في أرض الظلال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

The Undying Monster

الوحش الذي لا يموت ★★★★★


إخراج • Director

جون برام John Brahm

أدوار أولى • Principal Cast

جيمس إليسون، هيذر أنجل، جون هوارد، براموَل فلتشر.

James Ellison, Heather Angel, John Howard, Bramwell Fletcher

النوع/ البلد/ التاريخ • Genre/ Country/ Year

Horror | USA| 1942


|*| قامت شركة تونتييث سنتشري فوكس بإنتاج هذا الفيلم قبل وفاة مؤلفة الرواية جسي دوغلاس كرويش بسبعة أعوام. «الوحش الذي لا يموت» من أعمال المؤلفة سنة 1922» التي كتبت عدداً من الأفلام التي تمزج، كما الحال هنا بين الرعب والخيال العلمي والرومانسية يبدأ الفيلم مثيراً للإهتمام بسبب أسلوب متوتر ورصين معاً، ثم- في النصف الثاني- ينقلب إلى حكاية روتينية حول الرجل-الذئب.

Based on Jesse Douglas Kerruish's 1922 novel, John Brahm's film starts Stylish and moody, thrilling and good enough to be considered as a small jewel in its genre. Nevertheless, the second half is routinism job about hunting the monster: a werewolf in love.

م ر

Feb 8, 2008

ISSUE 167 |Feb. 9| Berlin Film Fest. 2 / FILM REVIEWS: "There Will be Blood"

|*| BERLIN FILM FESTIVAL 2 |*|
--------------------------------

بداية تسجيلية- موسيقية لمهرجان برلين السينمائي الدولي


الجمهور الألماني كان يرقص في ليلة الإفتتاح ولم يكن السبب أن الدورة الثامنة والخمسين إلتأمت، او أن الممثلة سكارلت جوهانسُن أعلنت أنها أختارت عريساً ألمانياً، بل لأن فريق الرولينغ ستونز كان يعزف ويغنّي تماماً كما كان يفعل منذ إنطلاقته في منتصف الستّينات. وإذا ما قسنا المسافة الزمنية التي تبعدنا عن ذلك الوقت، أفضل مما كان يفعل في ذلك الحين. إنه الآن لا يقل شهرة وجاذبية عما كان عليه آنذاك. وبل في حين كان المعجبون به في الستّينات والسبعينات شباب تلك الأيام، فإن المعجبين به حالياً هم هؤلاء، وقد كبروا مع أعضاء الفريق، وجمهور غفير من الشبيبة التي تريد أن تعرف من هم ولماذا لا زالوا مرتفعين في سماء الغناء منذ ذلك الوقت ورغم ما عرفته الموسيقى من تحوّلات شأنها في ذلك شأن أمور الحياة الأخرى٠

