Jan 22, 2015

هوليوود والعرب: الحرب العراقية | نقص المناعة في الذوق السينمائي | سيسيل ب. دمنتي | خوذة ذهبية لجاك بيكر | فاتن حمامة | كتاب تاريخ السينما في مئة فيلم | جوائز لندن فيلم سيركل | غاليري: مشاهد من السينما الصامتة

الغلاف: من فيلم برايان دي بالما: "منقّـح"
السنة 9 | العدد 875 
m.rouda@gmx.com  
رئيس التحرير: محمد رُضـا
مساهمون (حسب أبجدية الدول):
الأردن: عدنان مدانات، مهنّـد النابلسي | ألمانيا:  قيس الزبيدي| السعودية: خالد الربيع.| السويد: ميسر المسكي | لبنان: ندى إسماعيل | مصر: رامي عبد الرازق، شريف حمدي، شريف عوض |الولايات المتحدة: جورج شمشوم

 هوليوود والعرب   |    محمد رُضـا

كلينت ايستوود يشعلها من جديد
الحرب العراقية جمعت النقائض واختلفت في المضامين
American Sniper

بعد هدوء نسبي، تنطلق الحرب العراقية على شاشات السينما الأميركية من جديد. فيلم جديد عنوانه «قنّـاص أميركي» يسرد حكاية شخصية لجندي أميركي حقيقي أسمه كريس كايل، شارك في الحملة الأميركية على العراق (ما يسمّـى بالحرب العراقية الثانية) وقام الممثل برادلي كوبر بشراء الحقوق والمشاركة في إنتاج الفيلم الذي قام بإخراجه كلينت ايستوود.
الحرب الأميركية- العراقية التي بدأت سنة 2003 بهدف إقصاء الرئيس السابق صدّام حسين عن السُـلطة وإلقاء القبض عليه ومحاكمته، كانت شهدت العديد من الأفلام حولها في الفترة التي امتدت من 2005 إلى 2010. ليس أن بعض الأفلام لم تتحقق قبل ذلك التاريخ أو بعده، بل شهدت الفترة المذكورة فورة إهتمام كبير نتج عنها أكثر من 20 فيلم  تناولت الحرب ذاتها أو تأثيراتها على الأميركيين العائدين أو لمجرد وضع وصف لخلفية بطل فيلم أكشن سريع. من أهم تلك الأفلام كان «خزنة الألم» وStop-Loss. كلاهما سنة 2008 وكلاهما من إخراج إمرأتين هما، على التوالي، كاثلين بيغيلو وكمبرلي بيرس. قبلهما بعام قام المخرج برايان دي بالما بتحقيق «منقح» Redacted وأخرج إيرل موريس فيلمه التسجيلي «إجراءات قياسية وعملاتية» Standing and Operating Procedure 
هذا من قبل وصول مخرجين آخرين للمشاركة في وضع بعض النقاط على بعض الحروف ومنهم الأيرلندي بول غرينغراس في «منطقة خضراء» والبريطاني كن لوتش في «طريق أيرلندي» وكلاهما سنة 2010.
كما الحال مع الحرب الفييتنامية، إنقسمت كل الأفلام المذكورة والعديد من الأفلام الأخرى التي اتصلت بتلك الحرب ما بين مؤيد ومعارض. هذا الإنقسام كان عادياً ومتوقّـعاً بين أفلام وجدت الحرب الفييتنامية مأساة تدحرجت فيها الولايات المتحدة حتى احترقت أصابعها فيهاالعودة للوطن» لهال آشبي، «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس كوبولا و«خسائر حرب» لبرايان دي بالما) وأخرى مؤيدة القبّـعات الخضر» لجون واين و«فتيان الفرقة سي» لسيدني ج. فيوري الخ…).

جمهور شاهد كل شيء
لكن الحرب العراقية تميّـزت عن حروب أميركا السابقة، ومنها حرب فييتنام، في أنها وقعت في زمن تستطيع فيه أن تكون كاميرات التصوير موجودة في قلب المعارك تنقل على الهواء مباشرة ما يدور. هذا ما حد من نجاح الأفلام التي تناولت الحرب العراقية سواء أيدتها أو عارضتها. فالقاعدة العريضة من الناس كانت، بحلول النصف الثاني من العقد الأول من هذا القرن) اكتفت بما شاهدته. وصلت إلى قناعاتها ولم يعد لديها أسئلة ملحّـة يتكلّـف الواحد منها عشر دولارات لشراء تذكرة لدخول السينما. 
The Hurt Locker 

وليس صحيحاً أن الأفلام المناوئة للحرب العراقية، مثل «ستوب/لوس» أو «خزنة الألم» هي وحدها التي ابتعد عنها الجمهور، إذ لم يحالف النجاح أفلاماً مؤيدة، على نحو واضح أو خفي، تلك الحرب كما حال «لعبة عادلة» لدوغ ليمان و«وطن الشجعان» لإروين وينكلر.
مع فيلم كلينت ايستوود «قنّـاص أميركي» تعود مسألة الحرب العراقية إلى الواجهة. الفيلم سورع بعرضه في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي ليلحق بترشيحات الأوسكار التي تنص على أن يكون الفيلم عرض في بلاده خلال العام الفائت (2014 في هذه الحالة) لكي يستطيع اللحاق بالأوسكار. العرض كان محدوداً وخلال هذا الأسبوع سينتقل إلى عدد أكبر من الصالات. مستوى الإقبال عليه غير معروف، لكن الحديث عنه لم ينتظر شيوع عروضه بل انطلق مؤيداً هنا ومهاجماً هناك.
«قنّـاص أميركي» (نقدنا أدناه) في واقعه فيلم يميني يتبع سيرة حياة الجندي كريس كايل الذي منح وسامين فضّـيين عن خدماته العسكرية في حرب العراق ووصف بأنه صاحب أعلى رقم في قتل الأعداء (162 حالة مؤكدة قد تصل إلى 200). ايستوود، بمرجوعه وثقافته اليمينية ينقل ما ورد في كتاب كايل (الذي قُـتل في حادثة إطلاق نار في الولايات المتحدة بعد عودته من جولته الرابعة من الخدمة) الذي لا يحتاج إلى جهد لمعرفة موقع قلب كاتبه من تلك الحرب. بعد صفحات قليلة من الفصل الأول، كتب كايل قائلاً واصفاً العراقيين:
"كثيرون وأنا منهم وصفنا العدو بــ «المتوحشين». كم كنت أتمنّـى لو قتلت منهم عدداً أكبر، ليس لتسجيل رقم بل لأنني أؤمن بعالم أفضل من دون متوحشين يقتلون أرواحاً أميركية".

