أوراق ناقد

إفتقاد الأنثى الجميلة



|*| تقود ميلا جوفوفيتش البطولة في Residential Evil الجديد وتقوم بمهام عشرة رجال من وزن آرنولد شوارتزنيغر او دولف لندرغرن. وسبق لجنيفر لورنس أن أبادت كل الأعداء في عالم المستقبل في سلسلة «ألعاب الجوع». أما دايزي ريدلي فهي أنقذت في «ستار وورز: القوّة تستيقظ» كل الممثلين الرئيسيين الأول. وفعلتها فيليسيتي جونز في «روغ وان: حكاية ستار وورز» فلولاها لشاهدنا فيلماً آخر يتعثر فيه معظم الرجال عن تقديم ما أقدمت عليه.


|*| الأمثلة كثيرة ومتعددة وفيها جميعاً تؤول البطولات الفعلية للمرأة بينما البطل الذكوري التقليدي بات ينتمي إلى أيام ما كان هاريسون فورد شاباً يمثل سلسلة «إنديانا جونز». وأفلام ول سميث وجوني دب وبروس ويليس وبراد بت وجون ترافولتا وليام نيسون (وكلهم مثلوا مؤخراً أفلاماً تعكس شخصيات قوية) سقطت في خانة النجاح المتوسط أو الفشل الكبير. آخرون، مثل مات دامون وتوم كروز، يجهدون ويبتكرون لكي يبقوا عائمين بنجاح. روبرت داوني جونيور إذا لعب «آيرون مان» نجح. أي فيلم آخر يسقط في بالوعة. وجوني دب إذا مثّـل «قراصنة الكاريبي» طلعت أسهمته، أما إذا لعب دوراً جاداً فلا أحد يريد أن يراه.


|*| معنى الكلام أن السينما باتت «للستات» (بإستعارة عنوان فيلم كاملة أبوذكري الجديد «يوم للستات») يجلن فيها ويصلن ويضربن أعتى الرجال. أتحدث وأنا بت أخشى أن تتقدم التكنولوجيا بحيث تخرج الممثلات من الشاشة لتضربني لأني أتحيّـز للمرأة- الأنثى الجميلة بعقلها وشخصيتها وليس بساعدها.


|*| المسألة في الواقع ليست تنافساً بين الجنسين، بل تماثلاً يفضي إلى نوع من الرجولة المؤنثّـة والأنوثة المسترجلة. الرجل صار أكثر حساسية وخجلاً والمرأة هي الأقوى والأشد فتكاً. أما الصورة الكلاسيكية للرجل الواثق من نفسه بهتت من قلة الإستعمال.


Feb 5, 2017

غياب الممثل- المخرج في السينما العربية | اعترافات ناقد سينمائي متقاعد | جوائز الممثلين تشي بمن سيربح الأوسكار | Meryl Streep Interview| Hedi' Film Review |


  فقدان طموح أم تقصير؟ 
  غياب الممثل- المخرج في السينما العربية وانتعاشه عالمياً
محمد رُضــا


|*| تبادل المخرجان خيري بشارة، والراحل، محمد خان التمثيل كل في أفلام الآخر. الأدوار لم تكن كبيرة بل أحياناً ما كانت أقرب الى ظهور كضيف شرف وفي أحيان أخرى ضمن أدوار محددة وصغيرة. ما دفعهما إلى ذلك صداقة كل منهما للآخر وتبادل الظهور وطرافته.
كذلك ظهر المخرج توفيق صالح في أحد أفلام يوسف شاهين وأدت المخرجة اللبنانية نادين لبكي أدواراً في أعمال سواها، فظهرت مثلاً كبطلة في فيلم «رصاصة طائشة» وكإحدى ممثلات الفيلم المغربي «روك القصبة» (لاعبة دور إحدى بنات عمر الشريف). كما ظهر العراقي قاسم حول كأحد ممثلي فيلمه الأخير «بغداد، خارج بغداد» وقام التونسي نوري بوزيد بالظهور في آخر عمل له كمخرج وهو «الفيلم الأخير».
والبحث في التاريخ سيؤدي لاكتشاف بضعة حالات لمخرجين عرب قاموا بالتمثيل في أفلامهم أو أفلام سواهم، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى الكشف عن قائمة موازية من الممثلين الذين تحوّلوا كلياً إلى مخرجين. 
هناك حسين صدقي ويوسف وهبي كونهما جاءا من التمثيل أساساً، لكنهما مثلا في معظم ما قاما بإخراجه وتوقفا عن ذلك في أول فرصة متاحة. بكلمات أخرى، لم يُـظهرا رغبة عارمة في احتواء الإخراج كحالة منفصلة أو كمستقبل يتفرغان له.

تمثيل فقط
ذلك يدفع للتساؤل حول ما يمكن أن يكون السبب الذي يحد من رغبة الممثلين، ولدينا منهم مئات في الماضي والحاضر، في التحوّل (جدياً) إلى الإخراج. بالمراجعة، يرصد المرء اكتفاء المعظم الكاسح من الممثلين المعروفين بالعمل أمام الكاميرا وترك مهمّـة الإخراج لسواهم على نحو من يؤكد للآخر، هذا عملي وذلك عملك ولا خلط بين الإثنين.
لكن، إذا ما كانت السينما الغربية هي النموذج التي احتذت به السينمات العربية، وتحقيق الأفلام على منوالها وبمستوياتها كان دائماً حلم المبدعين العرب، فإن تلك السينما، في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة أساساً، عرفت العديد من الممثلين الذين مارسوا الإخراج في أفلام ظهروا في بعضها واكتفوا بالإخراج في بعضها الآخر.
الإكتفاء بالإخراج يعني شيئاً واحداً وهو أن هذا الممثل المنتقل إلى الإخراج يريد أن يبرهن لمجتمعه السينمائي وورائه الجمهور الكبير على قناعتين: الأولى أنه يستطيع أن يخرج بنجاح، والثانية أنه إنسان طموح ولديه موهبة أكيدة في هذا المجال.
فهل شكا أحمد زكي أو صلاح ذو الفقار أو فريد شوقي أو محمود ياسين أو هند رستم أو مريم فخر الدين وسواهم العديد من افتقارهم إلى الطموح أو هم اعتبروا أن الإكتفاء بعملهم الأول والأساسي هو كل ما يصبون إليه؟ 
الغالب أن الطموح كان موجوداً. لكنه اقتصر على طموح التمثيل وحده. أو التمثيل والإنتاج مثلاً على أساس أن الإنتاج يمنح الممثل قوّة مضاعفة ليطوّع الفيلم على النحو الذي يريده ولكي يحقق عبره مزيداً من الدخل إذا ما نجح. 
لا عيب في ذلك بإستثناء أنه يرسم قطيعة مباشرة، وإن كانت غير ظاهرة سابقاً، بين ممثلي السينما العربية وأترابهم في السينمات الغربية.
روبير أوسين في فرنسا وديفيد أتنبورغ في بريطانيا وروبرتو بينيني في ايطاليا أمّـوا الإخراج جدياً بعد سنوات التمثيل بصرف النظر عن النتائج الفنية أو التجارية (تتفاوت عموماً بين جيد وممتاز). لكن إذا ما كانت هذه التجارب تبدو محدودة (وهي ليست كذلك إذا ما رصدنا كل الممثلين الأوروبيين الذين تحوّلوا إلى الإخراج واستمروا فيه) فإن تلك الأميركية أكثر وضوحاً لمن يريد المقارنة. 
في الماضي، كما في الحاضر، لا تتوقف النماذج عن التأكيد على أن الرابط بين التمثيل والإخراج كان ضرورياً في خلد العديد من الممثلين والممثلات في هوليوود من أيام السينما الصامتة وحتى اليوم.
فالكوميديان بستر كيتون وتشارلي شابلن في العقدين الأولين من القرن العشرين طمحا، وعن صواب، لضم الإخراج إلى ملكياتهما الفنية، وأفضل ما قاموا بتمثيله كان من إخراجهم أيضاً. وإذا ما تجاوزنا تجارب أورسون ولز في هذا الصدد (لمجرد أنه ظاهرة قائمة بحد ذاتها) فإن الوضع ما زال على حاله منذ الستينات والسبعينات وحتى اليوم. 

