش الذي لا يموت» من أعمال المؤلفة سنة 1922» التي كتبت عدداً من الأفلام التي تمزج، كما الحال هنا بين الرعب والخيال العلمي والرومانسية يبدأ الفيلم مثيراً للإهتمام بسبب أسلوب متوتر ورصين معاً، ثم- في النصف الثاني- ينقلب إلى حكاية روتينية حول الرجل-الذئب.

Based on Jesse Douglas Kerruish's 1922 novel, John Brahm's film starts Stylish and moody, thrilling and good enough to be considered as a small jewel in its genre. Nevertheless, the second half is routinism job about hunting the monster: a werewolf in love.

م ر

Mar 13, 2008

ISSUE 198 [14/3/08] Movies: "Ahlam Al Madina"| Directors: George Méliès & his trip to the Moon |Opinion


COVER


آن هاذاواي خلال حضورها عرضاً خاصّاً
لفيلم جديد يجمعها والكوميدي ستيف كارل هو
Get Smart
المأخوذ عن حلقات تلفزيونية ناجحة . المخرج هو
بيتر سيغال٠

لديك بريد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جولي كريستي لم تربح البافتا
-------------------------------------
بعث صديق المدوّنة محمد المصري بالتعقيب التالي لما ورد في العدد 195

موسم الجوائز في الحقيقة انقسم بينهما بدرجة كبيرة ، جولي كريستي تربح جائزة نقابة الممثلين - الهامة جداً - .. في المقابل انتزعت ماريون البافتا من فم العجوز البريطانية الكبيرة في مفاجأة حقيقية بالنسبة لي ولأغلب متابعي موسم الجوائز بحكم أن الإنجليز قد فضلوها على مواطنتهم الممدوحة جداً هذا العام ، مع خروج كلتاهما متوجتان في حفل الجولدن جلوب في فئتي الممثلة الدراما .. والممثلة لفيلم موسيقي أو كوميدي ، ورغم أن كريستي ربحت أغلب جوائز الجمعيات النقدية في هوليوود وشخصياً توقعت تتويج ذلك بفوز أوسكاري إلا أن فوز ماريون ليس مفاجئ بالطبع بعد اقتناصها للبافتا

عموماً الفيلم لم يجعبني أبداً... فيلم سيء بالفعل. أقيّمه بـ 2 من 5 ربما، وقد يكون ترشيح السيناريو في الأوسكار واحداً من أغرب ترشيحات العام في نظري، فبالرغم من التأسيس الجيد للأحداث خلال الثلث ساعة الأولى إلا أن كل شيء بعد ذلك يسير اعتباطياً ووفقاً للمسلمات وبدون أي منطق سوى تسيير الدراما كما (تريدها ) سارة بولي ، العلاقات في مرحلة متقدمة من العمل تصبح عبثية تماماً لدرجة عدم استيعابها ! علاقة جرانت بزوجة المريض على سبيل المثال .. بل وعلاقة فيونا بالمريض ذاته والتي جاءت هكذا رغم أنها أساس دراما الفيلم مروراً باعترافات الماضي مشتتة المعالم ووصولاً إلى النهاية المفتعلة جداً جداً في نظري، كما أن الحوار من أسوأ حوارات 2007 بالفعل! حوار يصلح تماماً للرواية او بشكل آخر لأن يُقرأ في سيناريو لا أن يُنفّذ على الشاشة! زاد من كل ذلك وضوح عدم الخبرة الإخراجية عند بولي ولعل الانتقالات الاعتباطية بين حوار جرانت والزوجة وبين أحداث الفيلم وتسبب ذلك في فقدان التواصل مع الأحداث لأكثر من مرة دليلاً على ذلك٠
ربما أداء جولي كريستي الرائع حقاً وبضع مشاهد شاعرية بين زوجة تفقد نفسها وزوج يحاول الحفاظ على حياة كاملة عاشاها معاً .. هما ما يرفعا من تقديري للعمل قليلاً ، ولكن خلاف ذلك : لم أجد سوى فراغ
---
بالنسبة لفيلم وودي آلان .. يبدو أن المرء يجب أن ينتظر كل عشر سنوات لكي يشاهد فيلماً لوودي من عيار ( وودي ) - كما قال صديق عزيز وناقد قدير ذات مر
---
أعجبني كثيراً ما كتبته كقصة بدون عنوان ، ليسَ في حد ذاتها فقط ، ولكن لأنني أتمنى أن يكون ذلك بداية أو مساحة ثابتة في المدونة تتحدث فيها عن رحلتك الطويلة - الإنسانية أو العملية .. أيًّ كان - والتي أوصلتك لأن تكون أهم ناقد عربي تقريباً
على أي حال
بشكر حضرتك جداً على مساحة سينمائية هامة أتابعها وأستفيد منها دائماً