على طرفي نقيض
المنظور اختلف مراراً وتكراراً، وأحد أهم ملامح السينما الأميركية سعتها لأن تنتقد أو تؤيد على راحتها ومن دون أن يتّـهم أحد الآخر بالنعوت السلبية. لم يصف أحد برايان دي بالما بأنه معاد لأميركا كونه أدان بشدّة الممارسات الأميركية في العراق في «منقّـح» ولن يتعدّ الأمر بالنسبة لفيلم ايستوود أكثر من إبداء وجهة نظر لها شعبيّـتها في الولايات المتحدة وخارجها ولها معارضيها أيضاً في كل مكان.
ما يفرّق الأفلام ويجمعها هو قدر من التحليل الفكري الذي يمنح العمل السينمائي (أي عمل) قيمته الضمنية. إذا ما تم سكب هذا التحليل في حرفة جيّـدة ساهم في رفعه بصرف النظر عن الرأي الخاص الذي يقف وراءه. هذا ما ميّـز فيلم كاثلين بيغيلو «خزنة الألم» (2008): صاغت عملاً يعايش ما يواجهه الجندي الأميركي من مخاطر في العراق. طبعاً كثيرون هاجموه لأنه "لم يتحدّث عن العراقيين وما يواجهونه" لكن هذا ليس مطلوباً من المخرج، ولا حتى من السينما الأميركية، بل مطلوب من السينما والسينمائيين العراقيين وربما يحدث في يوم ما.
The Grace is Gone

«منقّـح» هو الفيلم المعارض تماماً لـ «خزنة الألم» علماً بأن برايان دي بالما استخدم الأدوات ذاتها: الكاميرا الرقمية المحمولة. الإقتراب الحثيث من حياة المجنّدين الأميركيين والرصد الكامل لعملياتهم. لكن في حين أن اهتمام بيغيلو كان لتأييد الجهد الفردي الأميركي، صب دي بالما اهتمامه على نقد ذلك الجهد الفردي وجهد السياسة الأميركية ككل.
والعديد من الأفلام لم ترد أن تبحث في الحرب بل في تبعاتها: أفلام مثل «وطن الشجعان» لإروين وينكلر و«النعمة مضت» لجيمس ستراوس و«في وادي إيلاه» لبول هاجيز أريد لها أن ترصد ما الذي يحدث بعد عودة المقاتل الأميركي من المعركة الدامية وادي إيلاه») أو كيف يمكن لزوج فقد زوجته في تلك الحرب أن يشق وولديه طريقه إلى مستقبله من دونها النعمة مضت»).
في معظم الأحوال التي تتحدّث عن عودة جندي من الحرب نجد أن ذلك الجندي، وكما الحال في «قنّـاص أميركي» أيضاً، يعود إلى فراغ لم يكن يتوقّـعه. يخفق في التعايش، وكما في فيلم «ستوب/لوس» الرائع، يقرر أن مكانه لا يزال في أتون الحرب وليس في السلام. لقد حولته منه تلك الحرب إلى البندقية التي يحملها. 


[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014



Jan 11, 2015

ليلة الغولدن غلوبس • محمد رُضا | بين فيلمين • عدنان مدانات | سينما فرنشسكو روزي: سياسية- بوليسية على واقعية | صور ألمانية • ميسر المسكي


 ليلة الغولدن غلوبس  
  الأسلوب يغلب الحبكة التقليدية والواقع يسود | محمد رُضــا
Boyhood

ها هي اللحظات المنتظرة تقع هذا المساء عندما تنطلق حفلة تسليم جوائز «غولدن غلوبس» مبثوثة من الساعة الثامنة على شاشة NBC كما جرت العادة منذ سنوات عديدة. بعد أسابيع من التوقعات وارتفاع بورصات الأفلام ونجومها وانخفاض بعضها، ها هي الحفلة تنطلق بزيّـها الرسمي الكامل: كاميرات المحطّـة المذكورة ستسبح فوق الجالسين في القاعة الكبيرة مستعرضة العدد الكبير من الحضور. النجوم سيصعدون المنصّـة للتحدّث إلى الجمهور مازحين وجادّين والجوائز ستُـعطى تبعاً لتصويت صارم اعتادته "جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب" منذ أن خرجت من أزمتها مع بيا زادورا في الثمانينات.
بيا زادورا؟ من هي؟
في العام 1982 وجدت ممثلة مغمورة أسمها بيا زادورا نفسها في مواجهة ممثلات جديرات في سباق غولدن غلوبس لأفضل وجه واعد (وهي مسابقة تم التخلّـي عنها لاحقاً) أمثال كاثلين تيرنر عن فيلم «سخونة جسد» وإليزابث ماكوفرن عن «راغتايم». أيامها كانت متزوّجة من الملياردير الإسرائيلي موشالم ريكليس وحسب روايات غير مؤكدة فإن هذا لم يرض أن تخرج محبوبته من دون جائزة ما دفعه إلى شراء ذمم عدد كاف من صحافيي الجمعية فإذا بالجائزة تذهب إلى بيا زادورا، التي كانت بالتأكيد تفتقر الموهبة ولم تكن أفضل أداءاً من أي ممثلة منافسة.
هذا أصاب، آنذاك، سمعة الجمعية وجائزتها بالصميم ونشر سحابة من اليورانيوم الملوّث فوقها إلى سنوات عديدة. وبل هناك من يرغب، وإلى اليوم، العودة إلى مثال زادورا كلما أراد التشكيك بأهمية الجمعية وما تقوم به. لكن للواقع فإن الجمعية أفاقت من تلك الصدمة وانتبهت إلى دورها الجدّي الذي تقوم به وإلى أنها لا تستطيع أن تسمح بتكرار ذلك المنوال. ومن مطلع التسعينات على الخصوص وإلى اليوم وهي تسير على خط مستقيم ونتائجها محاطة بالدرجة القصوى من السرية ذاتها التي تحاط بها جوائز الأوسكار. ومع قيامها كل عام بتوزيع هبات مالية على مؤسسات سينمائية (الأكاديمية، الأرشيفات القومية) أو إجتماعية (الجامعات، مؤسسات الرعاية الإجتماعية المختلفة) وتحوّلها إلى حدث أساسي في موسم الجوائز وصناعة التسويق لم يعد بالإمكان غض النظر عنها أو قيامها هي بغض النظر عن إنجازاتها.


