أوراق ناقد

وصلتني رسالة شكر من الممثل البريطاني الشاب جيمس كوردون يقول فيها: "قد تكون المرّة الوحيدة التي سأكتب بها حول هذا الموضوع". والموضوع هو دوره في فيلم Into the Woods لجانب ميريل ستريب وكريستين بارانسكي وإميلي بلنت وآنا كندريك. الشكر لكون "جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب" وضعته على قمّـة ترشيحاتها لنيل الغولدن غلوبز المقبل: "شاهدت حفلات الغولدن غلوبز من لندن حيث عشت واستمتعت بالمشاهدة وتمنيّـت يوماً أن أقف على المنصّـة لاستلم هذه الجائزة".


Dec 20, 2014

المكان في أفلام سجيلية حديثة | وجهان للسينما الرقمية | مهرجان دبي: النهايات | جان رنوار في هوليوود 2 | برتولت بريشت والسينما 2 | هل سرق «ألعاب الجوع» فكرته من فيلم ياباني؟



المكان في سينما اليوم هو كل شيء
حياة المدن تلوّن السينما التسجيلية بأطيافها 
 محمد رُضـا 

"ما عطيتن صوتك، ما تعطيُـن أرضك"، يقول ذلك الشعار المكتوب على اليافطة الذي يطالع المخرجة اللبنانية رين متري كلما خرجت من بيتها في فرن الشبّـاك، كما تذكر في فيلمها التسجيلي الجديد «لي قبور في هذه الأرض».
النصيحة التي يعبّـر عنها هذا الشعار تبدو صائبة، لكن صوابها هو أمر ثانوي بالنسبة إليها. تجد العبارة معادية وصادمة إذ تسعى لتأصيل الخوف عند الفئة التي تتوجه العبارة لها وهو، كما تذكر أيضاً، ما وجدت أن فرقاء النزاع في لبنان عمدوا عليه حيناً بعد حين لأجل إثارة النعرات أو الدعوة لمعاداة الغير عوض التعرّف على الآخر والتواصل معه.
لكن لجانب هذه الملاحظة السياسية التي تكمن في الشعار وتعريف المخرجة متري بها ووجهة نظرها حولها، وهي من بين ملاحظات كثيرة أخرى، فإن الفيلم يبحث في المكان. واحد من عدّة أفلام تسجيلية عربية في السنوات القريبة تركّـز على المكان كمحور لما تتعاطى معه من قضايا. 

هنا بيروت. هناك القاهرة. هذه دمشق أو بغداد. أو قد يكون المكان مدينة أصغر أو حتى قرية أو ربما بيت واحد كما في فيلم «روشميا» لسليم أبو جبل أو مدرسة كما في فيلم يحيى العبدالله «المجلس».
في «لي قبور في هذه الأرض» تقص المخرجة حكايتها مع المكان ومن خلاله الكثير من الأزمنة. هي جاءت من بلدة جنوبية مسيحية صغيرة أسمها عير المير تقع شرقي صيدا. حين كانت لا تزال صغيرة والحرب الأهلية بدأت، أضطرت عائلتها للهجرة والنزوح. إختارت جونية، لكن الجيران والكثير من أبناء البلدة الجميلة والوديعة إختاروا بلدة جزين ومنطقتها. لاحقاً ما اضطرت الأم لبيع الأرض، والآن تنوي العائلة بيع البيت. لكن، وكما يقول الفيلم، بيع الأرض أقل إيلاماً من بيع البيت.  البيت هو المحيط من الداخل. المكان الذي تأوي إليه الحقول والجبال والأشجار. الغرف التي يكبر فيها البشر وتعيش بين جدرانها الذكريات.
«لي قبور  في هذه الأرض» ليس فيلم ذكريات عاطفية عن الأمس، بل فيلم أسئلة تطرحها المخرجة حول مصير العلاقات الإنسانية بين الفئات المختلفة. بين مواطنين مشتركين في الحياة في بلد واحد، إلى مواطنين منتمين إلى طوائف غير متشاركة. عن التغيير الديموغرافي للحياة وانكماش هذه الطائفة أو تلك الفئة في مقابل توسع الطائفة أو تلك الفئة. عن مئات السنين من التعايش المهدور في بضعة عقود.

