Jul 25, 2015

متاعب فوق ثلوج إيناريتو | بطولة مزيفة وتاريخ مزوّر | لغة السينما- المونتاج 3 | صعود التيار الديني في السينما المصرية 1 | عمر الشريف والثورة | حوار مع هاشم النحاس | مهرجان كارلوڤي ڤاري |

____________________________________________________________________
اللقطة الأولى

رحيل فارس آخر من فرسان السينما العربية
رأفت الميهي…  وداع الأحبّة

____________________________________________________________________

  ثلوج وتصوير صعب وارتفاع ميزانية وعواصف إعلامية
الحكاية الخلفية لفيلم إيناريتو الجديد بطولة ديكابريو

محمد رُضــا

القاريء مدعو لتحضير نفسه لملاقاة فيلم جديد للمخرج أليخاندرو غوزانليز إيناريتو في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل. فيلم كان من المفترض أن يعرض قبل ذلك التاريخ. أن ينتهي تصويره في شهر مارس (آذار) الماضي. أن يتم تجهيزه بميزانية 95 مليون دولار، لكنها ارتفعت حتى الآن إلى 135 مليوناً. فيلم عنوانه «المنبعث» The Revenant من بطولة ليوناردو ديكابريو وتوم هاردي ومن تلك الأعمال التي تدخل من باب التنفيذ العريض والمكلف لتجد نفسها في محيط من المشاكل التي تعيق العمل وتفرض عليه شروطاً جديدة غير متوقعة.
الحق على كندا هذه المرّة… أو على الطبيعة.
لم تثلج فوق الربوع الكندية الشمالية أو الشرقية كما جرت العادة ما يكفي لتصوير هذا الفيلم هناك، فتم تغيير موقع التصوير إلى أقصى وأقسى موقع أرجنتيني ممكن العثور عليه. هناك حيث لا يعيش أحد قرر المخرج الذي فاز فيلمه السابق «بيردمان: أو الفضيلة غير المتوقعة للجهل» بـ 210 جوائز من مختلف الأحجام والتقديرات بينها أربعة أوسكارات، لجانب 181 ترشيحاً لم ينجم عن جوائز، تصوير فيلمه الجديد «المنبعث». كان يعلم، كما يقول، أن التصوير سوف لن يكون رحلة استجمام، لكنه اكتشف أيضاً أنه أصعب مما كان يتخيّـله.

