Apr 9, 2015

ظلال وأشباح: سينمائية أسبوعية من محمد رُضـا والأصدقاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   سينما ستيفن سبيلبرغ تقع بين الوحوش وضحاياها   
 العد التنازلي لـ "جوراسيك وورلد"… بدأ 

الفيلم الجديد للمخرج ستيفن سبيلبرغ «جوراسيك
وورلد" يعرض قريباً. ليس من إخراجه لكنه يقف وراء المخرج
وفوقه ويراهن على فيلم ينجز بليون دولار | محمد رُضـا

كلها ثمانية أسابيع وتزحف الدينوصورات من جديد على هذا العالم لكي تدمّـره. في العاشر من يونيو (حزيران) المقبل، ستتساءل تلك الوحوش الفتاكة عن السبب التي عليها أن تكتفي بأن تكون عرضة للفرجة. إذا كان لابد لها أن تكون فلم لا تستبيح البشر؟
هذا كان حلم العديد من الوحوش السابقة. في نهاية «جوراسيك باركوصلت الدينوصورات إلى الولايات المتحدة وبدا أنها لن تعود إلى جزيرتها بعد اليوم. الآن، في «جوراسيك وورلد» تعتقد أن الإنسان عاد يتحرّش بها. يريدها أن تنتقم من كل شيء حي عداها. أن تدمّـر المدن. تبيد من على الأرض وتحمل ضحاياها بين أنيابها وتطير. 

ومئات ملايين الناس حول العالم يريدون التحرّش بها فعلاً. والمنتج- المخرج ستيفن سبيلبرغ في مقدّمتهم. لقد هاجمها في عقر دارها في «جيراسيك بارك» الأول (1993) وعاد إليها في الجزء الثاني (1997) وفتح لها باب الوصول إلى الساحل الأميركي في النسخة الثالثة (2001)… ما الذي يريده أكثر من ذلك؟ ما الذي سيحدث الآن وقد تجاوز الجزء الثالث كل الحدود السابقة وحط بدينوصوراته في قلب سان فرانسيسكو؟ 
مهما كانت الإجابات فإن «جوراسيك وورلد»، الجزء الرابع من الملاحم الفانتازية الكبيرة المعروفة، صار حقيقة وشركة يونيفرسال التي موّلت المشروع الجديد بتكلفة 150 مليون دولار تفتح خزنتها مرّة أخرى وتبدأ بصرف ميزانية تصل إلى 100 مليون دولار لترويج الفيلم وتسويقه. غايتها اختراق سقف المليار دولار من الإيرادات مستندة إلى عدّة عناصر مهمّـة.
العنصر الأول هو أنه مرّت خمسة عشر سنة على آخر "جوراسيك" ما يزيد من حماس المشاهدين وتوقعاتهم.
الثاني أن المشروع لديه جمهوره الجاهز وليس صعباً إعادته إلى صالات السينما لمشاهدة هذا الفيلم. الصعوبة عادة ما تكمن في المشاريع المكلفة الجديدة حيث على الناس التعوّد عليها مع خطر أنها قد لا تفعل ذلك.
العنصر الثالث يكمن بإسم سبيلبرغ الذي لا يحتاج لإثبات هوية. ليس أن كل مشاريعه ذهبية النتائج، بل هناك ما تعثّـر منها، بل لأن هذا الإسم مرتبط بأفلام التشويق والخيال العلمي أكثر بكثير مما هو مرتبط بأفلام «لينكولن» و«أمستاد» و«حصان الحرب» أو «ميونخ»
في الواقع هناك نقاد تساءلوا لماذا يزعج سبيلبرغ نفسه ليحقق أفلاماً من غير تربته الأولى. من هؤلاء من وجد أن سينما الترفيه هو سينما سبيلبرغ و"ما عدا ذلك، لم ينجز سبيلبرغ ما يصل إلى مستواها أو نجاحها".
لكن سبيلبرغ لا يرى ذلك. حين قابلته في نيويورك في أعقاب أحد تلك الأفلام التي أخابت توقعات الكثيرين، وهو «ميونخ»  (2005) قال: "أحب أن أرى نفسي مخرجاً لنوعين من الأفلام. نعم أحب الأفلام الترفيهية التي اعتادها الجمهور مني، لكني من حين لآخر لابد لي أن أحقق أفلاماً أشعر بأنني مهتم بها على نحو شخصي. «ميونخ» من بينها".

حب السينما
سبيلبرغ كان أخرج الجزئين الأول والثاني من «جوراسيك بارك» أما الثالث فترك إخراجه  لجو جونستون وهذا الرابع للمخرج كولين تريفورو. وبين جونستون وتريفورو فروقاً شاسعة. الأول له خبرة أوسع في مجال هذا النوع من الأفلام كونه حقق قبل «جوراسيك بارك «جوماني» وبعده «كابتن أميركا» وكلاهما من أفلام الخيال العلمي الكبيرة، بينما تريفورو لا يزال طري العود وفيلمه السابق لم يكن من هذا النوع مطلقا بل كوميديا عاطفية مع وجوه غير مشهودة مثل أوبري بلازا وباسيل هاريس (!). السبب في إختيار كولين تريفورو غير معروف، لكن تريفورو يعرف ديريك كونولي كاتب سيناريو «جوراسيك وورلد» وربما بواسطته تم له استحواذ ثقة سبيلبرغ.
في كل الأحوال ستيفن سبيلبرغ ليس بعيداً مطلقاً عن العمل. هو المنتج المنفّـذ وبالتالي المهيمن على مسار الفيلم والقابض على شؤونه جميعاً بما فيها الفنية. أي قرار من أي نوع عليه أن يمر به أولاً وبما أننا أمام صنعة لا تتحمّـل الأخطاء فكل القرارات المهمّـة تم اتخاذها من قبل التصوير والتفاصيل هي التي تبقى وهذه لا تمر إلا من أنبوب المنتج المنفّـذ، ليس فقط في هذا الفيلم، بل في الأفلام جميعاً.
سبيلبرغ يرتاح للمهنتين معاً أو منفصلتين. يقول: 
"لا أستطيع أن أخرج كل ما أريد أن أنتجه. لذلك يبدو الأمر كما لو أنني أفضل في هذه الأيام عمل المنتج على عمل المخرج. لكن الواقع هو أنني لو أخرجت كل أفلامي لاستغنيت عن الكثير من الأفلام الأخرى".
لكن كيف يجمع بين الناحيتين ويومه مزدحم، ومنذ عقود، بالأعمال: 
"سابقاً كنت ما أقول أنه نظام العمل الذي اتبعه. الآن لست متأكداً من أن هذا هو السبب الوحيد. ربما هو الدافع الداخلي في نفسي، فأنا ما زلت أحب السينما كما لو كنت أفعل عندما كنت هاوياً… الشيء المؤكد هو أنني لا أتعاطى أي مخدرات" (يقول ذلك ويضحك ساخراً).