لا أدري كيف وقعت في هذا الخطأ وأعتذر منك ومن القرّاء. ربما كنت أفكّر في جائزة أخرى، او ببساطة لا أنام كفاية هذه الأيام. جولي كريستي لم تربح البافتا بالفعل لكنها كما ذكرت أنت ربحت جوائز عديدة أخرى٠
لا تعليق من عندي على فيلم ساره بولي سوى أنه في حدود المعضلة الإنسانية تحقق المخرجة قدراً من نجاح تأسيس الألفة والإهتمام لا بين الشخصيّتين الرئيسيّتين فقط، بل بين الفيلم وبين المشاهد٠ كذلك تعاملها مع الممثلين حتى وإن كان هذا التعامل اختيارها تركهم يؤدّون الشخصيات من دون إدارة ضابطة. مهما يكن جولي كريستي وشريكها في البطولة، الذي لم ينل حظّه من الإهتمام غوردون بنسنت (وهو مخرج من حين لآخر) يطرحان المتوقّع من إداء جيّد في فيلم ليس هزيلاً او ركيكاً ولو أنه أيضاً ليس بالنجاح الذي يطلبه الناقد له٠
القصّة التي أوردّتها لها علاقة أكثر بي من قصص أخرى كتبتها في حياتي. لا أدري أين وضعتها فأنا انتقلت من بيروت الى القاهرة ومن القاهرة الى بغداد ومن بغداد الى القاهرة ومن القاهرة الى بغداد ومن بغداد الى الكويت ومن الكويت الى طرابلس ومن طرابلس الى أثينا ومن أثينا الى طرابلس ومن طرابلس الى باريس ومن باريس الى لندن وكل ذلك في عام ونصف. لكن بعض القصص الأخرى نشرتها في المحرر قبل تركي بيروت. سأبحث وأنقّب وسأجدها وأنشرها٠
شكراً للتحية

OPINION
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإنسان العربي بلا طموح
.........................................................
العالم العربي يشبه إنسانه، والإنسان العربي يشبه عالمه. كلاهما بلا طموح، مع مائة فيلم روائي طويل او يزيد يتم إنتاجها حول العالم العربي بأسره (ونحو مئتي تسجيلية طويلة وقصيرة) تتوقّع أن تجد عدداً كافياً من السينمائيين الذين يطمحون الى الأفضل. لكن الحقيقة هي أن عدداً قليلاً لديه مثل هذا الطموح والأقل منهم هم الذين يعرفون كيف يحققون هذا الطموح٠
حين تسأل يخبرك كثيرون: لكننا لا نسعى للعالمية. او يقول أحدهم: يكفيني نجاحي في بلدي وبين جمهوري الحبيب٠
والسائد أنه كلما كنت محليّاً أصبحت عالمياً. لا أحد يشرح لك كيف ذلك، لكن ربما المقصود هو أن الفيلم الغارق في محليّته سينقل هويّته هذه الى العالم. لو كان هذا صحيحاً لكانت الأفلام الواقعية في السينما المصرية، مثلاً، وصلت الى آفاق العروض العالمية شأنها في ذلك شأن الأفلام الإيطالية حينها او الفرنسية الى اليوم. ولكان المخرج يوسف شاهين فشل في تحقيق هذا المستوى العالمي لأنه ليس مخرجاً محليّاً بالصورة التي يقصدها ذلك الحكم غير الصحيح٠
إنه اعتقاد سائد وككثير من الاعتقادات السائدة هو اعتقاد خاطىء٠
الغرق في المحلّية لا يعني -أوتوماتيكياً- العالمية. أيضاً، الاكتفاء بالسوق المحلية لهذا المخرج التونسي او ذلك الممثل المصري او للمنتج اللبناني او المغربي ليس دليل تواضع أو دليل استعفاف. إنه فقط دليل على عدم وجود طموح لدى هذا الكاتب او ذلك المخرج او الممثل. أو في أفضل الحالات لديه الطموح وليس لديه أكثر من الطموح والطموح لا يمشي وحده في الدنيا بل عليه أن يتعلّم كيف ينمو ويجلب إليه الأقدار التي تؤهله لينمو. هناك طموح يصل بصاحبه وطموح يبقى في مكانه والدنيا مليئة بالأمثلة٠

