Apr 19, 2014

مهرجانات: "كان" و"ترايبكا" | ملف تاركوڤسكي 2: "طفولة إيڤان" | عن الرقابة والسينما | تاريخ: حروب المكارثية


Year 8 | Issue: 850

كلّ شيء عن مهرجان كانّ الـ67
  هوفيك حبشيان  

بعد يومين على كشف ملصق الدورة 67 المؤلف من صورة للممثل الايطالي مارتشيللو ماستروياني، أعلنت ادارة مهرجان كانّ اليوم في باريس برنامج التظاهرة السينمائية الأشهر في العالم، التي ستجري من 14 الى 25 أيار المقبل في المدينة الساحلية الفرنسية، وهي آخر طبعة يترأسها جيل جاكوب قبل أن يسلم الدفة الى بيار ليسكور.

كلّ الأنظار اتجهت الى التشكيلة الرسمية التي تتضمن 49 فيلماً طويلاً من 26 بلداً. 49 عنواناً تعبّر عن الاتجاهات الحديثة في عالم السينماتوغراف، من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب. 49 سينمائياً من بينهم 15 مخرجة، لعل المشاركة النسائية القوية تقطع الطريق أمام الانتقادات التي طالت المهرجان العام الماضي حول غياب العنصر النسائي. هذه السنة، ليس للمخرجات مكان خاص في متن المهرجان فحسب، بل ان المخرجة النيو زيلاندية جاين كامبيون (رئيسة لجنة التحكيم) هي التي ستسلم جائزة "السعفة الذهب" في الرابع والعشرين من أيار، وكان سبق لها أن فازت بها عام 1993 يوم قدمت فيلمها "البيانو".
هذه التشكيلة التي تسرب منها بعض الأسماء في الأيام التي سبقت المؤتمر، قال عنها المدير التنفيذي للمهرجان تييري فريمو انها "مشوقة للنقاد، مقلقة للسينمائيين وخطرة للمبرمجين". فريمو كشف أيضاً انه أرسل 1800 فيلم الى المهرجان، لم يقع خيار اللجنة المنسقة الا على نحو 3 في المئة منها، وهذا لا يعني ان البقية أفلام سيئة، بل لا تتماشى مع السياسة العامة للمهرجان. هناك ايضاً افلام لم تستطع أن تشق طريقها الى كانّ لأنها لم تنته في الفترة المطلوبة، وهذه معضلة يواجهها المهرجان منذ زمن بعيد، ويبدو ان الاشتغال بالديجيتال لم يعجل من عملية انجاز الأفلام، بل على عكس من ذلك، علماً ان هناك افلاماً أخرى ستضاف الى التشكيلة الرسمية في الأيام المقبلة، متى تصبح الادارة متأكدة من انها ستكون جاهزة.
كالعادة، هناك مكرسون وجدد. ثلاثة من المشاركين في المسابقة الرسمية (تضم 18 فيلماً) سبق لهم أن فازوا بـ"السعفة": الأول، الاخوان البلجيكيان لوك وجان بيار درادين اللذان يملكان في منزلهما ستّ جوائز من كانّ، ويبدو ان جديدهما، "يومان وليلة" مع ماريون كوتيار، "وسترن على نسق أفلام فريد زينمان". الثاني، كنّ لوتش الذي أعلن ان "ردهة جيمي" سيكون فيلمه الأخير على أن يكرس نفسه بعدها الى الأفلام الوثائقية. الفيلم سيرة جيمي غرالتون التاريخية، احد القادة الشيوعيين الايرلنديين. الثالث، مايك لي، يعود الى كانّ بعد اربع سنوات مع "مستر ترنر" الذي يُعدّ أفلمة لحياة الرسام البريطاني جوزف ترنر (1775 ــ 1851). أكبرهم عمراً من بين هؤلاء الثلاثة هو لوتش الذي يبلغ الثامنة والسبعين، وبداياته في التلفزيون تعود الى العام 1962.
4
أفلام فرنسية في المسابقة الرسمية: "سيلز ماريا" لأوليفييه أساياس، المخرج الذي أحدثت آخر مشاركة له مع "كارلوس" جدلاً واسعاً، نظراً لكونه أنجز في الأساس للشاشة الصغيرة. جديده مع جولييت بينوش. برتران بونيللو يعود الى الـ"كروازيت" مع "سان لوران"، السيرة الثانية التي تقدّمها السينما الفرنسية لمصمم الأزياء النابغة ايف سان لوران هذه السنة، بعد نسخة جليل لسبر. ثالث الفرنسيين هو ميشال هازانافيسيوس الذي يقدم "البحث"، وهو فيلم عن الحرب بين الشيشان والروس مع بيرينيس بيجو (الحائزة جائزة أفضل ممثلة العام الماضي)، يأخذنا من خلاله مخرج "الفنان" الى اقاصي الجحيم.
The Captive