أفلام ومخرجون
مثل كل مرّة فإن آخر المسابقات التي ستعلن نتائجها هذه الليلة في حفل لوس أنجيليس هو مسابقة الأفلام الدرامية. هنا، كما في «البافتا» و«الأوسكار» وبعض سواها، يبقى الفيلم هو مسك الختام بالمعنى الكامل للكلمة. مغلّـفات المسابقات الأخرى تُـفتح والفائزون بها يُـعلنون، لكن مسابقة الفيلم هو مثل تتويج كل شيء.
Theory of Everything

وهناك في الواقع جمع كبير من الأفلام المتنافسة:
هناك خمسة أفلام في الدراما وهي «صبا» و«فوكسكاتشر» و«لعبة المحاكاة» و«سلما» و«نظرية كل شيء».
خمسة أفلام في الكوميديا والإستعراضي وهي «بيردمان» و«ذا غراند بودابست هوتيل» و«داخل الغابة» و«فخر» و«سانت فنسنت».
خمسة في مسابقة الأنيماشن وهي «بيغ هيرو و«كتاب الحياة» و«بوكسترولز» و«كيف تدرّب تنينك ثم The Lego Movie 
هناك خمسة أخرى في مجال الفيلم الناطق بلغة غير إنكليزية وتتكون من «فورس ماجوري» (سويد)، «إيدا» (بولاند)، ليفيثيان» (روسيا) و«تنجارينز» (إستونيا) و«محاكمة فيفيان أمسالم» (إسرائيل).
حين يأتي الأمر إلى المخرجين، فإن خمسة من المخرجين هم الذين يتسابقون حسب لوائح «غولدن غلوبس». وغالباً، كما هو حال هذا العام، فإن المرشّـحين لغولدون غلوبس أفضل مخرج هم من العاملين في السينما الأميركية وليسوا من خارجها وإلا لتم ضم مخرجين آخرين جديرين بالفوز مثل بافل بافليكوفسكي عن «إيدا» وأندريه زيفغنتسف عن «ليفياثان».
في هذه القائمة نجد وس أندرسون عن «ذا غراند بودابست هوتيل» (المندرج في قسم الكوميديا) وأفا دوفرناي عن «سلما» (في قسم الدراما) ورتشارد لنكلتر عن «صبا» (قسم الدراما أيضاً) وأليخاندرو غوانزاليس إناريتو عن «بيردمان» (قسم الكوميديا) ثم ديفيد فينشر، المخرج الوحيد الذي لم يصل فيلمه «فتاة مختفية» إلى عداد التنافس بين الأفلام.
إذا ما استثنينا الأفلام الكرتونية المتحركة فإن الأفلام المتنافسة الأخرى منقسمة، أسلوبياً، إلى فئتين: فئـة ذات أسلوب سرد تقليدي، وأخرى ذات أسلوب سرد مختلف. الفريق الثاني أقل، لكن حظوظه تبدو الأقوى وهو يشمل «صبا» و«بيردمان» و«ذا غراند بودابست هوتيل» و«إيدا».
لجانب أن أسلوب العمل في كل واحد من هذه الأفلام يحمل بصمة ذاتية إستثنائية، فإن كل واحد من هذه الأفلام لديه، ضمن هذا الأسلوب العام، قضية (وربما مشكلة) مع مبدأ الحكاية ذاتها حيث العقدة لا تستولي على السرد بل تتبعه.

عبر الأزمنة
لفهم ذلك، تكفي المقارنة بين «صبا» و«فوكسكاتشر» المتنافسين في السباق ذاته (أفضل فيلم درامي). كلاهما جيّـد بإمتياز، لكن الأول إذ يتبع حكاية تقع على إمتداد سنوات من دون أن يضطر لتغيير ممثليه. الثاني، يسرد الحكاية في وضعها التاريخي (التسعينات) من دون تفاوت زمني أو مكاني.
ما قام به رتشارد لينكلتر، صاحب «صبا» هو أنه صوّر بطله عندما كان ولداً صغيراً سنة 2002 ثم صوّره في مرحلة متوسّـطة كان الصبي إيلار كولتران قد أصبح ولداً ثم سنة 2013 وقد أصبح فتى مراهقاً. 
مخرج آخر كان أتى بثلاثة ممثلين وأنجز الفيلم في ثلاثة أشهر. لكن لينكلتر مارس التصوير على إمتداد 12 سنة بمجموع 45 يوم. بذلك أتاح لنفسه ولفيلمه التنفس طبيعياً. ولينكلتر لم يكن بذلك خرج عن معالجاته فسلسلته المعروفة بـ «قبل» وهي «قبل الشروق» (1995) و«قبل الغروب» (2005) ثم «قبل منتصف الليل» (2013) على حكاية واحدة حول علاقة عاطفية إنطلقت من سنة 1995 واستُـكملت في العام 2013 وربما تستمر لما بعدودائماً مع الممثلين الرئيسيين نفسيهما إيثان هوك (الذي شارك في أفلام أخرى للمخرج من بينها «صبا»)  بذلك لم تعد الغلبة لعقدة أو حبكة، بل لمعايشة زمنية على نحو ما حققه المخرج ذاته في فيلم «صبا».
إلى أي حد سيتدخل كل ذلك في توجيه الأصوات إلى «صبا» هو أمر آخر، فالأفلام المتنافسة في قسم الدراما تكاد تكون متساوية في حسناتها ومزاياها. «سلما» رائع في رصده القضية العنصرية التي يتناولها و«فوكسكاتشر» ممتاز في تحليله لشخصياته الثلاث و«نظرية كل شيء» يجاوره في رصد العلاقة بين رجل ذي متطلّـبات خاصّـة وزوجته في حين أن «لعبة المحاكاة» قوي في تعامله مع شخص واحد وهو ما يدلف بنا إلى ملاحظتين رئيستين نضيفهما إلى الملاحظة السابقة حول الأسلوب وتغليب الموقف على الحبكة:
كل هذه الأفلام (ما عدا «صبا») قائم على استيحاء شخصيات حقيقية وكل هذه الأفلام (بما فيها «صبا») تدور في رحى الأمس أساساً.
«لعبة المحاكاة» عن عالم الحسابات الذي أسهم بهزيمة هتلر عندما استعانت به المخابرات البريطانية لفك الرموز المعقدة التي تستخدمها قيادة الجيش النازي في الأربعينات. 
«سلما» يأتي بعده زمنياً إذ تقع أحداثه في الستينات أيام مارتن لوثر كينغ كما يؤديه ديفيد أويلاو بجدارة. «نظرية كل شيء» عن العالم سيتفن هوكينغ و«فوكسكاتشر» يتجاوران إذ يدوران في الثمانينات. أما «صبا» فهو يشمل سنوات متنقلة من التسعينات إلى اليوم.