الأربعة الأصليون
..........................
الفرقة الشهيرة افتتحت الدورة الجديدة من المهرجان العتيد ليس بإقامة حفلة غنائية في الهواء الطلق (والبارد جدّاً) بل من خلال قيام المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي بتصويرها حين غنّت قبل أكثر من عام بقليل في نيويورك لجمهور تألف من 2800 شخص بالإضافة الى هيلاري وبن كلينتون وذلك في فيلمه الجديد
Shine A Light
الفرقة في تلك الحفلة غنّت وعزفت ورقصت ومغنيها الأول ميك جاغر صدح بلا توقّف مردداً أغاني الفترة الشهيرة وبضع أغنيات أخرى لم تحقق آنذاك نجاحاً كبيراً لكنها شكّلت في تلك الحفلة معيناً متناسقاً مع سواها. ميك جاغر وكيث رتشارد، تشارلي ووتس وروني وود هم الأعضاء الأربعة الأصليون الذين تميّزوا عن باقي الفرق الغنائية البريطانية في تلك الفترة وفي مقدّمتها البيتلز. ففي حين أن »البيتلز» الرباعية أيضاً، مثّلت الشباب النظيف الذي يغنّي للحب ويستلهم من حب الحياة كل ما من شأنه الإحتفاء بها، عكس الرولينغ ستونز الشهوة الشبابية والإثارة والخروج عن النظام والتقليد والدعوة الى التمرّد. وكل ذلك يستعاض بفضل هذا الفيلم الذي أخرجه مارتن سكورسيزي الذي سبق له وأخرج عدداً لا بأس به من الأفلام الوثائقية حول الروك والبلوز والذي كشف هنا يوم الجمعة الماضي عن أنه في سبيل إنجاز فيلم موسيقي جديد آخر عن ملك الريغي بوب مارلي٠
جهد سكورسيزي هنا ليس مجرّد تسجيل لحفلة غنائية على شريط سينمائي، بل هو توثيق لفرقة ولحالة فنية ولجمهور يعاود عيش شبابه٠ ستتعلق أنظارك أولاً بالملامح المشبعة جهداً وإدماناً والتقاسيم التي تعكس شباباً ولّى، لكن الطاقة والحرارة والتكوين الفني للموضوع كما للشكل سريعاً ما سيستولي على اهتمامك محوّلاً الملاحظات السابقة الى تفاصيل غير مهمّة٠


سينما الوثيقة وسينما التسجيل
................................................
إختيار فيلم مارتن سكورسيزي الوثائقي هذا لإفتتاح الدورة الثامنة والخمسين إنعكاس على الإهتمام المتصاعد الذي تبديه المهرجانات الدولية الرئيسية بالسينما التسجيلية والوثائقية. الفارق بينهما أن الأولى تسجّل لكي توثّق والثانية تستعين بالوثيقة المصوّرة سابقاً لكي تسجّل. او شيء من هذا القبيل الذي تتيحه فقط نعمة أن اللغة العربية شاسعة بعض الشيء ما يمكّننا من التفرقة بين نوعين متلاصقين٠
خلال السنوات القليلة الماضية، ومنذ اختيار لجنة التحكيم في العام 2004 فيلم مايكل مور »فهرنهايت ١١/٩« ليكون الفائز بالسعفة الذهبية، انطلق المهرجان الفرنسي لتعزيز علاقة المهرجانات بالسينما التسجيلية التي كانت -غالباً- تكتفي بالمهرجانات التسجيلية المتخصصة. في هذا العام عرض مايكل مور فيلمه التسجيلي الجديد «سيكو» في كان ومنه يشترك الآن في مسابقة أوسكار أفضل فيلم تسجيلي. وانتشر هذا الإهتمام سريعاً بين المهرجانات الدولية الأخرى لدرجة أن برلين هذا العام يعرض فيلمين تسجيليين في المسابقة (عدا عشرات خارجها) . فيلم سكورسيزي أوّلها والفيلم الثاني هو عمل مختلف تماماً عنوانه
Standard Operating Procedure٠
او «إجراء عملياتي عادي»، إنه فيلم يأتي في سياق الإهتمام الكبير الذي تبديه السينما الأميركية بالحرب العراقية، ويدور عن فضيحة سجن أبو غريب التي كشفتها مجموعة من الصور التي تم التقاطها حول تعذيب السجناء العراقيين على أيدي جنود أميركيين. ليس أن الفضيحة أنهت الحرب، لكنها، وبكلمات المخرج، تسببت في تحويل الحرب الى مناسبة لمراجعتها و"النظر الى الذات مجدداً" كما يقول المخرج إرول موريس٠
إذا كانت الموسيقى تجمع، كالسينما، بين الشعوب، الا أن السياسة تخترقها طولاً وعرضاً وبقسوة. وشغلة المخرج المداوم إرول موريس هي -بالتحديد- نبش العالم تسجيلياً وطرح الاسئلة التي يصعب الإجابة عليها بسهولة. هذا كان شأنه من العام 1978 حينما أخرج أول أفلامه التسجيلية («بوابات الجنة»- الذي يجب أن لا نخلطه مع فيلم مايكل شيمينو ذو العنوان الشبيه حين ترجمته الى العربية) وهذا لا يزال شأنه في فيلمه الجديد هذا، وهو الذي عرض قبل عامين فيلمه «ضباب الحرب» حول الظروف التي أدّت الى الحرب الڤييتنامية والإنهيار الذي عانته أميركا نتيجة الإنتصار العسكري للقوى المعادية لها في تلك البلاد٠