Warren Beatty: "Dick Tracy"

وورن بيتي كمثال أول، بدأ ممثلاً في العام 1961 بفيلم «روعة على الحشائش» (Splendor on the Grass واستمر في هذا الدرب وحده حتى سنة 1987 عندما اشترك مع الكاتب بَـك هنري بتحقيق فيلم عنوانه «السماء تستطيع الإنتظار». بعده أم بيتي درب الإخراج منفرداً من دون أن ينقطع عن التمثيل في أفلام سواه، فحقق «حمر» (1981) و«دك ترايسي» (1990) ثم «بولوورث» (1998) وحالياً «القوانين لا تطبق» (2017). ومن البداية عرف كيف يفرض أعمالاً جيدة تحمل علامات المخرج الجيد في كل جوانبها. هذا تبدّى بوضوح في «حمر» و«دك ترايسي» و«بولوورث» لكن «القوانين لا تطبق» يعاني شيئاً من بعد المسافة عما سبق من أعماله في هذا المجال.

نماذج أخرى
نظيره الأنجح في هذا المجال كان كلينت ايستوود الذي بدأ في منتصف الخمسينات بأدوار إذا ما رمشت عينك غفلتها من صغرها، ثم أمّ التمثيل في ثلاثية سيرجيو ليوني المعروفة «حفنة من الدولارات» و«لأجل حفنة أكثر من الدولارات» و«الطيب والشرير والبشع» قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة نجماً في منتصف الستينات.
هناك التحق بأعمال مخرجين كلاسيكيين مؤسسين أمثال دونالد سيغل وجون ستيرجز لبعض الوقت لكن عيناه كانتا مرتكزتين على كرسي الإخراج. في العام 1971 أخرج أول أفلامه إعزف لي ميستي») وكان ذلك بداية طريق ناجح ومتصاعد كمخرج حتى بات الآن معروفاً أكثر كمخرج منه كممثل. عملياً هو مخرج السنوات العشرين السابقة وممثل ما قبلها. 
من الفترة ذاتها، وفي طريق مشابه في أكثر من وضع، انتقل وودي ألن من التمثيل الكوميدي لآخرين إلى التمثيل في أفلام يقوم بإخراجها هو (كما فعل ايستوود مطلع الأمر) لكن عندما تأكد أنه لم يعد يصلح للعب دور العاشق أو الحبيب استبدل شخصيته بممثلين أصغر سناً واكتفى بناصية الإخراج وأنجز أيضاً نجاحاً متوالياً حتى اليوم.
جودي فوستر هي من نتاج السبعينات كذلك. تعرّفنا عليها في السادسة عشر من عمرها تؤدي دور فتاة دون ذلك السن اضطرت للعمل عاهرة وذلك في فيلم مارتن سكورسيزي «تاكسي درايفر». بعد ذلك باتت ممثلة مشهورة و(بالنسبة للكثيرين) نجمة قبل أن تضع الإخراج نصب عينيها وحتى الآن أخرجت أربعة أفلام آخرها «وحش المال» في العام الماضي. 
والعروض الحالية من الأفلام تشهد باستمرار هذا المد ونجاحه.
لدينا بن أفلك وفيلمه الجديد «عش ليلاً» (رابع أعماله مخرجاً) ودنزل واشنطن الذي يعود للإخراج بفيلم «حواجز»، ومل غيبسون الذي يعود بدوره إلى الإخراج بفيلم «هاكسو ريدج». ويقوم جورج كلوني بوضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الجديد مخرجاً (السادس له منذ سنة 2002 عندما حقق «إعترافات عقل خطير») وعنوانه «سبيربيكان» تمهيداً لفيلم سابع بات السيناريو جاهزاً له بعنوان «هجمة قراصنة الكومبيوترز» (Hack Attack).
كل ذلك يعيدنا إلى حقيقة أن الممثلين العرب، في الإجمال، لم يؤمنوا أن شغل المخرجين هو خطوة تكميلية لشغل الممثلين. لجانب أن البعض افتقر إلى الطموح، فإن السائد أيضاً هو اعتبار أن الشهرة التي تتحقق عبر التمثيل (بصرف النظر عن مستواه) أسرع وأفضل من تلك التي تتحقق عبر الإخراج. 

             جوائز "جمعية ممثلي الشاشة" الأميركية  تشي بالفائزين  بالأوسكار المقبل                                   
دنزل واشنطن

|*| إذا ما كانت جوائز «جمعية ممثلي الشاشة» (Screen Actors Guild) التي تم توزيعها يوم الأحد (التاسع والعشرين من الشهر الجاري) هي بمثابة مؤشر لمن سيفوز بجوائز الأوسكار بين الممثلين، فإن إحتمالات فوز دنزل واشنطن وإيما ستون بالأوسكار باتت الآن أقوى مما كانت عليه عندما تم إعلان ترشيحات الجائزة الأكاديمية قبل نحو أسبوعين.  فقد خرج دنزل واشنطن بجائزة الجمعية كأفضل ممثل رئيسي عن دوره في «حواجز»، بينما فازت إيما ستون بجائزة الجمعية كأفضل ممثلة رئيسية عن دورها في «لا لا لاند»
وكل من دنزل واشنطن وإيما ستون مرشّـحان في مسابقتي الأوسكار الخاصّة بالتمثيل الأول الرجالي والنسائي. من ناحيته، يواجه واشنطن كايسي أفلك عن «مانشستر على البحر» وأندرو غارفلد عن «هاكسو ريدج» ورايان غوزلينغ عن «لا لا لاند» وفيغو مورتنسن عن «كابتن فانتاستيك». أما إيمان ستون فتواجه إيزابيل أوبير عن «هي» وروث نيغا عن «لفينغ» ونتالي بورتمن عن «جاكي» وميريل ستريب عن «فلورنس فوستر جنكينز».

