Sep 29, 2014

سعيد مرزوق | جردة نصف السنة | جاك كلايتون | أفلام عن فينيسيا | هانيبال حسب ريدلي سكوت | آل باتشينو | قبل أن تبدأ كتابة السيناريو | ديمتري كيرزانوڤ | هوليوود ضد… | وحوش يونيڤرسال


 العدد 863 * السنة 8 

 في هذا العدد  
 الصفحة الرئيسية   
* الغلاف :  ما هو حال السينما في النصف الأول من هذا العام؟ ما هي أكثر الأفلام التي نالت إعجاب الناقد محمد رُضـا ؟
* إستعادة لأفلام المخرج سعيد مرزوق، السينمائي الذكي الذي  تحدى الخوف والجهل وحرر المرأة  | محمد رُضـا
 الصفحات العليا 
* مخرج | ميسر المسكي  يفتح صفحات من أفلام المخرج جاك كلايتون ويختار ثلاثة أفلام له معيداً إكتشاف حسناتها.
* انعكاسات حرّة : الناقد الشاب شريف حمدي كان حط في مهرجان ڤينسيا الأخير لأول مرّة وخرج بمقال استشفّـه من "سحر المدينة العائم" حول الأفلام التي دارت حولها.
* إستعادات : "هانيبال" لم يكن مجرد فيلم مخيفبل كان فيلماً مخيفاً جدّاً. الزميل مهنّد النابلسي يلقي نظرة. 
* ممثل : يتحدّث آل باتشينو إلى محمد رُضــا عن فيلميه الجديدين وبعض ماضيه الحافل في مقابلة كاشفة عما جال في باله عندما مثل شخصيّـتين متشابهتين إلى حد.
* مهرجان : إنطلق مهرجان السينما الصامتة في مدينة سان فرانسيسكو  في الأسبوع كاشفاً عن تحف من تاريخ منها ذلك الفيلم حول الأمير أحمد | محمد رُضــا 
* سيناريو : ماذا عليك أن تعرف قبل أن تبدأ كتابة السيناريو الأول؟ الحلقة الأولى حول ما هو أبعد من البديهات |  محمد رُضا
* تصوير : من يريد أن يعرف أكثر عن فن التصوير السينمائي، وكيف يمكن أن تروي الحكاية كلها بصرياً، هذا الفيلم لك |  محمد رُضا
* سيناريو : ماذا عليك أن تعرف قبل أن تبدأ كتابة السيناريو الأول؟ الحلقة الأولى حول ما هو أبعد من البديهات |  محمد رُضا
* تاريخ : ما هي الأفلام الأولى التي انتجتها هوليوود ضد الشيوعية، وكيف تصرّف المنتج الأسطوري هوارد هيوز حين أراد تزويج مخرجيه من فيلم رفضوه؟  |  محمد رُضا
* شخصيات : دراكولا مات… لم يمت… أو هو يرفض أن يموت! |  محمد رُضا

