Mar 6, 2015

مئوية أورسن وَلز: ما قبل «المواطن كين» وبعده

     
The Daily / 6.3.'14


هاريسون فورد
* قبل يومين تناقلت المواقع (تنقل عن بعضها البعض أو عن مصدر واحد!) أن الممثل هاريسون فورد سيعيد تمثيل دوره في تكملة لفيلم «بلايد رَنر» Blade Runner الذي هو، لديّ، من بين أفضل فيلمين أو ثلاثة لمخرجه ريدلي سكوت. 

* بعد يومين، وقبل أن ينتشر الخبر أنقل هنا أن فورد كاد أن يلقى حتفه عندما استقل طائرة خاصّـة بمحرك واحد تعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية وطار بها من مطار منطقة فنيسيا (غربي لوس أنجيليس) لكن ما أن طار وارتفع حتى وقع. بالأحرى، حتى أكتشف أن المحرك توقف عن العمل. بسرعة بديهة اتصل بالمطار وأخبرهم ما حدث وأنه بحاجة لأن يعود المطار على الفور. لكن هاريسون لم يستطع الوصول إلى المطار بل ارتأى والوضع صار مسألة حياة أو موت، أن يهبط في حقل غولف قريب… وهكذا فعل.

* التقارير تقول أنه يرقد الآن في مستشفى UCLA في حالة لا بأس بها، لكن الذين شاهدوه على أرض ملعب الغولف قالوا أنه كان مدمّـى. هذا لا يمنع أن تكون حالته مرضية وأن الخطر زال عنه. 

* كان قبل أشهر قليلة تعرّض لكسر في الساق خلال تمثيل دوره في «ستار وورز» المقبل. وتوقف التصوير حينها إلى أن عاد ليكمل ما بدأه. 

 محمد ملص
*المخرج الأستاذ محمد ملص بعث برسالة مهنئاً إياي على كتاب كنت وضعته قبل عامين بعنوان «السينما العربية في بحر المتغيّـرات». يقول: 
"أصارحك يا محمد أنه ما أن أتيح لي أن أقرأ كتابك الهام لم أستطع إلا وأن أبحث عن طريقة استطيع من خلالها أن أعبر لك عن شكري العميق وتقديري في هذا الزمن البائس. شكراً من جديد لهذه القراءة العميقة للواقع ولقراءة ما استطاعت السينما العربية أن تقدمه. قراءة عميقة كما هو معتاد في كتاباتك دائماً".

* أنحني تواضعاً يا أستاذ محمد وأشكرك على كلماتك هذه. أنت واحد من أفضل المبدعين الذين أنجبتهم السينما العربية وهم في النهاية قلة. 

 مئوية أورسون وَلـز 
 محمد رُضا 

 رحلة في تاريخ فنّـان عبقري سبق عصره 
I
ما وراء «المواطن كين»

أورسن وَلز المولود في العام 1915 يستحق التوقف
عند أفلامه التي من الصعب حصرها. بعضها اكتمل
وبعضها الآخر بقي مشاريع وحيزاً منها تم تصويـــر
بعض أحداثها وتوقفت. هذه الدراسة التي نشرت 
جزئياً في «الشرق الأوسط» ستأتي على أعمال 
النابغة ومتاعبه مع نفسه، سينماه والعالم٠

في هذه الأيام بات سهلاً على أي فتى أو فتاة فوق الثانية عشر ودون العشرين صنع فيلم ما. التقنيات الحديثة وعدم الحاجة إلى كاميرا سينمائية ولا إلى فيلم وتغيير عدسات وفّـرت الوسيلة لذلك. كل ما على الفتى الراغب في تصوير فيلم ما هو أن يخرج تلك الكاميرا من الصندوق الذي بيعت فيه. قراءة بعض الإرشادات ثم وضع عينه على العدسة والضغط على الزر. وفي أحوال كثيرة فإن وضع العين لم يعد شرطاً. ولا الكبس على الزر لتشغيل الكاميرا. وبل ما عاد هناك ضرورة للكاميرا أساساً: يستطيع أن يخرج هاتفه ويصوّر به.
تقدّم؟ بالكاد. تخلّـف؟ حتماً. من يقبل العمل بهذه الطريقة لا يقدم على أكثر من فعل التصوير. من يريد الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك عليه، بكاميرا دجيتال أو بكاميرا سينما، أن ينطلق وراء هذه الأدوات الجاهزة والحيل المتوفّـرة. وفي عالم اليوم، إن لم تكن عبقري كتابة أو إخراج، فإن كل ما تستطيعه هو أن تصنع تلك الصور المتتالية وتسمّـيها فيلماً
وتسمّـي نفسك مخرجاً.
في العام 1941 لم يكن أي من هذا التطوّر الآلي متوفّـراً. لكي تخرج عليك أن تتمتع بالدراية الكاملة لكل ما يتألّـف منه الفيلم السينمائي، أو بعبقرية طموحة أو بكليهما معاً. أورسن وَلز، المولود في السادس من مايو (أيار) سنة 1915 كان من أولئك الذي احتوى الدراية والعبقرية والطموح معاً. وعندما حقق أول أفلامه، وهو «المواطن كين» Citizen Kane لم يكن تجاوز الرابعة والعشرين من عمره. لجانب تحقيقه الفيلم كمخرج كتب السيناريو (مع هرمان مانكوفيتز) وقام بإنتاجه وبطولته.
لا أحد في هوليوود قبل ذلك الحين سمع عن مخرج دون الثلاثين. لكن وَلز في ذلك السن المبكر لم يستطع فقط إخراج فيلمه الأول من إنتاج هوليوودي (شركة RKO Radio التي كانت من أكثر شركات هوليوود نشاطاً آنذاك)، بل جعله أحد أهم أفلام السينما إلى اليوم. قلّـماً، وبل نادراً، أن لا يأتي ذكره بين أهم خمسة أفلام لكل ناقد يستحق الكلمة في أي مكان من العالم.

حمل شكسبير صغيراً
نستطيع فقط أن نتخيل شاباً يدخل مكاتب الشركة المذكورة (التي اسسها 1928 جوزف ب. كندي وديفيد سارنوف الكائنة في نيويورك وفي يده مشروعاً مكتوباً يحمل إسم «المواطن كاين» مبني على شخصية الإعلامي والناشر الأميركي وليام راندولف هيرست مع تغيير الأسماء للنجاة من إحتمالات رفع الدعوات القضائية. نتخيل فقط، ولا نعرف كيف تفصيلياً، استطاع أن يقنع شركة الإنتاج بتمويل عمله وتبنّـيه وقبوله مخرجاً. ميزانية الفيلم بلغت 686 ألف دولار (نحو عشرة ملايين من دولارات هذه الأيام) والنتيجة فيلم حلّـق بعيداً فوق أي عمل سينمائي آخر في تلك الفترة. 
كيف تمّ لوَلز إقناع الممولين بعمله؟ هل وضع رسومات لفيلمه تبيّـن تفصيلياً ما الذي يريد فعله؟ هل تحدّث بحماس الشباب لدرجة أن رق قلب المستمعين وقرروا منحه الفرصة، أم فعلوا ذلك لكي يتخلّصوا من إلحاحه؟ أم هو استخدم الحيلة في ذلك؟
أورسن وَلز، المولود في بلدة تحمل إسماً هندياً هو كينوشا في ولاية وسكونسون (وهو إسم هندي آخر)، دائماً ما عمد إلى الحيلة. كان في السادسة عشر من عمره عندما كان في زيارة لمدينة دوبلين في أيرلندا عندما توجه إلى مسرح «غايت ثيتر» وقدّم نفسه كنجم مسارح برودواي في نيويورك (من حسن الحظ أن الإنترنت والقدرة على جمع المعلومات كانا على بعد سنوات ضوئية من اليوم). ليس فقط أن أقنع مدير المسرح (هيلتون إدواردز) بمنحه الفرصة للتمثيل، بل سريعاً ما أصبح فارساً بين مسرحيي «غايت ثيتر» ولو أن هيلتون إدواردز لاحقاً ما قال أنه كان يعرف أن وَلـز كان كاذباً في إدعائه أنه نجم برودواي، لكنه أعجب بحماسه.
بعد نحو عامين، حاول وَلز الأمر نفسه في لندن، لكنه هذه المرّة لم يجد عملاً، وحين وجده لاحقاً إكتشف أنه بحاجة إلى رخصة عمل وعندما لم يستطع الحصول عليها عاد إلى الولايات المتحدة.  في العام 1933 تعامل مع شكسبير لأول مرّة حين وضع سلسلة من الكتب المرسومة بعنوان «شكسبير الزئبقي» وفي العام ذاته وجد نفسه ممثلاً في «روميو وجولييت» على أحد مسارح نيويورك. وفي العام التالي، بات لديه برنامجاً إذاعياً (الإذاعة كان لها التأثير الثاني بعد السينما في ذلك الحين) في الوقت الذي داوم فيه التمثيل المسرحي مغيراً بنجاح على «هاملت» و«ماكبث»  و-مرّة ثانية- على «روميو وجولييت».
أورسون وَلز، وهو لا يزال في العقد الثاني من عمره، حمل شكسبير معه أينما حط. على المسرح وفي الإذاعة حيث قدّمه في النصف الثاني من الثلاثينات. لكن الأثر الكبير الذي تسبب في نجاح وَلز الإذاعي كان تقديمه رواية  هـ. ج. وَلز (لا قرابة) «حرب العالمين» The War of the Worlds على الأثير، متسبباً بإشاعة الهلع من تعرّض الولايات المتحدة إلى هجوم من العالم الآخر. السبب في ذلك المنحى التقريري والإخباري الذي عمد إليه أورسون منتجاً ومخرجاً، فخلال بثـه الأحداث الخيالية، كان يأمر بقطع الإرسال وتقديم أخبار (ملفّـقة بالطبع) عن غزو خارجي . حيلته هذه أثمرت عن نجاح ممطلق وذعر بعدما اختلط الأمر على العديدين معتقدين أن الأمر حقيقة. 