أما الفيلم الفرنسي الرابع، فهو من توقيع واحد من آخر العمالقة الأحياء: جان لوك غودار. "وداعاً للغة" هو "فيلم عظيم طوله ساعة وعشر دقائق"، قال عنه فريمو. حكاية زوجين لا يبقى عندهما أيّ لغة مشتركة، فيبدأ الكلب الذي يرافقهما في النزهة اليومية بالنطق فجأة ليكون وسيطاً بينهما. في مقابلة، قال "إله السينما" إنه لا يعرف كيف يقارب هذه الحكاية، ولكنه اذا عرف الكيفية فستصبح البقية سهلة. في آخر مشاركة له في كانّ عام 2010 مع "فيلم اشتراكية"، لم يحضر المخرج الفرنكو سويسري المهرجان وبعث برسالة قائلاً انه يعتذر عن عدم المجيء "لأسباب يونانية". "هذه المرة وعدنا بأنه سيأتي"، قال فريمو، مضيفاً ان هذا لا يؤكد بالضرورة حضوره!
ثلاثة كنديين يجتاحون مسابقة كانّ هذه السنة، أحدهم هو المشارك الأصغر سناً: ديفيد كروننبرغ يأتي مع "خريطة الى النجوم" وأتوم ايغويان يقدم "أسيرة" وكزافييه دولان يكشف تفاصيل "مومي". الأخير الذي لا يبلغ الا 25 عاماً، عُرض فيلمه الأخير ("طوم في المزرعة")، في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية، وها انه مستعد مجدداً بعمل "باروكي" جديد هو الرابع له، نال "بركة" فريمو وحظي بمديحه.
لعل عودة المخرج التركي الكبير نوري بيلغي جيلان هي إحدى اللحظات القوية في هذا المهرجان. شاعر السينما الذي اكتفى قبل ثلاثة اعوام بـ"الجائزة الكبرى" عن تحفته "ذات زمن في الأناضول"، يشعل شغف السينيفيليين المهووسين بأعماله مع "سبات شتوي" الذي يستغرق ثلاث ساعات و16 دقيقة، حاملاً ايانا الى العمق التركي. مخرج آخر قد يسيل فيلمه الجديد الكثير من الحبر: اندره زفياغينتسييف الذي يقدم "ليفياثان". آخر مشاركة لهذا الروسي في كانّ مع "الاستبعاد"، عام 2007. هناك ايضاً "تومبوكتو"، الفيلم الذي يعيد المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو الى السينما، بعد ثماني سنوات غياباً.
لا طغيان أميركياً في مسابقة هذه السنة (حتى الآن، على الأقل). نحو من نصف الأفلام المشاركة فيها تحمل الجنسية الأوروبية الخالصة. طومي لي جونز هو أشهر أميركي يتسابق على "السعفة" ليس لكونه ممثلاً بل بصفته مخرجاً. فيلمه "هومزمان" من بطولة هيلاري سوانك شارك في انتاجه لوك بوسون.