 ڤيولا ديڤيز

وفي نتائج «جمعية ممثلي الشاشة» أيضاً فازت  فيولا ديفيز كأفضل ممثلة مساندة عن دورها في «حواجز» وماهرشالا علي عن دوره في «مونلايت»، كأفضل ممثل مساند وكلاهما أيضاً من المرشحين للأوسكار في هاتين الفئتين. 
وهناك سبب قوي لأن يفوز هؤلاء أنفسهم (أو ثلاثة منهم على الأقل) بالأوسكار المقبل، كل في الفئة ذاتها التي فاز بها يوم أول من أمس وهو أن جوائز هذه الجمعية التي لا تضم في عضويتها سوى الممثلين، هي تعبير عما ستذهب إليه أصوات غالبية مقترعي الأكاديمية موزعة الأوسكار. هذا لأن نحو نصف عدد أعضاء الأكاديمية من المقترعين، أو أكثر قليلاً، ينتمون إلى هذه الجمعية، بالتالي ما صوّتوا عليه هنا سيصوّتون عليه لاحقاً. 
بكلمات أخرى،  فإن مقترعي جمعية الممثلين الذين صوّتوا لواشنطن وستون وديفيز وعلي، هم أنفسهم الذين سيصوّتون لمن سيفوز بجوائز الأوسكار في مجالات أفضل ممثل وأفضل ممثلة وأفضل ممثل مساند وأفضل ممثلة مساندة. 

تطابق فائزين
بهذا يأتي التطابق في النتائج شبه كامل علماً بأن عدد المقترعين المنتسبين لجمعية الممثلين يبلغ 4200 ممثلاً وممثلة (من أصل نحو 165 ألف عضو مسجل) يتم تقسيمهم إلى نصفين، 2100 عضو يقترع لسباقات التمثيل للسينما و2100 يقترع لسباقات التمثيل للتلفزيون.   
والسنوات السابقة جميعها تقريباً تشي بأن الفائز بجائزة الجمعية المذكورة هو من سيفوز بالأوسكار المقبل. ويكفي النظر إلى السنوات الثلاث الماضية كدليل.
في العام 2014 فاز بجائزة «جمعية ممثلي الشاشة» الممثل ماثيو ماكونوفي عن دوره الأول في «دالاس بايرز كلوب» وكايت بلانشيت عن دورها الأول في «بلو جاسمين» ويارد ليتو عن دوره المساند في «دالاس بايرز كلوب» ولبويتا نيونغ عن دورها المساند في «12 سنة عبداً»
والأربعة فازوا بالأوسكارات بعد شهر واحد من دون أي تعديل.
في العام 2015 حدث الأمر نفسه: إيدي ردماين فاز بجائزة الجمعية عن دوره الأول في «نظرية كل شيء» وجوليان مور عن دورها الرئيس في «مازلت أليس» وج. ك. سيمونز عن دوره المساند في «ويبلاش» بينما فازت باتريشيا أركيت بجائزة الجمعية كأفضل ممثلة مساندة عن دورها في «بويهود».
وهم أنفسهم وقفوا في أوسكار العام نفسه لاستلام جوائزهم عن هذه الأفلام الأربعة.
أما في العام الماضي فالإختلاف كان محدوداً: ليونارد ديكابريو فاز بجائزة الجمعية وجائزة الأوسكار عن «إنبعاث» وفازت بري لارسون بالجائزتين ذاتيهما عن «غرفة» وفازت أليسيا فيكاندر بالجائزتين المساندتين عن دورها في «الفتاة الدنماركية». الإختلاف الوحيد هو أن إدريس ألبا فاز بجائزة الجمعية عن دوره المساند في «وحوش بلا أمّـة» بينما فاز مارك ريلانس بأوسكار الممثل المساند عن دوره في «جسر الجواسيس».
والحال هذه، بات يمكن لدنزل واشنطن وماهرشالا علي وإيما ستون وفيولا ديفيز توقع صعود منصّـة الأوسكار لاستلام الجوائز ذاتها. طبعاً، هناك نصيب من الإحتمال بأن يتخلف واحد منهم لكن هذا الإحتمال المحدود لا يكفي لرأب صدع يؤرق آخرين.
فمع المزيد من ضخ الجوائز المسبقة للأوسكار، ومع دوران حلقات الفوز بين أفلام وممثلين أنفسهم في أكثر من جائزة، يخسر الأوسكار شيئاً قليلاً من بريقه كل عام. هذا لأن عدد الذين يتوقعون فوز «لا لا لاند» بالأوسكار بات من الكبر بحيث يقضي على شعور من الإثارة كان عادة ما يسبق حفلة الأوسكار. فهذا الفيلم، كسواه في السنوات الأخيرة، كان «الجوكر» الذي خطف جوائز عدّة في أكثر من مناسبة خلال الأسابيع القليلة الماضية أقواها وأهمها تلك الجوائز السبعة التي حصل عليها من «الغولدن غلوبس»
واذ تم ترشيحه لإثني عشر أوسكاراً فإن السؤال لم يعد إذا كان سيفوز بجائزة أفضل فيلم أم لا بقدر ما هو عمن سيفوز بجائزة أفضل كاتب أو أفضل مصوّر أو أي من الجوائز الأقل لمعاناً أمام الأضواء.

خطب سياسية
الأمر نفسه مع فوز الممثلين في حفلة الجمعية، فتعزيز حظوظهم في الأوسكار بات يأتي على حساب الأوسكار نفسه وهو سبب، رئيس، في تراجع نسبة مشاهديه في الأعوام القليلة الماضية.
حفلة الجمعية (المشار إليها بالأحرف الإنكليزية الأولى من أسمها الثلاثي SAG) كانت مؤشراً لأمر آخر.
ثلاثة من الأربعة الكبار الذين فازوا عن أدوارهم السينمائية هم أفرو-أميركيين. الرابع فقط من الأنغلو ساكسون. الثلاثة هم ماهرشالا  علي وفيولا ديفيز ودنزل واشنطن. أما الرابعة فهي إيما ستون. وفي سنة تكاثرت فيها ترشيحات الممثلين السمر فإن الكفة ترجح أيضاً لانتقال الجوائز إلى أيدي عدد ملحوظ من الفائزين السمر خلال حفلة الأوسكار خصوصاً بعد الشكوى الكبيرة التي وقعت في العام السابق عندما شكا السينمائيون من غلبة البيض على السود في الترشيحات والنتائج بالتالي.
وأمر آخر من المحتمل له أن يتكرر بصرف النظر عمن سيقف على خشبة الأوسكار: خطب الفائزين ستكون سياسية كما كان الحال يوم أول من أمس وذلك بمناسبة إعتراض هوليوود، على نحو غالب، على قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب فيما يخص منع هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة.
مع مطلع الحفل أخذ الصاعدون إلى المنصّـة يكيلون إلى قرار ترامب معتبرين القرار أمراً منافياً لما هو أميركي. الممثل أشتون كوتشر، الذي قدّم الحفل، رحّـب بالمدعوين و"بكل واحد في المطارات الذين ينتمون إلى دولتي أميركا"، قاصداً الجموع التي وجدت نفسها ممنوعة من دخول الولايات المتحدة منذ صدور ذلك القرار.  وأضاف قاصداً المحتجزين والمرفوضين:
"أنتم جزء من النسيج الذين نحن عليه، نحن نحبكم ونرحب بكم».