قمم تعبيرية
«المواطن كين» كان قمّـة ولا يزال. ليس هناك من مبدع آخر في السينما استطاع إنجاز عمل مشابه له حتى الآن: سيرة حياة نصف مختلقة- نصف حقيقية حول مليونير كبير أسمه كاين، دفع بطموحاته لتتجاوز سقف القدرات وانتهى مهزوماً في حبّـه وفي طموحاته. لكن هذا ليس سوى جزء من الإبداع، الجزء الأكبر هو كيف أنجز المخرج عمله ذلك سواء من حيث مزج أساليب وأشكال تعبير (السرد الروائي، بعض الرسوم المتحركة وبعض التسجيلي) كما من حيث استخدامه التصوير (للعبقري الآخر غريغ تولاند) والمونتاج (المخرج لاحقاً روبرت وايز)
استخدم المخرج ومدير تصويره كاميرا سوبر 18 التي كان يمكن لها أن تؤدي العمل ذاته للكاميرا التقليدية 35 مم، لكنه زوّدها بعدسة عريضة. ثم ركّـزا على منح الصورة عمقاً داخلياً عوض أساليب إبراز كل شيء إلى الصف الأمامي أو جعل الخلفية خارج «الفوكاس». غريغ تولاند كان في أوج رونقه مستخدماً أسلوب تصوير الفيلم نوار ووَلز كان سابقاً لعصره بأجيال عندما صنع من كل مشهد فصلاً خاصّـاً به ولو ملتحماً، في سياقه سردياً، بالمشهد التالي. 
بعده واصل وَلز تحقيق تحف أخرى ولو أن «المواطن كاين» بقي أهمّـها: «عائلة أمبرسونز الرائعة» (1942)، «رحلة إلى الخوف» (1943)، «الغريب» (1946) و«عطيل» (1952) الذي نال ذهبية مهرجان «كان» في ذلك العام
له أربعون فيلم آخر، لكن وَلز كان كثيراً ما تعرّض إلى الإفلاس مادياً. باشر أفلاماً وتوقّـف عنها. أنجز بميزانيات أقل مما تستطيع تحمّـل أفكاره. ضاع دربه عندما لم تعد هوليوود تثق به وتعتبر أنه حقق أفضل ما استطاع  عبر إنجازاته الأولى.
المخرج بيتر بوغدانوفيتش لاحظ أن "الجميع (في هوليوود وخارجها) كان يتغنّـى بأنه تناول العشاء مع أورسون وَلز، لكن أحداً لم يدفع له دولاراً واحداً لكي ينتج له فيلماً".
توفي سنة 1985 حاملاً ثقل أعماله المهمّـة تمثيلاً وإخراجاً وكتابة، لكنه غير قادر على تنفيذ كل ما حمله من أحلام وطموحات… تماماً كحال بطله في «المواطن كين»!


II
ما بعد «المواطن كين»

عائلة إمبرسون الرائعة

حياة أورسن وَلز المهنية لم تكن سهلة. نجاح «المواطن كين» كان نقدياً (وهذا لم يكن كبيراً في ذلك الوقت بل محدوداً) ولم يكن تجارياً. هوليوود لم تحب ذلك الفتى الذي أنجز فيلماً مغايراً لما تنتجه. ليس أنها لم تفهمه، رغم أن هذا وارد خصوصاً بالنسبة للمشهد الأخير الذي يموت فيه الناشر كين والذي تتدحرج كرته البللورية وهو يتفوّه (لقطة كلوز أب على  شفتيه): Rosebud
أول ما صادفه «المواطن كين» هو توزيع سيء اقتضى عرضه في بعض المدن دون بعضها الآخر.  هذا من بعد تأخر عرضه لأشهر طويلة. وحين عُـرض كتب أصحاب الصالات تقارير حول كيف استقبل الجمهور الفيلم كما استقبلته هوليوود ذاتها: بغموض. نتيجة ذلك أن قامت RKO التي انتجت الفيلم بوضع العمل على الرف حتى العام 1956 حيث تمت إعادة توزيعه.
لكن ذلك لم يمنع الشركة من تمويل فيلمه التالي «عائلة أبرسونز الرائعة» The Magnificent Ambersons سنة 1942. هذه المرّة تم إقتباس الفيلم الثاني لوَلـز عن رواية لبوث تاركنغتون وقام بتصويره ستانلي كورتيز (صوّر وَلـز بعض المشاهد بنفسه) وقام بالتوليف روبرت وايز الذي تحوّل إلى الإخراج بنفسه بعد سنوات قليلة.
إنه حول تحوّلات نهايات القرن التاسع عشر على الصعيدين الشخصي، لعائلة ورثت ثروة كبيرة لا تمنعها من تدهور حالها بعد وفاة الزوج/ الأب وتحوّلات إجتماعية أكبر تغادر فيها التقاليد ركناً عزيزاً عليها طالما شاب العائلات البرجوازية آنذاك. تحوم الكاميرا بعناية فوق الماضي الماثل أمامها. تلتقط عالماً يودّع من دون ملامح عالم آخر جديد. 
 صوت أورسن وَلز يتهادى معلّـقاً. هذه المرّة إمتنع عن التمثيل. وضع جوزف كوتون الذي لعب بطولة الفيلم الأول في «سنتر» الأحداث واستعان بممثلة كانت انتشرت ثم انذوت في العقد الصامت من السينما أسمها دولوريس كوستيللو في دور نسائي أول ومعها آن باكستر التي أصبحت نجمة معروفة فيما بعد.
خلال التحضير للتصوير أفاقت الولايات المتحدة على نبأ الهجوم الياباني على بيرل هاربور. حال انتهاء التصوير، طلب وَلز السفر إلى أميركا اللاتينية لتحقيق فيلم تسجيلي انتدب لتحقيقه بعنوان «كله حقيقي» It's All True
إلى جانب أن هذا الفيلم هو الأول بين العديد من الأفلام التي لم يكملها وَلز هناك ما يروى عن احتجاجه لدى RKO التي أوصت روبرت وايز بتوليف الفيلم خلال غيابه وتقليص الـ 131 دقيقة إلى نحو ساعة ونصف. وايز في الواقع أنجز مهمّـته على نحو جيّـد، لكن كان عليه طبعاً إقتطاع الكثير من المشاهد. تعليق وَلـز: "لقد أعطوا زبالاً مهمة توليف الفيلم". لا أدري من أين جاء بالوصف لكنه قال للناقد والمخرج بيتر بوغدانوفيتش لاحقاً: "«عائلة إمبرسونز الرائعة» كان أفضل من «المواطن كين» لو بقي الفيلم على حاله". ربما هذا إدعاء لكننا لن نستطيع أبداً معرفة الحقيقة.


يتبع


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من غير المسموح إعـادة نشر أي مادة في «فيلم ريدر» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية.
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Mar 1, 2015

مقابلة: أليخاندرو («بيردمان») إيناريتو | أفلام الجوائز: "من يخاف فرجينيا وولف" | شاشات 2015: Big Eyes, Black Sea, The Gambler, Taken 3 | النقد المصاب بالأيديولوجيا * عدنان مدانات | لغة السينما: حول الوسيط السينمائي * قيس الزبيدي | رحيل: غسان مطر | وسترن: Little Big Man | أنطونيوني: Red Desert | فيلموغرافيا: الحرب العراقية


The Daily / 4.3.'14
  جورج شمشوم  

* المخرج الصديق جورج شمشوم لديه الكثير من الأخبار. هو في لوس أنجيليس حيث لا يتوقف عن النشاط ولا نريده أن يتوقف عن النشاط، لكنه لم يكن يوماً مشغولاً كما اليوم.