بين المدينة والقرية
«المجلس» له علاقة مختلفة مع المكان. المكان هو مدرسة تقع في المدينة. المدرسة تجمع، في هذا الفيلم الأردني للمخرج عبدالله، صاحب الفيلم الناجح «الجمعة الأخيرة» قبل سنوات ليست بالبعيدة، طلاب على اهتمامات وشؤون ومشارب مختلفة. هي بدورها لا تؤدي إلى لم الشمل والتعارف. المدرسة التي يسجل المخرج حياتها في فصل دراسي واحد، تشهد منازعات وخلافات بين الطلاب تبدو في الظاهر صبيانية، لكنها في عمقها إنعكاس لعقليات مختلفة تتحارب. اتجاهات صغيرة قد تطفو مستقبلاً أو قد تكون نتيجة إتجاهات أكبر ورثها الطلاب من البيت والشارع. ما يهم المخرج هو البرهنة على أن الحياة الطالبية هي جزء من الحياة الإجتماعية وأن الإخلاص للعمل الذي يتحلّـى به بعض المسؤولين في تلك المدرسة المختلطة لا يكفي لإنجاح المهام في تفريخ شبّـان قادرين على الخروج من الدراسة إلى فعل البناء على نحو إيجابي.
هناك شؤون أخرى. مزبلة قريبة من المدرسة تخفق الإدارة في إتخاذ الموقف حيالها، وحين تفعل لا يتغير شيء يذكر. في الواقع نهاية الفيلم تجسّـد أن الوضع باق كما هو عليه. ها هي المزبلة قائمة رغم القرارات التي لم تنفّـذ وربما لن تنفّـذ.
من المدينة والبلدة إلى المدرسة ثم إلى البيت.
في فيلم «روشميا» الفلسطيني من إخراج سليم أبو الجبل حالة خاصّـة.
هناك زوجان عجوزان يعيشان في كوخ صغير يقع في وادي روشميا بالقرب من حيفا. كلاهما هاجر من موقع سابق لينتهيا في هذا الكوخ الذي يقع تحت جدار جبلي شاهق وتحت كتف طريق تربط حيفا بسواها. هناك تحاول البلدية الإسرائيلية شق وبناء نفق يسهّـل حركة السير. لكن هذا البناء سوف لن يتم إلا بهدم ذلك الكوخ. هذا أمر قضائي لا مرد عنه. لا يهم ما يتفوّه به الزوج وزوجته من مبررات ولا كل ذلك القدر من التمسّـك بالحق المهدور. الطريق سيفتح. النفق سيمر. الهدم في المحيط قائم وفي نهاية الفيلم سيصل إلى الكوخ ليجد الزوجين نفسيهما على قارعة الطريق مع ما استطاعا حمله من حقائب. الزوج لا يزال يهدد ويتوعد. حالة منتشرة بين الجميع هذه الأيام يلخّـصها الفيلم في ساعة وعشر دقائق معظمها تكرار لما سبق لكنها في النهاية مثيرة للحزن.