الفيلم- الرمز
كان سبيلبرغ ما زال فتى عندما اشترى له والده كاميرا وتركه يصوّر ما يشاء. في الثالثة عشر من عمره أخرج فيلماً قصيراً (كتبه ومثله بنفسه) أسمه «المسدس الأخير». في سن الثالثة والعشرين كان دخل التلفزيون وحقق حلقتين من مسلسل «نايت غاليري» التشويقي. بعد ذلك أخرج، سنة 1971، حلقة من مسلسل «كولومبو»، وقرب نهاية ذلك العام أنجز فيلماً من إنتاج التلفزيون وعرض في أميركا على هذا الأساس، لكنه عرض عالمياً كفيلم سينمائي. هذا الفيلم هو «مبارزة»: دنيس ويفر في دور رجل أعمال جوّال يخرج من بيته صباح يوم على طرقات أريزونا الجبلية ليجد نفسه ضحية سائق شاحنة يطارده ليقضي عليه من دون سبب ظاهر.
كل بصمات سبيلبرغ المهمّـة موجودة على ذلك الفيلم: التخويف من القوّة الغامضة، محاولة الفرار من الأقدار، النهايات التي تجسد لنا أبطالاً يحاولون فك ألغاز ما حدث… وبالطبع تلك الوحوش التي تنطلق في أعقاب البشر، لأن الشاحنة التي في «مبارزة» لم تكن مجرد شاحنة عادية، بل عملاقة مخصصة لنقل الغاز والبترول.
هي رمز بالتأكيد. لكن رمز لماذا بالتأكيد؟ خطر قيام العرب آنذاك بتقويض الإقتصاد الأميركي كما صوّره الإعلام الأميركي في أفلام أخرى في تلك الفترة رولأوفر» و«سـلطة» مثلاً)؟
رمز للمؤسسة الأميركية التي تطحن أبناءها؟ أم رمز لإضطهاد غير منظور لا يشعر به سوى الضحية؟ أم كل هذه الرموز معاً؟
بعد أن أخرج فيلماً ذا تركيبة درامية مختلفة (هو «شوغرلاند إكسبرس»، 1974) الذي كان فيلمه السينمائي الأول، قام بتحقيق فيلمه الثاني عن وحش كاسر هو «جوز» (Jaws) عن سمكة قرش عملاقة تتغذّى على لحم السياح طالبي السباحة واللهو على شاطيء عادة ما هو آمن. أذهل سبيلبرغ الجمهور بتفعيلات بسيطة: ذلك الجزء المخروطي عند رأس القرش الذي يظهر من تحت الماء قبل ظهور القرش ذاته وهو يسبح إقتراباً من الضحية. الفكّـان الكبيران والعناد المستمر للنيل من البشر والتهامهم. 
يمكن أن نقول أن الوحش في «جوز» هو ذاته أحد وحوش «جوراسيك بارك» من حيث الدلالات والتأثيرات والحالة الكوارثية التي تتبع ظهوره. 

بقي سبيلبرغ في إطار سينما الدهشة والترفيه عندما عاد سنة 1977 بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الآخر». ما لم يفت انتباه أحد أن «جوز» وقبله «مبارزة» عكسا وجهة نظر المخرج بالأرض ومن عليها. هو يحمل، كما ستدل أفلام أخرى له أيضاً، قدراً من الغضب على الحياة التي نعتبرها طبيعية وقدراً آخر من الشماتة لما يحدث عليها من دمار لا يستطيع الإنسان الإنتصار فيه إلا بمعجزة. بينما، وهنا المفارقة، يعكس الفضاء إطلالة على المخلوقات الأعلى شأناً. «لقاءات قريبة من النوع الثالث» هو تحيّـة لحياة متقدّمة تخلو من الفواجع البشرية ومن الكوارث والوحوش وتتميّـز بتقدّمها الإجتماعي والنظامي والحضاري المثالي البعيد عنا. 
الأمر نفسه حين يضل المخلوق الفضائي في «خارج الأرض» (1982) طريقه ويصبح، على عكس العشرات من الأفلام التي صوّرت غزاة الكواكب الأخرى كوحوش كاسرة، ضحية سوء فهم الناس بإستثناء أولاد ما زالوا أصغر سنا من الإنحياز إلى العدائية والشرور التي يراها المخرج في باقي البشر. 