بيئة قاسية
طبعاً الأحداث لا علاقة لها لا بكندا ولا بالأرجنتين. الرواية التي وضعها الكاتب الشاب مايكل بونك سنة 2002 بالعنوان نفسه تدور أحداثها سنة 1823 في براري أربع ولايات أميركية هي وايومينغ ومونتانا ونبراسكا وداكوتا. بطلها تاجر فراء أسمه هيو غلاس. رجل يكابد خداع الإنسان ووحشة البراري وقسوة الطقس وهجوم الدببة. في الواقع، تبدأ الرواية (وربما الفيلم) بهيو وهو يقع تحت براثن دب هائج يتركه بالكاد على قيد الحياة. رجلان يكتشفان وجوده بين الحياة والموت. لكن عندما يهاجم المواطنون الأصليون (الهنود الحمر) الثلاثة، يسرقان منه السلاح والمؤونة ويتركانه لمصير مجهول. على هيو أن لا أن يبقى حيّـاً مدافعاً عن حياته وسط تلك الظروف الصعبة فقط، بل عليه أيضاً أن ينتقم من اللذين تركاه ليواجه مصيراً مظلماً.
قام  إيناريتو بمشاركة مارك ل. سميث (أشهر أعماله القليلة فيلمي رعب هما «خلو» و«الثقب») بوضع السيناريو الأول سنة 2010 وتم تجهيز الفيلم للتصوير في الخامس عشر من شهر أبريل (نيسان) العام الماضي، وبوشر تصويره في الشهر اللاحق (مايو/ أيار) ثم توقف واستؤنف في اليوم الأخير من شهر يونيو (حزيران). ثم توقف مرّة أخرى واستؤنف في الثامن من أكتوبر من العام الماضي.
لم يكن الطقس وحده السبب الوحيد وراء تأخر التصوير. من بعد أن جاب فريق التصوير (بقيادة مديره إيمانويل لوبيزكي الذي صوّر لإيناريتو فيلمه السابق) مناطق مثل ألبرتا وكانمور وبريتيش كولومبيا بحثاً عن الثلج والطقس القاسي، تم القرار بالتوجه إلى أقصى الجنوب الأطلسي (منطقة أوشيوايا وجوارها) حيث الحياة لا زالت مستقرّة غالباً كما كانت عليه قبل مئات السنين. لحاف من الثلج السميك والقرى المتباعدة والجبال الشاهقة المكللة باللون الأبيض من القمّـة إلى وديانها. هناك هز إيناريتو رأسه وقرر أن يكمل التصوير.
لكن المشاكل لم تنته هناك بل بدأت فيه.
المكان ليس سهل الوصول والعمل اليومي فيه شاق للغاية. والمخرج نفسه ليس السينمائي الذي يصوّر ما لا يرضى عنه مئة بالمئة. هذا يعني إعادة التصوير مراراً. يعني صرف ساعات على إعادة تشكيل وتصميم المشهد كما يعني تأخر التصوير وارتفاع الميزانية. إيناريتو يعترف بأن الميزانية ارتفعت لكنه يؤكد، في حديث لمجلة «ذا هوليوود ريبورتر» أنه كثير التدقيق بالمسائل المادية وأنه «مهووس» بالإلتزام بتنفيذ الميزانيات. لكن في هذه المرّة المسائل أعقد مما توقعه.
عدد من الفنيين المشاركين في العمل اكتفى بالشكوى: إيناريتو صعب المراس خلال العمل. عنيد في طلب الأشياء كما يريد هو. آخرون اشتكوا واستقالوا أو طردوا. لم يكترثوا لمواصلة العمل في تلك الظروف المناخية والنفسية الصعبة. 
الممثلان الرئيسان في الفيلم، ديكابريو وهاردي لم يشتكيان. يدركان قيمة الفيلم ويعلمان أن الممثل هو جندي بتصرّف الآمر، الذي هو المخرج. لكن توم هاردي كان عليه التخلّـي عن بطولة فيلم كان ينوي الإشتراك ببطولته هو «فريق الإنتحار» الذي يتم تصويره الآن مع سكوت إيستوود وبن أفلك وول سميث وجارد ليتو (مكان هاردي).