جردة نصف سنة من زيرو مصطفى إلى روجر  إيبرت مروراً بباريس 
 محمد رُضا 

منذ مطلع العام وإلى نهاية شهر آب/ أغسطس شهدت السوق الأميركية عرض 140 فيلم في صالات السينما وعشرات كثيرة في سوق الأسطوانات المدمّـجة. إنه المعدّل ذاته في كل عام حيث تنطلق الأفلام صغيرة وكبيرة ومتوسّـطة ومن كل إتجاه ونوع لاحتلال شاشات السينما في شمالي القارة الأميركية كما حول العالم. والرقم المذكور هو فقط للأفلام المنتجة أميركياً وليس لتلك المستوردة للعرض في الصالات الأميركية. هذه تصل إلى 27 فيلماً رئيسياً إلى اليوم منها الفيلم الفلسطيني «عمر» ومنها الفيلم البريطاني «لوك» ومنها الإيطالي «إلق اللوم على فرويد».
وليست جميعها أفلام روائية ولو أن هذا دائماً هو الغالب، بل هناك التسجيلي وبالطبع الكثير من أفلام الأنيميشن. بالنتيجة، هي خلطة معقولة ومتوقّـعة في سوق زاخر يتحمّـل صالات تعرض المحدود كما العروض السائدة على حد سواء.
والأسواق العالمية بدورها تعرض الكثير من كل ذلك وفوقه الأفلام المنتجة محلياً. السوق الفرنسية لديها مئات الأفلام المعروضة كل أسبوع. بذلك تحافظ على صيتها كعاصمة للعروض السينمائية العالمية. وإذ تنتقل ما بين السان جرمان والشانزليزيه أو بين روتردام ونواحي مونبرناس، تجد الكثير مما تبحث عنه في تلك الصالات الصغيرة التي تعتقد أن أحداً لم يعد يؤمّـها. صالات تعرض فيلماً قديماً لإيليا كازان أو برنامجاً من الأفلام البولندية أو تظاهرة لنوع الفيلم نوار أو إعادة لأفلام الحرب الفرنسية القديمة… قد تسأل نفسك "من يهتم؟". إدخل إذاً وشاهد بنفسك أن هناك من يهتم. الكثيرون ممن يهتمّـون حقاً. أمر مفقود في تربتنا العربية اللاهثة فقط وراء ثلاث جنسيات في مقدّمتها الأميركية وتليها، عن مسافة، الهندية والمصرية.
طبعاً السائد أسمه كذلك لأنه يسود. ولا يمكن نكرانه ولا نسعى لذلك. والأشهر الستّـة التي انقضت على مطلع العام الحالي كافية لمعرفة كيف يتبدّى نوعياً. ما هي الأعمال التي ارتفعت بمقوّماتها الفنية وما هي تلك التي سقطت بسبب فقدانها لتلك المقوّمات. لكن الإختيارات اللاحقة لا تتألّـف منها فقط، بل مما شوهد حتى الآن من كل نوع وإتجاه.

الثلاثة الأولى
• «فندق بودابست العظيم» *****    The Grand Budapest Hotel

زيرو مصطفى، الشخصية المحبوبة في فيلم وس أندرسون البديع «فندق بودابست العظيم»، تساهم في خلق جو خاص لحكاية فانتازية تقع في عالم شائك يبدو جنوحاً في الغرابة كما ينطق في الوقت ذاته بالواقع (وليس الواقعية). صبي الفندق الكائن في بعض مرتفعات الألب ورئيسه مدير الفندق (رالف فاينس) يتوغلان في مغامرة تخلع عليهما رداء الصداقة في فيلم لا يتوقّـف عن مداعبة المشاهد بشخصياته ومفارقاته.
• «دبلوماسية» Diplomatie *****

في كان، بعيداً عن الولع باللمعان الإعلامي، عرض المخرج الألماني ڤولكر شلندروڤ عملاً خاصّـاً ورائعاً بعنوان «دبلوماسية»: باريس في ليلة الرابع والعشرين من أغسطس (آب) سنة 1944. الجنرال فون شولتيتز خطط لنسف المدينة مع إقتراب قوات التحالف. المستشار راوول نوردينغ يتسلل إلى مكتب الأول وطوال ساعة ونصف يحاول إقناعه بعدم إصدار هذا الأمر. تمثيل نيلز أرستروب وأندريه دوسولييه جزء من التكوين الفني العام لهذه المسرحية التي تم تفليمها بحرص شديد لصنع فيلم ينتمي إلى نوعية نادرة بعيدة تماماً عما يروج في الأسواق أو ما قد يثير إهتمام المهرجانات معاً.
• «ليفياثان» Leviathan  ****