جميعها وحوش
نعم اختلفت أفلام سبيلبرغ نسبة لمواضيعها بعد ذلك، لكن الوجه الداكن للبشرية بقي ماثلاً حتى في مغامرات «إنديانا جونز»، الأول سنة 1981 والثاني سنة 1984 ثم الثالث في العام 1989) قبل أربع سنوات من تحقيقه «جوراسيك بارك» (1993). إنه الرجل القاسي داني كلوفر في «اللون أرجواني» (1985) والنازية في «لائحة شيندلر» (1993) والمستقبل المظلم للإنسان وقد عاد أدراجه مستقبلاً إلى الوراء في «ذكاء إصطناعي» حاكماً على بطله (الذي هو نوع آخر من المخلوقات غير الآدمية) بالموت إذا ما وصل إليه.
الفيلم المسبق لفيلمه عن ضحايا الهولوكوست كان «جوراسيك بارك» والنقلة من الخيال حيث الإنسان الحاضر مسحوقاً تحت أقدام الوحوش إلى إنسان الأربعينات مسحوقاً تحت عجلات النازية لافت. صحيح أن الأول خيالي والآخر مأخوذ من الواقع (مع ترميمه خيالياً)، إلا أن الضحية هي واحدة في حالتين متشابهتين: الحيوانات الجوراسية، ومن قبلها سمكة القرش والشاحنة الغامضة التي لا نرى سائقها، هي جميعاً وحوش بمسميات مختلفة. النازية ليست مختلفة، لكن سبيلبرغ لا يستطيع أن يلعب بها ويحوّلها إلى صرح رمزي أو مجازي. عليه أن يقدّم صورة العدو كما هي، وهو قدّمها أيضاً في «تابوت العهد» (الجزء الأول من سلسلة «إنديانا جونز») ولو أنه ضمّ العرب إليها أيضاً.

«جوراسيك بارك» الأول (حاز ثلاث أوسكارات) كان من كتابة الراحل مايكل كريتون الذي انشغل بوضع الإنسان ضد القوى الأكبر. كان كتب «وستوورلد» الذي قام بإخراجه للسينما سنة 1973. ذلك الفيلم حمل الفكرة ذاتها التي قامت عليها فكرة «جوراسيك بارك». 
في «وستوورلد» مدينة ملاه مستقبلية تؤمن للزائرين العيش في خيالاتهم. إذا أحببت الإنتقال إلى فترة الأزمنة الرومانية فإن هذا ممكن، سيتم إرسال "روبوتس" يحملون الأسلحة اليدوية التي كان الرومانيون يتصارعون بها في الحلبات. "تلعب" مع الروبوتس كما لو كنت ما زلت ولداً صغيراً تؤدي دوراً خيالاً مع أبناء عمرك. إذا أردت أن تصبح بطلاً من الغرب الأميركي، أتاحت لك المدينة روبوتس يتصرّفون كما لو كانوا في مشهد من أيام ذلك الحين. الذي يحدث هو أن الكومبيوتر يتعطل أكثر من مرّة وفي النهاية يتمرد الروبوتس على الأوامر وينطلقون لقتل الآدميين.
«جوراسيك بارك» فيه دينوصورات عملاقة تتم محاولة استثمارها لتحويلها إلى عنصر جذب لطالبي الترفيه المطلق. لكن هذه ستثور وستتمرد. وهي فعلت ذلك في كل جزء من الأجزاء الثلاثة. 
هذا الجزء الجديد يلفّـه غموض مقصود. التريلر لا يقول الكثير والشركة تتعتم على أخباره والعملية تتم في سرية كاملة ضماناً للمفاجأة. 
في  الوقت ذاته الذي يتابع ستيفن سبيلبرغ ترتيبات عرض «جوراسيك وورلد» في العاشر من الشهر السادس من العام (سيفتتح في الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة ولبنان وعواصم أخرى في اليوم ذاته) يتابع كذلك مراحل ما بعد تصوير فيلمه الأول كمخرج منذ «لينكولن» قبل ثلاث سنوات، وهو «جسر الجواسيس» (مع توم هانكس وآمي رايان) ويصوّر فانتازيا بعنوان The BFG مع مارتن فريمان وبل هادر في البطولة.
إذاً، يبدو أن سبيلبرغ عاد للنشاط على أكثر من جبهة، لكن الواقع هو أنه لم يتوقف يوماً عن العمل منذ أن اشترى له والده تلك الكاميرا.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015


Apr 6, 2015

شباك تذاكر الأسبوع | المطلوبون الـ 18: نظرة نقدية مغايرة


  السينما سباق بين سيّـارتين 
الحكاية الخلفية للفيلم رقم واحد هذا الأسبوع  محمد رُضــا  