بعض ما يحدث أن معظمنا، حتى في الحقول غير الفنية وغير الثقافية، ينظر الى الطريق أمامه فيجدها طويلة. ينظر حوله فيجد أن المتاح في محيطه سهل وأقصر سبيلاً فيقدم عليه. لا عجب أن هناك الإنتاج المنتشر عالمياً من كيان الاغتصاب الصهيوني هو أكثر من ذلك العربي المنتشر عالمياً. المهرجانات من حولنا تقوم وتقعد وهيهات أن تجد فيها فيلماً روائياً متسابقاً. لكنك ستجد فيلماً “إسرائيلياً” وإذا لم تجده في المسابقة فستجد خمسة خارجها. هذا مقابل فيلم او فيلمين عربيين، علماً بأن الدول العربية المنتجة للأفلام ارتفع عددها من ثمانية قبل خمس سنوات إلى أربعة عشر في السنة الماضية. لكن كل هذه الدول لا تنتج أفلاماً تصلح لأن تشق طريقها عالمياً الا بحدود فيلمين في العام- هذا إذا ما كان العام جيّداً٠
العام الماضي كان جيّداً لفيلم نادين لبكي »سكّر بنات« إذ عرض تجارياً في لوس أنجيليس ونيويورك ولندن وباريس وبحفاوة نقدية كبيرة كما بيع لأكثر من 33 دولة٠

لكن هل من مزيد؟
وهل يفيد نجاحه التجاري مخرجاً لبنانياً آخر او مخرجاً عربياً من أي بلد؟
للإجابة، هناك سؤال آخر: ما العالمية؟
هناك مقياسان لها: أن يعرض الفيلم في نحو خمسة مهرجانات دولية٠
او أن يعرض في عشر أسواق غير عربية٠
طبعاً من النادر أن يفعل فيلم واحد الأمرين معاً (كما فعل “سكر بنات”) لكن المقياس الأول هو عالمي من حيث النوعية، والمقياس الثاني من حيث الكميّة. بكلمات أخرى، العروض المهرجاناتية تفيد لتأسيس شهرة ولتعريف المخرج الى العالم، أما العروض التسويقية الشعبية فهي الخطوة المادية. وكان المخرج المرحوم مصطفى العقّاد يعتبر العالمية هي إمكانية وصول الفيلم -أي فيلم إلى أكبر عدد ممكن من صالات السينما حول العالم. من هذا المنطلق فإن السينما العالمية الوحيدة هي الأمريكية وهذا صحيح لكنه خطأ٠
السينمائيون العرب لم يستطعوا الى الآن حل أزمة الثقافة التي يعانون منها هم أنفسهم، فكيف سيتسنّى لهم اختراق المهرجانات؟
للتفسير: الذي مكّن يوسف شاهين من الوصول الى الشهرة العالمية حقيقة أنه فكّر خارج الصندوق. والصندوق هو ما يُسمّى علمياً بـ "الرأس” وعملياً بالصندوق إذا ما كان فارغاً او محشوّاً بالرز واللحمة المفرومة. خرج شاهين من التفكير الذي يقيّد عادة المخرج الى“ ذات المنوال من العمل، مضموناً وفنّاً، وطرق أبواب مواضيع أحبّها النظارة في الخارج وبأسلوب عرض جديد وجيّد- هذا بالطبع الى أن توقّف هذا الحب في مطلع التسعينات حيث أخذ التكرار يولّد الشيء نفسه مزوّداً بقدر كبير من النرجسية وحيث أخذ المخرج هو الذي يعتبر فيلمه مهمّاً وليس الآخرين بالضرورة٠
ابحث بين كل كبار المخرجين حول العالم تجد أن سبب كونهم كباراً (وأنا أتحدّث عن مستوى أندريه تاركوفسكي، أكيرا كوروساوا، ستانلي كوبريك، جان لوك-غودار، ألفريد هيتشكوك، فرنسيس فورد كوبولا وليس عن مستوى أوليفر ستون الذي هو أعلى من مستويات كثيرين غيره) هو أنهم أبدعوا والإبداع لا يأتي من جراء اتباع “فورميلا”، ونحن في معظمنا نتبع “فورميلا” محفوظة وسهلة وغبية في كل ضرب من ضروب حياتنا٠