 ماهرشالا علي

لكن كلمة الممثل ماهرشالا علي كانت الأكثر استدعاءاً للتصفيق والقبول فهو اعتنق الإسلام علماً بأن والدته مبشرة دينية ومثّـل دوراً صعباً في «مونلايت» لعب فيه شخصية رجل مضطهد من قبل البيئة والمجتمع بسبب ميوله الجنسية كما بسبب كونه داكن البشرة. في كلمته أشار إلى ذلك قائلاً: "لعبت دور رجل مضطهد وأشعر الآن بأني، كمسلم، مضطهد أيضاً". وأضاف: "عندما اعتنقت الإسلام ثارت أمي عليّ، لكننا الآن نتعايش جيداً ونحب بعضنا بعضاً".
بدورها صبّـت الممثلة جوليا لويس-دريفوس المزيد من الزيت على هذا الموضوع عندما اعتلت المنصّـة لاستلام جائزة أفضل ممثلة عن مسلسل كوميدي (عنوانه Veep) فقالت: "أنا مرتاعة بسبب هذا المنع الذي طال المهاجرين. كوني إبنة مهاجر هرب من الإضطهاد خلال الإحتلال النازي لفرنسا. أنا أميركية وطنية. أحب هذا البلد ولأني أحب هذا البلد فأنا مذعورة مما تقوم به من دنس.  وهذا المنع هو دنس وغير أميركي".
وزاد الممثل ديفيد هاربور الذي فاز وعدد آخر معه في فئة أفضل "تمثيل جمعي في مسلسل درامي" على ما قيل: "نحن نتمرد على التعنيف وسوف نأوي المنبوذين الذين لا وطن لهم. سوف نتجاوز الأكاذيب التي يطلقها بعض الأفراد وسوف نلكم البعض في وجوههم عندما يحاولون تدمير الضعفاء والمعوزين والمهمشين".

النتائج
كل هؤلاء وسواهم إذ أدانوا القرار انضموا إلى المزيد من الأصوات التي تعالت في الأيام الأخيرة من بعض العاملين في صناعتي السينما والتلفزيون ومنهم المخرج مايكل مور والممثل مارك روفالو ما يضع هوليوود، بإستثناء القلّـة، في مواجهة البيت الأبيض علماً بأن الإعلام الأميركي نفسه لم ينل، في غالبه، ثقة الرئيس الجديد الذي وصفه بـ «المفبرك» في غير مرّة. 
وهؤلاء وسواهم أيضاً سيتحدثون في هذا الموضوع في كل مناسبة ما بين الآن وموعد الأوسكار كما حين يأتي موعد الجائزة الكبرى في الثامن والعشرين من الشهر المقبل.
نتائج جوائز SAG بحد ذاتها كانت مرضية للعديد من المراقبين. وفي حين أن هناك جوائز منفصلة خاصة بالسينما وأخرى منفصلة خاصة بالعمل التلفزيوني، إلا أن جوائز «جمعية ممثلي الشاشة» تجمع بين الإثنين وهي الثانية في هذا المجال بعد جوائز غولدن غلوبس، لكنها أكثر تفرّعاً.
توزعت جوائز «جمعية ممثلي الشاشة» على النحو التالي: 

جائزة تمثيل أول في فيلم أو مسلسل قصير
على صعيد العمل التلفزيوني حملت النتائج فوز الممثل برايان كرانستون بجائزة أفضل ممثل في نطاق المسلسلات القصيرة (Miniseries) وذلك عن دوره في مسلسل «كل الطريق» (All the Way) الذي دار حول السنة الأولى من رئاسة ليندون ب. جونسون للولايات المتحدة. وفوزه هنا خطف الجائزة من ريز أحمد وجون تورتورو كل عن دوره في «ليلة..» (The Night Of) وكورتني فانس وسترلينغ براون، كل عن دوره في «الشعب ضد أو جي سيمسون».
  في المقابل النسائي خرجت سارا بولسون بجائزة التمثيل النسائية في مسلسل قصير متجاوزة برايس دالاس هوارد عن «مرآة سوداء» وفيليسيتي هوفمن عن «جريمة أميركية» وأودرا مكدونالد عن «يوم السيدات عند مطعم وبار إميرسون» ثم كيري واشنطن عن «تأكيد».
 جائزة تمثيل أول في مسلسل كوميدي
رجالياً، نالها وليام مايسي (الذي تكلم بدوره ضد الرئيس) وذلك عن المسلسل الناجح «معيب» (Shameless) الذي يدور عن تفسخ الحياة العائلية لدى بطله (مايسي) الذي يمضي أيامه بين الإدمان على الكحول ومحاولة شق طريقه لتحقيق أحلامه البعيدة.
جوليا لويس-دريفوس نالتها، كما ورد، عن دورها في Veep، وهو بدوره مسلسل ناجح منذ عدة أعوام ومن بين منافساتها هذا العام الممثلتان المخضرمتان ليلي توملين وجين فوندا.

جائزة تمثيل أول في مسلسل درامي
المصري الأصل رامي مالك كان من بين المرشّـحين للفوز بهذه الجائزة جنباً إلى جنب كيفن سبايسي وبيتر دينكلايج وسترلينغ براون لكن الفائز بها كان جون ليثغو عن «المهرّج».
 نسائياً فازت الممثلة الجديدة، نسبياً، كلير فوي بهذه الجائزة أيضاً عن مسلسل «المهرج» عنوة عن أربعة ممثلات من بينهن روبن رايت ووينونا رايدر.

أما على صعيد الشاشة الكبيرة فالجوائز الممنوحة توزعت على النحو التالي:

جائزة تمثيل جماعي في فيلم 
أربعة ممثلات خرجن بهذه الجائزة ووقفن متأثرات أو باكيات وهن تراجي ب. هنسن وأوكتافيا سبنسر وجانيلي موناو و(البيضاء الوحيدة بينهن) كرستن دانست، وذلك عن دورهن في «أرقام خفية»
جائزة تمثيل نسائي أول في فيلم 
رقصت إيما ستون في «لا لا لاند» ثم طوال الطريق لهذه الجائزة وفازت بها عنوة على آمي أدامز في «وصول» وإميلي بلنت عن «الفتاة في القطار» ونتالي بورتمن عن «جاكي» وميريل ستريب عن «فلورنس فوستر جنكنز».