Furious 7

السيارات السريعة تنطلق هذا الأسبوع في ماراثون من المطاردات والفانتازيات المعدنية. فيلمان من النوع ينطلقان من خط بداية واحد هو شهر أبريل (نيسان) ولكن واحد فقط سيصل إلى خط النهاية. الآخر قد تنفجر عجلته الأمامية في نهاية أسبوعه الأول ويدخل "الكاراج".
الفيلم الأكثر أهلاً للنجاح هو Furious7 والكلمة لها عدة معان كما نعلم جميعاً (منها غاضب وحانق وساخط ومتهيج ومستاء) وكلها تنطبق على الفيلم مبدأياً. ولديه أكثر من سبب أهمها إنه الفيلم السابع من السلسلة المعروفة بـ «سريع وغاضب» وعليه بالتالي، ولإبقاء الشعلة مولعة، أن يكون أكثر غضباً واستياءاً من الأجزاء السابقة كلها لكي يضمن نجاحه. والأرقام الأولى التي سجلت يوم الجمعة (أول من أمس) تقول أن سببه ذلك حقق له ما يريد: نحو 50 مليون دولار ما يعني أن المتوقع له تحقيقه مع نهاية هذا اليوم، الأحد، قد يتجاوز الـ 125 مليون دولار.
وهذا فقط في أميركا الشمالية (كندا والمكسيك والولايات المتحدة)، علماً بأنه انطلق للعروض في أنحاء العالم بما فيها دبي وبيروت، في اليوم ذاته. 
سبب آخر مهم يقف وراء هذا النجاح المحتمل يعود إلى أن إلمام شعبي جاهز به. أحد بطليه (بول ووكر) مات قبل نحو عام في حادثة سيارة لا علاقة لها بالتصوير. آنذاك، في الثلاثين من شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، 2014 كان يقود سيارته البورش الحمراء بسرعة 100 ميل (نحو 160 كلم) في الساعة، عندما فقد ووكر سيطرته على السيارة التي كانت متوجهة جنوباً في أحد شوارع لوس أنجيليس لكنها استدارت شرقاً لتضرب شجرة ثم عمود نور ثم تلف حول نفسها 180 درجة قبل أن تصدم شجرة أخرى. ووكر، ومدير أعماله الإقتصادي روجر روداس الذي كان بجانبه فارقا الحياة على الفور. 
ما تبقّـى من السيارة (التي قال البوليس إنها انشطرت إلى قسمين تقريباً) هو «كومة" حمراء صغيرة محترقة المقدّمة لا تستطيع أن ترى نصفها الثاني في بعض الصور التي التقطت لها. لكن ذلك لم يكن بالطبع مشهداً مقرراً في سياق الفيلم الذي فاجأ شركة يونيفرسال. في الأول من ديسمبر (كانون الأول) أعلنت إيقاف التصوير على هذا الفيلم. إجتماع بين المخرج جيمس وان ومنتجي الفيلم للبحث فيما يمكن عمله بعد أن كان ووكر صوّر نحو 40 بالمئة من مشاهده شهد نقاشاً حول ثلاثة حلول: حذف المشاهد التي صوّرها ما يعني تغيير السيناريو ليلائم وضعاً جديداً أو إدخال ممثل آخر يكمل التصوير من زوايا لا تظهر وجهه أو إلغاء الفيلم بأكمله وإعادة تصويره. الحل الثاني هو الذي تم تنفيذه مع الإستعانة المكثّـفة بالكومبيوتر غرافيكس والدجيتال لإتمام العملية بنجاح مع موعد عرض جديد عوض الموعد الذي كان مقرراً في السابق وهو منتصف صيف 2014.
المسألة بأسرها أدّت، من بين ما أدت إليه، إلى تحفيز المشاهدين الذين أمّـوا الأجزاء السابقة جميعاً وأحبوا بول ووكر، لمشاهدة الممثل الراحل في آخر أدواره. إلى جانب أن الفيلم له جمهوره الدائم كحال أفلام جيمس بوند مثلاً.

مخرج على غير العادة
الفيلم الثاني في السباق لم يتعرّض لأي حادث من هذا النوع. لكنه حادث بحد ذاته.
عنوانه «سوبرفاست» وهو تقليد كامل لسلسلة «سريع وغاضب» مع استخدام تفاصيل من نوع أن بطل الفيلم (دايل بافينسكي) أسمه فين سرنتو، في حين أن شريك بول ووكر في السلسلة وبطله الأول حاليا هو فين ديزل. إلى ذلك، هناك كل تلك المشاهد المسروقة أو المستوحاة من السلسلة الأولى مع منح الفيلم الجديد طابعاً ساخراً كما فعل مخرجيه آرون سلتزر وجاسون فرايدبيرغ عدة مرات من قبل من بينها فيلمهما المسمّـى بـ The Starving Games («ألعاب التضوّر جوعاً») على سياق The Hunger Games («ألعاب الجوع»). لا نجاحات فنية ولا حتى تجارية صاحبت أعمالهما حتى الآن لكنها أفلام محدودة الكلفة تنتجها شركة صغيرة وهي راضية بكل ما تستطيع جمعه من السوق.
Superfast

بضعة أفلام أخرى تنطلق في الأسبوع ذاته من بينها «إمرأة في الذهب» من بطولة هيلين ميرين في دور عجوز يهودية تبحث عن اللوحات الفنية التي نُـهبت خلال الإحتلاف النازي للنمسا ويساعدها في ذلك محام شاب (دانيال برول الذي كان له دور رئيس في أفضل أفلام السباقات الحديثة وهو «إندفاع» /Rush  قبل عامين). 
هذا الفيلم الإستذكاري لسايمون كيرتس ليس أفضل المعروض ولن ينجز نجاحاً يذكر. تجارياً هذا أيضاً مصير محتمل لفيلمين آخرين ولو أنهما فنياً أفضل منه. الأول تسجيلي لجيمس د كوبر حول شابين كانا قررا تحقيق فيلم عن فريق «ذ هو» The Who الذي نال شهرته في الستينات. بذا، الفيلم في وقت واحد عن هذين المخرجين وعن الفرقة الموسيقية والحقبة الستيناتية ذاتها.

الفيلم الثاني هو «بندقية ند» حول شاب يقرر أنه يريد قتل والده بسبب معاملته السيئة لوالدته. الرغبة تواجهها معضلة عاطفية ليس حيال والده بل حيال الفتاة التي ارتبط بها. المميّـز في هذا العمل هو أن المخرج ليس سوى هال هارتلي الذي اعتاد المضي إلى مهرجان "كان" بأعماله لكن ذلك كان عهداً ربما انتهى. 