رسالة من مخرج
أندريه زفياغنتسيف

بعض ذلك التقسيم وارد في مسابقة أفضل فيلم كوميدي أو موسيقي ولو على نحو متأرجح. «كبرياء»، مثلاً، هو عن حركة مثلية شاركت في المظاهرات التي أيدت عمال المناجم في الثمانينات. «بيردمان» في الزمن الحاضر لكنه يتميّـز بالأسلوب غير التقليدي الذي يسرد المخرج إيناريتو الحكاية الآسرة من خلاله. وفي حين أن «سانت فنسنت» أقل خيالاً وأكثر التصاقاً بالزمن الحالي، إلا أن المد الخيالي يزداد في الفيلمين الآخرين «داخل الغابة»، وهو فانتازيا شاملة لأساطير وحكايات ولادية معروفة من نمط «ساندريلا» و«ليلى والذئب» و«ذا غراند بودابست هوتيل» الذي هو أكثر الأعمال جميعاً تميّـزاً من حيث تصميمه الفني والإنتاجي، وهو أيضاً خيالي صرف تقع أحداثه في بلد غير واقعي وفي زمن يتوسّـط الحربين العالميّـتين لكنه زمن منضوٍ تحت راية الفانتازيا لحد يبدو كما لو أنه لم يكن موجوداً بالفعل أيضاً.
أما الأفلام المتبارية في سباق «أفضل فيلم أجنبي» فالإختلافات بينها شاسعة: من دراما المحاكم في «محاكمة فيفيان أمسالم» إلى دراما الموقف المتأزم في «فورس ماجوري» ومن حكاية إيدا، المرأة التي اكتشفت أنها ليست كاثوليكية كما اعتقدت، بل يهودية وضعها والديها عند باب بيت الرهبان لتجنيبها الموت خلال الحرب إلى حكاية إيفو، ذلك المزارع الذي تعصف به رياح عاتية مصدرها ما كان يحدث في أستونيا خلال مطلع التسعينات. هذا وصولاً  إلى الحاضر الأكثر دكانة في «ليفياثان».
ثلاثة من هذه الأفلام هي من ثلاثة دول كانت تؤلّـف معسكراً واحداً وهي «ليفياثان» الروسي و«تانجرين» الأستوني و«إيدا» البولندي. وهي أكثر المتوفر نقداً سياسياً رغم أن «محاكمة فيفيان أمسالم» يتعرّض لنقد الوضع الإجتماعي بين المتشددين اليهود من خلال سعي زوجة للطلاق من زوجها المتدين الذي يرفض منحها الطلاق. 
ولعل «ليفياثان» أكثر هذه الأفلام الأجنبية نقداً إذ لا يحاول تمويه الحقائق على الأرض: هناك فساد في الدوائر الحكومية الرسمية ينسف اللبنة العائلية ويقضي على مستقبل من لا يملك سوى القانون (المستولى عليه) للتوجه إليه. صحيح أن السينما الروسية شهدت مؤخراً أعداداً متزايدة من هذه الأفلام لكن «ليفياثان» أكثرها جرأة، وها هو المخرج أندريه زيفغنتسف يكتب لي في رسالة إلكترونية بتاريخ 31 ديسمبر (كانون الأول) 2014: 
"هذا العام كان الأكثر إضطرابا منذ عقود في تاريخ بلادي المضطرب أصلاً. كل يوم، ينحدر المجتمع الروسي نظراً لإلتزام متزايد للمؤسسات العامة (لتنفيذ) أيديولوجية جامدة من الإضطهاد وعدم التحمّـل".
موقفه المعبّـر عنه سينمائياً ليس جديداً على السينما في تلك البلاد. خلال الفترة الشيوعية انبرى عديدون (لاريشا شوبتكو، سيرغي بارادجانوف، إراكلي كفيركادادزه، أندريه تاركوفسكي وهناك سواهم) لنقد الوضع القائم وتبعاته على المجتمع الروسي. ليس أن الدولة آنذاك استجابت لذلك النقد وأصلحت شؤونها الإدارية على الأقل، لكن ذلك الصوت النقدي لم يتوقّـف إلا عندما انهار الإتحاد السوفييتي ولفترة زمنية محدودة، بعدها عادت هذه الأفلام تنتقد الأوضاع الحاضرة على النحو ذاته.  زيفغنتسف:
"أحد أهم مزايا الفن الروسي هو الإخلاص. حتى في أقسى الأزمنة، نطق المؤلّـفون والسينمائيون بالحقيقة حيال بلادهم الحبيبة. اعتبروا أنه من أهم مسؤولياتهم كفنانين وفي «ليفياثان» سعيت لأن أستحق هذا التقليد".

الوضع المحسوس
من سيخرج فائزاً من بين ما ذكرنا من أفلام؟
هذا ليس سهلاً رصده على الإطلاق لكن، وكما تتنبأ أكثر التوقعات، فإن «بيردمان» و«ذا غراند بودابست هوتيل» يأتيان في مقدّمة الأفلام الكوميدية، بينما يقفز إلى الواجهة «صبا» يجاوره «نظرية كل شيء» إذا ما تغلّـبت اللغة العاطفة على تلك الفنية الذي مارسها المخرج بَـنت ميلر في «فوكسكاتشر».
كمخرجين، فإن أسهم أليخاندرو غونزاليز إناريتو عالية تتبعها سريعاً تلك التي لدى ديفيد فينتشر عن «فتاة مختفية».
لكن هناك أكثر من مجرد المنافسة بين الممثلين والممثلات، كما ورد معنا في الأيام القليلة السابقة، والمخرجين، كما يرد هنا. تصوّر مثلاً أن تخلو مسابقة أفضل سيناريو (والجمعية لا تفرّق بين سيناريو مكتوب خصيصاً للسينما وآخر مقتبس) من «ذا غراند بودابست هوتيل» الذي كتبه وس أندرسون. المتوقع هنا أنه إذا لم يفز المخرج بجائزة أفضل فيلم أو أفضل إخراج فإنه سيفوز بهذه الجائزة.  لكن بما أن أربعة من  الأفلام المتسابقة في هذا القسم هي ذاتها المتسابقة في مباراة أفضل فيلم صبا» و«بيردمان» و«لعبة المحاكاة» و«ذا غراند بودابست هوتيل» (الخامس هو سيناريو جيليان فلين عن «فتاة مختفية») فإن حرارة تلك المنافسة تنتقل تلقائياً إلى هذا المجال.
الحفلة، كما جرت العادة ستحفل بالنجوم: من جسيكا شستين وجنيفر أنيستون وإميلي بلنت وريز وذرسبون وجورج كلوني ومايكل كيتون وجايكل جيلنهال وباتريشا أركيت وإدوارد نورتون ومارك روفالو وبندكت كمبرباتش و(غالباً) روبرت داوني جونيور وبراد بت وأنجلينا جولي وماثيو ماكونوفي من بين عديدين آخرين.
الحراسة الأمنية هي أيضاً حافلة. تستلمك تعليمات رجال الأمن والبوليس من على نحو مئتي متر وأنت في طريقك على ولشير بوليفارد أو إذا كنت قادماً من ناحية سانتا مونيكا بوليفارد. تتوقع الزحام وتنال ما تتوقعه بكل تأكيد. كلما اقتربت فحص البوليس أوراق الدعوة ودلّـك على أي جانب من الطريق عليك أن تستمر فيه. وعلى خلفية ما حدث في باريس من هجوم إرهابي مؤخراً فإن المتوقع كذلك أن يعلن بعض الممثلين الذين سيصعدوا المنصّـة إما لتقديم فقرات الحفل أو لاستلام الجوائز عن شغبهم لما وقع. 