جائزة تمثيل رجالي أول في فيلم 
نالها دنزل واشنطن كما تقدّم وبذلك جعل من غير المؤكد قدرة كايسي أفلك على الفوز بأوسكار أفضل ممثل إذ كلاهما مرشح لها. كايسي أدّى أفضل أدواره في «مانشستر على البحر». لجانبه خسر رايان غوزلينغ (عن «لا لا لاند») وفيغو مورتنسن (عن «كابتن فانتاستيك») وأندرو غارفلد (عن «هاكسو ريدج») رهاناتهم. 

جائزة تمثيل نسائي مساند في فيلم 
إذ ذهبت إلى فيولا ديفيز عن «حواجز» خرجت من المولد كل من ناوومي هاريس عن «مونلايت» ونيكول كيدمان عن «ليون» وأوكتافيا سبنسر عن «أرقام خفية» وميشيل وليامز عن «مانشستر على البحر».
جائزة تمثيل رجالي مساند في فيلم 
وإذ صعد ماهرشالا علي إلى المنصة أشاد بالممثلين الذين أخفقوا في استلام جائزته وهم جف بردجز عن «جحيم أو طوفان» وهيو غرانت عن «فلورنس فوستر جنكينز» ولوكاس هدجز عن «مانشستر على البحر» و(الهندي) دف باتل عن «ليون».

وهناك جائزتان طريفتان تتميّـز الجمعية بهما وهما جائزة أفضل أداء لفيلم أكشن يقوم به مجاميع من الممثلين وجائزة مماثلة إنما للممثلات اللواتي، كزملائهن الرجال، لا يُـحسبون بالإسم على الشاشة بل بالكم. 
الأولى فاز بها عداد ممثلي «هاكسو ريدج» الحربي والثانية فازت بها ممثلات حلقات »لعبة العروش» التلفزيوني.





Jan 22, 2017

السلاح وهوليوود • روبرت دي نيرو، سكورسيزي ودي بالما • أبطال هوليوود ينقلون صراعاتهم إلى آسيا


 هوليوود اليوم                                                                     

السلاح في أيدي أبطال السينما وأشرار الحياة
"هوليوود ليبرالية ضد السلاح وأفلامها جمهورية تروّج له".

|*| من بين قرابة 440 فيلم تم عرضها في الصالات الأميركية خلال العام المنصرم قبل أيام، هناك 366 فيلم احتوى على سلاح ناري. معظمها بأيدي رجال ونساء يجيدون القتال. الباقي أفلام كوميدية ورسوم متحركة ودراميات عاطفية و، بالطبع، موسيقية مثل «لا لا لاند».

وكان يمكن إضافة الأفلام الفانتازية التي تقع في عوالم موازية أو في أزمنة غابرة لولا أن السيوف فيها تقوم بمهام الأسلحة النارية بدورها وهو الحال أيضاً بالنسبة إلى  فيلم حديث سيعرض في الشهر المقبل عنوانه «الجدار العظيم» (فيلم الصيني زانغ ييمو الأميركي الأول) حيث يقوم مات دامون بإطلاق السهام واستخدام السيوف كون الأحداث تقع في زمن بعيد مضى.
إنه من المثير أن يكون المخرج الياباني الراحل أول من ضمّـن في أفلام الساموراي ملاحظاته حول خطر الأسلحة النارية. إشارة لم تثر إنتباه العديد ممن كتب عن أعماله حتى الآن. في «الساموراي السبعة» (1954) و«ظل المحارب» (1980) و«ران» (1985) مشاهد حول كيف تقضي رصاصات البنادق على الفروسية والبطولة التقليديتان. هاهم أبطاله يواجهون أعدائهم بالسيوف، لكن الأعداء متمكنين من بنادق تجعلهم آمنين وقادرين على قتل الفروسية من بعيد على نحو غير بعيد مما ورد في فيلم ستيفن سبيلبرغ المعروف «غزاة تابوت العهد المفقود» (1981).

شعور بالذنب
فيلم «مس سلون» لجون مادن، الذي يعرض حالياً في أكثر من مكان، يتقصّـد الحديث عن موضوع بيع السلاح الناري الذي شهد، منذ عقود، سجالات حامية بين مؤيدي السماح لأي كان إقتناء السلاح وذلك تبعاً لمادة واضحة نص عليه الدستور الأميركي، وبين معارضين يدعون لتغيير هذه المادة أو استبدالها مشيرين إلى تزايد أحداث العنف في الولايات المتحدة وعلاقة ذلك بانتشار السلاح الفردي من كل أنواعه الصغيرة منها والكبيرة.
الغالب أن «مس سلون» (الذي يخلو من مشهد إطلاق نار) سوف لن يحدث أي تغيير لصالح القضية التي يتبناها (مناهضة الوضع الحالي). وهذا مصير أفلام أخرى تداولت الموضوع سابقاً أبرزها فيلم مايكل مور «بولينغ لأجل كولومباين» (2002) الذي بنى حجّـته القوية على الحادث الإرهابي الذي وقع في بلدة كولومباين، ولاية كولورادو، ربيع سنة 1999 عندما اقتحم أميركيان شابان تدربا في معسكرات يمينية كلية البلدة وأطلقا النار عشوائياً فقتلا 13 شخصاً وجرحا 21 شخصاً آخرين معظمهم من الطلاب.
فيلم مور، الذي نال أوسكار أفضل فيلم تسجيلي في السنة التالية لإنتاجه (علاوة عن نحو 40 جائزة أخرى أغلبها من مؤسسات نقدية)، لم يغيّـر الوضع مطلقاً. أثار العديد من الإعجاب وفتح نقاشات في الصحف لكن دوره انتهى عند هذا الحد.
الإنتشار الحالي للأفلام التي تظهر أبطالاً وأشراراً يتقاتلون بالأسلحة النارية ليس جديداً في صلبه، لكن الجديد فيه هو استمراره رغم خطورة الأوضاع الأمنية السائدة في كل مكان. 
من بعد الهجوم الإرهابي على نيويورك سنة 2001 توخّـت مؤسسات اجتماعية وتربوية من هوليوود أن تخفف من نارها قليلاً وتفرض حداً للعنف الذي تحمله أفلامها المختلفة. وفي الحقيقة ساد العامان التاليان شعور بالذنب لدى بعض المنتجين دفعهم لتخفيف مشاهد القتل والعنف في أفلامهم. لكنها كانت صيحة محدودة التأثير بدورها ولم تتوقف حتى خلال تلك الفترة.
على العكس، دفع موضوع الإرهاب والأمن القومي هوليوود لإنتاج المزيد من الأفلام التي تدور حول هذا الموضوع لكن ليس من زاوية بحثه ونقاشه، بل من زاوية الإستفادة منه وتوظيفه في أفلام مسدسات وقتال أكثر.
حسب مجلة «ذا إيكونيميست» فإن عدد أفلام الأكشن تضاعف ثلاث مرّات في غضون السنوات الخمس وعشرين الأخيرة عما كان عليه قبلها. وفي مقال نشرته مجلة «ذا هوليوود ريبورتر» قبل أيام لاحظت أن الأفلام الرائجة التي تم فيها استخدام الأسلحة النارية  ما بين 2010 و2015 كانت أعلى بنسبة 51 بالمئة عما كانت عليه قبل ذلك التاريخ.
وكانت مؤسسة «غالوب» المعروفة أجرت إحصاءاً قبل نحو عشر سنوات حول السبب الذي من أجله يهيم الأميركيون حباً بالأسلحة يقوده الخوف من الآخر الذي يدفع المواطنين إلى استحواذ السلاح من باب الدفاع عن النفس. ولا تساعد الأحوال الأمنية في المدن الكبيرة (أو حتى الأصغر منها) في إقناع الكثيرين بالإقلاع عن هذا المبدأ وهم يشعرون بأنهم محاطون، أكثر من أي وقت مضى بالمخاطر.
ضمن هذا الوضع، فإن آخر ما نشر من استطلاعات يُشير إلى أن عدد الجرائم المرتكبة في مدينة لوس أنجيليس وحدها ارتفع إلى 5398 حادث سرقة مسلحة (بزيادة نحو 16 بالمئة عن العام الأسبق) و8215 حادث هجوم مسلح (بزيادة 19 بالمئة عن العام الأسبق). وحسب «ذا لوس أنجيليس تايمز» فإن شرطة المدينة جمعت أكثر من 300 قطعة سلاح في الأشهر الأخيرة من العام الماضي في غاراتها ومن خلال حملاتها الأمنية.