CLASSICS
----------------------------------------
قبل 22 سنة حمل »أحلام المدينة« وعداً جميلاً٠
ليس أن مخرجه محمّد ملص تخلّى عنه، لكن شيئاً
ما لم يتكرر بعد٠
---------------------------------
أحلام المدينة

إخراج
محمد ملص
تمثيل
باسل الخطيب، ياسمين خلاّط، رفيق
السبيعي، أيمن زيدان، هيثم شريفاتي، حسن
دكّاك، نذير سرحان، طلحت حمدي، ناجي جبر٠
سيناريو
محمد ملص وسمير ذكرى
تصوير
أورديجان أنجين [ألوان]٠
توليف
هيثم قوّتلي
موسيقا
تسجيلات وأغاني وطنية
إنتاج
المؤسسة العامّة للسينما/ سوريا- 1984
هوامش
دراما ذاتية- المدّة 120 دقيقة. العرض العالمي
الأول: مهرجان كان [أسبوع النقّاد]٠
------------------------------------------------------

دمشق عام 1953. تصل حافلة ركاب قادمة من إحدى القرى وعلى متنها الصبي ديب وأمه وشقيقه الأصغر. يرفض جده استقبالهم ثم يرضخ بعدما تدخل بعض الجيران لديه، لكن معاملته القاسية تستمر بعد أن أعطى ابنته غرفة صغيرة لها ولولديها. الشقيق الأصغر يذهب لمدرسة أيتام، وديب يعمل عند الكوا وهناك ـو وعلى مر الأيام وصولاً إلى العام 1958 ـ يتعرف ديب على أبناء الشارع وعلى التيارات السياسية المتباينة ومواقف هؤلاء منها. الأم تصدق كلام إحداهن عن عريس ثري لتكتشف أن الزواج المعقود كان للمتعة. الصبي يبحث عن الزوج المخادع لكي يقتله، وينتهي الفيلم به وسط أفراح الوحدة بين مصر وسوريا في إيحاء بنضجه على الصعيدين الشخصي والاجتماعي٠