توقعات الناقد: من سيفوز ومن يجب أن يفوز

* مسابقة الفيلم الدرامي:
- سيفوز:  Boyhood
- من يستحق الفوز: Boyhood

* مسابقة الفيلم الكوميدي:
- سيفوز: «بيردمان».
- من يستحق الفوز: «بيردمان»

* مسابقة الفيلم الأجنبي:
- سيفوز:  Leviathan
- من يستحق الفوز: Leviathan

* مسابقة الفيلم الأجنبي:
- سيفوز:  رتشارد لينكلتر عن Boyhood
- من يستحق الفوز: رتشارد لينكلتر

* مسابقة الممثل الدرامي:
- سيفوز:  ستيف كاريل عن Foxcatcher
- من يستحق الفوز: ستيف كاريل وإيدي ردماين (عن Theory of Everything) 

* مسابقة الممثل  الكوميدي:
- سيفوز:  مايكل كيتون عن Birdman
- من يستحق الفوز: مايكل كيتون.

* مسابقة الممثلة الدرامية:
- ستفوز:  جوليان مور عن Still Alice أو  جنيفر أنيستون عن Cake
- من يستحق الفوز: فيليسيتي جونز عن Theory of Everything

* مسابقة الممثلة الكوميدية:
- ستفوز: آمي أدامز عن Big Eyes
- من يستحق الفوز: آمي أدامز

* مسابقة الممثلة المساندة:
المرشّحات: باتريشا أركيت، ميريل ستريب، إيما ستون، جسيكا شستين، كايرا نايتلي.
- ستفوز:  باتريشا أركيت عن Boyhood
- من يستحق الفوز: إيما ستون عن Birdman

* مسابقة الممثل المساند:
ج ك سيمونز، إدوارد نورتون، مارك روفالو، إيثان هوك، روبرت دوفال
- سيفوز:  ج ك سيمونز عن Whiplash
- من يستحق الفوز:  إدوارد نورتون عن  Boyhood

* مسابقة فيلم الأنيماشن:
- سيفوز:  Big Hero 6
- من يستحق الفوز: Big Hero 6




[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014

Jan 3, 2015

حصاد العام 2014 • محمد رُضــا | بريشت والسينما 3 • قيس الزبيدي | «شلاط تونس» و«استعادة النضال 74» • عدنان مدانات | إختيارات ناقد • شريف عوض



2014 في السينما  
  سينما على ضفتي الإنترنت 

لا تزال الأرقام النهائية لمجموع ما حصدته السينما الأميركية والعالمية الأخرى غير متوفرة وتحتاج إلى أسبوع من التمحيص قبل أن تُـنشر، لكن لن يكون من المستغرب أن أحد الأفلام الأولى إيراداً بالنسبة لصالات السينما المستقلة (تلك الصغيرة التي تعيش على أفلام بديلة وغير تجارية وليست من إنتاج الصف الأول) سيكون «المقابلة» على الرغم من إنه ليس فيلماً مستقلاً ولا صغيراً ولا ينتمي إلى الفن الذي يبحث عنه جمهور هذه الصالات بصلة.
لكن السبب هو أن سوني، عندما تمنّـعت شركات الصالات الكبيرة التي تهيمن على نحو 80 بالمئة من صالات السينما في الولايات المتحدة وكندا عن عرض هذا الفيلم، وجدت في الصالات المستقلة (نحو 450 صالة في المجموع إختارت منها 300) البديل المطلوب. وصالات السينما المستقلة (أو سمّـها صالات الفن والتجربة إذا أردت) رحّـبت بذلك أيما ترحيب، فحال العروض المستقلة هذا العام لم تكن جيّـدة، وإن كانت أفضل قليلاً من العام السابق 2013.  وهو استمرار للحال ذاته في الأعوام القليلة الماضية عندما انحسرت قوّة الفيلم الأوروبي الوافد بما فيها الأفلام الفرنسية، وتراجع وقع  غالبية الأفلام الأميركية المستقلة (تلك التي تُـصنع بعيداً عن نظام هوليوود الإنتاجي) على الجمهور المتخصص. 

المستقل هو السائد
ليس أنه لا توجد إنتاجات جيّـدة من هذا النوع. 
أميركياً الأفلام الأكثر أهمية وجودة من تلك التي تم إنتاجها وعرضها هذا العام تحتوي على أربعة أعمال تأتي في المقدّمة وهي «سلما» لآفا ديفورناي، و«ذ غراند بودابست هوتيل» لوس أندرسون و«بيردمان» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو و«صبا» لرتشارد وَتكر. هذه الأفلام هي من بين الأنجح تجارياً بين تلك المستقلة. 
وهناك خمسة أميركية أخرى قدّرها النقاد الأميركيين وهي «الجوال» لديفيد ميشو و«فقط العشاق بقوا أحياءاً» لجيم جارموش و«عدو» لدنيس فيلليوف و«زاحف الليل» لدان غيلروي و«سوط» لداميان شازال. 
أوروبياً، برزت السينما البريطانية من حيث إنتشار الفيلم الخارج عن المألوف التجاري في الصالات عبر الأطلسي ومنها «تحت الجلد» لجوناثان غلايزر و«لوك» لستيفن نايت و«نظرية كل شيء» لجيمس مارش.
وإليها أفلام استرالية منها «بابادوك» لجنيفر كنت و«سنوبيرسر» لجون-هو بونغ (إنتاج كوري- تشيكي) و«القلوب الجائعة» لسافيريو كوستانزو (إيطاليا).

عربياً، هناك أمر لافت وربما فريد: غالبية ما يتم إنتاجه من أفلام يمكن تسميته بالمستقل إلى درجة أن المستقل صار هو السائد. هذا ليس عن تجاوب جماهيري ونهضة فنية ضاربة، بل لأن المهرجانات العربية وجوائزها المغرية وصناديق دعمها المجزية صارت مقصداً أساسياً للمخرجين والمنتجين العرب. من ناحية ثانية فإن الأسواق مقفرة فيما عدا المصرية التي لا زالت تقدم على عرض الأفلام التجارية السائدة لكنها تفتح المجال، من حين لآخر، لفيلم معاكس للإتجاهات السائدة عاش طويلاً على شاشاتها أو مر عابراً.
لا يمكن والحال كما ورد، إلا ملاحظة أن الأفلام المعروضة في كافّـة المهرجانات (ولابد من التحدّث عنها في مقال منفصل) هي بدورها ضد السائد. في كوريا كما في فرنسا وفي البرازيل كما في أسبانيا وفي العالم العربي كما في آسيا وأميركا اللاتينية عموماً، هناك السينما السائدة التي تعرض محلياً على وجه غالب وتلك الفنية التي تنتشر بين مهرجانات السينما ولجمهور هذه المهرجانات.
مايكل كيتون في "بيردمان"٠

ما يمكن الخروج به من هذا اللفتة صوب حال السينما المستقلة هي أنها منتشرة جيّـداً ولو أن الظروف الإنتاجية ما زالت صعبة كما كان عهدها سابقاً. ما برهن عليه العام المنصرم هو أن المخرج الذي استطاع شق الطريق صوب جائزة كبرى وبعض النجاح التجاري يسهل عليه تحقيق فيلمه التالي، في حين أن المسافة تتباعد بين أفلام المخرجين الآخرين إلا إذا كانوا ذوي شهرة عالمية وإن كان ذلك لا يعفي أي منهم من بطء الحصول على التمويل اللازم.