المنتج ممنوع من مكان التصوير
فنياً، يعمد إيناريتو تصوير الفيلم حسب تسلسل كتابته وأحداثه (قليلون جدّاً يفعلون ذلك). هذا يعني أنه سيعود للموقع ذاته لاحقاً وهذا بدوره يعني أيام تصوير أكثر. مدير التصوير لوبيزكي يحب التصوير بالإضاءة الطبيعية وهذا يعني أن هناك فسحة محدودة كل يوم تسمح له بالتصوير. لا قبلها ولا بعدها، ما يعني- أيضاً- أن التصوير سيأخذ وقتا مضاعفاً. عملياً، إذا تم تصوير جزء من المشهد في الساعة الثالثة بعد الظهر فإن لدى فريق التصوير (ممثلين وفنيين) ساعتين على الأكثر لإنجاز ما يمكن من التصوير. بعد ذلك الوقت ستتغيّـر الإضاءة، ما يعني أن على كل هؤلاء العودة للمكان ذاته في اليوم التالي للبدء باستكمال المشهد في الساعة الثالثة بعد الظهر أيضاً.
إيناريتو بدوره لا يحب الإضاءة غير الطبيعية (ولو أنه عمد اليها اضطراراً في «بيردمان»). لكن هنا يدرك إن القبض على روح التجربة التي خاضها بطل الفيلم (والقصّـة يقال أنها وقعت حقيقة) يعني عدم استخدام إضاءة صناعية. 
كذلك يعني أن لا يتم إنجاز مشاهد باستخدام تقنيات الكومبيو-غرافيكس. يقول:
" لو صوّرنا المشاهد على الشاشة الخضراء (نظام ستديو يتيح التصوير على الخلفية المطلوبة من دون الإنتقال إليها) مع فناجين القهوة وأسباب الراحة والجميع سعداء، فإن النتيجة ستكون غالباً سيئة" ويذكّـر: "الفيلم هو عن البقاء حيّـاً ومشاركة العاملين في تحقيق الفيلم في ظروفه الواقعية تمنح العمل الكثير من الحسنات التي لا يمكن تحقيقها في أي موقع آخر".
ليس أن إيناريتو لم يكن جاهزاً لمثل هذه التحديات. فريق الأمن الشخصي والإسعافات كان حاضراً في مكان التصوير كل يوم ومساعد المخرج كان من بين المشتركين في إجتماعات يومية تعقد للبحث فقط في السلامة الفردية للمشتركين قبل التصوير. كذلك يلاحظ أن العديد من المشاكل نتجت عن عدم معرفة المنتج جيم شكوتشادوبل بتفاصيل مثل هذا العمل في الأماكن الصعبة ما جعله غير قادر على معالجتها. هذا بدوره أدّى، حسب بعض الروايات، إلى قرار المخرج بمنعه من حضور التصوير. 
شركات التمويل لم تتذمّـر. معظمها أدرك أن الفيلم ليس عملاً سهل التنفيذ، ومدرائها يعلمون أيضاً أن المخرج إيناريتو لديه رؤية فنيّـة تستدعي الإنضباط وراءها والإيمان بها. وفي حين أن فوكس هي الشركة الملتزمة بالتوزيع والإنفاق المباشر، إلا أن الميزانية موزّعة بينها وبين شركات أخرى، من بينها شركة إماراتية أسمها «إمباير» تدير أعمالها في أبوظبي.
من ناحية أخرى، عرفت هوليوود العديد من مثل هذه المشاكل الناتجة عن كبر المهام وصعوبة المواقع والطقوس الطبيعية. يقفز فيلم فرنسيس فورد كوبولا «سفر الرؤيا الآن» إلى البال كنموذج تأخر العمل عليه لأكثر من سنة. يليه «بوابة الجنة» لمايكل شيمينو الذي كان يأمر بهدم ديكور بلدة على جانبي الشارع لتوسيعه عوض هدم ديكور جانب واحد. لكن الغالب أن «المنبعث» سوف لن يتحوّل إلى كارثة. هناك ستّة أشهر كافية 


  LAST SHOT 

"Out of the Past"
(1947)

لقطة لفيلم  "من الأمس" لجاك تورنير ومع روبرت ميتشوم
وجين غرير- أيام ما كان الرجل رجل والمرأة لعوب يٌغـفر لها



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015


Jul 11, 2015

عن مذكرات فاتن حمامة • ميساء آق بيق | معلومات سينمائية ناقصة • عدنان مدانات | «مخيال» لمحمد سلمان • صلاح سرميني | «لومومبا» لراوول بِك • مهند النابلسي | أغاني رمضان في السينما • محمود قاسم | موسيقا جيمس هورنر • محمد رُضا | مهرجان مرسيليا • شريف عوض

____________________________________________________________________


زميلنا الناقد قيس الزبيدي  له دور بطولة 
أمام جود لو، جاسون ستراثن وميريسا ماكارثي في
Spy