في قسم "نظرة ما" (19 فيلماً)، نجد أفلاماً لكل من رولف دو هرّ، باسكال فيرّان، فيليب لاكوت. فيه ايضاً آخر الأفلام الوثائقية للمخرج الألماني الكبير فيم فاندرز، ناقلاً سيرة المصور البرازيلي سيباستياو سالغادو، وله ايضاً ضمن عروض كانّ "باريس تكساس" الذي يُعرَض مجدداً بعد 30 سنة على نيله "السعفة". ثلاثة ممثلين من الذين مروا خلف الكاميرا نجدهم ايضاً في هذا القسم (آسيا أرجنتو، راين غوزلينغ، ماتيو أمالريك)، على أن يُفتتح بفيلم أول، "فتاة الحفل"، لماري اماشوكيلي وكلير برغر وسامويل تاييس.
خارج المسابقة، وفي قسم "عروض خاصة"، يقدم المخرج السوري اسامة محمد، المقيم في فرنسا، فيلماً طويلاً اسمه "ماء الفضة" من وحي الأحداث السورية. سينمائيون كثيرون اشيع انهم سيكونون في كانّ، وكشف المؤتمر انهم خارج حسابات كانّ، ولأسباب مختلفة. من هؤلاء: الأسوجي روي أندرسون، الأميركي تيرينس ماليك، المكسيكي اليخاندرو غونزاليث ايناريتو. أمير كوستوريتسا، الذي كان معلوماً انه لم يُنه فيلمه، استغرب فريمو سؤالاً يطلب مسوّغاً لعدم اختياره. استفسارات أخرى طُلبت من فريمو عن أفلام لم يجر اختيارها، لكن الأخير أوضح انه لا يريد التكلم الا عن الأفلام التي تمّ اختيارها، وقال عن لارس فون ترير، الذي طُرد من كانّ عام 2011 بعد تصريحه الاشكالي عن هتلر، انه اتصل به طالباً ان يرسل اليه القميص الذي لبسه في مهرجان برلين الأخير وكُتب عليه "شخص غير مرغوب به ــ مهرجان كانّ". أمّا الضربة القاضية، فكانت لحظة قول فريمو بأن فيلم الافتتاح "غريس موناكو" لأوليفييه داهان، لن يُعرض الا في نسخته الأصلية، في اشارة الى النزاع الحاصل بين مخرجه ومنتجه الأميركي هارفي وينستين. "نحن في فرنسا، نحن في كانّ، والنسخة الوحيدة التي ستُعرض هي نسخة المخرج".

* نُشر في صحيفة "النهار"

All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014


Apr 12, 2014

مهرجانات السينما العربية وأزماتها | «كابتن أميركا»: تاريخ يُـحارب على أكثر من جبهة

Year 8 | Issue: 849

 مهرجانات وأزمات  

  لم تكن كذبة إبريل تلك التي انطلقت قبل أيام قليلة لتعلن أن الدورة السابعة من مهرجان الخليج السينمائي سوف تتأجل لأسباب "خارجة عن الإرادة"، كما قال البيان الذي تم إرساله إلى الصحافيين والمتابعين. كان التأجيل حقيقياً وإن لم يتم تعيين موعد آخر. هل سيتأخر موعد الدورة إلى وقت لاحق من هذا الشهر؟ الشهر المقبل بعد "كان"؟ في عز الصيف؟ أو قبل أسابيع قليلة من مهرجان دبي؟

  الإختيارات الصالحة لموعد إقامة مهرجان ما في المنطقة الخليجية عليها أن تأخذ بعين الإعتبار الطقس والسياحة وأسعار التذاكر والفنادق وخلو الساحة من مناسبات أخرى. هذا ما جعل لقاء الأسبوع الثاني من شهر أبريل/ نيسان من كل عام مواتياً جدّاً للجميع. 

  من المحتمل أن يؤدي ذلك التأجيل إلى الإلغاء هذا العام. المسألة مادية كما تشير ما تيسر وروده من معلومات وكما وشا به تغيير موقع إقامته قبل ذلك. لكن هذا الإحتمال يبقى محدوداً الآن، فلا أحد يريد له التوقّـف. إنه النافذة التي يطل منها المخرجون الخليجيون إلى أعمال بعضهم البعض متنافسين على استحواذ الجوائز الكبيرة في نهايتها. يطلّـون على تجاربهم ويتبادلون الآراء وينتظرون النتائج ثم دائماً ما كان البعض منهم يتّـخذ من نجاحه أو من فشله، إذا ما وقع، حافزاً لعمل جديد يعود به في الدورة المقبلة أو التي تليها.

