Jun 23, 2017

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا


 خمسون سنة على "معركة الجزائر»
طروحاته ما زالت حاضرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضــا  - لندن


في الثالث من شهر سبتمبر (أيلول) 1966 تم العرض العالمي الأول لفيلم جيلو بونتيكورفو «معركة الجزائر» وذلك في مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي، في دورته الـ27 آنذاك.
في مثل هذه الأيام، وبعد مرور خمسين سنة على ذلك الفيلم النيّـر، ما زالت طروحاته حاضرة ولو في قوالب أخرى. ذلك الفيلم الذي أخرجه الإيطالي بونتيكورفو لحساب السينما الجزائرية (في واحد من أعمالها التي جلبت إليها مخرجين أوروبيين في تلك الفترة) طرح قضية الثورة الإسلامية في بلد اندلعت فيه المواجهة بين جنود الإحتلال الفرنسي وبين الثوار الجزائريين. تلك المشاهد العديدة التي توحي بعالمين متناقضين واحد حاضر بثقافته الغربية والآخر بتراثه الإسلامي والعربي الساعي للإستقلال.
تحت مسميات أخرى، تشهد أوروبا وبعض دول العالم الإسلامي الصراع نفسه يقوده متطرفون ومتشددون إسلاميون يزرعون القنابل أو يهاجمون الأبرياء بالشاحنات أو ينقضون عليهم باطلاق النار. شتّـان، في الواقع، بين ثورة الجزائر وبين إرهاب الدولة الإسلامية وتفرعاتها، لكن فيلم بونتيكورفو بدا، في الوهلة الأولى، حيادياً إلى حد أثار عليه غضب الجهات الفرنسية والعربية معاً. 
خلال عرض الفيلم في المهرجان الإيطالي، حيث خرج بجائزته الأولى بعد أسبوع من ذلك التاريخ، هب الوفد الفرنسي واقفاً خلال العرض وانسحب احتجاجاً على الفيلم الذي يعرض كيف يمارس الجنود الفرنسيين التعذيب لإجبار المقبوض عليهم من جبهة التحرير الجزائرية الإعتراف بالمعلومات. في الجزائر كما في سواها من بلاد العرب، اعتبر النقاد (ورهط من السينمائيين) الفيلم بأنه يدين الثورة ويصفها بالإرهابية.

أفلام أخرى مهمة
واقع الحال أن الإحتجاجات ضد الفيلم صدرت من اليسار ومن اليمين في آن واحد. لأن ما فعله المخرج الراحل (1919-2006) هو إلقاء نظرة حيادية- تقريرية- شبه باردة على طرفي تلك الحرب فصوّر قيام الثوار الجزائريين بمهاجمة المدنيين الفرنسيين وزرع القنابل في المقاهي التي يترددون عليها، وصوّر كذلك أساليب التعذيب التي مارستها قيادة الجيش الفرنسي في الجزائر لكي تحصل على المعلومات بأي ثمن. 
كبداية، لم يكن «معركة الجزائر» الفيلم الجيد الوحيد في مسابقة فنيسيا آنذاك. بمراجعة ما عرضه في مسابقته (10 أفلام) نجد حضوراً لافتاً لخمسة مخرجين جيدين في مضمار ما حققو من أعمال في ذلك الحين وما بعد وهم الفرنسي فرانسوا تروفو الذي قدّم فيلماً «ثورياً» آخر ولو على طريقته وهو «فهرنهايت 451» والروسي أندريه كونتشالوفسكي المعلم الأول» الذي فازت عنه ممثلته الأولى ناتاليا أربنباساروفا) والسويدية ماي زترلينغ ألعاب ليلية») والألماني ألكسندر كلوغفتاة الأمس») والإيطالي فيتوريو دي سيكا (عن «نصف رجل»).


وفي حين ذهبت الجائزة الأولى لفيلم «معركة الجزائر»، نال «فتاة الأمس» جائزة لجنة التحكيم الخاصة مناصفة مع فيلم «تشاباكوا» لمخرج غير معروف آنذاك ولم ينجز إلا فيلم واحد بعد ذلك أسمه كونراد روكس.
بين كل هذه الأفلام جاء «معركة الجزائر» الوحيد الأكثر سخونة ووقعاً بين كل ما سبق. هذا على الرغم من أن سنة 1966 ذاتها كانت مفعمة بالإنجازات الأخرى التي توجه معظمها لمهرجانات أخرى مثل «برسونا» لإنغمار برغمن (السويد) و«انفجار» لمايكلأنجلو أنطونيوني (إيطاليا)  و«أندريه روبلوف» لأندريه تاركوفسكي (روسيا) و«قطارات مراقبة عن كثب» لييري منزل (تشيكوسلوفاكيا) و«رجل لكل الفصول» لفرد زنمان من بين عشرات أخرى في عام شبه استثنائي من حيث زخم الأعمال المتميزة فنا ومضموناً التي انتجت وعرضت فيه.
بين تجاذب الآراء المؤيدة له من هنا والمعارضة له من هناك والعكس، لا يمكن الا ولفت النظر إلى حقيقة قليلة التداول وهي أن أسلوب المخرج بونتيكورفو الواقعي ومنهجه التقريري شبه التسجيلي وتصويره في حي القصبة وليس في ستديو ما، أمور مهمّـة منحت الفيلم لا انتمائه إلى مدرسة واقعية، أو نضالية، فقط، بل، وأساساً، إلى منهج وضع فيه المخرج الحالات الماثلة وحاول عدم التدخل في تسييرها مدركاً ما سيحدثه ذلك من إنطباع ولغط. بونتيكورفو رفض أن يكون عاطفياً، وهو اليساري الذي لابد أنه وقف لجانب الثورة الجزائرية، وعرض وسائل كل جانب من جانبي الصراع قبل أن ينحاز بوضوح صوب المطالبين بالإستقلال في مشهد النهاية بعد تدمير الجيش الفرنسي المخبأ الذي آوى إليه الثوار، إذ ينتهي الفيلم بمشاهد للمدينة تندلع فيها أصوات النساء وهن يزغردن كرد فعل متحدٍ كما كتأبين للشهداء حسب التقاليد. 
الزغردة ليست من الجوار بل من كل المدينة والفيلم ينتهي بالصوت بعدما قامت الصورة بمهامها في عرض الوضع الحاصل. إنها بمثابة إعلان، نسائي في ذاته، برفض الوجود الإستيطاني للفرنسيين ما يجعل الفيلم- رغم منواله الذي يبدو حيادياً في النظرة الأولى- دعوة شاملة لرفض ما عرف بالفترة الإستعمارية الأوروبية على أفريقيا.