حياة في خطر
.........................
غالبية الأفلام المتسابقة في هذا المهرجان ( او سواه) ستبقى بالطبع روائية فمعها يحضر النجوم ومع حضورهم ينشط الإعلاميون ومع نشاط هؤلاء تدب الأوصال ويتّسع محيط المناسبة كلها ويتكاثف. وبهذا كلّه يستمد المهرجان جزءاً من مقوّماته كمناسبة دولية جامعة وكواحد من الإحتفالات السينمائية التي عليها في نهاية المطاف أن تصل الى توزيع جوائز تعزز لا من الأفلام الرابحة فقط، بل من مكانة المهرجان أيضاً٠
وفي حين فوجيء مدير المهرجان ديتر كوزليك بانسحاب عضوين من لجنة التحكيم هما الممثلة الفرنسية ساندرين بونير والمخرجة الدنماركية سوزان باير لأسباب اعتبرت شخصية، الا أن هذا لن يعرقل السعي لفحص وإختبار كل الأفلام الست والعشرين المتنافسة على الدبب ذهبية وفضية وبرونزية٠


ومع أنه من المبكر حين كتابة هذه المادّة الحكم على مستوى الأفلام المشتركة الا أن فيلم الإفتتاح الذي بدأ المهرجان بـ "نوتة" عالية كان لابد أن يتيح المجال للأفلام من بعده، فإذا بالفيلم الصيني «بالحب نثق» يعيدنا بقوّة الى الأرض مثل طائرة لم تستطع إنزال عجلاتها قبل الهبوط فنزلت على بطنها منزلقة ٠
إنه فيلم من المخرج الصيني وانغ أكساوشواي وفيه تبحث بطلة الفيلم ( ليو وايي) عن طريقة تبقي فيها إبنتها المريضة باللوكيميا حيّة وبحثها ذاك يقودها الى الطلب من زوجها السابق، ووالد الفتاة، أن يجامعها مرّة أخرى لكي تنجب طفلاً آخر لأن الطبيب قال أن هذه الطريقة قد تنفع!٠
الزوج السابق المتزوّج حالياً يمانع في بداية الأمر لكنه يعرض الأمر على زوجته الحالية التي تطالبه منذ سنتين بأن تنجب منه لكنه يمانع. حال سماعها برغبته في الإستجابة الى طلب زوجته السابقة، تغضب وتثور وتترك البيت مطالبة بالطلاق. لكنها، من طيبة قلبها (والفيلم مليء بالصينيين طيّبي القلوب) تصل الى نتيجة مفادها أنها لا تريد أن تكون مسؤولة عن موت الفتاة الصغيرة٠. أحسب أنها مانعت وماتت الفتاة لأنها لم تجد طفلاً تلاعبه، ماذا سيكون موقفها؟ بالتأكيد لن تسامح نفسها. من هذا المبدأ توافق وهذا كله قبل أن يتلقى زوج بطلة الفيلم، تلك الراغبة في الإنجاب من زوجها السابق، إكتشافه خيانة زوجته بتفهّم بالغ، فهو يعلم إنها تسعى لإنقاذ حياة إبنتها الصغيرة التي حدث أنه هو أيضاً يحبّها كما لو كانت إبنته. وهو يقول لزوجته وهو يغسل الصحون (أحد عملين يكررهما طوال الفيلم. الثاني مغادرة المنزل لشراء علبة دخّان) "أريدك أن تثقي بأنني سأحب الطفل المقبل ولن أفكّر سلباً مطلقاً بالطريقة التي أتبعتها لكي تنجبيه"٠ هكذا يثق الجميع بالحب ويمر الفيلم من دون كثير من الأزمات بين الناس فالأزمة المستعصية الوحيدة هو الموت وهناك طرقاً لمقاومته مثل أن تحقق فيلماً بكائياً ساذجاً ٠
المخرج أكساوشواي من الجيل السادس في السينما الصينية (جيل ترعرع في الثمانينات) وهو بذلك يقف في منتصف المسافة تقريباً بين المخرجين المشتركين هنا بأفلامهم الجديدة٠ هناك شيخ المخرجين حالياً وهو البولندي أندريه ڤايدا الذي يقدّم فيلمه الجديد «كاتين» في المسابقة وعدد من الأسماء الجديدة تماماً مثل دنيس لي الذي يقدّم في «النار في الحديقة» وهو أحدث حلقات سلسلة من المخرجين الصينيين أصلاً والأميركيين مولداً العاملين في السينما اليوم. فيلمه هذا من بطولة جوليا روبرتس ورايان رينولدز وأميلي واتسون مع يعكس مدى الثقة التي منحها هؤلاء النجوم، خصوصاً روبرتس، لمخرج لم يسبق له أن أنجز فيلماً روائياً طويلاً من قبل٠