  السينما الإماراتية هي أحدى المجموعات الرئيسية المكوّنة لمهرجان الخليج السينمائي. هي الأنشط عدداً بين كل ما تتقدّم به السينمات المجاورة، ولديها الآن عدد من المواهب الممكن الإتكال عليها مثل نجوم الغانم وخالد المحمود ونواف الجناحي من بين آخرين. بعض هذه المواهب انتقل من الفيلم القصير إلى الطويل وبعضها الآخر يسعى لهذه النقلة. لكن مهرجان الخليج في دبي ليس المهرجان الوحيد الذي رأينا فيه نشوء تلك البراعم الفتية من المواهب، بل شارك ذلك التأسيس مهرجان "أفلام من الإمارات" الذي  يقيمه مهرجان أبوظبي السينمائي كأحد برامجه الرئيسة.

  ولا يمكن أن تؤدي النظرة المستقلة لهذين المهرجانين إلا إلى تقدير هذه الرحلة الطويلة التي خاضتها السينما في دولة الإمارات من العام 2000 إلى اليوم تقديراً كبيراً. مثل مدينتي أبوظبي ودبي، انتقل المهرجانان من حال إلى حال. ترعرعا ولا زالا يفاجئان المتابع بتلك المواهب الإماراتية كما سواها من مواهب أبناء المنطقة. لذلك من الشائك أن يُـتاح لمهرجان الخليج، وهو الأكبر في نوعه بين كل المهرجانات المعنية بسينما الخليج، أن يتوقّـف أو أن يتعرّض لخضّـة مالية تدفعه للتأجيل (الذي هو نصف توقيف) إذا ما كان ما سمعناه من الأزمة المادية هي السبب.

  وعلى عكس الضجّـة التي أحدثها هذا التأجيل (وهي إيجابية لناحية ما أثارته من أسف ومطالبات واهتمامات) تم إلغاء مهرجان كان يُـقام في مدينة الدوحة كمهرجان خاص بالسينما الوثائقية العربية. وكان موعد إقامته سابق لموعد إقامة الخليج بأسبوعين… لكن أحداً لم يكترث. فذلك المهرجان بعد سنوات على إقامته بقي غير محسوساً ولا هو تقدّم مرتقياً. وكان مهرجان «أجيال» القطري أيضاً ألغي منذ خمسة أشهر ولم يثر ذلك إهتمام أحد.

  والضائقة المالية عصفت بمهرجان "مسقط" في دورته الثامنة هذا العام، لكنه أقيم بما يشبه الإحتفال الصغير. ربما إقامته على هذا النحو المتواضع كان أفضل من إلغائه، لكن صداه بقي خافتاً في كل الأحوال.