الصورة
في النظرة الأكثر تعاملاً مع عمق المطروح من مشاهد، لا يمكن لهذا الفيلم أن يكون حيادياً على الإطلاق. ليس فقط أن مشاهد التعذيب واضحة في عنفها وتخفق في الإتيان بتبرير ما لصالح الفرنسيين، بل هناك الحق في الإستقلال الذي يمثله الثوار ما يبرر قيامهم بكل ما هو متاح من عمليات يذهب المواطنون الفرنسيون ضحايا لها. التبرير في هذا الجانب أقوى من التبرير في الجانب الفرنسي، كذلك حقيقة إيمان الجزائريين بما يقومون به وتشكيلهم شبكة إتصالات لا يستطيع أحد فكّـها (الا بالتعذيب) وفي حي مكتظ مليء بالأزقة والبيوت المتاخمة تدخل أحدها فتدلف إلى آخر.
الواقعية التي في هذا الفيلم دفعت البعض للإعتقاد أن بونتكورفو استخدم مشاهد تسجيلية، الأمر الذي نفاه المخرج وموزعو الفيلم تماماً. ما قام به المخرج هو إختياره الأسلوب مستعيناً بمدير التصوير مارشيللو غاتي (رحل سنة 2013 بعد نحو 74 فيلم في عداد ما قام بتصويره) للتأكد من حسن استخدامه نوعية الفيلم الخام الذي يمكن له أن يمنح تلك الواقعية لونها المناسب. الفيلم بالأبيض والأسود، لكن مدير التصوير استخدم حساسية خاصة منحت الصورة تدرجات داكنة أكثر بقليل من مجرد لونيه المتناقضين ما جعله يبدو كما لو صوّر على نحو تسجيلي بالفعل حيث أن التصوير للدراما عادة ما يتطلب نوعية مختلفة من الفيلم الخام لكي تؤمن اختلافه عن الواقع. 


مشاهدة «معركة الجزائر» من جديد تفضي إلى إعادة إكتشاف عمل غير عادي بين كل ما عرفته السينما من أعمال وُصفت بالنضالية. حتى السينما الجزائرية ذاتها لم تستطع تقديم عمل مواز في تأثيره على الرغم من انتاجها أفلاماً جيدة حول موضوع الثورة. كذلك فإن المشاهدة المتجددة تطرح مقارنة بين ثورة استخدمت العنف لأجل تحقيق الغاية، وبين إرهابيي اليوم الذين نقلوا صراعهم ضد الإنسانية من العالم العربي إلى العالم الغربي معيدين بذلك مواجهة غير ضرورية ولا هي مطلوبة بين ثقافتين ومنهجي حياة. 
بين الحالتين خمسون سنة بقي فيها هذا الفيلم من عماد الأفلام السياسية واحتفي به في كل مناسبة ممكنة. 


10 أفلام هزت العالم… أو كادت
هذه عشرة أفلام أخرى تناولت الثورات واقعياً أو، في بعض الأحيان، خيالياً. يجمع بينها جودتها.
1925: Battleship Potemkin | Sergei Eisenstein, Nina Agadzhanova, Nikolai Aseev, Sergei Trtyakov [USSR] ****
1928: October: Ten Days that Shook the World | Sergei Eisenstein, Grigor Alexkandrov [USSR].***
1928: Storm Over Asia | Vsevolod Pudovkin [USSR] ***
1964: I Am Cuba | Mikhail Kalatozov [USSR] *****
1969: Burn! | Gillo Ponteorvo [Italy] ***
1981: Reds | Warren Beatty [USA] ****
1983: Danton | Andrei Wajda [France] ***1/2
1986: Salvador | Oliver Stone [USA] ***1/2
1995: Land and Freedom | Ken Loach [UK] ****
2005: V For Vandetta | James McTeigue [UK] ****



May 27, 2017

Cannes Film Festival | مهرجان "كان" السينمائي


يوميات مهرجان "كان" 

مع اسدال المهرجان دورته السبعين هذا المساء
خلطة من الأفلام ذات المصادر الأدبية وتساؤل 
حول من سيكون الرابح الأكبر

كان - محمد رُضـا
• You Were Never Really Here •

يسدل مهرجان "كان" هذا المساء الستارة على دورة وصفها عديدون بأنها، في أفضل الأحوال وبكثير من اللطف، إشكالية.
دورة عرض فيها نسبة أعلى من الأفلام المتسابقة غير المميّـزة. ودورة واجه فيها جمهور المنتقدين لقيامه بإدخال أفلام من شركتي «نتفلكس» و«أمازون» غير المصنفتين كمؤسستين سينمائيّـتين، وبل قام باختيار أعمال تلفزيونية لتقديمها، ولو خارج المسابقة.
مع عرض آخر أفلام المسابقة يوم أمس (السبت) فإن المهرجان، الذي ما زال لديه فيلماً واحداً خارج المسابقة لكي يعرضه بعد توزيع الجوائز هذا المساء (فيلم تشويقي جديد للمخرج رومان بولانسكي)، أظهر أنه لم يكن جاهزاً بأفلام متميّـزة كثيرة، ناهيك أن تكون متميّـزة لدورة أريد لها أن تحتفي بمرور 70 سنة على إقامته.
مدير المهرجان، تييري فريمو، أوحى بأن الأفلام التي أرادها، ومن بينها «دنكيرك» للأميركي كريستوفر نولان و«أنيت» للاوس كاراكس و«فكتوريا وعبدل» لستيفن فريرز، لم تكن كلها متوفرة وقتما حان موعد إغلاق الإنتساب. وربما يؤكد ذلك أن فيلم لين رامزي الذي هو آخر أفلام المسابقة المعروضة بدا كما لو أنه لم يسعه الوقت الكافي حتى لإضافة أسماء العاملين به في النهاية.