السينما العربية الغائبة والإسرائيلية الحاضرة
------------------------------
في شهر تمّوز/ يوليو الماضي وصل مدير مهرجان برلين السينمائي الدولي ديتر كوزليك الى القدس بدعوة من مهرجان القدس السينمائي الذي يساعد على إحيائه «سينماتك القدس« و«مركز الفيلم الإسرائيلي«. لجانب أن مدير أحد أكبر ثلاثة مهرجانات دولية في العالم حضر ليشاهد الجديد المعروض، بحث أيضاً عن أفلام جديدة يستقبلها في دورة برلين الحالية. والسينمائيون الإسرائيليون، الذين يبحثون عن كل فرصة ممكنة للإنتشار والترويج، استجابوا. النتيجة حشد من الأفلام الإسرائيلية ثلاثة منها في العروض الرسمية (أحدها وعنوانه «قلق» داخل المسابقة) وإثنان في تظاهرة «فورام» التي تقام على هامش المهرجان (كما «نصف شهر المخرجين» بالنسبة لتظاهرات «كان» الفرنسي)٠
هذا حدث. ما لم يحدث هو أن مدير هذا المهرجان او سواه تلقّوا دعوة من مركز سينمائي عربي او من مهرجان سينمائي عربي حيث استقبل جيّداً وحيث هبّ السينمائيون العرب يعرضون عليه أفلامهم. ليس عجباً إذاً أن الدورة الحالية من المهرجان الألماني الكبير فيه فيلم عربي واحد في العروض الرسمية- آسف: ثلث فيلم عربي واحد في العروض الرسمية على أساس أنه فيلم موّلته شركات فرنسية وصندوق دعم أوروبي، لجانب شركة «مصر العالمية» التي يديرها غبريال خوري- الشركة التي لها باع طويل في الأعمال المشتركة٠


الفيلم هو جديد يسري نصر الله وعنوانه «جنينة الأسماك» وهو رحلة فنية مثيرة للإهتمام في عالم الإنسان المصري اليوم من خلال شخصيات تعايش مواقفها من الحياة بخوف شديد نتيجة الأوضاع والظروف العامّة محلياً ودولياً. او كما يقول واحد من هذه الشخصيات يتّصل هاتفياً بالمذيعة ليلى (هند صبري): "أنا خايف من كل شيء. خايف من الطيور والبشر والحكومة والأميركان واسرائيل"٠ وكل واحد في الفيلم يتدارى بعيداً عن خوفه مرتدياً قناعاً ساتراً بينه وبين الحقيقة. المذيعة خلف المايكروفون، المتصلون بها الذين لا يريدون البوح بأسمائهم، الدكتور (عمرو واكد) الذي يهرب من الناس الى الأسماك ليراقبها والعديد من الشخصيات الأخرى التي ترقب بعضها بعضاً لكنها تنسحب من اللقاء كل داخل حياته التي يعتقد أن الآخرين لا يرونها. إنه فيلم مفكّر وللأسف يطير نصفه من بين يدي المخرج حالما يبدأ بإستعارة شكل تقريري وتسجيلي لقصّته فيعرقل إنسياب الفيلم ويمنع ووحدته. الفيلم هو أكثر من هذا التلخيص وسأعود إليه قريباً بإذن الله٠