هذا بعض ما جاء في رسالة إخبارية بعث بها يوم أمس:
أولاً: هو إنتهى من تحقيق فيلم تسجيلي جديد عنوانه «أنشودة لأمي». والأم المعنية هنا هي سيدة سعودية راحلة كانت هاجرت منذ عقود إلى الولايات المتحدة ويقوم الفيلم على مقابلة بناتها وأولادها وبعض المقرّبين للحديث عن كيف أثرت فيهم هذه المرأة الشجاعة وما هي المزايا الخاصّـة التي يتذكرونها عنها. لجانب إنه يفتح الأفق لتقديم صورة مشرّفة للمرأة السعودية، هو أيضاً جيّـد الصنع، وقد أخبرته بذلك فكتب أن أصدقاءه المقرّبون أكثر إليه وهم جان شاهين وإدغار نجار وأنا، أحبّـوا الفيلم.
ثانيا: يكتب أنه في الأسبوع المقبل سيشهد الفيلم عرضاً في مدينة The Hague ضمن اهتمامات مهرجان «المرأة العربية" هناك. في الأسبوع الذي يليه سيشهد عرضين في مركز الأمم المتحدة في جنيفا، سويسرا. 
ثالثاً: وهو يحضّـر لفيلم جديد يصوّره في ياقوتيا في جمهورية ساكها. What? نعم. هذه تقع على إيدك اليمين وانت رايح شرقاً في آخر روسيا. 
رابعاً: هو الآن الدير التنفيذي ورئيس برمجة مهرجان «العالم الآسيوي» في لوس إنجيليس، وهو مهرجان تموّله الحكومة القرقيزية! 

*: وهناك خامساً وسادساً وسابعاً، صدقوني. لكني أريد أن أركّـز قليلاً على ما ورد من واحد لأربعة، وكل ما أستطيع قوله هو: مبروك!

………………………………………………….
*: كما تلاحظون، أعمال الحفر في هذا الموقع على قدم وساق. تجليس هنا، ضبط هناك. قراء يكتبون وقراء غير سائلين بقي هذا الموقع أو لم يبق… المهم أنني مثابر لأن في بالي موّال: كلّـما اشتد نبض المتطرّفين وعنف الفوضويين وفساد السياسيين، وكلما انتشر الجهل بين مدّعي الثقافة والفن والنقد، كلما صار من الأجدى أن يواجه المرء جحافل الظلام بإضاءة من العقل والقلب. 
*: كل الرسائل والآراء التي تصلنا حول التغييرات الحاصلة موضع ترحيب وبل انتظر مزيداً من القراء أن يكتبوا أو على الأقل يضعوا رأيهم في الإحصاء الجانبي. أنا وفريقي هنا…. نعمل من أجلكم.


 يرصد أحوال الناس عند لحظات حياتهم  الحرجة 
  أليخاندرو غونزاليس إيناريتو 
"كتبت «بيردمان» في سطر واحد ثم عانيت كثيراً لتحويله إلى فيلم"

حاوره: محمد رُضا في ڤنيسيا

عندما كان المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، الذي فاز قبل أيام بجائزتي أوسكار رئيسيّتين (أفضل فيلم وأفضل مخرج) في التاسعة عشر من عمره، شاهد «إيكيرو» الفيلم الذي حققه المخرج الياباني الكبير أكيرا كوروساوا سنة 1952.
على عكس الكثير من أعمال كوروساوا اللاحقة، إنتمى الفيلم المذكور إلى فئة الأفلام ذات الموضوع المحدود والتكوين البسيط. كان كوروساوا كتب سطراً واحداً قبل السيناريو والتزم به طوال العمل. كتب "قصة حول رجل لديه 75 يوماً ليعيش".
بالنسبة لإيناريتو الذي شاهد ذلك الفيلم في مكسيكو سيتي (عاصمة المكسيك) خلال عرضه خلال تظاهرة "قدمها المركز الوطني" للسينما هناك، كان الفيلم إكتشافاً أثر فيه. قال لمجلة تصدرها "جمعية المخرجين الأميركية" في لوس أنجيليس:
"تبدو القصّـة بسيطة ومتوقعة في البداية، لكن كوروساوا يقوم بحركة عبقرية: يحوّلها إلى فيلم يكسر التوقعات ويجعل منها عملاً كثيف العقدة".
إذ يعود هذا الحديث إلى البال حين أجلس إليه قبل أشهر قليلة عندما عرض فيلمه الفائز في مهرجان فنيسيا السينمائي، أحاول أن أدرك أين وجه المقارنة بين بساطة كوروساوا المعقدة في «إكيرا» وأي من أفلام صانع «بيردمان» وأربعة أفلام روائية طويلة سابقة، ليس من بينها ما ينضح بالبساطة لا لذاتها ولا للكشف عن تعقيداتها الداخلية.
«بيردمان» (الذي كان حاز على جائزة أفضل فيلم من «جمعية المراسلين الأجانب في هوليوود» قبل استحواذه أوسكاراته) قد يكون أعقد فيلم لناحية تصويره أقدمت عليه السينما الأميركية في العام الماضي، على الأقل. لكن موضوعه هو أيضاً معقّـد: كيف يمكن لممثل كان نجماً أن يعود إلى العناوين الكبيرة من جديد و-الأهم- لماذا. 
أفلام إيناريتو السابقة ليست بدورها بسيطة، بدءاً من «حب كلبي» (ترجمة حرفية لـ Amores Peros) فيلمه المكسيكي الطويل الوحيد وحققه سنة 2000. فيلم من 150 دقيقة (زائد خمس دقائق من العناوين) حول حادثة سيارة وما يتشرب منها من مواقف كاشفة عن كل شخصية تعرضت لها أو مرّت بها. الحكايات تبتعد في إتجاهات شتّـى لكنها تتلاقى في نهاية الأمر ولكي يستطيع مخرج أن يقنع مشاهديه أن هذه هي الطريقة الأنجع لسرد حكاية متشابكة فإن عليه أن يكون واثقاً من قدراته. إيناريتو كان منذ ذلك الفيلم الأول له واثقاً مما يقوم به.
حين انتقل إلى الولايات المتحدة استثمر نجاحه في الطريقة التي صاغ فيها «حب كلبي» لينجز فيلماً متشابكا آخر هو «21 غرام» سنة 2003: هنا حادثة أخرى تتوزع حولها الشخصيات التي تعاني منها: شون بن، ناوومي ووتس، داني هيوستون، بينثيو دل تورو وشارلوت غينسبورغ.