العراق والعالم
الفيلم التسجيلي الذي نجح في الخروج من المكان الواحد ليبحث عن ذات مخرجه في أماكن عدّة وبنجاح هو الفيلم العراقي- السويسري- الألماني- الإماراتي «أوديسا عراقية». فيلم تسجيلي من النوع الوثائقي الذي يتعاطى التاريخ والتاريخ الشخصي لبطله. مثل «لي قبور في هذه الأرض» يتحدّث عن تجربة مخرجه في القضايا المطروحة والمثارة.
يعجبك في هذا الفيلم ذلك البذل الكبير والدقيق الذي صرفه المخرج لتحقيق هذا العمل، تأليفاً وتشكيلاً وكجمع للمعلومات ثم لتنفيذ هذا الكم الكبير من الساعات المصوّرة سواء أكانت مقابلات أو لقطات إضافية خاصّـة بالفيلم ثم مزجها (بتوليف جيّـد أشرفت عليه صوفي برونر) بالمواد الوثائقية المستخدمة بدقة لا يعيبها سوى عدم قدرته على التخلّـص من نصف ساعة أو نحوها رغم أنه الإمكانية متوفرة.
ينطلق سمير (أسمه الكامل سمير جمال الدين) من التعريف بأقاربه المنتشرين حول العالم: ستة أعمام، عشرون أولاد عم وخمسة أشقاء وهو يختص بمتابعة ما حدث لخمسة من أقاربه الذين تركوا العراق على مراحل وكل إلى بلاد مختلفة حول العالم. في كشفه لما حدث لأفراد العائلة وأقاربها يتابع المخرج بمقابلاته كل ما يجسد الحرمان والتشتت والإحباط الذي أصابه ومن يستطلعهم ويقابلهم أمام الكاميرا. وهو إذ يفعل ذلك يفتح دفاتر الجميع وتواريخهم الخاصّـة فإذا بالمشاهد أمام حشد من الشخصيات التي تعاطت والسياسة على نحو حثيث ما عرّضهم لنقمة المسؤولين في العراق و-أحياناً- خارجه. في غمار ذلك يكشف عن تجارب إنسانية متواصلة مؤلمة ولو أن المخرج لا يسعى، تحديداً، لمعالجة عاطفية.  يسبر المخرج غور التاريخ العراقي الحديث من أيام الإحتلال البريطاني إلى نهاية النظام البعثي. وفي حين أنه ينتقد غياب الحريّـة والنزعة للسُـلطة وغياب الديمقراطية في كل العهود إلا أنه يسدد لنظام صدّام حسين أكثر نقده وما يعرضه من أسباب (وصور) تستدعي الموافقة على ذلك النقد. تعليق المخرج واف وهاديء، لكن تلك الكلمات المكتوبة عربياً وإنكليزياً على الشاشة تتكرر وتظهر على نحو شبه متواصل فاقدة القيمة خلال دقائق محدودة. 



[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

Dec 7, 2014

مهرجان صندانس جديده أوجاع العصر وكوميدياته السوداء | يوميات مهرجان دبي السينمائي الدولي


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ`````````````````````````````````ـــــــــــــــــــــــ
* مهرجان صندانس | محمد رُضا
 يجمع ما بين الروائي والتسجيلي في أربع مسابقات  
        الكوميديا والأوجاع الإجتماعية  يغلبان على إختيارات 
The Bronze

في مؤتمره الصحافي الذي أقامه قبل أيام،  أشار المدير العام لمهرجان صندانس، جون كوبر، إلى وجود "موجة كبيرة من الأفلام المتطرّفة عالمياً". فالمهرجان الذي سينطلق في الثاني والعشرين من الشهر المقبل ويستمر حتى الأول من فبراير (شباط) يحتوي على 118 فيلم طويل في مجمل أقسامه الطموحة من بينها 32 فيلماً أميركياً لم يسبق أن عُـرضت في أي مناسبة أخرى حول العالم.
جون كوبر يستطيع أن يقول ما يريد من باب الجذب لمهرجان مستمر بتألّـق مشهود منذ 31 سنة. لكن الحقيقة هي أن صندانس هو بالفعل مهرجان جاذب وأساسي بين مهرجانات العالم. وفي حين أننا نستطيع أن نضع المهرجانات الأولى الثلاث (برلين وكان وفينيسيا) في سلّـة واحدة كونها متشابهة الكيانات والأهداف، ونستطيع أن نعتبر أن تورنتو ولندن وروتردام على قدر من المحاكاة كونها تقف في الصف الثاني وتوفر، لجانب ما يتيسر لها من أفلام  "وورلد برميير"، عدداً كبيراً من الأفلام التي سبق عرضها، إلا أن صندانس يقف وحيداً في نوعيّـته لا يقترب منه عالمياً إلا مهرجان لوكارنو السويسري وفي بعض الجوانب وليس فيها جميعاً.
صندانس يطرح نفسه كقاعدة عريضة للأفلام المستقلة، إنتاجياً، عن هوليوود أو عن أي مؤسسة سينمائية كبيرة، وهو إذ يفعل، يعرض عدداً كبيراً من الأفلام الأولى لمخرجيها وهذا ما يقوم لوكارنو عليه إذ ينبري لاستقبال الأفلام الأولى والثانية لمخرجيها ولو أن هذا ليس كل ما يعرضه إذ تتيح تظاهراته الجانبية عرض أعمال مختلفة أخرى.