TOP TEN  

الإيراد الأول في أميركا. الثاني حول العالم إذا توفّـر
1 Furious 7: $141,201,576 
أكشن سيارات  | **
_________________________________________
2 Home:  $27,410,302 $102,730, 201 
أنيمشن | **
_________________________________________
3 Get Hard:  $12,925,061 $51,460,003 
كوميدي | * 
_________________________________________
4 Cinderella: $10,289,842 | $336,222,150
فانتازيا  | *****
_________________________________________
5 Insurgent: $11,088,344  | $180,093,823 
أكشن  | *
_________________________________________
6 | It Follows: $2,465,101 | $10,540,682 
رعب | ***
_________________________________________
7 Kingsman: $2,044,294 | $209,817,565 
جاسوسي | **
_________________________________________
8 Woman in Gold: $2,004,676 
دراما | **
_________________________________________
9  Do You Believe?
ديني | ---
_________________________________________
10  The Second Best Exotic Marigold Hotel: $1,021,870 | $67,034,803
كوميديا | **
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015


Mar 27, 2015

Cannes 2015 | Ken Loach | Gabriel Garcia Marquez | Thessaloniki DOX | Jacques Tati | James Bond 1 | Paul Thomas Anderson | أسبوع سينما المرأة | شهادات محمد عصفور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماذا في جعبة "كان" هذا العام؟

   مخرجون عرب مرشحون للإشتراك
وعودة محتملة لكوستاريتزا وسكوليموڤسكي   
محمد رُضـا





بعد الإعـلان عن عرض فيلـم «ماد ماكس: طريق
الغضب» للعرض رسمياً خارج المسابقة،  ما هي
الأفلام  الأخرى التي قد تشهد عروضها العالمية
الأولى في إطار الدورة المقبلة لمهرجان "كان"؟
التالي أهم الإحتمالات. 

مرمى التدريب

العالم العربي
فلسطين ربما على القائمة في قسم أو آخر عبر فيلم من إخراج محمد أبو ناصر وطارزان ناصر مع هيام عبّـاس في البطولة عنوانه الإنكليزي Range (التي تحمل عدة معاني من بينها «سلسلة» أو «صف» أو«ميدان التدريب على الأهداف») وأحداثه تقع في غزّة حول مجموعة من النساء حوصرن في صالون للسيدات عندما بدأت الجولة الأخيرة من القتال بين قطاع غزّة والدولة الصهيونية.
مطروح أيضاً فيلم المخرج الجزائري مرزاق علواش الجديد «مدام كوراج» حول لص صغير يتعلّق بحبال الأمل، وهو فيلم صوّره في الجزائر. 
المغربي نبيل عيّـوش كان تقدم بفيلمه الجديد «منتهية صلاحيّـته» حول واقع ومستقبل مجموعة من نساء الليل في مراكش.
اللبنانية دانيال عربيد لديها فيلم عن أحوال المرأة العربية في باريس وذلك عبر فيلم لها بعنوان «الخوف من لا شيء».
عبداللطيف كشيش، الذي نال ذهبية "كان" في العام قبل الماضي عن «الأزرق هو اللون الأكثر دفئاً» ، صوّر فيلمه الجديد «الجرح» في تونس  (من بطولة جيرار ديبارديو) ولو أن هذا سوف لن يجعله فيلماً عربياً، بل سيقدّم كفيلم فرنسي تبعاً لرأسماله.

أوروبا
  من فرنسا أفلام كثيرة مطروحة للإختيار من بينها فيلم المخرج الفرنسي جاك أوديار الذي انتهى من تصويره مطلع هذا العام تحت عنوان «إران» Erran حول لاجئين من سري لانكا يعيشون في باريس. وأوديار أيضاً ربح ذهبية "كان" سنة 2009 عندما قدّم فيلمه الأسبق «النبي». 
ومن بين الأفلام الفرنسية المتوقعة أيضاً «عائلات جميلة» Belle Familles لجان-بول رابينيو مع ماثيو أمارلريك وجيما تشان. أيضاً فيلم فيليب غارل «ظلال النساء» وأرنو دسبلشين  «سنواتي الذهبية». ولافت أن هناك، من بين ما هو مطروح فيلم للمخرج نيقولا سعادة عنوانه «تاج محل».
وإذا ما كان "كان" سيختار مخرجة أنثى ليزيّـن بها قائمته الرسمية فقد يرسى الإختيار على فيلم ساخن من كاثرين كورسيني عنوانه «الموسم الجميل»، وهو ساخن لأنه مبني على حكاية علاقة مثلية بين إمرأتين، كما كان حال فيلم كشيش السابق.
تود هاينز قد يمثل السينما البريطانية بعدما قام بتحويل رواية «كارول» للكاتبة باتريشا هايسميث إلى فيلم من بطولة كايت بلانشيت وروني مارا تقع أحداثه في نيويورك. 
Sunset Song | أغنية المغيب

مواطنه ترنس ديڤيز لديه «أغنية المغيب» الذي يعود به إلى مطلع القرن العشرين ومكان أحداثه الريف الاسكتلندي. ديڤيز كان قدّم في دورة المهرجان سنة 2008 فيلمه المتقن «حول الزمن والمدينة» الذي دارت أحداثه في مدينة ليڤربول.
وللمخرج الكردي عاصف قبضايا فيلم تسجيلي حققه في بريطانياً بعنوان «آمي» حول المغنية التي توفيت سنة 2011 إثر تناولها خمراً مسموماً. 
السينما البولندية قد تشهد حضورها مجدداً ضمن المسابقة. المخرج ييرزي سكيلوموڤسكي الذي كان حقق، حتى حين قريب، جل أفلامه في بريطانيا، لديه فيلماً جديداً (الثاني المصوّر في بولندا بعد «قتل ضروري» الذي عرضه سنة 2010 في مهرجان ڤنيسيا) عنوانه «11 دقيقة».
من المجر قد نشاهد فيلماً عنوانه «إبن صول» سيحمل موضوعاً عن الهولوكست من توقيع لازلو نيميز، الذي كان مساعداً للمخرج المعتزل بيلا تار.
وإذا ما انتهى إمير كوستاريتزا من عمليات ما بعد التصوير لفيلمه الجديد On the Milky Road الذي يقوم أيضاً ببطولته لجانب الإيطالية مونيكا بيلوتشي
ربما من السلامة تأكيد حصول مهرجان "كان" على الفيلم الجديد للمخرج الروسي ألكسندر سوخوروف وعنوانه «فرانكوفونيا، اللوڤر تحت الإحتلال الألماني»
من البرتغال كان المخرج ميغويل غوميز قد انشغل طوال العام الماضي بتطوير بعض حكايات «ألف ليلة وليلة» لكي تقع في عصرنا الحالي وفيلمه «ليالي عربية» إنتهى وهو تحت مرمى أهداف المهرجان أيضاً.