البديل المختلف
العام 2014 سيكون مشهوداً بأفلامه وليس بإنتاجاته. لشرح ذلك علينا أن نفرق بين الفيلم وبين الإنتاج ثم بينهما وبين السينما. الفيلم هو عرض الحال الذي يوفّـره المخرج ومن يقف وراءه إلى الجمهور. الإنتاج هو الوضع الشامل الذي يساعد أو لا يساعد المخرج (وذلك يعتمد على المخرج نفسه) تحقيق أعماله. ثم السينما هي الفن الذي تنتمي إليها كل الأفلام وطروحاتها ومشاكلها الإنتاجية والصناعية كما التعبيرية والثقافية.

ومن بين كل ما تم إنتاجه من مطلع السنة وإلى اليوم، يقف فيلم «بيردمان» منفصلاً عن سواه. إنه عن ذلك الممثل (مايكل كيتون) الذي يحاول إيقاف الزمن: يدرك أنه من عائلة "كان ذات مرّة" إذ عرف الشهرة والنجومية والأدوار الأولى وكلها انتهت، لكنه يريد أن يبرهن أنه لا يزال يستطيع أن يفي بفنّـه وأن يحقق نجاحاً ما ولو عبر وسيط مختلف (المسرح).
ما يتمحور الفيلم عنه، في طيّ هذا الموضوع هو العالم الذي يولّـي والآخر الذي يحل مكانه. ريغان كما يؤديه كيتون (وهو ممثل فات أوانه بدوره وسبق له وأن لعب شخصية «سوبرهيرو» إذ كان الممثل الأول تحت قناع «باتمان» في زمن الدجيتال) لا يعرف كيف الفايسبوك ولا التويتر وإبنته (إيما ستون) تسأله كيف يتوقع أن يعود نجماً وهو لا يتعامل مع هذين الوسيطين.  والسؤال مقصود فالفيلم يريد تقديم وضع يلخص ما تمر به صناعة السينما اليوم حيث ما ينقل ممثليها من الصفوف الخلفية إلى الأولى لم يعد الفيلم الناجح وحده، بل ما يتبادله ملايين المستخدمين لهذين الوسيطين من أخبار وآراء. الإنترنت بشُـعبِـه المختلفة هو ذلك الوحش الذي انقض على المشاهد المتلقّـي في الثمانينات وأقنعه بأن يتخلّـى عن التلقي وينتقل إلى دور الفاعل. بذلك لم يعد مهمّـاً، إلى حد كبير، ما يقوم الممثل به من أدوار، بل بما يراه الجمهور الجديد مهمّـاً لديه. 
من هذه الزاوية نفهم لماذا أفلام النجوم التي اعتبرت «كبيرة» فيما مضى تتساقط: جوني دب طمح كثيراً هذا العام في «تجاوز» Transcendence لإنجاز فيلم يعود فيه إلى تبوأ موقعه السابق الذي كان ضُـرب بفشل فيلمه «ذَ لون رانجر» (2013). روبرت داوني جونيور اندفع لتمثيل «القاضي» ليتلقّـف نجاحاً محدوداً للغاية (76 مليون دولار حول العالم علماً بأن كلفة الفيلم وصلت إلى 50 مليون دولار). هيو جاكمان هو عار من النجاح إذا ما ابتعد عن سلسلة «رجال إكس»، كذلك حال كريس إيفانز بطل «كابتن أميركا» وأول ما يخطو أندرو غارفيلد بعيداً عن «سبايدر مان» سينجز إخفاقاً شبيهاً بإخفاق زميله في ذلك الفيلم جامي فوكس وفيلمه الجديد «آني»
في الواقع فإن السبب الذي يعود فيه جوني دب إلى سلسلة «قراصنة الكاريبي» الذي يتم تصويره حالياً في أستراليا، والسبب الذي من أجله وافق روبرت داوني جونيور البقاء في ظل «آيرون مان» و«كابتن أميركا» و«شرلوك هولمز» كامن في أنهما يدركان الآن أن نجاحهما الوحيد مرتبط بهذه المسلسلات السينمائية. وهو نجاح لا يجيّـر لهما (ولا لأي من الممثلين الذين وقفوا في بطولات أدوار "سوبرهيرو" مشابهة) بل إلى تلك الأفلام التي تتدخل كل سنة لإنقاذ ستديوهات هوليوود من أعراض الإخفاق. 
والإيرادات تبرهن على ذلك: ستة من الأفلام الأعلى نجاحاً في الولايات المتحدة هي لأفلام مسلسلات. الأفلام الأخرى هي لتلك التي تصلح أن تكون مسلسلات في المستقبل
Hunger Games: Mockingjay 1

الستة المنتمية إلى مسلسلات هي «ألعاب الجوع: موكينجاي 1» (300 مليون دولار) و«كابتن أميركا: جندي الشتاء» (260 مليون دولار) و«ترانسفورمرز: عصر الإبادة» (245 مليون دولار) و«رجال إكس: أيام المستقبل الماضية» (234 مليون دولار) و«فجر كوكب القردة» (209 ملايين دولار) و«سبايدر مان المذهل 2» (203 ملايين دولار).
الأفلام الطموحة للتجربة ذاتها هي «حراس المجرّة» (أنجز 333 مليون دولار في الولايات المتحدة) و«ذَ ليغو موفي» (258 مليون دولار) و«غودزيللا» (201 مليون دولار).