في حديث قيم أجراه الناقد السوري حسن م. يوسف مع المخرج محمد ملص ونشر في «الحياة السينمائية» (عدد خريف 1983) ذكر المخرج عدة مفارقات وقعت خلف الكاميرا عندما كان التصوير قائماً، واعترف بمفارقات أخرى سمعها دون أن يراها. لكن أهم تلك المفارقات ـ على ما أعتقد ـ هي تلك التي تتعلق بردة فعل أم المخرج عندما وصلت إلى مكان التصوير الذي لم يكن، يومها، إلا ذات البيت الذي عاش فيه المخرج صبياً مع أمه. فقد بكت لا حزناً على الماضي، بل ألماً منه وبدر من كلامها ما يوحي بأن ما عانته تحت كنف والدها كان أكثر مما شاهدناه على الشاشة، ويؤكد ذلك رجل كبير اسمه أبو رياح كان هو الذي توسط في الواقع لدى الجد لقبول دخول ابنته وولديها الدار في يوم وصولهما بعد موت زوجها٠
الذي يثيره هذا الإدراك هو كم الحقيقة التي ينقلها المخرج إلى الشاشة. ليس فقط أنه اختار بيت الجد، الذي ما زال قائماً، ليصور فيه بعض أحداث الفيلم، وليس أنه أعطى ياسمين خلاط اسم حياة، وهو اسم والدته وأعطى الرجل الذي سعى لدى الجد اسم «أبو رياح» وهو اسم الرجل الحقيقي بالفعل فقط، بل ذهب إلى حد الإصرار على أن يضم في فيلمه خضم تلك الفترة التي عاشها عاطفياً، وجدانياً، اجتماعياً وسياسياً، وأن ينجح ملص في إجراء مسح شامل وعميق لهذا المخزون من الذاكرة والعواطف هو تدليل على كم قريبة تلك الشحنات إلى نفسه، وكم هي ذاتية٠
ما فعله ملص بها هو شيء آخر يدعو جداً للإعجاب. فالفيلم لا ينحصر في كونه رحلة ذاتية إلى ماضي إنسان، بل أيضاً إحاطة هامة بالشارع السياسي ما بين 1953 و1958، الشارع الدمشقي الذي شهد انقلابات متعاقبة وتيارات متباينة انقسم الشارع من حولها. وهذا بقدر ما يعطي الفيلم ثراء وتكاملاً في المنظور، بقدر ما يبتعد عن الاستخدام أو التوظيف في أي منحى سياسي عدا ذلك الذي ينم عن تلك الفترة ذاتها مؤرخاً ومذكراً٠
الفيلم هو عن ذلك الصبي ديب وتفتحه العاطفي والسياسي في تلك الفترة. والعلاقة المرسومة بين ما هو خاص عند ديب (ضمن ذاته وضمن جدران البيت الذي يعيش فيه) وبين ما هو عام (الشارع والشخصيات الأخرى ثم الحالة السياسية للبلد) أشبه بخط ممدود بين دائرتين متداخلتين. فيهما يرصد المخرج عواطف بطله، نموه، أحاسيسه من ناحية ومعايشته للأحوال والتيارات السياسية من ناحية أخرى. في نهاية الخط الممدود (نهاية الفيلم أيضاً) نرى ديب يضرب رأسه ـ بعدما أخفق في الانتقام من الزوج المخادع ـ حتى يدميه٠
لقد اختار ملص هنا نهاية عنيفة لإعلان نهاية مرحلة في حياة الصبي وبدء مرحلة أخرى. الحلم انتهى والواقع ربما بدأ. ذات النهاية، بمشاهد أخرى، تعيدنا إلى التفاعلات السياسية التي كانت مطروحة آنذاك وقد بزغ نجم جمال عبد الناصر وأعلنت الوحدة العربية بين مصر وسوريا، وإذ يتركنا الفيلم في فرحة ذلك الحين، يغلفنا أيضاً بحزن أفولها٠
يتبع الفيلم ما يتفاعل في رأس بطله دون اللجوء إلى التعليق التقيدي لرجل يتذكر تلك الفترة، كذلك من دون اللجوء إلى أسلوب تقريري منهجي يخلع عن الفيلم نضرته وحيويته ويمده بجفاف التاريخ المقروء. لكن على الرغم من ذلك فإن منهجية عمل المخرج لا تخلو من المنحى التسجيلي وأن ليس بالصفة التقريرية الواردة أعلاه. تلك المشاهد الصامتة للحي، تلك اللفتات، تلك الأجواء، المعايشات كلها تنم عن علاقة ملص بالسينما التسجيلية وقد أذابها بما يخدم هذا الفيلم الروائي مائة بالمائة٠
بعض مشاهده الأخرى ـ مثل ذلك الذي نرى فيه ياسمين خلاط تنظر خلفها وكأنما سمعت صوتاً يناديها ـ يذكرنا بشيء من السينما السوفياتية (خصوصاً سينما أندريه تاركوفسكي) التي درسها محمد ملص حين كان في معهد السينما في موسكو. نجاح كل هذه الالتفاتات يصنع المعايشة التي تولد ذكريات حنونة متدفقة، وتدفع المتفرج لإدراك المتغيرات الكثيرة التي طرأت على الساحة السياسية العربية والهزائم التي تعرض لها من بعد فترة غنية بالمواقف الوطنية مثل تأميم القناة، ورد العدوان الثلاثي وقيام الوحدة. بذلك يكون الفيلم قد استطاع بسهولة وعمق إبلاغ رسالته السياسية التي تجعله أحد أفضل الأفلام العربية السياسية في التاريخ دون أن يكون بذاته سياسياً مباشراً٠
شخصيات محمد ملص صادقة، طبيعية وحارة. شخصيات غير متكلفة سواء تعاطفت معها أو لم تفعل. وحدها ياسمين خلاط تبدو مختلفة. جذابة، موهوبة، تستطيع التعبير بطلاقة، لكنها تبدو خارج الخط الموحد لباقي الأداءات. ربما كانت تمثل دوراً أكثر مما كانت تلعب شخصية، وفي محاولتها للتميز تبتعد بوضوح عن مسار الشخصيات الأخرى. إنها مصب حنان الصبي ولذلك قد يكون لبعض هذا التميز مبرراً، لكن هذا لا ينفي تبايناً بين المشاهد التي لا تظهر فيها وتلك التي تؤديها، إذ يخرج السرد الروائي حينها من عيني الصبي في المشاهد التي نرى فيها أمه، منتقلاً إلى عيني الذات الواقفة وراء الكاميرا٠
هذا لا يؤثر على بنية الفيلم وواقعيته إلا بمقدار ضئيل يهم الناقد وليس المتفرج. فملص طوال دقائق الفيلم خلص إلى عمل بديع، وهو لم يتعثر في رصف المضامين التي استطاع طرحها ولا في الاستعانة بمدير التصوير التركي أورديجان أنجين ( عمل في أفلام يلماز غونيه) لنقل الصور الذهنية التي في باله إلى شرائح ماثلة. المرء يذهب إلى حد القول بأن النجاح الذي حققه المخرج في تآلف الأجواء العامة للشارع الدمشقي وشخصياته مع الدور التقني للكاميرا أمر لم يقع كثيراً من قبل في السينما العربية، وها هو يقع اليوم وبصورة ناضجة وبليغة ٠
..........................................................................
غداً ما قاله المخرج محمد ملص حينها في حديث خاص