استيحاءات هيتشكوكية
الفيلم هو «أنت لم تكن هنا حقاً» وهو مأخوذ عن رواية قصيرة للكاتب جوناثان آمس أرادت المخرجة رامزي نقلها بإيقاعها وجوانبها الحادة. هي غير مكتوبة كسرد كلاسيكي وفيها أحداث تختلط بأحداث وأخرى تقفز فوقها، وهكذا الفيلم مع إضافة أن العديد من مشاهد الإستعادة (فلاشباك) تظهر في غير موضعها كما لو أن المخرجة كانت فعلاً بحاجة لمزيد من الوقت للقيام بتوليف الفيلم على نحو أجدى.
إنها حكاية قاتل مأجور أسمه جو (يواكين فينكس) يعيش اليوم بأوجاع الأمس الدفينة. شخصية مرتبكة وحادة يطلب منها البحث عن فتاة في الرابعة عشر من عمرها تم خطفها من قِـبل عصابة تتاجر بالفتيات الصغيرات في عالم موحش يسوده الفساد بين النافذين وأصحاب الثراء. الفكرة بحد ذاتها مقبولة وإن لم تكن منفردة وهناك ما يذكرنا بأن مهمّـة روبرت دينيرو في «تاكسي درايفر» سنة 1976  لم تكن مختلفة بإستثناء أنه لم يكن قاتلاً مأجوراً بل سائق تاكسي يغشوه الضباب دافعاً به لمحاولة تصفية أشرار مشابهين.
جو لديه أسباباً أهم من أسباب شخصية دينيرو في ذلك الفيلم وبعضها لا يعود فقط إلى ماضيه البعيد حين كان لا يزال ولداً صغيراً. فهو شارك في المجهود الحربي الأميركي كمجند والتحق بالمخابرات المركزية بعد ذلك وفي الحالتين قتل ما يكفي لكي يزيده ذلك اضطراباً. هناك مشاهد منجزة بتفاصيل بصرية رائعة لكنها لا تمنح العمل إلا حسنة واحدة في هذا السياق وهو الذي كان يحتاج إلى قدر من التأني وبعض الإيضاح الممنهج جيداً.
الفيلم الذي سبقه، وذاك الذي سيختتم الدورة هذه الليلة كلاهما تشويقي أيضاً.
الفيلم السابق هو «عشق مزدوج» للفرنسي فرنسوا أوزون المقتبس من رواية أيضاً هي «حياة توأم: عشق مزدوج» للكاتبة الأميركية جويس كارول أوتس صاحبة أكثر من 40 رواية منذ مطلع الثمانينات وإلى اليوم. الماضي يلعب هنا دوراً مهماً فالفيلم حول طبيب نفسي أسمه بول (جيرومي رنيير) الذي يعالج إمرأة شابة (مارين فات) لجأت إليه لأنها باتت تعتقد أن أوجاع معدتها ناتجة عن حالة نفسية وليس بدنية (كما أكد كذلك الأطباء). كليو تجذبه وسريعاً ما يبدآن علاقة قبل أن تعلم بأن للطبيب شقيق توأم ولو أن ماضيه (أو ماضيهما إذا أحببت) يبقى خارج قدرتها على الإلمام. 
لويس (شقيق بول) هو أيضاً طبيب نفسي وهي تعرض مشكلتها الصحية عليه وتجد أن حلوله ليست متطابقة مع تلك التي وفرها بول. والأمور تتعقد من هنا وصاعداً وتتسع لمزيد من المتاهات التي يعالجها أوزون جيداً لكنه يستعير من هيتشكوك ودي بالما (من الأخير مبدأ المرايا الرامز لتعدد الشخصيات) ولو أنه يفتقد قدرتهما على إبقاء التشويق خالياً من عيوب الرغبات الشخصية التي لديه. 

عودة بولانسكي
أفضل منه، لكن بمتاعب مختلفة، فيلم رومان بولانسكي الذي يأتي ليختتم الدورة السبعين والمرء يتمنى لو كان اختير للإفتتاح فلربما منح الحضور طمأنينة لم يستطيع «أشباح إسماعيل» المتوعك توفيرها.
بولانسكي في «قصة من الواقع » مبني أيضاً على مزيج من سينما هيتشكوك وسينما دي بالما. موسيقى ألكسندر دسبلات ليست بعيدة الشبه بموسيقى برنارد هرمان لفيلم ألفرد هيتشكوك «فرتيغو» (1958) وحياكة قصّـة تتناغم ومعطيات علاقة صراع بين إمرأتين وتقترب ثم تنزوي بعيداً عن المثلية الجنسية تشبه تلك التي أقدم عليها الأميركي دي بالما في فيلمه الفرنسي (انتجه طاق بن عمّار) «شهوة» (2012) ولا حتى فيلم ألان كورنيو «جريمة حب» (2012). وهو أيضاً مقتبس عن رواية أدبية وضعتها دلفين دي فيغان قبل بضع سنوات.

 • Based on a True Story •

يفتح الفيلم على كاتبة ناجحة أسمها (أيضاً) دلفين (إيفا غرين) وهي توقع كتابها الأخير في حفل أدبي. هناك تتعرف على إمرأة تتقدم منها في نهاية صف طالبي التوقيعات أسمها «هي» Elle، كما تقدم نفسها.
إل (إيمانويل سينجر) تعمل ككاتبة في الظل وتمنح دلفين أسباباً سريعة للتواصل معها. "أستطيع مساعدتك على كتابة روايتك المقبلة"، تقول لها. لكن إل لا ترغب في المساعدة بقدر ما ترغب في التسلط على حياة دلفين وإدارتها كما ترغب. في مكان ما من منتصف الفيلم، وبعد أن انتقلت إل لتعيش في البيت ذاته الذي تعيش فيه دلفين، تدرك الأخيرة أنها أصبحت في خطر السقوط في حفرة المرأة الأخرى وهي تسقط فعلاً إنما على سلم منزلها الباريسي ما يصيبها بكسر في الساق. هنا لم يعد هناك إمكانية عدم اتكالها على إل خصوصاً وأن صديقها (فنسنت بيريز) غائب في رحلة إلى الولايات المتحدة. 
في الفيلم بعض التشويق وفيه بعض الحيل وبعض التاريخ الغامض للشخصيات، لكن النظرة الأعمق تكشف عن سيناريو مرتب ليقود مشاهده من وضع لآخر بفعل الصدف والإختيارات المنتقاة من المفارقات على الرغم من إحتمالات أخرى يتم إلغاؤها.
أذا ما كان مدير المهرجان تييري فريمو يعتقد أن المهرجان المنسدل أدّى دورة ناجحة فإن المنتج والموزع الفرنسي تييري لانوفل يكشف في حديث بيننا أن المسألة انتقلت بالفعل من مهرجان يقصد دعم السينما عموماً إلى مهرجان صناعي يكثّـف وجود السينما الفرنسية:
"ليس كل السينما. هل شاهدت فيلماً فرنسياً فنياً أو مستقلاً هنا في السنوات الخمس الأخيرة مثلاً؟ غير ممكن".