«سوبر هيرو» لكل العصور 
  كابتن أميركا: تاريخ يحارب على أكثر من جبهة  

 محمد رُضــا

بإستحواذ «كابتن أميركا: جندي الشتاء» على قرابة 95 مليون دولار في أسبوع عرضه الأميركي الأول، وأكثر من 120 مليون دولار حول العالم من بينها 35 مليون دولار من السوق الصينية، يعاود بطل تم تأسيسه سنة 1941 في مجلة الكوميكس الشعبية «مارفل» من تأليف جو سايمون وجاك كيربي، حمل رسالته في الدفاع عن الحرية والديمقراطية ليواجه العالم الذي كان. فوقت ولادة هذا السوبرهيرو، كانت الولايات المتحدة قد أصبحت طرفاً في الحرب العالمية الثانية فالقوات اليابانية هاجمت أهدافاً أميركية في المحيط الباسيفيكي. صحيح أن أشتراكها القتالي حدث لاحقاً، لكن الولايات المتحدة كانت أخذت، من العام 1939، توفير المعونات المالية والإقتصادية لقوّات الحلفاء وفي سنة 1940 عندما احتلّـت القوات النازية فرنسا رفعت الولايات المتحدة قدراتها القتالية حتى إذا ما حل العام 1941 أدركت واشنطن أن الوقت حان للدخول في حرب مفتوحة على الجبهتين الآسيوية والأوروبية.
في مثل هذه الظروف ولد «كابتن أميركا»، وبل ولد جيل كبير من الأفلام المناوئة لليابانيين وللألمان كثير منها من إنتاج رخيص الكلفة موجّـه مباشرة إلى الجمهور الذي لا يطلب أي قدرة من الزركشة الفنية للمضامين. يكفي أن تكون معبّـرة عن موقف وطني خالص وبأسلوب تشويقي يستطيع معه متابعته بعيداً عن التحليل. شركة «ريبابلك» كانت واحدة من تلك الشركات الصغيرة التي لا تقوى على تحمّـل أعباء وتكاليف إنتاجات أعلى من المستوى الأدنى للاستديوهات الكبيرة مثل يونيفرسال وباراماونت أو MGM. وهي انطلقت بسلسلة أفلامها من الوسترن والبوليسي والمسلسلات السينمائية القصيرة (serials) من العام 1935 إلى العام 1959 عندما توقّـفت لأن المتغيّـرات الإنتاجية في هوليوود أصبحت من الحداثة بحيث لم تعد الشركة المذكورة قادرة على مجاراتها وتحقيق عوائد مالية من إنتاجاتها. وكان سبقها في التوقّـف شركات أخرى من ذات الحجم ألّـفت ما أطلق عليه «شركات صف الفقر».
ما بين أكثر من 100 فيلم ومسلسل قصير أنتجته شركة «ريبابلك» ما بين هذين التاريخين، كان لها أسبقية نقل الإقتباس السينمائي الأول لـ «كابتن أميركا». حدث ذلك سنة 1944 عندما استخلص كتّـابها حلقات مسلسلة منشورة في مجلة «مارفل» وحوّلوها إلى مسلسل من خمسة عشر حلقة تُـعرض على منوال أسبوعي مدّة كل منها نحو ربع ساعة (الحلقة الأولى، كما في معظم المسلسلات الشبيهة الأخرى، كانت من نحو 25 دقيقة). جون إنغليش، أحد قدامى المخرجين الهوليوودين حقق هذا الفيلم مع إلمر كليفتون وديك بورسل لعب شخصية كابتن أميركا الذي لم يكن، وحسب الحكاية المرسومة، سوى شاب ضعيف البنية حاول الإلتحاق بالقوّات الأميركية المتوجّـهة إلى حرب وشيكة لكن هزاله منعه. هذا ما جعله يوافق على شرب محلول كيميائي يقلب ضعفه قوّة ويجعله متمتّـعاً بقدرات «سوبرمانية» يستطيع بها مواجهة الأعداء في الداخل والخارج.