MASTERS OF CINEMA
Georges Méliès (3)
......................................................
رحلة ميلييه الى القمر المسكون
........................................
رحلة جورج ميلييه الى القمر سنة 1902 في فيلم
Le Voyage Dans La Lune ****



وهي الأولى بين رحلات مختلفة أقدم عليها غازياً عوالم أخرى او كواكب بعيدة بما فيها الشمس كما سنرى٠
فيلم »رحلة الى القمر« فريد في العام 1902 من عدّة وجوه. أولاً إنه فيلم من نحو إثني عشر دقيقة في الوقت الذي كانت فيه معظم الأفلام، بما فيها أفلام ميلييه، تكتفي بمدّة عرض لا يزيد عن ثلاث دقائق. حتى العديد من أفلام ميلييه ذاتها في السنوات اللاحقة لم تزد عن دقيقتين ونصف الى أربعة٠
ثانياً، هناك الإختلاف في حجم الطموحات التي أراد ميلييه إنجازها عبر توظيف الفيلم السينمائي ليكون التعبير عن الخيال الجانح٠ العديد من أفلام ميلييه، مثل
Tchin-Tchoa, The Chinese Conjurer/ تشين- تشاو المشعوذ الصيني **
و
The Untamable Whiskers/ الشانبان غير المطيعان **
كانت عبارة عن ممارسة مسرحية للألعاب السحرية. كلنا شاهدنا (وبعضنا على نحو حي) ألعاباً سحرية. يخلع الساحر قبّعته ويعرضها للمشاهدين. إنها خاوية. يضعها على طاولة أمامه ثم يرفعها من جديد فيخرج أرنب (او حمامة الخ..). تستلقي فتاة في صندوق خشبي يعرضه الساحر فارغاً أول الأمر ويتم إقفال الصندوق ثم غرز السكاكين والسيوف فيه، ثم فتحه فإذا بالصندوق خاو لأن الفتاة إنما أصبحت في صندوق آخر، او ها هي تثب خارج الصندوق نفسه من دون جروح أو إصابات٠
ميلييه في مثل هذين الفيلمين المذكورين عمد الى ذات الأمر ليس لأنه ساحر بل لأنه كان يستطيع أن يوقف التصوير. يبدّل الوضع الذي يريد التلخّص منه. يكمل التصوير. يدخل بالفيلم الى المونتاج ويستخرج المفارقة بعد حذف الثواني بينهما. بذلك يتمكّن مثلاً من تمثيل شخصيات متعددة في فيلمه »الشانبان غير المطيعان" أمام جمهور يعتقد أنه من العجب كيف يتغير الرجل في ثانية او أقل. في الفيلم الثاني، الإستعانة بالسحر المسرحي أكثر وضوحاً: هذا الساحر الصيني (جورج ميلييه بمكياج) يدخل فتاة صينية صندوقاً الى اليمين ويخرجها من آخر من اليسار. وفي فيلم ثالث
The Cook in Trouble/ الطبّاخ في مشكلة ***
الممارسة نفسها: ثلاثة شياطين يدخلون ويخرجون من صناديق وفي أفران طهو والطبّاخ يحاول طردها. لكن ما يجعل هذا الفيلم الأخير أفضل قليلاً هو الحركة التي في إطار قصّة. بينما الفيلمان الأول والثاني مجرد كاميرا على موضوع. القصّة في »الطبّاخ في مشكلة« تبدأ بالطبّاخ نفسه ومعاونيه في مطبخ كبير. يقطع ويفرم ويأخذ بعض الملح ليرشّه فوق الحساء في الوعاء الكبير. فجأة يأتيه شحّاذ يطلب حسنة فيطرده ولأنه طرده ولم يحن له، يلعنه الشحّاذ بإرسال ثلاثة شياطين تضايقه وتفسد الطعام الذي يحضّره. هذه هي قصّة وقصّة كاملة في تلك الآونة (1904)٠
على ذلك، »رحلة الى القمر« يتجاوز الأفلام الثلاثة التي أخرجها ميلييه بعده من حيث الملاحظتين المذكورتين أنفاً حول الفترة الزمنية وحول حجم الطموحات، كذلك حول المكان نفسه. الرحلة هذه المرّة من الأرض الى الفضاء وصولاً الى القمر وذلك قبل نصف قرن تقريباً من هبوط الإنسان فعلياً على سطح القمر٠