حسب الروزنامة
مايكل كيتون ليس وحده الممثل الذي يحاول أن يلتقط وهجاً مضى. نجد آل باتشينو في «الإذلال» لباري ليڤنسون في السياق ذاته: ممثل سابق سيعود إلى المسرح لإثبات أنه لا يزال الفنان الكبير الذي جمع المجد من أطرافه سابقاً. كلاهما يجدان في المسرح الملاذ والفعل المجازي هنا هو أن المسرح لا يزال، إلى حد بعيد جدّاً، خال من الثورة الرقمية على عكس السينما التي تنهل منها لدرجة بات يُـخشى عليها من الإندثار تحتها. مثل هؤلاء الممثلين الذين لا يجرأون على الإنفصال عن أفلام المسلسلات (خوفاً من أي يتحوّلوا إلى مايكل كيتون آخر) الأفلام ذاتها التي تخشى أن تفقد جمهورها إذا ما عمدت إلى التخلّـي، ولو بمقدار معيّـن، عن علاقتها بالمؤثرات الغرافيكية والرقمية.
لكنها ورطة كما سبق وذكرنا سنة 2013 في إستعراض ذلك العام وورطة كما لا تزال حالياً. معظم نجاحات الصيف (الذي يبدأ حسب روزنامة هوليوود في الربيع) وغالبية الأفلام المذكورة أعلاه، من بين ما عرض في هذا الموسم العاجق، عليها أن تعتمد على ما يثير الجمهور فيقبل على الصالات، وهذه الإثارة لا يمكن أن تتم عبر الأفلام محض كوميدية أو درامية أو عاطفية أو حتى بوليسية، بل بأفلام السوبرهيروز التي كان منها، فوق ما ذكر آنفاً، «سلاحف النينجا المتحوّلة» و«300: صعود الإمبراطورية» و«أنا أصول» I Origins و«هركوليس» و«سن سيتي 2».
لا يعني ذلك أن كل ما يعرض في الصيف ينجح. الواقع أن كل واحد من هذه الأفلام المذكورة هنا سقط أو شارف على السقوط، لكن الكم الأكبر من إيرادات هوليوود لا تزال تحدث في الصيف داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية بعدما تمّـت برمجة جداول العروض في العالم حسب الروزنامة الأميركية فإذا ما يعرض في صيف نيويورك ودالاس ونيوجيرسي هو ما يعرض أيضاً في صيف لندن وستوكهولم ودبي.

عقل حاسوبي
هذا من أهم الأسباب التي تجد فيها السينمات المحلية من القاهرة إلى باريس ومنها إلى ريو ديجينيرو صعوبة في تقدّم صناعاتها المحلية. خذ الوضع الأوروبي على سبيل المثال تجد أن العام 2014 إستند في نجاحاته الأوروبية على ما دخل تلك الأسواق من أفلام هوليوود. النسبة المبدأية (لا زالت بحاجة إلى إعلان نهائي) يشي بأن 71 بالمئة من تذاكر صالات السينما الأوروبية بيعت لأفلام أميركية ما يعني أن أقل من 30 بالمئة هو مجمل ما بيع من تذاكر لأفلام أوروبية.
تأثير ذلك في العام 2014 كان أيضاً من تبعات الأعوام السابقة لأن ما نشهده هو إمتداد لظاهرة صاحبت إعتماد السينما الأميركية الملح على الإمكانات المبهرة وذلك منذ أن اخترق المخرج ستيفن سبيلبرغ موسم الصيف بفيلمه «جوز» Jaws سنة 1975 (قبله وبعده إلى سنوات قليلة كان موسم الصيف موسم تقوم فيه معظم صالات السينما حول العالم بإعادة القديم فقط). هذا ما لا تستطيع الأفلام غير الأميركية توفيره إلا لماماً. أحد هذه الأفلام النادرة هذا العام هو «لوسي» الذي انتجه وأخرجه الفرنسي لوك بيسون من بطولة سكارلت جوهانسن. لكن بيسون في نهاية المطاف هو أكثر المخرجين الفرنسيين تشبّـثاً بـ «الموديل» الهوليوودي وينجز أفلامه حسبه.
«لوسي» من ناحية ثانية، كانت له علاقة وطيدة بـفيلم أناريتو «بيردمان». تجد هذه العلاقة في التناقض: بطل بيردمان يحاول المستحيل لنجاح خارج إطار الزمن المعاصر. نجاح لا يعترف بالإنترنت وتوابعه. «لوسي»، في المقابل، هو عن إمرأة مصنوعة لتواكب العصر. مخّـها، حسب الفيلم، جهاز حاسوبي من نوع أوّل يستطيع فعل معجزات غير مسبوقة. وبطبيعة الحال، نجح «لوسي» بين الجمهور أكثر مما نجح «بيردمان» ما يؤكد أن النجومية باتت اليوم أيضاً من منتجات هذه المؤثرات بأكثر من طريقة.

الروس ينتقدون
الحال هذه، فإن ما يرفع من مستوى السينما لا يزال تلك الأفلام المختلفة عن السائد. والعام بدأ وفيراً في هذا الصدد. وكالعادة فإن مهرجان برلين هو المهرجان الكبير الأول الذي يطالعنا بما ينقذ ذواتنا من الإنصهار في أتون سينما الأكشن المجرد وهذا العام لم يكن مختلفاً في هذا الصدد. الفرنسي ألان رينيه عرض آخر أعماله، «حياة ريبلي» ثم رحل. السينما الألمانية قدّمت فيلمين جديرين هما  «محطات الصليب» لديتريتش بروغمان و«الشقيقتان المحبوبتان» لدومينيك غراف. ورشيد بوشارب عرض آخر أعماله «رجلان في البلدة» بنجاح محدود لكن «البيت الصغير» للياباني يوجي يامادا عوّض الباحث عن سينما تريد قول شيء مفيد ومختلف كذلك سودابه مرتضاى (نمساوية من أصل إيراني) التي قدّمت فيلماً جيّـداً عن الإسلام وجاليته في «ماكوندو» (يلتقي ذلك بموضوع في «رجلان في البلدة» إلى حد).
Black Coal, Thin Ice | فحم أسود، ثلج رقيق

صحيح أن لجنة التحكيم التي ترأسها وجدت في الفيلم الصيني «فحم أسود، ثلج رقيق» استحقاقاً للجائزة الأولى وهو الأمر الذي يبدو أقرب إلى لطخة في دورة هذا العام من برلين، إلا أن مهرجاناً عرض إثنين من أهم أفلام السينما الأميركية المستقلة هذا العام، وهما «صبا» لرتشارد لينكلتر و«ذَ بودابست غراند هوتيل» لا يمكن إلا وأن يفوز بالأولوية بين المهرجانات الأخرى. 
الفيلم الفائز بذهبية مهرجان «كان» السينمائي بعد أشهر قليلة كان الفيلم التركي «سبات شتوي» لنوري بيلج شيلان. مثل الصيني الذي أخرجه دياو يينان، عليك أن تكون رحب الصدر لتقبل هذه النتيجة على هنّـاتها. لكن هل عرف المهرجان الفرنسي عملاً خارقاً هذا العام؟ 
الفيلم الذي كان عليه أن ينال الذهبية في «كان»، حسب آراء عديدين هو الفيلم الروسي «حوت» ليفيثيان») لأندريه زيغنتسف. من ناحية هو فيلم جريء في طرحه النقد السياسي الموجّـه لروسيا اليوم، من ناحية أهم هو أكثر شغلاً ودراية وعمقاً فنياً من أي شيء عداه. وهو واحد من أفلام مشابهة تم تحقيقها ضمن الهدف ذاته من بينها «الغبي» ليوري بيكوف (مهرجان لوكارنو أولاً) و«الليالي البيضاء لساعي البريد» لأندريه كونتشالوفسكي (فينيسيا) و«تجربة» لألكسندر كوت (أبوظبي).