لكن الموضوع العربي موجود أيضاً في فيلم إيران ركليس المخرج الذي سبق له وقدّم «عروس سورية» قي العام 2004. فيلمه الجديد هو «شجرة الليمون» الذي يتحدّث عن إمرأة فلسطينية (هيام عبّاس) تواجه قرار الحكومة بقطع أشجار الليمون في حديقتها لأنها "تشكل خطراً أمنياَ"٠ من ناحية يعرض الفيلم قرار إمرأة عربية جريئة، لكنه من ناحية أخرى يعكس أيضاً العدالة والديمقراطية الإسرائيلية إذ أن المحكمة الإسرائيلية في النهاية هي التي تنتصر لها٠


|*| BERLIN FILM REVIEWS |*|
--------------------------------

THERE WILL BE BLOOD ****
............................................


زواج الرأسمالية والتطرّف الديني في «سيكون هناك دم»٠

وسترن غريب للمخرج المقل بول توماس أندرسون ينصرف فيه الى الإقتباس لأول مرّة. والرواية التي يقتبسها لفيلمه هذا نُشرت في مطلع الثلاثينات بقلم الكاتب (اليساري) أبتون سنكلير وتتناول نشأة وصعود رجل اكتشف حقل نفط ثم انطلق منه لبناء مملكته الصغيرة التي ليس فيها حاشية بل خدم فقط. بطل الفيلم، كما يؤديه دانيال داي-لويس، كان يبحث عن الفضّة فاكتشف الذهب الأسود ومع أول خطوة لاستغلال هذا الإكتشاف سقط أحد معارفه قتيلاً حين وقع في البئر. دانيال (أسمه في الفيلم) رعى طفل الراحل ولاحقاً ما يبدأ بالتعريف عن الولد كإبن له من أم ماتت في ظروف لا يود الحديث عنها. لكن الحقيقة أنه لم يتزوّج ولم يأبه لا للنساء ولا للرجال ولا لأي شيء آخر. في الفيلم يكرر أنه يكره الناس ويتحدّث عن أنه لا يطيق المنافسين بل يعمد الى الإطاحة بهم٠
في عداد ما أطاح بهم ليس فقط منافسين بل رجال عملوا معه حوّلهم الى هياكل آدمية منزوعة المشيئة والطموحات وآخرين سعوا الى العمل عنده فتخلّص منهم لأنه لا يثق بهم. أحد هؤلاء كان أدّعى بأنه نصف شقيقه الذي لم يره، وهو أكّد هويّته بمجموعة من الوثائق، لكنه لاحقاً ما اعترف بأنه التقي بنصف شقيقه الحقيقي وكانا صديقين الى أن مات ذاك فأخذ منه أوراقه بعدما سمع أن دانيال أصبح ثرياً . حين يرفع دانيال المسدس في وجه الرجل يقول له ذاك صادقاً: "كل ما أريده هو عمل ومأوى". لكن دانيال لن يثق به٠
ما يجعل الفيلم سينما خالصة ليس الحكاية فقط، بل الصياغة الفنيّة أيضاً. أوّلاً هناك التصوير الذي يقوم به روبرت إلسويت جامعاً بين دكانة النفس والبيئة والمكان والواقع والرسالة السياسية في الفيلم، وبين مواقع التصوير الريفية٠ إذ يحصد المخرج من مدير تصويره هذه الميزة المهمّة، فإنه ينطلق أيضاً في أسلوب عمل لا يعرف الكثير من التقطيع٠ العادة سرت حين يتم تقديم شخصية جديدة أن تسارع الكاميرا للتعريف بها عن طريق لقطة قريبة او متوسّطة. لكن بول توماس أندرسون يريد أن يؤخر هذا التعريف الصوري او لا يقوم به على الإطلاق مفضّلاً (وعن حق بالنسبة لأسلوب العمل بكامله) عدم قطع اللقطة الى لقطات صغيرة او متنوّعة. مثل هذا المشهد الذي يتم فيه اللقاء الأول بين دانيال والمدّعي قرابته حيث يتأخر تقديم الشخصية الأخرى الى ثوانٍ قبل نهاية المشهد ٠