تأثير مفجع
شيء آخر عادة ما يميّـز دورات صندانس المقام في مدينة بارك سيتي في ولاية يوتاه (منتجع جميل بحد ذاته خصوصاً إذا ما كان الثلج وفيراً، الأمر الذي يدفع رهطاً من السينمائيين ترك الأفلام والإنطلاق إلى أعالي الجبال المحيطة للتزلّـج) هو أن العديد من الأفلام المشتركة ذات طابع سياسي وإجتماعي مستلهم مما يدور في الولايات المتحدة وحول العالم من أحداث.
هذا العام، ومن بين أفلام أخرى تطرح الحاصل، نجد فيلمين تسجيليين يبحثان في الحادث العنصري الذي وقع في مدينة فرغوسن عندما أطلق رجل بوليس أبيض النار على شاب أسود أعزل من السلاح. الفيلم الأول هو «3 دقائق ونصف» لمارك سيلفر والثاني (الذي يتعاطى وسياسة مناوئة الإرهاب في الوقت ذاته) هو «خوف» أو (T)error كما يرد في العنوان تماماً وهو من إخراج ديفيد فيليكس سوتكليف وليريك كابرال.
وحال الأفلام الروائية هو ذاته من حيث سعيها الدؤوب لتقديم المشاكل الإجتماعية العميقة بالروي والدراما وعلى نحو يستشف منه المشاهد محاكات كثيرة مع الواقع ذاته. في أكثر من فيلم سنلاحظ تداول مشاكل الإدمان على المخدّرات، حتى ولو كان بعض هذه الأفلام، مثل «مفكرة مراهقة» لمارييل هَـلر (مع بل باولي وألكسندر سكارسغارد في البطولة)، يتناول بداية الموجة العامّـة لاستهلاك الممنوعات في أواخر الستينات والسبعينات. في «أنا أرد مبتسمة» I Smile Back لأدام سالكي ننتقل إلى الحاضر حيث يروي الفيلم حكاية أم (تؤديها سارا سيلفرمان) تدمن المخدرات وتهوى في حضيض يترك تأثيره المفجع على باقي أفراد العائلة. 
ومشكلة المخدّرات ذاتها يتطرّق إليها الفيلم التسجيلي «كارتل لاند» لماثيو هاينمان حول حرب العصابات المكسيكية للسيطرة على منافذ التهريب الحدودية مع الولايات المتحدة.
لكن هناك دراما عائلية أخرى، وإن تخلو من حكايات الإدمان، نجدها في «ستوكهولم، بنسلفانيا» للمخرجة نيكول بكويذ مفادها إمرأة شابّـة (سوايرز رونان) تعود إلى بيت والديها بعد 17 سنة من الغياب إذ كانت قد خطـفت وهي طفلة إلى أن تم الإفراج عنها.