رومانسية 
هوليوود معنية بكل هذا على نحو كبير. إذا ما كان هناك 366 فيلم يصوّر مشاهد قتل بالأسلحة النارية فإن هناك 366 حالة ماثلة على الشاشات متوفرة في خدمة أولئك الذين يشعرون بأن السلاح قوّة لا غنى عنها. ليس أن كل من يخرج من أحد هذه الأفلام يتوقف عند أقرب دكان بيع سلاح ليتزوّد بمسدس "سميث أند واسون» أو بـ «ماغنوم» أو رشاش «أوزي»، لكن هذه الأفلام تترك من الإثارة في النفوس ما يجعل البعض بحب اقتناء سلاح مماثل لما شاهده بيد بروس ويليس أو كيانو ريفز أو نيكولاس كايج أو سواهم. 


أحد المدافعين عن حقوق حمل السلاح يكشف في حديث له عن أن هوليوود، ذات الغالبية الليبرالية، هي "أفضل دعاية لترويج حمل السلاح في العالم". لكن الخطأ هو من يعتقد أن هذا الترويج حديث الشأن أو أنه ينتمي فقط لفترة ما بعد المتغيرات الأمنية التي شملت الولايات المتحدة في السنوات العشرين الماضية.
المسدس في يد البطل أمر شبه محتم في السينما الأميركية. إنه الفرد الذي قد ينتمي إلى السُلطة الرسمية أو قد يعمل بمحاذاتها، أو- في حالات أخرى- هو الشرير الذي يقرر العمل لصالح القانون إما تكفيراً عن ذنوبه أو طمعاً في عفو موعود به. وفي حالات عديدة الشرير هو البطل وصولاً إلى لحظة نهايته على الشاشة ومن دون أن يرتبط بمصالحة القانون أو تغيير منهجه في الحياة. 
وعبر تاريخ طويل، هناك رومانسية قوية تربط المسدس والبطل تزين معالم صورة ذهنية لا تقاوم. آل باتشينو في «الوجه المشوّه» (Scarface)، إخراج برايان دي بالما (1983) رئيس عصابة مخدرات لاتينية بالغ العنف وقاتل لا يتردد في مواجهة أعدائه من العصابات الأخرى أو من رجال القانون. المشهد المحتفى به في ذلك الفيلم لباتشينو وهو يرفع رشاشه لإبادة رجال البوليس دخل التاريخ في هذا المصنّـف من مشاهد العنف.


وفي «العراب» (1972) كنا شاهدناه وهو أقل أخواته ميلاً للإحتذاء بحياتهم المرتبطة بالمافيا، وأبعدهم عن الإشتراك في العنف المحيط، لكنه يقرر أن السلاح هو الحل انتقاماً لمن حاول قتل والده ومشهد المطعم الشهير عندما يوجه مسدساً كان تم ترتيب تسليمه إليه صوب رجل العصابة آل ليتييري ورجل القانون الفاسد سترلينغ هايدن هو التحوّل الرمزي من الطيبة والسذاجة إلى الرجولة والقوة.
وكان روبرت دي نيرو أمّ هذا التحول في الفترة ذاتها عندما لعب بطولة «تاكسي درايفر» لمارتن سكورسيزي (1967) فهو سائق تاكسي يرقب ويرصد ويتحوّل بعد ذلك من مراقب لأحوال البيئة الأخلاقية إلى قاض وجلاد. يحلق رأسه على طريقة الموهوك ويقتني سلاحاً وينطلق لتصحيح أوضاع المدينة الفاسدة. في ذلك دعوة لطرح حل للمواجهة يشبه، نوعاً، ما أقدم عليه لاحقاً مايكل دوغلاس في «سقوط» لجووَل شوماكر (1993)، فهذا بدوره لم يعد يطيق فوضى المدينة فيتسلح ويأخذ بقتل الناس.
في الوقت الذي يدرك فيه معظم المشاهدين أن هذا الفعل هو إرهاب فعلي، فإن البعض قد يستمثره كلجوء إليه كحل وحيد لإصلاح الحال. هذا يشبه ما أقدم عليه كلينت ايستوود في «غران تورينو» (2009) فقد وجد أنه بات محاطاً، في حيّـه، بأفواج المهاجرين وذوي الأصول المكسيكية والأسيوية والملونين. وفي حين يتبنى مساعدة عائلة كورية انتقلت للسكن بجانبه (وذلك بعد امتعاض من جانبه) يقرر أن الوقت آن لتنظيف الحي من آخرين يهددون تلك العائلة المسالمة. 
هذا التناقض المقصود به مراجعة مسائل صميمية تبدّت مرّة ثانية في فيلمه «قناص أميركي» (2014) عن هوس ذلك الجندي الأميركي (برادلي كوبر في الدور) بالقتل مستخدماً بندقية قنص فتكتب بعشرات العراقيين. لكن المخرج ايستوود لم يشأ تقديم هذه الحالة كبطولة بل حرص في البداية على تصوير وله الأميركي بالسلاح منذ الصغر وختم، في النهاية، بمشهد تأبين بطله الذي مات بالرصاص كما عاش بالرصاص.
ايستوود قبل ذلك لم يكن في وارد تحليل أساليب العنف عندما أم بطولات سلسلة «ديرتي هاري». في أولها، سنة 1971 (إخراج دون سيغال) نراه سعيداً باللجوء، كرجل قانون، إلى مسدسه الماغنوم سائلاً ضحاياه Do you feel lucky, punk?. مرتان ألقى السؤال. في مطلع الفيلم وكان الجواب نفيا فعفى ايستوود عن قتل ضحيته، وفي النهاية حين تراءى جواب المجرم بالإيجاب فأطلق عليه ايستوود رصاصة الرحمة.
العبارة الواردة ربطت بقوّة ما بين الإثارة الناتجة عن القتل وتلك الموسيقى الطريفة التي تصاحبه على شكل كلمات لا تُـنسى. المستفيد هو المسدس الذي قتل به إذ كان خير دعاية لفترة طويلة.
والأمثلة لا تنتهي. لا تلك التي  ستملأ كتاباً إذا ما حاولنا استعراضها عبر حقب التاريخ، ومنذ أن شاهدنا، سنة 1903 لإدوين أس. بورتر.
في نهاية ذلك الفيلم المبكر حول استخدام العنف، يوجه الشريف (ممثل أسمه A.C. Abadie) مسدسه إلى الكاميرا مباشرة  ويطلق النار على المشاهدين.