____________________________________________________________________


 40 سنة على Jaws 
ما بين «جوز» و«جيروسيك وورلد» علاقات مثيرة | محمد رُضا

 المشهد  

تذكّـر هذا المشهد. إن لم تشاهده شاهده الآن: 
قاعة إجتماعات كبيرة مفروشة بأثاث فكتوري من الخشب مع ثريا كبيرة فوق الطاولة العريضة التي اصطفت عليها 18 مصباحاً أخضر اللون. تلاحظ وجود رجلين كل منهما على رأس الطاولة متقابلين عن بعد.. واحد جالس والآخر يمشي من رأس الطاولة إلى الستائر شبه المفتوحة ويغلقها تماماً. أصبحت الغرفة معتمة. يعود الرجل إلى مكانه لكنه لا يجلس. لأربع دقائق سيلقي خطبة على مسمعي هذا الرجل الجالس. أهم ما فيها بالنسبة لموضوعنا هنا هو التالي: 
"العرب أخذوا بلايين الدولارات من هذا البلد (أميركا) والآن عليهم أن يعيدوها. إنه مد وجزر (…). أنت رجل عجوز يفكر على نحو الأمم والشعوب. ليس هناك أمم. ليس هناك شعوب. ليس هناك روس وليس هناك عرب. ليس هناك عوالم ثالثة. ليس هناك غرب. هناك نظام شمولي للأنظمة كلها. نظام داخلي عريض مختلط متداخل، متعدد التنوع، متعدد السيادة من الدولارات (….) العالم هو بزنس".
الخطاب طويل (تستطيع مشاهدته هنا: https://www.youtube.com/watch?v=NKkRDMil0bw). 
وهو يرد في النصف الثاني من فيلم «نتوورك» لسيدني لوميت (1976). الخطيب هو رئيس مجلس إدارة المحطّـة التلفزيونية التي يعمل فيها الثاني. الأول هو الممثل الرائع الذي ما زال غير مقدّر حق قدره ند بيتي، والثاني الممثل المعروف بيتر فينش وحسب الفيلم دعا المذيع فينش إلى ثورة على الأوضاع الإقتصادية حيث العرب يخططون للسيطرة على الإعلام طالباً من الجمهور أن يتحرك مطالباً بصيانة الحريّـة.
ناهيك عن تهمة أن العرب سحبوا أرصدتهم من أميركا وأنهم يخططون للسيطرة على الإعلام الأميركي، وهي تهم عدائية تناسب صغار العقول، فإن ما قيمة الخطاب العليا هو ذلك التحديد المسبق لما بات واقعاً اليوم: ليس هناك شرق وليس هناك غرب. ليس هناك أمم أو قوميات وليس هناك شعوب. هناك الدولار (بأشكاله ومسمياته المختلفة) منذ (وربما من قبل) أن يصبح العالم قرية كبيرة. 
باقي المشهد  (الذي كتبه إبن العم بادي تشايفسكي) يذكر رؤية رئيس مجلس الإدارة للعالم متنبئاً بأنه سيقضي، تبعاً للنظام الجديد، على الفقر والجوع. 
طبعاً نعرف الآن أن هذا لم يحصل. في كل مدينة أفريقية وفي عموم الهند وسواها مطاعم ماكدونالد، لكن الجوع لا يزال ينخر معدات الملايين والمجاعة منتشرة تخف هنا وتقوى هناك. 
لكن النظام الواحد المتمحور حول الدولار أمر فعلي. من كان يقول أن الصين ستصبح دولة رأسمالية من دون أن تضطر لتغيير نظامها الشيوعي؟ كيف تم لها ذلك؟ لا أدري لكنها كانت من الفطنة بحيث أدركت أن هناك طريقة أخرى للسيطرة على العالم: التسلّـح بالدولار.