مثل مقدّمة الكاتب جول فيرن حين وضع »حول العالم في 80 يوم«، رئيس مجمّع علمي (ميلييه) يلتقي الأعضاء ليطرح عليهم أمراً علمياً: قدرته على الوصول الى القمر. حسب الصورة، هناك قيام وقعود بين الحاضرين ومن الصعب معرفة ما إذا كان حركتهم حماساً للمشروع او ضدّه، لكن فرداً واحداً على أي حال يتقدّم من منصّة الرئيس (اللقطة واحدة وبعيدة) ويناقشه معترضاً. كيف نعرف أنه معترض؟ يرميه الرئيس بأوراق أمامه مغتاظاً. لكن في النهاية
ينصرف الرئيس وخمسة من العلماء الذين وافقوه لإتمام المشروع. مزج سريع مع المشهد الثاني في مقر ما حيث نرى العلماء ومساعدين مختلفين ينجزون السفينة الفضائية التي ستقلّ بعضهم٠
المشهد الثالث لكيفية نقل السفينة الحديدية الثقيلة من مكانها (المفترض في داخل مصنع) الى سطح أحد المباني (الشرح الذي نسمعه على أسطوانة يتحدّث عن طريقة رفع أوكسيجينية!) . بعد ذلك مشهد آخر للموضع الجديد للصاروخ حيث يبدأ دخول العلماء الى قلب الصاروخ الذي يتم دفعه الى داخل مدفع. لا ينسى ميلييه هنا عنصراً يستخدمه في كثير من أفلامه: نساء بالشورت يعملن كمساعدات (هن اللواتي يدفعن الصاروخ الى داخل المدفع) هذا العنصر مسحوب من المسرح وسينما الإستعراض٠
في الدقيقة الخامسة والإثنين وخمسين ثانية من بدء الفيلم ينطلق الصاروخ وتقوم عدسة ميليه بتصوير القمر بدراً يحمل وجه إنسان والتقدّم بالكاميرا في زوم إن تعبيراً عن تقدّم المركبة الفضائية إليه. بعد دقيقة يحط القمر على القمر، لكن ليس بالهبوط التدريجي بل بدخول عين القمر٠ الآن الكاميرا على ظهر القمر والروّاد يفتحون الباب ويخرجون من المركبة٠
على سطح القمر الآن مع ستّة روّاد ولا يفت ميلييه إظهار كوكب الأرض وهو يصعد في الأفق البعيد ثم -وبعد إنفجار لم أتبيّن سببه- يقرر الجميع النوم بعد رحلتهم المنهكة٠
لقد قدّم ميليه للقمر وجه رجل عدائي التعابير. ها هي النجوم تبزغ (ستّة) حاملة وجوها نسائية، وكل وجه يحمل تعبيراً من الضيق لوصول الإنسان الى القمر. لكن هذا لا يستمر وهناك من بعيد كواكب أخرى عليها نساء جميلات (يظهرن بالكامل وليس الوجه فقط) وهن سعيدات بقدوم العلماء النائمين. مسألة ما إذا كان العلماء يحلمون بكل ذلك او أن ميلييه قصد أن يقول أن كل كواكب العالم مأهولة أمر لن تستطيع الصورة الإجابة بشكل قاطع ولو أن الأمر يبدو كما لو كان حلماً خصوصاً عندما يهطل الثلج (!) فجأة فيصحون من نومهم٠
كل ما سبق ممارسة رائعة للفانتازيا لكن ما سيلي مفاجأة أكثر تطوّراً. فريق العلماء يبدأون السير على ظهر القمر ويبدو كما لو دخلوا وادياً او مغارة كبيرة. مهما يكن المكان مليء بأنواع الفطر وكلّها عملاقة. أعضاء الفريق مزوّدون بمظلات مطر (لسبب ما) وحين يزرع أحدهم مظلّته في أرض المكان يفاجأ الجميع بأن المظلّة تطول وتنمو وتتحوّل الى نبتة فطر بدورها. فجأة يخرج من أشجار الفطر مخلوقات القمر وهي ليست بجمال أسمه. تبدو شيطانية شريرة لكن مجابهتها سهلة إذ بضربة من عصا المظلّة تتحوّل الى بخار وتختفي. لكن الكثرة تغلب الشجاعة والفريق يُقاد مقبوضاً عليه الى ملك المخلوقات (ذات الشكل الرجالي حال تقف). رئيس الفريق لا يهاب شيئاً وها هو ينسل من خاطفيه ويمسك بالملك ويرميه عن كرسيه ثم يضربه بعصا فيتبخّر. يهرب الفريق عائدين الى الصاروخ المنتظر ومتخلّصين من مطارديهم. كلهم ما عدا الرئيس يدخلون. نلاحظ أن المركبة الآن ليس في عين القمر بل على صخرة تشرف على الفضاء. الرئيس يتعلّق بحبل ويتدلّى لسحب الصاروخ من مكانه. يسقط الصاروخ عموديا (فوقه أحد أبناء القمر) وييقع في البحر. المشهد الأخير لباخرة تجر الصاروخ والرئيس لا يزال فوقه الى شاطيء السلامة ٠