سوء تواصل أو إختيار
لكن هذه الأوجاع، وهناك سواها، لا تنفرد تماماً بحصيلة الأفلام المعروضة في برامج المهرجان ومسابقاته. سنجد- على سبيل المثال- سبعة أفلام كوميدية في مسابقة الفيلم الروائي الأميركي بزيادة ثلاثة أفلام عن عدد الكوميديات الروائية التي عُـرضت في الدورة الماضية. بل أن المهرجان إختار أحد  هذه الأفلام لافتتاح مسابقة الفيلم الروائي الأميركي. إنه «برونز» لبرايان باكلي الذي لم يسبق له أن حقق فيلماً طويلاً من قبل، ولو أنه اشتغل على الأفلام الإعلانية لسنوات. القصّـة التي يرويها تتحدّث عن إمرأة (ميليسا راوتش) يتقدّم بها العمر سريعاً لكنها لا تزال تحتفظ بهيبتها كونها من النساء الماهرات في الرياضات البدنية وهي تود أن تتذكرها بلدتها الصغيرة على هذا النحو إلى أن تموت. فجأة تكتشف وجود منافسة لها أجمل وأكثر شباباً. 
في «طوال الليل» Overnight لباتريك برايس تتعرّف عائلة من ثلاثة أفراد حلت حديثاً على مدينة لوس أنجيليس لكي تعيش فيها، على عائلة أخرى من ثلاثة أفراد تتميّـز بالغرابة. الفيلم من بطولة أدام سكوت وجاسون شوارتزمان.
ويقدّم الكوميدي جاك بلاك فيلماً من بطولته وإنتاجه بعنوان D Train يدور في إطار دعوة للقاء متجدد لخريجي إحدى الكليات وما ينتج عن ذلك من مفارقات. ويعد «نتائج» لأندرو بوجالسكي أن يكون فيلماً كوميدياً بمعالجة درامية خفيفة لمسألة مدرّبين رياضيين يتمتعان بثراء مدير عمليهما ولو أنهما يتنافسان كذلك على التقرّب إليه. الفيلم يجمع عدداً من الأسماء المعروفة في مقدّمها غاي بيرس وجيوفاني ريبيسي.
وهناك موضوع جاد محاط بمعالجة توظّـف غرابة الموضوع للتنفيث كوميدياً. الفيلم هو Z for Zachariah لمخرج جديد أيضاً هو كريغ زوبل. الحكاية هنا تدور حول إمرأة (مارغوت روبي) تعتقد أنها آخر إمرأة على وجه الأرض وهي تبحث، في عالم مستقبلي، عن من قد يكون بقي حيّـاً وسرعان ما تجده في شخص رجل أسود (شيوتل إيجيفور) لكن فجأة يلتقيان برجل ثان (أبيض يقوم به كريس باين) ما يجعل المرأة ساحة صراع بين الرجلين كل يحاول استمالتها لناحيته.
عالمياً، هناك 12 فيلم في مسابقة الروائي الدولي آتية من البرازيل وكندا وبريطانيا ونيوزيلاندا وليتوانيا واستراليا وسواها، ولا شيء من العالم العربي. وثلاثة عشر فيلماً آخر تدخل مسابقة الفيلم التسجيلي العالمي مع تسجيل آخر لغياب أي فيلم عربي الإنتاج. 
هذا قد يكون مردّه سوء تواصل أو سوء إختيار… أو سوء إهتمام عربي بالوصول إلى المهرجان الأميركي الذي يعتبره البعض أفضل مهرجانات أميركا الشمالية.



Dec 1, 2014

هذا العدد: مهرجان قرطاج 2014 | قيس الزبيدي عن بريشت | جان رنوار | DVD لمهند النابلسي | ثلاثة كلاسيكيكيات خيال علمية| محمد رُضـا عن الكاتبة ب. د. جيمس


* السينما اليوم 

 الفضاء الشاسع مغلق ولا هروب…   محمد رُضــا  

ثلاثة أفلام عبر تاريخ السينما الطويل تعاملت مع
الفضاء كسجن كبير يحيط بنا. على سعته شكّل
خطراً على الإنسان وتنبّـأ بفشل التكنولوجيا على
المدى البعيد.

ما زال فيلم روبرت وايز «اليوم الذي  توقفت فيه الأرض» When Earth Stood Still المنتج سنة 1951 أول محاولة جديرة للحديث عن مخلوقات فضائية مسالمة تحط على الأرض. 
على عكس عشرات الأفلام قبل ذلك التاريخ وبعده، لم يكن فيلم وايز، المأخوذ عن صرخة في كتاب لهاري بايتس تدعو إلى نبذ الخلافات على الأرض، حول وحوش ومخلوقات فضائية تهاجم كوكبنا لتقويضه أو سرقته. كذلك لم يكن من بين تلك التي تصوّر رحلات فضائية لكواكب بعيدة لأهداف علمية تنقلب نتائجها وبالاً عندما تكتشف أن للكواكب الأخرى بيئتها الخاصّـة التي لا قدرة للإنسان أن يعيش فوقها.
The Day The Earth Stood Still