 الدولار الصيني وجوراسيك وورلد   
99 مليون دولار حقنت بها الصين ساعد فيلم ستيفن سبيلبرغ في أيام افتتاحه الأولى هناك. سعر التذكرة ما يوازي ستة دولار ونصف (أعلى من معدّله بالنسبة للأفلام الصينية ذاتها) وهو باع 15 مليون و700 ألف تذكرة في فترة إفتتاحه.
دعوني أقلب آخر الأخبار عنه وسأعود إليكم….
……………………………………………..
في مدى أسبوعين من عروض الفيلم الصينية أنجز الفيلم 200 مليون دولار (تجاوز البليون دولار حول العالم). هذا وهناك شرير من أصل صيني في الفيلم أسمه د. هنري وو (ب د وونغ) يتسبب في مقتل العديد من الضحايا عندما يسمح لعلمه بأن يتجاوز الحد المقبول فيخلق الوحش غير القابل للردع.
العلاقة بين «نتوورك» و«جوراسيك وورلد» هي أن الثاني يؤكد على ما ورد في الفيلم الأول. العالم بات جيباً صغيراً لنظام الأقوى. الصراعات الدائرة حالياً قد تكون بين طوائف وشعوب وأمم إنما الغاية هو تفتيتها. تعال كل ماكدونالد عندي لكن لا تطلب مني إطعامك مجاناً إذا لم تكن تملك ثمن وجبة.
لكن فيلم ستيفن سبيلبرغ ليس مبنياً ليكون رديفاً أو تابعاً لفيلم «نتوورك». هذا لم يخطر لصانعيه على بال. ما ورد هو ذلك التشابه مع فيلم آخر وُلد قبل 40 سنة (1975) وعنوانه «جوز» Jaws المخرج كان أيضاً سبيلبرغ. شركة الإنتاج كانت أيضاً يونيڤرسال. لكن «جوز» هو أفضل من «جوراسيك وورلد». طبعاً كلاهما أنجز إيرادات مربحة (مضاعفة بالنسبة للفيلم الحديث) لكن العلاقة بينهما تمضي لما أبعد من كل ذلك.
أعلم أن سبيلبرغ ليس مخرج «جوراسيك وورلد». حققه كولين تريڤورو لكنه ليس فيلم تريڤورو إلا من حيث التنفيذ. أصابع المنتج سبيلبرغ في كل قرار استراتيجي والمشروع لم يبدأ التصوير إلا من بعد أن استخدم سبيلبرغ المكواة عليه. بصمات سبيلبرغ هي تلك التي تتراءى طوال الفيلم وليس بصمات مخرجه. هذا بلا هوية خاصّـة ولا الفيلم يمكن أن يُـكنّـى به إلا تعريفياً (فيلم من إخراج… الخ..).