يمكن تناول الفساد الإداري في أي بلد، لكن في دولة مثل روسيا اعتقد الكثيرين أنها ستندمج مع دواعي التغيير بعد الحقبة الشيوعية فإن المسألة تختلف. وتختلف أكثر إذا ما كان هذا النقد محاط بإدمان الكاميرا على التقاط أفضل ما يمكن توفيره بصرياً من جماليات. إنه عن ذلك الرجل الذي يواجه فسادا إدارياً ليكتشف أيضاً أن حياته العائلية مخترقة. حين تأتي الجرّافة لهدم منزله تبدو مثل وحش كاسر يأكل أعماقه. فيلم رائع لأندريه زفيغانتسيف رغم بعض التكرار في فحوى المواقف.

سينما الأنواع
هوليوود هي مرتع سينما الأنواع. هناك عشرات منها من بينها البوليسي والأكشن والوسترن والرعب والخيال العلمي والدراما الإجتماعية والدراما العاطفية والكوميديا. ومثل كل سنة كان هناك، من بين ما عرض في الأشهر الست السابقة، ما يستحق الإشادة في كل نوع.
•  بوليسيا:

«أليست تلك الأبدان قديسية» **** Ain't Them Bodies Saints لديفيد فلاوري يقف على قمّـة الأعمال البوليسية. انطلق لعروض محدودة قبيل نهاية العام وبمعجزة بقي لأسبوع أو أسبوعين في بعض صالات السنست بوليفارد في هوليوود. صغير ومشبع بالمفاجآت (ولو أن هناك ثغرات درامية غير مفسّـرة) ومصنوع بحب لسينما متوارية.

رسوم متحركة
"إلى أن يفرق بيننا سبورينو"٠
كلها باتت تتشابه لكن أفضلها فيلمين من عروض مهرجان أنيسي: «ليسا ليمون والبرتقال المغربي: قصة حب سريعة» **** لمايت لاس (ليتوانيا)  والثاني الفيلم البرازيلي «إلى أن يفرّق بيننا سبورينو» ***** لأوتو غويرا وإنيو توريسان. الأول من أستونيا ويدور حول صبي لاجيء من الساحل المغاربي عبر مركب صغير تحطّـم قبل وصوله الشاطيء الإيطالي يقع في أسر إدارة مصنع لمعجون البندورة حيث يُـعامل كعبد. الثاني برازيلي حول بلد صغير مجهول يقع خلف جبل عال. عندما ينهار وينكشف أمره يسارع المستثمرون الآتون من البلد المجاور للإستثمار فيه. إنه عن كيف يؤثر ذلك على الحياة والثقافة ولا ينسى تقديم قصّـة حب تمتد كعمود فقري.
أميركياً تتشابه التقنيات والمواضيع كثيراً لكن أحد الأكثر تميّـزاً وفانتازية «كيف تدرّب تنينك   *** للأميركي دين ديبوا. يعود إلى حكايات الفايكنغ ويحتفي بسخافة مفارقاته إنما على نحو كوميدي لطيف.

خيال علمي
على كثرة ما عُـرض فإن «غودزيللا» Godzilla *** لغارث إدواردز لا يزال الأفضل. لا يهم أن «ترانسفورمرز 4» ** و«رجال إكس: أيام الماضي المقبل» ** حققا شعبية أعلى. إنه الأفضل من حيث معرفته كيف لا يزال قادراً على إثارة الدهشة. 
«حافة الغد»  Edge of Tomorrow *** لدوغ ليمان لا بأس به. لا تتوقّـع أنه سيتحسّن لكنه يفعل ذلك واضعاً حكاية بطله توم كروز وسط إعصار من الحلقة المفرغة ليكسرها في الوقت المناسب ويمنع عنها التكرار والضجر.
تسجيلي
«الحياة ذاتها» Life Itself *** لستيف جيمس هو الأفضل هذا العام من بين حفنة من الأعمال التي شوهدت (معظمها في مهرجاني برلين وكان). ليس لأنه عن زميل ناقد (روجر إيبرت) بل لأنه يستعرض من خلال حياته مواقفنا وأحلامنا وإحباطاتنا أيضاً.