موضوع متواصل
إلى ذلك يشير إلى أن ما تم عرضه من أفلام فرنسية لم ينل معظمها تقدير غالبية النقاد هو أفضل ما تقدّمت به شركات التوزيع: "هل شاهدت أفلاماً من باتيه وغومون مثلاً؟" وعند الإجابة بالنفي أضاف: "لأنها لا تملك أفلاماً جديرة بالتقديم حتى ضمن هذا الحيز المحدود من الفن".
السوق، حسب رصد المجلات الأميركية والفرنسية المتخصصة بالصناعة والإنتاج، مثل «ذا هوليوود ريبورتر» و«فيلم فرنسيس» و«فاراياتي»، كان ضعيفاً. الصفقات إما عقدت قبل الحضور إليه أو إنها لم تكن بالمبالغ العالية التي كانت سائدة حتى ثماني سنوات مضت.
وخلال الساعات الأخيرة من المهرجان طفت إلى السطح مجدداً عقدة «نتفلكس» التي عرضت فيلمين من إنتاجها هما «حكايات مايروفيتز» و«أوكيا» بنجاح نقدي محدود. ما أعاد القضية إلى الظهور بيان من «إتحاد السينمات الأوروبي» (UNIC) يمثل 36 سوقاً أوروبية، شدد على أن كل الأفلام عليها أن تكون صالحة للعرض في صالات السينما. 
هذا الإتحاد القوي من شأنه أن يحبط أي مسعى لنتفلكس أو لمنافستها أمازون في عرض أفلامها في أي مهرجان أوروبي، وربما آسيوي إذا ما أصدر إتحاد مشابه مثل هذا المشروع.
وهذا ما يعارضه المخرج رومان بولانسكي الذي صرّح تعليقاً على البيان وعلى التجاذبات التي سادت المهرجان منذ إعلانه اشتراك هذين الفيلمين في المسابقة بأن لا خطر على السينما من وجود العرض المنزلي المباشر. قال
"الناس لا تذهب إلى صالات السينما بسبب تقنيات الصوت الأفضل ولا بسبب المقاعد الأكثر راحة فقط، بل لأنها تريد أن تشاهد الأفلام معاً".  ثم أضاف: "الجمهور يحب مشاهدة الأفلام على نحو جمعي. إنها تجربة متأصلة تختلف كثيراً عن تجربة مشاهدة الأفلام في المنزل وحيداً".
وبينما ترفض هذه المسألة أن تُـطوى قبل أن يسدل «كان» ستار النهاية فإن الحديث الجامع والأهم هو من الذي سيفوز بالجائزة في هذه الدورة؟
هناك عدة حقائق قد تضعنا أمام الأفلام الأعلى احتمالاً بالفوز أهمها أن المميّـز فعلاً محدود وقليل. معظم الأفلام المشتركة في هذه الدورة ذات عجينة متشابهة من المواد البصرية والفنية ما يجعلها متشابهة في مستوياتها الإبداعية.

صوب النتائج
كما تقدّم هناك الفيلم الروسي «بلا حب» الذي نال التقدير الأعلى بين النقاد في هذه الدورة. إنه جديد مخرج يوفر لمشاهديه الأسلوب والعين الناقدة أسمه أندريه زفينتسيف وفيلمه الجديد، وإن ليس الأفضل بين أعماله السابقة، ما زال يحمل هاتين المتعتين في الشكل والمضمون. 
وكان يمكن له أن يبقى في سدّة الترجيحات وحيداً لولا فيلم آخر حمل قوّة شبه مساوية عنوانه «مخلوق رقيق» لمخرجه الليتواني سيرغي لوزنيتسا. إنه فيلم يدور بكامله حول إمرأة تعيش في بلدة روسية (فاسيلينا ماكوفتسيفا) استلمت طرداً كانت أرسلته لزوجها السجين. لا تعرف لماذا أعيد إليها ولم يوفر لها أحد أي تفسير فتقرر أن تقطع المسافة الطويلة بين قريتها وبين السجن الكامن في مقاطعة روسية بعيدة لعلها تحظى بالجواب. حال وصولها تجد نفسها ممنوعة حتى من الدخول من بوابة السجن الخارجية. ستسعى وستصد أكثر من مرّة وستقضي ليلتها الأولى في بيئة من السكارى والثانية ما بين الشارع وغرف إنتظار، هذا قبل أن يلتوي الفيلم 90 درجة جانبية ليدخل في عالم من الفانتازيا في فصل طويل وغير متصل فعلياً بما سبق يمكن لصقه بأي فيلم آخر ليؤدي ذات الهدف غير المحدد.

• A Gentle Creature •

روسيا في هذا الفيلم بلد من العاهرات والسكارى والفساد الإجتماعي. لكن المشكلة هنا هي أنه بوجود استثناء واحد عن هذه القاعدة (هو الزوجة المصرّة) فإن هذا الموقف يقتنص نفسه. يقلل من قيمة النقد لعدم امتثاله للواقعية ولخلوه من عنصر آخر (ولو واحد) يقدّم تنويعة ما.
أسلوبياً، يحمل ذات ما حرص المخرج عليه في أفلامه التسجيلية والروائية معاً وهو توظيف كل مشهد يحمل أكثر من شخص واحد فيه، للإستماع إلى حكايات متبادلة بين الشخصيات حتى وإن لم تكن متصلة بالأحداث. مشهد مثل إنتقال بطلة الفيلم في مقطورة مزدحمة بينما تتناهى إلى مسامعنا ما يتبادله باقي الركاب من حوار كما لو أن مهمّـة الفيلم سرد الحكاية الأساسية وكل حكاية أو موقف ممكن، سرعان ما يخضع الفيلم لرتابة غير مقبولة.
على ذلك قد يفوز هذا الفيلم بجائزة ما. كذلك فيلم تود هاينس «ووندرستراك» لكونه يلتقي في صميمه مع ما يتعامل وإياه رئيس لجنة التحكيم المخرج الأسباني بدرو ألمادوفار من قضايا في أفلامه: الماضي العابق بمشاكل نفسية وعاطفية تؤدي إلى حاضر من اللون نفسه.
في المقابل، فإن ما يخرج من الإعتبارات المبدأية هو أكثر مما يدخلها وفي هذا الصدد فإن الرأي المنتشر هنا أن فيلمي  صوفيا كوبولا «المنخدعات» وميشيل هنيكه  نهاية سعيدة») لا يستحقان الفوز ما يرفع من احتمال فوز «ووندرستراك» أيضاً أو فيلم التركي- الألماني فاتح أكين «في الإختفاء».
وبما أن المهرجان فرنسي ومعظم أفلامه مبللة بتمويل فرنسي (حتى لو تحدثت بلغة أخرى) فمن غير المستعجب خروج أحدها بجائزة ولو في مدار جوائز لجنة التحكيم. 