 شاهدت «جوز» على الباخرة الحربية   

شاهدت «جوز» أول مرّة بعد عام من إنتاجه. كنت تسللت (والكلمة غير مبالغ فيها) إلى باخرة أميركية حربية كانت تنقل رعايا أجانب من بيروت التي بدأت تتمزّق تحت القصف. أنا لست أجنبياً، لكني كنت أعرف صديقاً يعمل بالسفارة الأميركية في بيروت. ذهبت إليه. المكتب مقفر. القاعة خالية. خرج إليّ متسائلاً، قلت له: "غداً هناك باخرة حربية أميركية  لإجلاء الرعايا الأجانب ستبحر من بيروت وأريد أن أكون عليها".
تطلّـب الأمر ورقة. في صبيحة اليوم التالي كنت أحد ركابها.
في تلك الليلة الأولى لي هناك (نمت مع نحو مئة نازح أوروبي في جناح أعد خصيصاً) شاهدت «جوز» على شاشة التلفزيون. لم أسع للحكم له أو عليه. أول ما نزلت في أثينا بعد يومين وجدته معروضاً في إحدى صالاتها. دخلته. أعتقد أنني دخلت الصالة قبل أن أجد فندقاً آوي إليه.
كان مذهلاً على أكثر من نحو. جيّد هو أمر آخر.
لابد أن كثيرين من القراء يعرفون القصّـة:
بلدة أميركية صغيرة أسمها أميتي فوق جزيرة صغيرة بالإسم نفسه. الصيف على المشارف. الناس يفترشون رمال البحر. الأولاد يلعبون فيه. الكبار يسبحون. سمكة قرش كبيرة تريد أن تأكل. حين يصطاد البعض السمكة الكبيرة يفرح الجميع فهي هاجمت بعض الضحايا. لكن الشريف برودي (روي شايدر) واثق من أنها ليست ذاتها السمكة الكبرى. يطلب خبيرا أسمه هوبر (رتشارد درايفوس) وصياداً متمرّساً أسمه كوينت (روبرت شو) هذا في الوقت الذي يحاول فيه إقناع المحافظ  (موراي هاملتون) بإغلاق الشاطيء. وهذا يرفض لأن الموسم السياحي في مطلعه وسيقضي على «البزنس». إلى أن يدرك المحافظ أن برودي على حق يكون القرش التهم عدّة ضحايا. برودي وهوبر وكوينت في البحر لاصطياده.
القصّـة ليست شبيهة بأي قصّـة وردت في أجزاء «جوراسيك» لكن مفاداتها قريبة.
في الجوهر، وكما سبق لي أن ذكرت في نقدي للفيلم سابقاً، «جوراسيك وورلد» (ولننطلق منه)، و«جوز» يدوران حول وضع إقتصادي واحد: خطر يهدد الناس. دعوة لإغلاق المكان الذي قصدوه للترفيه (في «جوراسيك وورلد» هو طبعاً جزيرة خصصت لتكون مدينة ملاهي الدينوصورات). الرأسمال ممثلاً بالمؤسسة الإقتصادية التي تدير المشروع، تمانع. الضحايا تقع. الوحش يُـقتل في النهاية (أو هكذا يُـعتقد لأن أجزاء «جوز» التي تلاحقت وأجزاء «جوراسيك» التي تتابعت لا تريد إغلاق الكتاب.
هناك تشابهات أخرى: العلاقة بين الثنائي الراشد الذكر والأنثى مضطربة.
في «جوز» (وسأتناول الفيلم الأول في السلسلة فقط) هناك خلاف مبطّـن بين الشريف وزوجته (لورين غاري). كلاهما يحاول إنقاذ إبنهما لكن برودي يحاول أيضاً إنقاذ الناس بأسرها. في «جوراسيك وورلد» خبير الدينوصورات (دور مضحك) أووَن (كريس برات) كان يعرف المديرة التنفيذية للمشروع وأسمها كلير (برايس دالاس هوارد) وانفصلا بخلاف (يتم تلخيصه إلى بضعة أسطر). العلاقتان في الفيلمين متوترتان. كذلك العلاقة بين معظم الأزواج والأصحاب في أفلام سبيلبرغ الأخرى (مثل «لقاءات قريبة من النوع الثالث» و«إمبراطورية الشمس» و«مبارزة» بين أخرى). هذا يعود إلى شأنين متّصلين لدى ستيفن سبيلبرغ: والداه لم يكنا على وفاق. الثاني (لا علاقة له بهما لكن له علاقة بأفلام سبيلبرغ) ترعرع على حب الدهشة. 
والرابط بين «جوز» و«جوراسيك وورلد» هو حب الإدهاش وفي هذا السبيل فإن المغالاة هي سبيل سريع وموثوق لإحداث ذلك: 25 قدم (نحو ثمانية أمتار) طول سمكة القرش اللئيمة في «جوز». الوحش الكاسر في «جوراسيك وورلد» (والوحوش التي وردت في الأجزاء الثلاثة السابقة من المسلسل) هي على مستوى من القوّة والحجم والفتك يرتفع ويزداد من جزء لآخر. ربما الجزء المقبل سيكون أعلى شأناً. 
في «جوز» هناك حكاية بين هلالين حول شخصية كوينت: كان جنديا سابقاً في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان وبعد هزيمة في البحر وجد كوينت وبعض الناجين أنفسهم يذودون عن أنفسهم خطر أسماك القرش. هذا ما يحمله في «جوز» على حقد أعمى على سمكة القرش. لا يريد صيدها لإنقاذ البشر بل حقداً عليها تبعاً لتجربته التي ولدت في رحم الحرب ضد اليابان.
في «جوراسيك بارك» هناك العالم الصيني. 