«اليوم الذي توقّـفت فيه الأرض» تحدّث عن مركبة فضائية تحط وخروج مخلوق (على هيئة إنسان) من المركبة (الممثل مايكل ريني) لينصح أهل الأرض بإيقاف التجاذب والتهديد بالسلاح النووي مردداً في مشهدين أن أهل الكواكب الأخرى قلقون حيال ما يحدث فوق هذا الكوكب الذي فشل أهله العيش فوقه بسلام.
رسالة جميلة بلا ريب، لكنها مسالمة. ليس أن الفيلم لم يلق أي رواج، لكنه كان رواجاً محدوداً. تقدير كبير من المثقفين والنقاد وقبول عادي من الجمهور. في العام ذاته قام هوارد هوكس وكرستيان نيبي بتحقيق «الشيء من العالم الآخر» الذي صوّر وحشاً فضائياً يحاول النيل من بعثة علمية في القطب الشمالي. أكثر منه عداوة لمخلوقات الفضاء «غزاة من المريخ» لويليام منزيز كاميرون و«حرب العوالم» لبرايان هسكين و«جاء من العالم الآخر» لجاك أرنولد، وكلها عرضت بعد عامين على «اليوم الذي توقّـفت فيه الأرض».

فضاء مجهول ومكلف
مرّت 31 سنة على تلك الدعوة للسلام قبل أن ينجز ستيفن سبيلبرغ فيلمه «إي. تي: الخارج عن الأرض» (1982) وهو قدّم، بدوره، صورة "لطيفة" عن ذلك المخلوق الخاص والبريء القادم، خطأ، من العالم الآخر. قبله ببضع سنين قدّم «لقاءات قريبة من النوع الآخر» (1977) حيث لا خوف من الفضاء وأهله. كلاهما فاز بمختلف النجاحات الممكنة لفيلم فهذا ستيفن سبيلبرغ الذي يستطيع دمج الرسالة بالترفيه والتجاذب العاطفي وصولاً إلى كل فئات المشاهدين.

لكن إذ تنقسم هذه الأفلام- أيضاً- إلى أعمال تدور على الأرض وأخرى تقع خارج الأرض، فإن النجاح المبهر الذي ينجزه حالياً «بين النجوم» (Interstellar) أكبر من أن يمر عليه المرء مروراً عابراً. ليس أنه أنجز حتى الآن 500 مليون دولار حول الأرض فقط، بل لأنه، وكما ذكرت في مقال سابق عنه، إنجاز على المستويين الفني والتقني قل نظيره.
هو من تلك التي تسافر إلى الفضاء لبحثه وتقصيه. المغامرة بالتالي تترك الأرض وما عليها من مشاكل حاملة على جناحيها حلم الإنسان بحياة أفضل بعيداً عما يقع لعالمه الذي وُلد فوقه. تسبر غور فضاء مجهول أو، بالأحرى، ما زال مجهولاً على الرغم من ترليون من الدولارات التي صرفت على محاولة إكتشافه. 
هناك شجاعة كبيرة محسوبة لكل من قام بهذه الرحلة المختلفة من قبل. تلك الأفلام التي كان طموحها الإصطدام بـ "حضارة" مختلفة ومعادية للإنسان الوجهة المريخ»، 2004 أو «دارك ستار»، 1974 مثلاً) لاستثمارها لدى جمهور متعطش لفحوى المغامرة من تشويق ومطاردات وسلاح ليزر، ليست موضع نظر هنا لأن الأفلام المغايرة التي قدّمت معالجة عميقة حول الوجود الإنساني وتأملات فلسفية في حاضره ومستقبله لا تزيد عن بضعة أعمال يتقدّمها «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك (1968) وتشمل «سولاريس» لأندريه تاركوفسكي و«بين النجوم» لكريستوفر نولان. هناك أخرى منجزة بإتقان مثل «أفاتار» لجيمس كاميرون (2009) و«جاذبية» لألفونسو كوارون (2013)، لكن الثلاثة المذكورة هي أهم أعمال سينمائية (أميركيان وروسي) حول العالم الخارجي من زاوية وجودية.
2001: A Space Odyssey