مواضيع شائكة
عربياً، بات مهرجانا أبوظبي ودبي محجة الباحث عن أفلام جيّـدة تأويه من ظلمة الأيام العصيبة. لولاهما، نقول ذلك بقدر كبير من الواقعية، لما كان من الممكن لهذه السينما أن تنمو على النحو الحاصل. الحذر الذي كان بدأ ينتاب الجهات الأوروبية حيال تمويل شبه مفتوح لمواهب عربية، وهو الحذر الذي لاحظناه في نهاية العام 2013 استمر. صناديق الدعم الإماراتية والقطرية باتت المعيل الأول. الجوائز الممنوحة في مهرجاني أبوظبي ودبي (وإلى حد قطر) وتلك التي تتبرّع بها مؤسسات ثقافية واقتصادية أوروبية بمناسبة هذا المهرجان أو ذاك، باتت المعيل الفعلي الذي يمكن كاتب السيناريو والمخرج من تحويل المشروع إلى فيلم. عدا ذلك، عليه أن يعتمد على المنتج الخاص الذي لا يتبرّع بل يخوض ما يراه مضموناً. 
وفعل الضمانة غير موجود. في الحقيقة الإلتباس الحاصل في هذه السنة خلال هذا العام لا يزال على ما هو: مع غياب أسس الصناعة (إنتاج، توزيع، جمهور) كيف يمكن لمثل هذا الدفق من الأفلام أن يتم؟ ما الغاية منه؟ ما الذي يستفيده الفيلم الذي ينتهي بعد عرضه إذا لم ينل توزيعاً محلياً أو عالمياً أو جائزة تعوّض بعض تكاليفه؟
الكلام مسحوب على جميع الإنتاجات بما فيها المصرية على الرغم من أن وضعها التجاري لا يزال أفضل منه في معظم الدول الأخرى. في العام 2014 استطاعت هذه السينما الأقدم عربياً من إنتاج 34 فيلما في حين اكتفت المغربية بنحو 22 فيلم. باقي الدول المنتجة عادة (لبنان، العراق، الأردن، سوريا، فلسطين، الجزائر، الكويت، تونس، اليمن، البحرين) تراوحت إنتاجاتها بين الفيلم والسبعة لكل منها (نتحدّث عن الأفلام الروائية أو التسجيلية الطويلة وليس القصيرة)
وحاولت السينما المصرية التطرّق لمواضيع حادّة في أفلام واجهتها الرقابة بحزم مثل «الملحد» لنادر سيف الدين (الدين) و«أسرار عائلية» لهاني فوزي (المثلية)  و«حلاوة الروح» لسامح عبد العزيز (الجنس) لكن الغالب بقي أفلام الأكشن والكوميديا مثل «الحرب العالمية الثالثة» و«الجزيرة و«الفيل الأزرق».
ليس من بين هذه الأفلام ما هو أعلى مما يرغب به الجمهور السائد. لكن مهرجان القاهرة، الذي عاد برئاسة قوية لسمير فريد، عرض عملين بارزين فنياً (ولو أن ذلك لا يعفي أحدهما من الهفوات) وهما «ديكور» لأحمد عبدالله و«باب الوداع» لكريم حنفي. بينما فاز مهرجان دبي بفيلم أحد المخضرمين الجادين وهو «قدرات غير عادية» لداوود عبد السيد بينما ذهب «القط» لإبراهيم البطوط إلى أبوظبي. كلاهما خرج من دون جوائز.

الوضع الماثل
لكن في حين أن السينما المصرية عرفت كيف تحافظ على الكم في الوقت الذي تتقدم فيه خطوات إلى الأمام بفعل رغبة بعض مخرجيها الخروج من النمط والتقليد، نجد أن السينمات العربية الأخرى توزّعت معالمها في إتجاهات متعددة ولو أنها فاعلة.
بعض هذا التفعيل لا زالت له علاقة بالأوضاع السياسية والأمنية السائدة في بعض أرجاء هذا العالم العربي. هذه منحت الفرصة لأكثر من مخرج لكي يطرح الحاضر والماضي معاً. لا حديث عن المستقبل.
المخرجة الإماراتية نجوم الغانم

في الشأن السوري المهدور شاهدنا «مياه الفضّـة» لأسامة محمد و«العودة إلى حمص» لطلال الدركي و«رسائل إلى اليرموك» لرشيد مشهراوي و«من غرفتي» لحازم الحموي. كلها تفي بالغرض في إتجاهات شتّى، لكن أكثرها التزاماً بالسعي لتمكين فن الصورة من قول كلمته هما «العودة إلى حمص» (عن بداية الثورة قبل أن تميد بها العواصف) و«من غرفتي» عن الرسم كتعبير عن الحالة الحاضرة. «رسائل الى اليرموك» و«مياه الفضّـة» يشتركان في أن تنفيذهما معدّ بواسطة الكومبيوتر: مراسلات من الداخل يولّـفها المخرجان مشهراوي ومحمد ويعطيانها وجوداً فيلمياً.
وفي حين أن الوضع العراقي لم يأت بجديد إلا أن ثلاثة أفلام برزت من هذا «اللا-جديد» هي «أوديسا عراقية» للمخرج سمير (كما يكتفي بذكر إسمه) و«صمت الراعي» لرعد مشتت و«ذكريات على حجر» لشوكت أمين كوركي. 
فلسطينياً، لازمت الأفلام رغبتها في الإعلان عن مواقف ولا يمكن لومها على ذلك كون الواقع على الأرض ما زال كما هو. لكن المخرجة سها عراف هي الأكثر ابتعاداً عن المألوف هذا العام إذ التزمت بخط درامي يقع في نطاق الطائفة المسيحية من دون الدخول في تفاصيل الوضع القائم. بذلك ضمنت التركيز على الوضع بدون شحنات سياسية على عكس ما أقدمت عليه نجوى النجار في «عيون الحرامية». فيلمان عن فلسطينيين يرفضون قيام السلطات الإسرائيلية بانتزاعهم من بيوتهم هما «روشميا» لسليم أبو جبل و«قهوة لكل الأمم« لوفاء جميل والثاني أفضل من الأول. 
السينما اللبنانية داومت نشاطاتها لكن من دون ذلك الفيلم الذي يتخطّـى الحواجز كما فعلت أفلام السنوات القليلة الماضية. في العام الماضي كان «يوميات شهرزاد» من أفضل أفلام السينما العربية وهذا العام بالكاد نجد واحداً هو «لي قبور في هذه الأرض» كلاهما لمخرجة (زينة دكاش ورين متري). لكن السينما الإماراتية أنجزت خطوة إلى الأمام إذ انتجت خمسة أفلام طويلة هي «من أ إلى ب» لعلي مصطفى و«الدلافين» لوليد الشحّـي و«سماء قريبة» لنجوم الغانم و«صوت البحر» (كلاهما تسجيلي وهي المخرج العربي الوحيد الذي أنجز فيلمين في سنة واحدة) و«عبود كونديشن» لفاضل المهيري.



[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014