 ايهما أفضل أم أن التاريخ يعيد نفسه؟  

تم إطلاق «جوز» في الولايات المتحدة في الرابع من تموز/ يوليو 1975 وهو يوم الإستقلال. ميزانيته 12 مليون دولار. إيراداته (بأسعار تذاكر ذلك الحين) 260 مليون دولار في أميركا ومجموع إيراداته العالمية 475 مليوناً. قلب المعادلات لأن العادة قبله أن يتم عرض الأفلام الصغيرة أو المعادة في الصيف. سبيلبرغ وآلة الفيلم الإنتاجية والدعائية قررا أن يأتي العرض صيفاً: الإقبال كان ضخماً. من ذلك العام وصاعداً صيف السينما أصبح الموسم الأكثر درّاً للمال. «جيروسيك وورلد» يؤكد ذلك.
لكن التالي هو لب الحديث والموضوع بأسره: في حين أن هذين الفيلمين ينتقدان الجشع الذي يقود إلى تجاوز التجارة الحد الأدنى من تأمين شروط الأمان. «البزنس» يسود. وعندما يفيق رأسمال على آثار جشعه يكون الوقت قد فات (ويجب أن يفوت وإلا لما كان هناك فيلم يوظف الخسائر البشرية كمادة ترفيهية) والضحايا تساقطت.
هذا ليس إدانة لرأسالمال، وسبيلبرغ ليس مناوئاً. ما يدينه في الفيلم يمارسه في السينما من خلال استخدام الحالات الماثلة (ضحايا، وحوش، آلام الخ…) كمادة للترفيه. محافظ مدينة أمتي يريد إرضاء بزنس أصحاب المتاجر والمشاريع. صاحب مشروع «جوراسيك» الأول (رتشارد أتنبورو) يريد استغلال الجزيرة لتحويلها إلى مركز ترفيهي. هذا يتحقق في الجزء الرابع. جنباً إلى جنب، يمشي سبيلبرغ مع البزنس. في أفلامه هذه المال ضد السلامة الإنسانية. الأفلام ذاتها المال ضد الفن.
لي على «جوز» مآخذ عدّة، لكنه فيلم أفضل بعدة مراحل من عدة جوانب بالمقارنة مع «جيروسيك وورلد». الشخصيات في الفيلم السابق متينة. الأدوار الأولى لها. صراعاتها ضد الوحش تبرز ما يتفاعل في داخلها. لكل واحد من الصيادين الثلاثة حكاية ومضمون. القرش يبدو كما لو كان يعلم ذلك ويريد قتل الذات الفردية في نصف الساعة الأخيرة.
في «جورسيك وورلد» الشخصيات البشرية مصنوعة لكي تركض هنا وهناك وتخاطر وتخاف وترتعب. الوحوش لا تفرق معها من تأكل. انتهى الفيلم. 
ما غيّـره سبيلبرغ من نظرة السينما إلى الصيف، جاء بالتوازي مع محاولة تقليده وتطوير الأفلام التشويقية (خصوصاً) إلى أعمال ميكانيكية. البشر لا قصص لديهم. البطولة للوحوش من كل الأنواع. الفيلم ليس عملاً للفن وليس حتى عملاً للفن والترفيه، بل للترفيه فقط.  



بيرت لانكاستر
لقطة من 1900 لبرناردو برتولوتشي
(1976)


All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015

____________________________________________________________________