May 17, 2017

يوميات كان السينمائي- 2 | محمد رُضــا


يوميات مهرجان "كان" 2
إنطلق اليوم بفيلم حول العاشق المزدوج إسماعيل
واقع الحضور العربي بين التهليل والتهويل 

كان - محمد رُضـا


المخرجة التونسية كوثر بن هنية • 

حشدت إدارة مهرجان "كان" ثلاثة أفلام لثلاثة مخرجين متميّـزين تنطلق في الأيام الثلاثة الأولى. 
فيلم الإفتتاح هو «شبح إسماعيل» للفرنسي أرنو دبلشان وفيلم «بلا حب» للروسي أندريه زفاستنسف و«ووندرستراك» للأميركي تود هاينز. ليس أنها الأفلام الوحيدة التي ستعرض في هذه الأيام الأولى، لكنها التي جذبت الإهتمام أكثر من سواها منذ الإعلان الذي أكد اشتراكها داخل المسابقة (كحال الفيلمين الروسي والأميركي) أو خارجها (حال «أشباح إسماعيل» الذي يفتتح الدورة هذا العام).
بطبيعة الحال، لا يمكن معرفة ما هي الأفلام الأخرى التي تم اعتبارها مناسبة لافتتاح المهرجان. كانت هناك، على الأرجح، عدة أسباب لإعتقاد بعض الصحف البريطانية (ربما نقلاً عن الفرنسية) أن فيلم ميشيل أزانفسيوس «مروع» (Redoubtable) هو المتوقع أكثر من سواه لافتتاح هذه الدورة. لكن المدير العام للمهرجان تييري فريمو واجه الصحافي الذي أخبره بذلك برد صارم: "لم يكن هناك أي سبب لتوقع ذلك. أنتم (الصحافيون) عليكم التوقف عن فعل هذا. الصحافة تنقل عن الصحافة".
الفيلمان المذكوران، «أشباح إسماعيل» و«مهيب» لأرنو دبلشان يشتركان في صفة ثانية غير أنهما فرنسيان وهي أن كليهما يتعامل والسينما ولو من زاوية مختلفة.
في «أشباح إسماعيل»، الفيلم المختار لافتتاح الدورة مساء هذا اليوم،  عودة رجل أسمه اسماعيل فولار  (ماتيو أمالريك) إلى حبيبته المخرجة سيلفيا (شارلوت غينزبورغ) على نحو مفاجئ. في البداية ينعش وجوده المتجدد حياتها، لكن عندما تلحظ ميله صوب صديقتها الجديد كارلوتا (ماريون كوتيار) تتمنّـى لو أنه لم يعد.
«مروع»، من ناحيته، يدور حول المخرج المعروف جان- لوك غودار في مزج بين التحية والبحث يقوم بهما المخرج الذي سبق ونال خمسة أوسكارات عن «الفنان» سنة 2011 ثم هوى بعد ذلك إلى قاع فيلمين لم يشهدا نجاحاً يذكر هما «اللاعبون» (2012) و«البحث» (2014) وهذا الفيلم  عرض في مسابقة «كان» ذلك العام، ثم دار على حفنة من المهرجانات الأخرى وطويت صفحته بعد عروض تجارية سنة 2015 شملت ثماني دول فقط.


أشباح إسماعيل

أساور عربية
هناك مثل إنكليزي يقول: "بضعة أيام مشمسة لا تعني أن الصيف أتى" وكان هذا المثل أكثر تردداً بين الناس قبل التغيير المناخي الذي قلب الصورة رأساً على عقب، لكن المثال يصلح للتطبيق على حالة الإشتراكات العربية عموماً. هي أقل مما يجب وليست معدومة تماماً.
في مهرجان كبير كهذا تحوّل منذ عقود إلى الحدث السينمائي العالمي الأهم بعد الأوسكار (أو قبله بالنسبة للبعض) لابد أن يكون هناك دخول عربي ما. تصوّر لو أنه لم تكن هناك أي اشتراكات على الإطلاق أو أي حضور لسينمائيين من مختلف دروب العمل السينمائي بينما هناك حضور واف من كل شعوب العالم الحي في المقابل.
على ذلك، يغفل العدد الأكبر من النقاد العرب ذكر الواقع ويزيدون في تقديرهم لحجم المشاركات أكثر من نوعها وقيمتها الفعلية. ربما اعتاد البعض تزويد القارئ العربي بما يعتبره إلماماً بحال نشط تتبدّى فيه السينما العربية كعروس تتمايل صعوداً وهبوطاً فوق السجادة الحمراء. تؤم عروض مخصصة لها طوال الوقت. تلمع أمام الكاميرات وتنساب لجانب المواهب العالمية كتفاً بكتف.  لكن الواقع الفعلي هو  أن القليل جداً من مثل هذه المناسبات المتباعدة لا يصنع نجاحاً وأن المشاركات العربية المهمّـة تقع خارج نطاق العروض الرسمية وتشمل محاولات المؤسسات العربية المختلفة توفير المعلومات المهمّـة لما يحدث على جبهات مهرجاناتها وإنتاجاتها وما تحضر له مستقبلاً. 
لذلك فإن القول أن هناك غياباً عربياً ليس قولاً دقيقاً، لكن كذلك التغني بوجوده كما لو كان استثنائياً  بحد ذاته. فحضوره هو تلبية لمتطلبات ضرورية أكثر منه إعلان عن اشتراك فعلي في فاعليات المهرجان الكبير. إنه أساور حول الزند وليس الزند نفسه. 
تمهيداً، هناك أكثر من طريقة اشتراك، أقواها أن تشمل المسابقة الأولى فيلماً عربياً ما. هذا كان كثيراً ما يحدث عندما كان المخرج يوسف شاهين ما زال حياً يرزق وأفلامه تعرض داخل وخارج المسابقة. كذلك حدث في حالتين أو ثلاثة للمخرج الجزائري محمد لخضر حامينا الذي فاز بالسعفة الذهبية سنة 1975 عن «ذكريات سنوات النار»
ومن قبل ذلك بعقود كان للحضور اللبناني والمصري نماذج أبطالها جورج نصر وكمال الشيخ وصلاح أبوسيف الذين عرضوا أفلامهم في المسابقة الرسمية وإن خرجوا منها، كمعظم العارضين، بلا جوائز.
هذا الحد القممي من المشاركة مفقود اليوم على نحو شبه تام إذ كان فيلم »بعد الواقعة»، للمصري يسري نصرالله آخر فيلم عربي قدّر له الإشتراك في المسابقة وقيل أن ذلك كان بمثابة تحية ليوسف شاهين إذ كان نصرالله أحد الذين تخرجوا من مدرسته وواكبه وتأثر بأسلوبه.
مهما يكن، فإن هذا الواقع لا يجب أن يصرفنا عن ملاحظة غياب بلدان عديدة جداً عن المسابقة: لا أفلام نرويجية أو فنلندية أو مكسيكية أو هندية أو برازيلية أو فيليبينية يتكرر حضورها. لكن هذه الدول المذكورة هو دول منفردة وتؤخذ على هذا النحو، بينما تشمل صفة «السينما العربية» نحو 12 بلدا منتجاً للأفلام ما يعني أن التغييب إما له مبرراته المنطقية من حيث لا وجود لفيلم يستحق الإشتراك جنباً إلى جنب الأفلام المتسابقة، وإما لمبررات لدى لجنة الإختيار ذاتها.