سينما عربية
آسف. لا يوجد.




 أفلام سعيد مرزوق  تحدّى الخوف وحرّر المرأة                            
 محمد رُضا 

في العام 1971 حقق مخرج شاب أسمه سعيد مرزوق أول فيلم روائي طويل له وكان عنوانه «زوجتي والكلب» من بطولة سعاد حسني ومحمود مرسي ونور الشريف. هنا سجل إبن الواحدة والثلاثين حينها والذي رحل يوم أول من أمس عن 74 سنة، أطلالته على عالم أحبّـه وأخلص له وبرع فيه.
نستطيع أن نتخيل فتى فقيراً أثاره الفن منذ صغره. فرح عندما رسم وفرح عندما أخذ يعرض رسوماته في جمعيات أهلية. أحب الموسيقى وأقدم على السينما، ذلك الفن الذي يجمع بين الفنون الأخرى والذي استهواه كون منزل أسرته كان قريباً من ستديو مصر.
لم يدرس بل مارس. سنة 1967 قام بإخراج أغنية تلفزيونية مصوّرة بعنوان «أنشودة» وبعدها أخرج فيلماً قصيراً بعنوان «أعداء الحريّـة» في العام التالي. وفي العام 1970 حقق فيلماً قصيراً آخر هو «دموع السلام»
«الثيمة» التي بنى عليها المخرج مرزوق فيلمه الأول، كونه كتب- كما حال أفلام أخرى له- السيناريو عن قصص وضعها بنفسه، تتعلّـق بالغيرة: محمود مرسي عريس جديد يعود إلى عمله بعد حفلة الزفاف ويستقبل التحيات ويبتسم للتهاني. نور الشريف هو الشاب الصغير الذي لا يزال طري العود لا يعرف الكثير عن الحب لكنه مستعد لأن يكشف دوماً عن رغبته في نساء الجميع. هذا يولّـد لدى العريس ظنوناً لا يدرك وجودها في داخله إلا من بعد أن يطلب من الشاب، الذي سيغادر المكان عائداً إلى القاهرة، نقل رسالة لزوجته. تنتاب الزوج الشكوك خلال غياب الشاب ولا تهدأ بعد عودته. الظن الماثل في داخله يتحوّل إلى يقين مبني على أفكار مجنونة.
استعان المخرج سريعاً بأحد أفضل مدراء التصوير حينها عبدالعزيز فهمي، ولأن المكان الذي تقع فيه العديد من الأحداث داخلية (منارة) تتطلّـب الأمر علاجاً خاصّـاً للضوء والظل خصوصاً وأن مرزوق كان قرر أن يحقق فيلمه بالأبيض والأسود. 
فيلم سعيد مرزوق الثاني كان بالألوان ولو أنه بدا كما لو كان بالأبيض والأسود. الإستحسان النقدي والجماهيري للفيلم الأول دفعه على الفور لوضع قصّـة ثانية (هذه المرّة بالإشتراك مع مصطفى كامل) ولتقديم سعاد حسني ونور الشريف معاً للمرّة الثانية تحت إدارته وذلك في فيلم «الخوف» (1972).
"زوجتي والكلب"٠
إذا كان الفيلم السابق دار عن الوحشة العاطفية والشك المؤدي للإنهيار، فإن الفيلم الثاني هذا كان عن الإنهيار ذاته. حرب 1967 انتهت. التصدّي بدأ. مصر مهزومة لكنها تحاول الوقوف على قدميها كحال الفتاة النازحة من أحد مدن السويس إلى القاهرة التي تتعرّف على الصحافي (نور الشريف) صدفة. في وله رائع بالمكان وتصوير آسر (أنجزه هذه المرّة عبدالحليم نصر) حقق المخرج أحد أفضل أفلامه إلى اليوم. إذ يدلف الشابّـان إلى إحد المباني المهجورة ويتبادلان البوح بالمكتوم حول الحياة والمستقبل (مستقبل البلاد ومستقبل أبنائه أيضاً) يقصد المخرج تجسيد حالة الخوف التي يشعر بها الجميع في ذلك الحين. عدم الإستقرار والإرتهان إلى آمال موعودة بالحياة الأفضل. كذلك، «الخوف» هو عن العيون الراصدة. حارس العمارة (الراحل أحمد أباظة) يكتشف وجود هذين الشخصين في المبنى فيبدأ بملاحقتهما. الفكرة المنجزة هنا هو أنهما كانا سيتمتّـعان بالخلوة (البريئة) لو طلبا إذنه، كونهما لم يفعلا فإن ذلك إنتقاصاً من "سيادته"