صراعات
«كابتن أميركا» حارب الأعداء مرّة أخرى في فيلمين تلفزيونيين في الثمانينات، ثم انقطع طويلاً بينما احتل فضاء أفلام الكوميكس باتمان وسوبرمان وسبايدر مان و«رجال إكس». سنة 2011 إنطلق من جديد مستفيداً من التقدم التقني الذي يتيح لمثل هذه الأفلام حضوراً مفعماً بالإثارة ومنضمّـاً إلى أبطال القدرات الخارقة. قبل عامين شاهدنا «كابتن أميركا» (دائماً من تشخيص الممثل كريس إيفانز) كواحد من مجموعة «المنتقمون» لجانب آيرون مان (روبرت داوني جونيور) و«ذا هالك» (مارك روفالو) و«بلاك ويدو» (سكارلت جوهانسن). بعد هذين النجاحين إذاً، يطل الفيلم الثاني لكابتن أميركا كبطل منفرد باحثاً عن دور أكبر له في الحياة على الشاشة.
الفيلم الجديد يستند إلى صورة مختلفة من «السوبر هيرو». إنه الوحيد الذي يقاتل أعداءاً لا زالوا، منذ الحرب العالمية الثانية، يحاولون النيل من الولايات المتحدة.
للإيضاح، فإن حرب «سوبرمان» مع قوى فضائية مثله. هذه القوى لها مصالح لتقويض كل الأرض وليس الولايات المتحدة وحدها. صراع «باتمان» ضد قوى ظلام وعصابات منظّـمة أميركية تعمل لحسابها الخاص وليست مرتبطة بقوى خارجية. «سبايدر مان» سجال بين رجل ضد الجريمة وبين مخلوق صنعه العلم ولم يستطع بعد ذلك كبح جناحه.
«كابتن أميركا: جندي الشتاء» يحمل قضيّتين سياسيّـتين: من ناحية لا يزال يتعامل والقوى الخارجية التي تهدد الحياة الأميركية ونظامها الإجتماعي والسياسي، ومن ناحية أخرى يلقي نظرة فاحصة على مسارات الوضع الداخلي لناحية إمكانية نشوء نظام فاشي. وفي هذا الشأن الأخير، يواجه «كابتن أميركا» منظّـمة «شيلد» S.H.I.E.L.D. التي ينتمي لها فهي تزمع نشر شبكة جوّيـة من الطائرات الحديثة تستطيع أن تستبق أي محاولة إجرامية قد تقع وتجابهها بقوّة نارية مدمّرة.
ومع أن الشبكة تغطّـي العالم كله، إلا أن النبض الأميركي محسوب هنا وعليه فإن كابتن أميركا له رأي مخالف إذ يقول: "تشهر مسدساً فوق كل شخص على الأرض وتقول أن ذلك للحماية؟ هذا ليس حريّـة، هذا خوف".
والخوف لعب في الحياتين السياسية والسينمائية دوراً بارزاً في تسيير حركة الشعوب. حين تحرّكت هوليوود في أواخر الثلاثينات للتحذير من النازية كان الواعز هو التخويف من فرضية وجود عناصر إرهابية نازية ويتضح ذلك عبر أفلام عديدة من بينها «شيفرة سرية» و«السفّاحون أيضاً يموتون» و«كنت جاسوساً نازياً» و«قطار ليلي إلى ميونخ» من بين عشرات أخرى. حين انتهت الحرب العالمية الثانية وأدركت الولايات المتحدة أن عليها أن تحسب للخطر الشيوعي المتمثّـل بالإتحاد السوفييتي أنتجت العديد أيضاً من الأفلام المناهضة للشيوعية منها «كنت شيوعياً لحساب أف بي آي» و«اليد ذات السوط» و«غزاة ناهشو الجسد» و«الجاسوس المعادي يلتقي وسكوتلاند يارد»
الخوف من العرب سطع في أفلام السبعينات والثمانينات: هم أغنياء يريدون السيطرة على  الإعلام الأميركي نتوورك») أو يخططون لضرب الإقتصاد الأميركي تقلّـب») أو إرهابيون يريدون قتل مئات الألوف من الأميركيين الأحد الدامي») وقس على ذلك العديد من الأفلام.
روبرت ردفورد

طبعاً لم تلد تلك المخاوف من العدم. كان هناك محاولات نازية لاختراق النظام الأميركي ولاحقاً محاولة شيوعية للغاية نفسها، ووفّـرت منظّـمات مختلفة (بعضها عربي) المادة الخيالية لصنع أفلام  مثل «الأحد الدامي» أو «مؤامرة عربية» أو «نافي سيلز» أو سواها.
«كابتن أميركا: جندي الشتاء» يحاول العودة أيضاً إلى سينما السبعينات العقد الفريد لأفلام التشويق السياسي، لذلك ضم إليه الممثل روبرت ردفورد الذي كان لعب بطولة «ثلاثة أيام من الكوندور»… ذلك الفيلم دار في رحى أن العدو الحقيقي قد يكون في صميم النظام ذاته. لكن هذا البعد يتراءى بين وميض مشاهد القتال التي تخفي، في هذا الفيلم، ضعف الجانب الإنساني من الفيلم بأسره.



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014