تأملات وجودية 
«2001: أوديسا الفضاء» كان، تحديداً، حول ذكاء الإنسان في بلوغ المستقبل وكل تحدياته واستنباط عقل إفتراضي يسيطر عليه (قبل أن يسيطر ذاك على عقل الإنسان) في مقابل انهيار أخلاقياته الإجتماعية. نجاح وفشل متلازمين. صعود وهبوط متوازيين. عقل الإنسان ولّـد الوحش الذي سيحاول إخضاعه. وفي الفيلم ثورتان: الأولى للقردة التي إكتشفت معنى «السلاح» والكومبيوتر (هال) الذي وجد أنه يستطيع، وقد تجاوز الذكاء الإنساني، الإستقلال عنه. كل ذلك، وسواه، من الرسالات والتفاصيل التي تحويها، تم تدجينه في عمل ممهور بإبداع تكنولوجي مبهر. الذكاء الذي يمارسه الإنسان في الفيلم متعاوناً، في مطلع الأمر، مع التكنولوجيا هو ذاته الذي مارسه المخرج متعاوناً مع أفضل ما استطاعت التكنولوجيا توفيره في مجال المؤثرات البصرية.
Solaris

«سولاريس» يختلف. لديه بعض التكنولوجيا، لكن المخرج لا يريدها للإبهار. هو نأى بنفسه عن المجاراة، ولو أن الروس حينها رددوا أن «سولاريس» هو رد على فيلم كوبريك المذكور). الهم في «سولاريس» هو هم وجداني بالكامل. هم يلتقي وذاك الذي في «2001: أوديسا الفضاء» من حيث أنه يتعامل مع التقدّم في الفضاء على حساب مشاعر الإنسان وحاجته للجذور. نصف الساعة الأولى هي أرضية: العالم الذي سيطلب منه الصعود إلى الفضاء الخارجي لمعرفة أسباب إنتحار علماء موجودون في مركبة تطفو، يتأمل الأرض كتأمل الفيلم لها: النباتات القصيرة والأشجار الطويلة. النهر. المطر. الحياة التي يبدو حزينا لتوديعها. كذلك العائلة وطينة العلاقات الخاصّـة. في الفضاء لا وجود لأي شيء من هذا القبيل، بل إكتشاف لوضع يزور فيه الماضي المضمحل في غياهب البال والضمير الإنسان من جديد ليسأله عن أفعاله.
«بين النجوم» يبتعد، كحكاية عن هذين الوضعين وإن يقترب من الفيلمين المذكورين من حيث بحثه المرهف عن الحقيقة في الفضاء الشاسع. الأرض، هنا، لم تعد صالحة للحياة. الإنسان مطالب لأن يغادرها. الرحلة هي رحلة بحث عن مكان بديل لكن هناك من خطط لها وهو مدرك تماماً أنه ليس هناك أي كوكب بديل. الموت المطبق يكمن على الأرض وعلى إرتفاع ألوف السنوات الضوئية فوقها.
Interstellar

أي مشهد من أي فيلم يكتفي بتصوير مركبة تجوب ظلام الفضاء بصمت، يتعامل مباشرة والذهن البشري في الصالة. أنت لا تستطيع تحمّـل مصعد يتوقف بك بين الطوابق لدقيقه. ماذا تفعل لو كنت بين الكواكب لدهر؟ الفارق أن ذلك الظلام الفضائي يدفعك للتأمل. هذا من قبل أن يتحوّل هذا التأمل إلى رعب.
يكفي ذلك المجهول الذي يصوّره «بين النجوم» بجدارة. في الفضاء، لا تعلم ما الذي يمكن أن يحدث. لكن حتى ولو لم يقع أي حدث، فإن السكون ذاته هو خطر ماحق لا هروب منه.


[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014