نقد الحكومة
«أريد حلاً» بعد ثلاث سنوات كان الوهج التجاري الأكبر لهذا المخرج الفذ. 
كتبت الصحافية حسن شاه حكاية الزوجة درية التي تتعرّض للإهانة والتعنيف من قِـبل زوجها، والتي لا تملك حقوقاً كافية حتى في أبسط حقول الحياة المشتركة. تحمل شكواها إلى المحكمة طالبة الطلاق. هذا الطلب ليس سوى بداية رحلة عويصة تسدل عليها القوانين المرعية الكثير من الحواجز. لكن دريّـة لا تكل ولا تستسلم في الوقت الذي تبدأ فيه ممارسة حياة مستقلّـة إذ تجد عملاً يساعدها على الإكتفاء. ما تواجهه بعد ذلك هو شهود زور يأتي بها الزوج واضعاً المحكمة في مأزق القرار. 
أدار مرزوق هنا الممثلة فاتن حمامة وحولها لمع رشدي أباظة وليلى طاهر وأمينة رزق. الغاية والمعالجة كانتا مختلفتان عن فيلمي مرزوق السابقين فالموضوع لم يعد رمزياً فقط، بل انفصل عن سرد حكاية شخصيات تعيش في معزل «منارة» بحرية في الفيلم الأول والعمارة المهجورة في الفيلم الثاني. ما بقي هو أن «زوجتي والكلب» كان عن الرجل الذي لن يعرف، على الأرجح، تقدير حبّ زوجته له، والثاني عن إثنين لم يبلغا بعد مرحلة متقدّمة من العلاقة، أما هذا الثالث فكان عما يمكن أن يحدث بعد سنوات من الزواج يكتشف الزوجان فيها أنهما حياتهما لم تكن أرض العسل والورود التي حلما بها.
من هذا الفيلم الذي أنجز له حضوراً جماهيرياً ونقدياً لم ينله من قبل، إلى عمل آخر لا يقل عنه أهمية في تاريخ السينما المصرية وهو «المذنبون» عن قصّـة الأديب نجيب محفوظ كتب لها السيناريو ممدوح الليثي. 
الفيلم، كالرواية، تدور حول جريمة قتل وشركاء. رواية نجيب محفوظ قصدت أن تسرد، في السبعينات، حكاية تتوزّع فيها الإتهامات بتوزّع المشتركين في ذنوب لن ينالها القانون بالضرورة. نعم القاتل واحد، لكن الجميع قتلة على نحو أو آخر. بذلك الرواية هي فرصة المؤلـف (ثم المخرج) لتقديم بانوراما من الشخصيات التي ارتكبت في حق المجتمع جرائم تساوي جريمة القتل ذلك. هناك رجل السلطة الفاسد، والناظر الذي يغش لينجح بعض تلامذته لقاء المال، والتاجر الذي يحرم الناس من البضائع المدعومة ويبيعها بسعر أعلى للأثرياء ورئيس شركة مقاولات حكومية يرتكب المخالفات، وكل هؤلاء كانوا في حفلة ليليّـة لجانب خطيب الممثلة المقتولة وأحدهم فقط هو الذي أزهق روحها.
لم يعد مهماً هنا من (ولو أن ذلك سيُـكتشف بالضرورة) ولا حتى لماذا (خيانة عاطفية)، بل كيف أن هؤلاء جميعاً مذنبون وعلى نحو ليس بعيداً عن رواية نجيب محفوظ الأخرى «ثرثرة فوق النيل» الذي حققها للسينما سنة 1971 المخرج حسين كمال أو عن روايته الأخرى «الكرنك» التي نقلها علي بدرخان إلى الشاشة سنة 1975 أي قبل عام واحد من «المذنبون».