ما سبق يبدو معقّداً على الورق، والفيلم أكثر تعقيداً من الكلمات من ناحية، لكنه متوالي وسريع كما لأنه لم يتوقّف ليطرح اسئلة مثل كيف يتنفّسون وكيف يمشون وما هي الشروط الأخرى التي تجعل القصّة منطقية. المثير هو كيف أن المخرج كان عليه أن يصمّم الديكور والأجهزة التي نراها والمناظر العامّة (داخلية وخارجية) ثم الحركة المتشابكة والسريعة والتي تشغل المشهد . ثم تمثيل الفيلم والقيام بكل ما يتطلّبه العمل من شغل الخدع والمؤثرات. حتى في هذا الزمن المتقدّم لا يمكن الا وإدراك الجهد المبذول في هذه الحقول تأميناً لفيلم هو رؤية خيالية تجعله بالتأكيد أهم فيلم خيال- علمي صامت (بصرف النظر عما إذا كان الأول فعلاً أو لا)٠
بعد ذلك بعامين فقط، عاد ميلييه الى حكاية شبيهة . رحلة أخرى الى ... الشمس هذه المرّة٠
التفاصيل في الحلقة المقبلة٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © 2008


Featured Post

Shadows and Phantoms | A Film E-magazine | Year: 11, Issue: 936

"سبايدر مان وشركاه... خيوط  واهية وأرباح عالية محمد رُضـا قبل زمن غير بعيد، كان في مقدورنا، كمشاهدين، مشاهدة الفيلم الم...

Popular