فيلم مختلف
«بابل» (2006) شغل على المنحى ذاته، إنما على لوحة متمادية. هذه المرّة العلاقة التي تجمع بين الشخصيات ليست ناتجة كلها عن حادثة واحدة. في واقعه الفيلم ثلاثة أفلام في عمل واحد: الأولى عن رحلة سياحية لأميركي (براد بت) وزوجته (كايت بلانشيت) في المغرب تتعرّض فيها الزوجة لإصابة من بندقية كان يتسلّـى بها ولد قاصر كان حصل على البندقية من دون إذن والده الذي كان ابتاعها من مغربي آخر وهذا كان حصل عليها هدية من رجل أعمال ياباني ثري بعدما انتهت زيارته في المغرب وقرر العودة إلى بلاده.
في بيته الأميركي تقرر الخادمة المكسيكية أخذ عطلة، خلال غياب سيّـدها، لزيارة إبنها في المكسيك علماً بأنها لا تحمل إقامة تتيح لها العودة من هناك. الرحلة تبدأ عفوية وفرحة، لكنها تنتهي إلى مأساة.
ثم هنالك في اليابان حكاية ثالثة هي تلك التي تقع في بيت ذلك الثري (كوجي ياكوشو في الدور). لقد ماتت زوجته منتحرة. والآن تعيش إبنته شيكو (رينكو كيكوشي) وحيدة على مستويين: صلتها بأبيها مقطوعة عملياً كونه دائم العمل والسفر، وصلتها بالعالم المحيط معدومة كونها صماء وبكماء. 
ما زلنا نبحث عن كيف يمكن لفيلم بسيط التكوين (وعميق المفاد) مثل «إكيرو» أن يؤثر في المخرج المكسيكي بنى صرحه على حكايات متداخلة على رقعة إتسعت عبر أفلامه الثلاث الأولى كما يتضح. 
الفيلم الرابع كان «بيوتيفول» والكلمة تعني جميل لكنها مكتوبة إنكليزياً، وعن قصد، خطأ (Biutiful): فيلم صغير الميزانية صوّره، سنة 2010، في أسبانيا وتناول فيه حدثاً واحداً من دون الخروج منه ليتابع حكايات عدّة. خافييه باردم هو إنسان طيّب في شبكة علاقات مريبة يحدوه خطر الموت من دون أن يراه أو يدرك مصدره.
هذا ما يصل بنا إلى فيلمه الخامس (والأخير إلى الآن) الذي هو أيضاً مختلف عن أعماله الثلاث الأولى لناحية حكايته وشخصياته ومختلف عنها جميعاً في أن معظم أحداثها يقع في الداخل والداخل ليس سوى الحجرات والسلالم والممرات الضيّـقة التي بنيت في الاستديو لتشابه مبنى مسرحياً. هناك مشهدين أو ثلاثة تقع خارجياً ومشهدين للصالة ذاتها، لكن الباقي يدور بين جوانب الجزء الخلفي غير المنظور لروّاد المسرح.
لكن السؤال لا زال محقاً: كيف صاغ فيلم كوروساوا سينما إيناريتو؟
في فندق يقع فوق جزيرة صغيرة من جزر فنيسيا (يحتل الفندق الجزيرة بكاملها) جلسنا لنصف ساعة نتداول هذا الأمر. كان «بيردمان» ما زال جديداً. كل الآفاق مفتوحة أمامه بما في ذلك خروجه من مسابقة المهرجان الإيطالي. لاحقاً ما مرّت لجنة التحكيم، التي قادها الموسيقار ألكسندر دسبلا، على الفيلم مرور كرام غير عادي. الجائزة الأولى ذهبت للفيلم السويدي، النرويجي «حمامة جلست على غصن شجرة تفكر في الوجود» لروي أندرسون. الثانية للفيلم الروسي «ليالي ساعي البريد البيضاء» لأندريه كونتشالوفسكي. 

بسيط ومعقد
كلاهما يستحق، لكن كذلك «بيردمان». الإيهام بأن السياسة تأتي قبل الفن دفع بفيلم لا يستحق هو «نظرة صمت» لجوشوا أوبنهايمر ليستحوذ آخر جائزة كان يمكن لـفيلم إيناريتو استحواذها وهي جائزة لجنة التحكيم الخاصّـة. أما مايكل كيتون، بطل «بيردمان» فقد خسر حيال ممثل من الصف الثاني (درامياً كما فنياً) وهو أدام درايفر عن فيلم ركيك عنوانه «قلوب جائعة» (إخراج للإيطالي سافيريو كوزتانزو).
كل ذلك لم يكن معروفاً لنا حين جلسناً إلى طاولة يداعب شرشفها هواء عليل:
مع مايكل كيتون

قرأت لك أنك تأثرت كثيراً بفيلم «إكيرو» لكوريساوا… لكن هل هو نوع من التأثير الذي يبقى في طي الإعجاب أو أنه تسلل بالفعل إلى أعمالك؟
- كيف ترى؟

هذا هو سؤالي تحديداً. أعمالك معقّـدة في أسلوب سردها وأسلوب تنفيذها كميزانسين. 
- لكن فيلم «إكيرو» معقد أيضاً. بسيط الظاهر لكنه معقد. إذا ما كنت تذكر بعد نحو يموت بطل ذلك الفيلم بعد ساعة ونصف من الفيلم، لكن المخرج لا ينهي فيلمه هنا. لا زال لديه أكثر من نصف ساعة من الحكاية ليرويها تتعامل ورفاقه في المكتب وتصيغ لنا صورة إضافية للرجل الراحل. هذا، تطبيقياً، ليس سهلاً على المخرج أن يحققه وأن يحققه من دون أن يخسر الفيلم أي شيء من قيمته.

ذلك الفيلم هو عن الموت أيضاً وأفلامك السابقة لـ «بيردمان» هي أيضاً عن الموت.
- هذه "ثيمة" أخرى شغلتني ليس بالضرورة من ذلك الفيلم وحده، لكن ذلك الفيلم هو أحد أهم الأعمال التي تعاملت مع الموت بالمناسبة. الموت ليس نهاية الأشياء كما نتوقع. هي استكمال لها. في ظرف معيّـن قد تقع حادثة تربط بين مصائر ناس لم تكن تعرف بعضها البعض. أكثر من ذلك، قد لا تكوّن الحادثة معرفة لكنها ستؤثر في كل منهم. هذه الناحية شغلتني، كما لابد تعلم، في أفلامي الأولى وأردت التعبير عنها في سيناريوهات مختلفة. كان الفيلم الأول محلي والثاني انتقلت به إلى أميركا والثالث كوكبي. لكن دعني أضيف، أن الموت حاضر أيضاً في «بيردمان»

  تقصد حين يطلق يستخدم بطل الفيلم مسدّساً محشواً ويسقط صريعاً.
-  نعم. لكن بالطبع الموت مجازي بدوره. تستطيع أن تقرأ أن موت ريغان بدأ وهو لا يزال حيّـاً.

  تقصد كممثل سابق يحاول العودة إلى مجده.
-  تماماً.

تضاريس البشر
  هل أفلامك السابقة متشابهة في بنائها وأسلوب سردها درامياً أم أن هناك ما لا نعرفه عن كيفية صياغة كل منها؟
-  هذا سؤال مهم لأنه في بال العديدين من أن أفلامي متشابهة في الطريقة التي تكتب بها والطريقة التي تصوّر بها. لكن هذا ليس صحيحاً. دائماً ما أناشد السائل أن يتذكر أن «حب كلبي» عن حادثة سيارة وثلاث قصص تتفرع منها. «21 غرام» عن حادثة سيارة لكن ما يخرج منها قصّـة واحدة متعددة الشخصيات. 

  ماذا عن «بابل» إذاً؟
- هناك تلك الحادثة، لكن الفواصل بين من تعرّض لها وبين الشخصيات الأخرى شاسعة.

لماذا اخترت المغرب لتصوير جزء من الأحداث هناك؟
- السيناريو تطلّـب أن تقع الحادثة في المغرب وكنت سعيداً أنني عرفت ذلك البلد وشخصياته وثقافته. في الأساس لماذا عليّ أن أصوّر في مكان آخر طالما أن الظروف ملائمة للتصوير في مكان الحدث؟ ثانياً هناك التضاريس وفي اعتقادي أن الناس تنتمي إلى تضاريس بلادها، تماماً كالنباتات.

هذا ما أقوله دائماً. لكن قد تختلف القصص وكيفية تعدد الشخصيات أو إلتقائها حول كل حادثة، لكن تبقى الحادثة هي نقطة انطلاقك. هذا مختلف تماماً عما يحدث في «بيرد».
- «بيردمان» هو فيلم من نوع مختلف في هذا الشأن. بعد «بابل» شعرت بأني استنفذت ما أريد التعبير عنه بتلك الوسيلة المركّـبة. ليس أنني لم أؤمن بها وليس مطلقاً أنني لن أعود إليها. إنها نتيجة تفكيري أو بالأحرى فضولي حول الناس. ماذا يحدث لهذا الشخص في لحظة واحدة غير متوقعة ما يختلف عما يحدث لشخص آخر في اللحظة ذاتها. لكن كفى عن ذلك الموضوع. أعتقد أني قلت فيه كفاية.
مع مدير تصويره إيمانويل لوبيزكي

  «بيردمان» يبدو لي فكرة رائعة وفريدة: تصوير حالة شخص يده على الحافة خوفاً من السقوط. كل هذا بسبب خاطرة في بالك ربما كتبت من سطر واحد كما فعل أكيرا كوروساوا
- (يضحك) نعم وضعت الفكرة على الورق لكني عانت كثيراً في مرحلة تحويلها إلى فيلم. لكن كلما كتبتها منتقلاً في مراحل الكتابة المختلفة كلما زدت إقتناعاً بها. عندما انتهيت أدركت أنني أمام مشروع عمل يتناول حياة الممثلين وحياة السينما والفن وربما شيء من إحباطاتي الداخلية. أنا أيضاً، مثل ريغان (إسم الشخصية التي يؤديها مايكل كيتون) أشعر بأنني أطمح إلى الكثير مما أود تقديمه والذي ربما ليس في قدرتي القيام به.

  لحظة رجاءاً. حين تقول إحباطاتك… متى وقعت وهل يعني ذلك أن الفيلم عنك وليس عن بطلك؟
- ليس تماماً. الكتابة تعبّـر عن وجهة نظري وقليل من إحباطاتي الشخصية كما ذكرت، لكن القصّـة ذاتها هي ملك الشخصية التي يؤديها مايكل كيتون. هذا شيء مختلف عن ذاك.