مباشرة
حافظت أفلام سعيد مرزوق التالية على الزاوية النقدية الإجتماعية، وإن لم تستطع الإحتفاظ دوماً بالنوعية الفنية التي مارسها المخرج فيما سبق من أفلام. أنجز على التوالي «حكاية وراء كل باب» (عن رواية لتوفيق الحكيم، 1979) و«إنقاذ ما يمكن إنقاذه» (عن سيناريو لمرزوق نفسه، 1985) ثم «أيام الرعب» (قصّـة جمال الغيطاني، 1988) و«المغتصبون» (1991). الحكايات كانت فردية وميلودرامية الوقع هذه المرّة. ليس على نحو خال من الإبداع، لكن على نحو يفتقر إلى دلالات مرزوق المشبعة بالفن. حكاية «أيام الرعب»، مثلاً، كانت تدور حول فكرة الخوف من الإنتقام حسب تقاليد أهل الصعيد، و«إنقاذ ما يمكن إنقاذه» عن علاقات إنتهازية تبقى ضمن نطاق الشخصيات وبالكاد تستطيع أن ترمز لمؤسسات أو مرجعيات. لا شيء عن قانون آن وقت إصلاحه، ولا شيء عن الخوف من العيون الراصدة ولا عن الفساد الإداري المستشري. 
لكن هذا الوضع يتغيّـر عندما أخرج مرزوق قصّـة سينمائية كتبها بنفسه ونفّذها كسيناريو فيصل ندا. هناك نداءات من ماضي المخرج الحافل بالنقد في حكاية شاب وخطيبته يخرجان في نزهة فيعترض طريقهما خمسة شبّـان يخطفونهما ويعتديان على الفتاة. كل المستقبل الحافل بالوعود ينهار. كذلك ميزة المخرج في أفضل أعماله السابقة. هنا الطرح مباشر. المشاعر مطبوخة سلفاً ومتوقّـعة.
لم ينقذ الوضع فيلمه التالي «المرأة والساطور» (1997) بطولة نبيلة عبيد، لكن لا ريب أن هذه الأفلام على ما انتابها من تخلي المخرج عن سينما التأمل والترميز، إلى سينما أكثر مباشرة، وبالتالي أكثر اقتراباً مما يود الجمهور استنشاقه من معالجات واضحة، تبقى أفضل من الكثير جداً من أفلام تلك الفترة التي حققها آخرون. 
في تكوينه الخاص، سجّـل مرزوق حضوره بإلمامه الشامل بشروط الصورة المطلوبة وبالموضوع الذي يثير اهتمامه ومن خلال هذين العنصرين أنجز عدد قليلاً نسبياً من الأفلام (أربعة عشر فيلماً) آخرها سنة 2002 (هو «قصاقيص العشاق»). من ذلك التاريخ وإلى وفاته وجد نفسه يعيش في عزلة بعيداً عن ساحاته الفنية.
كان اضطر لعملية قطع ساقه بعدما أفسد خلاياها السكّـري، ثم عانى من المرض ورحل وهو على هذا النحو، لكن الرحيل الحقيقي بدأ، كما حال مبدعين آخرين كثيرين، قبل أن يقطف الموت أنفاسه.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2014