 ممثل                                                                        

 روبرت دي نيرو
من دي بالما إلى سكورسيزي وخارجهما

|*| حين يقف روبرت دي نيرو لتأدية دور ما، يفضل- بحسب شهود المخرجين الكثيرين الذين تعاملوا معه- القيام بتمارين مسبقة. هو، وليس المخرج، من يحدد إذا ما أعجبته الطريقة التي سيلقي فيها بجملته أو يمثّـل فيها موقفه:
"عليه هو أن يكون راضياً"، قال لي المخرج هارولد راميس قبل عدة سنوات عندما انتهى من تصوير «حلل ذلك» (Analyze That) ثم أضاف: "حتى حين تقول لك أن المشهد أعجبك وأن تمثيله له لا مشاكل فيه، ينظر بعيداً عنك ويهز رأسه ثم يقول: صحيح. لكني أريد أن أعيد المشهد".
دي نيرو يعتبر أن ما يقوم به هو حماية للفيلم وللمشاهد. من ناحية يريد الأفضل للفيلم الذي يشترك في تمثيله، ومن ناحية أخرى يريد الأفضل للجمهور الذي جاء يشاهده أو جاء يشاهد الفيلم من أجله. وفي الناحيتين يكسب دي نيرو النقاش. 


في السينما منذ 60 سنة، ظهر خلالها على الشاشة في نحو 120 فيلم ما عدا  حفنة من الأفلام القصيرة وأخرى لم تكترث لذكر إسمه في مطلع مهنته عندما كانت أدواره عابرة. أم التمثيل لأول مرّة سنة 1965 ولم يكن ذلك في فيلم أميركي، كما يُـتعقد اليوم، بل في فيلم فرنسي لمارسيل كارنيه بعنوان «ثلاثة غرف في مانهاتن» بطولة آني جيراردو وموريس رونيه. وعليك اليوم تتخيل كيف كان شكل ذلك الشاب، إبن الثانية والعشرين حينها، وأن تنتبه جيداً لمشهد المطعم الصغير قبل أن تطرف عينك فتمضي اللقطة التي يظهر فيها دي نيرو وهو ينتظر طعامه من دون أن تنتبه.
ولد، كما هو معروف، في نيويورك (في السابع عشر من أغسطس، آب، 1943). ما هو غير معروف بأن الشاب ترك المدرسة وهو في سن السادسة عشر مؤمناً بأن ما ستوفره له مقاعد الدراسة ليس ما يطلبه لنفسه. في سن السابعة عشر التحق بمعهد ستيلا أدلر للتمثيل. ستيلا أدلر كانت ممثلة ومدرّسة تمثيل تعلّـم المنتمين الأسلوب الدرامي المعروف بـ «المنهج»، ذاك الذي ابتدعه ستانيسلافسكي وهضمه مخرجون وممثلون عديدون من مارلون براندو وإييا كازان إلى كارل مالدن ومارتن شين وجيمس دين. 
لم تلك الثقة بما كان دي نيرو يرغب به وليدة فكرة طارئة. والده، وأسمه روبرت دي نيرو أيضاً، كان رساماً وشاعراً. وأمه فرجينيا أدميرال، كانت أيضاً رسامة. وروبرت الأب كان يأخذ روبرت الإبن، حين كان لا يزال في العاشرة من عمره،  إلى صالات السينما عدة مرات في الأسبوع ليشاهدا معاً الأفلام. 
أمر آخر شاع من دون أن يكون واقعاً: المخرج الأول الذي عمل روبرت دي نيرو تحت إدارته أكثر من مرّة لم يكن مارتن سكورسيزي بل برايان دي بالما، الذي كان يجرّب خطواته في السينما سنة 1968 عندما التقى بدي نيرو وضمّـه إلى ممثلي فيلمه «تحيات». بعد خمس سنوات انتقل دي نيرو من عهدة دي بالما (الذي لاحقاً ما أخرج فيلمين من بطولة آل باتشينو هما «ذو الوجه المشوه» و«طريقة كارليتو») إلى عهدة سكورسيزي الذي كان كان يبحث عن نبض واقعي لعصابات نيويورك الإيطاليين عندما اختار دي نيرو للمشاركة في بطولة «شوارع منحطة« (1973).
من دي نيرو إلى «شيخ الشباب» فرنسيس فورد كوبولا الذي أسند إليه دوراً تمناه كثيرون هو دور مارلون براندو في شبابه، وذلك في الجزء الثاني من «العراب». بعده تبناه سكورسيزي بدءاً من «تاكسي درايفر» إلى «كازينو» (1995) مروراً بأربعة أفلام أخرى هي «نيويورك، نيويورك» و«ملك الكوميديا» و«ثور هائج» و«صحبة طيبة».
بين هذه المجموعة من الأفلام تبرز أخرى مثلها دي نيرو تحت بعض أهم الأسماء الأخرى في السينما من بينهم برناردو برتولوتشي (في تحفته «1900») وسيرجيو ليونيذات مرة في أميركا») وآلان باركرأنجل هارت» و«الرسالة») كما استعاده دي بالما لدور آل كابوني في «الشرفاء» (The Untouchables).
إنها الفترة التي غربت وغربت معها حقبة نيّـرة. بعدها داوم دي نيرو ولا يزال مجموعة كبيرة من الأفلام التي تنتمي الى هذه الفترة حيث تتوارى الكلاسيكيات وتتبدى الأعمال العابرة. على الرغم من ظهوره في بعض الأفلام التي لا تتساوى مع خلفيته، إلا أنه نجا من الفشل. لم يسقط في حفرته بل تجاوزها وما زال بكل ثبات.