الولايات المتحدة/ هوليوود
  المخرج المستقل غس ڤان سانت لديه فيلم جديد عنوانه «بحر من الشجر» من بطولة ماثيو ماكونوفي وكن واتانابي. الفيلم مرشّـح رئيس لمهرجان "كان" وڤان سانت أحد الزبائن الأوفياء. 
شون بن قد يحضر "كان" بفيلمه الجديد

المخرج شون بن كان أنجز «الوجه الأخير» الذي وُصف بأنه دراما عاطفية وهناك إحتمال أن يكون من بين قائمة الأفلام المرشّـحة رسمياً للمسابقة. الفيلم من بطولة خافييه باردم وتشارليز ثيرون.
ويتردد أن فيلم وودي ألن الجديد «رجل غير منطقي» هو أحد أكثر الأفلام الأميركية توقعاً في الدورة الجديدة. الفيلم من بطولة واكين فينيكس وباركر بوزي وإيما ستون.





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015



Mar 13, 2015

خمسون ظلاً من غراي: بين الكتاب والفيلم


 مقارنة بين الكتاب والفيلم
 »خمسون ظلاً لغراي« ساخن وبارد معاً

الرواية لم تكن أدباً والفيلم أقل مستوى مــن 
السينما التي تحتويه. أي ظل من ظلال غراي
يمكن الدفاع عنه؟ | محمد رُضـا

رواية إ ل جيمس «خمسون ظلاً لغراي» كلها سيئة، فكرة وكتابة، لكن من بين أسوأ ما فيها، وهذا أمر يجمع عليه نقاد الكتب، استخدام الكاتبة البريطانية التي لقبت في أميركا بإسم «بورنو موم»، لحوارات ركيكة المدلولات ولكلمات تتكرر مرة بمناسبة جيّـدة ثم مرات بلا مناسبة على الإطلاق.
غراي، البليونير الغامض في هذه الرواية، مكنّـى دوماً بكلمة «أدونيس». عندما تستخدم الصفة مرّة أو مرّتين تكون أبلغت رسالتك ومفادك منها، عندما تستخدمها في غالب المرّات التي يرد فيها إسم غراي، تكون "زدتها" كثيراً.
هي، الطالبة الشابة التي تعلق في هوى الشاب الثري، تلجأ دوماً إلى "آلهاتها الداخلية"، من دون أن نعرف ما هي هذه الآلهات. وهي دوما مسحورة بجمال عيني غراي، الرماديّـتين حيث تستخدم الروائية عبارة «يبرق عيناه الرماديّـتين» في أكثر من موقع. لا عجب أن الطقس بارد هذه الأيام… ستمطر بعد قليل!
وحين ترد في الرواية عبارة مثل «يضرب على ذقنه بأصابعه الطويلة الخبيرة مفكراً» تكون وصلت إلى الوضع الذي يغريك بأن تضع الكتاب جانباً ولا تفتحه بعد ذلك".
بعد رواجه وبيعه لأكثر من 70 مليون نسخة في أميركا، كما يُـقال، سارعت دور النشر لطبع كتب تحمل عناوين مشابهة تذكر بما أقدمت عليه السينما في الستينات حال نجاح أولى أفلام جيمس بوند، فإذا هناك أفلام تحمل إسم «جيمس تونت» وآخر عنوانه «العميل السري 007 ونصف» و«العميل 077» و«008: عملية إبادة» الخ
هذه المرّة الكتب التي تحاول أن تنبت كالأعشاب البرية على جانبي هذا العمل تحمل عناوين "رمادية" متعددة: "خمسون عاراً لإيرل غراي" و"ظلال رمادية» (كتابان بالعنوان نفسه واحد بإسم كليا سيمون والآخر كتبه جاسبر فورد) و«خمسون ظلا لشوارتز» الخ…