شروط واحتمالات
عملياً، تتجنّـب إدارة تييري فريمو انتخاب أفلام لا تتمتع بسمات رتصاميم إنتاجية معينة حتى وإن كانت جيدة. من بين نحو 1930 فيلم تم تقديمه إلى إدارة المهرجان ليصار إلى اختيار 49 فيلم هي المعروضة في كافّـة جوانبه، لا نعرف حتى عناوين هذه الأفلام ناهيك عما تدور أو من أخرجها. بالتالي، ليس هناك أي برهان على أن المنتقى هو الأفضل بالفعل أو لا. لكن المؤكد أن الفيلم العربي لا ينضوي تحت التصاميم الإنتاجية المطلوبة: الميزانية العالية، مناهج سينما المؤلف (التي يصر عليها المهرجان بحق)، المواضيع التي تحلق باستخدام أفضل العناصر والمواهب الفنية والتقنية.
هذا ليس مفاجئاً أو غريباً على المخرجين العرب ومن بينهم من حاول هذا العام، أو في الأعوام السابقة تجربة حظه. لكن هذا ما يفتح الباب أمامه للمشاركة في مسابقة «نظرة ما» التي كانت استقبلت في العام الماضي فيلم «إشتباك» محمد دياب داخل مسابقتها. لم يفز الفيلم في «كان» لكنه فاز في مهرجانات قرطاج وكاريلا وفالادوليد (جائزتين من هذا المهرجان الأسباني هما جائزة أفضل مخرج جديد وجائزة أفضل تصوير التي نالها أحمد جبر).
وبعد نحو عام على عرضه في كان، أضاف الفيلم إليه جائزة أخرى في مهرجان مونتريال للسينما الأفريقية.
الواقع اليوم هو أن الأفلام العربية لديها حظوظ محدودة غالباً (وليس دائماً) في أن تتبع آثر «اشتباك» أو «نحبك هادي» (الذي فاز بجائزتين في مسابقة مهرجان برلين سنة 2016). لكن ومع وجود فيلمين هذه السنة في مسابقة «نظرة ما» هما «الجمال والكلاب» لكوثر بن هنية (تونس) و«طبيعة الزمن» لكريم موسوي (الجزائر) فإن الوضع ليس بائسا تماماً.
في الوقت ذاته فإن ما هو أصعب منالاً تحقيق الإجتياح التجاري الذي حققه «اشتباك» ومن قبل «وجدة» السعودي و«سكر بنات» اللبناني. بذلك لا يرتد الجهد المبذول بفوائد مضاعفة في غالب الأحيان بل يكتفي بأن يثير قدراً عربياً من الإهتمام ناتج عن الرغبة في معرفة واقعها من خلال تواجدها في حاضرة الحدث السينمائي الكبير.
ما يحتل حيزاً كبيراً من الوجود العربي في "كان"، هذا العام وكل عام، المناسبات المقامة إحتفاءاً بمهرجانات عربية أو المكاتب المشادة للتعريف والترويج بها وبالسينما داخل بلدانها كذلك، وللمرة الأولى، وجود حوافز تشجيعية متمثلة بتأسيس «معهد الفيلم العربي» الذي سيقيم نشاطاً ملحوظاً هو الأول له في حاضرة المهرجان. هذه المؤسسة الجديدة هي ذات اهتمام أكاديمي يتماثل والبافتا والأوسكار وجائزة الإتحاد الأوروبي ويدعو السينمائيين، بمختلف حقولهم للإنضمام. 
على خط مواز، تشترك مؤسسة «ماد سوليوشنز»، التي يديرها بنجاح علاء كركوتي،  في المهرجان الحالي كما فعلت في العامين السابقين. لكنها تقيم، هذه المرّة عدة إحتفالات مهمّـة بينها ندورة بعنوان «حاضر ومستقبل اسواق السينما الدولية الناشئة» (هناك تضارب غير مفهوم ما بين كلمتي دولية وناشئة) وحفلة لإعلان جوائز النقاد المخصصة للأفلام العربية التي سسبق لها وأن عرضت في مهرجانات العالم خلال السنة الماضية. ثم تشارك في الحفل الذي ستقيمه الهيئة الملكية الأردنية التي ستعلن فيه عن «آخر مستجدات شركة ماد سوليوشنز ومركز السينما العربية» بينما ستقوم الهيئة بالإعلان عن ولادة مهرجان السينمائي الأول في مدينة عمّان