هذه الصياغة تمنحنا فيلماً منسوجاً بعناية وينتقل بين الأزمنة التي تتشكّل منها القصّة. الإنطلاقة تبدأ في سنة ١٨٩٨ والأحداث تستمر حتى العام 1927 مع مشهد نهائي للرجل الذي عاش وحيداً وهو الآن قد أصبح غارقاً في الثراء لكنه لا يزال وحيداً حتى الموت٠
ربع الساعة الأولى صامتة وهي أهم مشاهد تأسيس لفيلم حديث إذ أن العام ذاته هو العام الذي كانت فيه السينما الصامتة بدأت تصبح واقعاً جديداً على الحياة الإجتماعية والثقافية في كل مكان. لا تستطيع أن تتمالك نفسك من الإدراك بأن المزاوجة مقصودة هنا عن طريق هذا التمهيد الصامت، ولا من الإدراك بأن الفيلم إذ يتوقّف عند العام 1927 فإنه يختار بذلك العام الذي فقدت فيه السينما صمتها وأخذت تطرق باب النطق لأوّل مرّة٠
في الجوهر، هذا فيلم عن الطمع والجشع والرأسمالية التي تكره الدين لكنها مستعدة لأن تتبنّاه حين يصبح ضرورة للمزيد من التوسع والربح. دانيال لم يعبأ بالكنيسة التي يديرها شاب إنجليكي متطرّف، لكن حين رأي أن الطريقة الوحيدة للحفاظ على وجوده والوسيلة الأفضل لربح عاطفة أبناء المنطقة هي بقبول تغسيله لطرد الشيطان منه، يتقدّم بكل ما لديه من قدرة على تمثيل إقتناع وإندفاع وإيمان مزيّف٠ الفيلم إذ يُكنى بمخرجه الذي صنع تجسيداً فنيّاً لكل ذلك، يكنى هنا للممثل دانيال داي- لويس الذي عرف كيف يمنح هذه الشخصية بعدها ويكوّنها لاعباً دور رجل هو مثل الذئب في العاصفة. بعضه يريد التواري والوحدة وبعضه الآخر يريد الهجوم على الماشية وسلبها. أحد ضحاياه في مرحلة لاحقة سيكون الولد الذي تبنّاه إذ سيرسله بعيداً قبل أن يعاود إستقباله بعد سنوات وقد كبر وأصبح أكثر خطراً عليه مما كان في السابق٠
داي- لويس يمثّل جيّداً إنما بإداء صوتي ما أن سمعته حتى راح كومبيوتر العقل يبحث عن مصدره ووجده: صوت المخرج جون هيوستون حين ظهر ممثلاً في بضعة أفلام (أشهرها «تشايناتاون»)٠ لكن لا تدع هذه الحقيقة تخفي الإجادة الكبرى التي أنجزها الممثل والأكبر التي أنجزها المخرج أندرسون٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © 2008

Featured Post

Shadows and Phantoms | A Film E-magazine | Year: 11, Issue: 936

"سبايدر مان وشركاه... خيوط  واهية وأرباح عالية محمد رُضـا قبل زمن غير بعيد، كان في مقدورنا، كمشاهدين، مشاهدة الفيلم الم...

Popular