  تيارات                                                                              

أولها «الياكوزا» وآخرها «السور العظيم» 
أبطال هوليوود ينقلون صراعاتهم إلى آسيا الجنوبية
THE YAKUZA

|*| بينما كان ديفيد كارادين يُـبدي مهارته في القتال الشرقي في حلقات «كونغ فو» التلفزيونية في مطلع السبعينات، لاعباً شخصية أميركي-صيني يعيش في الغرب القاتل ويجيد الساموراي في مواجهة المسدسات القاتلة، كان روبرت ميتشوم يستجمع قواه ليدخل عرين الإمبراطورية اليابانية بدوره في فيلم مأخوذ عن رواية لليونارد شرادر بعنوان «الياكوزا»: (The Yakuza) شخصية أميركي لديه عقد دم مع حليف ياباني في المافيا المعروفة بـياكوزا. 
المشروع كان يلمع في وجه مارتن سكورسيزي مع مطلع العام 1970، لكن منتجيه اختاروا أولاً المخرج روبرت ألدريتش الذي طلب لي مارفن للدور. لي مارفن كان مشغولاً بسلسلة أفلام إمتدت من 1970 حتى 1974 بلا توقف. هنا وصل المشروع إلى روبرت ميتشوم كبديل لمارفن وهذا قبل به على الفور بشرط إخراج ألدريتش من المشروع وإحلال سيدني بولاك. هذا ما حدث وتم عرض الفيلم في العام 1974.
في طي هذه المتحوّلات كمنت رغبة السينما الأميركية حينها الإقتراب من صيغة لم تكن جديدة، لكنها كانت بحاجة للتجديد: ماذا لو أن البطل الأميركي خاض حروبه في الشرق الآسيوي عوض شوارع نيويورك وبوسطن ولوس أنجليس؟ ماذا لو تم تقريب فنون القتال الشرقية إلى المشاهد عبر أفلام رئيسية؟

في زمن آخر
لم يصبح «الياكوزا» أنجح أفلام العام. هذه المكانة حققها فيلم الوسترن الكوميدي «أسرجة ملتهبة» (Blazing Saddles) وبعده  فيلم الكوارث «برج الجحيم» مع ستيف ماكوين وبول نيومان وحل «العراب سادساً بين فيلمين من أفلام الكوارث أيضاً هما «زلزال» و«مطار 1975».
لكن «ياكوزا» دفع الباب أمام أفلام أخرى من نوعه. صحيح أن «فلاش غوردون» طار فوق الصين سنة 1936 لكنه لم يحارب لجانب الصينيين أو الشرق آسيويين عموماً كما فعل «ياكوزا» عندما هب الأميركي هاري لنجدة صديقه الياباني تاناكا كما قام بن كن تاكاكورا.

BLACK RAIN

بعده، ببضع سنوات قام مايكل دوغلاس وآندي غارسيا بالتعامل مع مافيا «الياكوزا» ثانية في فيلم لريدلي سكوت عنوانه «مطر أسود» (1988): تحريان من نيويورك عليهما اصطحاب عضو في تلك المنظمة اليابانية إلى طوكيو لتسليمه إلى السلطات. حال وصولهما يهرب السجين وينبري التحري ماساهيرو (كن تاكاكورا مرة ثانية) لمساعدتهما.
الجديد في السنوات الأخيرة فيه بعض الإختلاف عما سبقه: أبطال هوليوود الآن يعيشون زمناً بعيداً مختلفاً في قرون مضت ويجيدون الساموراي كأفضل ما يمكن للمحترف إجادته. وكل شيء في هذا الإطار بدأ، ضمن هذا التيار المستحدث، عندما قام توم كروز، سنة 2003 ببطولة فيلم «الساموراي الأخير» حول رجل أميركي خاض غمار الحرب الأهلية الأميركية قبل أن يلجأ إلى الصين بحثاً عن ذاته. هناك يتعلم فن القتال بالسيف وينضم إلى مجموعة من المحاربين بعدما وجد أن دوره في الحياة لصالح المبادئ لم ينته بعد.
عشرة أعوام مرّت على ذلك الفيلم قبل أن يقوم كيانو ريفز بتمثيل وإخراج «رجل تاي شاي» لاعباً شخصية صيني- أميركي ترعرع في الصين وحارب فيها ضد أشرار أحد القرون السابقة. هذا هو أيضاً موضوع فيلمه التالي «47 رونين» الذي يستبدل المكان (اليابان بدل الصين) لكن ريفز ما زال أجنبياً عاش منذ صغره في اليابان وانضم إلى فريق من الساموراي الذين تحوّلوا إلى رونين (أي ساموراي سابق فقد سيّـده وبات عاطلاً عن العمل) يحارب في سبيل استعادة مجده.
إلمحاربون
في سنة 2015 لحق الممثلان جون كوزاك وأدريان برودي بهذا الركب فشاركا جاكي تشان بطولة فيلم آخر من هذا النوع بعنوان «نصل التنين» ولو أن أحداثه تقع فوق «طريق الحرير» الرابط بين أوروبا والعالم القديم.
والآن يتقدم مات دامون لينضم إلى عداد الممثلين الأميركيين الذين وجدوا أنفسهم في إحدى بقاع جنوب- شرق آسيا في زمن مضى. ففي «السور العظيم»  لزانغ ييمو نجده يؤدي دور مرتزق أميركي في قرن بعيد مضى يتحالف مع جيش صيني عند أحد ثكنات السور الكبير ليواجه مخلوقات متوحشة تحاول اختراق السور وتكاد تفعل لولا فطنته ومهارته.

THE GREAT WALL

إذا استثنينا أن جون واين، الذي قام سنة 1956، بدور جنكيز خان في فيلم «القاهر» لدك باول (1956)، و«سايونارا»، بطولة مارلون براندو، في العام التالي،  فإن معظم الأفلام الأميركية التي دارت أحداثها في جنوب شرق آسيا كانت حربية تتمحور حول المواقع القتالية الدامية التي خاضها الجيش الأميركي ضد اليابان فوق تلك الجزر والأراضي التي استولت عليها اليابان خلال الحرب العالمية الثانية وقامت الولايات المتحدة باستردادها.
تلك الحرب كانت معيناً للعديد من الأفلام التي قاد بطولتها جنود أميركيين ضد أعدائهم اليابانيين. وهذه اختلفت بدورها. شهد بعضها وجوداً حقيقياً لشخصية المقاتل الياباني، كما الحال في فيلم كلينت ايستوود «رسائل من إيوو جيما» قبل عشر سنوات، بينما تحوّل المحارب الياباني في العديد منها إلى أشباح بلا شخصيات تقاتل وتموت على غرار قتال وموت الهنود الحمر في أفلام الوسترن.