منصات إعلامية 
هذا يأتي بالتوازي مع ولادة مهرجان سينمائي جديد آخر هو مهرجان الجونة السينمائي في مصر يؤسسه رجل الأعمال الإعلامي نجيب ساويرس ويديره الزميل إنتشال التميمي. المهرجان الذي سيقع في منتجع الجونة على شاطئ البحر الأحمر سيقام تحت شعار «سينما من أجل الإنسانية»، لكن ما يجعل من وجوده علامة استفهام كبيرة (هو غير مسؤول عنها) هو ما سيتركه من تأثير على مهرجان القاهرة السينمائي الذي يقام كل سنة والذي اتخذ من «كان»، في الأعوام الماضية وتحت إدارات مختلفة، منصّـة إعلامية لترويج مهامه أسوة بكل المهرجانات المشاركة الأخرى.
هذه المهرجانات تشمل مهرجان دبي السينمائي الدولي في المقدّمة كونه اليوم المهرجان الذي يمثل الحضور العربي أكثر من سواه. ليس فقط لأن المهرجان بات حدثاً معروفاً ومطلوباً أكثر من سواه في العالم العربي، بل لأنه نجح في دفع العجلة التسويقية والترويجية للسينما العربية إلى الأمام.
يتوقع هذا العام حضور رئيسه عبدالحميد جمعة، ومديرته الإدارية بانديا شيفاني ومديره الفني مسعود أمرالله.
ثم هناك وجود المكاتب التابعة للمؤسسات مثل  «مؤسسة الدوحة للأفلام» ومؤسسات الإنتاج والترويج الآتية من المغرب وتونس والجزائر لجانب لبنان والأردن. 
بالعودة إلى الأفلام ذاتها، نجد ثلاثة أفلام قصيرة في مسابقة الفيلم القصير هي «المنع» لنورس أبو صالح (فلسطين) و«رجل يغرق» لمهدي فليفل (فلسطين) و«ترانزيت» للمعتصم أو عليم (الأردن).
في تظاهرة «نصف شهر المخرجين» هناك مجموعة من المواهب اللبنانية (بينها أحمد غصين ورامي قديح وشيرين أبو شقرا، يشتركن فيما يشبه مختبراً أسمه «ليبانون فاكتوري» سيتم عبره الترويج للأفلام القصيرة وأفلام التحريك المتوفرة والدعوة للإسهام في أفلام مستقبلية من النمط ذاته.
إذا ما بدا كل ذلك مفعماً بسبب كثرته وتعدد نشاطاته، دعونا أن لا ننسى أننا- رغم كل ذلك- ما زلنا على مسافة بينة من الوصول إلى الحضور الحقيقي الأمثل. ذلك الذي لا يمكن تعويضه: أفلام جيدة بمهارات حرفية عالية وأفكار شابّـة وبميزانيات وافية. أفلام تعي، سياسياً ما تقول وفنياً كيف تقوله وتلغي من البال الغربي سطوة غير مستحقة للفيلم الإيراني. فمن حيث العدد والعدّة لدينا مواهب أكبر بكثير من تلك التي توفره السينما الإيرانية. ما هو غائب (وكان دائماً الغائب الأول) هو: الكيفية.


May 15, 2017

يوميات "كان" 1


دورة جديدة حافلة بالأسئلة حول الهوية السينمائية
عملية تجاذب ونقد وشد حبال تسبق المهرجان العالمي الأول


ليس هناك ما يكفي من العواصف للتأثير على مهرجان "كان" الذي سينطلق يوم الأربعاء في السابع عشر من هذا الشهر.
المهرجان الفرنسي الذي سيحتفل بمرور 70 سنة على إنطلاق دورته الأولى سنة 1947 لا يلق بالاً للنقد الموجه إليه في كل سنة. لقد اعتاد عليه ولن يدخل سجالات مع أحد بشأنه. في السابق، نتذكر، أعيب عليه خلوّه من أفلام لمخرجات. استجاب المدير العام تييري فريمو للنقد وزاد النسبة قليلاً في العام الماضي ثم رفع النسبة  إلى حد ملحوظ هذا العام حيث ثلاثة أفلام من إخراج إناث في المسابقة الأولى،  وستة في مسابقة «نظرة ما»  ومخرجتان في قسم «عروض خاصة».
ما لم يقم به هو توسيع دائرة الدول المشاركة في المسابقة. فريمو لا يعتقد أن هناك سبباً لذلك. يقول في تصريح لمجلة «سكرين» البريطانية: "إنه من السخف أن أقول أنا فلان من هذه الدولة وأريد أن أسأل لماذا لا يوجد فيلم من بلدي. نحن هنا نتحدث عن سينما عالمية وهم يحاولون رفع الأعلام المحلية".
وأضاف: "لا أعرف كم فيلماً فرنسيا وكم فيلما بريطانياً، إيطالياً أو صينياً استلمناه. نحن لسنا مؤسسة إحصائية عليها أن تجيب على أسئلة من هذا النوع الذي لا علاقة له بما نحاول القيام به في هذا المهرجان".