تصوير «بيردمان»
متى عرضت الدور على مايكل كيتون ولماذا مايكل كيتون؟
- لأنه لا يُـخفى أنه الأنسب للدور. ممثل لعب شخصية السوبرهيرو وهي حققت له شهرة كبيرة، لكن من بعدها وجد نفسه في لولب هابط. عرضت عليه الدور باكراً. رفضه بأدب… حسناً ليس بأدب لكنه رفضه. قال لي: "هل (شتيمة) تمزح معي؟".

سمعت عن ردّ فعله لكن كيف أقنعته؟
- حالما عرف مقصدي. إقتنع سريعاً.

ما هو مقصدك؟
- طبعاً كما تعلم هو خاض هذه الرحلة من القمّـة إلى ما دونها رغم أنه بقي ماثلاً. كيتون يبقى فناناً معروفاً وهذا الفيلم لا يعيد تقديمه، بل يبني على قدراته على نحو أوسع. مقصدي كان أن هذه الشخصية تتطلب ممثلاً يستطيع تقديم الدراما ويستطيع تقديم الكوميديا على نحو متساو. 

دور صعب.
- بالتأكيد، لكن حال سماعه لشرحي له وافق على الفور. كان يعلم ما أقصده وكان يعلم أنها فرصة جيّـدة لتقديم شيء هو جزئياً مختلف وجزئياً متكامل مع تاريخه.

هناك مواعيد أخرى لك لكني أريد أسألك عن تلك المشاهد الصعبة التي قمت ومدير تصويرك إيمانويل لوبيزكي بتصويرها.
- عادة ما أنطلق بفكرة صعبة التنفيذ ثم أتعرّض بعد ذلك لوجع رأس مزمن مصدره كيف يمكن أن أنفّـذ ما أنشد تنفيذه بالطريقة التي أريد. هذا الفيلم لم يكن مختلفاً في ذلك على الإطلاق. لكن بدايته هو لقاءاتي المتعددة مع شيفو (الإسم المتداول لمدير التصوير)

(مقاطعاً) قرأت أنه عندما سمع فكرتك تمنّـى أن لا تطلب منه العمل عليها.
- (يضحك) أصدق ذلك. اجتمعنا ودرسنا ما في بالي والخطوة الثانية كانت الإنتقال إلى الاستديو وبناء صرح يشبه الجزء الخفي لكل مسرح نيويوركي كبير. هنا كانت بداية المصاعب. كان علينا التأكد من المساحات الفاصلة بين الجدران أو كم ضيق سيكون هذا السلم أو تلك الغرفة. كيف سنصوّر وبأي كاميرا وبأي عدسة. بعض العمل الشاق كان لأجل تصوير لقطة واحدة فقط يتم فيها استخدام جملة حوار واحدة. كان علينا دراسة الضوء. ومرّت أسابيع كثيرة ونحن ندرس ونبني المكان على هدى دراستنا. ثم بعد ذلك بدنا استخدام ممثلين بدلاء (Stand ins) قبل أن نبدأ تمارين التصوير مع الممثلين الحقيقيين جميعاً. كثير من الجهد فعلاً.

  اللقطات الطويلة بصعوبة تنفيذها كانت تعبيراً عن…
- تعبيراً عن رغبتي في أن أكون صادقاً في عرض هذه القصّـة وعرض من يقوم بتأديتها. عليك أن تكون صادقاً للمكان. في بعض الأفلام القديمة كان الاستديو لا يهتم للمساحات الضيّـقة. كل شيء كبير وعريض خصوصاً في الأفلام الموسيقية. ربما كان لها ضروراتها، لكنها كانت خيالاً أكثر منها واقعاً. 




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من غير المسموح إعـادة نشر أي مادة في «فيلم ريدر» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية.
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2008- 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Feb 22, 2015

عشر حقائق حول الأوسكار | من نتوقع ومن نفضل | ميسر المسكي عن «يومان وليلة» | حلقة جديدة من «الناقد وفلسفة الفيلم | ملاحظات حول فيلم «سولاريس»- تاركوڤسكي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السنة 9 | العدد 880 
m.rouda@gmx.com  
رئيس التحرير: محمد رُضـا
مساهمون (حسب أبجدية الدول):
الأردن: عدنان مدانات، مهنّـد النابلسي | ألمانيا:  قيس الزبيدي| السعودية: خالد الربيع| السويد: ميسر المسكي | لبنان: ندى إسماعيل | مصر: رامي عبد الرازق، شريف حمدي، شريف عوض |الولايات المتحدة: جورج شمشوم | ندى الشيخ 

الليلة عيد السينما الكبير
 عشرة حقائق مثيرة وغريبة حول جائزة الأوسكار 

حتى الآن، تداول الإعلام، هنا كما حول العالم، كل ما يمكن تداوله حول أوسكار العام 2015 الذي سيوزّع الليلة (الأحد) في لوس أنجيليس. فهل يمكن أن يكون هناك ما لم يتحدّث أحد فيه حول هذه الجائزة العملاقة بين الجوائز؟
ماذا لو طرح المتابع مثلاً ما إذا كان الأوسكار ذا قيمة فعلية نابع من تأثير حقيقي على حال السينما وشؤونها؟ هل يمد الفائز فعلاً بمكانة لم يكن قد اكتسبها، إذا لم يفز من قبل، أو تضيف على مكانته فيما لو سبق له وأن فاز بها؟
هل الفيلم الذي يخرج بالأوسكار هو الأفضل فعلاً؟ وما هي دلالات ذلك؟ ثم هل يساعده ذلك في جمع ملايين أخرى من السوق؟
ثم نحن العرب ما علاقتنا بالأوسكار ولماذا كل هذا الإهتمام، وأحيانا التهييج، المستمر بما ستؤول إليه النتائج من بعد اهتمام مماثل بالترشيحات وتحليلها ومحاولة كل منا رسم صورته الخاصّـة حولها؟ وبالتالي، هل الإهتمام بالأوسكار ترف لا نستحقه أو إنشغال عن الكتابات الأكثر فنية والأوسع فائدة ثقافية؟
هذه الأسئلة وسواها يمكن توزيعها في عشرة حقائق محددة وسبر غورها لإجابة واحدة ونهائية. لكن ذلك لن يكون نيلاً من أهمية الأوسكار ولا تعزيزاً له. المناسبة التي تبلغ 87 سنة من العمر هذه الليلة وتتناقلها مئات المحطات التلفزيونية (كاملة أو جزئية) حول العالم وتنشغل بها عشرات ألوف المواقع الإخبارية والترفيهية وصلت منذ عقود طويلة إلى سن النضج وأسست لنفسها الصرح الذي تحتله اليوم أحبّـها البعض أو لم يفعل. 
لكن بما أن الأوسكار على مثل هذه السعة والحضور، فإن البحث فيه ومحاولة فك لغز نجاحه سيستمر وهو ما يتمناه كأي فائز يريد من المجتمع الذي يحتفي به أن يفعل. بكلمات أخرى، لو لم تكن كل تلك الكتابات والإهتمامات موجودة لسبب أو لآخر، لكان الأوسكار حدثاً مختلفاً في الحجم وفي الإقبال وربما في الأهمية أيضاً.
الحقائق المشار إليها تنشد أن تمنح المسألة صورة وافية وعريضة لا لتجيب على الأسئلة الكثيرة التي يرددها البعض كل سنة، بل أيضاً لتعريفنا بالسبب الذي من أجله صارت ليلة الأوسكار أشبه بليلة عيد وطني في أكثر من مكان.

1 الأوسكار إحتفال هوليوودي إكتسب العالمية

يقع فندق روزفلت في النصف الشرقي من  «هوليوود بوليفارد»،  على مقربة من تقاطع الشارع مع شارع عريض آخر أسمه هايلاند. البناية الكبيرة التي تحمل رقم 7000 والتي بُـنيت سنة 1927 تبدو اليوم قديمة، لكن لا شيء قديم عندما يأتي الأمر إلى سعر غرفها الفاخرة التي تتراوح بين 400 و550 دولار حسب نوع الغرفة. طبعاً ليس أغلى فندق في العالم لكن الكثير من زبائنه يجدونه مناسباً كموقع وكقيمة كما كذكرى. ففيه تم لمجموعة من السينمائيين (17 رجلاً وسيّدة واحدة)، من منتجين ومخرجين وأصحاب ستديوهات، عقد أول حفلة توزيع جائزة الأوسكار. حفلة حضرها أكثر من 250 فرداً بقليل وامتدت … ربع ساعة كاملة. 
التحضير للحفل بدأ عندما كان الممثل دوغلاس فيربانكس رئيس أكاديمية العلوم والفنون السينمائية التي تم إنشاؤها قبل عامين، وتم الإعلان عن الفائزين قبل ثلاثة أشهر من موعد الحفل في السادس عشر من مايو/ أيار 1929. قبل أن تتعلّـم كيف تبقي النتائج سرّاً حتى حين إعلانها.
تلك كانت البداية والغاية منها كانت واضحة: قيام صناعات هوليوود السينمائية بإهداء جوائزها المسمّـاة بالأوسكار لمن ينتمي إليها، أي من العاملين في تلك الصناعات داخل هوليوود. أما من كان يعزف ألحانه السينمائية خارج المدينة داخل أميركا أو خارج الولايات المتحدة الأميركية فلم تكن له حصّـة من هذه الإحتفالات
لكن ما بدأ محلياً اكتسب أهمية عالمية على نحو تدرّجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وما انطلق كإحتفال هوليوودي بنفسها وبمن فيها، تحوّل إلى مناسبة تثير إهتمام العالم بعد تلك الحرب قبل أن تصبح عيداً سينمائياً يشترك فيه العالم إسهاماً (ترشيحاته من الأفلام) أو إستقبالاً. هذا من دون أن يتخلّـى الأوسكار عن انتمائه للأكاديمية التي تضم حالياً 6000 عضو أو نحو ذلك من ممثلين ومخرجين ومنتجين ومصوّرين وكتّـاب وكل فريق أساسي آخر يعمل ضمن الصناعة. أعضاء الأكاديمية معظمهم أميركيون، لكن الباقين هم من انتسب إليها كونه يعمل داخل هوليوود. بالتالي لا زالت تعبّـر عن آراء كل هؤلاء أساساً وليس عن آراء أتراب أخرى من المهتمين بشؤون السينما.

2 الممثلون  أناس عاديون يفرحون بالفوز
ميريل ستريب

هل انزعجت ميريل ستريب، المرشّـحة حالياً عن دورها المساند في فيلم «داخل الغابة»،  مرّة واحدة كونها رشّـحت 19 مرّة من العام 1978 عن فيلم «صائد الغزلان»؟ لا. هل كانت تتمنّـى لو فازت بأكثر من الأوسكارات الثلاث التي فازت بها حتى الآن؟ نعم. 
واقع الحال أن الممثلين، في معظمهم (أي بإستثناء من لديه سبباً غير مألوف)  يتمنّـون لو أن رذاذ الترشيحات يصيبهم. وحين يجدون أنفسهم من بين المرشّـحين يحلمون بالفوز. هذا طبيعي كونهم بشر في الأساس، وكل منا يحب أن يفوز بتقدير كبير كهذا، ولأنهم في لعبة السينما التي تحتاج إلى مواهبهم لتخرطها في آلتها الصناعية والمالية.
بندكيت كمبرباتش، الممثل المرشّـح اليوم عن دوره في «لعبة المحاكاة» قال لهذا الناقد قبل أسابيع غير بعيدة عندما كان يروّج لفيلمه في لندن: "ليس أنني لا أمانع إذا ما ربحت الأوسكار، بل أريده. هو مطلب لي". حين سؤاله عن سبب أنه مطلب قال: "لأنني ممثل والممثل يستحق التقدير ولأن الأوسكار هو منتهى الفوز بالنسبة لأي منا نحن الممثلين ولأي من المشاركين الآخرين. لا أقول أنني استحقه أكثر من سواي في هذه المسابقة فهذا أمر يقرره المصوّتون. ما أقوله وبصراحة: أنا أريد الفوز واعتقد أنني جدير به".
مايكل كيتون المرشّـح عن دوره في «بيردمان» كان أكثر دبلوماسية في الواقع إذ قال: "يكفيني أنني أحد الخمسة المرشحين. هذا وحده مكافأة كبيرة لجهودي كممثل".


3 الأوسكار لا يضمن للممثل أجراً أعلى

من الإعتقادات الشائعة القول أن الفائز بالأوسكار ما أن يتلقى الجائزة بيد حتى يوعز باليد الأخرى لمدير أعماله برفع أجره. هذا غير صحيح. الممثل الفائز قد يستفيد من سعي شركات الإنتاج للتعاقد معه، لكن هذا ليس مضموناً. غوينيث بولترو، من بعد فوزها بأوسكار أفضل ممثلة عن «شكسبير عاشقاً (1999) لم تصبح أكثر نشاطاً وطلباً مما كانت عليه من قبل. ريز وذرسبون التي فازت بالأوسكار ذاته سنة 2006 عن دورها في Walk the Line لم تردمها العروض وجورج كلوني الذي فاز عن «سيريانا» بأوسكار أفضل ممثل مساند، كان أصبح نجماً لامعاً قبل ذلك التاريخ ولم يفده ذلك الأوسكار مادياً على الإطلاق. وجارد ليتو، الذي فاز بالجائزة نفسها في العام الماضي عن دوره المساند في «دالاس بايرز كلوب» ليس لديه عرض واحد إلى اليوم.
لكن ومع كل هذا فإن الممثلين وباقي العاملين في السينما يتمنون الفوز بالأوسكار لقيمته الفنية والمعنوية. ليس هناك خياراً بين الفوز وعدمه لو كان لدى أي منهم القدرة على التأثير في مجرى التصويت لصالحه.
في هذا النطاق، فإن مرشحي اليوم يستحقّـون التقدير على نحو جامع وإن كان بعضهم أبلى أفضل من سواه. مايكل كيتون بيردمان») انتظر مثل هذا التكريم طويلاً. بندكت كمبرباتش يرى، عن حق، أن دوره في «لعبة المحاكاة» هو أعلى بذل فني قام به لليوم. ستيف كارل فوكسكاتشر») وضع كل ما لديه من موهبة. برادلي كوبر قناص أميركي») أحب المشروع لدرجة أنه اشتراه على نفقته أولاً وإيدي ردماين نظرية كل شيء») سبر غور دوره كمقعد وفي باله أولاً إجادة الدور بحد ذاته. والحال ذاته مع الممثلات الإناث ماريون كوتيار وفيليسيتي جونز وروزاموند بايك وجوليان مور وريز وذرسبون.  ليس أن الأوسكار لا يرد على البال، لكنه ليس السبب الذي من أجله يقوم الممثل بالتمثيل.

4 نجاح شباك التذاكر ليس شرطاً مادياً

لكن الإعتقاد الأكثر شيوعاً مما سبق القول بأن الأفلام التي تربح الأوسكار هي تلك التي تحقق إيرادات مالية كبيرة، بمعنى أن الأكاديمية تنظر إلى نتائج السوق وتختار الفيلم الناجح تبعاً لما أنجزه من نجاح، ولاحقاً ما يستفيد الفيلم، على نحو كبير، من جائزته فيزيد من إيراداته على نحو مضاعف.
BIRDMAN

خذ هذا العام مثلاً: أربعة من الأفلام المرشّـحة لأوسكار أفضل فيلم، وهي «بيردمان» و«نظرية كل شيء» و«صبا» و«ويبلاش» لم يحقق الواحد منها أكثر من 40 مليون دولار. «ويبلاش» في الواقع أنجز حتى الأسبوع الماضي 11 مليون دولار فقط. ثلاثة أفلام أخرى أنجزت أرقاماً أعلى هي «سلما» (47 مليون دولار) و«ذا غراند بودابست هوتيل» (59 مليون دولار) و«لعبة المحاكاة« (78 مليون دولار). وهذه أرقام عادية جدّاً. واحد فقط حقق أرقاماً رابحة وكبيرة هو «قناص أميركي» (312 مليون دولار داخل أميركا حتى اليوم)
الوضع الفعلي له مستويين أولهما أن «بيردمان» هو المرشّـح الأول وهو لم ينجز فوق المتوقع منه. وثانيهما، أن كل هذه الأفلام أنجزت إيراداتها قبل إعلان الترشيحات. بالنسبة لبعضها بيردمان» و«لعبة المحاكاة») شهد نشاطاً شكّـل 20 إلى 25 بالمئة على ما كان كل منها حققه قبل الترشيحات، لكنه لم يقفز إلى أرقام مضاعفة بمجرد إعلان ترشيحه كذلك سوف لن ينجز الأوسكار له إلا تجدداً نسبياً في سوق المبيعات السينمائية.
والأمر ينطبق على فيلم كلينت ايستوود: إلى أن أعلنت الترشيحات الرسمية كان «قناص أميركي» أنجز 30 بالمئة من إيراداته. نجاحه الكبير الحالي يعود إلى موضوعه وليس ضامناً لفوزه.
ولا يتطلّب الأمر سوى مراجعة سنوات الأوسكار السابقة. يكفي مثلاً أن أوسكار أفضل فيلم سنة 2010 ذهب إلى «خزنة الألم» الذي لم تتجاوز إيراداته قبل وبعد النتيجة أكثر من 50 مليون دولار، بينما أخفق منافسه «أفاتار» في نيل الأوسكار رغم أنه أنجز قبل موعد النتائج نحو مليار و500 مليون دولار أضاف فوقها، بعد فشله، ملياراً آخر و300 مليون دولار.

5 … ولكن الجائزة قد تذهب لمن لا يستحق

نجد أنه في كل مناسبة تمنح فيها جوائز سينمائية، سواء أكانت مناسبة سنوية تقيمها مؤسسة أكاديمية بريطانية أو أوروبية أو أميركية، أو كانت مهرجاناً سينمائياً أن الإختلاف حاصل بين ثلاث فرقاء: إن أعجبت  لجان الإختيار والتحكيم بفيلم أو بموهبة ومنحته جائزتها فإن النتيجة قد لا تعجب الجمهور، وإذا ما أعجبت الجمهور فقد لا تعجب النقاد. 
تحديداً هذا العام، إذا ما فاز «قناص أميركي» بموقفه اليميني الذي تناقلته وسائط الإعلام، فهو سيشكل بهجة لدى الجمهور وشكوى لدى النقاد. أما إذا فاز، «صبا» فإنه سيثير قبول النقاد وعدم مبالاة الجمهور الذي غاب معظمه عن حضور هذا الفيلم أساساً لأنه ليس فيلماً للفئة العامّـة باديء ذي بدء.
على صعيد فني بحت، يمكن استخراج عشرات الأمثلة لأفلام ومواهب فازت بينما كان من بين المنافسين من يستحق أن يفوز أكثر منها. مثلاً في العام 1948 فاز فيلم إيليا كازان «إتفاق جنتلماني» بأوسكار أفضل فيلم وهو فيلم مشهود له بالتصدي للمعاداة للسامية، لكن في ترشيحات ذلك العام كان هناك فيلم أفضل منه فنياً وأكثر عمقاً في تصديه ذاك هو «كروسفاير» (Crossfire)، لكنه لم يفز.
المخرج توم جونز فاز عن فيلمه «توم جونز» سنة 1964 لكن ألم يكن فيلم «ثمانية ونصف» لفديريكو فيلليني أفضل منه؟ وهل كان فوز الممثل سيدني بواتييه في العام ذاته عن «براعم في الحقل» مستحقاً أكثر من أداء ألبرت فيني في «توم جونز» أم تدخلت عوامل الرغبة في تكريم ممثل أفرو-أميركي؟
ثم لماذا تم ترشيح ألان أركين لأوسكار أفضل ممثل سنة 1967 بينما استحق سيدني بواتييه نفسه الترشيح (على الأقل) عن دوره في «في حرارة الليل»؟ وهل فوز المخرج ألفونسو كوارون في العام الماضي بأوسكار أفضل إخراج (عن «جاذبية») يعكس الحقيقة عندما ننظر إلى الجهد الذي بذله مارتن سكورسيزي في «ذئب وول ستريت» أو البساطة الصعبة التي حققها ألكسندر باين عن «نبراسكا»؟ وهل استحق توم هانكس استبعاده من ترشيحات أفضل تمثيل رجالي عن دوره في «كابتن فيليبس»؟ ولماذا غاب كلياً روبرت ردفورد ممثلاً وسي جي شاندور مخرجاً وفيلمهما «كله ضاع» عن هذه المسابقات الرئيسية الثلاث؟
إنها في نهاية المطاف آراء والأكاديمية تضم كل أطياف العاملين في الصناعة ما عدا أساتذة السينما ونقادها. لا عجب أنه لو نظرنا إلى تاريخ الجائزة لواجهتنا مثل هذه الأسئلة منتشرة في معظم سنواتها.

6 الأوسكار إحتفاء بفن الإخراج

رغم ما سبق، فإن الأوسكار إحتفاء بقدرة مخرجي الأفلام على تقديم ما هو خاص ومختلف وذي بصمة نوعية وأسلوبية.
لو نظرنا بإمعان إلى المرشّـحين في هذه الخانة هذا العام ولما بعد الأسماء المشاركة، نجد بانوراما جميلة من الأساليب والنوعيات وأحاديث بعضها ذاتي أكثر من سواه، وبعضها الآخر بارع في نواحي مختلفة عن بعضها الآخر.
إنهم رتشارد لينكلاتر عن «صبا» وأليخاندرو غونزاليز إيناريتو عن «بيردمان» وبَـنِـت ميلر عن «فوكسكاتشر» ووس أندرسون عن «ذا غراند بودابست هوتيل» ومورتن تيلدام عن «لعبة المحاكاة».
THE IMITATION GAME تشارلز دانس (اليمين) وبنديكت كمبرباتش في

النروجي تيلدام (وهو ليس من كبار مخرجي بلاده كما كتب بعض الزملاء) مرشّـح عن «لعبة المحاكاة» ومنهجه هو أكثر مناهج المخرجين المذكورين سعياً لإرضاء القطاع العام من المشاهدين، وهو القطاع الذي يتألّـف منه ألوف من أعضاء الأكاديمية أيضاً، ولو أن ذلك لن يضمن فوزه أو فوز فيلمه بالأوسكار. إنه فيلم جيّـد بحدود يتعثر بخيوط السيناريو التي كان من المفترض أن تبقى بسيطة وفي غايات الفيلم المتعددة (بيوغرافي، مثلية جنسية، حكاية وطنية، الخ…).
مخرج آخر هدف إلى السوق نفسه لكن مع نتائج فنية أعلى هو بَـنِـت ميلر. فيلمه «فوكسكاتشر» مفتوح على أكثر من أفق لكنه أكثر انضباطاً وسرده أكثر تركيزاً من فيلم تيلدام
الثلاثة الآخرون اشتغلوا على براعاتهم الفنية التي قلّـما خانوها: رتشارد لينكلاتر في «صبا» عمد إلى تصوير تسلسل زمني كامل لحكايته وشخصياته. على مدى 12 سنة أو نحوها، صوّر ممثليه في ثلاث فترات منتظراً ثم ملتقطاً نمو كل منهم على مدى سنوات. وس أندرسن اشتغل على أسلوبه التصميمي المزيّـن بالألوان وبالحكاية التي لا تتبع منهجاً سردياً سهلاً (ولو أن هذا الفيلم أسهل للمتابعة من أعمال سابقة له). أما إيناريتو فقد ارتفع بأسلوب عمله ومعالجته البصرية والكلية عن كل ما عداه عامداً لإنجاز فيلم ما زال خاصّـاً وذاتياً. 
كل هذا يمنحنا نحن المشاهدين الفرصة للتعرّف على أساليب عمل عبر المقارنة. فيلم وراء آخر يبرز كل ذلك التعدد في الفهم والتعبير وطريقة معالجة الموضوع ولأي سبب وبأي أسلوب. 


7 الأوسكار ليس للنقاد

رغم كل ذلك، الأوسكار ليس للنقاد. 
نعم يستطيعون الغرف من بئره اليوم كما في الأمس. مراجعته فيلماً فيلماً وجائزة جائزة لكنه ليس المرجع الذي يشفي غلين معظمهم. عن صواب، لا يستطيعون سوى ملاحظة أن عدداً كبيراً من الأفلام المستحقة لم تفز (وكثيراً ما لم ترشّـح أساساً) كذلك عدداً أكبر من المخرجين والممثلين والكتاب والمصوّرين. 
لكن النقاد اليوم منشغلون بالأوسكار كالعادة. ومن لا يفعل فإنه على الأقل ينتظر ساعة إعلان الجوائز لكي يرى من فاز ومن اكتفى بالتصفيق للفائز. أصبح الأمر لا مفر منه خصوصاً مع عدم وجود مناسبات قويّـة أو بديلة. 
فعلى كثرة المناسبات المماثلة (جوائز الغولدن غلوبس، بافتا، الإتحاد الأوروبي الخ…) لا يزال الأوسكار أشبه بالأب الكبير الذي لن يتجاوز عمره (وقيمته) أحد. وتبعاً لضروريات إعلامية سيكتب، إن لم يكن قبل النتائج فبعدها، عن الأوسكار وانطباعاته وآرائه. 
ليس هناك خطأ في ذلك. الخطأ في عدمه، لأن الناقد- بصرف النظر عن موهبته وقدراته- لا يستطيع أن ينفخ في الهواء. عليه أن يكتب لجمهور والجمهور يريد أن يعرف. في الباطن، يزدري العديد من النقاد (العرب وغير العرب) الأوسكار. يرونه فعلاً سلبياً لا يستحق هذا الإهتمام الكبير. في الظاهر، لا ينتظر الأوسكار شهادة تقدير من النقاد بل يفرض حضوره بسبب حضوره الكبير بين ملايين المشاهدين والمتابعين. 

8 الجمهور غير حيادي

إذ يتابع الملايين حول العالم أخبار الأوسكار ثم يضيف ملايين أخرى لمتابعة نتائجه فإن الأوسكار ظاهرة لا تخلو من الغرابة: في الوقت الذي للأولمبياد إحتفاله، ولكل رياضة حفلتها السنوية التي قد تمتد لأيام. وفي الوقت الذي للعلوم المعرفية والعلوم الإنسانية جائزتها السنوية المعروفة بـ "نوبل"، كما للأدب جائزته الكبرى المشهورة بـ «بوليتزر»، فإن للسينما هذا اليوم من السنة. يختلف الجمهور من حقل لآخر (هل يتابع الجمهور الرياضي ترشيحات «نوبل» مثلاً؟) إلا أن فرقائه يلتقون حول هذه الجائزة السنوية وفوقهم هواة السينما الذين لا يكترثون للمناسبات غير السينمائية.
الجمهور غير حيادي في هذا المجال. معظمه شاهد طوال العام أفلاماً كثيرة. قرابة 45 بالمئة من المشاهدين يذهبون لصالات السينما مرّة واحدة في الأسبوع تليهم النسبة التي تؤم صالات السينما بمعدل مرّتين في الأسبوع وفي المركز الثالث الفئة التي تشاهد فيلماً واحداً كل ثلاثة أسابيع أو كل شهر.
المحيّـر في الأمر هو التالي: معظم ملايين المشاهدين من الصين إلى جنوب أفريقيا ومن مصر إلى البرازيل، لم يشاهد، أو يكترث لأن يشاهد، أي من الأفلام الثمانية المرشّحة للأوسكار هذا العام، كما هو الحال نفسه في أي من الأعوام السابقة منذ ثلاثين سنة على الأقل. ما يدفع للسؤال إذاً عن سبب هذا الإهتمام في نهاية الأمر؟ 
إن سألت رجل الشارع فغالباً ما تجده مهتم بالأوسكار لكنه لم يشاهد أي من تلك الأفلام. يحب أن يرى روبرت دوفول يربح أوسكار أفضل ممثل مساند عن دوره في «القاضي»، لكنه لم يشاهد ذلك الفيلم لكي يتأكد من أن دوفول هو من يستحق الجائزة أم لا.
من ناحية أخرى، الأوسكار هو أكبر جائزة سينمائية تحقق نجاحها على التلفزيون. لولاه، ولدينا التاريخ ليحكم، لما اكتسبت كل هذا الشيوع. الأكاديمية تهرع في اليوم التالي لتقصّـي نبأ واحد فقط: كم هي نسبة مشاهدة الحفلة المبثوثة على شاشات محطة ABC الأميركية؟ هل ارتفعت؟ هل انخفضت؟ إنها تصرف ملايين الدولارات على التنظيم بينما معدّل صرف ستديوهات هوليوود على كل فيلم يتم ترشيحه يبلغ 100 مليون دولار. هل هذا جنون؟ أم هو عين العقل؟
للمناسبة، فإن أرقام عدد المشاهدين في العام الماضي ارتفعت (داخل الولايات المتحدة) إلى 43 مليون و700 ألف مشاهد تلفزيوني وهو رقم يزيد عن الرقم المسجل سنة 2013 بـ 3 ملايين و300 ألف مشاهد. بذلك أيضاً، فإن النسبة المسجّـلة في العام الماضي كانت الأعلى طوال السنوات العشر الأخيرة.

9 حكاية البليون

الإقبال ليس أميركياً فحسب ولو أن المقياس الأميركي هو الأهم والأسرع حضوراً  وانتشاراً في التداول الإعلامي تماماً مثل «توب تن» الأفلام كل أسبوع على الرغم من أن لكل بلد «توب تن» خاص به. 
لكن ما هو مثير ومثار حلقات النقاش والإحتفال في الولايات المتحدة لا يعني أنه كذلك حول العالم. صحيح أن المتابعين في القارات الخمس يصلون إلى بضع عشرات الملايين، لكن هؤلاء يبقون نسبة ضئيلة ما يعني أن ما يشكّـل عصب حياة بالنسبة للفنانين ولهواة السينما والمثقفين والنقاد في بعض أرجاء هذا العالم، لا زال بعيداً عن أن يعني الكثير بالنسبة للغالبية. 
في العام 2005 وقف مخرج فيلم الرسوم المتحركة Finding Nemo أندرو ستانتون، ليستلم أوسكاره في هذه الفئة وقال متوجهاً لزوجته: "كتبت التالي عندما كنت طالباً في الكليه. الآن أستطيع أن أقول أمام بليون مشاهد حول العام: أحبك".
كلمات رائعة لا ريب أن الزوجة واجهته بتأثر كبير وبدمع انهمر من مقلتيها وهي تردد في ذاتها «وأنا أيضاً أحبك يا أندرو». 
لكن هذا الرقم مغالى به بنسبة 956 مليون مرّة في أفضل الأحوال. كيف نعلم ذلك؟ لو أن عدد المشاهدين في العام الماضي بين الأميركيين بلغ 43 مليونا و700  ألف مشاهد (رقم موثوق) فإن هذا يعني أن 15 بالمئة من الشعب الأميركي شاهد حفلة الأوسكار. فإذا ما طبّـقنا النسبة ذاتها حول العالم (نحو ثمانية مليار نسمة) فإن ذلك يعني أن 960 مليون نسمة خارج الولايات المتحدة شاهدت حفلة الأوسكار في العام الماضي، وعدد يقترب من هذا الرقم سيشاهده الليلة. هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً.
قبل ذلك بعشر سنوات أوردت الأكاديمية الرقم ذاته متحدّثة عن مليار مشاهد. هذا ما دفع الكوميدي الراحل روبين وليامز (الذي سيعرض الحفل صوره في الفقرة الحزينة التي تورد السينمائيين الراحلين في العام الماضي) للسخرية قائلاً: "بليون؟ هذا أكثر مما تصرفه السيدة ماركوس (إيميلدا ماركوس زوجة رئيس جمهورية الفيليبين آنذاك) في الأسبوع".

10 لكننا ما زلنا نحب الأوسكار

بإعتبار كل ما سبق، فإن المرء قد يبدأ بإتخاذ مسافة من هذه الجائزة التي تضخمّـت أهميّـتها عبر عقود الزمن. السؤال حول قيمتها الفنية الفعلية يبقى اليوم كما بقي بالأمس. لكن هذا سوف لن يغيّـر شيئاً من مكانتها. 
من بداية الأوسكار، في ذلك الفندق الأثري، وإلى العام الماضي، وزّعت الأكاديمية قرابة 3000 تمثال (تحديداً 2947 أوسكاراً) وعاشت، كالسينما التي تمثّـلها، من دون هوان يُذكر. نعم تأرجح تعداد المشاهدين في سنوات مضت، لكنها بقيت بؤرة الإهتمام الأول بين كل الجوائز والمناسبات السينمائية. وصحيح أن هناك جوائز كثيرة انطلقت في أثرها حتى ازدحم الحاضر بها، إلا أنها تبدو أمام الأوسكار مثل موجات الشاطيء الخفيفة ترطب الرمال وترتطم بالصخور ثم تتلاشى. 
عربياً، ولابد للمرء أن يعود إلى عرقه وجمهوره، نحن ما زلنا في نقاش أفلاطوني حول الأوسكار. نقبل الحديث فيه إعلامياً لكن الكثيرين يعمد إلى تشريحه وليس تحليله. يرتاب بقيمته ثم يمضي الوقت متابعاً له في الوقت ذاته. إنها شيزوفرانيا من نوع خاص ربما تمليها الظروف. لكن القلّـة منا تحب الأوسكار وفرصه وتفرح بمن يفوز إذا ما كان على هواها وتغتاظ إذا لم يفز. 
لقد كبر الأوسكار ولم يشب بعد. ما زال المناسبة الأكبر التي تلتقي تحت مظّـتها جهود عام كامل في أكثر من حقل وشأن كل منها هو جزء من الصناعة محلية كانت أم عالمية. وما أن تنتهي الحفلة بإعلان النتائج حتى يبدأ تفكيرنا بالحفلة المقبلة. 




[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015