صورة لعالم آخر
الفيلم الجديد ضرب بين المعجبين بالرواية الإيروتيكية وألهب حماسهم والكثير من فضول الآخرين، لكن ليس على النحو الذي أنجزه فيلم «قنّـاص أميركي»، ورغم كل ما قيل عن فيلم كلينت ايستوود الأخير من موقف يميني وعنصري، إلا أنه يبقى عملاً أفضل بعشرات المرّات من فيلم سام تايلور- جونسون المقتبس عن الكتاب بما فيه من ركاكة.
لا يمر وقت طويل قبل أن يتحدّث الحوار بلغة الكتاب فينزع إلى استخدامات تشبه طعم  الخبز المحروق. 
يقول لها في أحد المشاهد: "أنا غير قادر على أن  أتركك". ترد عليه «لا تفعل إذاً» ثم تهوى عليه بعد ذلك بقبلة الإقناع.
وماذا عن «الآلهات الداخلية»؟
نعم موجودة! إذا لم أكن على خطأ، والفيلم يتسرّب من البال حال الخروج منه، تقول له وهي تتناول فطيرة معه في مطعم يستطيع الفقراء تحمّـل فاتورته: "نعم. آلهاتي الداخلية مرتعدة" (بالإنكليزية Yes. My Inner Goddess are thrilled).
في مشهد آخر يقول وهو ينظر في وجهها «أريد أن أرى وجهك». تريد إرجاع الفيلم الى الوراء (والعرض تم في صالة وليس على دي في دي) ربما فاتك أنه لا يرى. ويقول لها في مشهد يقع في نصف الفيلم الثاني «تريدين أن تغادري لكن جسدك يقول لي شيئاً آخر»
ذلك النصف الثاني الذي هو أسوأ ما في الفيلم. «خمسون ظلاً لغراي» يبدأ في وضع نصفي. لا هو سيء بعد ولا هو جيّـد. من تلك النقطة، وبعد نصف ساعة من ترتيب اللقاء الأول بين الطالبة الجامعية التي تريد إجراء حوار مع واحد من أغنى رجال العالم وتعرّفها عليه، ينزلق الفيلم لولبياً إلى قاع من البطء والملل. طبعاً الذين يريدون مشاهدة فيلم «ساخن»، ممن يعيش في العواصم الغربية، فإن مشاهدة الفيلم هي الدافع الرئيس الذي يجعلهم قابلين بوضع أنفسهم بين بطلي الفيلم في مشاهدهما العاطفية، لكن قلّـة من هؤلاء سيغادرون الصالة معجبين بأي منهما أو بالفيلم ككل.
ما سيأخذونه معهم، إذا لم يشاهدوا أفلاماً تصوّر عالم الأغنياء من قبل، هو مشاهد الحياة البذخة التي لابد من عرضها في الفيلم تبريراً لموقع بطله غراي الإجتماعي. هل يمكن تفويت فرصة تصويره في طائرة خاصّـة أو تصوير مكاتبه أو مبانيه أو راحات منزله؟ التفعيلة ناجحة في الكتاب والإنتاج يريدها على الشاشة لأنها تلبّـي شرطاً رئيساً من شروط نجاح العمل. في الكتاب وصف لكل هذه الأماكن المقصية بعيداً عن متناول العامّـة، وفي الفيلم إشعار بأن نمط الحياة هو نمط منعزل طبيعياً عما يعيشه معظم المشاهدين الكاسح. إذا لم يكن ذلك لغاية بيع الأحلام ذاتها التي وفّـرها من قبل فيلم رتشارد غير وجوليا روبرتس «إمرأة جميلة» الذي حققه غاري مارشال (1990)، فلغاية إتقان الأجواء وهذا هو السبب الأول بلا ريب.
لكن إتقان الأجواء له ثمن يدفعه الفيلم الذي لا يستطيع سبر غور شخصياته بل يكتفي بتصوير سياحي لها.

ركام من المواقف
في «غاتسبي العظيم» (لجاك كلايتون، 1974 وبطولة روبرت ردفورد وميا فارو عن رواية ف. سكوت فيتزجرالد) ذلك التعمّـق في حياة الثري. ذلك القدر من محاولة فهم خلفيّـته ومن أين جاء ولماذا هو مهم للفيلم وبالتالي لمشاهديه. هنا، الخلفية لا دور لها بعد تلك النتف التي نتلقاها عندما تقوم أناستاسيا (داكوتا جونسون) بإجراء مقابلة مرتبكة مع الملياردير كرستيان غراي (جايمي دورنان). ثم مع مضي الأحداث لا يوجد أي إبحار في ذاتي البطلين. صحيح إن كرستيان يحذّر أناستاسيا (أو آنا كما تطلق على نفسها) من أنه «لست من النوع الرومانسي» إلا أن هذا هو ظواهر الأمور والتمهيد لعلاقة من المفترض بها أن تخلو من الرومانسية لكنها في نهاية الأمر فيها طرف مبلول بالرومانسية قليلاً.

ربما هي رومانسية التعلّـق بمغامرة عاطفية مع فتاة من طبقة عادية بالنسبة إليه، وتعلّـقها هي بالمغامرة ذاتها مع رجل يفوقها ثراءاً. بجعل الرجل الأثرى (على عكس «المتخرّج» لمايك نيكولز عندما جذبت الثرية آن بانكروفت الطالب الجامعي دستين هوفمن إلى عرينها) هو القوّة الذكورية من الباب ذاته الذي ترفضه- عادة- المرأة الغربية اليوم.
لكن الكاتبة هي إمرأة في الوقت ذاته ما يعزز الإعتقاد بأنها حين وضعت هذا الركام من المواقف لم يكن تفكيرها منصبّـاً على هذه النقاط الإجتماعية أو السياسية (بالمفهوم الغربي للكلمة) بل على  الواردات المحتملة إذا ما تمادت في وصف العلاقة السادومازوشية بين الإثنين.
هذا الوضع يبقى أكثر أوضاع الفيلم اهتزازاً. ما كان عليه أن يبدو مثيراً جنسياً، يتمخّـض عن مشاهد سبق لسلسلة «إيمانويل» الفرنسية في الثمانينات أن تجاوزتها. حين يحذّر كرستيان الفتاة المذهولة (ساندريللا عصرية) من أنه ليس «رجل غرام» يتوقّـع القاريء ما يجده على الصفحات من وصف لما يحدث بينهما. لكن من قرأ الكتاب وشاهد الفيلم سيجد نفسه أمام نسخة مهذّبـة. وفي حين أن التهذيب أفضل من قلّـته، إلا أن الغاية هنا ليست المحافظة على الأخلاق العامّـة مطلقاً، بل البقاء تحت لحاف قانون «جمعية السينما الأميركية» MPAA الذي منح الفيلم علامة R للراشدين فقط، وكان يمكن له لو تجاوز الأعراف حمل علامة X التي ترفع سقف السن الممكن السماح له بمشاهدة الفيلم ما سيعني خسارته لنحو 50 بالمئة من مشاهديه.

المرأة كما هي
البديل المنطقي لعدم الرغبة في إيذاء الفيلم مادياً في الوقت الذي لا زال فيه يتحدّث عن تلك العلاقة الجنسية المشوبة بمواقف القوّة الذكورية على تلك الأنثوية، هو التوسّـع في دوائر متاحة على الصعيدين الشخصي، كما سبق القول، أو على الصعيد البصري. 
نعم هناك تلك المشاهد التي وصفتها بالسياحية وذلك التصوير المنمّـق والنظيف جدّاً (كما لو كانت حياة غراي تم ترتيبها للتصوير فعلاً) لكن لا تحديات تذكر في معالجة المخرج سام تايلور-جونسون (في ثاني أفلامه وهو الذي سبق له وأن أخرج فيلماً بيوغرافيا سنة 2009 بعنوان «فتى لا مكان» تحت إسم سام-تايلور وود) علاوة عن محاولة خفض السخونة من دون التسبب في البرودة.
في ذروة هذه العلاقة هناك محاولة لإثبات سيطرة الرجل على المرأة ورغبة المرأة في التمرّد عليها. لكنه تمرّد ناعم، إذا صح التعبير، كون الفيلم غارق أكثر في محاولة الإيهام باللذة المكتسبة عبر تلك العلاقة. 
في الصالات الأميركية ذاتها، يعرض حالياً فيلم الأخوين البلجيكيين جان-بيير ولوك داردين «يومان وليلة». والوهلة الأولى تفيد بأن لا علاقة على الأطلاق بين هذين الفيلمين بإستثناء أنهما إنتاج سينمائي يستخدم الأدوات التقنية ذاتها لصنعه وعرضه. لكن في حين أن الفيلم البجيكي يتحدّث عن وضع المرأة الصعب في مسار إجتماعي من الحياة المحفوفة بالبطالة والخوف منها، وفي حين أن بطلته (ماريون كوتيار) عليها أن تنبذ أي تفكير عاطفي عن بالها بينما تسعى لتأمين الأصوات الكافية بين رفاقها ورفيقات المصنع الذي تشتغل فيه لكي تستطيع الإحتفاظ بعملها، ينطلق «خمسون ظلاً لغراي» مبتعداً سنوات ضوئية عما يجول داخل أميركا أو خارجها وعن ذلك الفيلم البلجيكي الأكثر صدقاً وأمانة.
طبعاً هذا القول لا يتدخل في حق صانعي الفيلم الأميركي تقديم أي عمل يريدونه، ولا يتغاضى عن حقيقة أن السينما الأميركية لا زالت تفاجئنا بالعديد من الأفلام التي تبحث في الناس كذوات إجتماعية ونفسية عالقة في عنق زجاجة الأوضاع الإقتصادية والأزمات السياسية والعاطفية (نظرة واحدة على الأفلام التي رشحت الأوسكار تفي بذلك)، لكنه يكشف البون الشاسع بين الإهتمامين وأي من الفيلمين يتحدّث فعلياً عن وضع المرأة اليوم.
لجانب «يومان وليلة» (الفترة التي على بطلة فيلم الأخوين داردين تأمين مساندة رفاق العمل وإلا خسرت وظيفتها) هناك «فوكسكاتشر» كنموذج لكيفية قيام مخرجه (بَـنت ميلر) بالتغلب على الظواهر والدخول في عمق العلاقة بين مليادير آخر (يؤديه ستيف كارل) وبطل رياضي (شانينغ تاتوم) أراد الأول إحتوائه. في صلبها هي علاقة قوة وضعف. الأول يريد استحواذ الثاني لرغباته في الإستحواذ لا أكثر. لكن هذا «اللا أكثر» ينضوي على الملكيات العاطفية والنفسية والإجتماعية والطبقية كما الجنسية. وهنا، كما في مثال «غاتسبي العظيم»، يبرز الخلل الكبير في فيلم «خمسون ظلا لغراي» ذلك لأن هناك الكثير مما هو جدير بالبحث في كنه حكايته وشخصيّـتيه، لكن صانعي الفيلم (والمنتجون هنا هم النافذون أكثر من المخرج) كانوا حريصين على استبعاد أي شيء من هذا القبيل لضمان بيع تذاكر كثيرة.
في المستقبل، تريد الكاتبة جيمس، الإشراف بنفسها على عملية نقل الكتابين الآخرين من ثلاثيتها وهما «خمسون ظلا أغمق» و«خمسون ظلاً متحرراً»، وذلك على نحو ما قامت به مؤلّـفة ج. ك. راولينغ (لاحظ أن إ.ل جيمس تستخدم كذلك الحرفين الأولين في مقدّمة إسمها للدلالة وأسمها الحقيقي مختلف فهو إريكا ميتشل). لكن لا أدري ما الذي تستطيع أن تصرّ عليه لم ينجزه هذا الفيلم. هل تريد مشاهد أكثر عرياً أو أكثر تفصيلاً؟ شيء لا يمكن لهوليوود أن تقوم به من دون أن يخسر الفيلم من إيراداته.
لكن تدخلت أو لم تتدخل، فإن إحتمال نجاح الفيلمين المقبلين ليست مضمونة. هذا الفيلم يعطي المتطفل كل ما تطفّـل من أجله. الباقيان قد يحملان حكايتين مغايرتين لكنهما سيصبّـان في الأتون ذاته.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[غير مسموح إعادة نشر أي مادة في «ظلال وأشباح» من دون ذكر إسم
المؤلف ومكان النشر الأصلي وذلك تبعــاً لملكية حقــوق المؤلف المسجـلة في 
المؤسسات القانونية الأوروبية]
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2015