بين مهرجان وآخر
هذا العام، وبالإضافة إلى تكرار هذا السؤال حيث استلم فريمو رسائل إلكترونية من كل أنحاء العالم تسأله عن سبب غياب هذه الدولة أو تلك، نشأت، في مطلع الأسبوع الماضي،  أزمة أخرى تتداولها الأوساط الإعلامية إلى الآن. المهرجان قرر استقبال فيلمين في مسابقته الرسمية من إنتاج شركة نتفلكس الأميركية هما «أوكجا» للكوري بونغ جون-هو  و«حكايات مايروفيتز» للأميركي نواه بومباخ. نقابة أصحاب الصالات الفرنسية استنكرت بلهجة شديدة، هذا القرار على أساس أن الفيلمين لن يعرضا تجارياً في صالات السينما الفرنسية. 
على الأثر، أصدرت إدارة المهرجان قراراً بأنها ستعدل في قانون المهرجان بالنسبة لهذا الموضوع وستنص على عدم إتاحة المجال لعرض إنتاجات سينمائية غير مبرمجة للعرض الصالاتي في فرنسا.
هذا ما دفع برئيس نتفلكس ريد هاستينغز إلى الرد على هذا الموضوع مصوّراً الأمر على النحو الذي يصوّر الشركة ضحية قيام «المؤسسة»، حد وصفه، بـ «التضييق علينا»
ولن يكون معروفاً الآن كيف ستتصرّف نتفلكس (أو الشركة المنافسة لها في مجال البث المباشر للمنازل أمازون) حيال هذا الموضوع في المستقبل خصوصاً إذا ما قامت مهرجانات دولية أخرى بالحظر نفسه. لكن المؤكد أن أحد الردود المتاحة هو الإستمرار في جلب مخرجين عالميين سبق لهم أن نالوا جوائز في مهرجانات عالمية، بما فيها "كان" طبعاً، وبالتالي رفع مستوى أفلامهم نوعياً إلى حيث يكون من الصعب على المهرجانات الدولية رفضها.
وبينما يوافق رؤساء مهرجانات فنيسيا ولوكارنو وكارلوفي فاري على الإجراء الذي اتخذه المهرجان الفرنسي بغية الحفاظ على الهوية الخاصّـة بالسينما (كما قالوا في تصريحاتهم قبل يومين) فإن مهرجان برلين امتنع عن التدخل في هذا السجال، بينما صرّح أحد رئيسي مهرجان تورنتو (وهو كاميرون بايلي) بأن مهرجانه منفتح على كل التجارب ذات النوعية الفنية الكبيرة سواء عرضت في صالات السينما أو لم تعرض".

 OKJA

دفاع "كان" عن قراره بتغيير قواعد الإشتراك لا ينطلق من دون إثارة بعض الشكوك. لأنه إذا لم يكن  للمرء دخل فيما إذا كان الفيلم مبيعاً سلفاً إلى دائرة توزيع الأفلام في صالات السينما الفرنسية أو سواها فلماذا يكون للمهرجان، «كان» أو سواه، دخل؟
الجواب بسيط نوعاً. مهرجان «كان» آل على نفسه سابقاً عرض الأفلام ذات الهوية السينمائية المحضة، وهذا حتى من قبل توسع دوائر العروض الإلكترونية وتأسيس شركة «نتفلكس» أو سواها. لكنه إذ جلب هذا العام فيلمين أميركيين من الإنتاج الإلكتروني، كما تقدم، فقد خرق ما تعهد به سابقاً. 
على أن هذا الجواب البسيط، نوعاً، يثير مشكلة أخرى لأنه لو أن المسألة في صلبها مسألة هوية الفيلم الفنية ومنهج الصناعة السينمائية التي قامت على الإنتاج الموجه للتويع السينمائي في الصالات المتخصصة، جاء من قِـبل إدارة المهرجان ورجوعاً عن قرارها هذه السنة، لكان هذا أمراً لا غبار عليه. لكن الإستجابة تبدو إذعاناً لشركات التوزيع وصالات السينما بعدما وجهت هذه رسالة إحتجاج إلى المهرجان بسبب فيلمي «نتفلكس».

بين المطرقة والسندان
هناك لغط كبير في هذا الشأن لكن ما يفتح جبهة من الأسئلة الأخرى هو السبب الذي من أجله تم إختيار هذين الفيلمين أساساً. فتييرو فريمو يقول أنه اختار «أوكجا» لإعجابه بأفلام مخرجه بونغ جون- هو، وأن الفيلم الآخر حكايات مايروفيتز») "تم عرضه عليّ من قِـبل منتجه). في المقابل، نلاحظ غياب السينما الأميركية ذات التمويل التقليدي. صحيح أن السينما الأميركية ممثلة بثلاثة أفلام، إلا أن واحداً منها فقط ينتمي إلى المصنع الهوليوودي بينما اتكل الآخران على شركات مستقلة.
هذا الفيلم الواحد هو «المنخدعات» لصوفيا كوبولا، وهو من إنتاج شركة مستقلة «أميركان زيتروب» (يملكها والد المخرجة فرنسيس فورد كوبولا)  ولو أن التوزيع العالمي ينتمي إلى شركة يونيفرسال.

THE MAYEROWITZ STORIES

الفيلمان الآخران مستقلان أيضاً وهما «ووندرسترك» (Wonder Struck في كلمة جامعة) لتود هاينز و«وقت طيب» لجوشوا وبن صفدي. ما هو مثير للتعجب هنا، وما لم يُشر إليه أحد، هو أن فيلم تود هاينز من إنتاج شركة «أمازون» الإلكترونية أيضاً فلم لم يثر هذا الموضوع أحداً كما أثاره اشتراك «نتفلكس»؟
الحقيقة أن المسألة شائكة. إذا ما غابت المؤسسات الأميركية الكبرى ارتفعت أصوات إحتجاج كم كبير من الإعلاميين لكونهم يعلمون أنه مع تلك الأفلام هناك فرصة للقاء وترويج ممثلين وممثلات الأفلام المشاركة. لكن إذا ما حضرت، قام فريق آخر لا يقل حجماً بالتساؤل عما إذا «كان» قد «بيع» لهوليوود.
من الزاوية ذاتها، يلاحظ هذا الناقد أن هناك عملين شتركان في إختيارات «كان» الرسمية من إنتاج تلفزيوني.  وهما «قمّـة البحيرة» لجين كامبيون و«توين بيكس» لديفيد لينش وهذا في الوقت الذي كان المهرجان أكد مراراً على أنه يحافظ على هويّـته السينمائية وأنه لن يتحوّل إلى عارض لأعمال تلفزيونية. 
قد يكون السبب هنا هو أن المخرجين، كامبيون ولينش، من السينمائيين الذين سبق لهم الفوز بالسعفة الذهبية في السنوات الماضية، لكن هذا لا يجيب تماماً على السؤال. 
أما ما يعنيه تغييب أسماء الدول المشاركة فإن ذلك لا يعزز سوى ما سبق لمجلة «فاراياتي» الإشارة إليه منذ نحو عشر سنوات عندما لاحظت أن معظم الأفلام المشتركة في دورات مهرجان "كان" تحمل البصمة الفرنسية. ليس أن أحداً قبل المجلة الأميركية أو بعدها لم يلحظ ذلك، لكن لا أحذ ينتقد مثل هذه الفجوة الرئيسية التي تمنح السينما الفرنسية حضوراً شاسعاً لدرجة أنها تبدو كما لو كانت تنافس بعضها بعضاً.



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular